صفحة 6 من 40 الأولىالأولى ... 234567891016 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 76 إلى 90 من 587

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #76
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة الثانية والثمانون

    لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً

    قال ابن عطية


    في قوله: { لا يستوي } إبهام على السامع هو أبلغ من تحديد المنزلة التي بين المجاهد والقاعد، فالمتأمل يمشي مع فكرته ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما، و { القاعدون } عبارة عن المتخلفين، إذ القعود هيئة من لا يتحرك إلى الأمر المقعود عنه في الأغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة، " غيرُ أولي الضرر " برفع الراء من غير، وقرأ الأعمش وأبو حيوة " غيرِ " بكسر الراء فمن رفع جعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه، كما هي عنده صفة في قوله تعالى:{ غير المغضوب } [الفاتحة:7] بجر غير صفة، ومثله قول لبيد: [الرمل]

    وَإذَا جُوزِيتَ قِرْضاً فاجْزِهِ إنَّما يُجْزَى الْفَتى غَيْرَ الْجَمَلْ
    قال المؤلف: كذا ذكره أبو علي، ويروى ليس الجمل، ومن قرأ بنصب الراء جعله استثناء من القاعدين، قال أبو الحسن: ويقوي ذلك أنها نزلت بعدها على طريق الاستثناء والاستدراك.

    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد يتحصل الاستدراك بتخصيص القاعدين بالصفة، قال الزجّاج: يجوز أيضاً في قراءة الرفع أن يكون على جهة الاستثناء، كأنه قال: " لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر " فإنهم يساوون المجاهدين.

    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مردود، لأن { أولي الضرر } لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر، قال: ويجوز في قراءة نصب الراء أن يكون على الحال، وأما كسر الراء فعلى الصفة للمؤمنين

    وقال القرطبي


    قوله تعالى: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } أي من دون الله { إِلاَّ إِنَاثاً }؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام. و { إِنٍ } نافية بمعنى { مَآ }. و { إِنَـظ°ثاً } أصناماً، يعني اللاّت والعُزَّى ومَنَاةَ. وكان لكل حيٍّ صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، قاله الحسن وابن عباس، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم؛ فخرج الكلام مخرج التعجب؛ لأنّ الأنثى من كل جنس أخسّه؛ فهذا جهل ممن يشرك بالله جماداً فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: { إِلاَّ إِنَاثاً } مواتا؛ لأن الموَات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموَات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لاتّضاع المنزلة؛ تقول: الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني. وقيل: { إِلاَّ إِنَـظ°ثاً } ملائكة؛ لقولِهِم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله؛ عن الضحاك. وقراءة ابن عباس «إلاّ وَثَنا» بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس؛ وقرأ أيضاً «وُثُنا» بضم الثاء والواو، جمع وثن. وأوثان أيضاً جمع وَثَن مثل أسد وآساد. النحاس: ولم يقرأ به فيما علمت.

    قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري ـ حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ: «إن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاّ أَوْثَاناً». وقرأ ظ±بن عباس أيضاً «إلا أُثُناً» كأنه جمع وَثَناً على وِثان؛ كما تقول: جمل وجِمال، ثم جمع وِثانا على وُثُن؛ كما تقول: مثال ومُثُل؛ ثم أبدل من الواو همزة لما ظ±نْضمت؛ كما قال عز وجل:{ وَإِذَا ظ±لرُّسُلُ أُقِّتَتْ } [المرسلات: 11] من الوقت؛ فأُثنُ جمع الجمع. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم «إلا أُنُثا» جمع أَنِيث، كغَدِير وغُدُر. وحكى الطبري أنه جمع إنَاث كثِمَار وثُمُر. حكى هذه القراءة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو عَمرو الدّانِيّ؛ قال: وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حَيْوَة

  2. #77
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة الثالثة والثمانون

    قال ابن عطية

    وقوله تعالى: { وأن تلووا أو تعرضوا } قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر, فاللّي على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنقاذه للذي يميل القاضي عليه، وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل، وقال ابن عباس أيضاً، ومجاهد، وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم: هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها، فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها.

    قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة والتوسط بين الناس، وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة فتأمله، وقرأ جمهور الناس " تلووا " بواوين من لوى يلوي على حسب ما فسرناه،

    وقرأ حمزة وابن عامر وجماعة في الشاذ " وأن تلُو " بضم اللام وواو واحدة، وذلك يحتمل أن يكون أصله " تلئوا " على القراءة الأولى، همزت الواو المضمومة كما همزت في أدؤر، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء " لوى " ثم حذفت لاجتماع ساكنين، ويحتمل أن تكون " تلوا " من قولك ولي الرجل الأمر، فيكون في الطرف الآخر من { تعرضوا } كأنه قال تعالى للشهود وغيرهم: وإن وليتم الأمر وأعرضتم عنه فالله تعالى خبير بفعلكم ومقصدكم فيه، فالولاية والإعراض طرفان، والليّ والإعراض في طريق واحد، وباقي الآية وعيد

    وقال الطبري

    . واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَإِن تَلْوُواْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى الكوفة { وَإِن تَلْوُواْ } بواوين من لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني دَيْني، وذلك إذا مَطَلوه، لَيًّا. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة «وَإنْ تَلُوا» بواو واحدة ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان أحدهما أن يكون قارئها أراد همز الواو لانضمامها، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز في اللام إذ أسقطه، وبقيت واو واحدة، كأنه أراد تلوؤا، ثم حذف الهمز. وإذا عني هذا الوجه كان معناه معنى من قرأ { وَإِن تَلْوُواْ } بواوين غير أنه خالف المعروف من كلام العرب، وذلك أن الواو الثانية من قوله { تَلْوُواْ } واو جمع، وهي علم لمعنى، فلا يصحّ همزها ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علم المعنى الذي له أدخلت الواو المحذوفة. والوجه الآخر أن يكون قارئها كذلك، أراد إن تلوا، من الولاية، فيكون معناه وإن تلوا أمور الناس، أو تتركوا. وهذا معنى إذا وجه القارىء قراءته على ما وصفنا إليه، خارج عن معاني أهل التأويل وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون تأويل الآية. فإذا كان فساد ذلك واضحاً من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا { وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } بمعنى الليّ الذي هو مطل، فيكون تأويل الكلام وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيام له بها، فتغيروها، وتبدّلوا، أو تعرضوا عنها، فتتركوا القيام له بها، كما يلوي الرجل دين الرجل، فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلاً منه له، كما قال الأعشى
    يَلْوِينَنِي دَيْنِي النَّهارَ وأقْتَضِي دَيْنِي إذا وَقَذَ النُعَّاسُ الرُّقَّدَا

    انتهى الجزء الخامس بفضل الله وكرمه وعطائه

  3. #78
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجزء السادس

    الجوهرة الرابعة والثمانون

    { لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً }

    قال ابن عطية

    واختلف القراء في قوله تعالى { إلا من ظلم } وقراءة جمهور الناس بضم الظاء وكسر اللام، وقرأ ابن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومسلم بن يسار وغيرهم " إلا من ظَلَم " بفتح الظاء واللام، واختلف المتأولون على القراءة بضم الظاء، فقالت فرقة: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول " إلا من ظُلم " فلا يكره له الجهر به، ثم اختلفت هذه الفرقة في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعنّي عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حلْ بيني وبين ما يريد من ظلمي، وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو أحسن له، وقال مجاهد وغيره: هو في الضيف المحول رحله، فإنه يجهر الذي لم يكرمه بالسوء من القول، فقد رخص له أن يقول فيه: وفي هذا نزلت الآية، ومقتضاها ذكر الظلم وتبيين الظلامة في ضيافة وغيرها، وقال ابن عباس والسدي: لا بأس لمن ظَلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه، ويجهر له بالسوء من القول.

    قال القاضي رحمه الله: فهذه الأقوال على أربع مراتب:

    قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول.

    وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء.

    وقول مجاهد، ذكر الظلامة والظلم.

    وقول السدي الانتصار بما يوازي الظلامة.

    وقال ابن المستنير: { إلا من ظلم } معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفراً أو نحوه، فذلك مباح، والآية في الإكراه، واختلف المتأولون على القراءة بفتح الضاد واللام، فقال ابن زيد: المعنى " إلا من ظلم " في قول أو فعل، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ والرد عليه، قال: وذلك أنه لما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار، كان ذلك جهراً بالسوء من القول. ثم قال لهم بعد ذلك{ ما يفعل الله بعذابكم } [النساء: 147] الآية، على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان، ثم قال للمؤمنين: " ولا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا لمن ظلم " في إقامته على النفاق، فإنه يقال له: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل؟ ونحو هذا من الأقوال، وقال قوم معنى الكلام: " ولا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول " ثم استثنى استثناء منقطعاً، تقديره: لكن من ظلم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك وإعراب { من } يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البدل من أحد المقدر، و " سميع عليم ": صفتان لائقتان بالجهر بالسوء وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي عليه، ولما ذكر تعالى عذر المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه، والعفو عن السوء،

    وقال الطبري

    قال أبو جعفر وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ { إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ } بضمّ الظاء، لإجماع الـحجة من القرّاء وأهل التأويـل علـى صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بـالفتـح. فإذ كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فـالصواب فـي تأويـل ذلك لا يحبّ الله أيها الناس أن يجهر أحد لأحد بـالسوء من القول { إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ } بـمعنى إلا من ظُلـم فلا حرج علـيه أن يخبر بـما أسيء إلـيه. وإذا كان ذلك معناه، دخـل فـيه إخبـار من لـم يُقْرَ أو أسيء قِرَاه، أو نـيـل بظلـم فـي نفسه أو ماله عَنوة من سائر الناس، وكذلك دعاؤه علـى من ناله بظلـم أن ينصره الله علـيه، لأن فـي دعائه علـيه إعلاماً منه لـمن سمع دعاءه علـيه بـالسوء له. وإذ كان ذلك كذلك، فـ «مَنْ» فـي موضع نصب، لأنه منقطع عما قبله، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها، فهو نظير قول{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ* إِلاَّ مَن تَوَلَّىظ° وَكَفَرَ } الغاشية 22-23.

    وقال السمين

    قوله تعالى: { فَقَدْ سَأَلُواْ }: في هذه الفاءِ قولان، أحدهما: أنها عاطفةٌ على جملة محذوفة، قال ابن عطية: " تقديره: فلا تبال يا محمد بسؤالِهم وتشطيطهِم فإنها عادتُهم، فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك.

    والثاني: أنها جوابُ شرطٍ مقدر، قال الزمخشري أي: إنْ استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا " و " أكبَرَ " صفةٌ لمحذوف أي: سؤالاً أكبر من ذلك. والجمهور: " أكبرَ " بالباء الموحدة، وقراءة الحسن " أكثر " بالثاء المثلثة

  4. #79
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة الخامسة والثمانون

    لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }

    قال السمين

    قوله: والمقيمين " قراءةُ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة " والمقيمون " بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق.

    فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها اقوال النحاة، وفيها ستةُ أقوال،

    أظهرهما: وعزاه مكي لسيبويه، وأبو البقاء للبصريين - أنه منصوبٌ على القطع، يعني المفيدَ للمدح كما في قطع النعوت، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضل الصلاة فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأن جُعِل في جملة أخرى، وكذلك القطعُ في قوله { وَظ±لْمُؤْتُونَ ظ±لزَّكَاةَ } على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً، لكن على هذا الوجه يجب أن يكونَ الخبرُ قولَه: " يؤمنون " ولا يجوز أن يكون قوله { أُوْلَـغ¤ئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ } لأن القطع إنما يكونَ بعد تمامِ الكلام. قال مكي: " ومَنْ جَعلَ نَصْبَ " المقيمين " على المدحِ جَعَلَ خبرَ " الراسخين ": " يؤمنون " ، فإنْ جَعَل الخبر " أولئك " سنؤتيهم " لم يجز نصب " المقيمين " على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام " وقال الشيخ: " ومَنْ جعل الخبرَ: أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيفٌ " قلت: هذا غيرُ لازمٍ، لأنه هذا القائلَ لا يَجْعَلُ نصبَ " المقيمين " حينئذٍ منصوباً على القطع، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارتكبَ وجهاً ضعيفاً في تخريج " المقيمين " كما سيأتي. وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلِ حرف العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنق:

    1674- لا يَبْعَدَن قومي الذين همُ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
    النازلين بكلِّ معتَركٍ والطيبون معاقدَ الأزْرِ
    على جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه؛ لأنها قطعت " النازين " فنصبته، و " الطيبون " فرفعَتْه عن قولِها " " قومي " ، وهذا الفرقُ لا أثرَ له؛ لأنه في غيرِ هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف، أنشد سيبويه:
    1675- ويَأْوي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ وشُعْثاً مراضيعَ مثلَ السَّعالِي
    فنصب " شعثاً " وهو معطوف.

    الثاني: أن يكونَ معطوفاً على الضمير في " منهم " أي: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة.

    الثالث: أن يكون معطوفاً على الكاف في " إليك " أي: يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء.

    الرابع: أن يكونَ معطوفاً على " ما " في " بما أُنْزِل " أي: يؤمنون " بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وبالمقيمين، ويُعْزَى هذا الكسائي.

    واختلفت عبارة هؤلاء في " المقيمين " فقيل: هم الملائكة قال مكي: " ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاةِ كقوله:{ يُسَبِّحُونَ ظ±لْلَّيْلَ وَظ±لنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } [الأنبياء: 20]. وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلمون، ويكون على حَذْفِ مضافٍ أي: وبدين المقيمين.

    الخامس: أن يكونَ معطوفاً على الكاف في " قبلك " أي: ومِنْ قبلِ المقيمين، ويعني بهم الأنبياءَ أيضاً.

    السادس: أن يكونَ معطوفاً على نفسِ الظرف، ويكونَ على حَذْفِ مضاف أي: ومن قبل المقيمين، فحُذِف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامه. فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ.

    وقد زعم قومٌ لا اعتبارَ بهم أنهم لحنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها خطأ من جهةِ غلط كاتبِ المصحف، قالوا: وأيضاً فهي في مصحفِ ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحف أُبيّ كذلك، وهذا لا يَصحُّ عن عائشة ولا أبان، وما أحسن قولَ الزمخشري رحمه الله: " ولا يُلتفت إلى ما زعموا مِنْ وقوعِه لَحْناً في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب الكتاب ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلُهم في الانجيل كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرة عن الاسلام وذَبَّ المطاعنِ عنه من ان يقولوا ثُلْمَةً في كتاب اله ليسُدَّها مَنْ بعدهم، وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يلحق بهم "

    وأمَّا قراءةُ الرفعِ فواضحةٌ.

    وقال الطبري

    وأولـى الأقوال عندي بـالصواب، أن يكون الـمقـيـمين فـي موضع خفض نسقاً علـى «ما» التـي فـي قوله { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } وأن يوجه معنى الـمقـيـمين الصلاة إلـى الـملائكة، فـيكون تأويـل الكلام والـمؤمنون منهم يؤمنون بـما أنزل إلـيك يا مـحمد من الكتاب وبـما أنزل من قبلك من كتبـي وبـالـملائكة الذين يقـيـمون الصلاة ثم يرجع إلـى صفة الراسخين فـي العلـم فـيقول لكن الراسخون فـي العلـم منهم، والـمؤمنون بـالكتب، والـمؤتون الزكاة، والـمؤمنون بـالله والـيوم الآخر. وإنـما اخترنا هذا علـى غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب «والـمقـيـمين»، وكذلك هو فـي مصحفه فـيـما ذكروا، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون فـي كل الـمصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ فـي كتابه بخلاف ما هو فـي مصحفنا. وفـي اتفـاق مصحفنا ومصحف أبـيّ فـي ذلك، ما يدلّ علـى أن الذي فـي مـصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الـخط، لـم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلـمون من علـموا ذلك من الـمسلـمين علـى وجه اللـحن، ولأصلـحوه بألسنتهم، ولقنوه للأمة تعلـيـماً علـى وجه الصواب. وفـي نقل الـمسلـمين جميعاً ذلك قراءة علـى ما هو به فـي الـخطّ مرسوماً أدلّ الدلـيـل علـى صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع فـي ذلك للكاتب. وأما من وجه ذلك إلـى النصب علـى وجه الـمدح للراسخين فـي العلـم وإن كان ذلك قد يحتـمل علـى بعد من كلام العرب لـما قد ذكرنا قبل من العلة، وهو أن العرب لا تعدل عن إعراب الاسم الـمنعوت بنعت فـي نعته إلا بعد تـمام خبره، وكلام الله جلّ ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلـى الذي هو به من الفصاحة. وأما توجيه من وجه ذلك إلـى العطف به علـى الهاء والـميـم فـي قوله { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ } أو إلـى العطف به علـى الكاف من قوله { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ } أو إلـى الكاف من قوله { وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه علـى الـمدح لـما قد ذكرت قبل من قبح ردّ الظاهر علـى الـمكنـي فـي الـخفض. وأما توجيه من وجه الـمقـيـمين إلـى الإقامة، فإنه دعوى لا برهان علـيها من دلالة ظاهر التنزيـل ولا خبر تثبت حجته، وغير جائز نقل ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن بغير برهان

    وقال الالوسي

    وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } عطف على { أَوْحَيْنَا } داخل في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء، وكما آتينا داود زبوراً ـ وإيثاره على أوحينا إلى داود ـ لتحقق المماثلة في أمر خاص، وهو إيتاء الكتاب بعد تحققها في مطلق الإيحاء؛ والزبور بفتح الزاي عند الجمهور وهو فعول بمعنى مفعول ـ كالحلوب والركوب ـ كما نص عليه أبو البقاء. وقرأ حمزة وخلف { زَبُوراً } بضم الزاي حيث وقع، وهو جمع زبر بكسر فسكون بمعنى مزبور أي مكتوب، أو زَبْر بالفتح والسكون كفلس وفلوس، وقيل: إنه مصدر كالقعود والجلوس، وقيل: إنه جمع زبور على حذف الزوائد، وعلى العلات جعل اسماً للكتاب المنزل على داود عليه السلام،

    وقال السمين

    وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي: " وكَلَّم اللَّهَ موسى " بنصب الجلالة، وهي واضحةٌ أيضاً.

    وقال ابن عطية

    ثم أخبر تعالى عن الكافرين الذين يصدون الناس عن سبيل الله أنهم قد بعدوا عن الحق و { ضلوا ضلالاً بعيداً } لا يقرب رجوعهم عنه ولا تخلصهم معه، وقرأ عكرمة وابن هرمز " وصُدوا " بضم الصاد.

    وقال السمين

    وقوله: { أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } تقدم نظيره وقرأ الحسن: " إنْ يكونُ " بكسرِ الهمزة ورفع " يكون " على أن " إنْ " نافية أي: ما يكون له ولد، فعلى قراءته يكون هذا الكلامُ جملتين، وعلى قراءة العامة يكون جملة واحدة.

    انتهت سورة النساء

  5. #80
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    سورة المائدة

    الجوهرة السادسة والثمانون


    قال القرطبي

    { أَن صَدُّوكُمْ } أصحابهم، بفتح الهمزة مفعول من أجله؛ أي لأن صدّوكم. وقرأ أبو عمرو وظ±بن كثير بكسر الهمزة «إن صدّوكم» وهو ظ±ختيار أبي عبيد. وروي عن الأعمش «إنْ يصدّوكم». قال ظ±بن عطية: فإن للجزاء؛ أي إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل. والقراءة الأُولى أمكن في المعنى. وقال النحاس: وأما «إن صدوكم» بكسر «إن» فالعلماء الجِلّة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء: منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمانٍ، وكان المشركون صدّوا المسلمين عام الحديبية سنة سِتٍّ، فالصدّ كان قبل الآية؛ وإذا قرىء بالكسر لم يجز أن يكون إلاَّ بعده؛ كما تقول: لا تعطِ فلاناً شيئاً إن قاتلك؛ فهذا لا يكون إلاَّ للمستقبل، وإن فتحت كان للماضي، فوجب على هذا ألاّ يجوز إلاَّ «أَنْ صَدُّوكُمْ». وأيضاً فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجباً؛ لأن قوله: «لا تُحِلّوا شَعَائِر ظ±للَّهِ» إلى آخر الآية يدل على أن مَكّة كانت في أيديهم، وأنهم لا ينهون عن هذا إلاَّ وهم قادرون على الصدّ عن البيت الحرام، فوجب من هذا فتح «أن» لأنه لِما مضى....

    وقال الطبري

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى أنْ صَدُّوكُمْ عنْ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ أنْ تَعْتَدُوا. اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـمدينة وعامة قرّاء الكوفـيـين { أَنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أَن» بـمعنى لا يجرمنكم بغض قوم بصدّهم إياكم عن الـمسجد الـحرام أن تعتدوا. وكان بعض قرّاء الـحجاز والبصرة يقرأ ذلك { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إنْ يَصُدُّوئكُمْ } بكسر الألف من «إن» بـمعنى ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا. فزعموا أنها فـي قراءة ابن مسعود { إنْ يَصُدُّوكُمْ } فقرءوا ذلك كذلك اعتبـاراً بقراءته. والصواب من القول فـي ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان فـي قراءة الأمصار، صحيح معنى كلّ واحدة منهما. وذلك أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم صدّ عن البـيت هو وأصحابه يوم الـحديبـية، وأنزلت علـيه سورة الـمائدة بعد ذلك. فمن قرأ { أنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أن» فمعناه لا يحملنكم بغض قوم أنها الناس من أجل أن صدوكم يوم الـحديبـية عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا علـيهم. ومن قرأ { إنْ صَدُّوكُمْ } بكسر الألف، فمعناه لا يجرمنكم شنآن قوم إن صَدوكم عن الـمسجد الـحرام إذا أردتـم دخوله، لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتـح مكة قد حاولوا صَدّهم عن الـمسجد الـحرام فتقدم اللّه إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسرإن بالنهي عن الإعتداءعليهم إن هم صَدّوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصَّادّين.

    غير أن الأمر وإن كان كما وصفت، فإن قراءة ذلك بفتـح الألف أبـين معنى، لأن هذه السورة لا تَدَافُع بـين أهل العلـم فـي أنها نزلت بعد يوم الـحُدَيْبِـيَة. وإذ كان ذلك كذلك، فـالصدّ قد كان تقدّم من الـمشركين، فنهى الله الـمؤمنـين عن الاعتداء علـى الصادين من أجل صدّهم إياهم عن الـمسجد الـحرام،

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن مسعود " أن يصدوكم " وهذه تؤيد قراءة أبي عمرو وابن كثير.

    وقال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " مكَلّبين " بفتح الكاف وشد اللام والمكلب معلم الكلاب ومضريها ويقال لمن يعلم غير كلب مكلب لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب، وقرأ الحسن وأبو زيد " مكْلبين " بسكون الكاف وتخفيف اللام ومعناه أصحاب كلاب يقال: أمشى الرجل كثرت ماشيته وأكلب كثرت كلابه، وقال بعض المفسرين: المكلب بفتح الكاف وشد اللام صاحب الكلاب.

  6. #81
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة السابعة والثمانون(القراءات والفقه)

    قال السمين

    قوله: { وَأَرْجُلَكُمْ } قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم: " أرجلكم " نصباً، وباقي السبعة: وأرجلكم " جراً، والحسن بن أبي الحسن: " وأرجلُكم " رفعاً، فأمَّا قراءة النصب ففيها تخريجان، أحدُهما: أنها معطوفةٌ على " ايديكم " فإنَّ حكمَها الغُسْلُ كالأوجه والأيدي، كأنه قيل: " واغسلوا أرجلكم " إلا أنَّ هذا التخريجَ أفسده بعضُهم بأنه يلزم منه الفصلُ بين المتعاطِفَيْنِ بجملةٍ غير اعتراضية لأنها مُنْشِئَةٌ حمكاً جديداً فليس فيها تأكيد للأول. وقال ابن عصفور- وقد ذكر الفصلَ بين المتعاطِفَيْن -: " وأقبحُ ما يكونُ ذلك بالجمل " فدلَّ قولُه على أنه لا يجوزُ تخريجُ الآية على ذلك. وقال أبو البقاء عكسَ هذا فقال: " وهو معطوفٌ على الوجوه " ثم قال " وذلك جائزٌ في العربية بلا خلاف " وجَعَلَ السنِّيَّة الواردة بغسل الرجلين مقويةً لهذا التخريج، وليس بشيء، فإنَّ لقائل أن يقول: يجوز أن يكون النصب على محلِّ المجرور وكان حكمُها المسحَ ولكن نُسِخ ذلك بالسنَّة وهو قولٌ مشهورٌ للعلماء. والثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على محل المجرور قبله، كما تقدَّم تقريرُه قبل ذلك.

    وأمَّا قراءةُ الجر ففيها أربعةُ تخاريجَ، أحدها: أنه منصوبٌ في المعنى عطفاً على الأيدي المغسولة، وإنما خُفض على الجوار، كقولهم: " هذا جُحْرُ ضبٍّ خَرِبٍ " بجر " خرب " وكان مِنْ حَقِّه الرفعُ لأنه صفة في المعنى للجحر لصحة اتصافه به، والضَّبُّ لا يوصف به، وإنما جَرُّه على الجوار، وهذه المسألة عند النحويين لها شرط وهو أن يُؤْمَنَ اللبس كما تقدم تمثيله، بخلاف: " قام غلام زيد العاقل " إذا جعلت " العاقل " نعتاً للغلام امتنع جَرُّه على الجوار لأجل اللَّبْس، وأنشد أيضاً قول الشاعر:
    1701- كأنما ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعينِها قُطْناً بمستحصِدِ الأوتارِ ....

    وممن نَصَّ على ضعفِ تخريجِ الآية على الجوارمكي بن أبي طالب وغيرُه، قال مكي: " وقال الأخفش وأبو عبيدة: " الخفضُ فيه على الجوار، والمعنى للغسل " وهو بعيد لا يُحْمل القرآن عليه " وقال أبو البقاء " وهو الإِعرابُ الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته فقد جاء في القرآن والشعر، فَمِنَ القرآن قولُه تعالى:{ وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة: 22] على قراءة مَنْ جَرَّ، وهو معطوفٌ على قوله: { بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } وهو مختلفُ المعنى، إذ ليس المعنى: يَطُوف عليهم وِلْدان مخلَّدون بحورٍ عين. وقال النابغة:
    1706- لم يَبْقَ إلاَّ أسيرٌ غيرُ مُنْفَلِتٍ أو مُوْثَقٍ في حبال القومِ مَجْنُوبِ
    والقوافي مجرورةٌ، والجوارُ مشهورٌ عندهم في الإِعراب ....


    التخريج الثاني: أنه معطوفٌ على " برؤوسكم " لفظاً ومعنى، ثم نُسِخ ذلك بوجوبِ الغسل، أو هو حكمٌ باقٍ، وبه قال جماعة، أو يُحمل مسحُ الأرجلِ على بعضِ الأهوال وهو لُبْسُ الخفِّ، ويُعزى للشافعي. التخريج الثالث: انها جُرَّت مَنْبَهَةً على عدم الإِسراف باستعمال الماء لأنها مَظَنَّةٌ لصبِّ الماءِ كثيراً، فَعَطَفَتْ على الممسوح، والمرادُ غَسْلُها لِما تقدم، وإليه ذَهَب الزمخشري. قال: " وقيل: " إلى الكعبين " فجيء بالغاية إماطة لظنَّ ظانَّ يَحْسَبُها ممسوحة، لأنَّ المسح لم تُضْرب له غايةٌ في الشريعة " وكأنه لم ترتضِ هذا القول الدافعَ لهذا الوهمِ وهو كما قال. التخريج الرابع: أنها مجرورةٌ بحرفِ جرٍ مقدرٍ دَلَّ عليه المعنى، ويتعلَّق هذا الحرفُ بفعلٍ محذوفٍ أيضاً يليق بالمحل، فيُدَّعى حذفُ جملةٍ فعلية وحَذْفُ حرفِ جر، قالوا: وتقديرُه: " وافعَلُوا بأرجلِكم غسلاً ".

    قال أبو البقاء: " وحَذْفُ حرفِ الجر وإبقاءُ الجرِ جائزٌ كقوله:
    1708- مشائيمُ ليسوا مُصْلِحينَ عشيرةً ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها
    وقال الآخر:
    1709- بدا ليَ أنِّي لستُ مُدْرِكَ ما مضى ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائِيا
    فجُرَّ بتقديرِ الباء، وليس بموضعِ ضرورةٍ، وقد أَفْرَدْتُ لهذه المسألةِ كتاباً " قوله: " وإبقاء الجر " ليس على إطلاقهِ، وإنما يَطَّرد منه مواضعُ نصَّ عليها أهلُ اللسانِ ليس هذا منها، وأمَّا البيتان فالجرُّ فيهما عند النحاة يسمى " العطف على التوهُّم " يعني كأنه توهَّم وجودَ الباء زائدةً في خبر " ليس " لأنها يكثُر زيادتُها، ونَظَّروا ذلك بقوله تعالى:{ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } [المنافقون: 10] بجزم " أَكُنْ " عطفاً على " فأصَّدَّق " على توهُّم سقوط الفاء من " فأصَّدَّق " نَصَّ عليه سيبويه وغيرُه، فظهرَ فساد هذا التخريج.

    وأمَّا قراءةُ الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي: وأرجلُكم مغسولةٌ أو ممسوحة على ما تقدم في حكمها. والكلام في قوله: " إلى الكعبين " كالكلام في " إلى المرفقين ". والكعبان فيهما قولان مشهوران، أشهرهما: أنهما العَظْمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، في كل رِجْلٍ كعبان. والثاني: أنه العظم الناتئ في وجه القدم حيث يجتمع شِراك النعل، ومرادُ الآية هو الأول. والكعبة: كلُّ بيتٍ مربع، وسيأتي بيانُه في موضعِه....

    وقال الطبري


    فإذا كان فـي الـمسح الـمعنـيان اللذان وصفنا من عموم الرجلـين بـالـماء، وخصوص بعضهما به، وكان صحيحاً بـالأدلة الدالة التـي سنذكرها بعد أن مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والـمسح فبـين صواب القراءتـين جميعاً، أعنـي النصب فـي الأرجل والـخفض، لأن فـي عموم الرجلـين بـمسحهما بـالـماء غسلهما، وفـي إمرار الـيد وما قام مقام الـيد علـيهما مسحهما، فوجه صواب قراءة من قرأ ذلك نصبـاً لـما فـي ذلك من معنى عمومهما بإمرار الـماء علـيهما. ووجه صواب قراءة من قرأه خفضاً لـما فـي ذلك من إمرار الـيد علـيهما، أو ما قام مقام الـيد مسحاً بهما. غير أن ذلك وإن كان كذلك وكانت القراءتان كلتاهما حسناً صوابـاً، فأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضاً لـما وصفت من جمع الـمسح الـمعنـيـين اللذين وصفت، ولأنه بعد قوله { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } فـالعطف به علـى الرؤوس مع قربه منه أولـى من العطف به علـى الأيدي، وقد حيـل بـينه وبـينها بقوله { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ }. فإن قال قائل وما الدلـيـل علـى أن الـمراد بـالـمسح فـي الرجلـين العموم دون أن يكون خصوصاً نظير قولك فـي الـمسح بـالرأس؟ قـيـل الدلـيـل علـى ذلك تظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " وَيْـلٌ للأَعْقابِ وَبُطُونِ الأقْدَامِ منَ النارِ " ، ولو كان مسح بعض القدم مـجزياً عن عمومها بذلك لـما كان لها الويـل بترك ما ترك مسحه منها بـالـماء بعد أن يـمسح بعضها، لأن من أدّى فرض الله علـيه فـيـما لزمه غسله منها لـم يستـحقّ الويـل....

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَأَرْجُلَكُمْ } قرآ نافع وابن عامر والكسائي «وَأَرْجُلَكمْ» بالنصب؛ وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ «وَأَرْجُلُكُمْ» بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة «وَأَرْجُلِكُم» بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون؛ فمن قرأ بالنصب جعل العامل «أَغْسِلُوا» وبنى على أن الفرض في الرِّجلين الغَسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافّة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، واللازم من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوماً يتوضئون وأعقابهم تلُوح فنادى بأعلى صوته:ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم إن الله حدَّهما فقال: «إلَى الْكَعْبين» كما قال في اليدين «إلَى المْرَافِق» فدّل على وجوب غسلهما؛ والله أعلم. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء، قال ابن العربي: ٱتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رَدّ ذلك سوى الطَبري من فقهاء المسلمين، والرّافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الخفض.

    قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وروى أن الحجاج خطب بالأهْوَاز فذكر الوضوء فقال: ٱغسلوا وجوهكم وأيديكم وٱمسحوا برءوسكم وأرجلكم، فإنه ليس شيء من ٱبن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فسمع ذلك أنس ابن مالك فقال: صدق الله وكذب الحجاج؛ قال الله تعالى { وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ } قال: وكان إذا مسح رجليه بلّهما، وروى عن أنس أيضاً أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وكان عِكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح؛ ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلاً، ويُلغي ما كان مسحاً. وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين؛ قال النحاس؛ـ ومن أحسن ما قيل فيه؛ أن المسح والغسل واجبان جميعاً؛ فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين. قال ٱبن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرّجلين هو الغسل.

    قلت: وهو الصحيح؛ فإن لفظ المسح مشترك، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل؛ قال الهروي: أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الدَّاريّ عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال: المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحاً، ومنه يقال: للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تَمسَحّ؛ ويقال: مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال: إن المراد بقراءة الخفض الغَسل؛ بقراءة النصب التي لا احتمال فيها، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغَسل، والتوعّد على ترك غَسلها في أخبار صحاح لا تُحصى كثرة أخرجها الأئمة؛ ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرّجلين، التقدير؛ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وأمسحوا برءوسكم؛ فلما كان الرأس مفعولاً قبل الرِّجلين قُدَّم عليهما في التلاوة ـ والله أعلم ـ لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدّمه عليهما في صفة التطهير. وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي قال: قرأ الحسن والحسين ـ رحمة الله عليهما ـ عَلَيَّ «وَأَرْجُلِكُمْ» فسمع عليٌّ ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: { وَأَرْجُلَكُمْ } هذا من المقدّم والمؤخر من الكلام.....

  7. #82
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة الثامنة والثمانون

    قال ابن عطية

    قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد " يُخافون " بضم الياء، وقرأ الجمهور " يَخافون " بفتح الياء، وقال أكثر المفسرين: الرجلان يوشع بن نوف وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفنا، ويقال فيه كلاب، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا، وهو صهر " موسى " على أخته، قال الطبري: اسم زوجته مريم بنت عمران، ومعنى { يخافون } أي الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق، وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن { أنعم الله عليهما } بالإيمان والثبوت مع خوفهما، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود: " قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم عليهما ".

    وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان، أحدها ما روي من أن الرجلين كانت من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه، فكانا من القوم الذين يخافون لكن { أنعم الله عليهما } بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم بقومنا، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم، فهم " يخافون " بهذا الوجه. والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين يخافون بأوامر الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحاً لهم على نحو المدح في قوله تعالى:{ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } [الحجرات:3...

  8. #83
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    وقال الطبري

    ورُوي عن سعيد بن جبـير أنه كان يقرأ ذلك «قال رَجُلانِ منَ الَّذِينَ يُخافونَ» بضم الـياء «أنعم اللّهُ عَلَـيْهِما». حدثنـي بذلك أحمد بن يوسف، قال ثنا القاسم بن سلام، قال ثنا هشيـم، عن القاسم بن أبـي أيوب، ولا نعلـمه أنه سمع منه، عن سعيد بن جبـير أنه كان يقرؤها بضم الـياء من «يُخافُونَ». وكأنَّ سعيداً ذهب فـي قراءته هذه إلـى أن الرجلـين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبنـي إسرائيـل ادخـلوا علـيهم البـاب فإذا دخـلتـموه فإنكم غالبون، كانا من رهط الـجبـابرة، وكانا أسلـما واتبعا موسى، فهما من أولاد الـجبـابرة، الذين يخافهم بنو إسرائيـل وإن كان لهم فـي الدين مخالفـين. وقد حُكِي نـحو هذا التأويـل عن ابن عبـاس. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا عبد الله قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله{ ظ±دْخُلُوا ظ±لأَرْضَ ظ±لمُقَدَّسَةَ ظ±لَّتِي كَتَبَ ظ±للَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىظ° أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَظ°سِرِينَ } المائدة 21 قال هي مدينة الـجبـارين، لـما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثنـي عشر رجلاً، وهم النقبـاء الذين ذكر نعتهم لـيأتوه بخبرهم.

    فساروا، فلقـيهم رجل من الـجبـارين، فجعلهم فـي كسائه، فحملهم حتـى أتـى بهم الـمدينة، ونادى فـي قومه، فـاجتـمعوا إلـيه، فقالوا من أنتـم؟ فقالوا نـحن قوم موسى، بعثنا إلـيكم لنأتـيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب بوقر الرجل، فقالوا لهم اذهبوا إلـى موسى وقومه، فقولوا لهم اقدُروا قدر فـاكهتهم فلـما أتوهم، قالوا لـموسى{ ظ±ذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاغ¤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } المائدة 24 { قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما } وكانا من أهل الـمدينة أسلـما واتبعا موسى وهارون، فقالا لـموسى { ادْخُـلُوا عَلَـيْهِمُ البـابَ فإذَا دَخَـلْتُـمُوهُ فَإنَّكُمْ غالِبونَ وَعلى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ }. فعلـى هذه القراءة وهذا التأويـل لـم يكتـم من الاثنى عشر نقـيبـاً أحداً ما أمرهم موسى بكتـمانه بنـي إسرائيـل مـما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الـجبـابرة وشدّة بطشهم وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنـما القائل للقوم ولـموسى ادخـلوا علـيهم البـاب، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيـل يخافونهم ويرهبون الدخول علـيهم من الـجبـابرة، كانا أسلـما وتبعا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم. وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، قراءة من قرأ { مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما } لإجماع قرّاء الأمصار عليها وأن ما استفاضت به القراءة عنهم فحجة لايجوز خلافها وما انفرد به الواحد فجائز فـيه الـخطأ والسهو. ثم فـي إجماع الـحجة فـي تأويـلها علـى أنهما رجلان من أصحاب موسى من بنـي إسرائيـل وأنهما يوشع وكلاب، ما أغنى عن الاستشهاد علـى صحة القراءة بفتـح الـياء فـي ذلك وفساد غيره، وهو التأويـل الصحيح عندنا لـما ذكرنا من أجماعها علـيه.....

    الجوهرة التاسعة والثمانون

    { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }

    قال القرطبي

    الثالثة ـ قوله تعالى: { وَظ±لْعَيْنَ بِظ±لْعَيْنِ } قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف، ويجوز تخفيف «أَنَّ» ورفع الكل بالابتداء والعطف. وقرأ ظ±بن كثير وظ±بن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح. وكان الكِسائيّ وأبو عبيد يقرءان «وَظ±لْعَيْنُ بِظ±لْعَيْنِ وَظ±لأَنْفَ بِظ±لأَنْفِ وَظ±لأُذُنُ بِظ±لأُذُنِ وَظ±لسِّنُّ بِظ±لسِّنِّ وَظ±لْجُرُوحُ» بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: حدّثنا حجاج عن هرون عن عبّاد بن كثير عن عقيل عن الزّهريّ عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ظ±لنَّفْسَ بِظ±لنَّفْسِ وَظ±لْعَيْنُ بِظ±لْعَيْنِ وَظ±لأَنْفُ بِظ±لأَنْفِ وَظ±لأُذُنُ بِظ±لأُذُنِ وَظ±لسِّنُّ بِظ±لسِّنِّ وَظ±لْجُرُوحُ قِصَاصٌ». والرفع من ثلاث جهات؛ بالابتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع «أَنَّ النَّفْسَ»؛ لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس. والوجه الثالث ـ قاله الزجاج ـ يكون عطفاً على المضمر في النفس؛ لأن الضمير في النفس في موضع رفع؛ لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس؛ فالأسماء معطوفة على هي. قال ظ±بن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ظ±بتداء كلام حُكْم في المسلمين؛ وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ» وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين أُمِروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها؛ كأن المسلمين أُمِروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به

    ملحوظة

    قد يستدل بالقراءات فى الاية فى مسألة شرع من قبلنا شرع لنا والمسألة فى كتب اصول الفقه

    جاء فى شرح مختصر الروضة

    الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ بِالْقِصَاصِ فِي السِّنِّ، " وَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ: السِّنُّ بِالسِّنِّ إِلَّا مَا حُكِيَ فِيهِ عَنِ التَّوْرَاةِ " بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: " {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [الْمَائِدَةِ: 45] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْعًا لَهُ، لَمَّا قَضَى بِهِ...

    وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَلَيْسَ إِشَارَةً إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ، بَلْ إِمَّا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 194] ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْعُدْوَانَ فِي السِّنِّ وَغَيْرِهَا، أَوْ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [الْمَائِدَةِ: 45] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَالْجُرُوحُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ كِتَابِنَا وَشَرْعِنَا، لَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا.

  9. #84
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة التسعون

    { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } قرأ حمزة { وَلْيَحْكُمْ } بكسر اللام وفتح الميم، جعل اللام متعلقة بقوله{ وآتيناه الانجيل } [المائدة: 46] لأن إيتاء الإنجيل إنزال ذلك عليه، فكان المعنى آتيناه الإنجيل ليحكم، وأما الباقون فقرؤا بجزم اللام والميم على سبيل الأمر، وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخباراً عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله { وَكَتَبْنَا وَقَفَّيْنَا } يدل عليه، وحذف القول كثير كقوله تعالى:{ وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } [الرعد: 23] أي يقولون سلام عليكم، والثاني: أن يكون قوله { وَلْيَحْكُمْ } ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الإنجيل. فإن قيل: كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الأصم. والثاني: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، مما لم يصر منسوخاً بالقرآن، والثالث: المراد من قوله { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة، فالمعنى بقوله { وَلْيَحْكُمْ } أي وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريف ولا تبديل

  10. #85
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة الواحدة والتسعون

    قال القرطبي

    وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } أي عالياً عليها ومرتفعاً. وهذا يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب، على ما تقدّمت إليه الإشارة في «الفاتحة» وهو ٱختيار ٱبن الحصّار في كتاب شرح السنة له. وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى والحمد لله. وقال قَتَادة: المهيمِن معناه الشاهد. وقيل: الحافظ. وقال الحسن: المصدّق؛ ومنه قول الشاعر:
    إن الكتاب مُهيمِن لنبيّنا والحق يعرفه ذوو الألباب
    وقال ابن عباس: «وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» أي مؤتمناً عليه. قال سعيد بن جُبَير: القرآن مؤتمَن على ما قبله من الكتب. وعن ٱبن عباس والحسن أيضاً: المهيمن الأمين. قال المبرّد: أصله مُؤَيْمن أبدل من الهمزة هاء؛ كما قيل في أرَقْت الماء هَرَقت، وقاله الزجاج أيضاً وأبو عليّ. وقد صرف فقيل: هَيْمَنَ يُهيمِن هَيْمَنةً، وهو مُهَيْمِن بمعنى كان أميناً. الجوهريّ: هو من آمن غيره من الخوف؛ وأصله أأْمَنَ فهو مُؤَأمن بهمزتين، قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مُؤَيْمن، ثم صيرت الأُولى هاء كما قالوا: هَرَاق الماء وأرَاقه؛ يقال منه: هَيْمن على الشيء يُهيمِن إذا كان له حافظاً، فهو مُهيمن؛ عن أبي عُبيد. وقرأ مجاهد وابن مُحيصن: «وَمُهَيْمَناً عَلَيْهِ» بفتح الميم. قال مجاهد: أي محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن.

    وقال ابن عطية

    وقال مجاهد قوله تعالى: { ومهيمناً عليه } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم هو مؤتمن على القرآن.

    قال القاضي أبو محمد: وغلط الطبري رحمه الله في هذه الألفاظ على مجاهد فإنه فسر تأويله على قراءة الناس " مهيمِناً " بكسر الميم الثانية فبعد التأويل ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن " ومهيمَناً " عليه بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول. وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله: { مصدقاً } وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم و { عليه } في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي رحمه الله، وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد رحمه الله: " مهيمن " أصله " مويمن " بني من أمين، وأبدلت همزته هاء كما قالوا أرقت الماء وهرقته، قال الزجاج: وهذا حسن على طريق العربية، وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى " مهيمن " مؤتمن، وحكى ابن قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه، فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلباً فقال: إن ما قال ابن قتيبة رديء، وقال هذا باطل، والوثوب على القرآن شديد وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف وإنما جمع الكتب، انتهى كلام ثعلب.

    قال القاضي أبو محمد: ويقال من مهيمن هيمن الرجل على الشيء إذا حفظه وحاطه وصار قائماً عليه أميناً، ويحتمل أن يكون { مصدقاً ومهيمناً } حالين من الكاف في { إليك }. ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي

    وقال السمين

    وقرأ ابن محيصن ومجاهد: " ومُهَيْمَنا " بفتح الميم الثانية على أنه اسمُ معفولٍ بمعنى أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير، والفاعل هو الله تعالى:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9] أو لحافظ له في كل بلد، حتى إنه إذا غُيِرت منه الحركةُ تنبَّه لها الناسُ ورَدُّوا على قارئِها بالصواب، والضمير في " عليه " على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول، وعلى القراءةِ المشهورة عائد على الكتاب الثاني. وروي ابن أبي نجيح عن مجاهد قراءته بالفتح وقال: " معناه: محمد مُؤْتَمَنٌ على القرآن " قال الطبري: " فعلى هذا يكون " مهيمناً " حالاً من الكاف في " إليك " وطَعَن على هذا القول لوجود الواو في " ومهيمنا " لأنها عطف على " مصدقاً " و " مصدقاً " حال من الكتاب لا حال من الكاف؛ إذ لو كان حالاً منها لكان التركيب: " لما بين يديك " بالكاف.

    قال الشيخ: " وتأويلُه على أنه من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيدٌ عن نظم القرآن، وتقديره: " وجعلناك يا محمد مهيمناً " أبعدُ " يعني أن هذين التأويلين يصلحان أن يكونا جوابين عن قول مجاهد، لكن الأول بعيدٌ والثاني أبعدُ منه. وقال ابن عطية هنا بعد أن حكى قراءةَ مجاهد وتفسيرَه محمداً عليه السلام أنه أمين على القرآن: " قال الطبري: وقولُه ومهيمناً على هذا حالٌ من الكاف في قوله " إليك " قال: وهذا تأويلٌ بعيدٌ من المفهوم " قال: " وغَلِط الطبري في هذه اللفظةِ على مجاهد، فإنه فَسَّر تأويلَه على قراءة الناس: " مهيمناً " بكسر الميم الثانية فَبَعُدَ التأويل، ومجاهد - رحمة الله - إنما يقرأ هو وابن محيصن: " ومهيمَنا " بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول، وهو حالٌ من الكتاب معطوف على قوله: " مصدقاً " وعلى هذا يتجه أنَّ المؤتَمَنَ عليه هو محمد عليه السلام.

    قال: و " كذلك مشى مكي رحمه الله " قلت: وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يَرُدُّ على الطبري، فإنَّ الطبري استشكل كونَ " مهيمنا " حالاً من الكاف على قراءة مجاهد، وأيضاً فقد قال ابن عطية بعد ذلك: " ويحتمل أن يكون " مصدقاً ومهيمناً " حالَيْن من الكاف في " إليك " ، ولا يَخُصُّ ذلك قراءةَ مجاهد وحده كما زعم مكي، فالناس إنما استشكلوا كونَهما حالين من كاف " إليك " لقلق التركيب، وقد تقدَّم ما فيه وما نقله الشيخُ من التأويلين، وقوله: " لا يخص ذلك " كلامٌ صحيح، وإنْ كان مكي التزمه وهو الظاهر.

    و " عليه " في موضع رفع على قراءة ابن محيصن ومجاهد لقيامِه مقامَ الفاعل، كذا قال ابن عَطية، قلت: هذا إذا جعلنا " مهيمناً " حالاً من الكتاب، أمَّا إذا جعلناه حالاً من كاف " إليك " فيكونُ القائمُ مقامَ الفاعلِ ضميراً مستتراً يعودُ على النبي عليه السلامِ، فيكون " عليه " أيضاً في محلِّ نصبٍ كما لو قُرِئ به اسمَ فاعل.

    وقال ابن عطية

    أفحكم الجاهلية } ، وقرأ ابن عامر " تبغون " بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. وباقي السبعة " يبغون " بالياء من تحت

  11. #86
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة الثانية والتسعون

    { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ }

    قال ابن عطية

    اختلف القراء في هذه الآية فقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع " يقول " بغير واو عطف وبرفع اللام. وكذلك ثبت في مصاحف المدينة ومكة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم " ويقول " بإثبات الواو. وكذلك ثبت في مصاحف الكوفيين. وقال الطبري كذلك هي في مصاحف أهل الشرق. وقرأ أبو عمرو وحده " ويقولَ " بإثبات الواو وبنصب اللام. قال أبو علي وروى علي بن نصر عن أبي عمرو والنصب والرفع في اللام. فأما قراءة ابن كثير ونافع فمتعاضدة مع قراءة حمزة والكسائي. لأن الواو ليست عاطفة مفرد على مفرد مشركة في العامل وإنما هي عاطفة جملة على جملة وواصلة بينهما والجملتان متصلتان بغير واو. إذ في الجملة الثانية ذكر من الجملة المعطوف عليها. إذ الذين يسارعون وقالوا نخشى ويصبحون نادمين هم الذين قيل فيهم. { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم } فلما كانت الجملتان هكذا حسن العطف بالواو وبغير الواو. كما أن قوله تعالى:{ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم } [الكهف:22] لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم اكتفى بذلك عن الواو، وعلى هذا قوله تعالى:{ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة:39 الأعراف:36 يونس: 27] ولو دخلت الواو فقيل " وهم فيها خالدون " كان حسناً.

    قال القاضي أبو محمد: ولكن براعة الفصاحة في الإيجاز، ويدل على حسن دخول الواو قوله تعالى:{ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } [الكهف:22] فحذف الواو من قوله { ويقول الذين آمنوا } كحذفها من هذه الآية، وإلحاقها في قوله { ثامنهم }.

    قال القاضي أبو محمد: وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، فحينئذ يقول المؤمنون { أهؤلاء الذين أقسموا } [المائدة: 53] الآية. وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض{ نخشى أن تصيبنا دائرة } [المائدة:52] وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبيّ رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى. فصار ذلك موطناً يحسن أن يقول فيه المؤمنون { أهؤلاء الذين أقسموا } الآية، وأما قراءة أبي عمرو ويقول بنصب اللام فلا يتجه معها أن يكون قول المؤمنين إلا عند الفتح وظهور ندامة المنافقين وفضيحتهم، لأن الواو عاطفة فعل على فعل مشركة في العامل، وتوجه عطف { ويقول } مطرد على ثلاثة أوجه، أحدها على المعنى، وذلك أن قوله

    { فعسى الله أن يأتي بالفتح } [المائدة:52] إنما المعنى فيه فعسى الله أن يأتي بالفتح فعطف قوله تعالى: { يقول } على { يأتي } اعتماداً على المعنى، وإلا فلا يجوز أن يقال عسى الله أن يقول المؤمنون. وهكذا قوله تعالى:{ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن } [المنافقون:10] لما كان المعنى " أخرني إلى أجل قريب " أصدق وحمل { أكن } على الجزم الذي يقتضيه المعنى في قوله { فأصدق } ، والوجه الثاني أن يكون قوله{ أن يأتي بالفتح } [المائدة: 52] بدلاً من اسم الله عز وجل كما أبدل من الضمير في قوله تعالى:{ وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } [الكهف:63] ثم يعطف { ويقول } على أن يأتي لأنه حينئذ كأنك قلت عسى أن يأتي، والوجه الثالث أن يعطف قوله { ويقول } على{ فيصبحوا } [المائدة:52] إذ هو فعل منصوب بالفاء في جواب التمني، إذ قوله عسى الله تمن وترج في حق البشر، وفي هذا الوجه نظر وكذلك عندي في منعهم جواز عسى الله أن يقول المؤمنون نظر، إذ الله تعالى يصيرهم يقولون بنصره وإظهار دينه، فينبغي أن يجوز ذلك اعتماداً على المعنى...

    وقال السمين

    قوله تعالى: { وَيَقُولُ }: قرأ أبو عمرو والكوفيون بالواو قبل " يقول " والباقون بإسقاطها، إلا أنَّ أبا عمرو ونصب الفعل بعد الواو، وروى عنه علي بن نصر الرفع كالكوفيين، فتحصَّل فيه ثلاثُ قراءات: " يقول " من غير واو " ويقول " بالواو والنصب، و " يقول " بالواو والرفع. فأمَّا قراءةُ مَنْ قرأ " يقول " من غير واو فهي جملةٌ مستأنفة سِيقَتْ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه لمَّا تقدَّم قولُه تعالى: { فَعَسَى ظ±للَّهُ أَن يَأْتِيَ بِظ±لْفَتْحِ } إلى قوله: { نَادِمِينَ } سأل سائل فقال: ماذا قال المؤمنون حنيئذ؟ فأجيبَ بقوله تعالى: { وَيَقُولُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ } إلى آخره، وهو واضح، والواو ساقطةٌ في مصاحف مكة والمدينة والشام، والقارئ بذلك هو صاحبُ هذه المصاحف، فإن القارئين بذلك ابنُ كثير المكي وابن عامر الشامي ونافع المدني، فقراءتُهم موافقةٌ لمصاحفهم، وليس في هذا أنهم إنما قرؤوا كذلك لأجلِ المصحف فقط، بل وافَقَتْ روايتُهم مصاحفَهم على ما بيَّنَتْهُ غيرَ مرة.

    وأمَّا قراءة الواو والرفع فواضحة أيضاً لأنها جملة ابتُدئ بالإِخبار بها، فالواوُ استئنافيةٌ لمجرد عطف جملة على جملة، فالواو ثابتة في مصاحف الكوفة والمشرق، والقارئُ بذلك هو صاحبُ هذا المصحف، والكلام كما تقدَّم أيضاً.

    وأمَّا قراءةُ أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فَضْلِ نظر، واختلف الناسُ في ذلك على ثلاثةِ أوجه، أحدُها: أنه منصوب عطفاً على " فيصحبوا " على أحد الوجهين المذكورين في نصبِ " فيُصْبحوا " وهو الوجه الثاني، أعني كونَه منصوباً بإضمار " أَنْ " في جوابِ الترجِّي بعد الفاء إجراءً للترجِّي مُجْرى التمني، وفيه خلافٌ مشهور بين البصريين والكوفيين، فالبصريون يمنعونَه والكوفيون يُجيزونه مستدلِّين على ذلك بقراءِة نافع: { لعله يزَّكى أو يَذَّكَّرُ فتنفعَه } بنصب " تنفعه " وبقراءة عاصم في رواية حفص: " لعلي أبلغُ الأسبابَ أسبابَ السماواتِ فأطَّلِعَ " بنصب " فأطَّلِعَ " وسيأتي الجوابُ عن الآيتين الكريمتين في موضعِه. وهذا الوجهُ - أعني عطفَ " ويقول " على " فيصبحوا " قال الفارسي وتبعه جماعةٌ، ونقله عنه أبو محمد بن عطية، وذكرَه أبو عمرو بن الحاجب أيضاً، قال الشيخ شهابُ الدين أبو شامة بعد ذكره الوجهَ المتقدِّم: " وهذا وجهٌ جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب ولم أَرَه لغيرِه، وذكروا وجوهاً كلُّها بعيدةٌ متعسِّفة " انتهى. قلت: وهذا - كما رأيتَ - منقولٌ مشهور عن أبي علي الفارسي، وأمَّا استجادتُه هذا الوجهَ فإنما يتمشى على قول الكوفيين، وهو مرجوحٌ كما تقرر في علم النحو.

    الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على المصدر قبلَه وهو الفتحُ كأنه قيل: فعسى اللَّهُ أن يأتِيَ بالفتحِ وبأَنْ يقولَ، أي: وبقولِ الذين آمنوا، وهذا الوجهُ ذكره أبو جعفر النحاس، / ونظَّره بقول الشاعر:

    1743- لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوفِ
    وقول الآخر:
    1744- لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثويتُه تَقَضِّي لُباناتٍ ويَسْأَمَ سائِمُ
    وهذا مردودٌ من ثلاثةِ أوجه، أحدُها: أنه يؤدِّي ذلك إلى الفصل بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي، وذلك أنَّ الفتحَ على قوله مؤولٌ بـ " أَنْ " والفعلِ تقديرُه: أَنْ يأتِيَ بأن يفتحَ وبأَنْ يقولَ، فيقعُ الفصلُ بقوله: { فيُصبحوا } وهو أجنبي لأنه معطوفٌ على " يأتي " الثاني: أن هذا المصدرَ - وهو الفتح - ليس يُراد به انحلالُه لحرفٍ مصدري وفعلٍ، بل المرادُ به مصدرٌ غيرُ مرادٍ به ذلك نحو: يعجبني ذكاؤك وعلمك. الثالث: أنه وإنْ سُلِّم انحلالُه لحرف مصدري وفعل فلا يكون المعنى على: " فعسى الله أن يأتيَ بأَنْ يقولَ الذين آمنوا " فإنه نابٍ عنه نُبُوّاً ظاهراً.

    الثالث- من أوجه نصبِ " ويقول " -: أنه منصوبٌ عطفاً على قوله: " يأتي " أي: فعسى اللَّهُ أَنْ يأتيَ ويقولَ، وإلى ذلك ذهب الزمخشري ولم يَعْتَرض عليه بشيء، وقد رُدَّ ذلك بأنه يلزمُ عطفُ ما لا يجوز أن يكون خبراً على ما هو خبر، وذلك أنَّ قولَه: { أن يأتيَ } خبرُ عسى وهو صحيحٌ، لأنَّ فيه رابطاً عائداً على اسم " عسى " وهو ضميرُ الباري تعالى، وقولُه: " ويقول " ليس فيه ضميرٌ يعودُ على اسم " عسى " فكيف يَصِحُّ جَعْلُه خبراً؟ وقد اعتذر مَنْ أجازَ ذلك عنه بثلاثة أوجه، أَحدُها: أنه من باب العطفِ على المعنى، والمعنى: فَعَسى أَنْ يأتي الله بالفتح وبقولِ الذين آمنوا، فتكون " عسى " تامةً لإِسنادها إلى " أَنْ " وما في حَيِّزها، فلا تحتاجُ حينئذ إلى رابط، وهذا قريبٌ من قولهم " العطف على التوهم " نحو:{ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ظ±لصَّالِحِينَ } [المنافقون: 10]. الثاني أنّ { أَنْ ياتي } بدلٌ من اسم الله لا خبرٌ، وتكونُ " عسى " حينئذ تامةً، كأنه قيل: فعسى أن يقولَ الذين آمنوا، وهذان الوجهان منقولان عن أبي عليّ الفارسيّ؟ إلا أنَّ الثاني لا يَصِحُّ لأنهم نَصُّوا على أنَّ عسى واخلولق وأوشك من بين سائر أخواتها يجوز أن تكونَ تامةً بشرطِ أن يكونَ مرفوعُها: " أن يفعل " قالوا: ليوجَدَ في الصورةِ مسندٌ ومسندٌ إليه، كما قالوا / ذلك في " ظن " وأخواتِها: إنَّ " أَنْ " و " أَنَّ " تسدُّ مسدَّ مفعوليها. والثالث: أن ثم ضميراً محذوفاً هو مصحِّحٌ لوقوعِ " ويقول " خبراً عن عسى، والتقدير: ويقولُ الذين آمنوا به أي: بالله، ثم حُذِفَ للعلم به، ذكر ذلك أبو البقاء، وقال ابن عطية بعد حكايتِه نصبَ " ويقولَ " عطفاً على " يأتي ": " وعندي في منع " عسى الله أن يقول المؤمنون " نظرٌ، إذ الله تعالى يُصَيِّرهم يقولون ذلك بنصرِه وإظهاره دينه " قلت: قولُ ابن عطية في ذلك يشبه قولَ أبي البقاء في كونِه قَدَّره ضميراً عائداً على اسم " عسى " يَصِحُّ به الربط.

    وبعضُ الناسِ يُكْثِرُ هذه الأوجه ويوصلُها إلى سبعة وأكثر، وذلك باعتبار تصحيحِ كلِّ وجهٍ من الأوجه الثلاثة التي ذكرتها لك، ولكن لا يخرج حاصلُها عن ثلاثة، وهو النصبُ: إمَّا عطفاً على " أن يأتي " وإما على " فيصبحوا " وإمَّا على " بالفتح " ، وقد تقدَّم لك تحقيقها

  12. #87
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة الثالثة والتسعون

    يَـأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

    قال ابن عطية

    واختلف القراء في إعراب { الكفار } فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة: " والكفارَ " نصباً، وقرأ أبو عمرو والكسائي " والكفارِ " خفضاً، وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو النصب، قال أبو علي: حجة من قرأ بالخفض حمل الكلام على أقرب العاملين وهي لغة التنزيل.

    قال القاضي أبو محمد: ويدخل " الكفار " على قراءة الخفض فيمن اتخذ دين المؤمنين هزؤاً، وقد ثبت استهزاء الكفار في قوله:{ إنا كفيناك المستهزئين } [الحجر:95] وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاء المنافقين في قولهم لشياطينهم{ إنا معكم إنما نحن مستهزئون } [البقرة:14]، ومن قرأ " الكفارَ " بالنصب حمل على الفعل الذي هو { لا تتخذوا } ، ويخرج الكفار من أن يتضمن لفظ هذه الآية استهزاءهم، وقرأ أبيّ بن كعب " ومن الكفار " بزيادة " من " فهذه تؤيد قراءة الخفض، وكذلك في قراءة ابن مسعود " من قبلكم من الذي أشركوا "...

    وقوله تعالى: { وجعل } هي بمعنى صير، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى خلق.

    قال القاضي أبو محمد: وهذه منه رحمه الله نزعة اعتزالية، لأن قوله: { وعبد الطاغوت } تقديره ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحداً عابد الطاغوت، وقد تقدم قصص مسخهم قردة في سورة البقرة، وأما مسخهم خنازير، فروي أن ذلك بسبب امرأة كانت مؤمنة من بني إسرائيل وكفر ملك بهم في مدينة من مدنهم وكفر معه أهل مملكته، فدعت المرأة قوماً إلى نصرة الدين فأجابوها فخرجت بهم فهزموا ثم فعلت ذلك ثانية وثالثة في كل مرة يهزم جمعها، فيئست وباتت مهمومة، فلما أصبح رأت أهل تلك المدينة ينفقون في نواحيها خنازير فقالت: الآن أعلم أن الله أعز دينه وآثر دينه، قال عمرو بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ما كان مسخ بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة، وقوله تعالى: { وعبد الطاغوت } تقديره ومن عبد الطاغوت، وذلك عطف على قوله: { من لعنه الله } أو معمول لـ { جعل } وفي هذا يقول أبو علي: إن { جعل } بمعنى خلق، واختلفت القراءة في هذا الحرف فقرأ حمزة وحده " وعَبُد الطاغوت " بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت وذلك أن " عبد " لفظ مبالغة كيقظ وندس فهو لفظ مفرد يراد به الجنس وبني بناء الصفات، لأن " عبداً " في الأصل صفة وإن كان استعمل استعمال الأسماء، وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة فلذلك لم يمتنع أن يبنى منه بناء الصفات، وقرأ بهذه القراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، ومنه قول الشاعر: [أوس بن حجر].


    أبني لبينى إن أمكم أمة وإن أباكم عبد
    ذكره الطبري وغيره بضم الباء

    وقرأ الباقون " وعَبَد الطاغوت " بفتح العين والباء على الفعل الماضي وإعماله في الطاغوت وقد تقدم ذكره، وقرأ أبي بن كعب " عبدوا الطاغوت " ، على إسناد الفعل الماضي إلى ضمير جمع، وقرأ ابن مسعود فيما روى عبد الغفار عن علقمة عنه " وعَبُد الطاغوتُ " بفتح العين وضم الباء ورفع التاء من الطاغوت، وذلك على أن يصير له أن " عبد " كالخلق والأمر المعتاد المعروف، فهي في معنى فقه وشرف وظرف، وقرأ ابن عباس وإبراهيم بن أبي عبلة " وعَبَد الطاغوتِ " بفتح العين والباء وكسر التاء من الطاغوت، وذلك على أن المراد عبدة الطاغوت وحذفت الهاء تخفيفاً ومثله قول الزاجر:

    قام ولاها فسقوها صرخدا
    أراد ولاتها فحذف تخفيفاً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن في رواية عباد عنه " وعَبْد الطاغوتِ " بفتح العين وسكون الباء وكسر التاء من الطاغوت وهذا على أنه اسم جنس مفرد يراد به جميع، وروي عن الحسن من غير طريق عباد أنه قرأ بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من الطاغوت، وهذه تتجه على وجهين أحدهما أنه أراد و " عبداً الطاغوت " فحذف التنوين كما حذف في قول الشاعر:

    ولا ذاكر الله إلا قليلا
    والوجه الآخر أن يريد " عبد " الذي هو فعل ماض وسكن الباء على نحو ما هي عين الفعل مسكنة في قول الشاعر:

    وما كل مغبون ولو سلْف صفقة
    فإن اللام من سلف مسكنة ونحو هذا قول أبي السمال " ولعْنوا بما قالوا " بسكون العين، فهذه قراءات العين فيها مفتوحة، وقرأ أبو واقد الأعرابي في رواية العباس بن الفضل عنه " وعُبَّادَ الطاغوتِ " بضم العين وشد الباء المفتوحة وألف بعدها وفتح الدال وكسر التاء من الطاغوت وذلك جمع عابد، وقرأ عون العقيلي فيما روى عنه العباس بن الفضل أيضاً " وعابدُ الطاغوت " على وزن فاعل, والدال مرفوعة، قال أبو عمرو تقديره وهم عابد الطاغوت.....

    وقال الطبري

    وأما قراءة القرّاء فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما، وهو «وَعَبدَ الطَّاغُوتَ» بنصب الطاغوت وإعمال «عَبَدَ» فـيه، وتوجيه «عبد» إلـى أنه فعل ماض من العبـادة. والآخر «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» علـى مثال فَعُل، وخفض «الطاغوت» بإضافة «عبُد» إلـيه. فإذا كانت قراءة القرّاء بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التـي هي أصحّ مخرجاً فـي العربـية منهما، فأولاهما بـالصواب من القراءة قراءة من قرأ ذلك { وعَبَدَ الطَّاغُوتَ } بـمعنى وجعل منهم القردة والـخنازير، ومن عبد الطاغوت لأنه ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب وابن مسعود «وَجَعَلَ مِنْهُمْ القِردَةَ والـخنازيرَ وَعَبَدُ والطَّاغُوتَ» بـمعنى والذين عبدوا الطاغوت. ففـي ذلك دلـيـل واضح علـى صحة الـمعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به ومن عبد الطاغوت، وأن النصب بـالطاغوت أولـى علـى ما وصفت فـي القراءة لإعمال «عبد» فـيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفـيض فـي العرب ولا معروف فـي كلامها علـى أن أهل العربـية يستنكرون إعمال شيء فـي «مَنْ» و«الذي الـمضمرين مع «مِنْ» و«فـي» إذا كفت «مِنْ» أو «فـي» منهما، ويستقبحونه، حتـى كان بعضهم يحيـل ذلك ولا يجيزه. وكان الذي يحيـل ذلك يقرؤه «وعَبُدَ الطاغوتِ»، فهو علـى قوله خطأ ولـحن غير جائز. وكان آخرون منهم يستـجيزونه علـى قبح، فـالواجب علـى قولهم أن تكون القراءة بذلك قبـيحة وهم مع استقبـاحهم ذلك فـي الكلام قد اختاروا القراءة بها، وإعمال وجعل فـي «مَنْ» وهي مـحذوفة مع «مِن» ولو كنا نستـجيز مخالفة الـجماعة فـي شيء مـما جاءت به مـجمعة علـيه، لاخترنا القراءة بغير هاتـين القراءتـين، غير أن ما جاء به الـمسلـمون مستفـيضاً، فهم لا يتناكرونه، فلا نستـجيز الـخروج منه إلـى غيره فلذلك لـم نستـجز القراءة بخلاف إحدى القراءتـين اللتـين ذكرنا أنهم لـم يعدوهما.

    وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويـل الآية قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه، وغضب علـيه، وجعل منهم القردة والـخنازير، ومن عبد الطاغوت...

    وقال ابن عطية

    { وإن لم تفعل } معناه وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر:
    سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلاً فسيان لا ذم عليك ولا حمد
    أي ولم تعط ما يعد نائلاً وإلا فيتكاذب البيت، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " فما بلغت رسالته " على الإفراد، وقرؤوا في الأنعام{ حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] على الجمع، وكذلك في الأعراف{ برسالاتي } [الأعراف:144]، وقرأ ابن كثير في المواضع الثلاثة بإفراد الرسالة، وقرأ نافع " رسالاته " بالجمع، وكذلك في الأنعام, وأفرد في الأعراف, وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بجمع الرسالة في المواضع الثلاثة، وروى حفص عن عاصم الإفراد في العقود والأنعام، والجمع في الأعراف، فمن أفرد الرسالة فلأن الشرع كله شيء واحد وجملة بعضها من بعض، ومن جمع فمن حيث الشرع معان كثيرة وورد دفعاً في أزمان مختلفة، وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية.....

    وقال الزجاج المراد بقوله: { إن الذين آمنوا } المنافقون، فالمعنى أن الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.

    قال القاضي أبو محمد: فكأن ألفاظ الآية عدت الطوائف التي يمكن أن تنتقل إلى الإيمان، ثم نفى عنهم الخوف والحزن بشرط انتقالهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى التأويل الأول يكون قوله { من آمن } في حيز المؤمنين بمعنى ثبت واستمر، وقد تقدم تفسير { هادوا } وتفسير " الصابئين " وتفسير { النصارى } في سورة البقرة، واختلف القراء في إعراب الصابئين في هذه الآية فقرأ الجمهور و " الصابئون " بالرفع وعليه مصاحف الأمصار والقراء السبعة،

    وقرأ عثمان بن عفان وعائشة وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والجحدري " والصابين " وهذه قراءة بينة الإعراب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري " والصابيون " بكسر الباء وضم الياء دون همز, وقد تقدم في سورة البقرة,

    وأما قراءة الجمهور " والصابئون " فمذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة أنه من المقدم الذي معناه التأخير وهو المراد به، كأنه قال " إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى " كذلك، وأنشد الزجاج نظيراً في ذلك:
    وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق
    فقوله وأنتم مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى أي وأنتم كذلك،

    وحكى الزجّاج عن الكسائي والفراء أنهما قالا: و { الصابئون } عطف على { الذين } ، إذ الأصل في { الذين } الرفع وإذ نصب { إن } ضعيف وخطأ الزجّاج هذا القول وقال: { إن } أقوى النواصب،

    وحكي أيضاً عن الكسائي أنه قال و { الصابئون } عطف على الضمير في { هادوا } والتقدير هادوا هم الصابئون، وهذا قول يرده المعنى لأنه يقتضي أن الصابئين هادوا،

    وقيل إن معنى نعم، وما بعدها مرفوع بالابتداء، وروي عن بعضهم أنه قرأ " والصابئون " بالهمز، واتصال هذه الآية بالتي قبلها هو أن قيل لهم ليس الحق في نفسه على ما تزعمون من أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل لستم على شيء مستقيم حتى تؤمنوا وتقيموا الكتب المنزلة، ثم استأنف الإخبار عن الحق في نفسه بأنه من آمن في كل العالم فهو الفائز الذي لا خوف عليه.

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير

    قوله تعالى: { وحسبوا أن لا تكون فتنة } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: «تكون» بالنصب، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «تكون» بالرفع، ولم يختلفوا في رفع «فتنة». قال مكي بن أبي طالب: من رفع جعل «أن» مخفّفة من الثقيلة، وأضمر معها «الهاء» وجعل «حسبوا» بمعنى: أيقنوا، لأن «أن» للتأكيد، والتأكيد لا يجوز إِلا مع اليقين. والتقدير: أنه لا تكون فتنة. ومن نصب جعل «أن» هي الناصبة للفعل، وجعل «حسبوا» بمعنى: ظنوا. ولو كان قبل «أن» فعلٌ لا يصلح للشك، لم يجز أن تكون إِلا مخففة من الثقيلة، ولم يجز نصب الفعل بها، كقوله:{ أفلا يرون ألا يرجع إِليهم } [طه: 89] و{ علم أن سيكون } [المزمل: 20] وقال أبو علي: الأفعال ثلاثة: فعلٌ يدلُ على ثبات الشيء واستقراره، نحو العلم والتيقّن، وفعلٌ يدلُ على خلاف الثبات والاستقرار، وفعلٌ يجذب إِلى هذا مرة، وإِلى هذا أُخرى، فما كان معناه العلم، وقعت بعده «أن» الثقيلة، لأن معناها ثبوت الشيء واستقراره، كقوله:{ ويعلمون أن الله هو الحق المبين } [النور: 25]{ ألم يعلم بأن الله يرى } [العلق: 14] وما كان على غير وجه الثبات والاستقرار نحو: أطمع وأخاف وأرجو، وقعت بعده «أن» الخفيفة، كقوله:{ فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]{ تخافون أن يتخطفكم الناس } [الأنفال: 26]{ فخشينا أن يرهقهما } [الكهف: 80]{ أطمع أن يغفر لي } [الشعراء: 82] وما كان متردداً بين الحالين مثل حسبتُ وظننت، فإنه يُجعلُ تارةً بمنزلة العلم، وتارةً بمنزلة أرجو وأطمع وكلتا القراءتين في { وحسبوا ألا تكون فتنة } قد جاء بها التنزيل. فمثل مذهب من نصب{ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم } [الجاثية: 21]{ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } [العنكبوت: 4]{ أحسب الناس أن يتركوا } [العنكبوت: 2] ومثلُ مذهب مَنْ رفع{ أيحسبون أنما نمدّهم } [المؤمنون: 55]{ أم يحسبون انا لا نسمع سرهم } [الزخرف: 80].

    قال ابن عباس: ظنوا أن الله لا يعذبهم، ولا يبتليهم بقتلهم الأنبياء، وتكذبيهم الرسل....

  13. #88
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجزء السابع

    الجوهرة الرابعة والتسعون


    { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

    قال ابن عطية

    وقوله تعالى: { بما عقدتم } معناه شددتم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " عقّدتم " مشددة القاف، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي " عقَدتم " خفيفة القاف، وقرأ ابن عامر " عاقدتم " بألف على وزن فاعلتم، قال أبو علي من شدد القاف احتمل أمرين أحدهما أن يكون لتكثير الفعل لأنه خاطب جماعة والآخر يكون عقد مثل ضعف لا يراد به التكثير كما أن ضاعف لا يراد به فعل من اثنين. ومن قرأ " عقَدتم " فخفف القاف جاز أن يراد به الكثير من الفعل والقليل، وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد، وقال الحطيئة:

    قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
    ومن قرأ " عاقدتم " فيحتمل ضربين أحدهما أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص، والآخر أن يراد به فاعلت الذي يقتضي فاعلين كأن المعنى يؤاخذكم بما عاقدتم عليه الإيمان، ويعدى عاقد بـ " على " لما هو في معنى عاهد، قال الله تعالى:{ ومن أوفى بما عاهد عليه الله } [الفتح:10] وهذا كما عديت{ ناديتم إلى الصلاة } [المائدة: 58] بـ " إلى " وبابها أن تقول ناديت زيداً و{ ناديناه من جانب الطور الأيمن } [مريم:52] لكن لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا كقوله تعالى{ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله } [فصلت:33] عديت نادى بـ " إلى " ، ثم يتسع في قوله تعالى " عاقدتم " عليه الإيمان فيحذف الجار، ويصل الفعل إلى المفعول، ثم يحذف من الصلة الضمير الذي يعود على الموصول، وتقديره يؤاخذكم بما عقدتموه الأيمان. كما حذف من قوله تعالى{ فاصدع بما تؤمر } [الحجر:94]...

    وقال السمين

    وقرأ الجمهور: " كِسوتهم " بكسر الكاف. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب بضمها، وقد تقدم في البقرة أنهما لغتان في المصدر وفي الشيء المكسوِّ، قال الزمخشري: " كالقِدوة في القُدوة، والإِسوةُ في الأُسوة، إلا أن قرأ في البقرة بضمِّها هو طلحة فلم يذكروه هنا، ولا ذكروا هؤلاء هناك.

    وقرأ سعيد بن جبير وابن السَّمَيْفَع: " أو كأُسْوَتِهم " بكاف الجر الداخلة على " أُسْوة " قال الزمخشري: " بمعنى: أو مثلُ ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً، لا تُنْقصونهم عن مقدارِ نفقتِهم، ولكن تواسُون بينهم. فإنْ قلت: ما محلُّ الكاف؟ قلت: الرفعُ: تقديرُه: أو طعامُهم كأسوتِهم، بمعنى: كمثل طعامِهم إن لم يُطْعموهم الأوسطَ " انتهى. وكان قد تقدم أنه يَجْعل " من أوسط " مرفوعَ المحلِّ خبراً لمبتدأ محذوف، فتكونُ الكاف عنده مرفوعةً عطفاً على " مِنْ أوسطِ " وقال أبو البقاء قريباً من هذا فإنه قال: " فالكافُ في موضعِ رفعٍ أي: أو مثلُ أسوةِ أهليكم " وقال الشيخ: " إنه في موضعِ نصبٍ عطفاً على محلِّ " مِنْ أوسط " ، لأنه عنده مفعولٌ ثان.

    إلاَّ أنَّ هذه القراءة تنفي الكسوةَ من الكَفَّارة، وقد اجمع الناس على أنها إحدى الخصالِ الثلاث، لكن لصاحبِ هذه القراءةِ أن يقول: " استُفيدت الكسوةُ من السنَّة " أمَّا لو قام الإِجماع على أن مستندَ الكسوة في الكفارة من الآية فإنه يَصِحُ الردُّ على هذا القارئ.....

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ } قرأها ظ±بن مسعود «متتابعات» فيقيد بها المطلق؛ وبه قال أبو حنيفة والثوريّ، وهو أحد قولي الشافعيّ واختاره المُزَنيّ قياساً على الصوم في كفّارة الظِّهار، واعتباراً بقراءة عبد الله. وقال مالك والشافعي في قوله الآخر: يجزئه التفريق؛ لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنصّ أو قياس على منصوص وقد عُدِما.....

    وقال ابن عطية

    قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئاً، وقوله تعالى { ليعلم } معناه ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل. وقرأ الزهري " ليُعلِم الله " بضم الياء وكسر اللام أي ليعلم عباده،

  14. #89
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة الخامسة والتسعون(الفقه والقراءات)

    { يَـظ°أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }


    قال الرازى

    المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول، إلا أنهم اختلفوا في المثل، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل، ومنه ما لا مثل له، فما له مثل يضمن بمثله من النعم، وما لا مثل له يضمن بالقيمة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة. وحجة الشافعي: القرآن، والخبر، والإجماع، والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } والاستدلال به من وجوه أربعة: الأول: أن جماعة من القراء قرؤا { فَجَزَاء } بالتنوين، ومعناه: فجزاء من النعم مماثل لما قتل، فمن قال إنه مثله في القيمة فقد خالف النص، وثانيها: أن قوماً آخرين قرؤا { فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ } بالإضافة، والتقدير: فجزاء ما قتل من النعم، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من النعم، فمن لم يوجبه فقد خالف النص، ثالثها: قراءة ابن مسعود { فَجَزَاؤُهُ مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } وذلك صريح فيما قلناه: ورابعها: أن قوله تعالى: { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بَـظ°لِغَ ظ±لْكَعْبَةِ } صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم، يجب أن يكون هدياً بالغ الكعبة. فإن قيل: إنه يشري بتلك القيمة هذا الهدى. قلنا: النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا عدل يجب أن يكون هدياً وأنتم تقولون: الواجب هو القيمة، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها هدياً يهدي إلى الكعبة، وإن شاء لم يفعل، فكان ذلك على خلاف النص، وأما الخبر: فما روى جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، أصيد هو؟ فقال " ": نعم، وفيه كبش إذا أخذه المحرم " " ، وهذا نص صريح. وأما الاجماع: فهو أن الشافعي رحمه الله قال: تظاهرت الروايات عن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة وأزمان شتى: أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم، فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بجفرة، وفي رواية بعناق، وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة وهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم لا بالقيمة ولو حكموا بالقيمة لاختلف باختلاف الأسعار والظبي هو الغزال الكبير الذكر والغزال هو الأنثى واليربوع هو الفأرة الكبيرة تكون في الصحراء، والجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها والذكر جفر والعناق الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول.

    وأما القياس فهو أن المقصود من الضمان جزاء الهالك ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان الجزاء أتم فكان الايجب أولى. حجة ابي حنيفة رحمه الله تعالى: لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة فكان المراد بالمثل في قوله { فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } هو القيمة في هذه الصورة، فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد. والجواب: أن حقيقة المماثلة أمر معلوم والشارع أوجب رعاية المماثلة فوجب رعايتها بأقصى الامكان فإن أمكنت رعايتها في الصورة وجب ذلك وإن لم يكن رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة....

    وقال القرطبي

    الثانية عشرة ـ قوله تعالى: { فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } فيه أربع قراءات؛ «فَجَزَاءٌ مِثْلُ» برفع جزاء وتنوينه، و «مِثْلُ» على الصفة. والخبر مضمر، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النَّعم. وهذه القراءة تقتضي أن يكون المِثل هو الجزاء بعينه. و «جَزَاءُ» بالرفع غير منون و «مِثْلِ» بالإضافة أي فعليه جزاءُ مثل ما قتل، و «مثل» مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك، وأنت تقصد أنا أكرمك. ونظير هذا قوله تعالى:{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ظ±لنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ظ±لظُّلُمَاتِ } [الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات، وقوله:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11] أي ليس كهو شيء. وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل؛ إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. وقال أبو علي: إنما يجب عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثل المقتول، والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول. وهو قول الشافعي على ما يأتي...

    الرابعة عشرة ـ ما يُجزى من الصيد شيئان: دوابٌ وطيرٌ فيُجزَى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصّورة، ففي النّعامة بَدنَة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة، وفي الظبي شاة؛ وبه قال الشافعي. وأقل ما يَجزى عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية؛ وذلك كالجَذَع من الضأن والثنيّ مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام. وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة؛ فإن في الحمامة منه شاة ظ±تباعاً للسّلف في ذلك. والدُّبْسي والفَوَاخِت والقُمْريّ وذوات الأطواق كلّه حمام. وحكى ظ±بن عبد الحَكَمْ عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة؛ قال: وكذلك حمام الحرم؛ قال: وفي حمام الحِلّ حكومة. وقال أبو حنيفة: إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخِلْقة، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه، أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله؛ فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء، أو يشتري بها طعاماً ويُطْعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر. وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوِّم المثل كما في المتلفات يقوّم المثل، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشيء فإن المثل هو الأصل في الوجوب؛ وهذا بيّن وعليه تخرج قراءة الإضافة «فَجَزَاءُ مِثْلِ».

    ظ±حتج أبو حنيفة فقال: لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبراً. في النّعامة بَدَنة، وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة، لما أوقفه على عَدلين يحكمان به؛ لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الإرتياء والنظر؛ وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه، ويضطرب وجه النظر عليه. ودليلنا عليه قول الله تعالى: { فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } الآية. فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخِلْقي الصّوري دون المعنى؛ ثم قال: { مِنَ ظ±لنَّعَمِ } فبين جنس المثل

    وقال السمين

    وقرأ أهلُ الكوفة: " فجزاءٌ مثلُ " بتنوين جزاء ورفعه ورفع " مثل " ، وباقي السبعة برفعه مضافاً إلى " مثل " ، ومحمد بن مقاتل بتنوين " جزاءً " ونصبِه ونصب " مثلَ " والسُلمي برفع " جزاء " منوناً ونصبِ " مثل " ، وقرأ عبد الله: { فجزاؤُه } برفع " جزاء " مضافاً لضمير " مثل " رفعاً.

    فأمَّا قراءةُ الكوفيين فلأنَّ " مثل " صفةٌ لـ " جزاء " أي: فعليه جزاءٌ موصوفٌ بكونه " مثلَ ما قتله " أي مماثِلَه. وجَوَّز مكي وأبو البقاء وغيرُهما أَنْ يرتفعَ " مثل " على البدلِ، وذكر الزجاج وجهاً غريباً وهو أن يرتفعَ " مثل " على أنه خبرٌ لـ " جزاء " ويكونُ " جزاء " مبتدأً قال: " والتقديرُ: فجزاءُ ذلك الفعلِ مثلُ ما قتل " قلت: ويؤيد هذا الوجهَ / قراءةُ عبد الله: " فجزاؤُه مثلُ " إلا أن الأحسنَ أن يقدِّر ذلك المحذوفُ ضميراً يعودُ على المقتول لا أَنْ يُقَدِّره: " فجزاءُ ذلك الفعل " و " مثل " بمعنى مماثل قاله جماعةٌ: الزمخشري وغيره، وهو معنى اللفظِ، فإنِّها في قوةِ اسمِ فاعل، إلاَّ أنَّ مكّياً تَوَهَّم أنَّ " مِثْلاً " قد يكون بمعنى غير مماثل فإنه قال: " ومثل " في هذه القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مُماثِل، والتقديرُ: فجزاءٌ مماثلٌ لِما قَتَل يعني في القيمةِ أو في الخِلْقة على اختلافِ العلماء، ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه لصار المعنى: فعليه جزاءٌ مثلُ المقتولِ من الصيد، وإنما يلزمه جزاء المقتول بعينِه لا جزاءٌ مثلُه، لأنه إذا وَدَى جزاءً مثلَ المقتول صار إنما وَدَى جزاءَ ما لم يُقْتَل؛ لأنَّ مثلَ المقتول لم يَقْتُلْه، فصَحَّ أن المعنى: فعليه جزاءٌ مماثِلٌ للمقتول، ولذلك بَعُدَتِ القراءةُ بالإِضافة عند جماعة.

    قلت: " مثل " بمعنى مُماثِل أبداً فكيف يقول " ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه "؟ وأيضاً فقوله: " لصار المعنى إلى آخره " هذا الإِشكالُ الذي ذكره لا يُتَصَوَّرُ مجيئُه في هذه القراءةِ أصلاً، وإنما ذَكَره الناسُ في قراءةِ الإِضافة كما سيأتي، وكأنه نَقَل هذا الإِشكالَ من قراءةِ الإِضافة إلى قراءةِ التنوين.

    وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فاستبعَدها جماعةٌ، قال الواحدي: " ولا ينبغي إضافةُ الجزاءِ إلى المِثْلِ لأنَّ عليه جزاءَ المقتولِ لا جزاءَ مثله فإنه لا جزاءَ عليه لَمَّا لم يقتلْه " وقال مكي بعد ما قَدَّمْتُه عنه: " ولذلك بَعُدَت القراءةُ بالإِضافة عند جماعةٍ لأنها تُوجِبُ جزاءً مثلَ الصيدِ المقتول " قلت: ولا التفاتَ إلى هذا الاستبعادِ فإنَّ أكثرَ القراء عليها. وقد أجاب الناسُ عن ذلك بأجوبةٍ سديدةٍ، لَمَّا خفيت على أولئك طَعَنوا في المتواتر، منها: أنَّ " جزاء " مصدرٌ مضافٌ لمفعوله تخفيفاً، والأصل: فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتل، أي: أن يَجزي مثلَ ما قتل، ثم أُضيف، كما تقول: " عجبت من ضربٍ زيداً " ثم " من ضرب زيدٍ " ذَكَر الزمخشري وغيره، وبَسْطُ ذلك أنَّ الجزاءَ هنا بمعنى القضاء والأصل: فعليه أن يُجْزَى المقتولُ من الصيد مثلَه من النعم، ثم حُذِف المفعولُ الأول لدلالة الكلامِ عليه وأُضيف المصدرُ إلى ثانيهما، كقولك: " زيدٌ فقيرٌ ويعجبني إعطاؤك الدرهمَ " أي: إعطاؤك إياه. ومنها: أنَّ " مثل " مقحمةٌ كقولهم: " مِثْلُك لا يفعل ذلك " أي: أنت لا تفعل ذلك، ونحو قوله تعالى:{ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ } [البقرة: 137] أي: بما آمنتم [به] وكقوله:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11] فـ " مثل " زائدةٌ، وهذا خلاف الأصلِ، فالجوابُ ما قَدَّمْتُه. و " ما " يجوزُ أْن تكونَ موصولةً اسمية أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ محذوفٌ على كِلا التقديرين أي: مثلُ ما قتله من النعم....

    قوله: { أَوْ كَفَّارَةٌ } عطفٌ على قولِه: { فَجَزَآءٌ } و " أو " هنا للتخييرِ، ونُقِل عن ابن عباس أنها ليسَتْ للتخيير، بل للترتيب، وهذا على قراءةِ مَنْ رفع " فجزاءٌ " وأمَّا مَنْ نَصَبَه فقال الزمخشري " جَعَلَها خبرَ مبتدأ محذوفٍ كأنه قيل: أو الواجبُ عليه كفارةٌ، ويجوزُ أَنْ تُقَدِّر: فعليه ان يَجْزي جزاءً أو كفارةً، فتَعْطِفَ " كفارة " على " أَنْ يَجْزي " يعني أنَّ " عليه " يكونُ خبراً مقدماً، وأَنْ يَجْزي " مبتدأً مؤخراً، فَعَطَفْتَ " الكفارة " على هذا المبتدأ. وقرأ نافع وابن عامر بإضافة { كفارة } لِما بعدها، والباقون بتنوينِها ورفعِ ما بعدها. فأمَّا قراءةُ الجماعةِ فواضحةٌ، ورفعُ " طعام " على أحد ثلاثة أوجه، أحدها: أنه بدل من " كفارة " إذ هي من جنسِه. الثاني: أنه بيانٌ لها كما تقدَّم، قاله الفارسي وردَّه الشيخ بأنَّ مذهبَ البصريين أختصاصُ عطفِ البيان بالمعارفِ دونَ النكراتِ. قلت: أبو علي يُخالِفُ في ذلك ويستدل بأدلة، منها:{ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } [النور: 35]، فـ " زيتونةٍ " عنده عطف بيان لـ " شجرة " ، وكذا قولُه تعالى:{ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ } [إبراهيم: 16]، فـ " صديد " عنده بدلٌ من " ماء " والبدلُ فيهما محتملٌ فلا حُجَّةَ له، والبدلُ قد يجيء للبيان. الثالث: أنه خبر مبتداً محذوف.

    أي: هي طعام أي: تلك الكفارة. وأمَّا قراءة نافع وابن عامر فوجهُها أنّ الكفارة لَمَّا تنوَّعت إلى تكفير بالطعام وتكفير بالجزاء المماثل وتكفير بالصيام حَسُن إضافتها لأحدِ أنواعها تبييناً لذلك، والإِضافةُ تكون بأدنى ملابسه كقوله:
    1811- إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرَةٍ سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في القَرائبِ
    أضاف الكوكبَ إليها لقيامِها عند طلوعِه فهذا أَوْلَى. ووجَّهَها الزمخشري فقال: " وهذه الإِضافة مبيِّنة، كأنه قيل: أو كفارةٌ مِنْ طعام مساكين، كقولك: " خاتمُ فضةٍ " بمعنى مِنْ فضة ". قال الشيخ: " أمَّا ما زعمه فليس من هذا البابِ لأنَّ " خاتم فضة " من باب إضافةِ الشيء إلى جنسه والطعامُ ليس جنساً للكفارةِ إلا بتجوُّزٍ بعيداً جداً " انتهى. قلت: كان مِنْ حَقِّه أَنْ يقولَ: والكفارةُ ليست جنساً للطعام لأنَّ الكفارةَ في التركيب نظيرُ " خاتم " في أنَّ كلاً منهما هو المضافُ إلى ما بعده، فكما أن " خاتماً " هو الضافُ إلى جنسه ينبغي أَنْ يُقال: الكفارةُ ليست جنساً للطعام لأجل المقابلةِ، لكن لا يمكنُ أَنْ يُقال ذلك فإنَّ الكفارةَ كما تقدَّم جنسٌ للطعامِ والجزاءِ والصومِ، فالطريقُ في الردِّ على أبي القاسم أن يُقال: شرطُ الإِضافة بمعنى " مِنْ " أن يُضاف جزءٌ إلى كل بشرطٍ صِدْقٍ اسمِ الكلِ على الجزءِ نحو: " خاتمُ فضة " و " كفارة طعامٍ " ليس كذلك، بل هي إضافة " كل " إلى جزء. وقد استشكل جماعةٌ هذه القراءة من حيث إنَّ الكفارةَ ليست للطعام إنما هي لقتلِ الصيد، كذا قاله أبو علي الفارسي وغيره، وجوابُه ما تقدَّم. ولم يخلتفِ السبعةُ في جمع " مساكين " هنا وإن اختلفوا في البقرة، قالوا: والفرقُ بينهما أنَّ قَتْل الصيد لا يُجْزيء فيه إطعامُ مسكينٍ واحد. على أنه قد قرأ عيسى بن عمر والأعرج بتنوين " كفارة " ورفع " طعام مسكين " بالتوحيد، قالوا: ومرادُهما بيانُ الجنسِ لا التوحيدُ....

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وابن عامر: { فجزاء مثل } مضافة وبخفض «مثل». وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «فجزاءٌ» منون «مثلُ» مرفوع. قال أبو علي: من أضاف، فقوله: { من النعم } يكون صفة للجزاء، وإِنما قال: مثل ما قتل، وإِنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، لأنهم يقولون: أنا أُكرِمُ مثلك، يريدون: أن أُكرِمُك، فالمعنى: جزاء ما قتل.

    ومَن رفع «المثل»، فالمعنى: فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول، والتقدير: فعليه جزاء....

    قوله تعالى: { أو كفّارة } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: { أو كفارةٌ } منوناً { طعامُ } رفعاً. وقرأ نافع، وابن عامر: { أو كفارة } رفعاً غير منوّن { طعام المساكين } على الاضافة. قال أبو علي: من رفع ولم يضف، جعله عطفاً على الكفارة عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إِلى الطعام، لأن الكفارة لقتل الصيد، لا للطعام، ومن أضاف الكفارة إِلى الطعام، فلأنه لما خيّر المكفِّر بين الهدي، والطعام، والصيام، جازت الإِضافة لذلك، فكأنه قال: كفارةُ طعامٍ، لا كفارة هدي، ولا صيام. والمعنى: أو عليه بدل الجزاء والكفارة، وهي طعامُ مساكين.

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { أو عدل ذلك صياماً } قرأ الجمهور بفتح العين ومعناه: نظير الشيء بالموازنة والمقدار المعنوي، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري: " أو عِدل " بكسر العين، قال أبو عمرو الداني ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الناس " العَدل " بالفتح قدر الشيء من غير جنسه، وعِدله بالكسر قدره من جنسه، نسبها مكي إلى الكسائي وهو وهم والصحيح عن الكسائي: أنهما لغتان في المثل، وهذه المنسوبة عبارة معترضة وإنما مقصد قائلها أن " العِدل " بالكسر قدر الشيء موازنة على الحقيقة كعدلي البعير، وعدله قدره من شيء آخر موازنة معنوية، كما يقال في ثمن فرس هذا عدله من الذهب، ولا يتجه هنا كسر العين فيما حفظت، والإشارة بذلك في قوله { عدل ذلك } يحتمل أن تكون إلى الطعام، وعلى هذا انبنى قول من قال من الفقهاء الأيام التي تصام هي على عدد الأمداد أو الأصوع أو أنصافها حسب الخلاف الذي قد ذكرته في ذلك. ويحتم أن تكون الإشارة بـ { بذلك } إلى الصيد المقتول، وعلى هذا انبنى قول من قال من العلماء: الصوم في قتل الصيد إنما هو على قدر المقتول، وقال ابن عباس رضي الله عنه إن قتل المحرم ظبياً فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلاً فعليه بقرة، فإن لم يجد فإطعام عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً.

  15. #90
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,016
    الجوهرة السادسة والتسعون

    قال السمين

    قوله تعالى: { إِن تُبْدَ } شرط، وجوابه " تَسُؤكم " ، وهذه الجملة الشرطية في محل جر صفة لـ " أشياء " ، وكذا الشرطية المعطوفة ايضاً. وقرأ ابن عباس: " إن تَبءدُ لكم تَسُؤْكم " ببناء الفعلين للفاعل مع كون حرف المضارعة تاءً مثناة من فوق، والفاعل ضمير " أشياء ". وقرأ الشعبي - فيما نقله عنه أبو محمد ابن عطية: { إنْ يَبْدُ } بفتح الياء مت تحت وضم الدال، " يَسُؤْكم " بفتح الياء من تحت، والفاعل ضمير عائد على ما يليق تقديره بالمعنى، أي: إن يَبْدُ لكم سؤالكم أو سؤلكم يسؤكم، ولا جائز أن تعود على " أشياء " لأنه جارٍ مجرى المؤنث المجازي، ومتى أسند فعلٌ إلى ضمير مؤنث مطلقاً وَجَبَ لَحاقُ العلامة على الصحيح، ولا يُلتفت لضرورة الشعر، ونقل غيره من الشعبي أنه قرأ: { يُبْدَ لكم يَسُؤْكم } بالياء من تحت فيهما إلا أنه ضمَّ الياء الأولى وفتح الثانية، والمعنى إنْ يُبْدَ - أي يظْهَر - السؤال عنها يَسُؤكم ذلك السؤالُ أي جوابه، أو هو، لأنه سببٌ في لك والمُبْدِية هو اللَّهُ تعالى...


    قال القرطبي(هذه اصعب ايات القران فهما ومعنى)



    الثالثة والشعرون ـ قوله تعالىظ°: { فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } يعني في الأيمان أو في الشهادة؛ وقال «آخَرَانِ» بحسب أن الورثة كانا ظ±ثنين. وظ±رتفع «آخران» بفعل مضمر «يَقُومَانِ» في موضع نعت. «مَقَامَهُمَا» مصدر، وتقديره: مقاماً مثل مقامِهما، ثم أُقيم النعت مقام المنعوت، والمضاف مقام المضاف إليه.

    الرابعة والعشرون ـ قوله تعالىظ°: { مِنَ ظ±لَّذِينَ ظ±سْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ظ±لأَوْلَيَانِ } قال ابن السَّرِيّ: المعنى استحق عليهم الإيصاء؛ قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ لأنه لا يُجعل حرف بدلاً من حرف؛ وظ±ختاره ابن العربي؛ وأيضاً فإن التفسير عليه؛ لأن المعنى عند أهل التفسير: من الذين استحقت عليهم الوصية. و «الأَوْلَيَانِ» بدل من قوله: «فآخَرَانِ» قاله ابن السَّرِيّ، واختاره النحاس، وهو بدل المعرفة من النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز. وقيل: النكرة إذا تقدّم ذكرها ثم أُعيد ذكرها صارت معرفة؛ كقوله تعالىظ°:{ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } [النور: 35] ثم قال:{ ظ±لْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } [النور: 35] ثم قال:{ ظ±لزُّجَاجَةُ } [النور:35] وقيل: هو بدل من الضمير في «يَقُومَانِ» كأنه قال: فيقوم الأوليان، أو خبر ظ±بتداء محذوف؛ التقدير: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان. وقال ظ±بن عيسى: «الأَوْلَيَانِ» مفعول «ظ±سْتُحِقَّ» على حذف المضاف؛ أي ظ±ستحق فيهم وبسببهم إثم الأوليين، فعليهم بمعنى فيهم، مثل{ عَلَىظ° مُلْكِ سُلَيْمَانَ } [البقرة: 102] أي في ملك سليمان. وقال الشاعر:
    متى ما تُنكروها تَعرفوها على أَقطارها عَلَقٌ نَفِيثُ
    أي في أقطارها. وقرأ يحيى بن وَثّاب والأعمش وحمزة «الأَوَّلِينَ» جمع أوّل على أنه بدل من «الَّلذِينَ» أو من الهاء والميم في «عَلَيْهمُ». وقرأ حفص: «ظ±سْتَحَقَّ» بفتح التاء والخاء، ورُوي عن أبيّ بن كعب: وفاعله «الأَولَيان» والمفعول محذوف، والتقدير: من الذين ظ±ستحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. وقيل: استحق عليهم الأَوليان ردّ الأيمان. وروي عن الحسن: «الأَوَّلاَنِ». وعن ابن سيرين: «الأَوَّلَيْنِ» قال النحاس: والقراءتان لَحْنٌ؛ لا يُقال في مُثنّى: مثَنَّان، غير أنه قد روي عن الحسن «الأَوَّلاَنِ».

    وقال الزمخشري

    { فَإِنْ عُثِرَ } فإن اطلع { عَلَىظ° أَنَّهُمَا ظ±سْتَحَقَّا إِثْماً } أي فعلا مّا أوجب إثماً، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين { فَآخَرَانِ } فشاهدان آخران { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ ظ±لَّذِينَ ظ±سْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } أي من الذين استحق عليهم الإثم. معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم. وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما، وأن شهادتهما أحق من شهادتهما. { ظ±لأَوْلَيَانِ } الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟ فقيل الأوليان. وقيل هما بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران. ويجوز أن يرتفعا باستحق، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لإطلاعهم على حقيقة الحال. وقرىء «الأوّلين» على أنه وصف للذين استحق عليهم، مجرور، أو منصوب على المدح. ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها. وقرىء «الأولين» على التثنية، وانتصابه على المدح. وقرأ الحسن «الأولان»، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي. وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك. فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء. فإن قلت فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل، وهم علي وأبيّ وابن عباس؟ قلت معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين

    وقال الرازى

    أما قوله { الأوليان } ففيه وجوه: الأول: أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير: هما الأوليان وذلك لأنه لما قال { فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } فكأنه قيل: ومن هما فقيل الأوليان: والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان، والثالث: أجاز الأخفش أن يكون قوله { ظ±لاْوْلَيَانِ } صفة لقوله { فَآخَرَانِ } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة، كقوله تعالى{ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } [النور: 35] فمصباح نكرة قم قال { ظ±لْمِصْبَاحُ } ثم قال في { زُجَاجَةٍ } ثم قال { ظ±لزُّجَاجَةُ } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلاً، ثم يقول إنسان من الرجل، فصار بالعود إلى ذكره معرفة. الرابع: يجوز أن يكون قوله { ظ±لاْوْلَيَانِ } بدلاً من قوله آخران، وإبدال المعرفة من النكرة كثير. المسألة الرابعة: إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين: الأول: معنى الأوليان الأقربان إلى الميت. الثاني: يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك، فكان اليمين حقاً لهما، وهذا كما أن إنساناً أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه. المسألة الخامسة: القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء، والأوليان تثنية الأولى، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله { مِنَ ظ±لَّذِينَ ظ±سْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم{ يِـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـظ°دَةُ بَيْنِكُمْ } [المائدة: 106] وكذلك{ ظ±ثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ } [المائدة: 106] ذكرا في اللفظ قبل قوله { أو آخران من غيركم } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان، وقرأ الحسن الأولان، ووجهه ظاهر مما تقدم...

    وقال ابن الجوزى

    فآخران يقومان مقامهما } أي: مقام هذين الخائنين { من الذين استحق عليهم الأولَيان }.

    قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: «استُحِق» بضم التاء، «الأولَيان» على التثنية. وفي قوله { من الذين استحق عليهم } قولان.

    أحدهما: أنهما الذمّيان.

    والثاني: الوليّان فعلى الأول في معنى { استحق عليهم } أربعة أقوال.

    أحدها: استحق عليهم الإِيصاء، قال ابن الأنباري: المعنى: من القوم الذين استحق فيهم الإِيصاء، استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال الزجاج: المعنى: من الذين استحقت الوصية أو الإِيصاء عليهم.

    والثاني: أنه الظلم، والمعنى: من الذين استحق عليهم ظلم الأولَيان، فحذف الظلم، وأقام الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضاً.

    والثالث: أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما.

    والرابع: أنه الإثم، والمعنى: استحق منهم الإثم، ونابت «على» عن «مِن» كقوله:{ على الناس يستوفون } [المطففين: 2] أي: منهم. وقال الفراء: «على» بمعنى «في» كقوله:{ على مُلك سليمان } [البقرة: 102] أي: في ملكه، ذكر القولين أبو علي الفارسي. وعلى هذه الأقوال مفعول «استُحق» محذوف مُقدّر. وعلى القول الثاني في معنى { استحق عليهم } قولان.

    أحدهما: استحق منهم الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة.

    والثاني: جني عليهم الإثم، ذكره الزجاج.

    فأما «الأوليان» فقال الأخفش: الأوليان: اثنان، واحدهما: الأولى، والجمع: الأولون. ثم للمفسرين فيهما قولان.

    أحدهما: أنهما أولياء الميت، قاله الجمهور. قال الزجاج: «الأوليان» في قول أكثر البصريين يرتفعان على البَدَلِ مما في «يقومان» والمعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين. وقال أبو علي: لا يخلو الأوليان أن يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فآخران يقومان مقامهما، هما الأوليان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في «يقومان». والتقدير: فيقوم الأوليان.

    والقول الثاني: أن الأوليان: هما الذّميان، والمعنى: أنهما الأوليان بالخيانة، فعلى هذا يكون المعنى: يقومان، إِلا من الذين استحق عليهم. قال الشاعر:
    فليت لنا مِنْ ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ على طهيان
    أي: بدلاً من ماء زمزم. وروى قُرَّة عن ابن كثيرٍ، وحفصٍ وعاصمٍ: «استحق» بفتح التاء والحاء «الأوليان» على التثنية، والمعنى: استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها، فحذف المفعول.

    وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: «استحق» برفع التاء، وكسر الحاء، «الأولين» بكسر اللام، وفتح النون على الجمع، والتقدير: من الأولين الذين استحق فيهم الإِثم، أي: جني عليهم، لأنهم كانوا أولين في الذكر. ألا ترى أنه قد تقدم { ذوا عدلٍ منكم } على قوله: { أو آخران من غيركم }. وروى الحلبي عن عبد الوارث «الأوَّلَين» بفتح الواو وتشديدها، وفتح اللام، وسكون الياء، وكسر النون، وهي تثنية: أوَّل. وقرأ الحسن البصري: «استحق» بفتح التاء والحاء، «الأولون» تثنية «أوَّل» على البدل من قوله: «فآخران» وقال ابن قتيبة: أشبه الأقوال بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرِّفنا كيف يشهد بالوصية عند حضور الموت، فقال: { ذوا عدل منكم } أي: عدلان من المسلمين [تشهدونهما على الوصية]، وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين، فقال: { أو آخران من غيركم } أي: من غير أهل دينكم، [ { إذا ضربتم في الأرض } أي: سافرتم { فأصابتكم مصيبة الموت } وتم الكلام. فالعدلان من المسلمين للحضر والسفر خاصة إِن أمكن إِشهادهما في السفر] والذميان في السفر خاصة إِذا لم يوجد غيرهما [ثم قال] { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إِن إرتبتم } أراد: تحبسونهما من بعد صلاة العصر إِن ارتبتم في شهادتهما، وخشيتم أن يكونا قد خانا، أو بدَّلا، فإذا حلفا، مضت شهادتهما. فإن عثر [بعد هذه اليمين] أي: ظهر على أنهما استحقا إِثماً، أي: حنثا في اليمين بكذب [في قول] أو خيانة [في وديعة]، فآخران، أي: قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت الذين استحق منهم الأوليان، وهما الوليان، يقال: هذا الأولى بفلان، ثم يحذف من الكلام «بفلان»، فيقال: هذا الأولى، وهذان الأوليان، و«عليهم» بمعنى: «منهم». فيحلفان بالله: لقد ظهرنا على خيانة الذميين، وكذبهما، وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أصح، لكفرهما وإِيماننا، فيرجع على الذّميين بما اختانا، وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك. وقال غيره: لشهادتنا، أي: ليميننا أحق، وسميت اليمين شهادة، لأنها كالشهادة على ما يحلفُ عليه أنه كذلك.

    وقال الطبري

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ } فقرأ ذلك قرّاء الحجاز والعراق والشام «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ» بضم التاء. ورُوِي عن عليّ وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } بفتح التاء. واختلفت أيضاً في قراءة قوله { الأوْلَيانِ } فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والشام والبصرة { الأوْلَيانِ } ، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة «الأولين». وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوَّلانِ». وأولى القراءتين بالصواب في قوله «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» قراءة من قرأ بضمّ التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، مع مساعدة عامَّة أهل التأويل على صحة تأويله، وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله فآخران من أهل الميت الذين استحقّ المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم، يقومان مقام المستحقّ الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت. وقد ذكرنا قائل ذلك أو أكثر قائليه فيما مضى قبل، ونحن ذاكروا باقيهم إن شاء الله تعالى ذلك. حدثني محمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى { شَهادَةُ بَيْنِكُمْ } أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك، وحلف الشاهدان إن اتهما إنهما لصادقان، فإن عثر وجد لطخ حلف الاثنان الأوليان من الورثة، فاستحقا، وأبطلا أيمان الشاهدين.

    وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى فَآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحقّ على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت. وكذلك كانت قراءة من رُوِيت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك { مِنَ الَّذِينَ استَحَقَّ } بفتح التاء على معنى الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها، غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القرّاء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين. حدثنا ابن وكيع، قال ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن وكريب عن عليّ، أنه كان يقرأ «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ». حدثنا ابن وكيع، قال ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن وائل مولى أبي عبيد، عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر، عن أبيّ بن كعب، أنه كان يقرأ «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ».

    وأما أولى القراءات بالصواب في قوله { الأَوْلَيانِ } عندي، فقراءة من قرأ { الأوْلَيانِ } بصحة معناها وذلك لأن معنى فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف «الإثم» وأقيم مقامه «الأوليان»، لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت، كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم، وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة، وهو قوله{ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ } ومعناه أن يشهد اثنان، وكما قال{ فَيُقْسِمان باللّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي به ثَمَناً } فقال «به»، فعاد بالهاء على اسم «الله» وإنما المعنى لا نشتري بقسمنا بالله، فاجتزىء بالعود على اسم الله بالذكر، والمراد به لا نشتري بالقسم بالله استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزىء بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته، وذلك قوله { فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً }. وأما الذين قرءوا ذلك «الأوّلين» فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن «الذين»، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذ كان «الذين» جمعاً وخفضاً، إذ كان «الذين» مخفوضاً. وذلك وجه من التأويل، غير أنه إنما يقال للشيء أوّل إذا كان له آخر هو له أوّل، وليس للذين استحقّ عليهم الإثم آخرهم له أوّل، بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثماً قبل أيمانهم، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخراً أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أوّلين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها.

    وأما القراءة التي حكيت عن الحسن، فقراءة عن قراءة الحجة من القرّاء شاذّة، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلاً على بعدها من الصواب. واختلف أهل العربية في الرافع لقوله { الأوْلَيانِ } إذا قرىء كذلك، فقال بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع ذلك بدلاً من «آخران» في قوله { فآخَرَانِ يَقومانِ مَقامَهُما } وقال إنما جاز أن يبدل الأوليان وهو معرفة من آخران وهو نكرة، لأنه حين قال { يَقُومانِ مَقامهمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتحقّ عَلَيْهِم } كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى، فقال «الأوْلَيانِ»، فأجرى المعرفة عليهما بدلاً. قال ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير. واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز
    عَلَيَّ يوْمَ يمْلِكُ الأمُورَا صَوْمَ شُهورٍ وَجَبتْ نُذورَاً وبَادِنا مُقَلَّدا مَنْحورَاً
    قال فجعله «عليّ واجب»، لأنه في المعنى قد أوجب. وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول لا يجوز أن يكون «الأوليان» بدلاً من «آخران» من أجل أنه قد نَسَق «فيقسمان» على «يقومان» في قوله { فَآخَرَانِ يَقُومانِ } فلم يتمّ الخبر عند من قال لا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر، كما قال غير جائز «مررت برجل قام زيد وقعد» وزيد بدل من رجل. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال «الأوليان» مرفوعان بما لم يسمّ فاعله، وهو قوله «اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» وأنهما موضع الخبر عنهما، فعمل فيهما ما كان عاملاً في الخبر عنهما وذلك أن معنى الكلام فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الإثم بالخيانة، فوضع «الأوليان» موضع «الإثم» كما قال تعالى في موضع آخر أجَعَلْتُمْ سقايَةَ الحاجّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرَام كمَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومعناه أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟ وكما قال وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، وكما قال بعض الهذليين
    يُمَشِّي بَيْنَنا حانُوتُ خَمْرٍ مِنَ الخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ القِطاطِ
    وهو يعني صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن الحانوت لا يمشي، ولكن لما كان معلوماً عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب، واجتزأ بذكر الحانوت منه، فكذلك قوله «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» إنما هو من الذين استحقّ فيهم خيانتهما، فحذفت «الخيانة» وأقيم «المختانان» مقامها، فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر. وأما قوله «عليهم» في هذا الموضع، فإن معناها فيهم، كما قال تعالى{ وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمانَ } يعني في ملك سليمان، وكما قال ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ف «في» توضع موضع «على»، و «على» في موضع «في» كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام، ومنه قول الشاعر


    مَتَى ما تُنْكِرُوها تَعْرِفُوها على أقْطارِها عَلَقٌ نَفِيثُ
    وقد تأوّلت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى «فإنْ عُثَر على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» أنهما رجلان آخران من المسلمين، أو رجلان أعدل من المُقسِمَين الأوّلين. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال ثنا عبد الأعلى، قال ثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن شريح في هذه الآية{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّة اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ } قال إذا كان الرجل بأرض غُرْبة، ولم يجد مسلماً يشهده على وصيته، فأشهد يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فشهادتهم جائزة. فإن جاء رجلان مسلمان، فشهدا بخلاف شهادتهم، أجيزت شهادة المسلمين وأبطلت شهادة الآخرين. حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { فإنْ عُثِرَ } أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأوّلين. حدثنا ابن وكيع، قال ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، قال كان ابن عباس يقرأ «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ» قال كيف يكون «الأَوْلَيان»، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين؟ حدثنا هناد وابن وكيع، قال ثنا عبدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، قال كان يقرأ «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ» قال وقال أرأيت لو كان الأوليان صغيرين، كيف يقومان مقامهما؟ قال الإمام أبو جعفر فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة، من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانِييَّن، أو عَدْلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأوّلين أو المُقسِمَين. وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة، دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى { فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما } أولى به. وأما قوله { الأوْلَيانِ } فإن معناه عندنا الأولى بالميت من المقسمين الأوّلين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه الأولى باليمين منهما فالأولى، ثم حذف «فيهما» والعرب تفعل ذلك فتقول فلان أفضل، وهي تريد أفضل منك، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام، فعلوا ذلك أيضاً إذا كان جواباً لكلام قد مضى، فقالوا هذا الأفضل، وهذا الأشرف يريدون هو الأشرف منك. وقال ابن زيد معنى ذلك الأوليان بالميت......

    وقال ابن عطية

    قال مكي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها،...

صفحة 6 من 40 الأولىالأولى ... 234567891016 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •