صفحة 5 من 24 الأولىالأولى 12345678915 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 75 من 347

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الرابعة والستون

    قال السمين

    والجمهور على " تُصْعدون " بضم التاء وكسر العين من أصْعد في الأرض إذا ذهب فيها، والهمزة فيه للدخول نحو: " أصْبح زيدٌ " أي: دخل في الصباح، فالمعنى: إذ تَدْخُلون في الصُّعود، ويبيِّن ذلك قراءةُ أُبيّ: " تُصْعِدون في الوادي ". والحسن والسلمي: " تَصْعَدون " من صَعِد في الجبل أي رَقِي، والجمع بين القراءتين: أنهم أولاً أَصْعَدوا في الوادي، ثم لَمَّا حَزَبهم العدوُّ صَعِدوا في الجبل، وهذا على رأي مَنْ يفرِّقُ بين: أَصْعَدَ وصَعِد. وأبو حيوة: " تَصَعَّدُون " بالتشديد، وأصلها: تَتصَعَّدون، فحُذفت إحدى التاءين: إمَّا تاءُ المضارعة أو تاء تَفَعَّل، والجمع بين قراءته وقراءة غيره كما تقدم. والجمهور " تُصْعِدون " بتاء الخطاب، وابن محيصن ـ ويروى عن ابن كثير ـ بياء الغَيْبة على الالتفات وهو حسن، ويجوز أن يعود الضمير على المؤمنين أي: والله ذو فضل على المؤمنين إذ يُصْعِدون، فالعامل في إذ: " فَضْل ".

    يقال: أصعد: أبعد في الذهاب، قال القتبي: " كأنه أبعد كإبعاد الارتفاع " قال الشاعر:
    1466ـ ألا أيُّهذا السائلي أينَ أَصْعَدَتْ فإنَّ لَها في أهل يَثْربَ مَوْعدا
    وقال آخر:
    1467ـ قد كُنْتِ تبكين على الإِصعادِ فاليومَ سُرِّحْتِ وصاح الحادي
    وقال الفراء وأبو حاتم: " الإِصعادُ: ابتداء السفر والمخرج، والصعود مصدر صَعِد [إذا] رَقِي من سُفْل إلى علوّ " ففرَّقوا هؤلاء بين صَعِد وأَصْعد. وقال المفضل: " صَعِد وصَعَّد وأَصْعد بمعنى واحد، والصعيدُ وجهُ الأرض ".
    ...

    وقرأ حميد بن قيس: " على أُحُد " بضمتين، يريد الجبل، والمعنى على مَنْ في جبل أحد، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: " والقراءةُ الشهيرة أقوى لأنه لم يكن على الجبل إلا بعد ما فرَّ الناس عنه، وإصعادُهم إنما كان وهو يَدْعوهم ".....

    قوله: { يَغْشَىظ° } قرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء من تحت، وخَرَّجوا قراءةَ حمزة والكسائي على أنها صفةُ لـ " أمَنَة " مراعاةً لها....

    وقال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " لَبَرَز " بفتح الراء والباء على معنى: صاروا في البراز من الأرض، وقرأ أبو حيوة " لبُرِّز " بضم الباء وكسر الراء وشدها، وقرأ جمهور الناس: " عليهم القَتل " أي كتب عليهم في قضاء الله وتقديره، وقرأ الحسن والزهري: " عليهم القتال " وتحتمل هذه القراءة معنى الاستغناء عن المنافقين، أي لو تخلفتم أنتم لبرز المؤمنون الموقنون المطيعون في القتال المكتوب عليهم،...

    وقال ابن عاشور

    وقرأ الجمهور، { ممَّا تجمعون } ـــ بتاء الخطاب ـــ وقرأ حفص عن عاصم ـــ بياء الغائب ـــ على أنّ الضّمير عائد إلى المشركين أي خير لكم من غنائم المشركين الّتي جمعوها وطمعتم أنتم في غنمها...

    وقال السمين

    وقوله: { فَإِذَا عَزَمْتَ } الجمهورُ على فتح التاء خطاباً له عليه السلام. وقرأ عكرمة وجعفر الصادق بضمها، على أنها لله تعالى على معنى: فإذا أرشَدْتُك إليه وجَعَلْتُكَ تَقْصِدُه، وجاء قوله: { عَلَى ظ±للَّهِ } من الالتفات، إذ لو جاء على نَسَقِ هذا الكلامِ لقيل: فتوكَّلْ عليَّ، وقد نُسِبَ العزمُ إليه تعالى في قول أم سلمة: " ثم عَزَمَ الله لي " وذلك على سبيل المجاز.

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الخامسة والستون

    قال السمين


    قوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ }: [ " أَنْ يَغُلًّ " في محلِّ رفعٍ اسمَ كان، و " لنبي " خبرٌ مقدم] أي: ما كان له غُلول أو إغْلال على حَسَبِ القراءتين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين مِنْ " غَلَّ " مبنياً للفاعل، ومعناه: أنه لا يَصِحُّ أن يقع من النبي غُلول لتنافِيهما، فلا يجوزُ أن يُتَوَهَّمَ ذلك فيه البتة. وقرأ الباقون " يُغَلَّ " مبنِيّاً للمفعول. وهذه القراءةُ فيها احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ من " غَلَّ " ثلاثياً، والمعنى: ما صَحَّ لنبيٍّ أَنْ يَخُونَه غيرُه ويَغُلَّه، فهو نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَغُلُّه أحدٌ. والاحتمال الثاني: أَنْ يكونَ مِنْ أغلَّ رباعياً، وفيها وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ من أَغَلَّه: أي نَسَبه إلى الغُلول كقولِهم: أَكْذَبْتُه أي: نَسَبْتُه إلى الكذب، وهذا في المعنى كالذي قبله أي: نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَنْسِبه أحدٌ إلى الغُلول. والثاني: أن يكونَ مِنْ أَغَلَّه أي وجده غالاًّ كقولهِم: أَحْمَدْتُ الرجلَ وأَبْخَلْتُه وأجبنتُه أي: وجدته محموداً وبخيلاً وجباناً. والظاهر أن قراءة " يَغُلَّ " بالياء للفاعل لا يُقَدَّر فيها مفعولٌ محذوفٌ؛ لأنَّ الغَرَضَ نفيُ هذه الصفة عن النبي من غيرِ نظرٍ إلى تَعَلُّقٍ بمفعولٍ كقولك: " هو يعطي ويمنع " تريدُ إثباتَ هاتَين الصفتين. وقَدَّر له أبو البقاء مفعولاً فقال: " تقديرُه: أَنْ يَغُلَّ المالَ أو الغنيمةَ ".

    واختار أبو عبيد والفارسي قراءةَ البناء للفاعل قالا: لأنَّ الفعلَ الواردَ بعدُ " ما كان لكذا أن يفعل " أكثرُ ما يَجِيءُ منسوباً إلى الفاعل نحو:{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } [آل عمران: 145]{ مَّا كَانَ ظ±للَّهُ لِيَذَرَ } [آل عمران: 179] وبابه ورجَّحها بعضُهم بقولِه: { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ } فهذا يُوافِقُ هذه القراءةَ، ولا حُجَّة في ذلك لأنها موافقةٌ للأخرى...

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } بـمعنى ما الغلول من صفـات الأنبـياء، ولا يكون نبـياً من غلّ. وإنـما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أوعد عقـيب قوله { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أهل الغلول، فقال { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ }... الآية، والتـي بعدها، فكان فـي وعيده عقـيب ذلك أهل الغلول، الدلـيـل الواضح علـى أنه إنـما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عبـاده أن الغلول لـيس من صفـات أنبـيائه بقوله { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } لأنه لو كان إنـما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالغلول، لعقب ذلك بـالوعيد علـى التهمة، وسوء الظنّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بـالوعيد علـى الغلول، وفـي تعقـيبه ذلك بـالوعيد علـى الغلول بـيان بـين، أنه إنـما عرف الـمؤمنـين وغيرهم من عبـاده أن الغلول منتف من صفة الأنبـياء وأخلاقهم، لأن ذلك جرم عظيـم، والأنبـياء لا تأتـي مثله. فإن قال قائل مـمن قرأ ذلك كذلك فأولـى منه وَما كان لنبـيّ أن يخونه أصحابه إن ذلك كما ذكرت، ولـم يعقب الله قوله { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } إلا بـالوعيد علـى الغلول، ولكنه إنـما وجب الـحكم بـالصحة لقراءة من قرأ «يُغَلَّ» بضم الـياء وفتـح الغين، لأن معنى ذلك وما كان للنبـيّ أن يغله أصحابه، فـيخونوه فـي الغنائم قـيـل له أفكان لهم أن يغلوا غير النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيخونوه، حتـى خصوا بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن قالوا نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام، لأن الله لـم يبح خيانة أحد فـي قول أحد من أهل الإسلام قط. وإن قال قائل لـم يكن ذلك لهم فـي نبـيّ ولا غيره؟ قـيـل فما وجه خصوصهم إذاً بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض الـيهود، بـمنزلة فـيـما حرّم الله علـى الغالّ من أموالهما، وما يـلزم الـمؤتـمن من أداء الأمانة إلـيهما. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عزّ وجلّ نفـى بذلك أن يكون الغلول والـخيانة من صفـات أنبـيائه، ناهياً بذلك عبـاده عن الغلول، وآمراً لهم بـالاستنان بـمنهاج نبـيهم، ...

    الجوهرة السادسة والستون

    { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }


    قال الالوسي

    وفي قراءة رسول الله وفاطمة صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم { مّنْ أَنفُسِهِمْ } بفتح الفاء أي من أشرفهم لأنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل وبطونها وهو أمر معلوم غني عن البيان ينبغي اعتقاده لكل مؤمن

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة السابعة والستون

    وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ }: مفعول أول، و " أمواتاً " مفعولٌ ثان، والفاعلُ: إمَّا ضميرُ كل مخاطب أو ضميرُ الرسول عليه السلام كما تقدَّم في نظائره.

    وقرأ حميد بن قيس وهشام ـ بخلاف عنه ـ " يَحْسَبَنَّ " بياء الغيبة. وفي الفاعلِ وجهان، أحدهما: أنه مضمرٌ: إمَّا ضميرُ الرسول، أو ضمير مَنْ يَصْلُح للحُسْبان أَيِّ حاسبٍ. والثاني: ـ قاله الزمخشري ـ وهو أن يكون " الذين قُتِلوا " قالِ: " ويجوزُ أَنْ يكون " الذين قُتِلوا " فاعلاً، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين قتلوا أمواتاً أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فإنْ قلت: كيف جاز حَذْفُ المفعول الأول؟ قلت: هو في الأصل مبتدأ فَحُذِف كما حُذِف المبتدأ في قوله: " بل أحياءٌ " أي: هم أحياءٌ، لدلالة الكلام عليهما.

    ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا التقديرَ يؤدي إلى تقديمِ الضميرِ على مفسَّره، وذلك لا يجوزُ إلا في أبوابٍ محصورةٍ، وعدَّ باب: رُبَّه رجلاً، ونِعْم رجلاً زيدٌ، والتنازع عند إعمال الثاني في رأي سيبويه، والبدلُ على خلاف فيه، وضمير الأمر. قال: " وزاد بعضُ أصحابنا أن يكون [الظاهر] المفسِّر خبراً، وبأنّ حَذْفَ أحد مفعولي " ظن " اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليلٌ جداً، نَصَّ عليه الفارسي، ومَنَعه ابن ملكون البتة ".

    وهذا من تَحَمُّلاته عليه. أمَّا قولُه " يؤدي إلى تقديم المضمر إلى آخره " فالزمخشري لم يقدِّرْه صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لَمَّا أراد أن يُقَدَّر الصناعة النحويةَ قَدَّره بلفظ " أنفسهم " المنصوبةِ وهي المفعول الأول، وأظنُ أنَّ الشيخَ تَوَهَّم أنها مرفوعةٌ تأكيدٌ للضمير في " قُتلوا " ، ولم ينتبه أنه إنما قَدَّرها مفعولاً أولَ منصوبةً. وأمَّا تمشيتُه قولَه على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك، وما عليه من ابنِ مَلْكون؟ وستأتي مواضع يَضْطَرُّ هو وغيرُه إلى حَذْفِ أحد المفعولين كما ستقف عليه قريباً. وتقدَّم الكلام على مادة " حَسِب " ولغاتِها وقراءاتها.

    وقرأ ابن عامر: " قُتِّلوا " بالتشديد، وهشام وحده في " لو أطاعونا ما قُتِّلوا " ، والباقون بالتخفيف. فالتشديد للتكثير، والتخفيف صالح لذلك.

    وقرأ الجمهور " أحياءٌ " رفعاً على " بل هم أحياء " وقرأ ابن أبي عبلة: " أحياءً " وخَرَّجها أبو البقاء على وجهين، أحدهما: أن تكون عطفاً على " امواتاً " قال: " كما تقول: " ظننت زيداً قائماً بل قاعداً ". والثاني: ـ وإليه ذهب الزمخشري أيضاً ـ أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ تقديره: بل أحسَبُهم أحياءً ". وهذا الوجه سبق إليه أبو إسحاق الزجاج، إلاَّ أنَّ الفارسي رَدَّه عليه في " الإِغفال " قال: " لأنَّ الأمرَ تعيَّن فلا يجوزُ أن يُؤمر فيه بمحسبة، ولا يَصِحُّ أن يُضْمَرَ له إلا فعلُ المحسبة، فوجهُ قراءة ابن أبي عبلة أن تُضْمِر فعلاً غيرَ المحسبة: اعتقِدْهم أو اجْعَلْهم، وذلك ضعيفٌ إذ لا دلالة في الكلام على ما يُضْمَر " انتهى.

    وقال ابن عطية

    ثم أكد تعالى استبشارهم بقوله: { يستبشرون بنعمة } ثم بين تعالى بقوله: { وفضل } فوقع إدخاله إياهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد، وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال، وقرأ الكسائي وجماعة من أهل العلم: " وإن الله " - بكسر الألف من " أن " ، وقرأ باقي السبعة وجمهور العلماء: " وأن الله " - بفتح الألف، فمن قرأ بالفتح فذلك داخل فيما يستبشر به، المعنى، بنعمة وبأن الله، ومن قرأ بالكسر فهو إخبار مستأنف، وقرأ عبد الله " وفضل والله لا يضيع ".

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الثامنة والستون

    إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ }

    قال ابن عطية

    { يخوف أولياءه } خبر عن الشيطان، والجملة خبر الابتداء الأول، وهذا الإعراب خير في تناسق المعنى من أن يكون { الشيطان } خبر { ذلكم } لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة، و { يخوف } فعل يتعدى إلى مفعولين، لكن يجوز الاقتصار على أحدهما إذ الآخر مفهوم من بنية هذا الفعل، لأنك إذا قلت: خوفت زيداً، فمعلوم ضرورة أنك خوفته شيئاً حقه أن يخاف، وقرأ جمهور الناس { يخوف أولياءه } فقال قوم المعنى: يخوفكم أيها المؤمنون أولياءه الذين هم كفار قريش، فحذف المفعول الأول وقال قوم: المعنى يخوف المنافقين ومن في قلبه مرض وهم أولياؤه، فإذاً لا يعمل فيكم أيها المؤمنون تخويفه، إذ لستم بأوليائه، والمعنى: يخوفهم كفار قريش، فحذف هنا المفعول الثاني واقتصر على الأول، وقرأ ابن عباس فيما حكى أبو عمرو الداني " يخوفكم أولياءه " المعنى يخوفكم قريش ومن معهم، وذلك بإضلال الشيطان لهم وذلك كله مضمحل، وبذلك قرأ النخعي وحكى أبو الفتح بن جني عن ابن عباس أنه قرأ " يخوفكم أولياءه " فهذه قراءة ظهر فيها المفعولان، وفسرت قراءة الجماعة " يخوف أولياءه " قراءة أبي بن كعب " يخوفكم بأوليائه " والضمير في قوله { فلا تخافوهم } لكفار قريش وغيرهم من أولياء الشيطان، حقر الله شأنه وقوى نفوس المؤمنين عليهم، وأمرهم بخوفه هو تعالى وامتثال أمره، من الصبر والجلد، ثم قرر بقوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين } كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل كذا....

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة التاسعة والستون

    قال القرطبي

    قوله تعالىٰ: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } الإملاء طول العمر ورَغَد العيش. والمعنى: لا يحسبن هؤلاء الذين يُخَوّفون المسلمين؛ فإن الله قادر على إهلاكهم. وإنما يُطوِّل أعمارهم ليعملوا بالمعاصي، لا لأنه خير لهم. ويُقال: «أنما نملِي لهم» بما أصابوا من الظَّفَر يومَ أُحُد لم يكن ذلك خيراً لأنفسهم؛ وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: ما من أحد بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموتُ خير له، لأنه إِنْ كان بَرّاً فقد قال الله تعالىٰ: { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } وإن كان فاجراً فقد قال الله: { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً }. وقرأ ٱبن عامرٍ وعاصم «لا يَحَسبن» بالياء ونصب السين. وقرأ حمزة: بالتاء ونصب السين. والباقون: بالياء وكسر السين. فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون. أي فلا يحسبن الكفار. و { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } تسدّ مسدّ المفعولين. و «مَا» بمعنى الذي، والعائد محذوف، و «خير» خبر «أنّ». ويجوز أن تقدّر «ما» والفعل مصدراً؛ والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ومن قرأ بالتاء فالفاعل هو المخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. و «الذِين» نصب على المفعول الأوّل لتحسب. وأن وما بعدها بدل من الذين، وهي تسدّ مسدّ المفعولين، كما تسد لو لم تكن بدلاً. ولا يصلح أن تكون «أنّ» وما بعدها مفعولاً ثانياً لتحسب؛ لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأوّل في المعنى: لأن حسِب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر؛ فيكون التقدير: ولا تحسبن أنما نُملي لهم خير. هذا قول الزجاج. وقال أبو عليّ: لو صحّ هذا لقال «خيراً» بالنصب؛ لأن «أنّ» تصير بدلاً من «الذين كفروا»؛ فَكَأَنَّه قال: لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيراً؛ فقوله «خيراً» هو المفعول الثاني لحسِب. فإذاً لا يجوز أن يقرأ «لا تحسبن» بالتاء إلاَّ أن تكسر «إنّ» في «أنما» وتنصب خيراً، ولم يُرْوَ ذلك عن حمزة، والقراءة عن حمزة بالتاء؛ فلا تصح هذه القراءة إذاً. وقال الفَرَّاء والكسائيّ: قراءة حمزة جائزة على التكرير؛ تقديره ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم خير؛ فسدّت «أن» مسدّ المفعولين لتحسب الثاني، وهي وما عملت مفعول ثانٍ لتحسب الأوّل. قال القشيرِيّ؛ وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل، والقراءة صحيحة. فإذاً غرض أبي عليّ تغليظ الزجاج. قال النحاس: وزعم أبو حاتم أنّ قراءة حمزة بالتاء هنا، وقوله: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } لحن لا يجوز. وتبعه على ذلك جماعة.

    قلت: وهذا ليس بشيء؛ لما تقدم بيانه من الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلاً. وقرأ يحيى بن وثاب «إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ» بكسر إنّ فيهما جميعاً.

    قال أبو جعفر: وقراءة يحيى حسنة. كما تقول: حسبت عمراً أبوه خالد. قال أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر كسر «إن» يحتج به لأهل القدر؛ لأنه كان منهم. ويجعل على التقديم والتأخير «وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً إنما نُملي لهم خير لأنفسهم». قال: ورأيت في مصحفٍ في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار «إنما نملي لهم إيماناً» فنظر إليه يعقوب القارىء فتبين اللحن فحكه. والآية نصٌّ في بطلان مذهب القدرية؛ لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان. وعن ابن عباس قال: ما من بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموت خير له ثم تلا: { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً } وتلا { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } أخرجه رزِين.

    وقال الرازى (ينقل قول المعتزلة ويرد عليهم)

    وثانيها: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم

    ....

    وأما السؤال الرابع: وهو التقديم والتأخير. فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقديم والتأخير ترك للظاهر. وثانيها: قال الواحدي رحمه الله: هذا إنما يحسن لو جازت قراءة { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } بكسر «إنما» وقراءة { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } بالفتح....

    وقال السمين

    فأمَّا قراءةُ الجمهور فتخريجُها واضحٌ، وهو أنه يجوز أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى " الذين " ، و " أنَّ " وما اتصل بها سادٌّ مسدَّ المفعولين عند سيبويه ومَسَدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش حَسْبما تقدم غير مرة. ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب يُراد به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أي: ولا يحسبن النبيُّ عليه السلام، فعلى هذا يكون " الذين كفروا " مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، فتتَّحِدُ هذه القراءةُ على هذا الوجه مع قراءة حمزة ـ رحمه الله ـ، وسيأتي تخريجها. و " ما " يجوز أَنْ تكونَ موصولة اسمية، فيكونُ العائد محذوفاً لاستكمال الشروط، أي: أنَّ الذي نُمْليه، وأن تكونَ مصدرية أي: إملاءنَا، وهي اسم " أنَّ " و " خير " خبرُها. قال أبو البقاء: " ولا يجوزُ أَنْ تكونَ كافةً ولا زائدةً، إذ لو كانت كذلك لانتصَبَ " خيرٌ " بـ " نُمْلي " ، واحتاجت " أنَّ " إلى خبرٍ إذا كانت " ما " زائدةً، أو قُدِّر الفعلُ يليها، وكلاهما ممتنعٌ ". انتهى. وهو من الواضحات، وكتبوا " أنما " في الموضعين متصلةً، وكان من حقِّ الأولى الفصلُ لأنها موصولة.

    وأمَّا قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوالُ الناس وتخاريجُهم حتى إنه نُقِل عن أبي حاتم أنها لحن. قال النحاس: " وتابعه على ذلك خلقٌ كثير " وهذا لا يُلْتفت إليه لتواتُرها. وفي تخريجها ستةٌ أوجهٍ، أحدها: أن يكون فاعلُ " تحسَبَنَّ " ضميرَ النبي صلى الله عليه وسلم، و { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مفعولٌ أولُ، و { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ } مفعولٌ ثانٍ. ولا بد على هذا التخريجِ مِنْ حَذْفِ مضافٍ: أمَّا من الأولِ تقديرُه: " ولا تَحْسَبَنَّ شأنَ الذين كفروا " ، وإمَّا من الثاني تقديرُه: " أصحابَ أنَّ إملاءنا خيرٌ لهم " ، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لأنَّ " أنما نُمْلي " بتأويلِ مصدرٍ، والمصدرُ معنىً من المعاني لا يَصْدُق على الذين كفروا، والمفعولُ الثاني في هذا البابِ هو الأولُ في المعنى.

    الثاني: أن يكونُ { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } بدلٌ من { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وإلى هذا ذهب الكسائي والفراء وتَبِعهما جماعةٌ منهم الزمخشري والزجاج وابن الباذش.....

    الثالث: ـ وهو أغربُها ـ أن يكونَ " الذين " فاعلاً بـ " تَحْسَبَنَّ " على تأويلِ أَنْ تكونَ التاءُ في الفعلِ للتأنيثِ كقولِه:{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } [الشعراء: 105] أي: " ولا تَحْسَبَنَّ القومَ الذين كفروا " و " الذين " وصفُ " القوم " كقوله:{ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ } [الأعراف: 137] فعلى هذا تَتَّحد هذه القراءةُ مع قراءة الغَيْبة، وتخريجُها كتخريجِها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيرِه المسمى: بـ " اللباب ". وفيه نظرٌ ...

    الرابع: أن يكونَ { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } بدلاً من { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بدلَ الاشتمالِ أي: إملاءَنا، و " خيرٌ " بالرفعِ خبرُ مبتدأ محذوف أي: هو خيرٌ لأنفسهم، والجملةُ هي المفعولُ الثاني. نقل ذلك الشيخ شهاب الدين أبو شامة عن بعضهم...

    الخامس: أن يكون { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مفعولاً أولَ، و { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً } في موضع المفعول الثاني، و { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ } مبتدأ وخبر، اعترض به بين مفعولي " وَتحْسَبَنَّ " ، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، نُقِل ذلك عن الأخفش. قال أبو حاتم: " سمعت الأخفش يذكر فتحَ " أَنَّ " يحتجُّ بها لأهل القَدَر لأنه كان منهم، ويجعله على التقديمِ والتأخير، كأنه قال: " ولا تَحْسَبَنَّ الذين [كفروا] إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسِهم " انتهى. وإنما جاز أن تكون " أَنَّ " المفتوحة مبتدأً بها أولُ الكلامِ لأنَّ مذهب الأخفشِ ذلك، وغيرُه يمنع ذلك، فإنْ تَقَدَّم خبرُها عليها نحو: " في ظني أنك منطلقٌ " أو أمَّا التفصيلية نحو: " أما أنك منطلقٌ فعندي " جاز ذلك إجماعاً، وقولُ أبي حاتم: " يذكرُ فتحَ أنَّ " يعني بها التي في قولهِ: { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ }. ووجهُ تمسُّكِ القَدَريَّة به أنَّ الله تعالى لا يجوزُ أَنْ يُملي لهم إلا ماهو خيرٌ لأنفسِهم، لأنه يجبُ عندهم رعايةُ الأصلحِ.....

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة السبعون

    قال السمين

    وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الأنفال: " يُمَيِّز " بالتشديد، والباقون بالتخفيف. وعن ابن كثير أيضاً " يُميز " من أماز، فهذه ثلاث لغات، يقال مازَه ومَيَّزه وأمازه. والتشديد والهمزة ليسا للنقل، لأنَّ الفعل قبلهما متعدٍ، وإنما فَعَّل بالتشديد وأَفْعَل بمعنى المجرد، وهل ماز ومَيّز بمعنى واحد أو بمعنيين مختلفين؟ قولان. ثم القائلون بالفرق اختلفوا، فقال بعضهم: لا يقال " ماز " إلا في كثير من كثير، فأما واحد من واحد فَمَيَّزت، ولذلك قال أبو معاذ: يقال: " مَيَّزْتُ بين الشيئين ومِزْتُ بين الأشياء ". وقال بعضُهم عكسَ هذا: مِزْتُ بين الشيئين ومَيَّزْتُ بين الأشياءِ، وهذا هو القياسُ، فإنَّ التضعيفَ يُؤْذِنُ بالتكثير وهو لائقٌ بالمتعددات. ورجَّح بعضُهم " مَيَّز " بالتشديد بأنه أكثر استعمالاً، ولذلك لم يُسْتعمل المصدرُ إلا منه فقالوا: التمييز، ولم يقولوا: " المَيْز " يعني لم يقولوه سماعاً وإلا فهو جائز قياساً....

    قوله تعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ }: قرأ حمزة بالخطاب، والباقون بالغيبة. فأمَّا قراءةُ حمزة فـ " الذين " مفعولٌ أولُ، و " خيراً " هو الثاني، ولا بُدَّ من حذف مضاف لِيَصْدُقَ الخبرُ على المبتدأِ، تقديرُه: ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الذين يبخلون. قال أبو البقاء: " وهو ضعيفٌ لأنَّ فيه إضمارَ البخلِ قبل ذِكْر ما يَدُلُّ عليه " وفيه نظرٌ، لأنَّ الدلالةَ على المحذوف قد تكونُ متقدمةً وقد تكون متأخرةً، وليس هذا من بابِ الإِضمارِ في شيء حتى يُشْتَرَطَ فيه تقدُّمُ ما يَدُلُّ على ذلك الضميرِ.

    و " هو " فيه وجهان، أحدُهما: أنه فَصْلٌ بين مفعولي " تحسبن ". والثاني ـ قاله أبو البقاء ـ: أنه توكيدٌ، وهو خطأ، لأنَّ المضمر لا يُؤكِّد المُظْهَر، والمفعول الأول اسمٌ مظهر ولكنه حُذِف كما تقدم، وبعضُهم يُعَبِّر عنه فيقول: " أُضمر المفعولُ الأولُ " يعني حُذِفَ فلا يُغْتَرَّ بهذه العبارةِ، و " هو " في هذه المسألةِ يتعيَّن فَصْلِيَّتُه لأنه لا يخلو: إمَّا أَنْ يكونَ مبتدأً أو بدلاً أو توكيداً، والأولُ منتفٍ لنصبِ ما بعده ـ وهو خيراً ـ وكذا الثاني لأنه كان يلزمُ أَنْ يوافِقَ ما قبلَه في الإِعرابِ فكان ينبغي أَنْ يُقالَ إياه لا " هو " ، وكذا الثالثُ لِما تقدَّم.

    وأمَّا قراءةُ الجماعةِ فيجوزُ فيها أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى ضمير غائب: إمَّا الرسولُ أو حاسِبٌ ما، ويجوزُ أَنْ يكونَ مسنداً إلى " الذين " ، فإنْ كان مسنداً إلى ضميرِ غائبٍ فـ " الذين " مفعولٌ أولُ على حَذْفِ مضافٍ كما تقدَّم ذلك في قراءةِ حمزة أي: بخلَ الذين، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّ الرسولُ ـ أو أحدُ ـ بخلَ الذين يبخلون خيراً. و " هو " فصل كما تقدَّم، فتتحدُ القراءاتان معنىً وتخريجاً. وإنْ كان مسنداً لـ " الذين " ففي المفعولِ الأولِ وجهان، أحدُهما: أنه محذوفٌ لدلالةِ " يبخلون " عليه كأنه قيل: " ولا يَحْسَبَنَّ الباخِلون بخلَهم هو خيراً لهم " و " هو " فصلٌ. قال ابن عطية: " ودَلَّ على هذا البخلِ " يبخلون " كما دَلَّ " السفيه " على " السَّفَه " في قوله:
    1501ـ إذا نُهِي السَّفيهُ جرى إليه وخالَفَ والسفيهُ إلى خلافِ
    أي: جرى إلى السفة ". قال الشيخ: " وليست الدلالةُ فيها سواءً لوجهين، أحدُهما: أنَّ دلالةَ الفعلِ على المصدرِ أَقْوى مِنْ دلالةِ اسمِ الفاعلِ عليه وأكثرُ، ولا يوجَدُ ذلك إلا في هذا البيت أوغيرِه إن ورد. الثاني: أنَّ البيتَ فيه إضمارٌ لا حذفٌ، والآيةُ فيها حَذْفٌ.

    الوجه الثاني: أنَّ المفعولَ نفس " هو " ، وهو ضميرُ البخل الذي دَلَّّ عليه " يبخلون " كقولِه: ظ±عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىظ° } [المائدة: 8]، قاله أبو البقاء، وهو غلطٌ أيضاً؛ لأنه ينبغي أَنْ يأتِيَ به بصيغةِ المنصوب فيقول: " إياه " لكونِه منصوباً بـ " يَحْسَبَنَّ " ، ولا ضرورةَ بنا إلى أَنْ نَدَّعي أنه من بابِ استعارةِ ضميرِ الرفع مكانَ النصبِ كقولِهم " ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا " فاستعار ضميرَ الرفعِ مكانَ ضميرِ الجر.....

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي، قراءة من قرأ { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالتاء بتأويـل ولا تـحسبنّ أنت يا مـحمد بخـل الذين يبخـلون بـما أتاهم الله من فضله، هو خيراً لهم، ثم ترك ذكر البخـل، إذ كان فـي قوله هو خيراً لهم، دلالة علـى أنه مراد فـي الكلام، إذ كان قد تقدّمه قوله { ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِهِ }. وإنـما قلنا قراءة ذلك بـالتاء أولـى بـالصواب من قراءته بـالـياء، لأن الـمـحسبة من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرىء قوله { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالـياء لـم يكن للـمـحسبة اسم يكون قوله { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً عنه، وإذا قرىء ذلك بـالتاء كان قوله { ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } اسماً له، قد أدّى عن معنى البخـل الذي هو اسم الـمـحسبة الـمتروك، وكان قوله { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً لها، فكان جارياً مـجرى الـمعروف من كلام العرب الفصيح.

    فلذلك اخترنا القراءة بـالتاء فـي ذلك علـى ما بـيناه، وإن كانت القراءة بـالـياء غير خطأ، ولكنه لـيس بـالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب

    وقال ابن عطية

    { سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَآءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَـا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ }

    قرأ حمزة وحده " سيكتب " بالياء من أسفل على بناء الفعل للمفعول و " قتلُهم " برفع اللام عطفاً على المفعول الذي لم يسم فاعله، و " يقول " بالياء من أسفل، وقرأ الباقون بنون الجمع، فإما أنها نون العظمة، وإما هي للملائكة و { ما } على هذه القراءة مفعولة بها، و " قتلَهم " بنصب اللام عطفاً على { ما } { ونقول } بالنون على نحو { سنكتب } والمعنى في هاتين القراءتين قريب بعضه من بعض، قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله بن مسعود " ويقال ذوقوا " وقال أبو معاذ النحوي في حرف ابن مسعود: " سنكتب ما يقولون ويقال لهم ذوقوا " وقرأ طلحة بن مصرف " سنكتب ما يقولون " وحكى أبو عمرو عنه أيضاً أنه قرأ " ستكتب " بتاء مرفوعة { ما قالوا } ، بمعنى: ستكتب مقالتهم، وهذه الآية وعيد لهم، أي سيحصى عليهم قولهم، والكتب فيما قال كثير من العلماء هو في صحف تقيده الملائكة فيها، وتلك الصحف المكتوبة هي التي توزن وفيها يخلق الله الثقل والخفة بحسب العلم المكتوب فيها، وذهب قوم إلى أن الكتب عبارة عن الإحصاء وعدم الإهمال، فعبر عن ذلك بما تفهم العرب منه غاية الضبط والتقييد، فمعنى الآية: أن أقوال هؤلاء تكتب وأعمالهم، ويتصل ذلك بأفعال آبائهم من قتل الأنبياء بغير حق ونحوه

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الواحدة والسبعون

    لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس: " أتوا " بمعنى فعلوا، كما تقول أتيت أمر كذا، وقرأ مروان بن الحكم وإبراهيم النخعي: " آتوا " بالمد، بمعنى أعطوا بفتح الهمزة والطاء.

    قال أبو محمد: وهي قراءة تستقيم على بعض المعاني التي تقدمت، وقرأ سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي، " أوتوا " بمعنى أعطوا، وقد تقدمت مع معناها وقرأ أبو عمرو وابن كثير، { لا يحسبن الذين يفرحون } " فلا يحسِبنهم " بالياء من تحت فيهما وبكسر السين وبرفع الباء في يحسبنهم، قال أبو علي: { الذين } رفع بأنه فاعل " يحسب " ، ولم تقع " يحسبن " على شيء، وقد تجيء هذه الأفعال لغواً لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر: [الطويل]

    وما خلت أبقى بيننا من مودة عراض المذاكي المسنفات القلائصا
    وقال الخليل: العرب تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد فتتجه القراءة بكون قوله: " فلا تحسبنهم " بدلاً من الأول وقد عدي إلى مفعوليه وهما الضمير، وقوله { بمفازة } فاستغني بذلك عن تعدية الأول إليها كما استغني في قول الشاعر: [الطويل]

    بأيّ كِتابٍ أَوْ بأيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عاراً عليَّ وَتَحْسِبُ؟
    فاستغني بتعدية أحد الفعلين عن تعدية الآخر، والفاء في قوله { فلا تحسبنهم } زائدة، ولذلك حسن البدل، إذ لا يتمكن أن تكون فاء عطف ولا فاء جزاء، فلم يبق إلا أن تكون زائدة لا يقبح وجودها بين البدل والمبدل منه، وقوله على هذه القراءة " فلا يحسبنهم " ، فيه تعدي فعل الفاعل إلى ضمير نفسه، نحو ظننتني أخاه، ورأيتني الليلة عند الكعبة، ووجدتني رجعت من الإصغاء، وذلك أن هذه الأفعال وما كان في معناها لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت " أن " وأخواتها، فكما تقول: إني ذاهب، فكذلك تقول: ظننتني ذاهباً، ولو قلت: أظن نفسي أفعل كذا لم يحسن، كما يحسن: أظنني فاعلاً، قرأ نافع وابن عامر: " لا يحسبن الذين " بالياء من تحت وفتح الباء، وكسر نافع السين، وفتحها ابن عامر " فلا تحسبنهم " بالتاء من فوق، وفتح الباء، والمفعولان اللذان يقتضيهما قوله " لا يحسبن الذين " محذوفان لدلالة ما ذكر بعده، والكلام في ذلك كما تقدم في قراءة ابن كثير، إلا أنه لا يجوز في هذا البدل الذي ذكره في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين واختلاف فعليهما، وقرأ حمزة " لا تحسبن " بالتاء من فوق وكسر السين " فلا تحسبنهم " بالتاء من فوق وكسر السين وفتح الباء فـ { الذين } على هذه القراءة مفعول أول " لتحسبن " ، والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما يجيء بعد عليه، كما قيل آنفاً في المفعولين، وحسن تكرار الفعل في قوله " فلا تحسبنهم " لطول الكلام، وهي عادة العرب وذلك تقريب لذهن المخاطب، وقرأ الضحاك بن مزاحم " فلا تحسبنهم " بالتاء من فوق وفتح السين وضم الباء، ...

    الجوهرة الثانية والسبعون

    وقال السمين

    وقرأ جمهور السبعة: " وقاتَلوا وقُتِلوا " ببناء الأول للفاعل من المفاعلة، والثاني للمفعول، وهي قراءةُ واضحة. وابن عامر وابن كثير كذلك، إلا أنهما شَدَّدا التاء من " قُتِّلوا " للتكثير، وحمزة والكسائي بعكس هذا، ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل.

    وتوجيهُ هذه القراءةِ بأحدِ معنيين: إما أنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيب فلذلك قُدِّم معها ما هو متأخرٌ في المعنى، هذا إن حملنا ذلك على اتِّحاد الأشخاص الذين صَدَر منهم هذان الفعلان. الثاني: أن يُحْمل ذلك على التوزيع، أي: منهم مَنْ قُتِل ومنهم مَنْ قاتل. وهذه الآية في المعنى كقوله: { قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ } [آل عمران: 146]، والخلافُ في هذه كالخلاف في قوله{ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } [الآية: 111] في براءة، والتوجيهُ هناك كالتوجيه هنا.

    وقرأ عمر بن عبد العزيز: " وقَتَلوا وقُتِلوا " ببناء الأول للفاعل من " فَعَل " ثلاثياً، والثاني للمفعول، وهي كقراءة الجماعة.

    وقرأ محارب بن دثار: " قَتَلوا وقاتلوا " ببنائهما للفاعل. وقرأ طلحة ابن مصرف: " وقُتِّلوا وقاتَلوا " كقراءةِ حمزة والكسائي، إلاَّ أنَّه شدَّد التاءَ، والتخريجُ كتخريج قراءتهما. ونقل الشيخ عن الحسن وأبي رجاء: " قاتلوا وقُتِّلوا " بتشديد التاء من " قُتِّلوا " ، وهذه هي قراءة ابن كثير وابن عامر كما تقدَّم، وكأنه لم يَعْرف أنها قراءتُهما.

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    سورة النساء

    الجوهرة الثالثة والسبعون


    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ } كرّر الاتقاء تأكيداً وتنبيهاً لنفوس المأمورين. و «الذي» في موضع نصب على النعت. «وَالأَرحَامَ» معطوف. أي اتقوا الله أن تعصوه. واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ أهل المدينة «تَسَّاءلُونَ» بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف التاء، لاجتماع تائين، وتخفيف السين؛ لأن المعنى يعرف؛ وهو كقوله:{ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ظ±لإِثْمِ } [المائدة: 2] و «تَنَزَّلُ» وشبهه.

    وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة والأعْمَش وحَمْزة { وَظ±لأَرْحَامِ } بالخفض. وقد تكلم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لَحْن لا تحِلّ القراءة به. وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح؛ ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا عِلّة قبحه؛ قال النحاس: فيما علمتُ.

    وقال سيبويه: لم يعطف على المضمر المخفوض؛ لأنه بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال جماعة: هو معطوف على المكنِيّ؛ فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول الرجل: سألتك بالله والرحِم؛ هكذا فسره الحسن والنخعِيّ ومجاهد، وهو الصحيح في المسألة، على ما يأتي. وضعّفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا: يقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض؛ كقوله{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ظ±لأَرْضَ } [القصص: 81] ويقبح «مررت به وزيدٍ» قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه؛ فكما لا يجوز «مررت بزيد وبك» كذلك لا يجوز «مررت بك وزيد». وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلاّ في الشعر؛ كما قال:
    فاليوم قرّبتَ تَهجُونا وتشتِمُنا فاذهبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَب
    عطف «الأيام» على الكاف في «بك» بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر:
    نعلِّق في مِثل السَّوَارِي سيوفنا وما بينها والكَعْبِ مَهْوى نَفَانِفُ

    عطف «الكعب» على الضمير في «بينها» ضرورة. وقال أبو عليّ: ذلك ضعيف في القياس. وفي (كتاب التذكرة المهدية) عن الفارسي أن أبا العباس المبرّد قال: لو صليتُ خلف إمام يقرأ { مَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيِّ } و«اتَّقُوا الله الذَّي تَسَاءَلُوَن بِه وَالأْرحَامِ» لأخذت نعلي ومضيت. قال الزجاج: قراءة حَمْزَةَ مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا بآبائكم " فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرّحِم. ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلِف بغير الله أمر عظيم، وأنه خاص لله تعالى. قال النحاس: وقول بعضهم { وَظ±لأَرْحَامَ } قَسَمٌ خطأ من المعنى والإعراب؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حُفاةً عراةً، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لِما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال: { يَأَيُّها النَّاسُ ظ±تقُوا رَبَّكُمُ } ، إلى { وَالأَرْحَامَ }؛ ثم قال: «تصدّق رجل بديناره تصدّق رجل بدرهمه تصدّق رجل بصاع تمره» " وذكر الحديث. فمعنى هذا على النصب؛ لأنه حضّهم على صلة أرحامهم وأيضاً فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من كان حالِفا فليحلف بالله أو ليصمت " فهذا يرّد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرّحم. وقد قال أبو إسحاق: معنى { تَسَاءَلُونَ بِهِ } يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضاً مع هذا.

    قلت: هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة «وَالأَرْحَامِ» بالخفض، واختاره ابن عطية.

    وردّه الإمام أبو النصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيريّ، واختار العطف فقال: ومثل هذا الكلامِ مردود عند أئمة الدين؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرّاء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محذور، ولا يقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو؛ فإن العربية تُتلقّى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر؛ لأنه عليه السلام قال لأبي العُشَرَاء. " وأبِيك لو طعنت في خاصرته " ثم النهي إنما جاء في الحلفِ بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرّحم فلا نهي فيه. قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرّحم، أي اتقوا الله وحق الرحم، كما تقول: افعل كذا وحقِّ أبيك.

    وقد جاء في التنزيل: «والنَّجْمِ، والطّورِ، والتِّينِ، لَعْمرُك» وهذا تكلفٌ.

    قلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أنه يكون «وَالأَرْحَامِ» من هذا القبيل، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيداً لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم.

    ولِلّهِ أن يُقسِم بما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسماً. والعرب تُقسم بالرحم. ويصح أن تكون الباء مرادةً فحذفها كما حذفها في قوله:
    مَشائيمُ ليسوا مُصلِحِينَ عَشِيرةً ولا ناعِبٍ إلاّ بِبَيْنٍ غُرابُها
    فجر وإن لم يتقدّم باء. قال آبن الدَّهان أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفي يُجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله:
    آبَكَ أيِّهْ بِيَ أو مُصَدَّرِ من حُمُر الجِلّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ
    ومنه:
    فاذْهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ
    وقـول الآخـر:
    وما بَيْنها والكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ
    ومنه:
    فحسبُك والضَّحّاكِ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
    وقول الآخر:
    وقد رَامَ آفاقَ السّماءِ فلم يَجِدْ له مَصعَداً فيها ولا الأرْضِ مَقْعَدَا
    وقول الآخر:
    ما إنْ بها والأُمورِ مِنْ تَلَفٍ ما حُمّ مِنْ أمرِ غَيْبِهِ وَقَعَا
    وقول الآخر:
    أمُرُّ على الكَتِيبَة لَسْتُ أدرِي أحَتْفِيَ كان فيها أمْ سِواها
    فـ «سواها» مجرور الموضع بفِي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى:{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } [الحجر: 20] فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبدالله بن يزيد «وَالأَرْحَامُ» بالرفع على الآبتداء، والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل. ويحتمل أن يكون إغراء لأن من العرب من يرفع المغرى. وأنشد الفراء:
    إن قوما منهم عُمَيْرٌ وأشْبَا هُ عُمَيْرٍ ومنهم السفّاحُ
    لَجَديرون باللِّقاء إذا قا ل أخو النّجْدَةِ السلاحُ السلاحُ
    وقد قيل: إنّ { وَالأَرحَامَ } بالنصب عطف على موضع به؛ لأن موضعه نصب، ومنه قوله:
    فلسنا بالجبال ولا الحديدا
    وكانوا يقولون: أنشُدُك بالله والرّحِمَ. والأظهر أنه نصب بإضمار فعلٍ كما ذكرنا...

    وقال السمين

    قوله: { وَظ±لأَرْحَامَ } الجمهور/ على نصب ميم " والأرحام " وفيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة أي: واتقوا الأرحام أي: لا تقطعوها. وقَدَّر بعضهم مضافاً أي: قَطْعَ الأرحام، ويقال: " إنَّ هذا في الحقيقة من عطفِ الخاص على العام، وذلك أن معنى اتقوا الله: اتقوا مخالفَتَه، وقطعُ الأرحام مندرجٌ فيها ". والثاني: أنه معطوفٌ على محل المجرور في " به " نحو: مررت بزيد وعمراً، لَمَّا لَم يَشْرَكْه في الإِتباع على اللفظِ تبعه على الموضع. ويؤيد هذا قراءة عبد الله: " وبالأرحام ". وقال أبو البقاء: " تُعَظِّمونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تعظيمٌ له ".

    وقرأ حمزة " والأرحامِ " بالجر، وفيها قولان، أحدهما: أنه عطفٌ على الضمير المجرور في " به " من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون، وقد تقدَّم تحقيقُ القول في هذه المسألة، وأنَّ فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاجُ كل فريق في قوله تعالى:{ وَكُفْرٌ بِهِ وَظ±لْمَسْجِدِ } [البقرة: 217].

    وقد طَعَنَ جماعة على هذه القراءة كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي مذهبه جوازُ ذلك أنه قال: " حَدَّثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم قال: " والأرحامِ " ـ بخفض الأرحام ـ هو كقولهم: " أسألك بالله والرحمِ " قال: " وهذا قبيحٌ " لأنَّ العرب لا تَرُدُّ مخفوضاً على مخفوضٍ قد كُنِيَ عنه ".

    والثاني: أنه ليس معطوفاً على الضمير المجرور بل الواوُ للقسم وهو خفضٌ بحرفِ القسم مُقْسَمٌ به، وجوابُ القسم: " إنَّ الله كان عليكم رقيباً ". وضُعِّف هذا بوجهين، أحدهما: أن قراءتَيْ النصبِ وإظهار حرف الجر في " بالأرحام " يمنعان من ذلك، والأصل توافقُ القراءات. والثاني: أنه نُهِيَ أن يُحْلَف بغير الله تعالى والأحاديثُ مصرحةٌ بذلك.

    وقدَّر بعضُهم مضافاً فراراً من ذلك فقال: " تقديره: وربِّ الأرحام: قال أبو البقاء: وهذا قد أَغْنى عنه ما قبله " يعني الحلف بالله تعالى. ولقائل [أن يقول:] " إنَّ لله تعالى أن يُقْسِم بما شاء كما أقسم بمخلوقاتِه كالشمس والنجم والليل، وإن كنا نحن مَنْهيين عن ذلك " ، إلا أنَّ المقصودَ من حيث المعنى ليس على القسمِ، فالأَوْلى حَمْلُ هذه القراءةِ على العطفِ على الضمير، ولا التفاتَ إلى طَعْنِ مَنْ طَعَن فيها، وحمزةُ بالرتبة السَّنِيَّة المانعةِ له مِنْ نقلِ قراءة ضعيفة.

    وقرأ عبد الله أيضاً: " والأرحامُ " رفعاً وهو على الابتداء، والخبر محذوفٌ فقدَّره ابن عطية: " أهلٌ أَنْ توصل " ، وقَدَّره الزمخشري: و " الأرحامُ مِمَّا يتقى، أو: مما يُتَساءل به " ، وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية والمعنوية، بخلاف الأول، فإنه للدلالة المعنوية فقط، وقَدَّره أبو البقاء: " والأرحامُ محترمة " أي: واجبٌ حرمتُها......

    { أَن لاَ تَعُولُواْ } في محلِّ نصب أو جَرٍّ على الخلافِ المشهور في " أن " بعد حذف حرف الجر، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: " إلى " أي: أدنى إلى ألاَّ تعولوا. والثاني: " اللام " والتقدير: أدنى لئلا تعولوا. والثالث: وقَدَّره الزمخشري: مِنْ أن لا تميلوا، لأن أفعل التفضيل يَجْري مجرى فِعله، فما تعدَّى به فعلُه تعدَّى هو به، وأَدْنى من دنا، و " دنا " يتعدَّى بـ إلى واللام ومِنْ. تقول: دَنَوْت إليه وله ومنه.

    وقرأ الجمهور: " تَعُولوا " مِنْ عالَ يَعُول إذا مال وجار، والمصدر: العَوْل والعِيالة، وعالَ الحاكم أي: جار، قال أبو طالب في النبيّ صلى الله عليه وسلم:
    1536ـ........................ له حاكمٌ من نفسِه غيرُ عائِل
    وعالَ الرجل عيالَه يَعُولهم أي: مانَهم من المَؤُونة، ومنه: " ابدَأْ بنفسك ثم بمن تعول " ، وحكى ابن الأعرابي: عال الرجل يعول: كثر عياله، وعالَ يَعِيل افتقر وصار له عائلةٌ. والحاصل: أن " عال " يكونُ لازماً ومتعدياً، فاللازمُ يكون بمعنى مالَ وجارَ، ومنه " عال الميزانُ " ، وبمعنى كَثُر عيالُه، وبمعنى تفاقم الأمرُ، والمضارعُ من هذا كلِّه يعولُ، وعالَ الرجل، افتقر، وعالَ في الأرض ذهب فيها، والمضارع من هذين يَعِيل، والمتعدي يكون بمعنى أثقل وبمعنى مان من المؤونة وبمعنى غَلَب، ومنه " عيل صبري " /، ومضارع هذا كله: يَعُول، وبمعنى أعجز، تقول: أعالني الأمر أي: أعجزني، ومضارع هذا يَعيل، والمصدر عَيْل ومَعِيل. فقد تلخص من هذا أن " عال " اللازم يكون تارة من ذوات الواو وتارة من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك " عال " المتعدي أيضاً.

    وفَسَّر الشافعي " تَعُولوا " بمعنى: يكثرُ عيالُكم، وردَّ هذا القولَ جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب " النظم ". قال الرازي: " هذا غلطٌ من جهة المعنى واللفظ: أما الأول فلإِباحة السراري مع أنه مَظَنَّة كثرة العيال كالتزوج، وأما اللفظ فلأن مادة " عال " بمعنى كَثُر عياله من ذوات الياء لأنه من العَيْلَة، وأما " عال " بمعنى جار فمِنْ ذواتِ الواو فاختلفت المادتان، وأيضاً فقد خالَفَ المفسرين ". وقال صاحب النظم: " قال أولاً " ألاَّ تعدلوا " فوجَبَ أن يكونَ ضدُّه الجورَ ".

    وقد ردَّ الناسُ على هؤلاء، أمَّا قولهم: التسرِّي أيضاً يكثُر معه العيال من أنه مباح " فممنوعٌ، وذلك لأنَّ الأمةَ ليست كالمنكوحةِ، ولهذا يَعْزِلُ عنها بغيرِ إذنها ويُؤْجرُها ويأخذ أُجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها. وقال الزمخشري: " وجهُه أَنْ يُجعل من قولِك: " عالَ الرجل عِياله يعولهم " كقولك: مانَهم يَمُونهم أي: أنفق عليهم، لأنَّ مَنْ كثر عياله لزمه أن يَعُولهم، وفي ذلك ما يَصْعُب عليه المحافظة من كسبِ الحلال والأخذِ من طيب الرزق " ثم أثنى على الشافعي ثناءً جميلاً، وقال: " ولكنْ للعلماء طرقٌ وأساليبُ، فسلك في تفسير هذه الكلمة مَسْلَكَ الكنايات ". انتهى.

    وأمَّا قولُهم: " خالفَ المفسرين " فليس بصحيح، بل قاله زيد ابن أسلم وابن زيد. وأمَّا قولُهم " اختلف المادتان " فليس بصحيح أيضاً؛ لأنه قد تقدَّم حكايةُ ابن الأعرابي عن العرب: " عال الرجل يَعُول: كثر عياله " ، وحكاها الكسائي أيضاً، قال: " يقال: عال الرجل يَعُول، وأعال يُعيل: كَثُر عياله " ونقلها أيضاً الدوري المقرىء لغةً عن حِمْير وأنشد:
    1537ـ وإنَّ الموتَ يأخذُ كلَّ حَيٍّ بلا شك وإنْ أَمْشى وعَالا
    أمشىظ°: كثرت ماشيته، وعال: كَثُر عياله، ولا حجةَ في هذا؛ لاحتمال أن يكونَ " عال " من ذوات الياء، وهم لا يُنْكرون أنَّ " عال " يكون بمعنى كَثُر عياله، ورُوي عنه أيضاً أنه فسَّر " تَعُولوا " بمعنى تفتقروا، ولا يُريد به أنَّ تَعولوا وتَعيلوا بمعنى، بل قصدَ الكناية أيضاً، لأن كثرة العيال سببُ الفقر.

    وقرأ طلحة: " تَعيلوا " بفتح تاء المضارعة من عالَ يعيل: افتقر، قال:
    1538ـ وما يَدْري الفقيرُ متى غِناه وما يَدْري الغنيُّ متى يَعِيل
    وقرأ طاوس: " تُعيلوا " بضمها من أعال: كَثُر عياله، وهي تعضُد تفسيرَ الشافعي المتقدم من حيث المعنى. وقال الراغب: " عاله وغاله يتقاربان، لكن الغَوْل فيما يُهْلِك، والعَوْل فيما يُثْقِل، وعالت الفريضة: إذا زادت في القِسمة المسماة لأصحابها بالنصِّ ".....

    وقرأ نافع وابن عامر: " قِيَماً " وباقي السبعة: " قِياماً " وابن عمر: " قِواماً " بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر: " قَواماً " بفتحها، ويروى عن أبي عمرو. وقرىء " قِوَماً " بزنة عِنَب.

    فأما قراءة نافع وابنِ عامر ففيها ثلاثة أوجه، أحدهما: أنَّ " قِيَماً " مصدرٌ كالقيام وليس مقصوراً منه، قال الكسائي والأخفش والفراء، فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُراد به الثباتُ والدوامُ.

    وقد رُدَّ هذا القول بأنه كان ينبغي أن تَصِحَّ الواو لتحصُّنِها بتوسُّطِها، كما صَحَّت واو " عِوَض " و " حِوَل ". وأُجيب عنه بأنه تبع فعلَه في الإِعلال. فكما أُعِلَّ فعلُه أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِل عليه في الإِعلال. وحَكَى الأخفَشُ: قِيَماً وقِوَماً قال: " والقياسُ تصحيحُ الواو، وإنما اعتلَّت على وجهِ الشذوذِ كقولهم: " ثِيَرة " ، وقولِ بني ضبة: " طِيال " في جمع طويل، وقولِ الجميع " جِياد " جمع جَواد، وإذا أعلُّوا " دِيَماً " لاعتلالِ " دِيْمة " فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أَوْلى، ألا ترى إلى صحة الجمع مع اعتلالِ مفردِه في معيشة ومعايش، ومقامة ومقاوِم، ولم يصححوا مصدراً أعلُّوا فِعْلَه.

    الثاني: أنه مقصورٌ من " قيام " ، فحذفوا الألف تخفيفاً كما قالوا: خيَم في " خِيام " و " مِخْيَط " و " مِقْول " في: " مِخْياط " و " مِقْوال ".

    والثالث: أنه جمع " قِيمة " كـ " دِيَم " في جمع دِيْمَة، والمعنى: أنَّ الأموالَ كالقيم للنفوس لأنَّ بقاءها بها. وقد رَدَّ الفارسي هذا الوجهَ، وإنْ كان هو قولَ البصريين غيرَ الأخفش بأنه قد قُرِىء قوله تعالى:{ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } [الأنعام: 161] وقوله: { ظ±لْبَيْتَ ظ±لْحَرَامَ قِيَماً لِّلنَّاسِ } [المائدة: 97] ولا يَصِحُّ معنى القِيَمة فيهما. وقد ردَّ عليه الناس بأنه لا يلزَمُ من عدم صحةِ معناه في الآيتين المذكورتين ألاَّ يصِحَّ هنا، إذ معناه هنا لائقٌ، وهناك معنىً آخرُ يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي.

    وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فهو مصدرُ " قام " والأصلُ قِوام، فَأُبْدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة، والمعنى: التي جَعَلَها الله سبب قيامِ أبدانكم أي: بقائِها. وقال الزمخشري: " أي تقومون بها وتنتعشون ".

    وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان، أحدهما: أنه مصدر قاوَمَ كـ لاوَذَ لِواذاً، صحَّت الواو في المصدر/ كما صحت في الفعل. والثاني: أنه اسم لما يقوم به الشيء، وليس بمصدرٍ كقولهم: هذا مِلاك الأمر " أي ما يُمْلك به.

    وأما قراءة الحسن ففيها وجهان، أحدهما: أنه اسم مصدر كالكَلام والدوام والسلام. والثاني: أنه لغة في القِوام المراد به القامة، والمعنى: التي جعلها الله سببَ بقاءِ قاماتكم، يقال: جارية حسنةُ القِوام والقَوام والقَامة، كلُّه بمعنىً واحد. وقال أبو حاتم: " قَوام بالفتح خطأٌ " قال: " لأنَّ القوام امتداد القامة " ، وقد تقدَّم تأويل ذلك على أن الكسائي قال: " هو بمعنى القِوام " أي بالكسرِ، يعني أنه مصدر....

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الرابعة والسبعون

    قال الالوسي:

    { مّنْهُمْ رُشْداً } أي اهتداءاً إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها، وقيل: صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم، وتقديم الجار والمجرور لما مر غير مرة، وقرىء (رشداً) بفتحتين، و (رشداً) بضمتين، وهما بمعنى رشداً، وقيل: الرشد بالضم في الأمور الدنيوية والأخروية، وبالفتح في الأخروية لا غير....

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { وله أخ أو أخت } الآية، الضمير في له عائد على الرجل، واكتفى بإعادته عليه دون المرأة، إذ المعنى فيهما واحد، والحكم قد ضبطه العطف الأول، وأصل { أخت }: أخوة، كما أصل بنت: بنية، فضم أول أخت إذ المحذوف منها واو، وكسر أول بنت إذ المحذوف ياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس، وأجمع العلماء على أن الإخوة في هذه الآية الإخوة لأم، لأن حكمهم منصوص في هذه الآية على صفة، وحكم سائر الإخوة مخالف له، وهو الذي في كلالة آخر السورة، وقرأ سعد بن أبي وقاص " وله أخ أو أخت لأمه " والأنثى والذكر في هذه النازلة سواء، وشركتهم في الثلث متساوية وإن كثروا،........

    ومعنى الآية على هذا القول: { لا يحل لكم } أن تجعلوا النساء كالمال، يورَثن عن الرجال الموتى، كما يورث المال، والمتلبس بالخطاب أولياء الموتى، وقال بعض المتأولين: معنى الآية: { لا يحل لكم } عضل النساء اللواتي أنتم أولياء لهن وإمساكهن دون تزويج حتى يمتن فتورث أموالهن.

    قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول فالموروث مالها لا هي، وروي نحو هذا عن ابن عباس وغيره، والمتلبس بالخطاب أولياء النساء وأزواجهن، إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية أن يرثها

    وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عمرو وابن كبير: " كَرهاً " بفتح الكاف حيث وقع في النساء وسورة التوبة وفي الأحقاف، وقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في النساء والتوبة بفتح الكاف، وفي الأحقاف في الموضعين بضمها، والكَره والكُره لغتان كالضعف والضعف، والفقر والفقر، قاله أبو علي، وقال الفراء: هو بضم الكاف المشقة وبفتحها إكراه غير، وقاله ابن قتيبة،

    الجوهرة الخامسة والسبعون

    قال الرازى

    المسألة الثالثة: قرأ نافع وأبو عمرو { مُّبَيّنَةٍ } بكسر الياء و{ آيات مُّبَيّنَـظ°تٍ } [النور: 34] بفتح الياء حيث كان، قال لأن في قوله: { مُبَيّنَـظ°تٍ } قصد إظهارها، وفي قوله: { بِفَـظ°حِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } لم يقصد اظهارها، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما، والباقون بكسر الياء فيهما، أما من قرأ بالفتح فله وجهان: الأول: أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة، إنما الله تعالى هو الذي بينهما. والثاني: ان الفاحشة تتبين، فان يشهد عليها أربعة صارت مبينة، وأما الآيات فان الله تعالى بينها، وأما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان وإذا صارت أسبابا للبيان جاز إسناد البيان اليها، كما أن الاصنام لما كانت أسبابا للضلال حسن اسناد الاضلال اليها كقوله تعالى:{ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ظ±لنَّاسِ } [إبراهيم: 36

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجزء الخامس

    الجوهرة السادسة والسبعون


    { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَنُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَظ±لْمُحْصَنَاتُ }: قرأ الجمهور هذه اللفظة سواء كانت معرفة بـ " أل " أم نكرة بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في الجمع إلا قوله { وَظ±لْمُحْصَنَاتُ مِنَ ظ±لنِّسَآءِ } في رأس الجزء فإنه وافق الجمهور. فأمَّا الفتحُ ففيه وجهان، أشهرهما: أنه أَسْند الإِحصان إلى غيرهن، وهو إمَّا الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يُحْصِنُ امرأته أي: يُعِفُّها، والوليَّ يُحصِنُها بالتزويجِ أيضاً والله يُحْصِنُها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوحَ الصادِ بمنزلة المكسور، يعني أنه اسمُ فاعل، وإنما شَذَّ فتحُ عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظَ: أَحْصَنَ فهو مُحْصَن وأَلْقح فهو مُلْقَح، وأَسْهَب فهو مُسْهَب.

    وأمَّا الكسر فإنه أسند الإِحصان إليهن؛ لأنهن يُحْصِنَّ أنفسهن بعفافهن، أو يُحْصِنَّ فروجهن بالحفظ، أو يُحْصِنَّ أزواجهن. وأما استثناء الكسائي التي في رأس الجزء قال: " لأن المراد بهن المُزَوَّجات فالمعنى: أن أوزاجَهُنَّ أحصنوهن، فهن مفعولاتٌ " ، وهذا على أحدِ الأقوال في المحصنات هنا مَنْ هن؟ على أنه قد قرىء ـ شاذاً ـ التي في رأس الجزء بالكسر أيضاً، وإنْ أُريد بهن المزوَّجات؛ لأنَّ المراد أحصنَّ أزواجهنّ أو فروجهنّ، وهو ظاهر. وقرأ يزيد بن قطيب: و " المُحْصُنات " بضم الصاد، كأنه لم يَعْتَدَّ بالساكن فأتبعَ الصاد للميم كقولهم: " مُنْتُن ".

    وأصلُ هذه المادة الدلالةُ على المَنْعِ ومنه " الحِصْن " لأنه يُمْنع به، و " حِصان " للفرس من ذلك. ويقال: أَحْصَنَتِ المرأةُ وحَصُنَتْ، ومصدرُ حَصُنَت: " حُصْن " عن سيبويه و " حَصانة " عن الكسائي وأبي عبيدة، واسمُ الفاعلِ من أَحْصَنَتْ مُحْصَنة، ومن حَصُنت حاصِن، قال:
    1569ـ وحاصِنٍ من حاصناتٍ مُلْسِ مِن الأذى ومن قِراف الوَقْسِ
    ويقال لها: " حَصان " أيضاً بفتح الحاء، قال حسان يصف عائشة رضي الله عنها:
    1570ـ حَصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ وتصبحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافل
    والإِحصانُ في القرآن وَرَد، ويُراد به أحدُ أربعة معان: التزوج والعفة والحرية والإِسلام،وهذا تنفعك معرفته في الاستثناء الواقع بعده: فإن أُريد به هنا التزوُّجُ كان المعنى: وحُرِّمت عليكم المحصنات أي: المزوجات إلا النوعَ الذي ملكته أيمانكم: إما بالسَّبْي أو بمِلْكٍ مِنْ شَرْي وهبة وإرثٍ، وهو قولُ بعضِ أهل العلم، ويدلُ على الأول قولُ الفرزدق:
    1571ـ وذاتِ حَليلٍ أَنْكَحَتْها رماحُنا حَلالٌ لِمَنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ
    يعني: أنَّ مجردَ سبائِها أحلَّهَا بعد الاستبراءِ. وإنْ أُريد به الإِسلام أو العفةُ فالمعنى أنَّ المسلماتِ أو العفيفاتِ حرامٌ كلهن، يعني فلا يُزْنى بهن إلا ما مُلِك منهن بتزويجٍ أو مِلْك يمين، فيكون المرادُ بـ { مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ } التسلُّطَ عليهن وهو قَدْرٌ مشترك، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكونُ الاستثناء متصلاً. وإنْ أريد به الحرائرُ فالمرادُ إلا ما مُلِكت بمِلْكِ اليمينِ، وعلى هذا فالاستثناءُ منقطع...

    { فَظ±نكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِظ±لْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ظ±لْمُحْصَنَاتِ مِنَ ظ±لْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ظ±لْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَظ±للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.


    قال ابن عطية

    وقوله تعالى: { فإذا أحصنَّ } الآية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " أُحصن " على بناء الفعل للمفعول, وقرأ حمزة والكسائي على بناء الفعل للفاعل، واختلف عن عاصم, فوجه الكلام أن تكون القراءة الأولى بالتزوج، والثانية بالإسلام أو غيره مما هو من فعلهن، ولكن يدخل كل معنى منهما على الآخر، واختلف المتأولون فيما هو الإحصان هنا، فقال الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة - وإسلامها هو إحصانها الذي في الآية، وقالت فرقة: إحصانها الذي في الآية هو التزويج لحر، فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وقالت فرقة: الإحصان - في الآية التزوج، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة بالسنة، وهي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري، أنه " قيل: يا رسول الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحد " قال الزهري: فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث والسؤال من الصحابة يقتضي أنهم فهموا من القرآن أن معنى { أحصنَّ } تزوجن، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يقتضي تقرير المعنى ومن أراد أن يضعف قول من قال: إنه الإسلام بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت وتقررت فذلك غير لازم، لأنه جائز أن يقطع في الكلام ويزيد، فإذا كن على هذه الحالة المتقدمة من الإيمان { فإن أتين بفاحشة فعليهن } ، وذلك سائغ صحيح، والفاحشة هنا: الزنى بقرينة إلزام الحد، و { المحصنات } في هذه الآية الحرائر، إذ هي الصفة المشروطة في الحد الكامل، والرجم لا يتنصف، فلم يرد في الآية بإجماع، ثم اختلف، فقال ابن عباس والجمهور: على الأمة نصف المائة لا غير ذلك، وقال الطبري وجماعة من التابعين: على الأمة نصف المائة ونصف المدة، وهي نفي ستة أشهر, والإسشارة بذلك إلى نكاح الأمة،

    وقال ابن كثير

    وقوله تعالى { فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـظ°حِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ مِنَ ظ±لْعَذَابِ } اختلف القراء في أحصن، فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد، مبني لما لم يسم فاعله، وقرىء بفتح الهمزة والصاد، فعل لازم، ثم قيل معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين أحدهما أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد ابن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب، وهو منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع، قال وإنما قلنا ذلك استدلالاً بالسنة، وإجماع أكثر أهل العلم.

    وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً مرفوعاً، قال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبي عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَإِذَآ أُحْصِنَّ } قال " إحصانها إسلامها وعفافها " وقال المراد به ههنا التزويج. قال وقال علي اجلدوهن، ثم قال ابن أبي حاتم وهو حديث منكر. قلت وفي إسناده ضعف، وفيه من لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم إحصانها إسلامها وعفافها. وقيل المراد به ههنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد ابن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري في كتابه الإيضاح عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، رواهما ابن جرير في تفسيره، وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي.

    وقيل معنى القراءتين متباين، فمن قرأ أحصن بضم الهمزة، فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها، فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره، وقرره ونصره، والأظهر، والله أعلم أن المراد بالإحصان ههنا التزويج لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه وتعالى { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـظ°نُكُم مِّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله { فَإِذَآ أُحْصِنَّ } أي تزوجن كما فسره ابن عباس ومن تبعه،

    وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون إن الأمة إذا زنت، فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكراً، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لاحد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا لاشك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي الله صلى الله عليه وسلم فقال أحسنت، اتركها حتى تماثل " ، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه " فإذا تعالت من نفسها حُدّها خمسين " وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها، فليبعها، ولو بحبل من شعر " ولمسلم " إذا زنت ثلاثاً، فليبعها في الرابعة " ، وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا. الجواب الثاني جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديباً، وهو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه، وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم، فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال " إن زنت فحدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير " .....

    وقال الرازى

    { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي { ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ } بكسر الصاد، وكذلك { مُحْصَنَـظ°ت غَيْرَ مُسَـظ°فِحَـظ°تٍ } وكذلك { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ } كلها بكسر الصاد، والباقون بالفتح، فالفتح معناه ذوات الأزواج، والكسر معناه العفائف والحرائر، والله أعلم

    وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَمَن يَفْعَلْ }: " مَنْ " شرطية مبتدأ، والخبر: " فسوف " ، والفاء هنا واجبة لعدم صلاحية الجواب للشرط، و " ذلك " إشارةٌ إلى قَتْل الأنفس. و " عدواناً وظلماً " حالان أي: معتدياً ظالماً أو مفعولٌ من أجلِها، وشروطُ النصب متوفرة. وقرىء: " عِدواناً " بكسر العين.

    وقرأ الجمهور " نُصْليه " من أصلى والنون للتعظيم. وقرأ الأعمش: " نُصَلِّيه " مشدداً، وقرىء " نَصليه " بفتح النون، من صَلَيْتُه النار. ومنه " شاة مَصْلِيَّة ". و " يَصْليه " بياء الغيبة. وفي الفاعلِ احتمالان، أحدُهما: أنه ضمير الباري تعالى. والثاني: أنه ضمير عائد على ما أشير بـ " ذلك " إليه من القتل، لأنه سببٌ في ذلك. ونَكَّر " ناراً " تعظيماً

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة السابعة والسبعون

    قال القرطبي

    و { مَآ } في قوله: { بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } مصدرية، أي بحفظ الله لهنّ. ويصح أن تكون بمعنى الذي، ويكون العائد في «حفظ» ضمير نصب وفي قراءة أبي جعفر «بما حفط الله» بالنصب قال النحاس: الرفع أبين أي حافظات لمغيب أزواجهن بِحفظ الله ومعونته وتسديده. وقيل: بما حفِظهن الله في مهورهن وعشرتهن. وقيل: بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن. ومعنى قراءة النصب: بحفظهن الله؛ أي بحفظهن أمره أو دينه. وقيل في التقدير: بما حفظن الله، ثم وُحِّد الفعل؛ كما قيل:
    فـإن الحـوادث أَودَى بهـا
    وقيل: المعنى بحفظٍ الله؛ مثل حفِظتُ الله.........

    وقال ابن عطية

    وحذفت النون من { تكن } لكثرة الاستعمال، وشبهها خفة بحروف المد واللين، وقرأ جمهور السبعة " حسنةً " بالرفع على نقصان " كان " واسمها مضمر تقديره وإن تك زنة الذرة حسنة، وقرأ نافع وابن كثير " حسنةٌ " بالرفع على تمام " كان " التقدير: وإن تقع حسنة أو توجد حسنة، و { يضاعفها } جواب الشرط، وقرأ ابن كثير وابن عامر " يضعفها " مشددة العين بغير ألف، قال ابو علي: المعنى فيهما واحد، وهما لغتان، وقرأ الحسن " يضْعفها " بسكون الضاد وتخفيف العين، ومضاعفة الشيء في كلام العرب: زيادة مثله إليه، فإذا قلت: ضعفت, فقد أتيت ببنية التكثير، وإذا كانت صيغة الفعل دون التكثير تقتضي الطي مرتين فبناء التكثير يقتضي أكثر من المرتين إلى أقصى ما تريد من العدد، وإذا قلت ضاعفت فليس ببنية تكثير، ولكنه فعل صيغته دالة على الطي مرتين فما زاد، هذه أصول هذا الباب على مذهب الخليل وسيبويه، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب المجاز: أن " ضاعفت " يقتضي مراراً كثيرة، وضعفت يقتضي مرتين، وقال مثله الطبري ومنه نقل، ويدلك على تقارب الأمر في المعنى ما قرىء به في قوله

    فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } [البقرة:245] فإنه قرىء " يضاعفه ويضعفه " وما قرىء به في قوله تعالى:{ يضاعف لها العذاب ضعفين } [الأحزاب: 30] فإنها قرىء " يضعف لها العذاب ضعفين....

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الثامنة والسبعون

    قال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم { لامستم } وقرأ حمزة والكسائي " لمستم " وهي في اللغة لفظة قد تقع للمس الذي هو الجماع، وفي اللمس الذي هو جس اليد والقبلة ونحوه، إذ في جميع ذلك لمس، واختلف أهل العلم في موقعها هنا: فمالك رحمه الله يقول: اللفظة هنا على أتم عمومها تقتضي الوجهين، فالملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم، لأن اللمس نقض وضوءه، وقالت طائفة: هي هنا مخصصة للمس اليد، والجنب لا ذكر له إلا مع الماء، ولا سبيل له إلى التيمم، وإنما يغتسل الجنب أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود وغيرهما، وقال أبو حنيفة: هي هنا مخصصة للمس الذي هو الجماع، فالجنب يتيمم، واللامس باليد لم يجر له ذكر فليس بحدث، ولا هو ناقض لوضوء، فإذا قبّل الرجل امرأته للذة لم ينتقض وضوءه، ومالك رحمه الله يرى: أن اللمس ينقض إذا كان للذة، ولا ينقض إذا لم يقصد به اللذة، ولا إذا كان لابنة أو لأم، والشافعي رحمه الله يعمم لفظة { النساء } ، فإذا لمس الرجل عنده أمه أو ابنته على أي وجه كان انتقض وضوءه، وعدم وجود الماء يترتب للمريض وللمسافر حسبما ذكرناه

    وقال الطبري

    قال أبو جعفر وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال عنى الله بقوله { أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَاء } الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السديّ، قال أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبّل، ثم يصلي ولا يتوضأ». حدثنا أبو كريب، قال ثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ»، قلت من هي إلا أنتِ؟ فضحكت.

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة التاسعة والسبعون

    { مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }

    اخى الحبيب راجع قراءة راعنا بالتنوين فى البقرة من الرعونة شاذة ...

    فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً }

    قال السمين

    والضمير في قولِه: { فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ }: عائدٌ على إبراهيم أو على القرآنِ أو على الرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أو على ما أوتيه إبراهيم عليه السلام. وقرأ الجمهور: " صَدَّ " بفتح الصاد، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وعكرمة " صُدَّ " بضمها. وقرأ أبو رجاء وأبو الجوزاء بكسرها، وكلتا القراءتين على البناء / للمفعول...

    مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً }

    قال السمين

    وقرأت عائشة: " فَمَنْ نفسُك " بفتح ميم " من " ورفع السين، على الابتداء والخبر، أي: أيُّ شيءٍ نفسُك حتى يُنْسَب إليها فِعْلٌ؟...

    وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً }

    قال السمين

    والضمير في " تقول " يحتمل أن يكون ضمير خطاب للرسول عليه السلام أي: غيرَ الذي تقول وترسم به يا محمد. ويؤيِّده قراءة عبد الله: " بَيَّتَ مُبَيِّتٌ منهم " وأن يكونَ ضميرَ غَيْبة للطائفة أي: تقول هي. وقرأ يحيى ابن يعمر: " يقول " بياء الغيبة، فيحتمل أن يعود الضميرُ على الرسول بالمعنى المتقدم، وأن يعود على الطائفة. ولم يؤنث الضميرَ لأن الطائفة في معنى الفريق والقوم.

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الثمانون

    { إِلاَّالَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ظ±للَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً }

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } حال بإضمار قد، ويؤيده قراءة الحسن ـ حصرة صدورهم ـ وكذا قراءة ـ حصرات وحاصرات ـ واحتمال الوصفية السببية لقوم لاستواء النصب والجر بعيد. وقيل: هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل جاءوا أي جاءُكم قوماً حصرت صدورهم ولا حاجة حينئذ إلى تقدير قد، وما قيل: إن المقصود بالحالية هو الوصف لأنها حال موطئة فلا بد من قد سيما عند حذف الموصوف فما ذكر التزام لزيادة الإضمار من غير ضرورة غير مسلم، وقيل: بيان لجاءوكم وذلك كما قال الطيبـي لأن مجيئهم غير مقاتلين و { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } أن يقاتلوكم بمعنى واحد، وقال العلامة الثاني: من جهة أن المراد بالمجيء الاتصال وترك المعاندة والمقاتلة لا حقيقة المجيء، أو من جهة أنه بيان لكيفية المجيء، وقيل: بدل اشتمال من { جَاءوكُمْ } لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره،

    وقيل: إنها جملة دعائية، ورد بأنه لا معنى للدعاء على الكفار بأن لا يقاتلوا قومهم، بل بأن يقع بينهم اختلاف وقتل، والحصر بفتحتين الضيق والانقباض....

    وَلَوْ شَاء ظ±للَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } / بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم { فَلَقَـظ°تَلُوكُمْ } عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم، واللام جوابية لعطفه على الجواب، ولا حاجة لتقدير لو، وسماها مكي وأبو البقاء لام المجازاة والازدواج، وهي تسمية غريبة، وفي الإعادة إشارة إلى أنه جواب مستقل والمقصود من ذلك الامتنان على المؤمنين، وقرىء [فلقتلوكم] بالتخفيف والتشديد ...

    وقال ابن عطية

    وقال الربيع: { السلم } هاهنا الصلح، وكذا قرأته عامة القراء، وقرأ الجحدري " السلّم " بسكون اللام، وقرأ الحسن " السّلِمْ " بكسر السين وسكون اللام، فمعنى جملة هذه الآية، خذوا المنافقين الكافرين واقتلوهم حيث وجدتموهم، إلا من دخل منهم في عداد من { بينكم وبينه ميثاق }...

    وقال القرطبي

    الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } هذا في الذمِّي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة؛ قاله ابن عباس والشَّعْبِيّ والنَّخَغِيّ والشافعيّ. واختاره الطبريّ قال: إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب. وإطلاقه ما قيّد قبلُ يدلّ على أنه خلافه. وقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم أيضاً: المعنى وإن كان المقتول خطأ مؤمناً من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحقّ بدية صاحبهم، فكفارته التحرير وأداء الدية. وقرأها الحسن: «وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ وَهُوَ مُؤْمِنٌ». قال الحسن: إذا قتل المسلم الذميّ فلا كفارة عليه. قال أبو عمر: وأما الآية فمعناها عند أهل الحجاز مردود على قوله: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } ثم قال تعالى: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ } يريد ذلك المؤمن. والله أعلم. قال ابن العربيّ: والذي عندي أن الجملة محمولةٌ حملَ المطلق على المقيَّد.

    قلت: وهذا معنى ما قاله الحسن وحكاه أبو عمر عن أهل الحجاز. وقوله: { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } على لفظ النكرة ليس يقتضي ديةً بعينها. وقيل: هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبيّ عليه السلام عهد على أن يُسلموا أو يؤذَنوا بحرب إلى أجل معلوم: فمن قُتل منهم وجبت فيه الديّة والكفارة ثم نسخ بقوله تعالى:{ بَرَآءَةٌ مِّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ظ±لَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ظ±لْمُشْرِكِينَ } [التوبة: 1].

    ملحوظة

    ربما هذه القراءة الشاذة ترجح الخلاف الفقهى المشهور فى الاية

    قال الرازى

    واعلم أن فائدة هذا البحث تظهر في مسألة شرعية، وهي أن مذهب أبي حنيفة أن دية الذمي مثل دية المسلم، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المجوسي، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم. واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } المراد به الذمي، ثم قال: { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } فأوجب تعالى فيهم تمام الدية، ونحن نقول: إنا بينا أن الآية نازلة في حق المؤمنين لا في حق أهل الذمة فسقط الاستدلال، وأيضا بتقدير أن يثبت لهم أنها نازلة في أهل الذمة لم تدل على مقصودهم، لأنه تعالى أوجب في هذه الآية دية مسلمة، فهذا يقتضي إيجاب شيء من الأشياء التي تسمى دية، فلم قلتم إن الدية التي أوجبها في حق الذمي هي الدية التي أوجبها في حق المسلم؟ ولم لا يجوز أن تكون دية المسلم مقداراً معينا. ودية الذمي مقداراً آخر، فإن الدية لا معنى لها إلا المال الذي يؤدى في مقابلة النفس، فإن ادعيتم أن مقدار الدية في حق المسلم وفي حق الذمي واحد فهو ممنوع، والنزاع ما وقع إلا فيه، فسقط هذا الاحتجاج،والله أعلم.

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ }
    قال السمين

    ". وقرأ النخعي: " ويُريدون أَنْ تَضُلُّوا " بتاءِ الخطاب، والمعنى: وتريدون أيها المؤمنون أن تَدَّعوا الصوابَ/. وقرأ الحسن: " أن تُضِلُّوا " من " أضلَّ ". وقرىء: " أَنْ تُضَلُّوا السبيل " بضم التاء وفتح الضاد على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. و " السبيل " مفعول به كقولك: " أخطأ الطريق " ، وليس بظرفٍ، وقيل: يتعدَّى بـ " عَنْ " تقول: " ضَلَلْتُ السبيل، وعن السبيل

    الجوهرة الواحدة والثمانون

    { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور السبعة { فتبينوا } وقرأ حمزة والكسائي " فتثبتوا " بالثاء مثلثة في الموضعين وفي الحجرات، وقال قوم: " تبينوا " أبلغ وأشد من " تثبتوا " ، لأن المتثبت قد لا يتبين، وقال أبو عبيد: هما متقاربان.

    قال القاضي أبو محمد: والصحيح ما قال أبو عبيد، لأن تبين الرجل لا يقتضي أن الشيء بان له، بل يقتضي محاولة اليقين، كما أن ثبت تقتضي محاولة اليقين، فهما سواء، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وابن كثير في بعض طرقه، " السَّلَم " بتشديد السين وفتحه وفتح اللام، ومعناه: الاستسلام أي ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم، وقرأ بقية السبعة " السلام " يريد سلم ذلك المقتول على السرية، لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك، قال الأخفش: يقال: فلان سلام إذا كان لا يخالط أحداً، وروي في بعض طرق عاصم " السِّلْم " بكسر السين وسكون اللام وهو الصحيح، والمعنى المراد بهذه الثلاثة يتقارب، وقرأ الجحدري " السَّلْم " بفتح السين وسكون اللام، والعرض: هو المتيع والجمل، أو الغنيمة التي كانت للرجل المقتول،

    وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو حمزة واليماني " لست مؤمَناً " بفتح الميم، أي لسنا نؤمنك في نفسك،

    وقال الطبري

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المكيين والمدنيين والكوفيين «السَّلَمَ» بغير ألف، بمعنى الاستسلام، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين { ٱلسَّلَـٰمُ } بألف، بمعنى التحية. والصواب من القراءة في ذلك عندنا «لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السَّلَمَ» بمعنى من استسلم لكم مذعناً لله بالتوحيد مقرّاً لكم بملتكم. وإنما اخترنا ذلك لاختلاف الرواية في ذلك، فمن راوٍ روى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحقّ وقال إني مسلم ومن راو روى أنه قال السلام عليكم، فحياهم تحية الإسلام، ومن راو روى أنه كان مسلماً بإسلام قد تقدم منه قبل قتلهم إياه. وكل هذه المعاني يجمعها السلم، لأن المسلم مستسلم، والمحِّيـي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحقّ مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى السَّلم جامع جميع المعاني التي رويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية، وليس كذلك في السلام، لأن السلام لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية، فلذلك وصفنا السَّلم بالصواب.

صفحة 5 من 24 الأولىالأولى 12345678915 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •