صفحة 4 من 24 الأولىالأولى 1234567814 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 346

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة التاسعة والاربعون

    { يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }

    قال الحافظ ابن كثير

    وقوله { وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } قرىء بضم الياء والتخفيف، من ربا الشيء يربو، وأرباه يربيه، أي كثره، ونماه ينميه، وقرىء يربي بالضم والتشديد من التربية، قال البخاري حدثنا عبد الله بن منير، أخبرنا كثير سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل الجبل " كذا رواه في كتاب الزكاة،...

    ملحوظة

    بالتشديد قراءة ابن الزبير شاذة

  2. #47
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الخمسون

    { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { فَأْذَنُواْ }: قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصمٍ: " فآذِنوا " بألف بعد الهمزةِ، والباقون بدونِ ألف، ساكنَ الهمزةِ.

    فالأُولى من آذَنَه بكذا أي: أَعْلمه كقولِهِ:
    { فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىظ° سَوَآءٍ }
    [الأنبياء: 109] والمعنى: أَعْلِمُوا غيرَكم. أُمِرَ المخاطبون بتركِ الربا أَنْ يُعْلِمُوا غيرَهم مِمَّنْ هو على حالهم في المَقامِ بالرِّبا بمحاربةِ اللِّهِ ورسولِهِ، فالمفعولُ هنا محذوفٌ، وقد صَرَّحَ به الشاعرُ في قولِهِ:
    1114 - آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
    وفي قولِهِ تعالى: { آذَنتُكُمْ }. وقيل: الهمزةُ في " فَأْذَنُوا " للصيرورةِ لا للتعديةِ، والمعنى: صِيروا عالِمين بالحربِ، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ كبير.

    وقراءةُ الباقين أَمْرٌ من: أَذِنَ يَأْذَنُ أي عَلِمَ يَعْلَمُ أي: فاعلَموا يُقال: أَذِن به فهو أَذِين، أي: عَلِمَ به فهو عليم.

    ورجَّح جماعةٌ قراءةَ حمزةَ. قال مكيّ: " لولا أَنَّ الجماعَةَ على القصرِ لكان الاختيارُ المدَّ. ووجَّه ذلك أن آذَنَ بالمدِّ أَعَمُّ من أَذِنَ بالقصر، لأنهم إذا أَعلمُوا غيرَهم فقد عَلِموا هم ضرورةً، من غيرِ عكسٍ، أو يَعْلَمُون هم بأنفسِهم ولا يَعْلَمُ غيرُهُم ". قال: " وبالقصرِ قرأ علي بن أبي طالب وجماعةٌ ".

    وعَكَسَ أبو حاتمٍ فرجَّح قراءةَ القصرِ، واستبعدَ قراءةَ المَدِّ قال: " إذ الأمرُ فيه بالحربِ لغيرِهم والمرادُ هم؛ لأنهم المخاطَبون بتركِ الربا " وهذا الذي قالَه غيرُ لازمٍ؛ لأنك إذا كنتَ على حالةٍ فقلتُ لك يا فلان: " أعلِمْ فلاناً أنه مرتكبُ قبيحاً " وهو شيءٌ مماثِلٌ لِما أنت عليه عِلِمْتَ قطعاً أنك مأمورٌ به أيضاً، بل هو أَبْلَغُ من أمري لك مواجهةً. وكذلك قال ثعلب، قال: " الاختيارُ قراءةُ العامة من الإِذن لأنه يُفَسِّر كونوا على إذْنٍ وعِلْمٍ، ولأنَّ الكلامَ يَجْرى به على وجهٍ واحدٍ وهو أَدَلُّ على المرادِ، وأقربُ في الأفهام ". وقال أبو عبيدة: " يقال: أَذِنْتُه بالشيء فَأَذِنَ به " ، أي: عَلِمَ، مثل: أَنْذَرْتُهُ بالشيء فَنَذِرَ به، فجعله مطاوعاً لأفْعَلَ.

    وقال أبو عليّ: " وإذا أُمرِوا بإعلامِ غيرِهم عَلِموا هم لا محالَةَ، ففي إعلامِهِم علمُهم، ليس في علمِهم إعلامُهم غيرَهم، فقراءةُ المدِّ أرجحُ لأنها أبلغُ وأكدُ.

    وقال الطبري: " قراءةُ القصرِ أَرْجَحُ لأنها تختصُّ بهم، وإنما أُمِرُوا على قراءةِ المدِّ بإعلام غيرِهم ".

    وقال الزمخشري: " وقُرِىء فآذِنُوا: فَأَعْلِموا بها غيرَكم، وهو من الإِذْن وهو الإِسماع، لأنه من طرق العلمِ. وقرأ الحسنُ: " فَأَيْقِنُوا " وهو دليلٌ لقراءةِ العامةِ " يعني بالقصرِ، لأنها نصٌّ في العلمِ لا في الإِعلام.

    وقال ابنُ عطية: " والقراءتان عندي سواءٌ، لأنَّ المخاطَبَ محصورٌ، لأنه كلُّ مَنْ لا يَذَرُ ما بقي من الربا.

    فإنْ قيل: " فَأْذَنوا " فقد عَمَّهم الأمرُ، وإنْ قيلَ " فآذِنُوا " بالمدِّ فالمعنى: أعلِمُوا أنفسَكم أو بعضكم بعضاً، وكأنَّ هذه القراءةَ تقتضي فَسْحاً لهم في الارتياءِ والتثبُّتِ أي: فَأْعِلموا نفوسَكم هذا، ثم انظُروا في الأرجحِ لكم: تَركِ الربا أو الحربِ ".....

    قوله: { فَنَظِرَةٌ } الفاءُ جوابُ الشرط و " نَظِرةٌ " خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فالأمرُ أو فالواجِبُ، أو مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ، أي: فعليكم نظرةٌ، أو فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ، أي: فتجِبُ نظرةٌ.

    وقرأ العامة: " نَظِرة " بزنة " نَبِقَة ". وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء: " فَنَظْرة " بتسكين العين، وهي لغةٌ تميمية يقولون: " كَبْد " في " كَبِد " و " كَتْف " في " كَتِف ". وقرأ عطاء " فناظِرَة " على فاعِلَة، وقد خَرَّجَهَا أبو إسحاق على أنها مصدرٌ نحو:
    { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةً }
    [الواقعة: 2]
    { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ظ±لأَعْيُنِ }
    [غافر: 19]
    { أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ }
    [القيامة: 25]. وقال الزمخشري " فناظِرُهُ أي فصاحبُ الحقِ ناظرُه أي: منتظره، أو صاحبُ نظرته على طريقةِ النسب، كقولِهِم: " مكان عاشِب وباقل " بمعنى ذو عشبٍ وذو بَقْلٍ، وعنه: " فناظِرْهُ " على الأمرِ بمعنى: فسامِحْهُ بالنظرةِ وباشِره بها " فنقلُه عنه القراءةَ الأولى يقتضي أن تكونَ قراءتُهُ " ناظِر " اسمَ فاعل مضافاً لضميرِ ذي العُسْرَةِ بخلافِ القراءةِ التي قَدَّمْتُها عن عطاء، فإنها " ناظرةٌ " بتاء التأنيث، ولذلك خَرَّجها الزجاج على المصدرِ. وقرأ عبد الله، " فناظِرُوه " أمراً للجماعةِ بالنظرةِ، فهذه ستُ قراءاتٍ مشهورُها واحدٌ.

    وهذه الجملةُ لفظُها خبرٌ ومعناها الأمرُ، كقولِهِ:
    { وَظ±لْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ }
    [البقرة: 233] وقد تقدَّم. والنظرةُ من الانتظارِ وهو الصبرُ والإِمهالُ.....

    وقال الرازى

    قرأ عاصم { تَصَدَّقُواْ } بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها، والأصل فيه: أن تتصدقوا بتاءين، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفاً، ومن شدد أدغم إحدى التاءين في الأخرى. المسألة الثانية: في التصدق قولان الأول: معناه: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما، وهو كقوله
    { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىظ° }
    [البقرة: 237] والثاني: أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام " " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " " وهذا القول ضعيف، لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } إلى آخر الآية، وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان، و { يوماً } منصوب على المفعول لا على الظرف. وقرأ أبو عمرو بن العلاء " تَرجِعون " بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ باقي السبعة " تُرجعَون " بضم التاء وفتح الجيم، فمثل قراءة أبي عمرو
    { إن إلينا إيابهم }
    [الغاشية: 25] ومثل قراءة الجماعة
    { ثم ردوا إلى الله }
    [الأنعام: 62]
    { ولئن رددت إلى ربي }
    [الكهف: 36] المخاطبة في القراءتين بالتاء على جهة المبالغة في الوعظ والتحذير، وقرأ الحسن " يرْجعون " بالياء على معنى يرجع جميع الناس.

    قال ابن جني كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة إذ هي مما تنفطر له القلوب. فقال لهم: { واتقوا يوماً } ، ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقاً بهم،

  3. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الواحدة والخمسون

    قال السمين

    قوله: { أَن تَضِلَّ } قرأ حمزةُ بكسر " إنْ " على أنَّها شرطيةٌ، والباقون بفتحِها، على أنَّها المصدريةُ الناصبةٌ، فأمَّا القراءةُ الأولى فجوابُ الشرطِ فيها قولُه " فتذكِّرُ " ، وذلك أنَّ حمزةَ رحمه الله يقرأ: " فَتُذَكِّرُ " بتشديدِ الكافِ ورفعِ الراءِ فَصَحَّ أن تكونَ الفاءُ وما في حَيِّزها جواباً للشرطِ، ورَفَعَ الفعلَ لأنه على إضمارِ مبتدأ أي: فهي تُذِكِّر، وعلى هذه القراءةِ فجملةُ الشرطِ والجزاءِ هل لها محلُّ من الإِعراب أم لا؟ فقال ابن عطيةَ: " إنَّ محلَّها الرفعُ صفةً لامرأتين " ، وكان قد تقدَّم أنَّ قولَه: " مِمَّنْ تَرْضَوْن " صفةٌ لقولِه " فرجلٌ وامرأتان " قال الشيخ: " فصار نظيرَ " جاءني رجلٌ وامرأتان عقلاءُ حُبْلَيَان " وفي جوازِ مثلِ هذا التركيبِ نظرٌ، بل الذي تقتضيه الأقيسةُ تقديمُ " حُبْلَيَان " على " عقلاء "؛ وأمَّا إذا قيل بأنَّ " ممَّنْ تَرْضَوْن " بدلٌ من رجالكم، أو متعلِّقٌ باستشهدوا فيتعذَّرُ جَعْلُه صفةً لامرأتين للزومِ الفصلِ بين الصفةِ والموصوف بأجنبي ". قلت: وابن عطية لم يَبْتَدِعْ هذا الإِعرابَ، بل سَبَقَه إليه الواحدي فإنه قال: " وموضعُ الشرطِ وجوابُه رفعٌ بكونِهما وصفاً للمذكورين وهما " امرأتان " في قوله: " فرجلٌ وامرأتان " لأنَّ الشرطَ والجزاءَ يُوصَفُ بهما، كما يُوصَلُ بهما في قولِه
    { ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ }
    [الحجر: 41].

    والظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ الشرطيةَ مستأنفةٌ للإِخبار بهذا الحكمِ، وهي جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأن قائلاً قال: ما بالُ امرأتين جُعِلَتا بمنزلةِ رجل؟ فأُجيبَ بهذه الجملةِ.

    وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فـ " أَنْ " فيها مصدريةٌ ناصبةٌ بعدَها، والفتحةُ فيه حركةُ إعرابٍ، بخلافِها في قراءةِ حمزة، فإنها فتحةُ التقاءِ ساكنين، إذ اللامُ الأولى ساكنةٌ للإِدغامِ في الثانية، والثانيةُ مُسَكَّنةٌ للجزم، ولا يمكنُ إدغامٌ في ساكنٍ، فَحرَّكْنا الثانيةَ بالفتحةِ هرباً من التقائِهما، وكانتِ الحركةُ فتحةً، لأنها أَخَفُّ الحركاتِ، وأَنْ وما في حَيَّزها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ بعدَ حذفٍ حرفِ الجر، وهي لامُ العلة، والتقديرُ: لأنْ تَضِلَّ، أو إرادةَ أَنْ تَضِلَّ.

    وفي متعلَّقِ هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه فِعْلٌ مضمرٌ دَلَّ عليه الكلامُ السابق، إذ التقديرُ: فاستشهِدوا رجلاً وامرأتين لأنْ تَضِلَّ إحداهما، ودَلَّ على هذا الفعلِ قولُه: { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } قالَه الواحدي، ولا حاجةَ إليه، لأنَّ الرافعَ لرجل وامرأتين مُغْنٍ عن تقدير شيءٍ آخرَ، وكذلك الخبرُ المقدَّرُ لقولِك: " فرجلٌ وامرأتان " إذ تقديرُ الأولِ: فَلْيَشْهد رجلٌ، وتقديرُ الثاني: فرجلٌ وامرأتان يشهدون لأَنْ تَضِلَّ، وهذان التقديرانِ هما الوجهُ الثاني والثالثُ من الثلاثةِ المذكورةِ.

    وهنا سؤالٌ واضحٌ جَرَتْ عادةُ المُعْرِبين والمفسِّرين يسألونَه وهو: كيف جُعِل ضلالُ إحداهما علةً لتطلُّبِ الإِشهاد أو مراداً لله تعالى، على حَسَبِ التقديرَيْن المذكورَيْن أولاً؟ وقد أجابَ سيبويه وغيرُه عن ذلك بأن الضلالَ لَمَّا كان سبباً للإِذكار، والإِذكارُ مُسَبَّباً عنه، وهم يُنَزَّلون كلَّ واحدٍ من السببِ والمُسَبَّب منزلةَ الآخرِ لالتباسِهما واتصالِهما كانَتْ إرادةُ الضلالِ المُسَبَّبِ عنه الإِذكارُ إرادةً للإِذكارِ. فكأنه قيل: إرادَةَ أَنْ تُذَكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضَلَّتْ، ونظيرُه قولُهم: " أَعْدَدْتُ الخشبةَ أَنْ يميلَ الحائطُ فأدعمَه، وأعدْدتُ السلاحَ ان يجيءَ عدوٌ فأدفعَه " فليس إعدادُك الخشبةَ لأَنْ يميلَ الحائطُ ولا إعدادُك السلاحَ لأنْ يجيءَ عدوٌ، وإنما هما للإِدغام إذا مالَ/ وللدفع إذا جاء العدوُ، وهذا مِمَّا يعدُ إليه المعنى ويُهْجَرُ فيه جانبُ اللفظَ.

    وقد ذهب الجرجاني في هذه الآيةِ إل أنَّ التقديرَ: مخافةَ أَنْ تَضِلَّ، وأنشد قول عمروٍ:
    1125 ـ.................. فَعَجَّلْنا القِرى أَنْ تَشْتِمُونا
    أي: مخافَةَ أَنْ تَشْتِمونا " وهذا صحيحٌ لو اقتُصِر عليه مِنْ غيرِ أَنْ يُعْطَفَ عليه قولُه " فَتُذَكِّرَ " لأنه كان التقديرُ: فاستشهِدوا رجلاً وامرأتين مخافةَ أَنْ تضِلَّ إحداهما، ولكنَّ عَطْفَ قوله: " فتذكِّر " يُفْسِده، إذ يَصِيرُ التقديرُ: مخافةَ أَنْ تذكر إحداهما الأخرى، وإذكارُ إحداهما الأخرى ليس مخوفاً منه، بل هو المقصودُ، قال أبو جعفر: " سمعتُ عليَّ بن سليمان يَحْكي عن أبي العباس أن التقديرَ كراهةَ أَنْ تَضِلَّ " قال أبو جعفر: " وهو غلطٌ إذ يصيرُ المعنى: كراهةَ أَنْ تُذَكِّر إحداهُما الأخرى " انتهى.

    وذهب الفراء إلى أغربَ مِنْ هذا كلِّه فَزَعَمَ أَنَّ تقديرَ الآيةِ الكريمة: " كي تذكِّر أحداهما الأخرى إنْ ضَلَّت " فلَّما قُدِّم الجزاءُ اتصلَ بما قبلَه ففُتِحَتْ " أَنْ " ، قال: " ومثلُه من الكلامِ: " إنه ليعجبُني أَنْ يسألَ السائلُ فيُعْطى " معناه: إنه ليعجبني أَن يُعْطَى السائلُ إن سَأَلَ؛ لأنه إنما يُعْجِبُ الإِعطاءُ لا السؤالُ، فلمَّا قَدَّموا السؤالَ على العَطِيَّة أصحبوه أَنْ المفتوحة لينكشِفَ المعنى " ، فعنده " أنْ " في " أَنْ تَضِلَّ " للجزاءِ، إلاَّ أنه قُدِّم وفُتِح وأصلُه التأخيرُ.....

    وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فَتُذِكِرَ " بتخفيفِ الكافِ ونصبِ الراءِ من أَذْكَرْتُه أي: جَعَلْتُه ذاكراً للشيءِ بعدَ نِسْيانِه، فإنَّ المرادَ بالضلالِ هنا النسيانُ كقولِه تعالى:
    { فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ }
    [الشعراء: 20] وأنشدوا الفرزدق:
    1126 ـ ولقد ضَلَلْتَ أباكَ يَدْعُو دارمِاً كضلالِ ملتمسٍ طريقَ وِبارِ
    فالهمزةُ في " أَذْكَرْتُه " للنقلِ والتعديةِ، والفعلُ قبلَها متعدٍّ لواحدٍ، فلا بُدَّ من آخرَ، وليسَ في الآية إلا مفعولٌ واحدٌ فلا بُدَّ من اعتقادِ حذفِ الثاني، والتقديرُ فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى الشهادةَ بعد نِسْيانِها إن نَسِيَتْهَا، وهذا التفسيرُ هو المشهورُ.

    وقد شَذَّ بعضُهم فقال: " معنى فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى أي: فتجعلَها ذَكَراً، أي: تُصَيِّرُ حكمَها حكمَ الذَّكَرِ في قَبولِ الشهادةِ. وروى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: " فَتُذَكِّر إحداهما الأخرى بالتشديدِ فهو من طريقِ التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تَذْكُرين إذ شَهِدْنا كذا يومَ كذا في مكان كذا على فلانٍ أو فلانة، ومَنْ قرأ " فَتُذْكِرَ " بالتخفيف فقال: إذا شَهِدَتِ المرأةُ ثم جاءَتِ الأخرى فَشَهِدَتْ معها فقد أَذْكَرَتْها لقيامِهما مقامَ ذَكَر " ولم يَرْتَضِ هذا من أبي عمرو المفسرون وأهلُ اللسان، بل لم يُصَحِّحوا روايةَ ذلك عنه لمعرفتِهم بمكانتِه من العلمِ، ورَدُّوه على قائله من وجوهٍ منها: أنَّ الفصاحةَ تقتضي مقابلةَ الضلالِ المرادِ به النسيانُ بالإِذكار والتذكيرِ، ولا تناسُبَ في المقابلةِ بالمعنى المنقولِ عنه. ومنها: أنَّ النساءَ لو بَلَغْنَ ما بلغْنَ من العَدَدِ لا بد معهنَّ مِنْ رجلٍ يَشْهَدُ معهم، فلو كان ذلك المعنى صحيحاً لذكَّرَتْها بنفسِها من غيرِ انضمامِ رجلٍ، هكذا ذَكَروا، وينبغي أَنْ يكونَ ذلك فيما يُقْبَلُ فيه الرجلُ مع المرأتينِ، وإلاَّ فقد نَجِدُ النساءَ يَتَمَحَّضْنَ في شهاداتٍ من غيرِ انضمامِ رجلٍ إليهنَّ، ومنها: أنها لو صَيَّرَتْها ذَكَراً لكان ينبغي أَنْ يكونَ ذلك في سائرِ الأحكامِ، ولا يُقْتَصرُ به على ما فيه.

    وفيه نظرٌ أيضاً، إذ هو مشتركٌ الإِلزامِ/ لأنه يُقال: وكذا إذا فَسَّرْتموه بالتذكير بعد النسيانِ لم يَعُمَّ الأحكامَ كلَّها، فما أُجيب به فهو جوابُهم أيضاً.

    وقال الزمخشري: " ومِنْ بِدَع التفاسيرِ: " فَتُذَكِّرَ " فتجعلَ إحداهما الأخرى ذَكَرَاً، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلةِ الذَّكَر " انتهى. ولم يَجْعَلْ هذا القولَ مختصاً بقراءةٍ دونَ أُخْرى.

    وأمَّا نصبُ الراءِ فنسقٌ على " أَنْ تَضِلَّ " لأنَّهما يَقْرآن: " أَنْ تَضِلَّ " بأَنْ الناصبةِ، وقرأ الباقون بتشديدِ الكافِ من " ذَكَّرْتُه " بمعنى جَعَلْتُه ذاكِراً أيضاً، وقد تقدَّم أنَّ حمزةَ وحدَه هو الذي يَرْفع الراء.

    وخَرَجَ من مجموعِ الكلمتين أنَّ القُرَّاءَ على ثلاثِ مراتبَ: فحمزة وحدَه: " إنْ تَضِلَّ فتذكَّرُ " بكسر " إنْ " وتشديدِ الكافِ ورفعِ الراء، وأبو عمرو وابنُ كثير بفتح " أنْ " وتخفيفِ الكافِ الراء، والباقون كذلك، إلا أنهم يُشَدِّدون الكافَ.

    والمفعولُ الثاني محذوفٌ أيضاً في هذه القراءة كما في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وفَعَّل وأَفْعَل هنا بمعنى، [نحو]: أَكْرَمْتُه وَكَرَّمته، وفَرَّحته وأَفْرحته. قالوا: والتشديدُ في هذا اللفظ أكثرُ استعمالاً من التخفيفِ، وعليه قولُه:
    1127 ـ على أنني بعدَ ما قد مضى ثلاثونَ للهَجْرِ حَوْلاً كميلا
    يُذَكِّرُنِيك حنينُ العَجولِ ونَوْحُ الحمامةِ تَدعُو هَدِيلا
    وقرأ عيسى بن عمر والجحدري: " تُضَلَّ " مبنياً للمفعول، وعن الجحدري أيضاً: " تُضِلَّ " بضمِ التاء وكسر الضاد من أَضَلَّ كذا أي: أضاعه، والمفعولُ محذوفٌ أي: تُضِلَّ الشهادة. وقرأ حميد بن عبد الرحمن ومجاهد: " فَتَذْكُرُ " برفع الراء وتخفيف الكاف، وزيد بن أسلم: " فتُذاكِرُ " من المذاكرة.....

    وقرأ السلمي: { ولا يَسْأَموا أَنْ يَكْتبوه } بالياءِ من تحتُ فيهما. والفاعلُ على هذه القراءةِ ضميرُ الشهداءِ، ويجوزُ أن يكونَ من بابِ الالتفاتِ، فيعودُ: إمَّا على المتعامِلِين وإمَّا على الكُتَّاب....

    وقرأ عاصم هنا " تجارةً " بالنصب، وكذلك " حاضرةً " لأنها صفتُها، وفي النساء وافقه الأخوان، والباقون قرؤوا بالرفعِ فيهما. فالرفعُ فيه وجهان، أحدُهما: أنها التامةُ أي: إلا أَنْ تَحْدُثَ أو تقعَ تجارةً، وعلى هذا فتكونُ " تُديرونها " في محلِّ رفعٍ صفةً لتجارةً أيضاً، وجاء هنا على الفصيحِ، حيث قَدَّم الوصفَ الصريحَ على المؤول.

    والثاني: ان تكونَ الناقصةَ، واسمُها " تجارةٌ " والخبرُ هو الجملةُ من قوله: " تُديرونها " كأنه قيل: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ مدارةً، وسَوَّغ مجيءَ اسمِ كان نكرةً وصفُه، وهذا مذهبُ الفراء وتابعه آخرون.

    وأمَّا قراءةُ عاصم فاسمُها مضمرٌ فيها، فقيل: تقديرُه: إلا أَنْ تكونَ المعاملةُ أو المبايَعَةُ أو التجارةُ. وقَدَّره الزجاج إلاَّ أَنْ تكونَ المداينةُ، وهو أحسنُ....

    قوله: { وَلاَ يُضَآرَّ } العامة على فتح الراء جزماً، و " لا " ناهيةٌ، وفُتِح الفعلُ لما تقدم في قراءةِ حمزةَ: " إن تَضِلَّ ".

    ثم هذا الفعلُ يحتملُ أن يكونَ مبنياً للفاعلِ، والأًصلُ: " يضارِرْ " بكسر الراءِ الأولى فيكونُ " كاتب " و " شهيد " فاعلَيْن نُهِيا عن مُضَارَّةِ المكتوبِ له والمشهودِ له، نُهِيَ الكاتبُ عن زيادةِ حرفٍ يُبْطل به حقاً أو نقصانِه، ونُهِيَ الشاهدُ [عن] كتمِ الشهادةِ، واختاره الزجاج، ورجَّحه بأنَّ الله تعالى قال: { فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } ، ولا شك أنَّ هذا من الكاتبِ والشاهدِ فِسْقٌ، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ إبرامُ الكاتبِ والشهيدِ والإِلحاحُ عليهما فسقاً. ونُقل في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وطاووس هذا المعنى. ونَقَل الداني عن عمر وابن عباس ومجاهد وابن أبي إسحاق أنهم قرؤوا الراءَ الأولى بالكسرِ حين فَكُّوا.

    ويُحْتمل أن يكونَ الفعلُ فيها مبنياً للمفعول، والمعنى: أَنَّ أحداً لا يُضارِرُ الكاتبَ ولا الشاهدِ، ورُجِّح هذا بأنه لو كان النهيُّ متوجِّهاً نحو الكاتبِ والشهيدِ لقال: وإنْ تفعلا فإنه فسوقٌ بكما، ولأنَّ السياقَ من أولِ الآيات إنما هو للمكتوبِ له والمشهودِ له. ونُقِل في التفسير هذا المعنى عن ابن عباس ومَنْ ذُكِر معه. وذكر الداني أيضاً عنهم أنهم قرؤوا الراءَ الأولى بالفتح. قلت: ولا غَرْوَ في هذا إذ الآيةُ عندهم مُحْتَمِلةٌ للوجهين فَسَّروا وقرؤوا بهذا المعنى تارةً وبالآخرِ أخرى.

    وقرأ أبو جعفر وعمرو بن عبيد: " ولا يُضارّ " بتشديد الراءِ ساكنةً وَصْلاً، وفيها ضعفٌ من حيث الجمعُ بين ثلاثِ سواكن، لكنه لمَّا كانت الألفُ حرفَ مدٍّ قام مَدُّها مقامَ حركةٍ، والتقاءُ الساكنين مغتفرٌ في الوقف، ثم أُجْري الوصلُ مُجْرى الوقف في ذلك.

    وقرأ عكرمة/: " ولا يُضارِرْ كاتباً ولا شهيداً " بالفكِّ وكسرِ الراءِ الأولى، والفاعلُ ضميرُ صاحب الحق، ونَصْبِ " كاتباً " و " شهيداً " على المفعولِ به أي: لا يضارِرْ صاحبُ حقٍ كاتباً ولا شهيداً بأن يُجْبِرَهُ ويُبْرِمَه بالكتابة والشهادةِ؛ أو بأَنْ يحمِلَه على ما لا يَجُوز.

    وقرأ ابن محيصن: " ولا يُضارُّ " برفع الراء، وهو نفيٌ فيكونُ الخبر بمعنى النهي كقوله:
    { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقْ }
    [البقرة: 197] وقرأ عكرمة في رواية مُقْسِم: " ولا يُضارِّ " بكسر الراءِ مشددةً على أصلِِ التقاءِ الساكنين. وقد تقدَّم لك تحقيقُ هذه الأشياءِ عند قولِه
    { لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا }
    [البقرة: 233].

    وقال القرطبي

    قوله تعالىٰ: { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } قال أبو عبيد: معنى تَضِلّ تنسى. والضلال عن الشهادة إنما هو نِسْيَان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حَيْران بين ذلك ضَالاًّ. ومن نسي الشهادة جُمْلةً فليس يُقال: ضل فيها. وقرأ حمزة «إن» بكسر الهمزة على معنى الجزاء، والفاء في قوله «فَتُذَكِّرُ» جوابه، وموضع الشرط وجوابه رفع على الصفة للمرأتين والرجل، وارتفع «تُذَكِّرُ» على الإستئناف؛ كما ارتفع قوله
    { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ }
    [المائدة: 95] هذا قول سيبويه. ومن فتح «أن» فهي مفعول له والعامل (فيها) محذوف. وانتصب «فَتُذَكِّرَ» على قراءة الجماعة عطفاً على الفعل المنصوب بأن. قال النحاس؛ ويجوز «تَضَلّ» بفتح التاء والضاد، ويجوز تِضَلّ بكسر التاء وفتح الضاد. فمن قال: «تضل» جاء به على لغة من قال: ضَلِلْتَ تَضَل. وعلى هذا تقول تِضَل فتكسر التاء لتدلَّ على أن الماضي فَعِلت. وقرأ الجحدريّ وعيسىٰ بن عمر «أَنْ تُضَلّ» بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تُنسىٰ، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الدانيّ. وحكى النقّاش عن الجْحَدرِيّ ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تُضِلّ الشهادة. تقول: أضْلَلْتُ الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما.

    السابعة والثلاثون ـ قوله تعالىٰ: { فَتُذَكِّرَ } خفّف الذال والكاف ابن كثِير وأبو عمرو؛ وعليه فيكون المعنى أن تَرُدّها ذَكَراً في الشهادة؛ لأن شهادة المرأة نصفُ شهادة؛ فإذا شهِدتا صار مجموعهما كشهادة ذَكَرٍ؛ قال سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن العلاء.

    وفيه بعدٌ؛ إذْ لا يحصل في مقابلة الضَّلال الذي معناه النسيان إلاَّ الذِّكْر، وهو معنى قراءة الجماعة «فَتُذَكِّرَ» بالتشديد، أي تنبِّهها إذا غَفلت ونَسِيت.

    قلت: وإليها ترجع قراءة أبي عمرو، أي إنْ تَنسَ إحداهما فتُذْكِرُها الأُخْرَىٰ؛ يُقال: تذَكَّرت الشيء وأذْكَرْتُه غيرِي وذَكَّرْتُه بمعنىً؛ قاله في الصحاح.

    وقال الطبري

    والصواب من القراءة عندنا فـي ذلك قراءة من قرأه بفتـح «أن» من قوله { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } وبتشديد الكاف من قوله { فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلاْخْرَىٰ } ونصب الراء منه، بـمعنى فإن لـم يكونا رجلـين فلـيشهد رجل وامرأتان كي إن ضلت إحداهما ذكرتها الأخرى. وأما نصب «فتذكر» فبـالعطف علـى «تضلّ»، وفتـحت «أن» بحلولها مـحل «كي»، وهي فـي موضع جزاء، والـجواب بعده اكتفـاءً بفتـحها، أعنـي بفتـح «أن» من «كي» ونسق الثانـي، أعنـي «فتذكر» علـى «تضلّ»، لـيعلـم أن الذي قام مقام ما كان يعمل فـيه وهو ظاهر قد دلّ علـيه وأدّى عن معناه وعمله، أي عن «كي». وإنـما اخترنا ذلك فـي القراءة لإجماع الـحجة من قدماء القراء والـمتأخرين علـى ذلك، وانفراد الأعمش ومن قرأ قراءته فـي ذلك بـما انفرد به عنهم، ولا يجوز ترك قراءة جاء بها الـمسلـمون مستفـيضة بـينهم إلـى غيرها. وأما اختـيارنا «فتذكِّر» بتشديد الكاف، فإنه بـمعنى تأدية الذكر من إحداهما علـى الأخرى وتعريفها بإنهاء ذلك لتذكر، فـالتشديد به أولـى من التـخفـيف. وأما ما حكي عن ابن عيـينة من التأويـل الذي ذكرناه، فتأويـل خطأ لا معنى له لوجوه شتـى أحدها أنه خلاف لقول جميع أهل التأويـل. والثانـي أنه معلوم بأن ضلال إحدى الـمرأتـين فـي الشهادة التـي شهدت علـيها إنـما هو خطؤها عنها بنسيانها إياها كضلال الرجل فـي دينه إذا تـحير فـيه، فعدل عن الـحقّ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكراً معها مع نسيانها شهادتها وضلالها فـيها؟ فـالضالة منهما فـي شهادتها حينئذ لا شك أنها إلـى التذكير أحوج منها إلـى الإذكار، إلا إن أراد أن الذاكرة إذا ضعفت صاحبتها عن ذكر شهادتها ستـجرئها علـى ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته، فقوّتها بـالذكر حتـى صيرتها كالرجل فـي قوّتها فـي ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك، كما يقال للشيء القويّ فـي عمله ذكر، وكما يقال للسيف الـماضي فـي ضربه سيف ذكر، ورجل ذكر، يراد به ماض فـي عمله، قويّ البطش، صحيح العزم. فإن كان ابن عيـينة هذا أراد، فهو مذهب من مذاهب تأويـل ذلك؟ إلا أنه إذا تأوّل ذلك كذلك، صار تأويـله إلـى نـحو تأويـلنا الذي تأوّلناه فـيه، وإن خالفت القراءة بذلك الـمعنى القراءة التـي اخترناها بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بـالذي اختار قراءته من تـخفـيف الكاف من قوله فتذكر، ولا نعلـم أحدا تأوّل ذلك كذلك، ويستـحبّ قراءته كذلك بذلك الـمعنى.

    فـالصواب فـي قوله إذ كان الأمر عاما علـى ما وصفنا ما اخترنا.

  4. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الثانية والخمسون

    { وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }


    قال السمين

    قوله تعالى: { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً }: العامةُ على " كاتباً " اسمَ فاعل. وقرأ أُبَيّ ومجاهد وأبو العالية: " كِتاباً " ، وفيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ أي ذا كتابة. والثاني: أنه جَمْع كاتبٍ، كصاحب وصِحاب. ونقل الزمخشري هذه القراءة عن أُبَيّ وابن عباس فقط، وقال: " وقال ابن عباس: أرأيتَ إن وجدتَ الكاتبَ ولم تَجِدْ الصحيفةَ والدَّواة ". وقرأ ابن عباس والضحاك: " كُتَّاباً " على الجمع، اعتباراً بأنَّ كلَّ نازلةٍ لها كاتبٌ. وقرأ أبو العالية: " كُتُباً " جمع كتاب، اعتباراً بالنوازلِ، قلت: قولُ ابن عباس: " أرأيتَ إنْ وجدت الكاتب الخ " ترجِيحٌ للقراءةِ المرويَّةِ عنه واستبعادٌ لقراءةِ غيرِه/ " كاتباً " ، يعني أن المرادَ الكتابُ لا الكاتبُ....

    وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " فَرُهُنٌّ " بضم الراء والهاء، والباقون " فَرِهَانٌ " بكسر الراء وألف بعد الهاء، رُوي عن ابن كثير وأبي عمرو تسكينُ الهاءِ في رواية.

    فأمَّا قراءةُ ابن كثير فجمع رَهْن، وفَعل يُجْمع على فُعل نحو: سَقْف وسُقُف. ووقع في أبي البقاء بعد قوله: " وسَقْف وسُقُف، وأَسَد وأُسُد، وهو [وهم] " ولكنهم قالوا: إن فُعُلاً جَمعُ فَعْل قليل، وقد أورد منه الأخفش ألفاظاً منها: رَهْن ورُهُن، ولَحْد القبر ولُحُد، وقَلْب النخلة وقُلُب، ورجلٌ ثَطٌّ وقومٌ ثُطٌّ، وفرس وَرْدٌ وخيلٌ وُرُدٌ، وسهم حَشْر وسهام حُشُر. وأنشد أبو عمرو حجةً لقراءتهِ قولَ قعنب:
    1135 ـ بانَتْ سعادُ وأمسى دونَها عدنُ وَغلَّقَتْ عندَها مِنْ قبلِك الرُّهُنُ
    وقال أبو عمرو: " وإنما قَرَأت فَرُهُن للفصلِ بين الرهانِ في الخيلِ وبين جمع " رَهْن " في غيرها " ومعنى هذا الكلام أنما اخترتُ هذه القراءةَ على قراءة " رهان " ، لأنه لا يجوزُ له أَنْ يفعلَ ذلك كما ذَكَر دونَ اتِّباع روايةٍ.

    واختار الزجاجِ قراءتَه هذه قال: " وهذه القراءة وافَقَت المصحفَ، وما وافقَ المصحفَ وصَحَّ معناه، وقَرَأت به القُرَّاء فهو المختارُ ". قلت: إن الرسم الكريم " فرهن " دون ألفٍ بعد الهاء، مع أنَّ الزجاج يقول: " إنَّ فُعُلاً جمعَ فَعْلٍ قليلٌ " ، وحُكي عن أبي عمرو أنه قال: " لا أعرفُ الرِّهان إلا في الخيل لا غير ". وقال يونس: " الرَّهْنُ والرِّهان عربيان، والرُّهُنْ في الرَّهْنِ أكثرُ، والرِّهان في الخيلِ أكثرُ " وأنشدوا أيضاً على رَهْن ورُهُن قوله - البيت -


    1136 ـ آلَيْتُ لا نُعْطِيه من أَبْنائِنا رُهُناً فيُفْسِدَهم كَرَهْنٍ أَفْسدا
    وقيل: إنَّ رُهُنا جمعُ رِهان، ورِهان جمعُ رَهْن، فهو جَمْعُ الجمع، كما قالوا في ثِمار جمعَ ثَمَر، وثُمُر جَمعُ ثِمار، وإليه ذهب الفراء وشيخه، ولكنَّ جَمْعَ الجمعِ غيرُ مطرَّدٍ عند سيبويه وجماهيرِ أتباعه.

    وأمَّا قراءةُ الباقين " رِهانِ فرِهان جمعُ " رَهْن " وفَعْل وفِعال مطردٌ كثير نحو: كَعْب/ وكِعَاب، وكَلْب وكِلاب، ومَنْ سَكَّن ضمةَ الهاءِ في " رُهُن " فللتخفيفِ وهي لغةٌ، يقولون: سُقْف في سُقُف جمعَ سَقْف....

    وقرأ ابن أبي عبلة - فيما نقل عنه الزمخشري - " أَثِم قلبَه " جعل " أثم " فعلاً ماضياً مشدد العين، وفاعلُه مستترٌ فيه، " قلبه " مفعول به أي: جعل قلبَه آثماً أي: أثم هو، لأنه عَبَّر بالقلب عن ذاتِه كلها لأنه أشرفُ عضوٍ فيها.

    وقرأ أبو عبد الرحمن: " ولا يَكْتُموا " بياء الغَيْبَةِ، لأنَّ قبلَه غيباً وهم من ذَكَر في قولِه: { كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } ، وهو وإنْ كان بلفظِ الإِفراد فالمرادُ به الجَمْعُ، ولذلك اعتبَرَ معناه في قراءة أبي عبد الرحمن فجَمَعَ في قوله: " ولا يكتموا "....

    قوله تعالى: { فَيَغْفِرُ } قرأ ابن عامر وعاصم برفع " يغفرُ " و " يعذبُ " ، والباقون من السبعةِ بالجزم. وقرأ ابنُ عباس والأعرج وأبو حيوة: " فيغفرَ " بالنصب.

    فأمَّا الرفعُ فيجوزُ أَنْ يكونَ رفعُه على الاستئنافِ، وفيه احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ أي: فهو يغفرُ. والثاني: أنَّ هذه جملةٌ فعليةٌ من فعلٍ وفاعلٍ عُطِفَتْ على ما قبلها. وأمّا الجزمُ فللعطفِ على الجزاءِ المجزوم.

    وأمَّا النصبُ فبإضمارِ " أَنْ " وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوف على المصدر المتوهَّم من الفعلِ قبلَ ذلك تقديره: تكنْ محاسبةٌ فغفرانٌ وعذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوجهِ الثلاثة وهو:
    1144 ـ فإنْ يَهْلِكْ أبو قابوسَ يَهْلِكْ ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرامُ
    ونأخذْ بعدَه بذِنابِ عيشٍ أجَبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
    بجزمِ " نأخذ " عطفاً على " يَهْلك ربيع " ونصبهِ ورفعِه، على ما ذكرتُه لك في " فَيغفر " وهذه قاعدةٌ مطردةٌ: وهي أنه إذا وقع بعدَ جزاءِ الشرط فعلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جازَ فيه هذه الأوجُهُ الثلاثةُ، وإن توسَّطَ بين الشرطِ والجزاءِ جاز جزمُه ونصبُه وامتنع رفعُه نحو: إن تأتني فَتَزُرْني أو فتزورَني، أو وتزرْني أو وتزورَني.

    وقرأ الجعفيّ وطلحة بن مصرف وخلاد: " يَغْفِرْ " بإسقاطِ الفاء، وهي كذلك في مصحفِ عبد الله، وهي بدلٌ من الجوابِ كقوله تعالى:
    { وَمَن يَفْعَلْ ذظ°لِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ظ±لْعَذَابُ }
    [الفرقان: 68-69]. وقال أبو الفتح: " وهي على البدلِ من " يُحاسِبْكم " فهي تفسيرٌ للمحاسبة " قال الشيخ: " وليس بتفسيرٍ، بل هما مترتِّبان على المحاسَبَةِ ". قال الزمخشري: " ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملة الحساب لأنَّ التفصيلَ أوضحُ من المفصَّلِ، فهو جارٍ مجرى بَدَلِ البعضِ من الكلِ أو بدلِ الاشتمال، كقولك: " ضربتُ زيداً رأسه " و " أحببتُ زيداً عقله " ، وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه/ في الأسماءِ لحاجةِ القبيلين إلى البيان ".

    قال الشيخ: " وفيه بعضُ مناقشةٍ: أمَّا الأولُ فقولُه: " ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملةِ الحسابِ " وليس العذابُ والغفرانُ تفصيلاً لجملةِ الحسابِ، لأنَّ الحسابَ إنما هو تعدادُ حسناتِه وسيئآتِه وحصرُها، بحيث لا يَشُذُّ شيءٌ منها، والغفرانُ والعذابُ مترتِّبان على المحاسَبَة، فليست المحاسبةُ مفصَّلةً بالغفرانِ والعذابِ. وأمَّا ثانياً فلقوله بعد أَنْ ذَكَر بدلَ البعض من الكل وبدلَ الاشتمال: " وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماء لحاجةِ القبيلين إلى البيان " أمَّا بدلُ الاشتمال فهو يمكنُ، وقد جاءَ لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على الجنسِ وتحتَه أنواعٌ يشتمِلُ عليها، ولذلك إذا وَقَع عليه النفيُ انتفَتْ جميعُ أنواعه، وأمَّا بدلُ البعضِ من الكلِّ فلا يمكنُ في الفعل إذ الفعلُ لا يقبلُ التجزُّؤ، فلا يُقال في الفعلِ له كل وبعض إلا بمجازٍ بعيدٍ، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يَسْتَحِيل وجود بدل البعض من الكل في حق الله تعالى، إذ الباري تعالى لا يتقسم ولا يتبعض.

    قلت: ولا أدري ما المانعُ من كونِ المغفرةِ والعذابِ تفسيراً أو تفصيلاً للحساب، والحسابُ نتيجتُه ذلك، وعبارةُ الزمخشري هي بمعنى عبارة ابن جني....

    ملحوظة

    تتبع السمين كثيرا شيخه صاحب البحر فى تعقيباته علي الزمخشري فى الكشاف

    قال ابن عطية

    والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما أخبر هو به، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر " وكتبه " على الجمع، وقرؤوا في التحريم و " كتابه " على التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم " وكتبه " على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي " وكتابه " على التوحيد فيهما، وروى حفص عن عاصم ها هنا وفي التحريم " وكتبه " مثل أبي عمرو، وروى خارجة عن نافع مثل ذلك، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله تعالى...

    وقرأ جمهور الناس " لا نفرق " بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق، وقرأ سعيد ابن جبير ويحيي بن يعمر وأبو زرعة بن عمر بن جرير ويعقوب " لا يفرق " بالياء، وهذا على لفظ { كل } ، قال هارون وهي في حرف ابن مسعود " لا يفرقون " ، ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض....

    وقال السمين

    وقرأ أُبَيّ: " ربَّنا ولا تُحَمِّلْ علينا إصْراً " بتشديد الميم.قال الزمخشري: " فإنْ قلت: أَيُّ فرق بين هذه الشديدةِ والتي في " ولا تُحَمِّلْنا؟ قلت: هذه للمبالغةِ في حَمَّل عليه، وتلك لنقل " حَمَلَه " من مفعولٍ واحدٍ إلى مفعولَيْن ". انتهى يعني أنَّ التضعيفَ في الأولِ للمبالغةِ ولذلك لم يتعدَّ إلا لمفعولٍ واحدٍ، وفي الثانيةِ للتعدية، ولذلك تعدَّى إلى اثنين أولُهما " نا " والثاني { مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }.

    انتهت سورة البقرة

  5. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    سورة ال عمران

    الجوهرة الثالثة والخمسون



    الۤمۤ } * { ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ }

    قال ابن عطية

    وقرأ السبعة " المَ الله " بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكن الميم ثم قطع الألف، روى الأولى التي هي كالجماعة حفص وروى الثانية أبو بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر الرؤاسي وأبو حيوة بكسر الميم للالتقاء وذلك رديء لأن الياء تمنع من ذلك والصواب الفتح قراءة جمهور الناس. قال أبو علي: حروف التهجي مبنية على الوقف فالميم ساكنة واللام ساكنة فحركت الميم بالفتح كما حركت النون في قولك: " من الله ومنَ المسلمين " إلى غير ذلك.

    قال أبو محمد: ومن قال بأن حركة الهمزة ألقيت على الميم فذلك ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل فيما يسقط فلا تلقى حركته، قاله أبو علي

    ملحوظة

    ربما فى قراءة ابي جعفر بالسكت اسرار الله اعلم بها من اسرار الحروف

    رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }

    قال ابن عطية

    وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم، إن الله لا يضل العباد، ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعي في دفع ما لا يجوز عليه فعله و { تزغ } معناه، تمل قلوبنا عن الهدى والحق، وقرأ أبو واقد، والجراح " ولا تزغ قلوبُنا " بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه أيضاً رغبة إلى الله تعالى. وقال أبو الفتح: ظاهر هذا ونحوه الرغبة إلى القلوب وإنما المسؤول الله تعالى، وقوله الرغبة إلى القلوب غير متمكن، ومعنى الآية على القراءتين، أن لا يكن منك خلق الزيغ فيها فتزيغ هي. قال الزجاج: وقيل: إن معنى الآية لا تكلفنا عبادة ثقيلة تزيغ منها قلوبنا.

    قال الفقيه الإمام: وهذا قول فيه التحفظ من خلق الله تعالى الزيغ والضلالة في قلب أحد من العباد، و { من لدنك } معناه: من عندك ومن قبلك، أن تكون تفضلاً لا عن سبب منا ولا عمل، وفي هذا استسلام وتطارح، والمراد هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة لأن الرحمة راجعة إلى صفات الذات فلا تتصور فيها الهبة.....

    قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } قرأ الأخَوان هذين الفعلين بالغَيْبة، والباقون بالخطاب، والغيبة والخطاب في مثل هذا التركيب واضحانِ كقولِك: " قل لزيد: قم " على الحكاية، وقل لزيد: يقوم، وقد تقدم نحوٌ من هذا في قولِه:
    { لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ }
    [البقرة: 83]. وقال الشيخ في قراءةِ الغَيْبة: " الظاهرُ أنَّ الضميرَ للذين كفروا، وتكونُ الجملةُ إذ ذاك ليست محكيةً بقل، بل محكيةٌ بقول آخر، التقديرُ: قُلْ لهم قَوْلي سَيُغْلَبُون وإخباري أنه ستقعُ عليهم الغَلَبَةُ، كما قال:
    { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ }
    [الأنفال: 38] فبالتاءِ أخبرهم بمعنى ما أُخْبر به من أنهم سَيُغْلبون، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أُخبر به أنهم سَيُغْلبون ".

    وهذا الذي قاله سبقَه إليه الزمخشري فأخَذَه منه، ولكنَّ عبارةَ أبي القاسم أوضحُ فَلْنوردها، قال رحمه الله: " فإنْ قلت: أيُّ فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء ـ أي من فوق ـ الأمرُ بأَنْ يُخْبرهم بما سَيَجْري عليهم من الغَلَبة والحَشْر إلى جهنم، فهو إخبار بمعنى سَتُغْلبون وتُحْشَرون فهو كائن من نفسِ المتوعَّدِ به، وهو الذي يدل عليه اللفظُ، ومعنى القراءةِ بالياء الأمرُ بأَنْ يحكي لهم ما أَخْبره به من وعيدِهم بلفظه كأنَّه قال: أدِّ إليهم هذا القولَ الذي هو قَوْلي لك سَيُغْلبون ويُحْشَرُون ".

    وجَوَّز الفراء وثعلب أن يكونَ الضميرُ في " سَيُغْلبون ويُحْشرون " لكفار قريش، ويرادُ بالذين كفروا اليهودُ، والمعنى: قُلْ لليهود: " سَتُغْلَبُ قريش " ، هذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط. قال مكي: " ويُقَوِّي القراءة بالياء ـ أي: من تحت ـ إجماعُهم على الياء في قوله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ } ، قال: " والتاء ـ يعني من فوق ـ أحَبُّ إليَّ لإِجماع الحرميين وعاصم وغيرهم على ذلك " قلت: ومثلُ إجماعهم على قوله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ } إجماعُهم على قولِه:
    { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ }
    [النور: 30]
    { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ }
    [الجاثية: 14].

    وقال الفراء: " مَنْ قرأ بالتاء جَعَل اليهود والمشركين داخلين في الخطاب، ثم يجوزُ في هذا المعنى الياءُ والتاءُ، كما تقول في الكلام: " قل لعبد الله: إنه قائم وإنك قائم " ، وفي حرفِ عبد الله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } ، ومَنْ قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبةِ اليهود، وأنَّ الغلبةَ تقع على المشركين، كأنه قيل: قل يا محمد لليهود سَيُغْلَبُ المشركون ويُحْشرون، فليس يجوزُ في هذا المعنى إلا الياءُ لأنَّ المشركين غَيْبٌ.

    وقال الطبري

    اختلفت القراء في ذلك فقرأه بعضهم { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } بالتاء على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } قالوا ففي ذلك دليل على أن قوله { سَتُغْلَبُونَ } كذلك خطاب لهم. وذلك هو قراءة عامة قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين. وقد يجوز لـمن كانت نـيته فـي هذه الآية أن الـموعودين بأن يغلبوا هم الذين أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم أن يقرأه بـالـياء والتاء، لأن الـخطاب الوحي حين نزل لغيرهم، فـيكون نظير قول القائل فـي الكلام قلت للقوم إنكم مغلوبون، وقلت لهم إنهم مغلوبون. وقد ذكر أن فـي قراءة عبد الله { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ } وهي فـي قراءتنا { إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ }. وقرأت ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة «سيغلبون ويحشرون» علـى معنى قل للـيهود سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلـى جهنـم. ومن قرأ ذلك كذلك علـى هذا التأويـل لـم يجز فـي قراءته غير الـياء. والذي نـختار من القراءة فـي ذلك قراءة من قرأه بـالتاء، بـمعنى قل يا مـحمد للذين كفروا من يهود بنـي إسرائيـل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنزلته إلـيك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويـله، ستغلبون وتـحشرون إلـى جهنـم وبئس الـمهاد. وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك علـى قراءته بـالـياء لدلالة قوله { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } علـى أنهم بقوله ستغلبون مخاطبون خطابهم بقوله قد كان لكم، فكان إلـحاق الـخطاب بـمثله من الـخطاب أولـى من الـخطاب بخلافه من الـخبر عن غائب. وأخرى أن أبـا كريب حدثنا، قال ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال لـما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر فقدم الـمدينة، جمع يهود فـي سوق بنـي قـينقاع فقال " يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِـمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أصَابَ قُرَيشا " ، فقالوا يا مـحمد لا تغرّنك نفسك إنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نـحن الناس، وأنك لـم تأت مثلنا! فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهم { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } إلـى قوله { لأُوْلِى الأبْصَـارِ }....

  6. #51
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الرابعة والخمسون

    { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ }

    قال السمين

    قوله: { يَرَوْنَهُمْ } قرأ نافع وحده من السبعةِ ويعقوب وسهل: " تَرَوْنهم " بالخطابِ، والباقون من السعبة بالغَيْبة. فأمَّا قراءةُ نافع ففيها ثمانية أوجه، أحدُها: أن الضميرَ في " لكم " والمرفوعَ في " تَرَوْنهم " للمؤمنين، والضميرَ المنصوب في " تَرَوْنهم " والمجرورَ في " مِثْلَيْهم " للكافرين. والمعنى: قد كان لكم أيها المؤمنون آيةٌ في فئتين بأَنْ رأيتم الكفارَ مثلي أنفسهم في العدد وهو أبلغُ في القدرةِ حيث رأى المؤمنون الكافرين مثلي عددِ الكافرين، ومع ذلك انتصروا عليهم وغَلَبوهم وأَوْقَعوا بهم الأفاعيلَ. ونحُوه:
    { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ }
    [البقرة: 249] واستبَعَدَ بعضُهم هذا التأويلَ لقوله تعالى في الأنفالِ:
    { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً }
    [الآية: 44]، فالقصةُ واحدةٌ، وهناك تَدُلُّ الآية على أن الله تعالى قَلَّل المشركين في أعين المؤمنين لئلا يَجْبُنوا عنه، وعلى هذا التأويلِ المذكور هنا يكون قد كَثَّرهم في أعينهم. ويمكنُ أن يُجابَ عنه باختلافِ حالَيْنِ، وذلك أنه في وقتٍ أراهم إيَّاهم مثلي عددهم ليمتحنهم ويبتليهم، ثم قَلَّلهم في أعينهم ليقدُموا عليهم، فالإِتيانُ باعتبارين ومثلُه:
    { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ }
    [الرحمن: 39] مع:
    { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
    [الحجر: 92]،
    { وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }
    [النساء: 42] مع:
    { هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ }
    [المرسلات: 35]. وقال الفراء: " المرادُ بالتقليل التهوينُ كقولِك: " رأيتُ كثيرَهم قليلاً " لهوانِهِم عندكَ، وليس من تقليلِ العدد في شيء ".

    الثاني: أن يكونَ الخطاب في " تَرَوْنهم " للمؤمنين أيضاً، والضميرُ المنصوبُ في " ترونهم " للكافرين أيضاً، والضميرُ المجرورِ في " مِثْلَيْهم " للمؤمنين، والمعنى: تَرَوْن أيها المؤمنون الكافرين مثلي عددِ أنفسكم، وهذا تقليلٌ للكافرين عند المؤمنين في رأيِ العين، وذلك أنَّ الكفارَ كانوا ألفاً ونَيِّفاً والمسلمونُ على الثلث منهم، فأراهم إياهم مِثْلَيْهم، على ما قَرَّر عليهم من مقاومةِ الواحدِ للاثنين في قوله تعالى:
    { فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ }

    الأنفال: 66] بعد ما كُلِّفوا أن يقاومَ واحدٌ العشرةَ في قوله تعالى:
    { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ }
    [الأنفال: 65]. قال الزمخشري: " وقراءةُ نافع لا تساعد عليه " عين على هذا التأويلِ المذكور، ولم يُبَيِّنْ وجه عدمِ المساعدةِ، وكأنَّ الوجَه في ذلك ـ والله أعلم ـ أنه كان ينبغي أن يكونَ التركيب: " تَرَوْنهم مثليكم " بالخطاب في " مثليكم " لا بالغَيْبة. وقال أبو عبد الله الفاسي ـ بعد ما ذكرته عن الزمخشري: " قلت: بل يساعِدُ عليه إن كان الخطابُ في الآية للمسلمين، وقد قيل ذلك " انتهى، فلم يأتِ أبو عبد الله بجوابٍ، إذ الإِشكالُ باقٍ.

    وقد أجابَ بعضُهم عن ذلك بجوابين، أحدُهما: أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة وأن حقَّ الكلام: " مِثْلَيْكم " بالخطاب، إلا أنه التفتَ إلى الغَيْبة، ونظَّره بقوله تعالى:
    { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }
    [يونس: 22]. والثاني: أن الضميرَ في " مِثْلَيْهم " وإن كان المرادُ به المؤمنين إلا أنه عادَ على قوله: { فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } ، والفئةُ المقاتِلة هي عبارةٌ عن المؤمنين المخاطبينَ، والمعنى: تَرَوْن أيها المؤمنون الفئةَ الكافرة مِثْلَيْ الفئةِ المقاتلةِ في سبيل الله، فكأنه قيل: تَرَوْنَهم أيَها المؤمنون مِثْلَيْكُم. وهوَ جوابٌ حسنٌ ومعنى واضحٌ.

    الثالث: أن يكونَ الخطاب في " لكم " وفي " تَرَوْنَهم " للكفار، وهم قريش، والضميرُ المنصوبُ والمجرور للمؤمنين، أي: قد كان لكم أيها المشركون/ آيةٌ حيث تَرَوْن المؤمنين مِثْلَي أنفسِهم في العدَدِ، فيكون قد كَثَّرهم في أعينِ الكفار ليجبنُوا عنهم، فيعودُ السؤالُ المذكور بين هذه الآية وآية الأنفال، وهي قوله تعالى:
    { وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ }
    [الأنفال: 44]، فكيف يقال هنا إنه كَثَّرهم فيعودُ الجواب بما تقدَّم من اختلافِ حالتين، وهو أنه قَلَّلهم أولاً ليجترىءَ عليهم الكفارُ، فلمَّا التقى الجمعان كَثَّرهم في أعيِنِهم ليحصُل لهم الخَورُ والفَشَلُ.

    الرابع: كالثالث، إلاَّ أنَّ الضميرَ في " مِثْلَيْهم " يعودُ على المشركين فيعودُ ذلك السؤال، وهو أنه كان ينبغي أن يُقال " مِثْليكم " ليتطابق الكلامُ فيعودَ الجوابان وهما: إمَّا الالتفاتُ من الخطاب إلى الغَيْبة، وإمَّا عودُه على لفظِ الفئة الكافرة، لأنها عبارةٌ عن المشركين، كما كان ذلك الضميرُ عبارةً عن الفئةِ المقاتلَةِ، ويكونُ التقديرُ: تَرَوْنَ أيها المشركون المؤمنين مِثْلَيْ فئتِكم الكافرة، وعلى هذا فيكونون قد رَأَوا المؤمنين مِثْلَي أنفسِ المشركين ألفين ونيفاً، وهذا مَدَدٌ من الله تعالى، حيث أرى الكفارَ المؤمنينَ مِثْلَي عددِ المشركين حتى فَشِلوا وجَبُنوا، فَطَمِعَ المسلمون فيهم فانتصروا عليهم، ويؤيِّده: { وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ } فالإراءة هنا بمنزلة المَدَدِ بالملائكةِ في النصرةِ بكليهما، ويعودُ السؤالُ حينئذٍ بطريق الأَوْلى: وهو كيف كثَّرهم إلى هذه الغايةِ مع قولِهِ في الأنفال: { وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ }؟ ويعود الجواب.

    الخامس: أنَّ الخطابَ في " لكم " و " تَرَوْنهم " لليهود، والضميران المنصوبُ والمجرورُ على هذا عائدان على المسلمين على معنى: تَرَوْنَهم لو رأيتموهم مِثْلَيْهم، وفي هذا التقدير تكلُّفٌ لا حاجةً إليه، وكأن هذا القائلَ اختار أن يكونَ الخطابُ في الآية المنقضية وهي قولُه: { قَدْ كَانَ لَكُمْ } لليهود، فَجَعَلهُ في " تَرَوْنَهم " لهم أيضاً، ولكنَّ الخروجَ من خطاب اليهود إلى خطاب قوم آخرين أَوْلى من هذا التقدير المتكلَّفِ، لأنَّ اليهود لم يكونوا حاضري الوقعةِ حتى يُخاطَبوا برؤيتِهم لهم كذلكَ. ويجوز على هذا القولِ أن يكونَ الضميرانِ المنصوبُ والمجرورُ عائِدَيْنِ على الكفار، أي: إنهم كَثَّر في أعينِهم الكفارَ حتى صاروا مِثْلي عددِ الكفارِ، ومع ذلك غلبَهم المؤمنون وانتصروا عليهم، فهو أَبْلَغُ في القدرةِ. ويجوزُ أنْ يعودَ المنصوبُ على المسلمين والمجرورُ على المشركين، أي: تَرَوْنَ أيها اليهودُ المسلمينَ مِثْلَي عددِ المشركين مهابةً لهم وتهويلاً لأمرِ المؤمنين، كما كان ذلك في حق المشركين فيما تقدَّم من الأقوال. ويجوز أن يعودَ المنصوبُ على المشركين والمجرورُ على المسلمين، والمعنى: تَرَوْنَ أيها اليهودُ لو رأيتم المشركينَ مِثْلَي عددِ المسلمين، وذلك أنهم قُلِّلُوا في أعينهم ليحصُل لهم الفزعُ والغَمُّ؛ لأنه كان يَغُمُّهُم قلةُ الكفارِ ويعجبُهم كثرتُهُم ونصرتُهم على المسلمين حسداً وَبَغْياً فهذه ثلاثة أوجهٍ مترتبةٌ على الوجه الخامسِ، فتصيرُ ثمانية أوجهٍ في قراءة نافع.

    وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أنها كقراءةِ الخطاب، فكلُّ ما قيل في المراد به الخطابُ هناك قيل به هنا، ولكنه جاء على بابِ الالتفاتِ أي: التفاتٌ من خطاب إلى غيبة. الثاني: أن الخطاب في " لكم " للمؤمنين، والضميرُ المرفوعُ في " يَرَوْنَهم " للكفار، والمنصوبُ والمجرورُ للمسلمين، والمعنى: يَرَى المشركون المؤمنين مِثْلَي عدد المؤمنين ستمئة ونيفاً وعشرين، أراهم الله ـ مع قِلَّتهم ـ إياهم ضِعْفَيْهم ليَهَابُوهم ويَجْبُنوا عنهم. الثالث: أنَّ الخطاب في " لكم " للمؤمنين أيضاً، والمرفوعُ في " يَرَوْنَهم " للكفار، والمنصوبُ للمسلمين والمجرورُ للمشركين، أي: يرى المشركونَ المؤمنين مِثْلَي عددِ المشركين، أراهم الله المؤمنينَ أضعافَهم لِما تَقدَّم في الوجه قبله. الرابع: أن يعودَ الضميرُ المرفوع في " يَرَونهم " على الفئةِ الكافرة؛ لأنها جَمْعٌ في المعنى، والضميرُ المنصوب والمجرورُ على ما تقدم من احتمالِ عودِهما على الكافرينَ أو المسلمين أو أحدِهما لأحدِهم.

    والذي تَقَوَّى في هذه الآيةِ من جميعِ ما قَدَّمْتُهُ من حيِث المعنى أَنْ يكونَ مَدارُ الآيةِ على تقليلِ المسلمينَ وتكثيرِ الكافرين، لأنَّ مقصودَ الآية ومساقَها الدلالةُ على قُدْرَةِ الله الباهرةِ وتأييدِهِ بالنصر لعبادِه المؤمنين مع قلةِ عددِهم وخذلانِ الكافرين مع كثرةِ عددِهم، وتحزُّبهم، ليُعْلَمَ أنَّ النصرَ كلَّه من عند الله، وليس سببُه كثرتَكم وقلةَ عدوكم، بل سببُه ما فعلَه تبارك وتعالى من إلقاءِ الرعبِ في قلوبِ أعدائِكم، ويؤيِّده قولُه بعد ذلك/: { وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ } وقال في موضع آخر:

    { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً }
    [التوبة: 25]. قال الشيخ أبو شامة ـ بعد ذِكْره هذا المعنى وَجَعَلَهُ قوياً ـ: " فالهاءُ في تَرَوْنَهم للكفارِ سواءً قُرىء بالغَيْبَةِ أم بالخطاب والهاءُ في " مثليهم " للمسلمين. فإنْ قلت: إن كان المرادُ هذا فهلا قيل: يَرَونْهَم ثلاثةَ أمثالهم. فكان أبلغَ في الآية، وهي نصرُ القليلِ على هذا الكثيرِ، والعُدَّةُ كانت كذلك أو أكثرَ. قلت: أخبرَ عن الواقعِ، وكان آيةً أخرى مضمومةً إلى آية البصرِ، وهي تقليلُ الكفارِ في أعينِ المسلمين وقُلِّلُوا إلى حدٍّ وُعِدَ المسلمونَ النصرَ عليهم فيه، وهو أن الواحدَ من المسلمين يَغْلِبُ الاثنين، فلم تكن حاجةٌ إلى التقليلِ بأكثرَ من هذا، وفيه فائدةٌ: وقوعُ ما ضَمِنَ لهم من النصر فيه " انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى ذهب الفراء، أعني أنهم يَرَوْنَهم ثلاثةَ أمثالهم، فإنه قال: " مِثْليهم: ثلاثةَ أمثالهم، كقول القائل: " عندي ألف وأنا محتاجٌ إلى مثليها " وغَلَّطه أبو إسحاق في هذا، وقال: " مثلُ الشيء ما ساواه، ومِثْلاه ما ساواه مرتين ". قال ابن كيسان: " الذي أَوْقَع الفراء في ذلك أن الكفار كانوا يومَ بدر ثلاثةَ أمثالِهم، فتوهَّمَ أنه لا يجوزُ أن يَرَوْهم إلا على عُدَّتهم، والمعنى ليس عليه، وإنما أراهم الله على غيرِ عُدَّتهم لجهتين، إحداهما: أنه رأى الصلاحَ في ذلك؛ لأن المؤمين [تُقَوَّى قلوبُهم بذلك، والأخرى] أنه آيةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم.

    والجملةُ على قراءةِ نافع تَحْتَمِلُ أن تكونَ مستأنفةً لا محلَّ لها من الإِعراب، ويُحتُمل أن يكونَ لها محلٌّ، وفيه حينئذٍ وجهان، أحدُهما: النصبُ على الحال من " كم " في " لكم " أي: قد كان لكم حالَ كونِكم تَرَوْنهم. والثاني: الجرُّ نعتاً لفئتين، لأنَّ فيها ضميراً يَرْجِع عليهما، قاله أبو البقاء.

    وأمَّا على قراءةِ الغَيْبةِ فتحتملُ الاستئنافُ، وتحتملُ الرفعَ صفةً لإِحدى الفئتين، وتحتمل الجرَّ صفةً لفئتين أيضاً، على أَنْ تكونَ الواوُ في " يَرَوْنَهم " تَرْجِعُ إلى اليهود، لأنَّ في الجملة ضميراً يعودُ على الفئتين.....

    وقال القرطبي

    وقرأ نافع «تَرَوْنَهُم» بالتاء والباقون بالياء. { مِّثْلَيْهِمْ } نصب على الحال من الهاء والميم في «ترونهم». والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار. وأنكر أبو عمرو أن يقرأ «ترونهم» بالتاء؛ قال: ولو كان كذلك لكان مِثليكم. قال النحاس: وذا لا يلزم، ولكن يجوز أن يكون مِثلى أصحابكم. قال مكيّ: «تَرَوْنَهُم» بالتاء جرى على الخطاب في { لَكُم } فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط؛ ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى:
    { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }
    [يونس: 22]، وقوله تعالى:
    { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ }
    [الروم: 39] فخاطب ثم قال:
    { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ }
    [الروم: 39] فرجع إلى الغيبة. فالهاء والميم في { مِثْلَيْهِم } يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثليْ ما هم عليه من العدد؛ وهو بعيد في المعنى؛ لأن الله تعالى لم يُكْثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قلَّلَهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مِثليْكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلَّلَ الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مِثَليْ عِدّتهم لتقوى أنفُسهم ويقع التجاسُر، وقد كانوا أُعلِموا أنّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وقلّل المسلمين في أعين المشركين ليجْتَرئوا عليهم فينْفُذ حكم الله فيهم.

    ويحتمل أن يكون الضمير في { مِثليْهِم } للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مِثليْ ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم مثليْ عددكم؛ فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. والتأويل الأوّل أولى؛ يدل عليه قوله تعالى:
    { إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً }
    [الأنفال: 43] وقوله:
    { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً }
    [الأنفال: 44]. وروى عن ٱبن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة. فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً. وحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضِعفيْهم. وضعَّف الطبري هذا القول. قال ٱبن عطية: وكذلك هو مردود من جهات. بل قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدّم. وعلى هذا التأويل كان يكون «ترون» للكافرين، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، على ما تقدّم. وزعم الفرّاء أنّ المعنى تروْنَهم مثلَيْهم ثلاثةَ أمثالهم. وهو بعيدٌ غير معروف في اللغة. وقال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس؛ لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساوياً له، ونعقِل مثليْه ما يساويه مرتين. قال ٱبن كَيْسان: وقد بين الفرّاء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبدٌ: أحتاج إلى مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله. وتقول: أحتاج إلى مثليه، فأنت محتاج إلى ثلاثة. والمعنى على خلاف ما قال، واللغةُ. والذي أوقع الفرّاء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر؛ فتوهّم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عِدّتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه. وإنما أراهم الله على غير عِدّتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك. والأخرى أنه آية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى. وأمّا قراءة الياء فقال ٱبن كيسان: الهاء والميم في { يرونهم } عائدة على { وَأُخْرَى كَافِرَةٌ } والهاء والميم في { مثليْهم } عائدة على { فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ } وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: { يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ }. فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مِثْلَي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤية هنا لليهود. وقال مكيّ: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية الفئة الكافرة؛ أي ترى الفئةُ المقاتلة في سبيل الله الفئةَ الكافرة مثْلَي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقلّلهم الله فى أعينهم على ما تقدّم. والخطاب في { لكم } لليهود. وقرأ ٱبن عباس وطلحة «تُرَوْنَهم» بِضم التاء، والسلميّ بالتاء مضمومة على ما لم يسم فاعله....

    وقال الطبري

    وأولـى هذه القراءات بـالصواب قراءة من قرأ { يَرَوْنَهُمْ } بـالـياء، بـمعنى وأخرى كافرة، يراهم الـمسلـمون مثلـيهم، يعنـي مثلـي عدد الـمسلـمين، لتقلـيـل الله إياهم فـي أعينهم فـي حال، فكان حزرهم إياهم كذلك، ثم قللهم فـي أعينهم عن التقلـيـل الأول، فحزروهم مثل عدد الـمسلـمين، ثم تقلـيلاً ثالثاً، فحزروهم أقل من عدد الـمسلـمين. كما حدثنـي أبو سعيد البغدادي، قال ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله، قال لقد قللوا فـي أعيننا يوم بدر حتـى قلت لرجل إلـى جنبـي تراهم سبعين؟ قال أراهم مائة. قال فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا كم كنتـم؟ قال ألفـاً. وقد رُوي عن قتادة أنه كان يقول لو كانت «تُرونهم»، لكانت «مثلـيكم». حدثنـي الـمثنى، قال ثنـي عبد الرحمن بن أبـي حماد، عن ابن الـمعرك، عن معمر، عن قتادة بذلك. ففـي الـخبرين اللذين روينا عن عبد الله بن مسعود ما أبـان عن اختلاف حزر الـمسلـمين يومئذٍ عدد الـمشركين فـي الأوقات الـمختلفة، فأخبر الله عز وجل ـ عما كان من اختلاف أحوال عددهم عند الـمسلـمين ـ الـيهود علـى ما كان به عندهم، مع علـم الـيهود بـمبلغ عدد الفئتـين، إعلاماً منه لهم أنه مؤيد الـمؤمنـين بنصره، لئلا يغتروا بعددهم وبأسهم، ولـيحذروا منه أن يحل بهم من العقوبة علـى أيدي الـمؤمنـين، مثل الذي أحل بأهل الشرك به من قريش علـى أيديهم ببدرهم.

  7. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الخامسة والخمسون

    { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ }

    قال ابن عطية

    قرأ جمهور الناس " زُين " على بناء الفعل للمفعول ورفع " حبُّ " على أنه مفعول لم يسم فاعله، وقرأ الضحاك ومجاهد " زَين " على بناء الفعل للفاعل ونصب " حبَّ " على أنه المفعول، واختلف الناس من المزين؟ فقالت فرقة: الله زين ذلك وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت:
    { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم }
    [آل عمران: 15]، وقالت فرقة: المزين هو الشيطان، وهذا ظاهر قول الحسن بن أبي الحسن، فإنه قال من زينها؟ ما أحد أشد لها ذماً من خالقها.

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وإذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر، وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضح لمعاصري محمد عليه السلام من اليهود وغيرهم....

    شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ }: العامةُ على " شَهِدَ " فعلاً ماضياً مبنياً للفاعلِ، والجلالةُ الكريمةُ رفعٌ بهِ. وقرأ أبو الشعثاء: " شُهِدَ " مبيناً للمفعول، والجلالةُ المعظمةُ قائمةٌ مقامَ الفاعلِ، وعلى هذه القراءةِ، فيكونُ { أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } في محلِّ رفع بدلاً من اسمِ اللهِ تعالى بدلَ اشتمالٍ، تقديرهُ: شَهِدَ وحدانيةَ اللهِ وألوهيتَه، ولمَّا كان المعنى على هذه القراءةِ كذا أَشْكَل عَطْفُ { وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } على الجلالةِ الكريمة، فَخُرِّج ذلك على عَدَمِ العطف، بل: إمَّا على الابتداءِ والخبرُ محذوفٌ لدلالةِ الكلامِ عليه تقديرُه: والملائكةُ وأولو العلمِ يَشهدون بذلك، يَدُلُّ عليه قولُه تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ } ، وإمَّا على الفاعليةِ بإضمارِ محذوفٍ، تقديرُه: وشَهِدَ الملائكةُ وأولو العلم بذلك، وهو قريبٌ من قولهِ تعالى: { يُسَبَّح لَهُ فِيهَا بِٱلْغَدوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ } [النور: 36] في قراءةِ مَنْ بناه للمفعول، وقوله:
    1201ـ لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ..........................
    في أحد الوجهين.

    وقرأ أبو المهلب عمُّ محارب بن دثار: " شهداءَ الله " جمعاً على فُعَلاء كظُرَفاء منصوباً، ورُوي عنه وعن أبي نُهَيْك كذلك، إلا أنه مرفوع، وفي كِلتا القراءتين مضافٌ للجلالة. فأمَّا النصبُ فعلى الحال، وصاحبُها هو الضميرُ المستتر في " المستغفرين " قاله ابن جني، وتَبِعَه غيرُه كالزمخشري وأبي البقاء. وأمَّا الرفعُ فعلى إضمارِ مبتدأ، أي: هم شهداءُ الله. و " شهداء " يَحْتمل أن يكونَ جمع شاهر كشاعِر وشُعَراء، وأَنْ يكونَ جمعَ شهيد كظريف وظُرَفاء.

    وقرأ أبو المهلب أيضاً في رواية: " شُهُداً اللهَ " بضم الشين والهاء والتنوين ونصبِ الجلالةِ المعظمةِ، وهو منصوبٌ على الحالِ، جمع شهيد نحو: نَذِير ونُذُر، واسمُ اللهِ منصوبٌ على التعظيم أي: يَشْهدون اللهَ أي: وحدانيتَه.

    ورَوى النقاش أنه قُرىء كذلك، إلا أنه قال: " برفعِ الدال ونصبها " والإِضافةُ للجلالةِ المعظمة. فالنصبُ والرفعُ على ما تقدَّم في " شهداء " ، وأما الإِضافةُ فتحتملُ أنْ تكونَ محضةً، بمعنى أنك عَرَّفْتهم بإضافتِهم إليه من غير تَعَرُّضٍ لحدوثِ فِعْلٍ، كقولك: عباد الله، وأَنْ تكونَ مِنْ نصبٍ كالقراءةِ قبلَها فتكونَ غيرَ محضةٍ. وقد نقل الزمخشري أنه قُرىء: " شُهَداء لله " جَمْعاً على فُعَلاء وزيادةِ لامِ جر داخلةً على اسمِ اللهِ، وفي الهمزةِ الرفعُ والنصبُ وخَرَّجهما على ما تقدَّم من الحالِ والخبر.

    وعلى هذه القراءاتِ كلِّها ففي رفعِ " الملائكة " وما بعدَها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها الابتداءُ/ والخبرُ محذوفٌ. والثاني: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ وقد تَقدَّم تحريرُها. الثالث ـ ذَكَره الزمخشري ـ: وهو النسقُ على الضمير المستكنِّ في " شهداء الله " قال: " وجاز ذلك لوقوعِ الفاصلِ بينهما ".

    قوله: " أنه " العامَّةُ على فتحِ الهمزةِ، وإنما فُتِحَتْ لأنها على حَذْفِ حرفِ، الجر، أي: شَهِدَ الله بأنه لا إله إلا هو، فَلَّما حُذِفَ الحرفُ جازَ أن يكونَ محلُّها نصباً وأن يكونَ محلُّها جَرَّاً كما تقدَّم تقديره.


    وقرأ ابن عباس: " إنه " بكسرِ الهمزةِ، وفيها تخريجان، أحدُهما: إجراءُ " شَهِدَ " مُجْرى القولِ لأنه بمعناه، وكذَا وقَعَ في التفسير: شَهِد الله أي: قال الله، ويؤيِّده ما نَقَله المؤرِّج أن " شَهِد " بمعنى " قال " لغةُ قيس بن عيلان. والثاني: أنها جملةُ اعتراضٍ بين العامل ـ وهو شهد ـ وبين معمولهِ ـ وهو قولُه { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } ، وجازَ ذلك لِما في هذه الجملةِ من التأكيدِ وتقويةِ المعنى، وهذا إنما يتجه على قراءةِ فَتْحِ " أَنَّ " من " أنَّ الدينَ " ، وأمَّا على قراءةِ الكسرِ فلا يجوزُ، فيتعيَّنُ الوجهُ الأولُ.

    والضميرُ في " أنه " يَحْتمل العَوْدَ على الباري لتقدُّمِ ذكرهِ، ويَحْتمل أن يكونَ ضميرَ الأمر، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ عبد الله: { شَهِدَ الله أَنْ لا إلهَ إلا هو } فأَنْ مخففةٌ في هذه القراءةِ، والمخففةُ لا تعملُ إلاَّ في ضميرِ الشأنِ ويُحْذَفُ حينئذٍ، ولا تَعْمَلُ في غيرِه إلا ضرورةً..

    { إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ }: قرأ الكسائي بفتحِ الهمزةِ والباقون بكسرِها. فأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فعلى الاستئنافِ، وهي مؤكدةٌ للجملة الأولى: قال الزمخشري: " فإنْ قلت: ما فائدةُ هذا التوكيدِ؟ قلتْ: فائدتُهُ أنَّ قولَه: " لا إله إلا هو " توحيدٌ، وقولَه: " قائماً بالقِسْطِ " تعديلٌ، فإذا أَردْفه قولَه: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } فقد آذن أن الإِسلام هو العدلُ والتوحيد، وهو الدينُ عند الله، وماعداه فليس في شيء من الدين عنده ".

    وأمَّا قراءةُ الكسائي ففيها أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ من " أنه لا إله إلا هو " على قراءةِ الجمهور في " أنه لا إله إلا هو " وفيه وجهان، أحدهما: أنه من بدلِ الشيءِ من الشيء، وذلك أنَّ الدين الذي هو الإِسلام يتضمَّنُ العدْلَ والتوحيدَ وهو هو في المعنى. والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ لأنَّ الإِسلامَ يشتمِلُ على التوحيدِ والعَدْلِ.

    الثاني من الأوجه السابقة أن يكونَ " أنَّ الدين " بدلاً من قوله " قائماً بالقسط " ثم لك اعتباران، أحدُهما: أَنْ تَجْعَله بدلاً من لفظِهِ فيكونُ محلُّ " أنَّ الدين " الجرَّ. والثاني: أن تجعلَه بدلاً مِنْ مَوْضِعِه فيكونُ محلُّها نصباً. وهذا الثاني لا حاجةَ إليه وإن كان أبو البقاء ذكره، وإنما صَحَّ البدلُ في المعنى؛ لأنَّ الدينَ الذي هو الإِسلامُ قِسْطٌ وعَدْلٌ، فيكونُ أيضاً من بدلِ الشيءِ من الشيء، وهما لعينٍ واحدةٍ/. ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلَ اشتمال لأنَّ الدينَ مشتملٌ على القسطِ وهو العدلُ. وهذه التخاريجُ لأبي علي الفارسي، وتَبِعَهُ الزمخشري في بَعْضِها. قال الشيخ: " وأبو علي معتزلي فلذلِكَ يشتمل كلامُه على لفظِ المعتزلةِ من العدلِ والتوحيد " قلت: ومَنْ يرغَبُ عن التوحيدِ والعدلِ من أهلِ السنةِ حتى يَخُصَّ به المعتزلَة؟ وإنما رأى في كلامِ الزمخشري هذه الألفاظَ كثيراً، وهو عنده معتزليٌّ، فَمَن تَكَلَّم بالتوحيدِ والعَدْلِ كان عندَه معتزلياً.

    ثم قال: " وعلى البدل من " أنه " خَرَّجه هو وغيرُه، وليس بجيد لأنه يُؤَدِّي إلى تركيبٍ بعيدٍ أَنْ يأتيَ مثلُه في كلامِ العربِ وهو: " عَرَف زيدٌ أنه لا شجاعَ إلا هو وبنو دارم ملاقياً للحروب لا شجاع إلا هو البطل الحامي أنَّ الخَصْلَةَ الحميدةَ هي البسالةُ " وتقريبُ هذا المثال: " ضرب زيدٌ عائشةً والعُمَران حَنِقاً أختَك " فَحَنِقاً حالٌ من زيد، وأختَك بدلٌ من عائشةً، ففصل بين البدلِ والمبدلِ منه بالعطفِ، وهو لا يجوزُ، وبالحالِ لغيرِ المُبْدَلِ منه، وهو لا يجوزُ، لأنه فُصِلَ بأجنبي بين المُبْدَلِ منه والبدل " انتهى.....


    الثالث من الأوجه: أَنْ يكونَ " أنَّ الدينَ " معطوفاً على " أنه لا إله إلا هو " ، حُذِفَ منه حرفُ العطفِ، قاله ابن جرير، وضَعَّفَهُ ابنُ عطيَّة، ولم يبيِّن وجهَ ضَعْفِهِ.

    قال الشيخ: " وَجْهُ ضَعفِهِ أنه متنافِرُ التركيب مع إضمارِ حرفِ العطفِ، فَيُفْصَلُ بين المتعاطِفَيْنِ المرفوعَيْن بالمنصوبِ المفعولِ، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوعِ وبجملتي الاعتراضِ، وصار في التركيبِ نظيرَ قولِك: " أكل زيدٌ خبزاً وعمروُ سمكاً " يعني فَفَصْلتَ بين " زيد " وبين " عمر " بـ " خبزاً " ، وفصلْتَ بين " خبزاً " وبين " سمكاً " بعمرٍو، إذ الأصلُ قبل الفصل: " أكل زيدٌ وعمر خبزاً وسمكاً ".

    الرابعُ: أَنْ يكونَ معمولاً لقولِهِ: " شهِدَ الله " أي: شَهِدَ الله بأنَّ الدينَ، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ جازَ أَنْ يَحْكُمَ على موضِعِه بالنصب أو بالجرِّ. فإنْ قلت: إنما يتجهُ هذا التخريجُ على قراءةِ ابن عباس، وهي كسرُ إنَّ الأولى، وتكون حينئذٍ الجملةُ اعتراضاً بين " شَهِدَ " وبين معمولِهِ كما قَدَّمْتُهُ، وأمَّا على قراءةِ فَتْحِ " أنَّ " الأولى، وهي قراءةُ العامة فلا يَتَجِهُ ما ذكرْتُهُ من التخريج، لأن الأولى معمولةٌ له استَغْنَى بها. فالجوابُ: أنَّ ذلك متجهٌ أيضاً مع فتحِ الأولى وهو أَنْ تَجْعَلَ الأولى على حَذْفِ لامِ العلة، تقديرُهُ: شهد الله أنَّ الدين عندَ اللهِ الإِسلامُ لأنه لا إله إلا هو، وكان يَحِيك في نفسي هذا التخريجُ مدةً، ولم أَرَهم ذكروه حتى رأيتُ الواحديَّ ذَكَرَه، وقال: " وهذا معنى قول الفراء حيث يقولُ في الاحتجاجِ للكسائي: " إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " أنه " على الشرطِ، وجَعَلْتَ الشهادةَ واقعةً على قولِهِ: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } وتكونُ " أنَّ " الأولى يصلُح فيه الخَفْضُ كقولِك: " شهد اللهُ لوحدانيتِهِ أنَّ الدينَ عن اللهِ الإسلامُ ".

    وهو كلامٌ مُشْكِلٌ في نفسِهِ، ومعنى قولِهِ: " على الشرط " أي: العلة، سَمَّى العلةَ شرطاً لأنَّ المشروطَ متوقفٌ عليه كتوقُّفِ المعلولِ على علتِهِ، فهو علَّةٌ، إلا أنه خلافُ اصطلاحِ النحويين.

    ثم اعترَضَ الواحديُّ على هذا التخريجِ بأنه لو كانَ كذلك لم يَحْسُنْ إعادةُ اسمِ الله ولكانَ التركيبُ { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } ، لان الاسمَ قد سَبَقَ فالوجهُ الكنايةُ، ثم أجاب بأنَّ العربَ ربما أعادت الاسمَ موضعَ الكناية وأنشد:
    1206ـ لا أَرَى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا
    يعني أنه من بابِ إيقاعِ الظاهِرِ موقعَ المضمرِ، ويزيدُهُ هنا حُسْناً أنه في/ موضِعِ تعظيمٍ وتفخيمٍ.

    الخامس: أَنْ تكونَ على حَذْفِ حرفِ الجر معمولةً لِلَفْظِ " الحكيم " كأنه قيل: الحكيم بأن، أي: الحاكم بأن، فحكيم مثالُ مبالغةُ مُحَوَّلٌ من فاعِل، فهو كالعليم والخبير والبصير، أي: المبالِغُ في هذه الأوصاف، وإنما عَدَلَ عن لفظ " حاكم " إلى " حكيم " مع زيادةِ المبالغة لموافقةِ العزيز. ومعنى المبالغةِ تكرارُ حكمهِ بالنسبة إلى الشرائع أنَّ الدين عند الله هو الإِسلام، أو حَكَمَ في كلِّ شريعة بذلك. وهذا الوجهُ ذكره الشيخ وكأنه من تخريجه ثم قال: " فإن قلت: لِمَ حَمَلْتَ الحكيم على أنه مُحَوَّلٌ من فاعل إلى فعيل للمبالغة، وهلاَّ جَعَلْتَه فعيلاً بمعنى مُفْعِل، فيكون بمعنى مُحْكِم، كما قالوا: أليم بمعنى مُؤْلِم وسميع بمعنى مُسْمِع من قولِ الشاعر:
    1207ـ أَمِنْ ريحانَةَ الداعي السميعُ .......................
    فالجوابُ أَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ فعيلاً بمعنى مُفْعِل، وقد يُؤَوَّل أليمِ وسميع علىغير مُفْعِل، ولئن سَلَّمْنَا ذلك فهو من النُّدورِ والشذوذ بحيث لا يَنْقَاسُ، بخلاف فَعيل مُحَوَّلٌ من فاعِل فإنه كثيرٌ جداً خارجٌ عن الحصرِ كعليم فإنَّ العربيَّ القُحَّ الباقي على سَجِيَّتِهِ لم يَفْهَمْ عن " حكيم " إلا أنه مُحَوَّلٌ من فاعل للمبالغةِ، ألا ترى أنه لَمَّا سَمِعَ قارئاً يقرأ: " والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيدَيهما جزاءً بما كَسَبَا نكالاً من الله والله غفور رحيم " أنكر أن تكونَ فاصلةُ هذا التركيبِ السابقِ: " والله غفور رحيم " فقيل له: التلاوةُ: " والله عزيز حكيم " ، فقال: هكذا يكون: عَزَّ فحكم فقطع " فَفَهِمَ من حكيم أنه محولٌ للمبالغة السالفة من " حاكم " ، وفَهْمُ هذا العربي حجةٌ قاطعةٌ بما قلناه، وهذا تخريجٌ سهل سائغُ جداً، يُزيل تلك التكلفاتِ والتركيباتِ العَقِدَةَ التي يُنَزَّه كتابُ الله عنها.

    وأمَّا على قراءة ابنِ عباس فكذلك نقول، ولا نجعل " أنَّ الدين " معمولاً لـ " شهد " كما زَعَمُوا وأن " إنه لا إله إلا هو " اعتراضٌ ـ يعني بين الحال وصاحبها وبين " شهد " ومعمولِهِ، وسيأتي إيضاحُ ذلك ـ بل نقولُ: معمولُ " شَهِدَ " هو " إنه " بالكسرِ على تخريجِ مَنْ خَرَّجَ أنَّ " شهد " لَمَّا كان بمعنى القولِ كُسِرَ ما بعدَه إجراءً له مُجْرَى القولِ، أو نقول " إنه " معموله وعُلِّقَتْ، ولم تَدْخُلِ اللامُ في الخبر لأنه منفيٌّ، بخلافِ أَنْ لو كان مثبتاً فإنك تقول: " شهدت إنَّ زيداً لمنطلقٌ " فَتُعَلَّقُ بإنَّ مع وجودِ اللام لأنه لو لم تكن اللامُ لفَتَحْتَ " أنَّ " فقلت: شهدت أنَّ زيداً منطلق، فَمَنْ قرأ بفتح " أنه " فإنه لم يَنْوِ التعليق، ومَنْ كَسَرَ فإنَّه نوى التعليقَ ولم تدْخُل اللامُ في الخبرِ لأنه منفيٌّ كما ذكرنا " انتهى.

    وكان الشيخ ـ لَمَّا ذَكَرَ الفصلَ والاعتراضَ بين كلماتِ هذه الآيةِ ـ قال ما نصه: " وأما قراءةُ ابنِ عباس فَخُرِّجَ على { أنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } هو معمولُ شهد، ويكونُ في الكلامِ اعتراضان أحدُهما: بين المعطوفِ عليه والمعطوفِ، وهو " إنه لا إله إلا هو " ، والثاني: بين المعطوفِ والحالِ وبين المفعولِ لشَهِدَ وهو: " لا إله إلا هو العزيز الحكيم " وإذا أعْرَبنا " العزيز الحكيم " خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ كان ذلك ثلاثةَ اعتراضات. فانظر إلى هذه التوجيهاتِ البعيدةِ التي لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بنظيرِهِنَّ من كلامِ العرب، وإنما حَمَل على ذلك العجمةُ وعدمُ الإِمعانِ في تراكيب كلام العرب وحفظِ أشعارها، وكما أشرنا إليه في خطبة هذا الكتاب أنه لن يكفيَ النحوُ وحدَه في علم الفصيح من كلام العرب، بل لا بُدَّ من الاطلاع على كلامِ العرب والتطبُّع بطبَاعها والاستكثارِ من ذلك ".

    قلت: ونسبتُه كلامَ أعلامِ الأمة إلى العُجْمَةِ وعَدَمِ معرفتِهِم بكلام العرب وحَمْلُهم كلامَ الله على ما لا يجوز، وأنَّ هذا الوجه الذي ذكره هو تخريجُ سهل واضح غير مقبولةٍ ولا مُسَلَّمةٍ، بل المتبادرُ إلى الذهن ما نقله الناس، وتلك الاعتراضاتُ بين أثناء كلماتِ الآية الكريمة موجودٌ نظيرُها في كلامِ العرب، وكيف يَجْهل الفارسي والزمخشري والفراء وأضرابُهم ذلك، وكيف يتبَجَّح باطِّلاعه على ما لم يَطَّلِعْ عليه مثلُ هؤلاء، وكيف يَظُّنُّ بالزمخشري أنه لا يعرِفُ مواقعَ النَّظْم وهو المُسَلَّمُ له في علم المعاني والبيان والبديع، ولا يشك أحد أنه لا بد لمَنْ يتعرَّض إلى علم التفسير أن يعرف جملةً صالحةً/ من هذه العلوم، وانظر إلى ما حكى صاحب " الكشاف " في خطبته عن الجاحظ وما ذَكَرَهُ في حقِّ الجاهل بهذه العلومِ، ولكن الشيخَ يُنْكِرُ ذلك ويَدَّعِي أنه لا يُحْتَاجُ إلى هذه العلومِ البتة، فَمِنْ ثَمَّ صدر ما ذكرته عنه.

  8. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة السادسة والخمسون

    قال ابن عطية

    { بغير حق } مبالغة في التحرير للذنب إذ في الإمكان أن يقتضي ذلك أمر الله تعالى بوجه ما من تكرمة نبي أوغير ذلك، وعلى هذا المعنى تجيء أفعل من كذا إذا كان فيها شياع مثل أحب وخير وأفضل ونحوه مقولة من شيئين ظاهرهما الاشتراك بينهما.

    وقرأ جمهور الناس: " ويقتلون الذين " وقرأ حمزة وجماعة من غير السبعة " ويقاتلون الذين " وفي مصحف ابن مسعود " وقاتلوا الذين " ، وقرأها الأعمش، وكلها متوجهة وأبينها قراءة الجمهور، ..

    وقرأ جمهور الناس " ليَحكم " بفتح الياء أي ليحكم الكتاب، وقرأ الحسن وأبو جعفر وعاصم الجحدري " ليُحكم " بضم الياء وبناء الفعل للمفعول...

    وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر:الميْت " بسكون الياء في جميع القرآن، وروى حفص عن عاصم " من الميّت " بتشديد الياء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي " الميّت " بتشديد الياء في هذه الآية، وفي قوله:
    { لبلد ميت }
    [الأعراف: 57]، و
    { إلى بلد ميت }
    [فاطر:9] وخفف حمزة والكسائي غير هذه الحروف، قال أبو علي: { الميت } هو الأصل والواو التي هي عين منه انقلبت ياء لإدغام الياء فيها وميت التخفيف محذوف منه عينه أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب، والحذف حسن والإتمام حسن وما مات وما لم يمت في هذا الباب يستويان في الاستعمال.

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وذهب قوم إلى أن " الميْت " بالتخفيف إنما يستعمل فيما قد مات، وأما " الميّت " بالتشديد فيستعمل فيما مات وفيما لم يمت بعد....

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } هو على قراءة من قرأ «وضعتُ» بضم التاء من جملة كلامها؛ فالكلام متّصل. وهي قراءة أبي بكر وظ±بن عامر، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له (أن يخفى عليه شيء)، ولم تقله على طريق الإخبار لأن علم الله في كل شيء قد تقرّر في نفس المؤمن، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قُدّم، وتقديره أن يكون مؤخّراً بعد { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ظ±لشَّيْطَانِ ظ±لرَّجِيمِ } والله أعلم بما وضعت؛ قاله المَهْدوِيّ. وقال مكيّ: هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال: والله أعلم بما وضعت أمّ مريم قالته أو لم تقله. ويقوِّي ذلك أنه لو كان من كلام أُمّ مريم لكان وجه الكلام: وأنت أعلم بما وضعتُ؛ لأنها نادته في أوّل الكلام في قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى.

    ورُوي عن ظ±بن عباس «بما وضعتِ» بكسر التاء، أي قيل لها هذا......

    قوله تعالى: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } أي ضَمها إليه. أبو عبيدة: ضِمن القيام بها. وقرأ الكوفيون «وكفّلها» بالتشديد، فهو يتعدّى إلى مفعولين؛ والتقدير وكفّلها ربُّها زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدّر ذلك عليه ويَسّره له. وفي مصحف أُبَيّ «وأكفلها» والهمزة كالتشديد في التعدّي؛ وأيضاً فإن قَبْله «فتقبلها، وأنبتها» فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها؛ فجاء «كفّلها» بالتشديد على ذلك. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا. فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولّى كفالتها والقيامَ بها؛ بدلالة قوله:
    { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }
    [آل عمران: 440]. قال مَكِّيّ: وهو الاختيار؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف، لأن الله تعالى إذا كفّلها زكريا كفَلها بأمر الله، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته؛ فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كَثِير وأبي عبد الله المُزَنِي «وكَفِلها» بكسر الفاء. قال الأخفش: يقال كَفَلَ يَكْفُلُ وكَفِلَ يَكْفَلُ ولم أسمع كَفُلَ، وقد ذُكِرت. وقرأ مجاهد «فتقبّلْها» بإسكان اللام على المسألة والطلب. «رَبّها» بالنصب نداء مضاف. «وأنبتْها» بإسكان التاء «وكفلْها» بإسكان اللام «زكرياء» بالمدّ والنصب. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «زكريا» بغير مد ولا همز، ومدّه الباقون وَهَمزوه. وقال الفَرّاء: أهل الحجاز يمدّون «زكرياء» ويُقْصرونه، وأهل نَجْد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون: زكريٌّ.

    وقال السمين

    وقوله: { وَكَفَّلَهَا } قرأ الكوفيون: " وكَفَّلَها " بتشديد العين، " زكريا " بالقصر، إلا أبا بكر فإنه قرأه بالمدِّ كالباقين، ولكنه يَنْصِبُه، والباقون يرفعونه كما سيأتي.

    وقرأ مجاهد: " فتقبَّلْها " بسكون اللام، " ربَّها " منصوباً، و " أنبِتها " بكسر الباء وسكون التاء، و " كَفِّلْها " بكسر الفاء وسكون اللام، وقرأ أُبَيٌّ: " وأَكْفَلَها " كـ " أَكْرَمَها " فعلاً ماضياً.

    وقرأ عبد الله المزني " وكَفِلَها " بكسر الفاء والتخفيف.

    فأمَّا قراءةُ الكوفيين فإنهم عَدَّوا الفعلَ بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما " زكريا " فَمَنْ قَصَره كالأخوين وحفص عنده مقدَّر النصبِ، ومن مدَّه كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة، وهكذا قَرَأْتُه.

    وأمَّا قراءة بقية السبعة فَكَفَلَ مخففٌ عندهم متعدٍّ لواحد وهو ضمير مريم، وفاعله " زكريا " ، ولا مخالفةَ بين القراءتين؛ لأنَّ الله لَمَّا كَفَّلها إياه كَفَلها، وهو في قراءتهم ممدودٌ مرفوعٌ بالفاعلية.

    وأمَّا قراءةُ " أَكْفَلَها " فإنه عَدَّاه بالهمزة كما عَدَّاه غيرُه بالتضعيف نحو: خَرَّجْته/ وأَخْرجته، وكَرَّمته وأَكْرمته، وهذه كقراءة الكوفيين في المعنى والإِعراب، فإنَّ الفاعل هو الله تعالى، والمفعولُ الأول هو ضمير مريم والثاني هو " زكريا ".

    وأمَّا قراءة: " وكَفِلها " بكسر الفاء فإنها لغةٌ في كَفَلَ، يقال: كَفَلَ يَكْفُل، كَقَتَل يقتُل، وهي الفاشية، وكَفِلَ يَكْفَلَ كَعلِمَ يَعْلَم، وعليها هذه القراءة، وإعرابُها كإعرابِ قراءةِ الجماعة في كون " زكريا " فاعلاً.

    وأَمَّا قراءةُ مجاهد فإنها كلَّها على لفظِ الدعاءِ مِنْ أُمِّ مريم لله تعالى بأَنْ يفعلَ لها ما سألته. و " ربَّها " منصوب على النداء أي: فتقبَّلْها يا ربَّها وأَنْبِتْها وكَفِّلْها يا ربَّها. و " زكريا " في هذه القراءةِ مفعولٌ ثانٍ أيضاً كقراءةِ الكوفيين.....


    قولُه تعالى: { فَنَادَتْهُ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةُ }: قرأ الأخَوان: " فناداه " من غيرِ تاء تأنيث، والباقون: " فنادَتْه " بتاء التأنيث. والتذكيرُ والتأنيث باعتبار الجمع المكسر، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكيرُ باعتبار الجمع، والتأنيثُ باعتبار الجماعة، ومثل هذا:
    { إِذْ يَتَوَفَّى ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةُ }
    [الأنفال: 50] يُقرأ بالتاء والياء، وكذا قوله:
    { تَعْرُجُ ظ±لْمَلاَئِكَةُ }
    [المعارج: 4]. قال الزجاج: " يَلْحقها التأنيثُ للفظ الجماعة، ويجوزُ أَنْ يُعَبِّر عنها بلفظ التذكير لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله:
    { وَقَالَ نِسْوَةٌ }
    [يوسف: 30] انتهى وإنما حَسَّنَ الحذفَ هنا الفصلُ بين الفعلِ وفاعِله.

    وقد تَجَرَّأ بعضُهم على قراءة العامة فقال: " أكرهُ التأنيث لِمَا فيه من مو-افقة دعوى الجاهلية؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث. وتجرَّأ/ أبو البقاء على قراءة الأخوين فقال: " وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة الجاهلية، فلذلك قرأ مَنْ قرأ: " فناداه " بغير تاءٍ، والقراءةُ به غيرُ جيدة لأنَّ الملائكةَ جمعٌ، وما اعتلُّوا به ليس بشيء، لأنَّ الإِجماع على إثبات التاء في قوله:
    { وَإِذْ قَالَتِ ظ±لْمَلاَئِكَةُ }
    [آل عمران: 42]. وهذان القولان الصادران من أبي البقاء وغيرِه ليسا بجيدين، لأنهما قراءتان متواترتان، فلا ينبغي أن تُرَدَّ إحداهما البتة.

    والأخَوان على أصلِهما مِنْ إمالةِ " فناداه " ، والرسمُ يَحتمل القراءتين معاً أعني التذكيرَ والتأنيثَ.

    والجمهورُ على أنَّ الملائكةَ المرادُ بهم واحدٌ وهو جبريلُ. قال الزجاج: " أتاه النداء من هذا الجِنس الذين هم الملائكةُ كقولِك: " فلان يركب السفنَ " أي: هذا الجنسَ " ومثلُه:
    { ظ±لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ظ±لنَّاسُ }
    [آل عمران: 173] وهم نعيم بن مسعود. وقوله " إنَّ الناس " يعني أبا سفيان، ولَمَّا كان جبريل رئيسَ الملائكة أَخْبَرَ عنه إخبارَ الجماعة تعظيماً له. وقيل: " الرئيس لا بُدَّ له من أتباع، فلذلك أَخْبَر عنه وعنهم، وإنْ كان النداءُ إنما صدر منه " ، ويؤيِّدُ كونَ المنادى جبريلَ وحدَه قراءةُ عبدِ الله، وكذا في مصحفه: " فناداه جبريل " ، والعطفُ بالفاء في قوله: { فَنَادَتْهُ } مُؤْذِنٌ بأنَّ الدعاء مُعْتَقِبٌ بالتبشير...

  9. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة السابعة والخمسون

    قال ابن عطية

    وقوله تعالى: { إذا قضى } معناه إذا أراد إيجاده، والأمر واحد الأمور وهو مصدر سمي به، والضمير في { له } عائد على الأمر والقول على جهة المخاطبة، قال مكي: وقيل المعنى يقول لأجله، وهذا ينحو إلى ما نورده عن أبي علي بعد، وقرأ جمهور السبعة " فيكونُ " بالرفع، وقرأ ابن عامر وحده " فيكونَ " بالنصب، فوجه الرفع العطف على { يقول } ، أو تقدير فهو يكون، وأما قراءة ابن عامر فغير متجهة لأن الأمر المتقدم خطاب للمقضي وقوله: { فيكون } ، خطاب للمخبر، فليس كقوله قم فأحسن إليك، لكن وجهها أنه راعى الشبه اللفظي في أن تقدم في الكلام لفظ أمر كما قال أبو الحسن الأخفش في نحو قوله تعالى:
    { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة }
    [ابراهيم: 31] أنه مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جواباً في الحقيقة، فكذلك على قراءة ابن عامر يكون قوله، فيكون بمنزلة جواب الأمر وإن لم يكن جواباً، وذهب أبو علي في هذه المسألة إلى أن القول فيها ليس بالمخاطبة المحضة، وإنما هو قول مجازي كما قال: امتلأ الحوض وقال قطني وغير ذلك، قال: لأن المنتفي ليس بكائن فلا يخاطب كما لا يؤمر، وإنما المعنى فإنما يكونه فهو يكون، فهذه نزعة اعتزالية غفر الله له...

    { وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِى أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ }

    قرأ نافع وعاصم " ويعلمه " بالياء، وذلك عطف على
    { يبشرك بكلمة }
    [آل عمران: 45] كذا قال أبو علي: ويحتمل أن يكون في موضع الحال عطفاً على
    { ويكلم }
    [آل عمران: 46]، وقرأ الباقون، و " نعلمه " بالنون، وهي مثل قراءة الياء في المعنى لكن جاءت بنون العظمة، قال الطبري: قراءة الياء عطف على قوله:
    { يخلق ما يشاء }
    [آل عمران: 47]، وقراءة النون عطف على قوله:
    { نوحيه إليك }
    [آل عمران: 43].

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا الذي قاله خطأ في الوجهين مفسد للمعنى....

    وقال السمين

    وقال الطبري: " قراءةُ الياءِ عَطْفٌ على قولِهِ " يَخْلُقُ ما يشاء " ، وقراءةُ النونِ عطفٌ على قولِهِ " نُوحِيهِ إِلَيكَ ". قال ابن عطية: " وهذا القولُ الذي قاله في الوجهين مُفْسِدٌ للمعنى " ولم يبيِّن أو محمد جهةَ إفسادِ المعنى: قال الشيخ: " أمَّا قراءةُ النونِ فظاهِرٌ فسادٌ عطفِهِ على " نُوحيه " من حيثُ اللفظُ ومن حيثُ المعنى: أمَّا من حيث اللفظُ فمثلُه لا يَقْعُ في لسانِ العرب لبُعْدِ الفصلِ المُفْرِطِ وتعقيدِ التركيبِ وتنافرِ الكلامِ، وأمَّا من حيث المعنى فإنَّ المعطوفَ بالواوِ شريكُ المعطوف عليه فيصيرُ المعنى بقوله: { ذظ°لِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ظ±لْغَيْبِ } أي: إخبارُك يا محمد بقصةِ امرأةِ عمران وودلاتِها لمريم وكفالتِها زكريا، وقصتُه في ولادةِ يَحْيى له وتبشيرُ الملائكةِ لمريمَ بالاصطفاءِ والتطهيرِ، كلُّ ذلك مِنْ أخبارِ الغيب نُعَلِّمه، أي: نُعَلِّم عيسى الكتابَ، فهذا كلامٌ لا ينتظم معناه مع معنى ما قبله. وأمَّا قراءةُ الياءِ وعطفُ " ويعلِّمه " على " يَخْلُق " فليست مُفسِدَةً للمعنى، بل هو أَوْلَى وأَصَحُّ ما يُحْمل عليه عَطْفُ " ويُعَلِّمه " لقرب لفظِهِ وصحةِ معناه، وقد ذَكَرْنَا جوازَهُ قبلُ، ويكونُ الله أَخْبَرَ مريمَ بأنه تعالى يَخْلُقُ الأشياءَ الغريبةَ التي لم تَجْرِ العادةُ بمثلِها مثلَ ما خلق لك ولداً من غير أبٍ، وأنه تعالى يُعَلِّم هَذا الولدَ الذي يَخْلُقه ما لم يُعَلِّمه مَنْ قَبْلَه مِن الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل، فيكونُ في هذا الإِخبار أعظمُ تبشيرٍ لها بهذا الولدِ وإظهارٌ لبركته، وأنه ليس مُشْبِهاً أولادَ الناس من بني إسرائيل، بل هو مخالِفٌ لهم في أصلِ النشأةِ، وفيما يُعَلِّمه تعالى من العلمِ، وهذا يَظْهَرُ لي أنه أحسنُ ما يُحْمَلُ عَطْفُ " ويُعَلِّمه ".

    وقال ابن عطية

    وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، " كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائراً " على الإفراد في الموضعين، فالأول اسم الجنس والثاني مفرد، أي يكون طائراً من الطيور، وقرأ نافع وحده، " كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً " بالإفراد في الأخير، وهكذا قرأ في المائدة الباقون " كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً " بالجمع فيهما، وكذلك في سورة المائدة، ومعاني هذه القراءات بينة، ...

    وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: { حرم عليكم } إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى وشرعوه، فكأن عيسى رد أحكام التوراة " إلى حقائقها التي نزلت من عند الله تعالى، وقال عكرمة: " حرم عليكم " بفتح الحاء والراء المشددة، وإسناد الفعل إلى الله تعالى أو إلى موسى عليه السلام، وقرأ الجمهور { وجئتكم بآية } وفي مصحف عبد الله بن مسعود، " وجئتكم بآيات " من ربكم، وقوله تعالى: { فاتقوا الله وأطيعون } تحذير ودعاء إلى الله تعالى.

    وقرأ جمهور الناس { إن الله ربي وربكم } بكسر الألف على استئناف الخبر، وقرأه قوم " أن الله ربي وربكم " بفتح الألف قال الطبري: " إن " بدل من " آية " ، في قوله { جئتكم بآية } ، وفي هذا ضعف وإنما التقدير أطيعون، لأن الله ربي وربكم، أو يكون المعنى، لأن الله ربي وربكم فاعبدوه،......

    وقال السمين

    وقرأ العامة: " سواءٍ " بالجر نعتاً لكلمة بمعنى عدل، ويَدُلُّ عليه قراءةُ عبد الله: " ِإلى كلمة عدل " وهذا تفسيرٌ لا قراءة. و " سواء " في الأصل مصدر، ففي الوصف التأويلاتُ الثلاثة المعروفةَ، ولذلك لم يُؤَنَّث كما لم يُؤَنَّث بـ " امرأة عدل ".

    وقرأ الحسن: " سواء " بالنصبِ وفيها وجهان، أحدهما: نصبُها على المصدر، قال الزمخشري: " بمعنى استوت استواءً " ، وكذا الحوفي. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال، وجاءت الحالُ من النكرة، وقد نَصَّ سيبويه عليه واقتاسه، وكذا قال الشيخ، ولكنَّ المشهورَ غيرُه، والذي حَسَّن مجيئَها من النكرةِ هنا كونُ الوصفِ بالمصدر على خلاف الأصل، والصفة والحال متلاقيان من حيث المعنى، وكأن الشيخ غَضَّ من تخريج الزمخشري والحوفي فقال: " والحالُ والصفة متلاقيان من حيث المعنى، والمصدرُ يحتاج إلى إضمار عامل وإلى تأويل " سواء " بمعنى استواء، والأشهرُ استعمال " سواء " بمعنى اسم الفاعل أي: " مُسْتَوٍ " قلت: وبذلك فَسَّرها ابن عباس فقال: " إلى كلمةٍ مستوية ".

  10. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الثامنة والخمسون

    { وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }

    قال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير وحده بين السبعة " آن يؤتى " بالمد على جهة الاستفهام الذي هو تقرير، وفسر أبو علي قراءة ابن كثير على أن الكلام كله من قول الطائفة، إلا الاعتراض الذي هو: { قل إن الهدى هدى الله } فإنه لا يختلف أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قال: فلا يجوز مع الاستفهام أن يحمل { أن يؤتى } على ما قبله من الفعل، لأن الاستفهام قاطع، فيجوز أن تكون - أن - في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره تصدقون به أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، ونحو هذا مما يدل عليه الكلام ويكون { يحاجوكم } على هذا معطوفاً على { أن يؤتى } قال أبو علي: ويجوز أن يكون موضع - أن - منصوباً، فيكون المعنى: أتشيعون أو أتذكرون { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم }؟ ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم{ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } [البقرة: 76] فعلى كل الوجهين معنى الآية، توبيخ من الأحبار للأتباع على تصديقهم بأن محمداً نبي مبعوث، ويكون قوله تعالى: { أو يحاجوكم } في تأويل نصب أن أي أو تريدون أن يحاجوكم. قال أبو علي: و { أحد } على قراءة ابن كثير هو الذي يدل على الكثرة، وقد منع الاستفهام القاطع من أن يشفع لدخوله النفي الذي في أول الكلام، فلم يبق إلا أن يقدر أن أحداً الذي في قولك، أحد وعشرون وهو يقع في الإيجاب لأنه بمعنى واحد، وجمع ضميره في قوله { أو يحاجوكم } حملاً على المعنى، إذ لأحد المراد بمثل النبوة اتباع، فهو في معنى الكثرة، قال أبو علي: وهذا موضع ينبغي أن ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأن الأسماء المفردة ليس بالمستمر أن تدل على الكثرة.

    قال القاضي: إلا أن أحداً في مثل النبوة يدل عليها من حيث يقتضي الاتباع، وقرأ الأعمش، وشعيب بن أبي حمزة - " إن يؤتى " - بكسر الهمزة بمعنى، لم يعط أحد مثل ما أعطيتم من الكرامة وهذه القراءة يحتمل بمعنى فليحاجوكم، وهذا على التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتي، ويحتمل أن تكون بمعنى، إلا أن يحاجوكم، وهذا على تجويز أن تؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له، فهذا ترتيب التفسير والقراءات على قول من قال: الكلام كله من قول الطائفة.


    وقال السدي وغيره: الكلام كله من قوله { قل إن الهدى هدى الله } ،إلى آخر الآية هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله لأمته، وحكى الزجّاج وغيره أن المعنى: قل إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وحكي عن بعض النحويين أن المعنى: أن لا يؤتى أحداً، وحذفت -لا- لأن في الكلام دليلاً عليها، كما في قوله تعالى:{ يبين الله لكم أن تضلوا } [النساء: 176] أي أن لا تضلوا، وحكي عن أبي العباس المبرد: لا تحذف لا، وإنما المعنى كراهة أن تضلوا، وكذلك هنا كراهة " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " ، أي ممن خالف دين الإسلام، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، فهدى الله بعيد من غير المؤمنين.

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وتبعد من هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتحمل عليه قراءة الأعمش وابن أبي حمزة - إن يؤتى-، بكسر الألف، كأنه عليه السلام يخبر أمته أن الله لا يعطي أحداً ولا أعطى فيما سلف مثل ما أعطى أمة محمد عليه السلام لكونها وسطاً ويكون قوله تعالى: { أو يحاجوكم } على هذه المعاني التي ترتبت في قول السدي، تحتمل معنيين أحدهما " أو فليحاجوكم عند ربكم " ، يعني اليهود، فالمعنى لم يعط أحد مثل حظكم وإلا فليحاجوكم من ادعى سوى ذلك، والمعنى الثاني: أن يكون قوله، { أو يحاجوكم } بمعنى التقرير والإزراء باليهود، كأنه قال: أو هل لهم أن يحاجوكم أو يخاصموكم فيما وهبكم الله وفضلكم به؟ وقوله: { هدى الله } على جميع ما تقدم خبران.

    وقال قتادة والربيع: الكلام من قوله { قل إن الهدى هدى الله } إلى آخر الآية، هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله للطائفة التي قالت { لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } وتتفق مع هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتقدير الخبر المحذوف { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } ، حسدتم وكفرتم، ويكون قوله { أو يحاجوكم } محمولاً على المعنى، كأنه قال: أتحسدون أو تكفرون لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ { أو يحاجوكم } على ما أوتوه فإنه يغلبونكم بالحجة، وأما على قراءة غير ابن كثير بغير المد، فيحتمل أن يكون بمعنى التقرير بغير حرف استفهام، وذلك هو الظاهر من لفظ قتادة فإنه قال: يقول لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم وبعث نبياً مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: { أن يؤتى } بدلاً من قوله { هدى الله } ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن، ويكون قوله { أو يحاجوكم } بمعنى، أو فليحاجوكم، فإنه يغلبونكم، ويحتمل قوله، { أن يؤتى } خبر - " إن " ويكون قوله { هدى الله } بدلاً من الهدى، وهذا في المعنى قريب من الذي قبله، وقال ابن جريج: قوله تعالى: { أن يؤتى } هو من قول محمد صلى الله عليه وسلم لليهود، وتم الكلام في قوله { أوتيتم } وقوله تعالى: { أو يحاجوكم } متصل بقول الطائفة { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ومنه، وهذا القول يفسر معانيه ما تقدم في قول غيره من التقسيم والله المستعان.

    وقرأ ابن مسعود: " أن يحاجوكم " بدل { أو } ، وهذه القراءة تلتئم مع بعض المعاني التي تقدمت ولا تلتئم مع بعضها، وقوله { عند ربكم } يجيء في بعض المعاني على معنى عند ربكم في الآخرة، ويجيء في بعضها على معنى عند كتب ربكم، والعلم الذي جعل في العباد، فأضاف ذلك إلى الرب تشريفاً، وكأن المعنى أو يحاجوكم عند الحق، وقرأ الحسن " إن يؤتى " أحد بكسر الهمزة والتاء، على إسناد الفعل إلى { أحد } ، والمعنى: أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وأظهر ما في القراءة أن يكون خطاباً من محمد عليه السلام لأمته، والمفعول محذوف تقديره إن يؤتي أحد أحداً.

    وقال السمين

    ...

    الثالث: أَنْ يكونَ " أَنْ يُؤْتَى " مجروراً بحرفِ العلة وهو اللام، والمُعَلَّلُ محذوفٌ تقديرُه: لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرتموه، لا لشيء آخرَ، وعلى هذا يكونُ كلامُ الطائفةِ قد تَمَّ عند قوله { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ، ولنوضَّحْ هذا الوجه بما قاله الزمخشري. قال رحمه الله: " أو تمَّ الكلامُ عند قوله: { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ، على معنى: ولا تُؤمِنُوا هذا الإِيمانَ الظاهرَ وهو إيمانهم وجهَ النهار إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم، إلا لِمَنْ كانوا تابِعين لديِنكم مِمَّنْ أسلموا منكم، لأنَّ رجوعَهم كانَ أَرْجَى عندهم مِنْ رُجُوعِ مَنْ سِواهم، ولأنَّ إسلامَهم كان أغيظَ لهم، وقوله: { أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ } معناه: لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرْتموه لا لشيء آخر، يَعْني أن ما بكم من الحسد والبغي أَنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم ما قلتم، والدليلُ عليه قراءة ابن كثير: " أَأَن يُؤْتَى أحد " بزيادةِ همزةِ الاستفهام للتقرير والتوبيخ بمعنى: ألأنْ يُؤْتَى أحدٌ؟ فإن قلت: فما معنى قوله " أو يُحاجُّوكم " على هذا؟ قلت: معناه دَبَّرْتُم ما دَبَّرْتُم لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلُ ما أُوتيتم ولِمَا يتصلُ به عند كُفْرِكُم به مِنْ مُحَاجَّتِهم لكم عند رَبِّكم "....

    وقرأ الحسن: " أَنْ يُؤْتى أحدٌ " على بناءِ الفعل للفاعل. ولَمَّا نقل هذه القراءةَ بعضُهم لم يتعرَّض لـ " ان " بفتحٍ ولا كسرٍ كأبي البقاء، وتعرَّض لها بعضُهم فقيَّدها بكسرِ " إنْ " وفسَّرها بـ " إنْ " النافية، والظاهر في معناها أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وهي خطابٌ من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، والمفعولُ محذوف تقديره: إنْ يؤتي أحدٌ أحداً مثلَ ما أوتيتم، فحُذِفَ المفعولُ الأولُ وهو " أحداً " لدلالة المعنى عليه، وأُبْقِيَ الثاني. وهذا ما تلخَّص مِنْ كلام الناس في هذه الآية مع اختلافه ولله الحمد. قال الواحدي: " وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبهِ تفسيراً، ولقد تدبَّرْتُ أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أَجِدْ قولاً يَطَّرِدُ في هذه الآية من أولِها إلى آخِرها مع بيان المعنى وصحة النظم....

    ملحوظة

    صدق السمين هذه الاية واية المائدة اصعب ايات القرآن فهما وتفسيرا

  11. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة التاسعة والخمسون

    { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } * { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " تعْلمون " بسكون العين، وتخفيف اللام، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي " تُعلِّمون " مثقلاً، بضم التاء وكسر اللام، وهذا على تعدية الفعل بالتضعيف، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، تقديره: تعلمون الناس الكتاب.

    قال الفقيه الإمام: والقراءتان متقاربتا المعنى، وقد رجحت قراءة التخفيف بتخفيفهم { تدرسون } وبأن العلم هو العلة التي توجب للموفق من الناس أن يكون ربانياً، وليس التعليم شرطاً في ذلك، ورجحت الأخرى بأن التعليم يتضمن العلم، والعلم لا يتضمن التعليم، فتجيء قراءة التثقيل أبلغ في المدح....

    قال الرازى

    قرأ عاصم وحمزة وابن عامر { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بنصب الراء، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على { ثُمَّ يَقُولُ } وفيه وجهان أحدهما: أن تجعل { لا } مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني: أن تجعل { لا } غير مزيدة، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا: أتريد أن نتخذك رباً؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ { وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ }....

    وقال السمين

    وتابع الزمخشريُّ الطبريَّ في عطف " يَأْمركم " على " يقول " وجَوَّز في " لا " الداخلةِ عليه وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ لتأسيس النفي، والثاني: أنها مزيدةٌ لتأكيده، فقال: " وقُرىء " ولا يأمركم " بالنصب عطفاً على " ثم يقول " ، وفيه وجهان، أحدهما: أَنْ تَجْعَلَ " لا " مزيدةً لتأكيد معنى النفي في قوله: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصِّبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وتركِ الأندادِ، ثم يأمرَ الناسَ بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً كقولك: ما كان لزيدٍ أن أكرمه ثم يهينَني ولا يستَخِفَّ بي. والثاني: أن تَجْعَلَ " لا " غيرَ مزيدة، والمعنى: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً على عبادةِ الملائكة، واليهودَ والنصارى عن عبادةِ عُزير والمسيح، فلمَّا قالوا له: أَنتخذك رَبّاً قيل لهم: ما كان لبشَر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء ". قلت: وهذا الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلا تقديري كونِ " لا " لتأسيسِ النفي أو تأكيدِهِ، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهر والحمد لله صحة كلام الطبري بكلام أبي القاسم الزمخشري وظهر أن ردَّ ابن عطيةَ عليه مردود.

  12. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الستون

    { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة: " لما " بكسر اللام، وهي لام الجر، والتقدير لأجل ما آتيناكم، إذ أنتم القادة والرؤوس، ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه، و " ما " في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة، والعائد إليها من الصلة تقديره آتيناكموه، و " من " لبيان الجنس، وقوله، { ثم جاءكم } الآية، جملة معطوفة على الصلة، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول، فتقديره عند سيبويه: رسول به مصدق لما معكم، وحذف تخفيفاً كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول الكلام، كما قال تعالى:{ أهذا الذي بعث الله رسولاً } [الفرقان: 41] والحذف من الصلات كثير جميل، وأما أبو الحسن الأخفش، فقال قوله تعالى: { لما معكم }. هو العائد عنده على الموصول، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه، وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى:{ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [يوسف: 90] لأن المعنى لا يضيع أجرهم، إذ المحسنون هم من يتقي ويصبر، وكذلك قوله تعالى:{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } [الكهف: 30] وكذلك ما ضارع هذه الآيات، وسيبويه رحمه الله لا يرى أن يضع المظهر موقع المضمر، كما يراه أبو الحسن، واللام في { لتؤمِننَّ } ، هي اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز.

    وقرأ سائر السبعة: " لَما " بفتح اللام، وذلك يتخرج على وجهين، أحدهما أن تكون " ما " موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام لام الابتداء، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق } وخبر الابتداء قوله { لتؤمنن } ، و { لتؤمنن } متعلق بقسم محذوف، والمعنى والله لتؤمنن، هكذا قال أبو علي الفارسي، وفيه من جهة المعنى نظر، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيداً فتأمل، والعائد الذي في الصلة، والعائد الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرناهما في قراءة حمزة، أما أن هذا التأويل يقتضي عائداً من الخبر الذي هو { لتؤمنن } فهو قوله تعالى: { به } فالهاء من { به } عائدة على " ما " ، ولا يجوز أن تعود على { رسول } فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر، والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء " لما " بفتح اللام، هو أن تكون " ما " للجزاء شرطاً، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم و { جاءكم } معطوف في موضع جزم، واللام الداخلة على " ما " ليست المتلقية للقسم، ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى:

    لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } [الأحزاب: 60] لانها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله: { لتؤمِننَّ } وهذه اللام الداخلة على " أن " لا يعتمد القسم عليها، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة، كما قال تعالى:{ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } [المائدة: 73]. قال الزجاج: لأن قولك، والله لئن جئتني لأكرمنك، إنما حلف على فعلك، لأن الشرط معلق به، فلذلك دخلت اللام على الشرط، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد.

    والضمير في قوله تعالى: { لتؤمِننَّ به } عائد على { رسول } ، وكذلك هو على قراءة من كسر اللام، وأما الضمير في قوله { ولَتنصرنَه } فلا يحتمل بوجه إلا العود على رسول، قال أبو علي في الإغفال: وجزاء الشرط محذوف بدلالة قوله { لتؤمنن } عليه، قال سيبويه: سألته، يعني الخليل عن قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم } فقال: " ما " هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن، حين قلت: لئن فعلت لأفعلن، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي: أراد الخليل بقوله: هي بمنزلة الذي، أنها اسم كما أن الذي اسم ولَم يرد أنها موصولة كالذي، وإنما فرّ من أن تكون " ما " حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله تعالى:{ وإن كلاًّ لما ليوفينهم ربك أعمالهم } [هود: 111] وفي قوله{ وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } [الزخرف: 35]، والله المستعان، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه والخليل: أن خبر الابتداء فيمن جعل " ما " ابتداء على قراءة من فتح اللام هو في قوله: { من كتاب وحكمة } ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا يليق بسيبويه، والخليل، وإنما الخبر في قوله، { لتؤمنن } كما قال أبو علي الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره،

    وقرأ الحسن: " لمّا آتيناكم " بفتح اللام وشدها قال أبو إسحاق: أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء، كما تقول لما جئتني أكرمتك.

    وقال السمين

    مِيثَاقَ } يجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله أو لمفعوله. وفي مصحف أُبي وعبد الله وقراءاتِهما: " ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب " مثلَ ما آخر السورة، وعن مجاهد بن جبر كذلك، وقال: " أخطأ الكاتب " وهذا خطأٌ من قائله كائناً مَنْ كان، ولا أظنُّه يصِحُّ عن مجاهد، وفإنه قرأ عليه مثلُ ابنِ كثير وأبي عمرو ابن العلاء، ولم ينقلْ واحدٌ منهما عنه شيئاً من ذلك.

    والمعنى على القراءةِ الشهيرة صحيحٌ، وقد ذَكَر الناسُ فيها أوجهاً، أحدُها: أنَّ الكلامَ على ظاهره وأن الله تعالى أخذ الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضَهم بعضاً وينصرُ بعضُهم بعضاً، بمعنى أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبيَّ الذي بعدَه ولا يَخْذُلوه، وهذا مَرْوِيٌّ عن جماعة. الثاني: أن الميثاق مضاف لفاعله والموثَقُ عليه غيرُ مذكورٍ لفَهْمِ المعنى، والتقدير: ميثاقَ النبيين على أممهم، ويؤيده قراءةُ أُبيّ وعبد الله، ويؤيدُه أيضاً قولُه: { فَمَنْ تَوَلَّىظ° بَعْدَ ذظ°لِكَ }. الثالث: أنه على حذف مضاف تقديرُه: ميثاقُ أمم الأنبياء أو أتباعِ، ويؤيده ما أيَّد ما قبله أيضاً وقوله: { ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ }. الرابع: قال الزمخشري: " أَنْ يُراد أهلُ الكتاب، وأَنْ يَرُدَّ على زَعْمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون: نحن أَوْلى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم، لأنَّا أهل كتاب ومنا كان النبيون " وهذا الذي قاله بعيد جداً، كيف يُسَمِّيهم أنبياءً تهكماً بهم، ولم يكن ثَم قرينةٌ تبيِّن ذلك؟....

    وقال فى قراءة حمزة

    ...

    الثاني: أن اللامَ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألاَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة بـ " لتؤمِنُنَّ " ، و " ما " حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري: " ومعناه لأجلِ إيتائي إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ " ما " مصدريةٌ، والفعلان معها أعني: " آتيناكم " و " جاءكم " في معنى المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى: أخَذَ الله ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ بالرسول ولتنصُرُنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالِفٍ. قال الشيخ: " ظاهر هذه التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذِ الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةٌ بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقةً بقوله: لتؤمِنُنَّ به " ، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول: والله لأضربَنَّ زيداً، ولا يجوزُ: والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في " لِما " بقوله: " لتؤمِننَّ ". وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب ـ إذا كان ظرفاً أو مجروراً ـ تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك:
    1350ـ......................... ...... عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
    وقولَه تعالى:{ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } [المؤمنون: 40] فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله: " لَتُؤْمِنُنَّ " وفي هذ المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت: أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو واضحٌ فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمَّن يرى جوازه....

    انتهى الجزء الثالث

  13. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجزء الرابع

    الجوهرة الواحدة والستون


    قال القرطبي

    وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } قرأ الأعمش وظ±بن وَثّاب وحمزة والكِسائي وحفص وخَلَف بالياء فيهما؛ إخباراً عن الأمة القائمة، وهي قراءة ظ±بن عباس وظ±ختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله تعالىظ°: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }. وهي ظ±ختيار أبي حاتم، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعاً الياء والتاء. ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تُجحدوا ثوابه بل يُشكَر لكم وتُجازون عليه.

    وقال الطبري

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بـالـياء فـي الـحرفـين كلـيهما، يعنـي بذلك الـخبر عن الأمة القائمة، التالـية آيات الله. وإنـما اخترنا ذلك، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات خبر عنهم، فإلـحاق هذه الآية إذ كان لا دلالة فـيها تدلّ علـى الانصراف عن صفتهم بـمعانـي الآيات قبلها أولـى من صرفها عن معانـي ما قبلها. وبـالذي اخترنا من القراءة كان ابن عبـاس يقرأ.

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { إن الله بما يعملون محيط } وعيد، والمعنى محيط جزاؤه وعقابه وبالقدر والسلطان، وقرأ الحسن: " بما تعملون " بالتاء، وهذا إما على توعد المؤمنين في اتخاذ هؤلاء بطانة، وإما على توعد هؤلاء المنافقين بتقدير: قل لهم يا محمد.

  14. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الثانية والستون

    { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { مُسَوِّمِينَ }: كقوله: مُنْزَلين ". وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو على اسم الفاعل، والباقون بفتحها على اسم المفعول. فأما القراءة الأولى فتحتمل أن تكون من السَّوْم وهو تَرْكُ الماشية ترعى، والمعنى أنهم سَوَّموا خيلَهم أي: أعطَوها سَوْمَها من الجري والجوَلان وتركوها كذلك كما يَفْعل مَنْ يَسِيمُ ماشِيتَه في المَرْعى، ويحتمل أن يكون من السَّوْمَة وهي العلامة، على معنى أنهم سَوَّموا أنفسهم أو خيلهم، ففي التفسير أنهم كانوا بعمائَم بيضٍ إلا جبريلَ فبعمامةٍ صفراء، وروُي أنه كانوا على خيل بُلْق. ورجَّح ابن جرير هذه القراءة بما وَرَد في الحديث عنه عليه السلام يوم بدر " تَسوَّموا فإنَّ الملائكة قد سَوَّمَتْ ".

    وأما القراءة الثانية فواضحةٌ بالمعنيين المذكورين فمعنى السَّوْم فيها: أنَّ الله أرسلهم، إذ الملائكة كانوا مُرْسَلين مِنْ عندِ الله لنصرةِ نبيِّه والمؤمنين. حكى أبو زيد: سَوَّم الرجل خيلَه: أي أرسلها، وحكى بعضهم: " سَوَّمْتُ غُلامي " أي: أرسلْتُه، ولهذا قال أبو الحسن الأخفش: " معنى مُسَوَّمين: مُرْسَلين ". ومعنى السَّومةِ فيها أنَّ الله تعالى سَوَّمَهم أي: جَعَل عليهم علامَةً وهي العمائم، أو الملائكةُ جَعَلوا خيلَهم نوعاً خاصاً وهي البُلْق، فقد سَوَّموا خيلَهم.

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ بكسر الواو، لتظاهر الأخبـار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل التأويـل منهم ومن التابعين بعدهم، بأن الـملائكة هي التـي سوّمت أنفسها من غير إضافة تسويـمها إلـى الله عزّ وجلّ أو إلـى غيره من خـلقه. ولا معنى لقول من قال إنـما كان يختار الكسر فـي قوله { مُسَوّمِينَ } لو كان فـي البشر، فأما الـملائكة فوصفهم غير ذلك ظناً منه بأن الـملائكة غير مـمكن فـيها تسويـم أنفسها إن كانوا ذلك فـي البشر وذلك أن غير مستـحيـل أن يكون الله عز وجل مكنها من تسويـم أنفسها بحقّ تـمكينه البشر من تسويـم أنفسهم، فسوموا أنفسهم بحقّ الذي سوّم البشر طلبـاً منها بذلك طاعة ربها، فأضيف تسويـمها أنفسها إلـيها، وإن كان ذلك عن تسبـيب الله لهم أسبـابه، وهي إذا كانت موصوفة بتسويـمها أنفسها تقرّبـاً منها إلـى ربها، كان أبلغ فـي مدحها لاختـيارها طاعة الله من أن تكون موصوفة بأن ذلك مفعول بها. ذكر الأخبـار بـما ذكرنا من إضافة من أضاف التسويـم إلـى الـملائكة دون إضافة ذلك إلـى غيرهم، علـى نـحو ما قلنا فـيه حدثنـي يعقوب، قال أخبرنا ابن علـية، قال أخبرنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال إن أوّل ما كان الصوف لـيومئذٍ، يعنـي يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تَسَوَّمُوا فإنَّ الـمَلائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ "

    وقال ابن عطية

    وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص: " قَرْح " بفتح القاف، وقرأ حمزة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: " قُرْح " بضم القاف، وكلهم سكن الراء، قال أبو علي: هما لغتان كالضَّعف والضُّعف والكَره والكُره، والفتح أولى لأنها لغة أهل الحجاز والأخذ بها أوجب لأن القرآن عليها نزل.

    قال القاضي أبو محمد: هذه القراءات لا يظن إلا أنها مروية عن النبي عليه السلام: وبجميعها عارض جبريل عليه السلام مع طول السنين توسعة على هذه الأمة، وتكملة للسبعة الأحرف حسب ما بيناه في صدر هذا التعليق، وعلى هذا لا يقال: هذه أولى من جهة نزول القرآن بها، وإن رجحت قراءة فبوجه غير وجه النزول، قال أبو الحسن الأخفش: " القَرح " و " القُرح " مصدران بمعنى واحد، ومن قال القَرح بالفتح الجراحات بأعيانها، والقُرح بضم القاف ألم الجراحات قبل منه إذا أتى برواية، لأن هذا مما لا يعلم بقياس، وقال بهذا التفسير الطبري، وقرأ الأعمش " إن تمسسكم ": بالتاء من فوق، " قروح " بالجمع، " فقد مس القوم قرح مثله " ...

    وقال السمين

    قوله: " ويَعْلَم " العامةُ على فتحِ الميم وفيها تخريجان، أشهرهما: أنَّ الفعلَ منصوبٌ. ثم هل نصبُه بـ " أَنْ " مقدرةً بعد الواوِ المقتضيةِ للجمع كهي في قولِك: " لا تأكلِ السمكَ وتَشْربَ اللبن " أي: لا تجمع بينهما وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف، وهو مذهب الكوفيين، يَعْنُون أنه كان مِنْ حَقِّ هذا الفعل أن يُعْرَبَ بإعراب ما قبله، فلمَّا جاءت الواو صَرَفَتْه إلى وجهٍ آخرَ من الإِعراب. وتقرير المذهبين في غيرِ هذا الموضوع.

    والثاني: أنَّ الفتحةَ فتحةُ التاء ساكنين والفعلُ مجزومٌ، فلمَّا وقع بعده ساكنٌ آخرُ احتيج إلى تحريك آخره فكانت الفتحةُ أَوْلَى لأنها أخف وللإِتباع لحركة اللام، كما قيل ذلك في أحدِ التخريجين لقراءةِ: { وَلَمَّا يَعْلَمِ ظ±للَّهُ } بفتح الميم، والأولُ هو الوجه.

    وقرأ الحسن وابن يعمر وأبو حيوة بكسرِ الميم عطفاً على " يَعْلَمِ " المجزوم بـ " لم ".

    وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء: " وَيَعْلَمُ " بالرفع، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه مستأنفٌ، أخبر تعالى/ بذلك. وقال الزمخشري: " على أن الواو للحال، كأنه [قال]: ولَمَّا يُجاهِدوا وأنتم صابرون. قال الشيخ: " ولا يَصِحُّ ما قال، لأنَّ واوَ الحال لا تدخل على المضارعِ، لا يجوزُ: " جاء زَيدٌ ويضحك " وأنت تريد: جاء زيد يضحك، لأنَّ المضارع واقع موقع اسم الفاعل، فكما لا يجوز " جاء زيد وضاحكاً " كذلك لا يجوز: جاء زيد ويضحك، فإنْ أُوِّلَ على أنَّ المضارعَ خبرُ مبتدأ محذوف أَمْكَنَ ذلك التقديرُ أي: وهو يعلمُ الصابرين كما أَوَّلُوا قولَ الشاعر:
    1450ـ.......................... نَجَوْتُ وَأَرْهُنُــهـــمْ مالِــكـــا
    ِأي: وأنا أَرْهُنُهم " قلت: قولُه: " لا تَدْخُل على المضارعِ " هذا ليس على إطلاقِه، بل ينبغي أن يقولَ: على المضارعِ المثبت أو المنفي بـ " لا " لأنها تدخُل على المضارع المنفيِّ بـ لم ولما، وقد عُرِف ذلك غير مرة.

    وقال ابن عطية

    خلت } معناه مضت وسفلت، وصارت إلى الخلاء من الأرض. وقرأ جمهور الناس " الرسل " بالتعريف، وفي مصحف ابن مسعود " رسل " دون تعريف، وهي قراءة حطان بن عبد الله، فوجه الأولى تفخيم ذكر الرسل، والتنويه، بهم على مقتضى حالهم من الله تعالى، ووجه الثانية، أنه موضع تيسير لأمر النبي عليه السلام في معنى الحياة، ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك، فجي تنكير " الرسل " جارياً في مضمار هذا الاقتصاد به صلى الله عليه وسلم، وهكذا يفعل في مواضع الاقتصاد بالشي، فمنه قوله تعالى:{ وقليل من عبادي الشكور } [سبأ: 13] وقوله تعالى:{ وما آمن معه إلا قليل } [هود: 40] إلى غير ذلك من الأمثلة، ذكر ذلك أبو الفتح، والقراءة بتعريف " الرسل " أوجه في الكلام،

  15. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,282
    الجوهرة الثالثة والستون

    { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }

    قال القرطبي

    ومعنى الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدّم من خِيار أتباع الأنبياء؛ أي كثير من الأنبياء قُتِل معه رِبِّيُّون كثير، أو كثير من الأنبياء قتِلوا فما ظ±رتدّ أممهم؛ قولان: الأوّل للحسن وسعيد بن جبير. قال الحسن: ما قُتِل نبي في حرب قط. وقال ابن جبير: ما سمعنا أن نبياً قتل في القتال. والثاني عن قتادة وعكرمة. والوقف ـ على هذا القول ـ على «قُتِل» جائز، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي عمرو ويعقوب.

    وهي قراءة ابن عباس وظ±ختارها أبو حاتم. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون «قُتِل» واقعاً على النبيّ وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله «قُتِل» ويكون في الكلام إضمار، أي ومعه ربيون كثير؛ كما يقال: قُتِل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه جيش. وخرجْتُ معي تجارة؛ أي ومعي. الوجه الثاني أن يكون القتل نال النبيّ ومن معه من الربِّيّين، ويكون وجه الكلام قتِل بعض من كان معه؛ تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني سليم، وإنما قتلوا بعضهم. ويكون قوله { فَمَا وَهَنُوا } راجعاً إلى من بقي منهم. قلت: وهذا القول أشبه بنزول الآية وأنسب، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقتل، وقُتِل معه جماعة من أصحابه.

    وقرأ الكوفيون وابن عامر «قَاتَلَ» وهي قراءة ابن مسعود؛ واختارها أبو عبيْد وقال. إن الله إذا حَمِد من قاتل كان من قُتِل داخلاً فيه، وإذا حمِد من قُتِل لم يدخل فيه غيرهم؛ فقاتل أعمّ وأمدح. و «الرِّبيون» بكسر الراء قراءة الجمهور. وقراءة عليّ رضي الله عنه بضمها. وابن عباس بفتحها؛ ثلاث لغات. والرِّبِّيون الجماعات الكثيرة؛ عن مجاهد وقتادة والضّحاك وعِكرمة، واحدهم رُبِّيّ بضم لراء وكسرها؛ منسوب إلى الرِّبة بكسر الراء أيضاً وضمها، وهي الجماعة. وقال عبد الله بن مسعود: الربِّيُّون الألوف الكثيرة. وقال ابن زيد: الربِّيُّون الأتباع. والأوّل أعرف في اللغة؛ ومنه يقال للخِرقة التي تجمع فيها القِدَاح: رِبّةٌ ورُبّة. والرِّبَاب قبائل تجَمَّعَت. وقال أَبَان بن ثعلب: الرِّبي عشرة آلاف. وقال الحسن: هم العلماء الصُّبُر. ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسّدي: الجمْعُ الكثير؛ قال حسّان:
    وإذا مَعْشَرٌ تَجَافَوْا عن الحَـ ـقِّ حمَلْنَا عليهمُ رُبِّيَا


    وقال الزجاج: ها هنا قراءتان «رُبِّيُّون» بضم الراء «ورِبِّيُّون» بكسر الراء؛ أما الرُّبيون (بالضم): الجماعات الكثيرة. ويقال: عشرة آلاف. قلت: وقد روي عن ابن عباس «رَبِّيُّون» بفتح الراء منسوب إلى الرب. قال الخليل: الرِّبِّي الواحد من العبّاد الذين صبروا مع الأنبياء. وهم الربانيون نسبوا إلى التَألُّه والعبادة ومعرِفة الربُوبِية لِلّه تعالى، والله أعلم.

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتين فـي ذلك عندنا بـالصواب، قراءة من قرأ بضمّ القاف «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» لأن الله عزّ وجلّ إنـما عاتبَ بهذه الآية، والآيات التي قبلها من قوله { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ظ±لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ جَـظ°هَدُواْ مِنكُمْ } الذين انهزموا يوم أُحد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح إن مـحمداً قد قتل، فعذلهم الله عزّ وجلّ علـى فرارهم وتركهم القتال، فقال أفَئِنْ مات مـحمد أو قتل أيها الـمؤمنون ارتددتـم عن دينكم، وانقلبتـم علـى أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثـير من أتبـاع الأنبـياء قبلهم وقال لهم هلا فعلتـم كما كان أهل الفضل والعلـم من أتبـاع الأنبـياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبـيهم من الـمضيّ علـى منهاج نبـيهم والقتال علـى دينه أعداء دين الله علـى نـحو ما كانوا يقاتلون مع نبـيهم، ولـم تهنوا ولـم تضعفوا كما لـم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلـم والبصائر من أتبـاع الأنبـياء إذا قتل نبـيهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتـى حكم الله بـينهم وبـينهم! وبذلك من التأويـل جاء تأويـل الـمتأوّل.

    وقال السمين

    ورَجَّح كونَ " قُتِل " مسنداً إلى ضميرِ النبي أنَّ القصةَ بسبب غزوة أحد وتجادل المؤمنين حين قيل: إنَّ محمداً قد مات مقتولاً، ويؤيِّدهُ قولُه:{ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [آل عمران: 144] وإليه ذهب ابن عباسِ والطبري وجماعةٌ، وعن ابن عباس في قوله:{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } [آل عمران: 161]: " النبي يُقْتل فكيف لا يُخان. وذهب الحسن وابن جبير وجماعة إلى أنَّ القَتْلَ للربّيّين قالوا: لأنه لم يُقْتَل نبيٌّ في حربٍ قط. ونَصَر الزمخشري هذا بقراءة " قُتِّل " بالتشديد، يعني أن التكثير لا يتأتَّى في الواحد وهو النبي. وهذا الذي ذَكَره الزمخشري سَبَقَهُ إليه ابن جني، وسيأتي تأويل هذا.

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " قُتِل " مبنياً للمفعول، وقتادة كذلك إلا أنه شدَّد التاء، وباقي السبعة: " قاتَل " ، وكلٌّ مِنْ هذه الأفعال يَصْلُح أَنْ يرفعَ ضمير " نبي " وأن يرفعَ ربِّيِّين على ما تقدَّم تفصيلُه. وقال ابن جني: " إنَّ قراءة " قُتِّل " بالتشديد يتعيَّن أن يُسْنَدَ الفعل فيها إلى الظاهر، أعني ربيين. قال: " لأنَّ الواحدَ لا تكثيرَ فيه ". قال أبو البقاء: " ولا يمتنعُ أنْ يكونَ فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة " انتهى. يعني أنَّ " من نبي " المرادُ به الجنسُ فالتكثيرُ بالنسبة لكثرةِ الأشخاصِ لا بالنسبةِ إلى كلِّ فردٍ فردٍ، إذ القتلُ لا يتكثَّر في كلِّ فرد. وهذا الجوابُ الذي أجابَ به أبو البقاء استشعر به أبو الفتح وأجابَ عنه. قال: " فإِنْ قيل: يُسْنَدُ إلى " نبي " مراعاةً لمعنى " كم " فالجوابُ: أنَّ اللفظَ قد فَشَا على جهةِ الإِفرادِ في قوله: { مِّن نَّبِيٍّ } ، ودلَّ الضميرُ المفردُ في " معه " على أن المرادَ إنما هو التمثيلُ بواحدٍ، فخرج الكلامُ عن معنَى " كم ". قال: " وهذه القراءةُ تُقَوِّي قولَ مَنْ قال: إنَّ " قُتِل " و " قاتَل " يُسْندان إلى الربِّيِّين....

    قوله تعالى: { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ }: الجمهورُ على نصبِ " قولَهم " خبراً مقدماً، والاسمُ هو " أَنْ " وما في حَيِّزها تقديرُه: وما كان قولَهم إلا قولُهم هذا الدعاءَ، أي: هو دَأْبُهم ودَيْدَنُهم. وقرأ ابن كثير وعاصم في روايةٍ عنهما برفع " قولُهم " على أنه اسم، والخبر " أَنْ " وما في حَيِّزها. وقراءةُ الجمهور أَوْلى؛ لأنه إذا اجتمعَ معرفتان فالأَوْلى أن يُجْعَل الأعرفُ اسماً، و " أن " وما في حَيِّزها أعرفُ، قالوا: لأنها تُشْبِهُ المُضْمَرَ مِنْ حيثُ إنها لا تُضْمَرُ ولا تُوصَفُ ولا يُوصف بها، و " قولهم " مضافٌ لمضمرٍ فهو في رتبة العَلَم فهو أقلُّ تعريفاً.

    ورَجَّح أبو البقاء قراءة الجمهور بوجهين، أحدهما هذا، والآخر: أنَّ ما بعد " إلاَّ " مُثْبَتٌ، والمعنى: كان قولُهم: ربنا اغفر لنا دَأْبَهم في الدعاء وهو حسن، والمعنى: وما كان قولُهم شيئاً من الأقوال إلا هذا القولَ الخاص...

    { فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }

    وقرأ الجحدري: { فأثابهم }: من لفظِ الثواب....

    قوله تعالى: { بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ }: مبتدأ وخبر، وقرأ الحسن: " اللهَ " بنصب الجلالة على إضمار فعل يَدُلُّ عليه الشرط الأول، والتقدير: " لا تُطيعوا الذين كفروا بل أطيعوا الله...

صفحة 4 من 24 الأولىالأولى 1234567814 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •