صفحة 3 من 24 الأولىالأولى 123456713 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 45 من 347

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #31
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الواحدة والثلاثون(القراءات والفقه الاسلامى)

    { وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }

    قال الرازى

    فإن قيل: قرأ علي وابن مسعود والشعبـي { وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } بالرفع وهذا يدل على أنهم قصدوا إخراج العمرة عن حكم الحج في الوجوب. قلنا: هذا مدفوع من وجوه الأول: أن هذه قراءة شاذة فلا تعارض القراءة المتواترة، الثاني: أن فيها ضعفاً في العربية، لأنها تقتضي عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية الثالث: أن قوله: { وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } معناه أن العمرة عبادة الله، ومجرد كونها عبادة الله لا ينافي وجوبها، وإلا وقع التعارض بين مدلول القراءتين، وهو غير جائز الرابع: أنه لما كان قوله: { وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } معناه: والعمرة عبادة الله، وجب أن يكون العمرة مأموراً بها لقوله تعالى:
    { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ }
    [البينة: 5] والأمر للوجوب، وحينئذ يحصل المقصود.

  2. #32
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الثانية والثلاثون

    { ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }


    قال ابن عطية

    وقرأ نافع " فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ " بنصب الجميع، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ " بالرفع في الاثنين ونصب الجدال، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة، ورويت عن عاصم في بعض الطرق، و { لا } بمعنى ليس في قراءة الرفع وخبرها محذوف على قراءة أبي عمرو، و { في الحج } خبر { لا جدال } وحذف الخبر هنا هو مذهب أبي علي، وقد خولف في ذلك، بل { في الحج } هو خبر الكل، إذ هو في موضع رفع في الوجهين، لأن { لا } إنما تعمل على بابها فيما يليها وخبرها مرفوع باق على حاله من خبر الابتداء، وظن أبو علي أنها بمنزلة ليس في نصب الخبر، وليس كذلك، بل هي والاسم في موضع الابتداء يطلبان الخبر، و { في الحج } هو الخبر في قراءة كلها بالرفع وفي قراءتها بالنصب، والتحرير أن { في الحج } في موضع نصب بالخبر المقدر كأنك قلت موجود في الحج، ولا فرق بين الآية وبين قولك زيد في الدار....

    وقال السمين

    وأمَّا مَنْ رفع الأوَّلَيْن وفتحَ الثالث: فالرفعُ على ما تقدَّم، وكذلك الفتحُ، إلا أنه ينبغي أَنْ يُتَنَبَّه لشيءٍ: وهو أنَّا إذا قلنا بمذهبِ سيبويه من كونِ " لا " وما بُني معها في موضعِ المبتدأ يكونُ " في الحج " خبراً عن الجميع، إذ ليس فيه إلا عَطْفُ مبتدأٍ على مبتدأ. وأمَّا على مذهبِ الأخفشِ فلا يجوز أن يكونَ " في الحج " إلا خبراً للمبتدأيْنِ أو خبراً لـ " لا ". ولا يجوزُ أن يكونَ خبراً للكلِّ لاختلافِ الطالبِ، لأنَّ المبتدأ يَطْلُبه خبراً له ولا يطلبُه خبراً له.

    وإنما قُرِىء كذلك، قال الزمخشري: " لأنهما حَمَلا الأوَّلَيْنِ على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والثالِثُ على معنى الإِخبار بانتفاءِ الجدال، كأنه قيل: ولا شكَّ ولا خلافَ في الحج " واستدلَّ على أنّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوقُ دونَ الجدالِ بقولِه عليه السلام: " مَنْ حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ " وأنه لم يَذْكُرِ الجدالَ. وهذا الذي ذكره الزمخشري سبقه إليه صاحبُ هذه القراءة، إلا أنه أفصحَ عن مرادِه، قال أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها -: الرفعُ بمعنى فلا يكونُ رفثٌ ولا فسوقٌ؛ أَيْ شيءٌ يَخْرُج من الحَجِّ، ثم ابتدأ النفيَ فقال: " ولا جدالَ " ، فأبو عمرو لم يجعل النفيَيْن الأوَّلَيْن نهياً، بل تركهما على النفي الحقيقي؛ فمِنْ ثَمَّ كان في قولِه هذا نظرٌ؛ فإنَّ جملة النفيِ بلا التبرئةِ قد يرادُ بها النهيُ أيضاً، وقيل ذلك في قوله:
    { لاَ رَيْبَ فِيهِ }
    [البقرة: 2]. والذين يظهر في الجوابِ عن ذلك ما نقله أبو عبد الله الفاسي عن بعضهم فقال: " وقيل: الحُجَّةُ لمَنْ رفعهما أنَّ النفي فيهما ليس بعامٍّ، إذ قد يقع الرفث والفسوق في الحج من بعضِ الناسِ بخلاف نفي الجدال في أمر الحج فإنه عامٌّ... " وهذا يتمشَّى على عُرْفِ النحويين فإنهم يقولون: لا العاملةُ عملَ " ليس " لنفي الوَحْدة، والعاملةُ عملَ " إنَّ " لنفي الجنس، قالوا: ولذلك يُقال: لا رجلَ فيها بل رجلان أو رجال إذا رفعت، ولا يَحْسُن ذلك إذا بَنَيْتَ اسمَها أو نَصَبْتَ بها. وتوسَّط بعضُهم فقال: التي للتبرئة نصٌّ في العمومِ، وتلك ليست نَصَّاً، والظاهرُ أنَّ النكرةَ في سياق النفي مطلقاً للعموم.

  3. #33
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الثالثة والثلاثون

    { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

    قال السمين

    وقرأ سعيد بن جبير: " الناسي " وفيها تأويلان، أحدهما: أنه يُراد به آدمُ عليه السلام، وأيَّدوه بقوله:
    { فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }
    [طه: 115]. والثاني: أن يُراد به التاركُ للوقوف بمزدلفة، وهم جَمْعُ الناس، فيكون المرادُ بالناسي حنسَ الناسين. قال ابن عطية: " ويجوزُ عند بعضِهم حذفُ الياءِ، فيقول: " الناس كالقاضِ والهادِ " قال: أمّا جوازُه في العربية فذكره سيبويه، وأمّا جوازُه قراءَةً فلا أحفظه ". قال الشيخ: " لم يُجِزْ سيبويه ذلك إلا في الشعر، وأجازه الفراء في الكلامِ، وأمّا قوله: " لم أحفظْه " قد حَفِظَه غيرُه، حكاها المهدوي قراءةً عن سِعيد بن جبير أيضاً....

    قوله: { وَيُشْهِدُ ظ±للَّهَ } في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنها عطفٌ على " يُعْجِبَك " ، فهي صلةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب أو صفةٌ، فتكونُ في محلِّ رفعٍ على حَسَبِ القول في " مَنْ ". والثاني: أن تكونَ حاليةً، وفي صاحبِها حينئذٍ وجهان، أحدهُما: أنه الضميرُ المرفوعُ المستكنُّ في " يعجبك " ، والثاني: أنه الضميرُ المجرُور في " قوله " تقديرُه: يُعْجِبُك أَنْ يقولَ في أمر الدنيا، مُقْسِماً على ذلك. وفي جَعْلها حالاً نظرٌ من وجهين، أحدهُما: من جهةِ المعنى، والثاني من جهةِ الصناعة، وأمَّا الأول فلأنه يَلْزَمُ منه أن يكونَ الإعجابُ والقولُ مقيدين بحالٍ والظاهرُ خلافهُ. وأمَّا الثاني فلأنه مضارع مثبتٌ فلا يَقَعُ حالاً إلا في شذوذٍ، نحو: " قُمْتُ وأصُكُّ عينه، أو ضرورةً نحو:
    894 ـ....................... نَجَوْتُ وأَرْهُنُهم مالِكا
    وتقديرُه مبتدأً قبلَه على خلافِ الأصلِ، أي: وهو يُشْهِدُ.

    والجمهورُ على ضَمِّ حرفِ المضارعة وكسرِ الهاء، مأخوذاً من أَشْهَدَ ونصبِ الجلالة مفعولاً به. وقرأ أبو حيوة وابن محيصن بفتحهِما ورفعِ الجلالةِ فاعلاً، وقرأ أُبيّ: " يستشهد الله ". فأمَّا قراءةُ الجمهور وتفسيرُهم فإن المعنى: يَحْلف بالله ويُشْهده إنه صادق، وقد جاءَتِ الشهادةُ بمعنى القَسَم في آية اللِّعان، قيل: فيكونُ اسمُ الله منتصباً على حَذْفِ حرفِ الجر أي: يُقْسِمُ بالله، وهذا سهوٌ من قائِله، لأنَّ المستعملَ بمعنى القسَم " شَهِد " الثلاثي لا " أَشْهَد " الرباعي، لا تقولُ: أُشْهِد بالله، بل: أَشْهَدُ بالله، فمعنى قراءةِ الجمهور: يَطَّلِعُ الله على ما في قلبه، ولا يَعْلَمُ به أحدٌ لشدةِ تكتُّمِه

    وأمَّا تفسيرُ الجمهورِ فيحتاجُ إلى حَذْفِ ما يَصِحُّ به المعنى، تقديرُه: وَيْحْلِفُ بالله على خِلافِ ما في قلبه، لأنَّ الذي في قلبه هو الكفرُ، وهو لا يَحْلِفُ عليه، إنما يَحْلِفُ على ضدِّه وهو الذي يُعْجِبُ سامعَه، ويُقَوِّي هذا التأويلَ قراءةُ أبي حيوة؛ إذ معناها: وَيطَّلِعُ الله على ما في قلبه من الكفر.

    وأمَّا قراءة أُبيّ فيَحْتمل استَفْعَل وجهين، أحدهما: أن يكونَ بمعنى أَفْعل فيوافِقَ قراءةَ الجمهور. والثاني: أنه بمعنى المجرد وهو شَهِد، وتكونُ الجلالةُ منصوبةً على إسقاطِ الخافضِ....

    قوله: { وَيُهْلِكَ ظ±لْحَرْثَ } الجمهورُ على: " يُهْلِكَ " بضم الياء وكسر اللامِ ونصبِ الكافِ. " الحَرْثَ " مفعولٌ به، وهي قراءةٌ واضحةٌ من: أَهْلَكَ يُهْلك، والنصبُ عطفٌ على الفعِل قبلَهُ، وهذا شبيهٌ بقولِهِ تعالى:
    { وَمَلاغ¤ئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ }
    [البقرة: 98] فإنَّ قولَه: " ليفسدَ " يشتملُ على أنه يُهْلكُ الحرثَ والنسلَ، فخصَّهُما بالذكر لذلك. وقرأ أُبيّ: " وليُهْلِكَ " بإظهارِ لامِ العلة وهي معنى قراءةِ الجمهور، وقرأ أبو حيوة - ورُويت عن ابن كثير وأبي عمرو - " وَيَهْلِكَ الحرثُ والنَّسْلُ " بفتح الياء وكسرِ اللام من هَلَك الثلاثي، و " الحرث " فاعل، و " النسلُ " عطفٌ عليه. وقرأ قوم: " ويُهْلِكُ الحرثَ " من أَهْلَكَ، و " الحرث " مفعولٌ به إلا أنهم رفعوا الكافَ. وخُرِّجتْ على أربعةِ أوجهٍ: أن تكونَ عطفاً على " يُعْجِبُك " أو على " سَعَى " لأنه في معنى المستقبل، أو على خبر مبتدأٍ محذوفٍ أي: وهو يُهْلِكُ، أو على الاستئنافِ. وقرأ الحسن: " ويُهْلَكَ " مبنياً للمفعول، " الحَرْثُ " رفعاً، وقرأ أيضاً: " ويَهَلَكُ " بفتح الياء واللامِ ورفعِ الكافِ، " الحرثُ " رفعاً على الفاعلية، وفتحُ عينِ المضارعِ هنا شاذٌّ لفَتْحِ عينِ ماضِيهِ، وليس عينُهُ ولا لامُهُ حرفَ حلقٍ فهو مثلُ رَكَنَ يَ‍رْكَنُ بالفتحِ فيهما

  4. #34
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الرابعة والثلاثون

    { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }


    قال السمين

    قولُه تعالى: { ٱلسِّلْمِ }: قرأ هنا " السَّلْم " بالفتحِ نافعُ والكسائي وابن كثير، والباقون بالكَسْر، وأمَّا التي في الأنفال فلم يَقْرَأها بالكسر إلا أبو بكر وحدَه عن عاصم، والتي في القتال فلم يَقْرأْها بالكسر إلا حمزةُ وأبو بكر وحدَه عن عاصم، والتي في القتال فلم يَقْرَأْها بالكسر إلا حمزةُ وأبو بكر أيضاً، وسيأتي. فقيل: هما بمعنىً وهو الصلحُ، ويُذَكَّر ويُؤَنَّث، قال تعالى:
    { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا }
    ، وحَكَوْا: " بنو فلان سِلْمٌ وسَلْمٌ " ، وأصلُه من الاستسلام وهو الانقيادُ، ويُطْلَقُ على الإِسلامِ، قاله الكسائي وجماعة، وأنشدوا:
    906 ـ دَعَوْتُ عشيرتي للسِّلْمِ لَمَّا رأيُتُهمُ تَوَلَّوا مُدْبِرِينا
    يُنْشَد بالكسر، وقال آخر في المفتوح:
    907 ـ شرائِعُ السَّلْم قد بانَتْ معالِمُها فما يَرى الكفرَ إلا مَنْ بِه خَبَلُ
    فالسِّلْمُ والسَّلْمُ في هذين البيتين بمعنى الإِسلام، إلاَّ أنَّ الفَتْح فيما هو بمعنى الإِسلام قليلٌ. وقرىء " السَّلَم " بفتحِهِما، وقيل: بل هما مختلفا المعنى: فبالكسر الإِسلامُ وبالفتحِ الصلحُ.

    وقال الطبري


    وأولـى التأويلات بقوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } قول من قال معناه ادخـلوا فـي الإسلام كافة. وأما الذي هو أولـى القراءتـين بـالصواب فـي قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر السين لأن ذلك إذا قرىء كذلك وإن كان قد يحتـمل معنى الصلـح، فإن معنى الإسلام ودوام الأمر الصالـح عند العرب، أغلب علـيه من الصلـح والـمسالـمة، وينشد بـيت أخي كندة
    دَعَوْتُ عَشِيرَتـي للسِّلْـمِ لَـمَّا رأيْتُهُمْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا
    بكسر السين، بـمعنى دعوتهم للإسلام لـما ارتدوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث بعد وفـاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر ما فـي القرآن من ذكر السلـم بـالفتـح سوى هذه التـي فـي سورة البقرة، فإنه كان يخصها بكسر سينها توجيها منه لـمعناها إلـى الإسلام دون ما سواها.

    وإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل فـي قوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } وصرفنا معناه إلـى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها الـمؤمنون، فلن يعدو الـخطاب إذ كان خطابـاً للـمؤمنـين من أحد أمرين، إما أن يكون خطابـاً للـمؤمنـين بـمـحمد الـمصدّقـين به وبـما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيـمان ادخـلوا فـي صلـح الـمؤمنـين ومسالـمتهم، لأن الـمسالـمة والـمصالـحة إنـما يؤمر بها من كان حربـاً بترك الـحرب. فأما الـموالـي فلا يجوز أن يقال له صالـح فلاناً، ولا حرب بـينهما ولا عداوة. أو يكون خطابـاً لأهل الإيـمان بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمصدقـين بهم، وبـما جاءوا به من عند الله الـمنكرين مـحمداً ونبوّته، فقـيـل لهم ادخـلوا فـي السلـم يعنـي به الإسلام لا الصلـح. لأن الله عز وجل إنـما أمر عبـاده بـالإيـمان به وبنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلـى ذلك دعاهم دون الـمسالـمة والـمصالـحة بل نهى نبـيه صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلـى الإسلام، فقال
    { فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ }
    محمد 35 وإنـما أبـاح له صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال إذا دعوه إلـى الصلـح ابتداء الـمصالـحة، فقال له جل ثناؤه { وَإنْ جَنَـحُوا للسَّلْـمِ فـاجنَـحْ لَهَا } فأما دعاؤهم إلـى الصلـح ابتداء فغير موجود فـي القرآن، فـيجوز توجيه قوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } إلـى ذلك. فإن قال لنا قائل فأيّ هذين الفريقـين دعى إلـى الإسلام كافة؟ قـيـل قد اختلف فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم دعى إلـيه الـمؤمنون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به. وقال آخرون قـيـل دعي إلـيه الـمؤمنون بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمكذبون بـمـحمد. فإن قال فما وجه دعاء الـمؤمن بـمـحمد وبـما جاء به إلـى الإسلام؟ قـيـل وجه دعائه إلـى ذلك الأمر له بـالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضيـيع بعضه والعمل ببعضه. وإذا كان ذلك معناه، كان قوله كافّةً من صفة السلـم، ويكون تأويـله ادخـلوا فـي العمل بجميع معانـي السلـم، ولا تضيعوا شيئاً منه يا أهل الإيـمان بـمـحمد وما جاء به. وبنـحو هذا الـمعنى كان يقول عكرمة فـي تأويـل ذلك. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال نزلت فـي ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد ابنـي كعب وشعبة بن عمرو وقـيس بن زيد، كلهم من يهود، قالوا يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فـيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بـاللـيـل فنزلت { يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا ادْخُـلُوا فـي السِّلْـمِ كافةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ }.

    فقد صرّح عكرمة بـمعنى ما قلنا فـي ذلك من أن تأويـل ذلك دعاء للـمؤمنـين إلـى رفض جميع الـمعانـي التـي لـيست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضيـيع شيء من حدوده. وقال آخرون بل الفريق الذي دعى إلـى السلـم فقـيـل لهم ادخـلوا فـيه بهذه الآية هم أهل الكتاب، أمروا بـالدخول فـي الإسلام. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال قال ابن عبـاس فـي قوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } يعنـي أهل الكتاب. حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد يقول أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال سمعت الضحاك يقول فـي قول الله عزّ وجلّ { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال يعنـي أهل الكتاب. والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بـالدخول فـي العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخـل فـي الذين آمنوا الـمصدقون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، والـمصدّقون بـمن قبله من الأنبـياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقـين إلـى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والـمـحافظة علـى فرائضه التـي فرضها، ونهاهم عن تضيـيع شيء من ذلك، فـالآية عامة لكل من شمله اسم الإيـمان، فلا وجه لـخصوص بعض بها دون بعض. وبـمثل التأويـل الذي قلنا فـي ذلك كان مـجاهد يقول. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال ادخـلوا فـي الإسلام كافة، ادخـلوا فـي الأعمال كافة

  5. #35
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الخامسة والثلاثون

    { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ }

    قال السمين

    قوله: { فِي ظُلَلٍ } فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يتعلَّق بيأتِيَهم، والمعنى: يأتيهم أمرُه أو قُدْرَتُه أو عقابُه أو نحوُ ذلك، أو يكونُ كنايةً عن الانتقام؛ إذ الإتيان يمتنعُ إسنادُه إلى الله تعالى حقيقةً. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ، وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: هو مفعولُ يأتيهم، أي: في حالِ كونِهم مستقرين في ظُلَل وهذا حقيقةٌ. والثاني: أنه الله تعالى بالمجاز المتقدَّم، أي: أمرُ الله في حال كونه مستقراً في ظُلَل. الثالث: أن تكونَ " في " بمعنى الباء، وهو متعلقٌ بالإِتيانِ، أي: إلاَّ أَنْ يأتيهم بظُلَل. ومِنْ مجيءِ " في " بمعنى الباءِ قوله:
    913 ـ................. خَبيرون في طَعْنِ الكُلى والأباهِرِ
    لأنَّ " خبيرين " إنَّما يتعدَّى بالباءِ كقوله:
    914 ـ................ خبيرٌ بأَدْواءِ النِّساء طَبيبُ
    الرابع: أن يكونَ حالاً من " الملائكة " مقدَّماً عليها، والأصل: إلاَّ أَنْ يأتيَهم اللهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ، ويؤيَّد هذا قراءة عبد الله إياه كذلك، وبهذا أيضاً يَقِلُّ المجازُ، فإنَّه والحالةُ هذه لم يُسْنَدْ إلى اللهِ تعالى إلا الإِتيانُ فقط بالمجازِ المتقدِّم....

    والجمهور: " الملائكةُ " رفعاً عطفاً على اسم " الله ". وقرأ الحسن وأبو جعفر: " والملائكةِ " جراً وفيه وجهان، أحدُهما: الجر عطفاً على " ظُلَلٍ " ، أي: إلا أن يأتيهم في ظللٍ وفي الملائكة؛ والثاني: الجر عطفاً على " الغمام " أي: من الغمام ومن الملائكة، فتوصفُ الملائكة بكونِهَا ظُللاً على التشبيه.

    وقال الرازى

    الوجه السادس: وهو أوضح عندي من كل ما سلف: أنا ذكرنا أن قوله تعالى:
    { يَـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ ظ±دْخُلُواْ فِي ظ±لسّلْمِ كَافَّةً }
    [البقرة: 208] إنما نزلت في حق اليهود، وعلى هذا التقدير فقوله:
    { فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ظ±لْبَيّنَـظ°تُ فَظ±عْلَمُواْ أَنَّ ظ±للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
    [البقرة: 209] يكون خطاباً مع اليهود، وحينئذ يكون قوله تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ظ±للَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ظ±لْغَمَامِ وَظ±لْمَلَـظ°ئِكَةُ } [البقرة: 210] حكاية عن اليهود، والمعنى: أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا:
    { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىظ° نَرَى ظ±للَّهَ جَهْرَةً }
    [البقرة: 55] وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية على ظاهرها، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه، وكانوا يجوزون على الله المجيء والذهاب، وكانوا يقولون: إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز، وبالجملة فالآية تدل على أن قوماً ينتظرون أن يأتيهم الله، وليس في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أو مبطلون، وعلى هذا التقدير يسقط الإشكال. فإن قيل: فعلى هذا التأويل كيف يتعلق به قوله تعالى: { وَإِلَى ظ±للَّهِ تُرْجَعُ ظ±لأُمُورُ }. قلنا: الوجه فيه أنه تعالى لما حكى عنادهم وتوقفهم في قبول الدين على هذا الشرط الفاسد، فذكر بعده ما يجري مجرى التهديد فقال: { وَإِلَى ظ±للَّهِ تُرْجَعُ ظ±لأُمُورُ } وهذا الوجه أظهر عندي من كل ما سبق، والله أعلم بحقيقة كلامه. الوجه السابع: في التأويل ما حكاه الفقال في «تفسيره» عن أبـي العالية، وهو أن الإتيان في الظلل مضاف إلى الملائكة فأما المضاف إلى الله جل جلاله فهو الإتيان فقط، فكان حمل الكلام على التقديم والتأخير، ويستشهد في صحته بقراءة من قرأ { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ظ±للَّهُ وَظ±لْمَلَـئِكَةُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ظ±لْغَمَامِ } قال القفال رحمه الله: هذا التأويل مستنكر.

    وقال الطبري

    ويوضح أيضاً صحة ما اخترنا فـي قراءة قوله { وَالـمَلائِكَةُ } بـالرفع علـى معنى وتأتـيهم الـملائكة، ويبـين عن خطأ قراءة من قرأ ذلك بـالـخفض لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أن الـملائكة تأتـي أهل القـيامة فـي موقـفهم حين تفطر السماء قبل أن يأتـيهم ربهم فـي ظلل من الغمام، إلا أن يكون قارىء ذلك ذهب إلـى أنه عز وجل عنى بقوله ذلك إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وفـي الـملائكة الذين يأتون أهل الـموقـف حين يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام فـيكون ذلك وجهاً من التأويـل وإن كان بعيداً من قول أهل العلـم ودلالة الكتاب وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة

    { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { زُيِّنَ }: إنَّما لم تَلْحَقِ الفعلَ علامةُ تأنيثٍ لكونِهِ مؤنثاً مجازياً، وحَسَّن ذلك الفصلُ. وقرأ ابن أبي عبلة: " زُيِّنَتْ " بالتأنيث مراعاةً للفظِ. وقرأ مجاهد وأبو حيوة: " زَيَّنَ " مبنياً للفاعل، و " الحياة " مفعولٌ، والفاعلُ هو الله تعالى، والمعتزلةُ يقولون: إنه الشيطان

  6. #36
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة السادسة والثلاثون

    { كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ }


    قال ابن عطية

    وقرأ ابن مسعود " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث " ، وكل من قدر { الناس } في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا، وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة { النبيين } إليهم،...

    وقال الفراء: في الكلام قلب، واختاره الطبري، قال: وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه. ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن الفراء.

    قال القاضي أبو محمد: وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه، لأن قوله { فهدى } يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله { فيه } ، وتبين بقوله { من الحق } جنس ما وقع الخلاف فيه.

    قال المهدوي: " وقدم لفظ الخلاف على لفظ الحق اهتماماً، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف ".

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس هذا عندي بقوي، وفي قراءة عبد الله بن مسعود " لما اختلفوا عنه من الحق " أي عن الإسلام....

    وقرا نافع " يقولُ " بالرفع، وقرأ الباقون " يقولَ " بالنصب، فـ { حتى } غاية مجردة تنصب الفعل بتقدير إلى أن، وعلى قراءة نافع كأنها اقترن بها تسبيب فهي حرف ابتداء ترفع الفعل، وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب،

    وقال السمين

    قوله: { حَتَّىٰ يَقُولَ } قرأ الجمهورُ: " يقولُ " نصباً، وله وجهان، أحدُهما: أنَّ " حتى " بمعنى " إلى " ، أي: إلى أن يقولَ، فهو غايةٌ لما تقدَّم من المسِّ والزلزالِ، و " حتى " إنما يُنْصَبُ بعدها المضارعُ المستقبلُ، وهذا قد وقع ومَضَى. فالجوابُ: أنه على حكايةِ الحالِ، حكى تلك الحالَ. والثاني: أنَّ " حتى " بمعنى " كي " ، فتفيدُ العِلَّةَ، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ قولَ الرسول والمؤمنين ليس علةً للمسِّ والزلزالِ، وإن كان ظاهرُ كلامِ أبي البقاء على ذلك فإنه قال: " ويُقْرَأ بالرفعِ على أن يكونَ التقديرُ: زُلْزِلُوا فقالوا: فالزَّلْزَلَةُ سببُ القولِ " و " أَنْ " بعد " حتى " مضمرةٌ على كِلا التقديرين. وقرأ نافع برفِعِهِ على أنَّه حالٌ، والحالُ لا يُنْصَبُ بعد " حتى " ولا غيرِها، لأنَّ الناصبَ يُخَلِّصُ للاستقبالِ فتَنَافيا.

    واعلم أنَّ " حتى " إذا وَقَعَ بعدها فعلٌ: فإمَّا أن يكونَ حالاً أو مستقبلاً أو ماضياً، فإنْ كان حالاً رُفِعَ نحو: " مَرِض حتى لا يَرْجونه " أي في الحال. وإن كان مستقبلاً نُصِبَ، تقول: سِرْتُ حتى أدخلَ البلدَ وأنت لم تدخُلْ بعدُ. وإن كان ماضياً فتحكيه، ثم حكايتُك له: إمَّا أَنْ تَكونَ بحسَب كونِهِ مستقبلاً، فتنصبَه على حكايةِ هذه الحالِ، وإمَّا أن يكونَ بحسَبِ كونِهِ حالاً، فترفَعَهُ على حكايةِ هذه الحالِ، فيصدُقُ أن تقولَ في قراءةِ الجماعةِ: حكايةُ حالٍ، وفي قراءةِ نافع أيضاً: حكايةُ حالٍ. وإنَّما نَبَّهْتُ على ذلك لأنَّ عبارةَ بعضِهم تَخُصُّ حكايةً الحالِ بقراءةِ الجمهورِ، وعبارَةَ آخرين تَخُصُّها بقراءةِ نافع. قال أبو البقاء في قراءةِ الجمهور: " والفعلُ هنا مستقبلٌ حُكِيت به حالُهم والمعنى على المُضِيِّ " وكان قد تقدَّم أنه وجَّه الرفعَ بأنَّ " حتى " للتعليلِ.

  7. #37
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة السابعة والثلاثون

    { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـظ°ئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

    قال القرطبي

    وقرأ عكرمة «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قَتْلٍ فيه قُلْ قتلٌ» بغير ألف فيهما. وقيل: المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه؛ وهكذا قرأ ظ±بن مسعود؛ فيكون مخفوضاً بعن على التّكرير، قاله الكسائيّ. وقال الفرّاء: هو مخفوض على نية عن. وقال أبو عبيدة: هو مخفوض على الجوار. قال النحاس: لا يجوز أن يُعربَ الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط؛ وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ؛ والدليل على أنه غلط قول العرب في التّثنية: هذان: حجرا ضَبّ خَرِبان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها. قال ظ±بن عطية: وقال أبو عبيدة: هو خفض على الجوار؛ وقوله هذا خطأ. قال النحاس: ولا يجوز إضمار عن؛ والقول فيه أنه بدل. وقرأ الأعرج «يَسْأَلُونكَ عَنِ الشَّهْرِ الحرام قتالٌ فيه» بالرفع. قال النحاس: وهو غامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه؟ فقوله: «يسألونك» يدل على الاستفهام؛ كما قال ظ±مرؤ القيس:
    أَصاحِ تَرى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَه كَلَمْعِ اليدَيْن في حَبيٍّ مُكَلَّلِ
    والمعنى: أترى برقاً، فحذف ألف الاستفهام؛ لأن الألف التي في «أصاح» تدل عليها وإن كانت حرف نداء؛ كما قال الشاعر:
    تَـرُوحُ مِـن الحَـيّ أم تَبْتَكِـر
    والمعنى: أتروح؛ فحذف الألف لأن أم تدل عليها....

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } الآية، قال ابن عباس والربيع: الإثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبله، وقالت طائفة: الإثم في الخمر ذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية والتعدي الذي يكون من شاربها، والمنفعة اللذة بها كما قال حسان بن ثابت:

    وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكَنَا ملوكاً وَأسْداً ما يُنَهْنِهُنَا اللقَاءُ
    إلى غير ذلك من أفراحها، وقال مجاهد: " المنفعةَ بها كسب أثمانها " ثم أعلم الله عز وجل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم، وقرأ حمزة والكسائي " كثير " بالثاء المثلثة، وحجتها أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، فهذه آثام كثيرة، وأيضاً فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام، و " كثير " بالثاء المثلثة يعطي ذلك، وقرأ باقي القراء وجمهور الناس " كبير " بالباء بواحدة، وحجتها أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر فوصفه بالكبير أليق، وأيضاً فاتفاقهم على { أكبر } حجة لكبير بالباء بواحدة، وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء مثلثة، إلا ما في مصحف ابن مسعود فإن فيه " قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر " بالثاء مثلثة في الحرفين،..

    وقرأ جمهور الناس " العفو " بالنصب، وقرأ أبو عمرو وحده " العفُو " بالرفع، واختلف عن ابن كثير، وهذا متركب على { ماذا } ، فمن جعل " ما " ابتداء و " ذا " خبره بمعنى الذي وقدر الضمير في { ينفقونه } عائداً قرأ " العفوُ " بالرفع، لتصح مناسبة الجمل، ورفعه على الابتداء تقديره العفو إنفاقكم، أو الذي تنفقون العفو، ومن جعل { ماذا } اسماً واحداً مفعولاً بـ { ينفقون } ، قرأ " قل العفوَ " بالنصب بإضمار فعل، وصح له التناسب، ورفع " العفوُ " مع نصب " ما " جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها.

  8. #38
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الثامنة والثلاثون(القراءات والفقه)

    { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ }

    قال ابن عطية

    وقوله تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه " يطْهُرْنَ " بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل عنه " يطَّهَّرْنَ " بتشديد الطاء والهاء وفتحهما، وفي مصحف أبيّ وعبد الله { حتى يتطهرن } ، وفي مصحف أنس بن مالك " ولا تقربوا النساء في محيضهن، واعتزلوهن حتى يتطهرن " ، ورجح الطبري قراءة تشديد الطاء وقال: هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراماً على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر، قال: وإنما الاختلاف في الطهر ما هو؟ فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: هو وضوء كوضوء الصلاة. وقال قوم: هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة. ورجح أبو علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمثت، وهو ثلاثي.

    قال القاضي أبو محمد: وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد به الاغتسال بالماء وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه، وما ذهب إليه الطبري من أن قراءة شد الطاء مضمنها الاغتسال وقراءة التخفيف مضمنها انقطاع الدم: أمر غير لازم، وكذلك ادعاؤه الإجماع، أما إنه لا خلاف في كراهة الوطء قبل الاغتسال بالماء، وقال ابن عباس والأوزاعي: من فعله تصدق بنصف دينار، ومن وطىء في الدم تصدق بدينار، وأسند أبو داود عن ابن عباس


    " عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: " يتصدق بدينار أو بنصف دينار " ، وقال ابن عباس: " الدينار في الدم، والنصف عند انقضائه " ، ووردت في الشدة في هذا الفعل آثار، وجمهور العلماء على أنه ذنب عظيم يتاب منه ولا كفارة فيه بمال، وذهب مالك رحمه الله وجمهور العلماء إلى أن الطهر الذي يحل جماع الحائض التي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، ولا يجزي من ذلك تيمم ولا غيره، وقال يحيى بن بكير وابن القرظي: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلّت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ.....

  9. #39
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة التاسعة والثلاثون

    { ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ }

    قال السمين

    والقراءةُ في " يخافا " بفتحِ الياءِ واضحةٌ، وقرأها حمزة بضمِّها على البناء للمفعول. وقد استشكلها جماعة وطعن فيها آخرون لعدم معرفتهم بلسان العرب.

    وقد ذكروا فيها توجيهاتٍ كثيرةً. أحسنُها أَنْ يكونَ " أَنْ يقيما " بدلاً من الضميرِ في " يخافا " لأنه يَحُلُّ مَحَلَّه، تقديرُه: إلا أَنْ يُخاف عدمُ إقامتهما حدودَ الله، وهذا من بدلِ الاشتمال كقولك: " الزيدان أعجباني عِلْمُهما " ، وكان الأصلُ: إلا أن يخاف الولاةُ الزوجين ألاَّ يقيما حدودَ الله، فَحُذِفَ الفاعلُ الذي هو " الوُلاةُ " للدلالة عليه، وقامَ ضميرُ الزوجين مقامَ الفاعلِ، وبقيتْ " أَنْ " وما بعدها في محلِّ رفعٍ بدلاً كما تقدَّم تقديرُه.

    وقد خَرَّجه ابن عطية على أنَّ " خاف " يتعدَّى إلى مفعولين كاستغفر، يعني إلى أحدِهما بنفسِه وإلى الآخرِ بحرفِ الجَرِّ، وجَعَلَ الألِفَ هي المفعولَ الأولَ قامَتْ مقامَ الفاعلِ، وأَنْ وما في حَيِّزها هي الثاني، وجَعَل " أَنْ " في محلِّ جرٍ عند سيبويه والكسائي. وقد رَدَّ عليه الشيخ هذا التخريج بأنَّ " خافَ " لا يتعدَّى لاثنين، ولم يَعُدَّه النحويون حين عَدُّوا ما يَتَعدَّى لاثنين، ولأنَّ المنصوبَ الثاني بعده في قولك: " خِفْتُ زيداً ضَرْبَه " ، إنما هو بدلٌ لا مفعولٌ به، فليس هو كالثاني في " استغفرت الله ذنباً " ، وبأن نسبة كَوْن " أَنْ " في محلِّ جر عند سيبويه ليس بصحيح، بل مذهبُه أنها في محلِّ نصب وتبعه الفراء، ومذهبُ الخليل أنها في محلِّ جر، وتَبِعه الكسائي. وهذا قد تقدَّم غيرَ مرةٍ.

    وقال غيرُه كقولِه، إلاَّ أنَّه قَدَّر حرفَ الجرِّ " على " والتقدير: إلاَّ أن يَخاف الولاةُ الزوجين على ألاّ يقيما، فبُني للمفعولِ، فقام ضميرُ الزوجينِ مَقامَ الفاعلِ، وحُذِفَ حرفُ الجر مِنْ " أَنْ " ، فجاء فيه الخلافُ المتقدمُ بين سيبويه والخليلِ.

    وهذا الذي قاله ابنُ عطيةُ سَبَقَه إليه أبو علي، إلاَّ أنه لم يُنْظِّرْه بـ " استغفر ".

    وقد استشكل هذا القراءةَ قومٌ وطَعَنَ عليها آخرون، لا علمَ لهم بذلك، فقال النحاس: " لا أعلمُ في اختيارِ حمزة أبعدَ من هذا الحرفِ، لأنه لا يُوجِبه الإِعرابُ ولا اللفظُ ولا المعنى: أمّا الإِعرابُ فلأنَّ ابنَ مسعود قرأ { إلاَّ أَنْ تخافوا ألاَّ يقيموا } فهذا إذا رُدَّ في العربيةِ لما لم يُسَمَّ فاعلُه كان ينبغي أَنْ يُقال: { إلاَّ أَنْ يُخاف }. وأمَّا اللفظُ: فإنْ كان على لفظِ " يُخافا " وَجَبَ أَنْ يقال: فإن خيف، وإن كان على لفظ " خِفْتُم " وَجَب أن يقال: إلاَّ أَنْ تَخافوا. وأمَّا المعنى: فَأَسْتبعدُ أن يُقالَ: " ولا يَحِلُّ لكم أن تأخذوا مِمَّا آتيتموهُنَّ شيئاً إلا أن يَخاف غيرُكم، ولم يَقُلْ تعالى: ولا جُنَاح عليكم أن تَأْخُذوا له منها فديةً، فيكون الخَلْعُ إلى السلطان والفَرْضُ أنَّ الخَلْعَ لا يحتاج إلى السلطانِ ".

    وقد رَدَّ الناسُ على النحاس: أمَّا ما ذكره من حيث الإِعرابُ فلا يَلْزَمُ حمزةَ ما قرأ به عبد الله. وأمَّا مِنْ حيثُ اللفظُ فإنه من باب الالتفاتِ كما قَدَّمْتُه أولاً، ويَلْزَمُ النحاسَ أنه كان ينبغي على قراءةِ غيرِ حمزةَ أن يَقْرأ: " فإنْ خافا " ، وإنَّما هو في القراءتين من الالتفاتِ المستحسنِ في العربيةِ. وأمَّا من حيثُ المعنى فلأنَّ الولاةَ هم الأًصلُ في رفعِ التظالمِ بين الناس وهم الآمرون بالأخْذِ والإِيتاء.

    ووجَّه الفراء قراءةَ حمزةَ بأنه اعتبرَ قراءةَ عبدِ الله { إلا أن تَخافوا } وخَطَّأَهُ الفارسي وقال: " لم يُصِبْ، لأنَّ الخوفَ في قراءةِ عبدِ الله واقعٌ على " أَنْ " ، وفي قراءة حمزةَ واقعٌ على الرجلِ والمرأةِ ". وهذا الذي خَطَّأَ به القرَّاء ليس بشيءٍ، لأنَّ معنى قراءةِ عبدِ الله: إلاَّ أَنْ تخافُوهُمَا، أي الأولياءُ الزوجين ألاَّ يُقيما، فالخوفُ واقعٌ على " أَنْ " وكذلك هي في قراءةِ حمزةَ: الخوفُ واقعٌ عليها أيضاً بأحدِ الطريقينِ المتقدِّمَيْنِ: إمَّا على كونِها بدلاً من ضميرِ الزوجينِ كما تقدَّم تقريرُه، وإمَّا على حَذْفِ حرفِ الجَرِّ وهو " على ".

    والخوفُ هنا فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه على بابِه من الحَذَرِ والخَشْيَةِ، فتكونُ " أَنْ " في قراءةِ غير حمزةَ في محلِّ جَرٍّ أو نصبٍ على حَسَبِ الخلافِ فيها بعدَ حذفِ حرفِ الجرِّ، إذ الأصلُ، مِنْ أَلاَّ يُقيما، أو في محلِّ نصبٍ فقط على تعديةِ الفعلِ إليها بنفسِهِ كأنه قيل: إلاَّ أَنْ يَحْذَرَا عدَمَ إقامةِ حدودِ اللَّهِ. والثاني: أنه بمعنى العلمِ وهو قَوْلُ أبي عبيدة، وأنشد:
    975 ـ فقلتُ لهم خافُوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهُمُ في الفارسِيِّ المُسَرَّدِ
    ومنه أيضاً:
    976 ـ ولا تَدْفِنَنِّي في الفَلاةِ فإنَّني أخافُ إذا ما مِتُّ أَلاَّ أَذُوقُها/
    ولذلك رُفِعَ الفعلُ بعدَ أَنْ، وهذا لا يَصِحُّ في الآيةِ لظهورِ النصبِ. وأمَّا البيتُ فالمشهورُ في روايتِهِ " فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ ". والثالث: الظنَّ، قاله الفراء، ويؤيِّده قراءةُ أُبَيّ: { إلاَّ أنْ يَظُنَّا } وأنشد:
    977 ـ أتاني كلامٌ مِنْ نُصَيْبٍ يقولُه وما خِفْتُ يا سَلاَّمُ أنَّكَ عائِبي
    وعلى هذينِ الوجهينِ فتكونُ " أَنْ " وما في حَيِّزها سادةً مَسَدَّ المفعولَيْنِ عند سيبويه ومسدَّ الأول والثاني محذوف عند الأخفش كما تقدَّم تقريرُه غيرَ مرة، والأولُ هو الصحيحُ، وذلك أَنَّ " خافَ " مِنْ أفعالِ التوقع، وقد يميل فيه الظنُّ إلى أحدِ الجائِزَيْنِ، ولذلك قال الراغب: " الخوفُ يُقال لِما فيه رجاءٌ ما، ولذلك لا يُقال: خِفْتُ أَلاَّ أقدر على طلوعِ السماءِ أو نَسْفِ الجبالِ "....

  10. #40
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الاربعون

    { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }


    قال ابن عطية

    وقوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } مبني على أن الحولين ليسا بفرض لا يتجاوز، وقرأ السبعة " أن يُتم الرضاعةَ " بضم الياء ونصب الرضاعة، وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد والحسن وأبو رجاء " تَتم الرضاعةُ " بفتح التاء الأولى ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة كذلك، إلا أنهم كسروا الراء من الرضاعة، وهي لغة كالحَضارة والحِضارة، وغير ذلك. وروي عن مجاهد أنه قرأ " الرضعة " على وزن الفعلة، وروي عن ابن عباس أنه قرأ " أن يكمل الرضاعة " بالياء المضمومة،....

    لا تكلف نفس إلا وسعها } ، وقرأ جمهور الناس: " تُكلف " بضم التاء " نفسٌ " على ما لم يُسمَّ فاعله، وقرأ أبو رجاء " تَكَلَّفُ " بفتح التاء بمعنى تتكلف " نفسٌ " فاعله، وروى عنه أبو الأشهب " لا نُكَلِّف " بالنون " نفساً " بالنصب، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان عن عاصم " لا تضارُ والدة " بالرفع في الراء، وهو خبر معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصل " تضارِر " بكسر الراء الأولى فوالدة فاعل، ويحتمل أن يكون " تضارَر " بفتح الراء الأولى فوالدة مفعول لم يسم فاعله، ويعطف مولود له على هذا الحد في الاحتمالين، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم { لا تضارَّ } بفتح الراء المشددة، وهذا على النهي، ويحتملَ أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كل قراءة: النهي عن أن تضار الوالدة زوجها المطلق بسبب ولدها، وأن يضارها هو بسبب الولد، أو يضار الظئر، لأن لفظة نهيه تعم الظئر، وقد قال عكرمة في قوله: { لا تضار والدة }: معناه الظئر، ووجوه الضرر لا تنحصر، وكل ما ذكر منها في التفاسير فهو مثال. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ " لا تضارَرُ " براءين الأولى مفتوحة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " لا تضارْ " بإسكان الراء وتخفيفها، وروي عنه الإسكان والتشديد، وروي عن ابن عباس " لا تضارِر " بكسر الراء الأولى....

    وأما قوله تعالى: { إذا أسلمتم } فمخاطبة للرجال خاصة، إلا على أحد التأويلين في قراءة من قرأ " أتيتم " ، وقرأ الستة من السبعة " آتيتم " بالمد، المعنى أعطيتم، وقرأ ابن كثير " أتيتم " بمعنى ما جئتم وفعلتم كما قال زهير: [الطويل].


    وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبلُ
    قال أبو علي: " المعنى إذا سلمتم ما أتيتم نقده أو إعطاءه أو سوقه، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه فكان التقدير ما أتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة ".

    قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر. وعلى هذا الاحتمال. فيدخل في الخطاب بـ { سلمتم } الرجال والنساء، وعلى التأويل الذي ذكره أبو علي وغيره: فالخطاب للرجال، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع، قال أبو علي: ويحتمل أن تكون { ما } مصدرية، أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن الصنعة من حذف المضاف، ثم حذف الضمير، قال مجاهد: " المعنى إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع " ، وقال سفيان: " المعنى إذا سلمتم إلى المسترضعة وهي الظئر أجرها بالمعروف ". وباقي الآية أمر بالتقوى وتوقيف على أن الله تعالى بصير بكل عمل، وفي هذا وعيد وتحذير، أي فهو مجاز بحسب عملكم.

    وقال السمين

    وقرأ يحيى بن يعمر: " الوَرَثَة " بلفظ الجمعِ، والمشارُ إليه بقوله " مثلُ ذلك " إلى الواجبِ من الرزق والكسوة، وهذا أحسنُ مِنْ قول مَنْ يقول: أُشير به إلى الرزق والكسوة. وأشير بما للواحدِ للاثنين كقوله:
    { عَوَانٌ بَيْنَ ذظ°لِكَ }
    [البقرة: 68]. وإنما كان أحسنَ لأنه لا يُحْوِج إلى تأويل، وقيل: المشارُ إليه هو عَدَمُ المُضَارَّة، وقيل: أجرةُ المثلِ، وغيرُ ذلك.

  11. #41
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الواحدة والاربعون

    { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ

    قال السمين

    وقرأ الجمهورُ: " تَمَسُّوهُنَّ " ثلاثياً وهي واضحةٌ. وقرأ حمزة والكسائي: " تماسُّوهُنَّ " من المفاعلَةِ، فيُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ فاعَلَ بمعنى فَعَل كسافر، فتوافِقَ الأولى، ويُحْتَمل أَنْ تكونَ على بابِها من المشاركَةِ، فإنَّ الفعلَ مِن الرجلِ والتمكينَ من المرأةِ، ولذلك قيلَ لها زانيةٌ. ورجَّح الفارسي قراءة الجمهورِ بأنَّ أفعالَ هذا البابِ كلَّها ثلاثيةٌ نحو: نكح فرع سفد وضربَ الفحلُ.....

    وقرأ الجمهورُ: " المُوسِعِ " بسكونِ الواو وكسرِ السينِ اسمَ فاعِلٍ من أَوْسع يُوسع. وقرأ أبو حيوة بفتح الواو والسين مشددة، اسمَ مفعولٍ من " وسَّعَ ". وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وحفص: " قَدَرَه " بفتحِ الدالِ في الموضعين، والباقون بسكونِها.

    واختلفوا: هل هما بمعنىً واحدٍ أو مختلفان؟ فذهب أبو زيد والأخفش وأكبرُ أئمةِ العربيةِ إلى أنهما بمعنىً واحدٍ، حكى أبو زيد: " خُذْ قَدَر كذا وقَدْر كذا " ، بمعنى واحدٍ، قال: " ويُقْرَأُ في كتابِ اللَّهِ: " فسالتْ أوديةٌ بقدَرها " و " قَدْرها " ، وقال:
    { وَمَا قَدَرُواْ ظ±للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }
    [الرعد: 17] ولو حُرِّكَت الدالُ لكان جائزاً. وذهبَ جماعةٌ إلى أنهما مختلفانِ، فالساكنُ مصدرٌ والمتحركُ اسمٌ كالعَدِّ والعَدَدِ والمَدِّ والمَدَد، وكأنَّ القَدْر بالتسكين الوُسْعُ، يقال: " هو يُنفق على قَدْرِهِ " أي وُسْعِهِ. وقيل: بالتسكين الطاقةُ، وبالتحريك المقدارُ. قال أبو جعفر: " وأكثرُ ما يُسْتَعْمَل بالتحريكِ إذا كان مساوياً للشيءِ، يُقال: " هذا على قدَر هذا ".

    وقرأ بعضهم بفتحِ الراء، وفي نصبِه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ منصوباً على المعنى، قال أبو البقاء: " وهو مفعولٌ على المعنى، لأنَّ معنى " مَتِّعوهن " لِيُؤَدِّ كلٌّ منكم قدَرَ وُسْعِهِ " وشَرْحُ ما قاله أن يكونَ من باب التضمين، ضَمَّنَ " مَتِّعوهنَّ " معنى " أدُّوا ". والثاني: أن يكونَ منصوباً بإضمارِ فعلٍ تقديرُهُ: فَأَوْجِبوا على الموسِعِ قَدَره. وجعله أبو البقاء أجودَ من الأول. وفي السجاوندي: "

    وقال ابن أبي عبلة: " قَدَرَه أي قَدَرَه الله " انتهى. وظاهِرُ هذا أنه قرأ بفتحِ الدالِ والراءِ، فيكونُ " قَدَرَه " فعلاً ماضياً، وجَعَلَ فيه ضميراً فاعلاً يعودُ على اللِّهِ تعالى، والضميرُ المنصوبُ يعود على المصدرِ المفهومِ من " مَتِّعوهن ". والمعنى: أنَّ الله قَدَرَ وكَتَبَ الإِمتاعَ على المُوسِعِ وعلى المُقْتِرِ.

    وقال ابن عطية

    وأن تعفو أقرب للتقوى } أي يا جميع الناس، وهذه قراءة الجمهور بالتاء باثنتين من فوق، وقرأ أبو نهيك والشعبي " وأن يعفو " بالياء، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح، وقرأ الجمهور " ولا تنسوا الفضل " ، وقرأ علي بن أبي طالب ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة " ولا تناسوا الفضل " ، وهي قراءة متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه،

    { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَصِيَّةً } قرأ نافع وظ±بن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «وصيّةٌ» بالرفع على الابتداء، وخبره { لأَزْوَاجِهِمْ }. ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية، ويكون قوله { لأَزْوَاجِهِمْ } صفة؛ قال الطبري: قال بعض النحاة: المعنى كتبت عليهم وصية، ويكون قوله { لأَزْوَاجِهِمْ } صفة، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة وظ±بن عامر «وصيّةً» بالنصب، وذلك حمل على الفعل، أي فليُوصُوا وصيةً. ثم الميت لا يوصي، ولكنه أراد إذا قَرُبوا من الوفاة، و «لأَزْوَاجِهِمْ» على هذه القراءة أيضاً صفة. وقيل: المعنى أوصى الله وصية. «مَتَاعاً» أي متعوهنّ متاعاً: أو جعل الله لهنّ ذلك متاعاً لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون نصباً على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية؛ كقوله:
    { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَة يَتِيماً }
    [البلد: 15] والمتاعُ هظ°هنا نفقةُ سنتها.

    وقال ابن عطية

    فيضاعفه } فقرأ ابن كثير " فيضعّفُه " برفع الفاء من غير ألف وتشديد العين في جميع القرآن وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه نصب الفاء في جميع القرآن، ووافقه عاصم على نصب الفاء إلا أنه أثبت الألف في " فيضاعفه " في جميع القرآن، وكان أبو عمرو لا يسقط الألف من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب. قوله تعالى:
    { يضعف لها العذاب }
    [الأحزاب: 30]، فإنه بغير ألف كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بالألف ورفع الفاء. فالرفع في الفاء يتخرج على وجهين: أحدهما العطف على ما في الصلة.

    وهو يقرض، والآخر أن يستأنف الفعل ويقطعه، قال أبو علي: " والرفع في هذا الفعل أحسن ".

    قال القاضي أبو محمد: لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام، وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفاً له. تقول: أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض، ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى، لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض، فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له، ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ
    { من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم }
    [الأعراف: 186] بجزم { نذرهم } ، لما كان معنى قوله
    { فلا هادي له }
    [الأعراف: 186] فلا يهد...

    وقرأ جمهور الناس " نقاتلْ " بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة " يقاتلُ " بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك...

  12. #42
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة الثانية والاربعون

    { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { إِلاَّ مَنِ ظ±غْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المِغْرفَة، والغَرْف مثل الاغتراف. وقرىء «غَرْفة» بفتح الغين وهي مصدر، ولم يقل اغترافة؛ لأن معنى الغَرْف والاغتراف واحد. والغَرفة المرة الواحدة. وقرىء «غُرْفَة» بضم الغين وهي الشيء المُغْتَرَفُ. وقال بعض المفسرين: الغَرْفة بالكفِّ الواحد والغُرْفة بالكفَّيْن. وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد

    وقال الطبري

    . ثم اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِـيَدِهِ } فقرأه عامة قراء أهل الـمدينة والبصرة «غَرْفَةً» بنصب الغين من الغرفة، بـمعنى الغرفة الواحدة، من قولك اغترفت غَرفة، والغَرْفَة هي الفعل بعينه من الاغتراف. وقرأه آخرون بـالضم، بـمعنى الـماء الذي يصير فـي كفّ الـمغترف، فـالغُرْفة الاسم، والغَرْفة الـمصدر. وأعجب القراءتـين فـي ذلك إلـيّ ضمّ الغين فـي الغرفة بـمعنى إلا من اغترف كفـا من ماء، لاختلاف غرفة إذا فتـحت غينها، وما هي له مصدر وذلك أن مصدر اغترف اغترافة، وإنـما غَرْفة مصدر غَرَفْت، فلـما كانت غَرفة مخالفة مصدر اغترف، كانت الغُرفة التـي بـمعنى الاسم علـى ما قد وصفنا أشبه منها بـالغَرفة التـي هي بـمعنى الفعل وذكر لنا أن عامتهم شربوا من ذلك الـماء، فكان من شرب منه عطش، ومن اغترف غُرفة روي. ذكر من قال ذلك حدثنـي بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَـيْسَ مِنِّـي ومَنْ لـمْ يَطْعَمْهُ فإنَّهُ مِنِّـي إلاَّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِـيَدِهِ فَشَربُوا مِنْهُ إلاّ قَلِـيلاً مِنْهُمْ } فشرب القوم علـى قدر يقـينهم. أما الكفـار فجعلوا يشربون فلا يروون، وأما الـمؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بـيده فتَـجزيه وتُرويه..

    . وأما القراء فإنها اختلفت فـي قراءة قوله { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ }. فقرأته جماعة من القراء { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ } علـى وجه الـمصدر من قول القائل دفع الله عن خـلقه، فهو يدفع دفعاً. واحتـجت لاختـيارها ذلك بأن الله تعالـى ذكره، هو الـمتفرّد بـالدفع عن خـلقه، ولا أحد يدافعه فـيغالبه. وقرأت ذلك جماعة أخرى من القراء «وَلَوْلاَ دِفَـاعُ اللَّهِ النَّاسَ» علـى وجه الـمصدر من قول القائل دافع الله عن خـلقه، فهو يدافع مدافعة ودفـاعاً. واحتـجت لاختـيارها ذلك بأن كثـيراً من خـلقه يعادون أهل دين الله، وولايته والـمؤمنـين به، فهو بـمـحاربتهم إياهم ومعادتهم لهم لله مدافعون ببـاطلهم، ومغالبون بجهلهم، والله مدافعهم عن أولـيائه وأهل طاعته والإيـمان به. والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القراء وجاءت بهما جماعة الأمة، ولـيس فـي القراءة بأحد الـحرفـين إحالة معنى الآخر. وذلك أن من دافع غيره عن شيء، فمدافعه عنه دافع، ومتـى امتنع الـمدفوع عن الاندفـاع، فهو لـمدافعه مدافع ولا شكّ أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده، مـحاولـين مغالبة حزب الله وجنده، وكان فـي مـحاولتهم ذلك مـحاولة مغالبة الله ودفـاعه، عما قد تضمن لهم من النصرة، وذلك هو معنى مدافعة الله عن الذين دافع الله عنهم بـمن قاتل جالوت وجنوده من أولـيائه. فتبـين إذا أن سواء قراءة من قرأ { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض } وقراءة من قرأ { وَلَوْلا دِفـاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فـي التاويـل والـمعنى

    وقال القرطبي

    وقال أبو حاتم: دافع ودَفَعَ بمعنى واحد؛ مثل طرقت النعل وطارقت؛ أي خَصَفْت إحداهما فوق الأُخرىظ°، والخصف: الخرز. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور «وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ». وأنكر أن يقرأ «دِفَاعُ» وقال: لأن الله عزّ وجلّ لا يغالبه أحد. قال مكيّ: هذا وَهْمٌ توهّم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم «الله» في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله. و «دِفَاعُ» مرفوع بالابتداء عند سيبويه. «النّاسَ» مفعول، «بَعْضَهُمْ» بدل من الناس، «بِبَعْضٍ» في موضع المفعول الثاني عند سيبويه، وهو عنده مثل قولك: ذهبت بزيد، فزيد في موضع مفعول فظ±علمه.

    انتهى الجزء الثانى

  13. #43
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجزء الثالث

    الجوهرة الثالثة والاربعون

    قال السمين

    وقوله: { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } إلى آخره: الجملةُ المنفيَّةُ صفةٌ لـ " يوم " فمحلُّها الرفعُ. وقرأ/ " بَيْعٌ " وما بعدَه مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيهُ ذلك، مذكورٌ في قوله:
    { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ }
    [البقرة: 197] فليُنْظر ثَمَّةَ......

    { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

    قال السمين

    قولُه تعالى: { وَظ±لَّذِينَ كَفَرُوغ¤اْ أَوْلِيَآؤُهُمُ }: الذين مبتدأٌ أولُ، وأولياؤهم مبتدأٌ ثانٍ، والطاغوتُ: خبرُه، والجملةُ خبرُ الأول. وقرأ الحسن [ " الطواغيت " بالجمعِ، وإن كان أصلُه مصدراً لأنه لمَّا] أطلق على المعبودِ مِنْ دونِ الله اختلفَت أنواعُه، ويؤيِّد ذلك عَوْدُ الضمير مَجْمُوعاً من قولِهِ: " يُخْرِجونهم...

    { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }


    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " فبُهِتَ " الذي بضم الباء وكسر الهاء، يقال بهت الرجل: إذا انقطع وقامت عليه الحجة. قال ابن سيده: ويقال في هذا المعنى: " بَهِتَ " بفتح الباء وكسر الهاء، " وَبَهُت " بفتح الباء وضم الهاء. قال الطبري: وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى، " بَهَت " بفتح الباء والهاء.

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا ضبطت اللفظة في نسخة ابن ملول دون تقييد بفتح الباء والهاء، قال ابن جني: قرا أبو حيوة: " فبَهُت " بفتح الباء وضم الهاء هي لغة في بهت بكسر الهاء، قال: وقرأ ابن السميفع: " فبَهَت " بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز أن يكون " بَهَتَ " بفتحهما لغة في بهت. قال: وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة " فبهِت " بكسر الهاء كَخَرِقَ ودهِش، قال: والأكثر بالضم في الهاء، قال ابن جني: يعني أن الضم يكون للمبالغة، قال الفقيه أبو محمد: وقد تأول قوم في قراءة من قرأ { فبهت } بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة

    قال السمين

    قوله: { لَمْ يَتَسَنَّهْ } هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال. وزعم بعضُهم أن المضارعَ المنفيَّ بـ " لم " إذا وَقَع حالاً فالمختارُ دخولُ واوِ الحال وأنشد:/
    1051 ـ بأَيْدي رجالٍ لم يَشِيْموا سيوفَهُمْ ولم تَكْثُر القَتْلى بها حينَ سُلَّتِ
    وزعم آخرون أنَّ الأَوْلَى نفيُ المضارعِ الواقعِ حالاً بما ولمَّا وكلا الزعمين غيرُ صحيحين. لأنَّ الاستعمالَيْنِ واردان في القرآنِ، قال تعالى:
    { فَظ±نْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ظ±للَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوغ¤ءٌ }
    [آل عمران: 174]، وقال تعالى:
    { أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ }
    [الأنعام: 93] فجاء النفيُ بـ لم مع الواوِ ودونِها.

    قيل: قد تقدَّم شيئاَن وهما " طعامِك وشرابِك " ولم يُعِدِ الضميرَ إلا مفرداً، وفي ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ، أحدُها: أنهما لمَّا كانا متلازِمَيْنِ، بمعنى أنَّ أحدَهما لا يُكْتَفَى به بدونِ الآخر صارا بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ حتى كأنه [قال:] فانظُرْ إلى غذائِك. الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ إلى الشراب فقط، لأنه أقربُ مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفَتْ لدلالةِ هذه عليها. والتقديرُ: وانظرْ إلى طعامِكَ لم يَتَسَنَّهْ وإلى شرابِك لم يَتَسَنَّهْ، أو يكونُ سكتَ عن تغيُّرِ الطعامِ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وذلك أنه إذا لم يتغيَّرِ الشرابُ مع نَزْعَة النفس إليه فَعَدَمُ تغيُّر الطعامِ أَوْلَى، قال معناه أبو البقاء. والثالث: أنه أفردَ في موضِعِ التثنيةِ، قاله أبو البقاء وأنشد:
    1052 ـ فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ أو سُنْبَلٍ كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ
    وليس بشيءٍ.

    وقرأ حمزةُ والكسائي: " لم يَتَسَنَّهْ " بالهاء وقفاً وبحذفها وصلاً، والباقون بإثباتِها في الحالين. فأمَّا قراءتهما فالهاءُ فيها للسكتِ. وأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فالهاء تحتملُ وجهين، أحدُهما: أن تكونَ أيضاً للسكتِ، وإنما أُثبتت وصلاً إجراء للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وهو في القرآن كثيرٌ، سيمرُّ بك منه مواضعُ، فعلى هذا يكون أصلُ الكلمةِ: إمَّا مشتقاً من لفظ " السَّنة " على قولنا إنَّ لامَها المحذوفةَ واوٌ، ولذلكَ تُرَدُّ في التصغير والجمع، قالوا: سُنَيَّة وسَنَوات، وعلى هذه اللغة قالوا: " سانَيْتُ " أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لوقوعِها رابعةً، وقالوا: أَسْنَتَ القومُ، فقلبوا الواوَ تاءً، والأصل أَسْنَوُوا، فأَبْدَلوها في تُجاه وتُخَمة كما تقدَّم، فأصله: يَتَسَنَّى فحُذِفَتْ الألفُ جزماً، وإمَّا مِنْ لفظ " مَسْنون " وهو المتغيِّرُ ومنه
    { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }
    [الحجر: 26]، والأصل: يتَسَنَّنُ بثلاثِ نونات، فاسْتُثْقِلَ توالي الأمثال، فَأَبْدَلْنَا الأخيرةَ ياءً، كما قالوا في تَظَنَّنَ: تظَنَّى، وفي قَصَّصْت أظفاري: قَصَّيْت، ثم أَبْدَلْنَا الياء ألفاً لتحرُّكِها وانفتاح ما قبلَها، ثم حُذِفَتْ جزماً، قاله أبو عمرو، وخَطَّأَه الزجاج، قال: " لأنَّ المسنونَ المصبوبَ على سَنَنِ الطريق ".

    وحُكِيَ عن النقاش أنه قال: " هو مأخوذٌ من أَسِنَ الماءُ " أي تغيَّر، وهذا وإن كان صحيحاً معنىً فقد رَدَّ عليه النحويون قولَه لأنه فاسدٌ اشتقاقاً، إذ لو كان مشتقاً من " أَسِنَ الماء " لكان ينبغي حين يُبْنَى منه تفعَّل أن يقال تأسَّن.

    ويمكن أَنْ يُجَابَ عنه أنه يمكنُ أن يكونَ قد قُلِبَت الكلمةُ بَنْ أُخِّرَتْ فاؤها - وهي الهمزة - إلى موضِع لامِها فبقي: يَتَسَنَّأ بالهمزةِ آخِراً، ثم أُبْدِلَت الهمزةُ ألفاً كقولِهم في قرأ: " قَرَا " ، وفي استَهْزا " ثم حُذِفَتْ جزماً.

    والوجه الثاني: أن تكونَ الهاءُ أصلاً بنفسِها، ويكونُ مشتقاً من لفظ " سنة " أيضاً، ولكن في لغةِ من يَجْعَلُ لامَها المحذوفَةَ هاءً، وهم الحجازيون، والأصلِ: سُنَيْهَة، يَدُلُّ على ذلك التصغيرُ والتكسير، قالوا: سُنَيْهَة وسُنَيْهات وسانَهْتُ، قال شاعرهم:
    1053 ـ وليسَتْ بِسَنْهَاء ولا رُجَّبِيَّةٍ ولكنْ عرايا في السنينِ الجوائِحِ
    ومعنى " لم يَتَسَنَّهْ " على قولِنا: إنه من لفظِ السَّنَة، أي: لم يتغيَّر بمَرِّ السنين عليه، بل بقي على حالِه، وهذا أَوْلى من قولِ أبي البقاء في أثناءِ كلامه " من قولك أَسْنى يُسْنِي إذا مَضَتْ عليه سِنونَ " لأنه يَصِيرُ المعنى: لم تَمْضِ عليه سنونَ، وهذا يخالِفُهُ الحِسُّ والواقعُ.

    وقرأ أُبَيّ: " لم يَسَّنَّه " بإدغام التاء في السين، والأصل: " لم يَتَسَنَّه " كما قرىء
    { لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىظ° ظ±لْمَلإِ }
    [الصافات: 8]، والأصل: يَتَسَمَّعون فَأُدْغِم.

    وقرأ طلحة بن مصرف: " لمئة سنة ".

    الجوهرة الرابعة والاربعون

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " نَنْشُرُها " بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. " ننشزها " بالزاي، وروى أبان عن عاصم " نَنشرُها " بفتح النون الأولى وضم الشين وبالراء، وقرأها كذلك ابن عباس والحسن وأبو حيوة. فمن قرأها " نُنشرها " بضم النون الأولى وبالراء فمعناه نحييها. يقال أنشر الله الموتى فنشروا، قال الله تعالى:
    { ثم إذا شاء أنشره }
    [عبس: 22].

    وقال الأعشى: [السريع]

    يَا عَجَبا للميِّت النَّاشِرِ
    وقراءة عاصم: " نَنشرها " بفتح النون الأولى يحتمل أن تكون لغة في الإحياء، يقال: نشرت الميت وأنشرته فيجيء نشر الميت ونشرته، كما يقال حسرت الدابة وحسرتها، وغاض الماء وغضته، ورجع زيد ورجعته. ويحتمل أن يراد بها ضد الطيّ، كأن الموت طيّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع بعضها إلى بعض نشر. وأما من قرأ: " ننشزها " بالزاي بمعناه: نرفعها، والنشز المرتفع من الأرض، ومنه قول الشاعر:

    ترى الثَّعْلَبَ الْحَوليَّ فيها كأنَّهُ إذا مَا علا نَشْزاً حِصَانٌ مُجَلَّلُ
    قال أبو علي وغيره: فتقديره ننشزها برفع بعضها إلى بعض للإحياء، ومنه نشوز المرأة وقال الأعشى: [الطويل]

    قُضَاعِيَّةٌ تَأْتي الْكَواهِنَ ناشِزا
    يقال نشز وأنشزته.

    قال القاضي أبو محمد: ويقلق عندي أن يكون معنى النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض، وإنما النشوز الارتفاع قليلاً قليلاً، فكأنه وقف على نبات العظام الرفات وخروج ما يوجد منها عند الاختراع، وقال النقاش: ننشزها معناه ننبتها، وانظر استعمال العرب تجده على ما ذكرت، من ذلك نشز ناب البعير، والنشز من الأرض على التشبيه بذلك، ونشزت المرأة كأنها فارقت الحال التي ينبغي أن تكون عليها، وقوله تعالى:
    { وإذا قيل انشزوا فانشزوا }
    [المجادلة: 11] أي فارتفعوا شيئاً شيئاً كنشوز الناب. فبذلك تكون التوسعة، فكأن النشوز ضرب من الارتفاع. ويبعد في الاستعمال أن يقال لمن ارتفع في حائط أو غرفة: نشز. وقرأ النخعي " نَنشُزُها " بفتح النون وضم الشين والزاي، وروي ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أبي بن كعب: " كيف ننشيها " بالياء. والكسوة: ما وارى من الثياب،وشبه اللحم بها، وقد استعاره النابغة للإسلام فقال:
    الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيتُ من الإسلامِ سربالا
    وروي أنه كان يرى اللحم والعصب والعروق كيف تلتئم وتتواصل...

    وقال الطبري

    والقول فـي ذلك عندي أن معنى الإنشار ومعنى الإنشاز متقاربـان، لأن معنى الإنشاز التركيب والإثبـات وردّ العظام من العظام وإعادتُها لا شك أنه ردّها إلـى أماكنها ومواضعها من الـجسد بعد مفـارقتها إياها. فهما وإن اختلفـا فـي اللفظ، فمتقاربـا الـمعنى، وقد جاءت بـالقراءة بهما الأمة مـجيئاً يقطع العذر ويوجب الـحجة، فبأيهما قرأ القارىء فمصيب لانقـياد معنـيـيهما، ولا حجة توجب لإحداهما من القضاء بـالصواب علـى الأخرى. فإن ظنّ ظان أن الإنشار إذا كان إحياء فهو بـالصواب أولـى، لأن الـمأمور بـالنظر إلـى العظام وهي تنشر إنـما أمر به لـيرى عيانا ما أنكره بقوله { أَوْ كَظ±لَّذِى مَرَّ عَلَىظ° قَرْيَةٍ وَهِىَ } فإن إحياء العظام لا شك فـي هذا الـموضع إنـما عنى به ردّها إلـى أماكنها من جسد الـمنظور إلـيه، وهو يحيا، لا إعادة الروح التـي كانت فـارقتها عند الـمـمات. والذي يدل علـى ذلك قوله { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ولا شك أن الروح إنـما نفخت فـي العظام التـي أنشرت بعد أن كسيت اللـحم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنشاز تركيب العظام وردّها إلـى أماكنها من الـجسد، وكان ذلك معنى الإنشار، وكان معلوماً استواء معنـيـيهما، وأنهما متفقا الـمعنى لا مختلفـاه، ففـي ذلك إبـانة عن صحة ما قلنا فـيه. وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي، وهي قراءة من قرأ «كَيْفَ نَنْشُرُها» بفتـح النون وبـالراء، لشذوذها عن قراءة الـمسلـمين وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب

    الجوهرة الخامسة والاربعون

    وقال السمين

    قوله: { قَالَ أَعْلَمُ } الجمهورُ على " قال " مبنياً للفاعلِ. وفي فاعلِهِ على قراءةِ حمزة والكسائي: " اعْلَمْ " أمراً من " عَلِمَ " قولان، أظهرِهُما: أنه ضميرٌ يعودُ على اللِّهِ تعالى أو على المَلِكِ، أي: قال اللَّهُ أو المَلِكُ أو المَلِكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ. والثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسهِ، نَزَّلَ نفسَه منزلَةَ الأجنبي فخاطَبَهَا، ومنه:


    1058 ـ وَدِّعْ هُرَيْرَةَ......... .....................
    [وقوله]:
    1059 ـ ألم تَغْتَمِضْ عيناك... ............................
    [قوله]:
    1060 ـ تطاولَ ليلُك......... ....................
    يعني نفسَه. قال أبو البقاء: " ما تقولُ لنفسِك: اعلمْ يا عبدَ الله، ويُسَمَّى هذا التجريدَ " يعني كأنه جَرَّد من نفسه مخاطباً يخاطِبُه.

    وأمَّا على قراءةِ غيرهما: " أعلمُ " مضارعاً للمتكلمِ ففاعلُ " قال " ضميرُ المارِّ، أي: قال المارُّ: أعلَمُ أنا

  14. #44
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    قال الطبري

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ «اعْلَـمْ» بوصل الألف وجزم الـميـم علـى وجه الأمر من الله تعالـى ذكره للذي قد أحياه بعد مـماته بـالأمر بأن يعلـم أن الله الذي أراه بعينـيه ما أراه من عظيـم قدرته وسلطانه من إحيائه إياه وحماره بعد موت مائة عام وبلائه حتـى عادا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما، وحفظ علـيه طعامه وشرابه مائة عام حتـى ردّه علـيه كهيئته يوم وضعه غير متغير علـى كل شيء قادر كذلك. وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بـالصواب دون غيره لأن ما قبله من الكلام أمر من الله تعالـى ذكره قولاً للذي أحياه الله بعد مـماته وخطابـا له به، وذلك قوله { فَظ±نظُرْ إِلَىظ° طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَظ±نظُرْ إِلَىظ° حِمَارِكَ وَظ±نظُرْ إِلَى ظ±لعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } فلـما تبـين له ذلك جوابـاً عن مسألته ربه { أَوْ كَظ±لَّذِى مَرَّ عَلَىظ° قَرْيَةٍ وَهِىَ } ظ° قال الله له اعلـم أن الله الذي فعل هذه الأشياء علـى ما رأيت علـى غير ذلك من الأشياء قدير كقدرته علـى ما رأيت وأمثاله، كما قال تعالـى ذكره لـخـلـيـله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم، بعد أن أجابه عن مسألته إياه فـي قوله
    { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ظ±لْمَوْتَىظ° }
    البقرة 260
    { وَظ±عْلَمْ أَنَّ ظ±للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
    البقرة 260 فأمر إبراهيـم بأن يعلـم بعد أن أراه كيفـية إحيائه الـموتـى أنه عزيز حكيـم، وكذلك أمر الذي سأل فقال { أَوْ كَظ±لَّذِى مَرَّ عَلَىظ° قَرْيَةٍ وَهِىَ } بعد أن أراه كيفـية إحيائه إياها أن يعلـم أن الله علـى كل شيء قدير....

    الجوهرة السادسة والاربعون

    { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    قال السمين

    قوله: { فَصُرْهُنَّ } قرأ حمزة بكسر الصادِ، والباقونَ بضمِّها وتخفيفِ الراء. واختُلِف في ذلك فقيل: القراءتان يُحتمل أَنْ تكونا بمعنىً واحدٍ، وذلك أنه يقال: صارَه يَصُوره ويَصِيره، بمعنى قَطَعه أو أماله فاللغتان لفظٌ مشتركٌ بين هذين المعنيين، والقراءتان تَحْتَمِلهما معاً، وهذا مذهبُ أبي عليّ. وقال الفراء: " الضمُّ مشتركٌ بين المعنيين، وأمَّا الكسرُ فمعناه القطعُ فقط ". وقال غيرُه: " الكسرُ بمعنى القَطْعِ والضمُّ بمعنى الإِمالةِ ". ونُقِل عن الفراء أيضاً أنه قال: " صَارَه " مقلوبُ من قولهم: " صَراه عن كذا " أي: قَطَعه عنه. ويقال: صُرْتُ الشيءَ فانصار أي: قالت الخنساء:
    1063 ـ فلو يُلاقي الذي لاقَيْتُه حَضِنٌ لَظَلَّتِ الشمُّ منه وَهْيَ تَنْصارُ

    أي: تَنْقَطِعُ. واختُلف في هذه اللفظةِ: هل هي عربيةٌ او مُعَرَّبة؟ فعن ابنِ عباس أنها مُعَرَّبةٌ من النبطية، وعن أبي الأسود أنها من السريانية، والجمهورُ على أنها عربيةٌ لا معرَّبةٌ.

    و " إليك " إنْ قلنا: إنَّ " صُرْهُنَّ " بمهنى أمِلْهُنَّ تعلَّق به، وإنَّ قلنا: إنه بمعنى قَطِّعْهُنَّ تعلَّقَ بـ " خُذْ ".

    وقرأ ابن عباس: " فَصُرَّهُنَّ " بتشديد الراءِ مع ضَم الصادِ وكسرِها، مِنْ: صَرَّه يَصُرُّه إذا جَمَعه؛ إلا أنَّ مجيءَ المضعَّفِ المتعدِّي على يَفْعِل بكسر العين في المضارعِ قليلٌ. ونقل أبو البقاء عَمَّنْ شَدَّد الراءَ أنَّ منهم مَنْ يَضُمُّها، ومنهم مَنْ يفتَحُها، ومنهم مَنْ يكسِرُها مثل: " مُدَّهُنَّ " فالضمُّ على الإِتباعِ، والفتحُ للتخفيفِ، والكسرُ على أصلِ التقاءِ الساكنينِ.

    ولمَّا فَسَّر أبو البقاء " فَصُرْهُنَّ " بمعنى " أَمِلْهُنَّ " قَدَّر محذوفاً بعده تقديرُه: فَأَمِلْهُنَّ إليك ثم قَطِّعْهُنَّ، ولمَّا فسَّره بقطِّعْهن قَدَّر محذوفاً يتعلَّق به " إلى " تقديرُه: قَطِّعْهُنَّ بعد أَنْ تُميلَهُنَّ [إليك]. ثم قال: " والأجودُ عندي أن يكونَ " إليك " حالاً من المفعولِ المضمرِ تقديرُه: فَقَطِّعْهُنَّ مُقَرَّبةً إليك أو ممالةً أو نحوُ ذلك.

    وقال الرازى

    قوله تعالى: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } بكسر الصاد، والباقون بضم الصاد، أما الضم ففيه قولان الأول: أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق، ويقال: صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف، كأنه قيل: أملهن إليك وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله { أَنِ ظ±ضْرِب بّعَصَاكَ ظ±لْبَحْرَ فَظ±نفَلَقَ } على معنى: فضرب فانفلق لأن قوله { ثُمَّ ظ±جْعَلْ عَلَىظ° كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جزءاً } يدل على التقطيع. فإن قيل: ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟. قلنا: الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. والقول الثاني: وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد { صرهن إليك } معناه قطعهن، يقال: صار الشيء يصوره صوراً، إذ قطعه، قال رؤبة يصف خصماً ألد: صرناه بالحكم، أي قطعناه، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد، فقد فسّر هذه الكلمة أيضاً تارة بالإمالة، وأخرى بالتقطيع، أما الإمالة فقال الفرّاء: هذه لغة هذيل وسليم: صاره يصيره إذا أماته، وقال الأخفش وغيره { صرهن } بكسر الصاد: قطعهن. يقال: صاره يصيره إذا قطعه، قال الفرّاء: أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع، فقدمت ياؤها، كما قالوا: عثا وعاث، قال المبرّد: وهذا لا يصح، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته، فلا يجوز جعل أحدهما فرعاً عن الآخر.

    المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها، وخلط بعضها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعياً، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن. واحتج عليه بوجوه الأول: أن المشهور في اللغة في قوله { فَصُرْهُنَّ } أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني: أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن. قلنا: التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث: أن الضمير في قوله { ثُمَّ ظ±دْعُهُنَّ } عائد إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر، وأيضاً الضمير في قوله { يَأْتِينَكَ سَعْيًا } عائداً إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في { يَأْتِينَكَ } عائداً إلى أجزائها لا إليها،....

    وقال الطبري

    ففـيـما ذكرنا من أقوال من روينا قوله فـي تأويـل قوله { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } أنه بـمعنى فقطعهن إلـيك، دلالة واضحة علـى صحة ما قلنا فـي ذلك، وفساد قول من خالفنا فـيه. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء قرأ القارىء ذلك بضم الصاد فصُرْهن إلـيك أو كسرها فصِرْهن أن كانت اللغتان معروفتـين بـمعنى واحد، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبهما إلـيّ أن أقرأ به «فصُرْهن إلـيك» بضم الصاد، لأنها أعلـى اللغتـين وأشهرهما وأكثرهما فـي أحياء العرب.

  15. #45
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,283
    الجوهرة السابعة والاربعون

    قال القرطبي

    قوله تعالىظ°: { وَظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وعد ووعيد. وقرأ الزهريّ «يعملون» بالياء كأنه يريد به الناس أجمع، أو يريد المنفقين فقط؛ فهو وعد محض.

    وقال ابن عطية

    إلا أن تغمضوا } أي تستحيي من المهدي أن تقبل منه ما لا حاجة لك فيه، ولا قدر له في نفسه.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا يشبه كون الآية في التطوع، وقال ابن زيد معنى الآية: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه، وقرأ جمهور الناس " إلا أن تُغْمِضوا " بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم. وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففاً، وروي عنه أيضاً " تُغْمِّضُوا " بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة، وحكى مكي عن الحسن البصري " تغمَّضوا " مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففاً قال أبو عمرو معناه: إلا أن يغمض لكم.

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذه اللفظة تنتزع إما من قول العرب أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز، فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم: [الخفيف]

    لَمْ يَفُتنا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وللذُ لِّ أُنَاسٌ يَرْضَونَ بالإغْمَاضِ
    وإما أن تنتزع من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه ومنه قول الشاعر:

    إلى كم وكم أشياء منكمْ تريبني أغمض عنها لست عنها بذي عمى
    وهذا كالإغضاء عند المكروه، وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي، وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضاً من الأمر كما تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجداً والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى التغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضاً من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراماً على قول ابن زيد، وإما لكونه مهدياً أو مأخوذاً في دين على قول غيره، وأما قراءة الزهري الأولى فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم، قال أبو عمرو معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان.

    قال القاضي أبو محمد: وأما قراءته الثانية فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها. ويحتمل أن تكون من تغميض العين. وأما قراءة قتادة فقد ذكرت تفسير أبي عمرو لها. وقال ابن جني: معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً إلى غير ذلك من الأمثلة، ثم نبه تعالى على صفة الغنى أي لا حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر.....

    وقرأ الجمهور " من يؤت الحكمة " على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ويعقوب " ومن يؤت " بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة { فمن } مفعول أول مقدم و { الحكمة } مفعول ثان، وقرأ الأخفش: " ومن يؤته الحكمة " ، وقرأ الربيع بن خثيم " تؤتي الحكمة من تشاء " بالتاء في " تؤتي " و " تشاء " منقوطة من فوق، " ومن يؤت الحكمة " بالياء،

    الجوهرة الثامنة والاربعون

    قال القرطبي

    { وَيُكَفِّرُ } اختلف القراء في قراءته؛ فقرأ أبو عمرو وابن كَثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتَادة وابن أبي إسحاق «ونُكَفِّرُ» بالنون ورفع الراء. وقرأ (نافع) وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء؛ ورُوي مثل ذلك أيضاً عن عاصم. وروى الحسين بن عليّ الجَعْفِيّ عن الأعمش «يُكَفِّرَ» بنصب الراء. وقرأ ظ±بن عامر بالياء ورفع الراء؛ ورواه حفص عن عاصم، وكذلك روى عن الحسن، ورُوي عنه بالياء والجزم. وقرأ ابن عباس «وتُكَفِّرْ» بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء. وقرأ عكرمة «وتُكَفَّرْ» بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء. وحكى المَهْدَوِيّ عن ابن هُرْمُز أنه قرأ «وتُكَفِّرُ» بالتاء ورفع الراء. وحُكي عن عكرمة وشَهْر بن حَوشب أنهما قرءا بتاء ونصب الراء. فهذه تسع قراءات أَبْيَنُهَا «ونُكَفِّرُ» بالنون والرفع. هذا قول الخليل وسيبويه. قال النحاس قال سيبويه: والرفع هاهنا الوجه وهو الجيِّد، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزم بحمله على المعنى؛ لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيراً لكم ونكفر عنكم. وقال أبو حاتم: قرأ الأعمش «يُكَفِّرُ» بالياء دون واو قبلها. قال النحاس: والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزماً يكون على البدل كأنه في موضع الفاء. والذي روي عن عاصم «ويُكَفِّرُ» بالياء والرفع يكون معناه ويُكَفِّرُ الله؛ هذا قول أبي عُبَيد. وقال أبو حاتم: معناه يكفِّر الإعطاء. وقرأ ابن عباس «وتُكَفِّرْ» يكون معناه وتكفِّر الصدقات. وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه؛ إلا ما رُوي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفِّر، والإعطاء في خفاء مكفِّر أيضاً كما ذكرنا، وحكاه مَكِّيّ

    وأما رفع الراء فهو على وجهين: أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفِّر أو وهي تكفِّر، أعني الصدقة، أو والله يكفِّر. والثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة. وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم. فأما نصب «ونُكَفِّرَ» فضعيف وهو على إضمار أن وجاز على بُعْد. قال المَهْدَوِيّ: وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تُؤْذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاء. وأما الرّفع فليس فيه هذا المعنى.

    قلت: هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه....

    وقال ابن عطية

    وقال ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد: معنى قوله: { لا يقومون } من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنفة، وقالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتاً عند جمع المحشر، ويقوي هذا التأويل المجمع عليه في أن قراءة عبد الله بن مسعود " لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم ".

صفحة 3 من 24 الأولىالأولى 123456713 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •