صفحة 27 من 40 الأولىالأولى ... 1723242526272829303137 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 391 إلى 405 من 586

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #391
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة التاسعة والثمانون بعد الثلاثمائة

    سورة المعارج


    قال ابن الجوزى

    قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: «سال» بغير همز. والباقون بالهمز. فمن قرأ «سأل» بالهمز ففيه ثلاثة أقوال.

    أحدها: دَعَا دَاعٍ على نفسه بعذابٍ واقعٍ.

    والثاني: سأل سائل عن عذابٍ واقعٍ لمن هو؟ وعلى من يَنْزِل؟ ومتى يكون؟ وذلك على سبيل الاستهزاء، فتكون الباء بمعنى «عن» وأنشدوا:
    فَإنْ تَسْأَلُوني بالنِّساءِ فَإنَّنِي خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّساءِ طَبِيبُ
    والثالث: سأل سائل عذاباً واقعاً، والباء زائدة.

    ومن قرأ بلا همز ففيه قولان.

    أحدهما: أنه من السؤال أيضاً، وإنما لَيَّن الهمزة، يقال سأل، وسال، وأنشد الفراء:
    تَعَالَوْا فَسَالُوا يَعْلمِ النَّاسُ أَيُّنَا لِصَاحِبِهِ في أَوَّلِ الدَّهْرِ تَابِع
    والثاني: المعنى سال وادٍ في جهنم بالعذاب للكافرين، وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن، وكان ابن عباس في آخرين يقرؤون «سَالَ سَيْلٌ» بفتح السين، وسكون الياء من غير ألف ولا همز. وإذا قلنا إنه من السؤال فقوله تعالى: «للكافرين» جواب للسؤال، كأنه لما سأل: لمن هذا العذاب؟ قيل: للكافرين. والواقع: الكائن. والمعنى: أن العذاب للذي سأله هذا الكافر كائن لا محالة في الآخرة { للكافرين ليس له دافع من الله } قال الزجاج: المعنى: ذلك العذاب واقع من الله للكافرين....

    قال الطبري


    قال أبو جعفر اختلفت القرّاء في قراءة قوله { سأَلَ سائِلٌ } فقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة { سأَلَ سائِلٌ } بهمز سأل سائل، بمعنى سأل سائل من الكفار عن عذاب الله، بمن هو واقع وقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة «سال سائِلٌ» فلم يهمز سأل، ووجهه إلى أنه فعل من السيل. والذي هو أولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأه بالهمز لإجماع الحجة من القرّاء على ذلك، وأن عامة أهل التأويل من السلف بمعنى الهمز تأوّلوه. ذكر من تأوّل ذلك كذلك، وقال تأويله نحو قولنا فيه حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { سألَ سائِلٌ بعَذَابٍ وَاقِعٍ } قال ذاك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع. حدثنا ابن حميد، قال ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد{ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ... } الآية

    وقال ابن عطية

    وقال بعضهم في الآية: هو من سال يسيل: إذا جرى وليست من معنى السؤال، قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يسمى سايلاً، والاخبار هاهنا عنه.

    قال القاضي أبو محمد: ويحتمل إن لم يصح أمر الوادي أن يكون الإخبار عن نفوذ القدر بذلك العذاب قد استعير له لفظ السيل لما عهد من نفوذ السيل وتصميمه، وقرأ ابن عباس: " سال سيْل " بسكون الياء،

    وقال الطبري

    . واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَلا يَسألُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى أبي جعفر القارىء وشَيبة بفتح الياء وقرأه أبو جعفر وشيبة «وَلا يُسْئَلُ» بضم الياء، يعني لا يقال لحميم أين حميمك؟ ولا يطلب بعضهم من بعض. والصواب من القراءة عندنا فتح الياء، بمعنى لا يسأل الناس بعضهم بعضاً عن شأنه، لصحة معنى ذلك، ولإجماع الحجة من القرّاء عليه.

    وقال الالوسي

    أي لا يسأل قريب مشفق قريباً مشفقاً عن حاله ولا يكلمه لابتلاء كل منهم بما يشغله عن ذلك أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد عن قتادة وفي رواية أخرى عنه لا يسأله عن حاله لأنها ظاهرة وقيل لا يسأله أن يحمل عنه من أوزاره شيئاً ليأسه عن ذلك وقيل لا يسأله شفاعة وفي «البحر» لا يسأله نصره ولا منفعته لعلمه أنه لا يجد ذلك عنده ولعل الأول أبلغ في التهويل وأياً ما كان فمفعول { يَسْأَلُ } الثاني محذوف وقيل { حَمِيماً } منصوب بنزع الخافض أي لا يسأل حميم عن حميم.

    وقرأ أبو حيوة وشيبة وأبو جعفر والبزي بخلاف عن ثلاثتهم (ولا يسأل) مبنياً للمفعول أي لا يطلب من حميم حميم ولا يكلف إحضاره أو لا يسأل منه حاله وقيل لا يسئل ذنوب حميمه ليؤخذ بها.

  2. #392
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة التسعون بعد الثلاثمائة

    قال السمين

    قوله: { يُبَصَّرُونَهُمْ }: عُدِّي بالتضعيفِ إلى ثانٍ وقام الأولُ مَقامَ الفاعلِ. وفي محلِّ هذه الجملةِ وجهان،/ أحدُهما: أنَّها في موضعِ الصفةِ لحَميم. والثاني: أنها مستأنفةٌ. قال الزمخشري: " فإنْ قلتَ: ما موقعُ " يُبَصَّرُونْهم "؟ قلت: هو كلامٌ مستأنفٌ، كأنَّه لَمَّا قال: لا يَسْأل حَميمٌ حَميماً قيل: لعلَّه لا يُبَصَّرُه. فقيل: يُبَصَّرُونهم ". ثم قال: " ويجوزُ أَنْ يكونَ " يُبَصَّرُونهم " صفةً، أي: حميماً مُبَصَّرين مُعَرِّفين إياهم " انتهى. وإنما جُمِع الضميران في " يُبَصَّرُونهم " وهما للحميمَيْن حَمْلاً على معنى العموم لأنهما نكرتان في سياقِ نَفْي. وقرأ قتادةُ " يُبْصِرُونهم " مبنياً للفاعل مِنْ أَبْصَرَ، أي: يُبْصِرُ المؤمنُ الكافرَ في النار. ....

    وقال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس: " يومئذ " بكسر الميم، وقرأ الأعرج بفتحها، ومن حيث أضيف إلى غير متمكن جاز فيه الوجهان. وقرأ أبو حيوة " من عذابٍ " منوناً " يومَئذ " مفتوح الميم، ..

    وقرأ السبعة والحسن وأبو جعفر والناس: " نزاعةٌ " بالرفع، وقرأ حفص عن عاصم: " نزاعةً " بالنصب، فالرفع على أن تكون { لظى } بدلاً من الضمير المنصوب، " ونزاعةُ " خبر " إن " أو على إضمار مبتدأ، أي هي نزاعة او على أن يكون الضمير في { إنها } للقصة، و { لظى } ابتداء و " نزاعةٌ " خبره، أو على أن تكون { لظى } خبر و " نزاعةٌ " بدل من { لظى } ، أو على أن تكون { لظى } خبراً و " نزاعةٌ " خبراً بعد خبر. وقال الزجاج: " نزاعةٌ " ، رفع بمعنى المدح.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول بأنها خبر ابتداء تقديره هي نزاعة، لأنه إذا تضمن الكلام معنى المدح أو الذم جاز لك القطع رفعاً بإضمار مبتدأ أو نصباً بإضمار فعل. ومن قرأ بالنصب فذلك إما على مدح { لظى } كما قلنا، وإما على الحال من { لظى } لما فيها من معنى التلظي، كأنه قال: كلا إنها النار التي تتلظى نزاعةً، قال الزجاج: فهي حال مؤكدة....

    وقال الطبري

    ورفعت { نَزَّاعَةً } على الابتداء. وقال بعض من أنكر ذلك لا ينبغي أن يتبع الظاهر المكنى إلا في الشذوذ قال والاختيار { إنَّها لَظَى نَزَّاعَةً للشَّوَى } لظى الخبر، ونزاعة حال قال ومن رفع استأنف، لأنه مدح أو ذمّ قال ولا تكون ابتداء إلا كذلك. والصواب من القول في ذلك عندنا، أن { لَظَى } الخبر، و { نَزَّاعةٌ } ابتداء، فذلك رفع، ولا يجوز النصب في القراءة لإجماع قرّاء الأمصار على رفعها، ولا قارىء قرأ كذلك بالنصب وإن كان للنصب في العربية وجه وقد يجوز أن تكون الهاء من قوله «إنها» عماداً، ولظى مرفوعة بنزّاعة، ونزّاعة بلظى، كما يقال إنها هند قائمة، وإنه هند قائمة، فالهاء عماد في الوجهين.

    ملحوظة

    بالنصب قراءة حفص عن عاصم وهذا عجيب من الطبري قطب التفسير وامام الائمة

    وقال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " على صلاتهم " بالإفراد، وقرأ الحسن: " صلواتهم " بالجمع.....

    وقرأ ابن كثير وحده من السبعة: " لأمانتهم " بالإفراد، ....

    . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " ،واختلف الناس في معنى هذا الحديث بحسب المعنيين اللذين ذكرت في الآية، إحداهما: أن يكون يحفظهما متقنة فيأتي بها ولا يحتاج أن يستفهم عن شيء منها ولا أن يعارض. والثاني: إذا رأى حقاً يعمل بخلافه وعنده في إحياء الحق شهادة. وروي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيأتي قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن ". واختلف الناس في معنى هذا الحديث، فقال بعض العلماء: هم قوم مؤمنون يتعرضون ويحرصون على وضع أسمائهم في وثائق الناس، وينصبون لذلك الحبائل من زي وهيئة وهم غير عدول في أنفسهم فيغرون بذلك ويضرون.

    قال القاضي أبو محمد: فهذا في ابتداء الشهادة لا في أدائها، ويجيء قوله عليه السلام: " ولا يستشهدون " ، أي وهم غير أهل لذلك، وقال آخرون من العلماء: هم شهود الزور، لأنهم يؤدونها والحال لم تشهدهم ولا المشهود عليه، وقرأ حفص عن عاصم: " بشهاداتهم " على الجمع وهي قراءة عبد الرحمن، والباقون " بشهادتهم "....

    وقرأ السبعة والحسن وطلحة: " يُدخَل " بضم الياء وفتح الخاء على بناء الفعل للمفعول، وقرأ المفضل عن عاصم وابن يعمر والحسن وأبو رجاء وطلحة: " يَدخُل " ، بفتحها وضم الخاء على بناء الفعل للفاعل....

    قرأ الجمهور: " فلا أقسم " وذلك على أن تكون " لا " زائدة، أو تكون رداً لفعل الكفار وقولهم ثم يقع الابتداء بالقسم. وقرأ قوم من القراء " فلأقسم " دون ألف مفردة، و { المشارق والمغارب } هي مطالع الشمس والقمر وسائر الكواكب وحيث تغرب، لأنها مختلفة عند التفضيل فلذلك جمع، وقرأ عبد الله بن مسلم وابن محيصن: " برب المشرق والمغرب " على الإفراد، ومتى ورد " المشرق والمغرب " ، وهي عبارة عن موضع الشروق وموضع الغروب بجملته وإن كان يتفصل بالصاد، ومتى ورد المشرقان والمغربان فهي عبارة عن طرفي مواضع الشروق وطرفي موضع الغروب. ....

    وروي عن ابن كثير أنه قرأ: " يلقوا " بغير ألف، وهي قراءة أبي جعفر وابن محيصن...

    وقرأ الجمهور: " يَخرُجون " بفتح الياء وضم الراء. وروى أبو بكر عن عاصم: ضم الياء وفتح الراء

    قال السمين

    قوله: { إِلَى نُصُبٍ } متعلِّقٌ بالخبرِ. والعامَّةُ على " نَصْبٍ " بالفتح والإِسكان، وابنُ عامر وحفصٌ بضمتين، وأبو عمران الجوني ومجاهد بفتحتَيْن، والحسنُ وقتادةُ بضمةٍ وسكون. فالأُولى هو اسمٌ مفردٌ بمعنى العَلَم المنصوبِ الذي يُسْرِع الشخصُ نحوَه. وقال أبو عمروٍ: " هو شَبَكَةُ الصائدِ يُسْرِع إليها عند وقوعِِ الصيدِ فيها مخافةَ انفلاتِه ". وأمَّا الثانيةُ فتحتمل ثلاثَة أوجهٍ. أحدها:/ أنه اسمٌ مفردٌ بمعنى الصَّنَمِ المنصوبِ للعبادة، وأنشد للأعشى:
    4337ـ وذا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَعْبُدَنَّه لعاقبةٍ واللَّهَ ربَّك فاعْبُدَا
    الثاني: أنه جمعُ نِصاب ككُتُب في كِتاب. الثالث: أنه جمعُ نَصْبٍ نحو: رَهْن في رُهُن، وسَقْف في سُقُف، وهذا قولُ أبي الحسن. وجَمْعُ الجمعِ أَنْصاب. وأمَّا الثالثةُ فَفَعَل بمعنى مَفْعول، أي: مَنْصوب كالقَبَضِ والنَّقَضِ. والرابعةُ تخفيفٌ من الثانية

  3. #393
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الواحدة والتسعون بعد الثلاثمائة

    سورة نوح


    قال ابن عطية

    وقرأ " ألم تروا " وقرأ " ألم يروا " على فعل الغائب و { طباقاً } قيل هو مصدر أي مطابقة أي جعل كل واحدة طبقاً للأخرى ونحو قول امرئ القيس: [الرمل]

    طبق الأرض تجري وتدر
    وقيل هو جمع طبق، وهو نعت لسبع، وقرأ ابن أبي عبلة، " طباقٍ " بالخفض على النعت لـ { سموات } ، ...

    وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع في رواية خارجة عنه " ووُلْده " بضم الواو وسكون اللام، وهي قراءة ابن الزبير والحسن والأعرج والنخعي ومجاهد، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر " ووَلَده " بفتح اللام والواو وهما بمعنى واحد كبُخْل وبَخَل وهي قراءة أبي عبد الرحمن والحسن وأبي رجاء وابن وثاب وأبي جعفر وشيبة، وقرأ " ووِلده " بكسر الواو والجحدري وزر والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق وطلحة، وقال أبو عمرو: " وُلْد " بضم الواو وسكون اللام العشيرة والقوم، وقال أبو حاتم يمكن أن يكون الوُلد بضم الواو جمع الولد وذلك كخشب وخشب، وقد قال حسان بن ثابت: [الكامل]

    ما بكر آمنة المبارك بكرها من ولد محصنة بسعد الأسعد
    وقرأ جمهور الناس: " كبّاراً " بشد الباء وهو بناء مبالغة، ...

    قال السمين

    قوله: { وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ } قرأهما العامَّةُ بغير تنوين. فإن كانا عربيَّيْن فالمنعُ من الصَرْف للعلميَّةِ والوزن، وإن كانا أعجميَّيْن فللعلميَّةِ والعُجْمة. وقرأ الأعمش: " ولا يَغُوْثاً ويَعُوْقاً " مصورفَيْن. قال ابن عطية: " وذلك وهمٌ: لأنَّ التعريفَ لازمٌ ووزنَ الفعل " انتهى. وليس بوهمٍ لأمرَيْن، أحدهما: أنه صَرَفَهما للتناسُبِ، إذ قبله اسمان منصرفان، وبعده اسمٌ منصرفٌ، كما صُرِفَ " سلاسل ". والثاني: أنه جاء على لغةِ مَنْ يَصْرِفُ غيرَ المنصرِف مطلقاً. وهي لغةٌ حكاها الكسائيُّ.

    ونقل أبو الفضل الصَّرْفَ فيهما عن الأشهبِ العُقَيْليِّ ثم قال: " جَعَلهما فَعُولاً؛ فلذلك صرفهما، فأمَّا في العامَّة فإنهما صفتان من الغَوْث والعَوْق ". قلت: وهذا كلامٌ مُشْكِلٌ. أمَّا قولُه: " فَعُولاً " فليس بصحيحٍ، إذ مادةُ " يغث " و " يعق " مفقودةٌ. وأمَّا قولُه: " صفتان من الغَوْث والعَوْق " فليس في الصفاتِ ولا في الأسماءِ " يَفْعُل " والصحيحُ ما قَدَّمْتُه. وقال الزمخشري: " وهذه قراءةٌ مُشْكِلة؛ لأنهما إنْ كانا عربيَّيْنِ أو أعجميَّيْنِ ففيهما مَنْعُ الصَّرْفِ، ولعله قَصَدَ الازدواجَ فصرَفهما. لمصادفتِه أخواتِهما منصرفاتٍ: وَدَّاً وسُوعاً ونَسْراً ". قال الشيخ: " كأنه لم يَطَّلعْ على أنَّ صَرْفَ ما لا ينصرفُ لغةٌ ".

    وقال السمين

    قوله: { مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ }: " ما " مزيدةٌ بين الجارِّ ومجرورِه توكيداً. ومَنْ لم يَرَ زيادتَها جَعَلها نكرةً، وجَعَلَ " خطيئاتِهم " بدلاً، وفيه تعسُّفٌ. وتقدَّم الخلافُ في قراءةِ " خَطِيْئاتِهم " في الأعراف. وقرأ أبو رجاء " خَطِيَّاتهم " جمعَ سلامةٍ، إلاَّ أنَّه أَدْغَمَ الياءَ في الياءِ المنقلبةِ عن الهمزةِ. والجحدريُّ ـ وتُرْوى عن أُبَيّ ـ " خطيئتِهم " بالإِفراد والهمز. وقرأ عبد الله " مِنْ خطيئاتِهم ما أُغْرِقوا " فجعلَ " ما " المزيدةَ بين الفعلِ وما يتعلَّق به. و " مِنْ " للسببيَّةِ تتعلَّقُ بـ " أُغْرِقوا ". قال ابن عطية: " لابتداء الغاية " ، وليس بواضح. وقرأ العامَّةُ " أُغرِقوا " مِنْ أَغْرق. وزيد بن علي " غُرِّقوا " بالتشديدِ، وكلاهما للنَّقْلِ. تقول: أغرَقْتُ زيداً في الماء، وغَرَّقْتُه فيه.

    وقال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس: " ولوالدَي " وقرأ أبي بن كعب " ولأبوي " ، وقرأ سعيد بن جبير " ولوالدِي " بكسر الدال يخص أباه بالدعوة. وقال ابن عباس: لم يكفر بنوح ما بينه وبين آدم عليه السلام، وقرأ يحيى بن يعمر والجحدري: " ولولَديَّ " بفتح اللام وشد الياء المفتوحة وهي قراءة النخعي يخص بالدعاء ابنيه،

    وقال السمين

    قوله: { رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ }: العامَّةُ على فتحِ الدال على أنه تثنيةُ " والِد " يريد أبوَيْه. وقرأ الحسن بن علي رضي الله عنهما ويحيى بن يعمر والنخعي " ولوَلَدَيَّ " تثنيةَ " وَلَد " يعني ابنَيْه ساماً وحاماً. وقرأ ابن جبير والجحدريُّ " ولوالِدِيْ " بكسر الدال يعني أباه، فيجوزُ أن يكونَ أرادَ أباه الأقربَ الذي وَلَدَه، وخصَّه بالذِّكْر لأنه أشرفُ من الأم، وأَنْ يريدَ جميعَ مَنْ وَلَدَه مِنْ لَدُنْ آدمَ عليه السلام إلى مَنْ وَلده.

  4. #394
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الثانية والتسعون بعد الثلاثمائة

    سورة الجن


    قال ابو حيان

    وقرأ الجمهور: { الرشد } بضم الراء وسكون الشين؛ وعيسى: بضمهما؛ وعنه أيضاً: فتحهما...

    قال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { وأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا } اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه السورة، وهي: «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنا ظننا»، «وأنه كان رجال»، «وأنهم ظنوا»، «وأنا لمسنا»، «وأنا كنا»، «وأنا لا ندري»، «وأنا منا»، «وأنا ظننا أن لن نعجز الله»، «وأنا لما سمعنا»، «وأنا منا»، ففتح الهمزة في هذه المواضع ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنه كان رجال»،وكسر الباقيات. وقرأ الباقون بكسرهن. وقال الزجاج: والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه «أن» بالفتح، وما كان من قول الجن قيل «إن» بالكسر. معطوف على قوله تعالى: { إنا سمعنا قرآناً عجباً } وعلى هذا يكون المعنى: وقالوا: إنه تعالى جَدُّ ربنا، وقالوا: إنه كان يقول سفيهنا. فأما من فتح، فذكر بعض النحويين: يعني الفراء، أنه معطوف على الهاء في قوله تعالى: { فآمنا به } وبأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا. وكذلك ما بعد هذا. وهذا رديء في القياس، لا يعطف على الهاء المتمكّنة المخفوضة إلا بإظهار الخافض. ولكن وجهه أن يكون محمولاً على معنى أمنَّا به، فيكون المعنى: وصدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ رَبِّنا.

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } كان عَلْقمة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائيّ وظ±بن عامر وخَلَف وحفص والسّلمي ينصبون «أَنَّ» في جميع السورة في ظ±ثني عشر موضعاً، وهو: { وَأَنَّهُ تَعَالَىظ° جَدُّ رَبِّنَا } ، { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } ، { وَأَنَّا ظَنَنَّآ } ، { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } ، { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } ، { وَأَنَّا لَمَسْنَا ظ±لسَّمَآءَ } ، { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ } ، { وَأَنَّا لاَ نَدْرِي } ، { وَأَنَّا مِنَّا ظ±لصَّالِحُونَ } ، { وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ظ±للَّهَ فِي ظ±لأَرْضِ } ، { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ظ±لْهُدَىظ° } ، { وَأَنَّا مِنَّا ظ±لْمُسْلِمُونَ } ، عطفاً على قوله: { أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ نَفَرٌ } ، { وَأَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ } لا يجوز فيه إلا الفتح؛ لأنها في موضع ظ±سم فاعل «أُوحِيَ» فما بعده عليه. وقيل: هو محمول على الهاء في «آمَنَّا بِهِ» أي وبـ«ـأَنَّه تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف الجار مع «أنّ». وقيل: المعنى أي وصدّقنا أنه جدّ ربنا. وقرأ الباقون كلَّها بالكسر وهو الصواب، وظ±ختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفاً على قوله: { فَقَالُوغ¤اْ إِنَّا سَمِعْنَا } لأنه كله من كلام الجنّ. وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع؛ وهي قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَىظ° جَدُّ رَبِّنَا } ، { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } ، { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } ، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي؛ لأنه من كلام الجنّ. وأما قوله تعالى: { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ظ±للَّهِ } فكلهم فتحوا إلا نافعاً وشيبة وزرَّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضّل عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير. ولا خلاف في فتح همزة { أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ظ±لْجِنِّ } ، { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ } { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } ، { وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ }. وكذلك لا خلاق في كسرها ما بعد القول؛ نحو قوله تعالى: «فقالوا إنا سمعنا» و { قَالَ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي } و { قُلْ إنْ أدْرِي }

    { قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ } [الجن: 21] وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء؛ نحو قوله تعالى:{ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } [الجن: 23] و«فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» لأنه موضع ظ±بتداء...

    قال السمين

    قوله: { وَأَنَّهُ تَعَالَىظ° جَدُّ رَبِّنَا }: قرأ الأخَوان وابن عامر وحفص بفتح " أنَّ " وما عُطِف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمةً، والباقون بالكسرة. وقرأ ابنُ عامر وأبو بكرٍ " وإنه لَمَّا قام " بالكسرة، والباقون بالفتح، واتفقوا على الفتحِ في قوله: { وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } وتلخيص هذا: أن " أنَّ " المشددةَ في هذه السورةِ على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ ليس معه واوُ العطفِ، فهذا لا خلاف بين القُرَّاءِ في فتحِه أو كسرِه. على حسبِ ما جاءَتْ به التلاوةُ واقْتَضَتْه العربيةُ، كقولِه: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ } لا خلافَ في فتحِه لوقوعِه موقعَ المصدرِ وكقوله:{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً } [الجن: 1] لا خلافَ في كسرِه لأنه محكيٌّ بالقول.

    القسم الثاني أَن يقترنَ بالواوِ، وهو أربعَ عشرةَ كلمةً، إحداها: لا خلاف في فتحِها وهي: قولُه تعالى:{ وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } [الجن: 18] ـ وهذا هو القسم الثالث ـ والثانية:{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ } [الجن: 19] كَسَرَها ابنُ عامرٍ وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرةَ الباقيةُ: فَتَحها الأخوان وابن عامرٍ وحفص، وكسرها الباقون، كما تقدَّم تحريرُ ذلك كلِّه. والاثنتا عشرةَ هي قولُه: { وَأَنَّهُ تَعَالَىظ° جَدُّ رَبِّنَا } ،{ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } [الجن: 4]{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 5]{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6]{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } [الجن: 7]{ وَأَنَّا لَمَسْنَا } [الجن: 8]{ وَأَنَّا كُنَّا } [الجن: 9]{ وَأَنَّا لاَ نَدْرِيغ¤ } [الجن: 10]{ وَأَنَّا مِنَّا ظ±لصَّالِحُونَ } [الجن: 11]{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 12]{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا } [الجن: 13]{ وَأَنَّا مِنَّا ظ±لْمُسْلِمُونَ } [الجن: 14]. وإذا عَرَفْتَ ضَبْطَها من حيث القراءاتُ فالتفِتْ إلى توجيهِ ذلك.

    وقد اختلف الناسُ/ في ذلك فقال أبو حاتم في الفتح: " هو معطوفٌ على مرفوعِ " أُوْحِيَ " فتكونُ كلُّها في موضعِ رفعٍ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه ". وهذا الذي قاله قد رَدَّه الناسُ عليه: مِنْ حيث إنَّ أَكثرَها لا يَصِحُّ دخولُه تحت معمولِ " أُوْحِي " ألا ترى أنه لو قيل: أوُحي إليِّ أنَّا لَمَسْنا السماءَ، وأنَّا كُنَّا، وأنَّا لا نَدْري، وأنَّا منَّا الصالحون، وأنَّا لمَّا سَمِعْنا، وأنَّا مِنَّا المسلمون لم يَسْتَقِمْ معناه. وقال مكي: " وعَطْفُ " أنَّ " على{ آمَنَّا بِهِ } [الجن: 2] أتَمُّ في المعنى مِنْ العطفِ على " أنَّه استمعَ " لأنك لو عَطَفْتَ{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 5]{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا } [الجن: 13]{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ظ±لإِنسِ } [الجن: 6]{ وَأَنَّا لَمَسْنَا } [الجن: 8]، وشِبْهَ ذلك على{ أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ } [الجن: 1] لم يَجُزْ؛ لأنه ليس مِمَّا أُوْحِي، إليه، إنما هو أمرٌ أو خبر، وأنه عن أنفسهم، والكسرُ في هذا أَبْينُ، وعليه جماعة مِنْ القُراءِ.

    الثاني: أنَّ الفتحَ في ذلك عَطْفٌ على مَحَلِّ " به " مِنْ " آمَنَّا به ". قال الزمخشري: " كأنه قال: صَدَّقْناه وصَدَّقْناه أنه تعالى جَدُّ رَبَّنا، وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا، وكذلك البواقي " ، إلاَّ أنَّ مكيَّاً ضَعَّفَ هذا الوجهَ فقال: والفتحُ في ذلك على الحَمْلِ على معنى " آمَنَّا به " وفيه بُعْدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يُخْبِروا أنهم آمنوا بأنَّهم لَمَّا سَمِعوا الهدى آمنوا به، ولم يُخْبِروا أنهم آمنوا أنه كان رجالٌ، إنما حكى اللَّهُ عنهم أنهم قالوا ذلك مُخْبِرين به عن أنفسِهم لأصحابِهم، فالكسرُ أَوْلى بذلك " وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ؛ فإنَّ المعنى على ذلك صحيحٌ.

    وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ. إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: " فُتِحَتْ " أنَّ " لوقوع الإِيمانِ عليها، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ " أنَّ " نحو: صَدَقْنا وشَهِدْنا، كما قالت العربُ:
    4347ـ....................... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
    فنصَبَ " العيونَ " لإِتباعِها الحواجبَ، وهي لا تُزَجَّجُ. إنما تُكَحَّلُ، فأضمر لها الكُحْلَ " انتهى. فأشار إلى شيءٍ مِمَّا ذكرَه مكيٌّ وأجاب عنه. وقال الزجَّاج: " لكنَّ وجهَه أَنْ يكونَ محمولاً على معنى " آمنَّا به "؛ لأنَّ معنى " آمَنَّا به " صَدَّقْناه وعَلِمْناه، فيكون المعنى: صَدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ ربِّنا ".

    الثالث: أنه معطوفٌ على الهاء به " به " ، أي: آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا، وبأنه كان يقولُ، إلى آخره، وهو مذهب الكوفيين. وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه:{ وَكُفْرٌ بِهِ وَظ±لْمَسْجِدِ ظ±لْحَرَامِ } [البقرة: 217] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً، قال رحمه الله: " وهو ـ يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ ـ في " أنَّ " أجوَدُ منه في غيرها، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع " أنَّ ".

    ووجهُ الكسرِ العطفُ على قوله:{ إِنَّا سَمِعْنَا } [الجن: 1] فيكون الجميعُ معمولاً للقولِ، أي: فقالوا: إنَّا سَمِعْنا، وقالوا: إنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا إلى آخرِه. وقال بعضُهم: الجملتان مِنْ قولِه تعالى:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6]{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } [الجن: 7] معترضتان بين قولِ الجنِّ، وهما مِنْ كلامِ الباري تعالى، والظاهرُ أنَّهما مِنْ كلامِهم، قاله بعضُهم لبعضٍ. ووجهُ الكسرِ والفتحِ في قولِه:{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ظ±للَّهِ } [الجن: 19] ما تقدَّم. ووَجْهُ إجماعِهم على فتح{ وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ } [الجن: 18] وجهان، أحدُهما: أنَّه معطوفٌ على{ أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ } [الجن: 1] فيكونُ مُوْحى أيضاً. والثاني: أنه على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، وذلك الحرفُ متعلِّقٌ بفعل النهي، أي: فلا تَدْعوا مع اللَّهِ أحداً؛ لأنَّ المساجدَ للَّهِ، ذكرهما أبو البقاء.

    قال الزمخشري: " أنه استمع " بالفتح؛ لأنَّه فاعلُ " أُوْحي " و

    إِنَّا سَمِعْنَا } [الجن: 1] بالكسرِ؛ لأنَّه مبتدأٌ مَحْكِيٌّ بعد القولِ، ثم تحملُ عليهما البواقي، فما كان مِنَ الوحي فُتِحَ، وما كان مِنْ قَوْل الجِنِّ كُسِرَ، وكلُّهُنَّ مِنْ قولِهم إلاَّ/ الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وهما:{ وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ } [الجن: 18]{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ظ±للَّهِ } [الجن: 19]. ومَنْ فتح كلَّهن فعَطْفاً على مَحَلِّ الجارِّ والمجرور في{ آمَنَّا بِهِ } [الجن: 2]، أي: صَدَّقْناه، وصَدَّقْنا أنه ".

    وقرأ العامَّةُ: { جَدُّ رَبِّنَا } بالفتح مضافاً لـ " رَبِّنا " ، والمرادُ به هنا العظمةُ. وقيل: قُدْرتُه وأمرُه. وقيل: ذِكْرُه. والجَدُّ أيضاً: الحَظُّ، ومنه قولُه عليه السلام: " ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ " والجَدُّ أيضاً: أبو الأبِ، والجِدُّ بالكسرِ ضِدُّ التَّواني في الأمر.

    وقرأ عكرمةُ بضمِّ باءِ " رَبُّنا " وتنوينِ " جَدٌّ " على أَنْ يكون " ربُّنا " بدلاً مِنْ " جَدٌّ " ، والجَدُّ: العظيم. كأنه قيل: وأنَّه تعالى عظيمٌ ربُّنا، فأبدل المعرفة من النكرةِ، وعنه أيضاً " جَدَّاً " منصوباً منوَّناً، " رَبُّنا " مرفوعٌ. ووجْهُ ذلك أَنْ ينتصِبَ " جَدَّاً " على التمييز، و " ورَبُّنا " فاعلٌ بـ " تعالى " وهو المنقولُ مِنْ الفاعليةِ، إذ التقديرُ: تعالى جَدُّ رَبِّنا، ثم صار تعالى ربُّنا جَدَّاً، أي: عَظَمةً نحو: تَصَبَّبَ زيدٌ عَرَقاً، أي: عَرَقُ زيدٍ. وعنه أيضاً وعن قتادةَ كذلك، إلاَّ أنَّه بكسرِ الجيم، وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، و " رَبُّنا " فاعلٌ بـ " تعالى " والتقدير: تعالى ربُّنا تعالِياً جدَّاً، أي: حقاً لا باطلاً. والثاني: أنَّه مصنوبٌ على الحالِ، أي: تعالى ربُّنا حقيقةً ومتمكِّناً قاله ابنُ عطية.

    وقرأ حميد بن قيس " جُدُّ ربِّنا " بضم الجيم مضافاً لـ " ربِّنا " وهو بمعنى العظيم، حكاه سيبويه، وهو في الأصل من إضافةِ الصفةِ لموصوفِها؛ إذ الأصلُ: ربُّنا العظيمُ نحو: " جَرْدُ قَطِيفة " الأصل قطيفة جَرْدٌ، وهو مُؤَول عند البَصْريين وقرأ ابن السَّمَيْفَع " جَدَى رَبِّنا " بألفٍ بعد الدال مضافاً لـ " ربِّنا ". والجَدى والجَدْوى: النَّفْعُ والعَطاء، أي: تعالى عَطاءُ ربِّنا ونَفْعُه.....

    وقال ابو حيان

    وقرأ الحرميان والأبوان: بفتح الهمزة من قوله: { وأنه تعالى } وما بعده، وهي اثنتا عشرة آية آخرها { وأنا منا المسلمون }؛ وباقي السبعة: بالكسر. فأما الكسر فواضح لأنها معطوفات على قوله: { إنا سمعنا } ، فهي داخلة في معمول القول. وأما الفتح، فقال أبو حاتم: هو على { أوحى } ، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. انتهى. وهذا لا يصح، لأن من المعطوفات ما لا يصح دخوله تحت { أوحى } ، وهو كل ما كان فيه ضمير المتكلم، كقوله: { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع }. ألا ترى أنه لا يلائم { أوحى إليّ } ، { إنا كنا نقعد منها مقاعد } ، وكذلك باقيها؟ وخرجت قراءة الفتح على أن تلك كلها معطوفة على الضمير المجرور في به من قوله: { فآمنا به }: أي وبأنه، وكذلك باقيها، وهذا جائز على مذهب الكوفيين، وهو الصحيح. وقد تقدم احتجاجنا على صحة ذلك في قوله:{ وكفر به والمسجد الحرام } [البقرة: 217] وقال مكي: هو أجود في أن منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر مع أن. وقال الزجاج: وجهه أن يكون محمولاً على آمنا به، لأنه معناه: صدقناه وعلمناه، فيكون المعنى: فآمنا به أنه تعالى جد ربنا؛ وسبقه إلى نحوه الفراء قال: فتحت أن لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض، فلا يمنعك ذلك من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح أن نحو: صدقنا وشهدنا.

    وأشار الفراء إلى أن بعض ما فتح لا يناسب تسليط آمنا عليه، نحو قوله: { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً } ، وتبعهما الزمخشري فقال: ومن فتح كلهن فعطفاً على محل الجار والمجرور في آمنا به، كأنه قيل: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي. انتهى. ولم يتفطن لما تفطن له الفراء من أن بعضها لا يحسن أن يعمل فيه آمنا.

    وقال ابن عطية

    ومن فتح الألف من قوله " وأنه تعالى " اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم هي عطف على { إنه استمع } ، فيجيء على هذا قوله { تعالى } مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه وليس يكون من كلام الجن، وفي هذا قلق.

    وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في { به } فكأنه يقول فآمنا به وبأنه تعالى. وهذا القول ليس في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن. وقرأ جمهور الناس " جدُّ ربنا " بفتح الجيم وضم الدال وإضافته إلى الرب، وقال جمهور المفسرين معناه عظمته.

    وروي عن أنس أنه قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد في أعيننا أي عظم. وقال أنس بن مالك والحسن: { جد ربنا } معناه، فهذا هو من الجد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " ،وقال مجاهد: ذكره كله متجه لأن الجد هو حظ المجدود من الخيرات والأوصاف الجميلة، فجد الله تعالى هو الحظ الأكمل من السلطان الباهر والصفات العلية والعظمة، ومن هذا قول اليهودي حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: " يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون " أي حظكم من الخيرات وبختكم. وقال علي بن الحسين رضي الله عنه وأبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس ليس لله جد، وهذه مقالة قوم جهلة من الجن، جعلوا الله جداً أبا أب. قال كثير من المفسرين هذا قول ضعيف.

    وقوله: { ولن نشرك بربنا أحداً } يدفعه، وكونهم فيما روي على شريعة متقدمة وفهمهم للقرآن. وقرأ محمد بن السميفع اليماني " جِد ربنا " وهو من الجد والنفع. وقرأ عكرمة " جَدٌّ ربُّنا " بفتح الجيم وضم الدال وتنوينه ورفع الرب كأنه يقول تعالى عظيم هو ربنا فـ " ربنا " بدل والجد العظيم في اللغة. وقرأ حميد بن قيس " جُد ربنا " بضم الجيم. ومعناه ربنا العظيم حكاه سيبويه وبإضافته إلى الرب فكأنه قال عظيم، وهذه إضافة تجديد يوقع النحاة هذا الاسم إذا أضيفت الصفة إلى الموصوف، كما تقول جاءني كريم زيد تريد زيداً الكريم ويجري مجرى هذا عند بعضهم.

    قول المتنبي [البسيط]

    عظيم الملك في المقل
    أراد الملك العظيم قال بعض النحاة، وهذا المثال يعترض بأنه أضاف إلى جنس فيه العظيم والحقير، وقرأ عكرمة أيضاً " جَداً ربُّنا " بفتح الجيم والدال وتنوينها ورفع الرب ونصب " جداً " على التمييز كما تقول تفقأت شحماً وتصببت عرقاً، وقرأ قتادة " جِداً ربُّنا " بكسر الجيم ورفع الباء وشد الدال، فنصب جداً على الحال ومعناه تعالى حقيقة ومتمكناً.

    وهذا معنى غير الأول، وقرأ أبو الدرداء " تعالى ذكر ربنا " ، وروي عنه " تعالى جلال ربنا....

    وقرأ جمهور الناس " تقول ". وقرأ الحسن والجحدري وابن أبي بكرة ويعقوب " تَقوَّلَ " بفتح القاف والواو وشد الواو، والتقول خاص بالكذب، والقول عام له وللصدق،...

    وقال القرطبي

    وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ } فمن فتح وجعله من قول الجنّ ردّها إلى قوله: «أَنَّهُ اسْتَمَعَ»، ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى

    وقال ابن عطية

    وقوله { وأنهم ظنوا كما ظننتم } يريد به بني آدم الكفار. وقوله { كما ظننتم } ، مخاطبة لقومهم من الجن. وقولهم { أن لن يبعث الله أحداً } ، يحتمل معنيين أحدهما: بعث الحشر من القبور والآخر بعث آدمي رسولاً. و { أن } في قوله { أن لن } مخففة من " أن " الثقيلة وهي تسد مسد المفعولين. وذكر المهدوي تأويلاً أن المعنى وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس فهي مخاطبة من الله تعالى.

  5. #395
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الثالثة والتسعون بعد الثلاثمائة

    قال السمين

    قوله: { فَلاَ يَخَافُ }: أي: فهو لا يخافُ، أي فهو غيرُ خائف؛ ولأنَّ الكلامَ في تقديرِ مبتدأٍ وخبرٍ، دَخَلَتِ الفاءُ، ولولا ذلك لقيلَ: لا يَخَفْ، قاله الزمخشري، ثم قال: " فإنْ قلتَ: أيُّ فائدةٍ في رفعِ الفعلِ وتقديرِ مبتدأ قبلَه، حتى يقعَ خبراً له، ووجوبِ إدخالِ الفاءِ، وكان كلُّ لك مستغنىً عنه بأَنْ يُقالَ لا يَخَفْ؟ قلت: الفائدةُ أنه إذا فَعَلَ ذلك فكأنَّه قيل: فهو لا يَخافُ، فكان دالاًّ على تحقيقِ أنَّ المؤمِنَ ناجٍ لا مَحالةَ، وأنه هو المختصُّ بذلك دونَ غيره ". قلت: سببُ ذلك أنَّ الجملةَ تكونُ اسميةً حينئذٍ، والاسميةُ أدلُّ على التحقيقِ والثبوتِ من الفعلِيَّةِ. وقرأ ابن وثاب والأعمش " فلا يَخَفْ " بالجزمِ، وفيها وجهان، أحدُهما: ولم يَذْكُرِ الزمخشريُّ غيرَه أنَّ " لا " ناهيةٌ، والفاءُ حينئذٍ واجبةٌ. والثاني: أنها نافيةٌ، والفاءُ حينئذٍ زائدةٍ، وهذا ضعيفٌ....

    قوله: { وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ }: قد تقدَّم أنَّ السبعةَ أجمعَتْ على الفتح، وأنَّ فيه وجهَيْنِ: حَذْفَ الجارِّ ويتعلَّقُ بقولِه: " فلا تَدْعُوا " وهو رأَيُ الخليلِ، وجَعَله كقولِه:{ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } [قريش: 1] فإنَّه متعلِّقٌ بقولِه:{ فَلْيَعْبُدُواْ } [قريش: 2] وكقولِه: { وَإِنَّ هَـظ°ذِهِ أُمَّتُكُمْ } [المؤمنون: 52] أي: ولأنَّ. والثاني: أنَّه عطفٌ على " أنَّه استمع " فيكون مُوْحَى. وقرأ ابن هرمز. وطلحة " وإنَّ المساجدَ " بالكسرِ، وهو مُحْتَمِلٌ للاستئنافِ وللتعليلِ، فيكونُ في المعنى كتقديرِ الخليلِ. والمساجد قيل: هي جَمْعُ " مَسْجِد " بالكسر وهو مَوْضِعُ السجُّودِ، وتَقَدَّم أنَّ قياسَه الفتحُ. وقيل: هو جمع مَسْجَد بالفتح مُراداً به الآرابُ الورادةُ في الحديث: " الجبهةُ والأنفُ والركبتانِ واليدانِ والقَدَمان. وقيل: بل جمعُ مَسْجَد، وهو مصدرٌ بمعنى السُّجود، ويكون الجمعُ لاختلافِ الأنواعِ.

    وقال ابن عطية

    وقرأ قوم " صُعُوداً " بضم الصاد والعين، وقرأ الجمهور بفتح الصاد والعين، وقرأ ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وقال الحسن: معناه لا راحة فيه، ومن فتح الألف من { أن المساجد لله } جعلها عطفاً على قوله{ قل أوحي إلي أنه } [الجن: 1]، ذكره سيبويه...وقال الخليل بن أحمد: معنى الآية، ولأن { المساجد لله فلا تدعوا } أي لهذا السبب، وكذلك عنده{ لإيلاف قريش } [قريش: 1]{ فليعبدوا } [قريش: 3] وكذلك عنده{ وأن هذه أمتكم أمة } [الأنبياء: 92، المؤمنون: 52]......

    وقوله عز وجل: { وأنه لما قام عبد الله } يحتمل أن يكون خطاباً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون إخباراً عن الجن، وقرأ بعض القراء على ما تقدم " وأنه " بفتح الألف، وهذا عطف على قوله{ أنه استمع } [الجن: 1]، والعبد على هذه القراءة قال قوم: هو نوح، والضمير في { كادوا } لكفار قومه، وقال آخرون، هو محمد، والضمير في { كادوا } للجن. المعنى أنهم { كادوا } يتقصفون عليه لاستماع القرآن، وقرأ آخرون منهم " وإنه لما قام " بكسر الألف، والعبد محمد عليه السلام، والضمير في { كادوا } يحتمل أن يكون للجن على المعنى الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون لكفار قومه وللعرب في اجتماعهم على رد أمره، ولا يتجه أن يكون العبد نوحاً إلا على تحامل في تأويل نسق الآية، وقال ابن جبير: معنى الآية، إنما قول الجن لقومهم يحكون، والعبد محمد صلى الله عليه وسلم.

    والضمير في { كادوا } لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة، فهم عليه لبد. واللبد الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد بن مناف بن ربع: [البسيط]

    صافوا بستة أبيات وأربعة حتى كأن عليهم جانياً لبدا
    يريد الجراد سماه جانياً لأنه يجني كل شيء، ويروى جابياً بالباء لأنه يجبي الأشياء بأكله،

    وقرأ جمهور السبعة وابن عباس: " لِبداً " بكسر اللام جمع لِبدة، وقال ابن عباس: أعواناً. وقرأ ابن عامر بخلاف عنه وابن مجاهد وابن محيصن: " لُبَداً " بضم اللام وتخفيف الباء المفتوحة وهو جمع أيضاً. وروي عن الجحدري: " لُبُدا " بضم اللام والباء. وقرأ أبو رجاء: " لِبداً " بكسر اللام، وهو جمع لا بد فإن قدرنا الضمير للجن فتقصفهم عليه لاستماع الذكر، وهذا تأويل الحسن وقتادة و { أدعو } معناه أعبده،

    وقرأ جمهور السبعة وعلي بن أبي طالب: " قال إنما " ، وهذه قراءة تؤيد أن العبد نوح، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عنه: " قل إنما " وهذه تؤيد بأنه محمد عليه السلام وإن كان الاحتمال باقياً من كليهما. واختلف القراء في فتح الياء من { ربي } وفي سكونها. ثم أمر تعالى محمداً نبيه عليه السلام بالتبري من القدرة وأنه لا يملك لأحد { ضراً ولا رشداً } ، بل الأمر كله لله. وقرأ الأعرج " رُشُداً " بضم الراء والشين، وقرأ أبيّ بن كعب " لكم غياً ولا رشداً ".

    قال القرطبي

    قوله «لِبَداً» جماعات وهو من تَلَبُّد الشيء على الشيء أي تجمع، ومنه اللِّبْد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقاً شديداً فقد لبّدته، وجمع اللِّبدة لِبَد مثل قِربة وقِرب. ويقال للشَّعر الذي على ظهر الأسد لِبدة وجمعها لِبد؛ قال زهير:
    لَدى أَسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذّفٍ له لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لم تقَلَّمِ
    يقال للجراد الكثير: لِبد. وفيه أربع لغات وقراءات؛ فتح الباء وكسر اللام، وهي قراءة العامة. وضم اللام وفتح الباء، وهي قراءة مجاهد وظ±بن مُحَيْصن وهشام عن أهل الشام، واحدتها لُبْدة. وبضم اللام والباء، وهي قراءة أبي حَيْوة ومحمد بن السَّمَيْقَع وأبي الأشهب العُقَيلي والجَحْدري واحدها لَبْد مثل سَقْفٍ ورَهْن ورُهُن. وبضم اللام وشدّ الباء وفتحها، وهي قراءة الحسن وأبي العالية والأعرج والجَحْدري أيضاً واحدها لابِد؛ مثل راكِع ورُكَّع، وساجِد وسُجَّد. وقيل: اللُّبَد بضم اللام وفتح الباء الشيء الدائم؛ ومنه قيل لنَسر لقمان لُبَد لدوامه وبقائه؛ وقال النابغة:
    أَخْنَـى عليها الذي أَخْنَـى على لُبَدِ
    القشيريّ: وقرىء «لُبُدا» بضم اللام والباء، وهو جمع لَبِيد، وهو الجَوْلَق الصغير. وفي الصحاح: (وقوله تعالى){ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } [البلد: 6] أي جَمًّا. ويقال أيضاً: الناس لُبَد أي مجتمعون، واللُّبَد أيضاً الذي لا يسافر ولا يبرح منزله.....

    قال السمين

    قوله: { قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو }: قرأ عاصمٌ وحمزةُ " قُلْ " بلفظِ الأمرِ التفاتاً أي: قُلْ يا محمدُ. والباقون " قال " إخباراً عن عبدِ الله وهو محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. قال الجحدري: وهي في المصحفِ كذلك....

    قوله: { ضَرّاً وَلاَ رَشَداً }: قرأ الأعرجُ " رُشُداً " بضمَتْينِ. وجعل الضَّرَّ عبارةً عن الغَيِّ؛ لأنَّ الضَرَّ سببٌ عن الغَيِّ وثمرتُه، فأقام المسبَّبَ مُقامَ سببِه. والأصلُ: لا أَمْلِكُ غَيَّاً ولا رَشَداً، فذكر الأهمَّ. وقيل: بل في الكلامِ حَذْفان، والأصل: لا أَمْلِكُ لكم ضَرَّاً ولا نَفْعاً ولا غَيَّاً ولا رَشَداً، فحذفَ مِنْ كلِّ واحدٍ ما يَدُلُّ مقابِلُه عليه....

    قوله: { فَإِنَّ لَهُ نَارَ } العامَّة على كسرِها، جَعَلوها جملةً مستقلة بعد فاءِ الجزاءِ. وقرأ طلحةُ بفَتْحِها، على أنَّها مع ما في حَيِّزِها في تأويلِ مصدرٍ واقعٍ خبراً لمبتدأ مضمرٍ تقديرُه: فجزاؤهُ أنَّ له نارَ جهنمَ، أو فحُكْمُه: أنَّ له نارَ جهنَم. قال ابن خالويه: " سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ يقول: لم يَقْرَأْ به أحدٌ، وهو لحنٌ؛ لأنه بعد فاءِ الشرط ". قال: " وسمعتُ ابنَ الأنباريِّ يقول: هو صوابٌ ومعناه، فجزاؤُه أنَّ له نارَ جهنم ". قلت: ابنُ مجاهدٍ وإنْ كان إماماً في القراءاتِ، إلاَّ أنَّه خَفِيَ عليه وجهُها، وهو عجيبٌ جداً. كيف غَفَلَ عن قراءتَيْ { فَأنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } في الأنعام [الآية: 54]، لا جرم أنَّ ابنَ الأنباريِّ اسْتَصْوَبَ القراءةَ لِطُولِ باعِه في العربية....

    قوله: { عَالِمُ ظ±لْغَيْبِ }: العامَّةُ على رفعِهِ: إمَّا بدلاً مِنْ " ربي " ، وإمَّا بياناً له، وإمَّا خبراً لمبتدأ مضمرٍ أي: هو عالِمُ. و قُرِىء بالنصبِ على المدحِ. وقرأ السُّدِّي " عَلِمَ الغيبَ " فعلاً ماضياً ناصباً للغيب.

    قوله: { فَلاَ يُظْهِرُ } العامَّةُ على كونِه مِنْ أظْهر. و " أحَداً " مفعولٌ به. وقرأ الحسن " يَظْهَرُ " بفتحِ الياءِ والهاءِ، مِنْ ظَهَر ثلاثياً. " أحَدٌ " فاعلٌ به....

    قوله: { لِّيَعْلَمَ }: متعلقٌ بـ " يَسْلُكُ ". والعامَّةُ على بنائه للفاعلِ. وفيه خلافٌ أي: لِيَعْلَمَ محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. وقيل: لِيَعْلَمَ أي: ليَظْهَرَ عِلْمُه للناس. وقيل: ليَعْلَمَ إبليسُ. وقيل: ليَعْلَمَ المشركون. وقيل: لِيَعْلَمَ الملائكةُ، وهما ضعيفان لإِفرادِ الضميرِ. والضميرُ في " أَبْلَغُوا " عائدٌ على " مَنْ " مِنْ قولِه: " مَنْ ارتَضَى " راعى لفظَها أولاً، فأفردَ في قولِه: { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } ، ومعناها ثانياً فَجَمَعَ في قولِه: " أَبْلَغُوا " إلى آخرِه.

    وقرأ ابنُ عباس وزيدُ علي " لِيُعْلَمَ " مبنياً للمفعول. وقرأ ابن أبي عبلةَ والزُّهْري " لِيُعْلِمَ " بضمِّ الياءِ وكسرِ اللامِ أي: لِيُعْلِمَ اللَّهُ ورسولُه بذلك. وقرأ أبو حيوة " رسالة " بالإِفرادِ، والمرادُ الجمعُ. وابن أبي عبلة " وأُحِيْط وأُحْصِيَ " مبنيين للمفعول، " كلُّ " رفعٌ بأُحْصِي....

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { ليعلم } فيه خمسة أقوال.

    أحدها: ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل قد بلَّغ إليه، قاله ابن جبير.

    والثاني: ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله { قد أبلغوا رسالاتِ رِّبهم } وأن الله قد حفظها فدفع عنها، قاله قتادة.

    والثالث: ليعلم مكذبو الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم، قاله مجاهد.

    والرابع: ليعلم الله عز وجل ذلك موجوداً ظاهراً يجب به الثواب، فهو كقوله تعالى:{ ولمَّا يعلمِ الله الذين جاهدوا منكم } [آل عمران: 142] قاله ابن قتيبة.

    والخامس: ليعلم النبيُّ أن الرسل قد أتته، ولم تصل إلى غيره، ذكره الزجاج. وقرأ رويس عن يعقوب { ليُعْلَم } بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وقال ابن قتيبة: ويُقرأ { لتَعْلَم } بالتاء، يريد: لتعلم الجن أن الرسل قد بلَّغت عن إلههم بما رَجَوْا من استراق السمع { وأحاط بما لديهم } أي: علم الله ما عند الرسل { وأحصى كل شيء عدداً } فلم يفته شيء حتى الذَّرّ والخردل.

  6. #396
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الرابعة والتسعون بعد الثلاثمائة

    سورة المزمل


    قال السمين

    قوله: { الْمُزَّمِّلُ }: أصلُه المتزَمِّلُ، فأُدْغِمَت التاءُ في الزاي يقال: تَزَمَّل يتزَمَّلُ تَزَمُّلاً. فإذا أُريد الإِدغامُ اجْتُلِبَتْ همزةُ الوصلِ، وبهذا الأصلِ قرأ أُبيُّ بن كعب. وقرأ عكرمةُ " المُزَمِّل " بتخفيفِ الزايِ وتشديدِ الميمِ، اسمَ فاعلٍ، على هذا فيكونُ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ أصلَه المُزْتَمِلُ على مُفْتَعِل فأُبْدِلَتِ التاءُ ميماً وأُدْغِمَتْ، قاله أبو البقاء، وهو ضعيفٌ. والثاني: أنَّه اسمُ فاعلٍ مِنْ زَمَّل مشدداً، وعلى هذا فيكون المفعولُ محذوفاً، أي: المُزَمِّل جِسْمَه. وقُرِىء كذلك، إلاَّ أنَّه بفتحِ الميمِ اسمَ مفعولٍ منه، أي: المُلَفَّف. والتَّزَمُّلُ: التَّلَفُّفُ. يقال: تَزَمَّلَ زيدٌ بكساءٍ، أي: التفَّ به قال ذو الرَّمة:
    4362ـ وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقتي مِنْ مَفازةٍ ومِنْ نائمٍ عن ليلِها مُتَزَمِّلِ
    وقال امرؤ القيس:
    4363ـ كأنَّ ثبيراً في أفانينِ وَدْقِه كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
    وهو كقراءةِ بعضِهم المتقدِّمة. وفي التفسير: أنه نُودي بذلك لالتفافِه في كِساء.

    قال ابن عطية

    وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب " يا أيها المتزمل ". وقرأ بعض السلف " يا أيها المزَمَّل " بفتح الزاي وتخفيفها وفتح الميم وشدها، والمعنى الذي زمله أهله أو زمل للنبوءة. وقرأ عكرمة " يا أيها المزمِّل " بكسر الميم المشددة وتخفيف الزاي أي المزمل نفسه...

    قال الرازى

    قوله تعالى: { إِلاَّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ }. اعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير هذه الآية وعندي فيه وجهان ملخصان

    الأول: أن المراد بقوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } الثلث، والدليل عليه قوله تعالى في آخر هذه السورة:{ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَىِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } [المزمل: 20] فهذه الآية دلت على أن أكثر المقادير الواجبة الثلثان، فهذا يدل على أن نوم الثلث جائز، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد في قوله: { قُمِ ظ±لَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } هو الثلث، فإذاً قوله: { قُمِ ظ±لَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } معناه قم ثلثي الليل ثم قال: { نّصْفَهُ } والمعنى أو قم نصفه، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي جالس ذا أو ذا أيهما شئت، فتحذف واو العطف فتقدير الآية: قم الثلثين أو قم النصف أو انقص من النصف أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، ويكون الثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه يكون مندوباً، فإن قيل: فعلى هذا التأويل يلزمكم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك الواجب، لأنه تعالى قال: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَىِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } فمن قرأ نصفه وثلثه بالخفض كان المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف، وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجباً كان عليه السلام تاركاً للواجب، قلنا: إنهم كانوا يقدرون الثلث بالاجتهاد، فربما أخطأوا في ذلك الاجتهاد ونقصوا منه شيئاً قليلاً فيكون ذلك أدنى من ثلث الليل المعلوم بتحديد الأجزاء عند الله، ولذلك قال تعالى لهم:{ عِلْمٍ أَلَّن تُحْصُوهُ } [المزمل: 20]،

    الوجه الثاني: أن يكون قوله: { نّصْفَهُ } تفسيراً لقوله: { قَلِيلاً } وهذا التفسير جائز لوجهين الأول: أن نصف الشيء قليل بالنسبة إلى كله والثاني: أن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن عهدة ذلك التكليف بيقين إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً، فيكون الباقي بعد ذلك أقل منه، وإذا ثبت هذا فنقول: { قُمِ ظ±لَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } معناه قم الليل إلا نصفه، فيكون الحاصل: قم نصف الليل، ثم قال: { أَوِ ظ±نقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً } يعني أو انقص من هذا النصف نصفه حتى يبقى الربع، ثم قال: { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } يعني أو زد على هذا النصف نصفه حتى يصير المجموع ثلاثة أرباعه، وحينئذ يرجع حاصل الآية إلى أنه تعالى خيره بين أن يقوم تمام النصف، وبين أن يقوم ربع الليل، وبين أن يقوم ثلاثة أرباعه، وعلى هذا التقدير يكون الواجب الذي لا بد منه هو قيام الربع، والزائد عليه يكون من المندوبات والنوافل، وعلى هذا التأويل يزول الإشكال الذي ذكرتم بالكلية لأن قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىظ° مِن ثُلُثَىِ ظ±لَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } [المزمل: 20] يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه لأن الواجب لما كان هو الربع فقط لم يلزم من ترك قيام الثلث ترك شيء من الواجبات، فزال السؤال المذكور، والله أعلم.

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { هي أشد وَطْأً } قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، «وِطاءً» بكسر الواو مع المد، وهوَ مصدر واطأت فلاناً على كذا مُواطَأَةً، وَوِطاء، وأراد أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهُّم للقرآن والإحكام لتأويله. ومنه قوله تعالى:{ ليواطئوا عِدَّة ما حَرَّم الله } [التوبة: 37] وقرأ الباقون «وَطْأً» بفتح الواو مع القصر والمعنى: إنه أثقل على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب: اشتدت على القوم وَطْأَةُ السلطان: إذا ثقل عليهم ما يلزمهم. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم اشدد وطأتك على مضر» ذكر معنى القراءتين ابن قتيبة. وقرأ ابن محيصن «أشد وَطَاءً» بفتح الواو، والطاء، وبالمد.

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { إن لك في النهار سبحاً طويلاً } أي تصرفاً وتردداً في أمورك كما يتردد السابح في الماء. ومنه سمي الفرس سابحاً لتثنيه واضطرابه، وقال قوم من أهل العلم إنما معنى الآية التنبيه على أنه إن فات حزب الليل بنوم أو عذر فليخلف بالنهار فإن فيه { سبحاً طويلاً } ، وقرأ يحيى بن يعمر وعكرمة: " سبخاً طويلاً " بالخاء منقوطة، ومعناه خفة لك من التكاليف، والتسبيخ التخفيف، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا تسبخي عنه " لعائشة في السارق الذي سرقها، فكانت تدعو عليه، معناه لا تخففي عنه. قال أبو حاتم: فسر يحيى السبح بالنوم....

    وقال السمين

    قوله: { سَبْحَاً }: العامَّةُ على الحاء المهملة وهو مصدرُ سَبَحَ، وهو استعارةٌ، استعارَ للتصرُّفِ في الحوائجِ السِّباحةَ في الماءِ، وهي البُعْدُ فيه. وقرأ يحيى بن يعمر وعكرمة وابنُ أبي عبلة سَبْخاً " بالخاء المعجمةِ. واختلفوا في تفسيرِها، فقال الزمخشري: " استعارةً مِنْ سَبْخِ الصُّوفِ: وهو نَفْشُه ونَشْرُ أجزائِه لانتشارِ الهَمِّ وتفرُّقِ القلبِ بالشواغل. وقيل: التَّسبيخُ: التخفيفُ، حكى الأصمعيُّ: سَبَخَ الله عَنَك الحُمَّى، أي: خَفَّفَها عنك. قال الشاعر:
    4366ـ فَسَبِّخْ عليكَ الهَمَّ واعلمْ بأنَّه إذا قَدَّرَ الرحمنُ شيئاً فكائِنُ
    أي: خَفِّفَ. ومنه " لا تُسَبِّخي بدُعائِك " ، أي: لا تُخَفِّفي. وقيل: التَّسْبيخ: المَدُّ. يقال: سَبِّخي قُطْنَكِ، أي: مُدِّيه، والسَّبيخة: قطعة من القطن. والجمعُ سبائخُ. قال الأخطل يصف صائِداً وكلاباً:
    4367ـ فأَرْسَلوهُنَّ يُذْرِيْنَ الترابَ كما يُذْرِيْ سبائخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوتارِ
    وقال أبو الفضل الرازي: " وقرأ ابن يعمرَ وعكرمة " سَبْخاً " بالخاء معجمةَ وقالا: معناه نَوْماً، أي: يَنامُ بالنهار ليَسْتعينَ به على قيام الليل. وقد تحتمِلُ هذه القراءةُ غيرَ هذا المعنى، لكنهما فَسَّراها فلا تَجاوُزَ عنه ". قلت: في هذا نظرٌ؛ لأنهما غايةُ ما في البابِ أنَّهما نقلا هذه القراءةَ، وظَهَرَ لهما تفسيرُها بما ذكرا، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذلك أنَّه لا يجوزُ غيرُ ما ذَكَرا مِنْ تفسيرِ اللفظة.

    وقال ابن عطية

    وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: " ربِّ المشرق " بالخفض على البدل من { ربك } ، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: " ربُّ " على القطع أي هو رب أو على الابتداء والخبر { لا إله إلا هو }. وقرأ ابن عباس وأصحاب عبد الله: " رب المشارق والمغارب " بالجمع...

    وقال السمين

    وقرأ زيدُ بن عليٍّ " رَبَّ " بالنصبِ على المدحِ. وقرأ العامَّةُ " المَشْرِقِ والمغربِ " موحَّدتَيْن. وعبدُ الله وابن عباس " المشارِقِ والمغارِبِ " ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ " ربَّ " في قراءةِ زيد مِنْ وجَهْينِ آخرَيْنِ، أحدُهما: أنَّه بدلٌ مِنْ " اسمَ ربِّك " أو بيانٌ له، أو نعتٌ له، قاله أبو البقاء، وهذا يَجِيءُ على أن الاسمَ هو المُسمَّى. والثاني: أنه منصوبٌ على الاشتغالِ بفعلٍ مقدَّرٍِ، أي: فاتَّخِذْ ربَّ المشرِقِ فاتَّخِذْه، وما بينهما اعتراضٌ.

  7. #397
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { إن ربك يعلم } الآية نزلت تخفيفاً لما كان استمر استعماله من قيام الليل إما على الوجوب أو على الندب حسب الخلاف الذي ذكرناه، ومعنى الآية: أن الله تعالى يعلم أنك تقوم أنت وغيرك من أمتك قياماً مختلفاً فيه، مرة يكثر ومرة يقل، ومرة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من الثلث، وذلك لعدم تحصيل البشر لمقادير الزمن مع عدم النوم، وتقدير الزمان حقيقة إنما هو لله تعالى، وأما البشر فلا يحصي ذلك فتاب الله عليهم، أي رجع بهم من الثقل إلى الجنة وأمرهم بقراءة { ما تيسر } ، ونحو هذا يعطي عبارة الفراء ومنذر فإنهما قالا { تحصوه } تحفظوه، وهذا التأويل هو على قراءة من قرأ " ونصفِه وثلثِ " بالخفض عطفاً على الثلثين، وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر. وأما من قرأ " ونصفَه وثلثَه " بالنصب عطفاً على { أدنى } وهي قراءة باقي السبعة، فالمعنى عنده آخر، وذلك أن الله تعالى قرر أنهم يقدرون الزمان على نحو ما أمر به في قوله{ نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه } [المزمل: 3-4]، فلم يبق إلا أن يكون قوله { لن تحصوه } لن تستطيعوا قيامه لكثرته وشدته فخفف الله عنكم فضلاً منه لا لقلة جهلهم بالتقدير وإحصاء الوقت، ونحو هذا تعطي عبارة الحسن وابن جبير { تحصوه } تطيعوه، وقرأ جمهور القراء والناس " وثلُثه " بضم اللام، وقرأ ابن كثير في رواية شبل عنه: " وثلْثه " بسكون اللام...

    وقال السمين

    قوله: { وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } قرأ الكوفيون وابن كثير بنصبِهما، والباقون بجرِّهما. وفي الجرِّ إشكالٌ كما سيأتي. فالنصبُ نَسَقٌ على " أَدْنى " لأنه بمعنى: وَقْتٌ أَدْنى، أي: أقربُ. اسْتُعير الدنُوُّ لقُرْبِ المسافةِ في الزمانِ وهذا مطابقٌ لِما في أولِ السورةِ من التقسيمِ: وذلك أنَّه إذا قام أَدْنَى مِنْ ثُلُثي الليلِ صَدَقَ عليه أنه قام الليلَ إلاَّ قليلاً؛ لأنَّ الزمانَ الذي لم يَقُمْ فيه يكون الثلث وشيئاً من الثلثَيْن، فيَصْدُقُ عليه قولُه: " إلاَّ قليلاً ". وأمَّا قولُه " ونِصْفَه " فهو مطابقٌ لقولِه أولاً " نِصْفَه " وأمَّا قولُه: " وثُلُثَه " فإنَّ قولَه: { أَوِ ظ±نقُصْ مِنْهُ } قد ينتهي النَّقْصُ في القليل إلى أن يكونَ الوقتُ ثلثي الليلِ. وأمَّا قولُه: { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } فإنَّه إذا زاد على النصفِ قليلاً كان الوقتُ أقلَّ مِنَ الثلثَيْن. فيكونُ قد طابق أدْنى مِنْ ثلثي الليل، ويكون قولُه تعالى: { نِّصْفَهُ أَوِ ظ±نقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً } شَرْحاً لمُبْهَمِ ما دَلَّ عليه قولُه: { قُمِ ظ±لْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً }. وعلى قراءةِ النصبِ فَسَّر الحسنُ " تُحْصُوه " بمعنى تُطيقوه.

    وأمَّا قراءةُ الجرِّ فمعناها: أنه قيامٌ مُخْتَلِفٌ: مرةً أدنى من الثلثين، ومرةً أَدْنى من النصفِ، ومرةً أَدْنى من الثلثِ؛ وذلك لتعذُّرِ معرفةِ البشرِ بمقدارِ الزمانِ مع عُذْر النومِ. وقد أوضح هذا كلَّه الزمخشريُّ فقال: " وقُرِىء نصفَه وثلثَه بالنصبِ على أنك تقومُ أقلَّ من الثلثين، وتقومُ النصفَ والثلثَ وهذا مطابِقٌ لِما مَرَّ في أولِ السورةِ من التخيير: بين قيامِ النصفِ بتامِه، وين قيام الناقصِ منه، وهو الثلثُ، وبين قيامِ الزائدِ عليه، وهو الأَدْنَى من الثلثَيْن. وقُرِىء بالجرِّ، أي: تقومُ أقلَّ من الثلثَيْن وأقلَّ من النصفِ والثلثِ، وهو مطابقٌ للتخييرِ بين النَّصْفِ ـ وهو أَدْنى من الثلثين ـ والثلثِ ـ وهو أَدْنى من النصفِ ـ والرُّبُع ـ وهو أَدْنى من الثلثين ـ والثلثِ ـ وهو أَدْنى من النصفِ ـ والرُّبُع ـ وهو أدنى من الثلث ـ وهو الوجهُ الأخيرُ " انتهى. يعني بالوجهِ الأخير ما قَدَّمه أولَ السورة من التأويلات.

    وقال أبو عبد الله الفاسي: " وفي قراءةِ النصب إشكالٌ، إلاَّ أَنْ يُقَدَّر: نصفَه تارةً، وثلثَه تارةً، وأقلَّ من النصفِ والثلثِ تارةً، فيَصِحَّ المعنى ".

    وقال الرازى

    المسألة الثانية: قرىء { وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالنصب والمعنى أنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف والثلث وقرىء { وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالجر أي تقوم أقل من الثلثين والنصف والثلث، لكنا بينا في تفسير قوله:{ قُمِ ظ±لَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } [المزمل: 2] أنه لا يلزم من هذا أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام كان تاركاً للواجب

    ملحوظة

    ذكرنا قبل ذلك حل الرازى للاشكال

  8. #398
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الخامسة والتسعون بعد الثلاثمائة

    سورة المدثر


    قال ابن عطية

    اختلف القراء في { المدثر } على نحو ما ذكرناه في{ المزمل } [المزمل: 1]، وفي حرف أبيّ بن كعب { المدثر } ومعناه المتدثر بثيابه، ...

    . وقرأ جمهور الناس " والرِّجز " بكسر الراء، وقرأ حفص عن عاصم والحسن ومجاهد وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والنخعي وابن وثاب وقتادة وابن أبي إسحاق والأعرج: و " الرُّجز " بضم الراء. فقيل هما بمعنى يراد بهما الأصنام والأوثان، وقيل هما لمعنيين الكسر للنتن والتقابض وفجور الكفار والضم لصنمين: " إساف ونائلة " ، قاله قتادة. وقيل للأصنام عموماً، قاله مجاهد وعكرمة والزهري. وقال ابن عباس { الرجز } السخط، فالمعنى اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، وقال الحسن: كل معصية رجز، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية بالأوثان....

    وقال السمين

    وقرأ حفص " والرُّجْزَ " بضمِّ الراء، والباقون بكسرِها، فقيل: لغتان بمعنىً. وعن أبي عبيدةَ: " الضمُّ أفشَى اللغتَيْن، وأكثرُهما ". وقال مجاهد: " هو بالضمِّ اسمُ صَنَمٍ، ويُعزَى للحسنِ البصري أيضاً، وبالكسر اسمٌ للعذابِ. وعلى تقديرِ كونِه العذابَ فلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ أي: اهُجرْ أسبابَ العذابِ المؤدِّيةِ إليه، أو لإِقامةِ المُسَبَّبِ مُقامَ سببِه، وهو مجازٌ شائع...

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَلاَ تَمْنُن } قراءة العامة بإظهار التضعيف. وقرأ أبو السَّمّال العدويّ وأشهب العُقيليّ والحسن «وَلاَ تَمُنَّ» مدغمة مفتوحة. «تَسْتَكْثرُ»: قراءة العامة بالرفع وهو في معنى الحال، تقول: جاء زيد يركض أي راكضاً؛ أي لا تعط شيئاً مقدّراً أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه. وقرأ الحسن بالجزم على جواب النهي وهو رديء؛ لأنه ليس بجواب. ويجوز أن يكون بدلاً من «تَمْنُنْ» كأنه قال: لا تستكثر. وأنكره أبو حاتم وقال: لأن المنّ ليس بالاستكثار فيبدل منه. ويحتمل أن يكون سكن تخفيفاً كعَضْد. أو أن يعتبر حال الوقف. وقرأ الأعمش ويحيـى «تَسْتَكْثَرِ» بالنصب، تَوَهُّمَ لام كي، كأنه قال: ولا تمنن لتستكثر. وقيل: هو بإضمار «أن» كقوله:
    أَلاَ أَيُّهَـذَا الزَّاجِـري أَحْضُـرُ الـوَغَـى
    ويؤيده قراءة ظ±بن مسعود «وَلاَ تَمْنُنْ أَن تَسْتَكْثِر». قال الكسائيّ: فإذا حذف «أن» رفع، وكان المعنى واحداً. وقد يكون المنّ بمعنى التعداد على المنعم عليه بالنعم، فيرجع إلى القول الثاني، ويَعضُده قوله تعالى: { لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِظ±لْمَنِّ وَظ±لأَذَىظ° } وقد يكون مراداً في هذه الآية. والله أعلم

    وقال السمين

    وعن أنس أيضاً " تسعةُ أَعْشُرَ " بضم " تسعةُ " وأَعْشُرَ بهمزةٍ مفتوحةٍ ثم عينٍ ساكنةٍ ثم شين مضمومة. وفيها وجهان، قال أبو الفضل: " يجوزُ أَنْ يكونَ جَمعَ العَشَرةَ على أَعْشُر ثم أجراه مُجْرى تسعة عشر ". وقال الزمخشري: " جمع عَشير، مثل يَمين وأَيْمُن. وعن أنسٍ أيضاً " تسعَةُ وَعْشُرَ " بضم التاءِ وسكونِ العينِ وضمِّ الشين وواوٍ مفتوحةٍ بدلَ الهمزةِ. وتخريجُها كتخريجِ ما قبلَها، إلاَّ أنَّه قَلَبَ الهمزةَ واواً مبالغةً في التخفيفِ، والضمةُ كما تقدَّم للبناءِ لا للإِعرابِ. ونقل المهدويُّ أنه قُرِىءَ " تسعةُ وَعَشَرْ " قال: " فجاء به على الأصلِ قبلَ التركِيبِ وعَطَفَ " عشراً على تسعة " وحَذَفَ التنوينَ لكثرةِ الاستعمالِ، وسَكَّنَ الراءَ مِنْ عشر على نيةِ الوقفِ.

    وقرأ سليمان بن قتة بضمِّ التاءِ، وهمزةٍ مفتوحةٍ، وسكونِ العين، وضم الشين وجرِّ الراءِ مِنْ أَعْشُرٍ، والضمةُ على هذا ضمةُ إعرابٍ، لأنه أضاف الاسمَ لِما بعده، فأعربَهما إعرابَ المتضايفَيْنِ، وهي لغةٌ لبعضِ العربِ يَفُك‍ُّون تركيبَ الأعدادِ ويُعْرِبُونهما كالمتضايفَيْنِ كقول الراجز:
    4393ـ كُلِّفَ مِنْ عَنائِه وشِقْوَتِهْ بنتَ ثماني عَشْرَةٍ مِنْ حَجَّتِهْ
    قال أبو الفضل: " ويُخْبَرُ على هذه القراةِ ـ وهي قراءةُ مَنْ قرأ " أَعْشُر " مبنياً أو معرباً من حيث هو جمعٌ ـ أنَّ الملائكةَ الذين هم على سَقَرَ تسعون مَلَكاً.....


    وقال السمين

    قوله: { إِذْ أَدْبَرَ }: قرأ نافعٌ وحمزةُ وحفصٌ " إذ " ظرفاً لِما مضى مِنْ الزمانِ، " أَدْبَرَ " بزنةِ أَكْرَمَ. والباقون " إذا " ظرفاً لِما يُسْتقبل، " دَبَرَ " بزنةِ ضَرَبَ، والرسمُ محتملٌ لكلتَيْهما، فالصورةُ الخطيَّةُ لا تختلفُ. واختار أبو عبيد قراءةَ " إذا " قال: لأنَّ بعدَه " إذا أَسْفَرَ " قال: " وكذلك هي في حرفِ عبدِ الله " قلت: يعني أنَّه مكتوبٌ بألفَيْنِ بعد الذالِ أحدُهما ألفُ " إذا " والأخرى همزةُ " أَدْبَرَ ". واختار ابنُ عباس أيضاً " إذا " ويُحْكى أنَّه لَمَّا سَمِعَ " أَدْبَرَ " قال: " إنما يُدْبِر ظهرُ البعير ".

    واختلفوا: هل دَبَر وأَدْبَر، بمعنى أم لا؟ فقيل: هما بمعنىً واحدٍ/ يقال: دَبَر الليلُ والنهارُ وأَدْبَرَ، وقَبَلَ وأَقْبل. ومنه قولُهم " أمسٌ الدابرُ " فهذا مِنْ دَبَرَ، وأمسٌ المُدْبر قال:
    4394ـ........................... ............. ذهبوا كأمس الدابِر
    وأمَّا أَدْبَرَ الراكبُ وأَقْبل فرباعيٌّ لا غيرُ. هذا قولُ الفراء والزجاج. وقال يونس: " دَبَرَ انقضى، وأَدْبَرَ تَوَلَّى ففرَّق بينهما. وقال الزمخشري: " ودَبَرَ بمعنى أَدْبَرَ كقَبَل بمعنى أَقْبَلَ. قيل: ومنه صاروا كأمسٍ الدابرِ، وقيل: هو من دَبَرَ الليلُ النهارَ إذا خَلَفَه ".

    وقرأ العامَّةُ " أسْفَرَ " بالألف، وعيسى بنُ الفضل وابن السَّمَيْفَع " سَفَرَ " ثلاثياً ". والمعنى: طَرَحَ الظلمةَ عن وجهِه، على وجهِ الاستعارةِ.

  9. #399
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة السادسة والتسعون بعد الثلاثمائة

    قال السمين

    وقرأ نافعٌ وابنُ عامر بفتح الفاء مِنْ " مُسْتَنْفَرة " على أنه اسمُ مفعولٍ، أي: نَفَّرها القُنَّاص. والباقون بالكسرِ بمعنى: نافِرة: يُقال: استنفر ونَفَر بمعنى نحو: عَجِب واستعجب، وسخِر واسْتَسْخر. قال الشاعر:
    4398ـ أَمْسِكْ حِمارَكَ إنَّه مُسْتَنْفِرُ في إثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لغُرَّبِ
    وقال الزمخشري: " كأنها تطلُبُ النِّفار مِنْ نفوسِها في جَمْعِها له وحَمْلِها عليه " انتهى. فأبقى السينَ على بابِها من الطَّلَبِ، وهو معنى حسن.

    ورجَّحَ بعضُهم الكسرَ لقولِه " فَرَّتْ " للتناسُبِ. وحكى محمدُ ابنُ سَلاَّم قال: " سألتُ أبا سَوَّار الغَنَويَّ وكان عربياً فصيحاً، فقلت: كأنهم/ حُمُرٌ ماذا؟ فقال: مُسْتَنْفَرَة طَرَدَها قَسْورة. فقلت: إنما هو { فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } فقال: أفرَّتْ؟ قلت: نعم. قال: " فمُسْتَنْفِرة إذن " انتهى. يعني أنها مع قولِه " طَرَدها " تُناسِبُ الفتحَ لأنَّها اسمُ مفعولٍ فلما أُخْبر بأنَّ التلاوةَ { فَرَّتْ مِن قسْورة } رَجَعَ إلى الكسرِ للتناسُبِ، إلاَّ أنَ بمثلِ هذه الحكاية لا تُرَدُّ القراءةُ المتواترةُ.

    قال ابن الجوزى


    كأنهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَة } قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم بفتح الفاء. والباقون: بكسرها. قال أبو عبيدة، وابن قتيبة: من قرأ بفتح الفاء أراد: مذعورة، استنفرت فنفرت. ومن قرأ بكسر الفاء أراد: نافرة. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: حُمُرٌ مستنفَرة. وناس من العرب يكسرون الفاء. والفتح أكثر في كلام العرب. وقراءتنا بالكسر

    وقال ابن عطية

    منشرة }: معناه منشورة غير مطوية، وقرأ سعيد بن جبير " صحْفاً " بسكون الحاء وهي لغة يمانية، وقرأ: " منْشرة " بسكون النون وتخفيف الشين، وهذا على أن يشبه نشرت الثوب بأنشر الله الميت إذا لطى كالموت، وقد عكس التيمي التشبيه في قوله: [الكامل]

    ردت صنائعه عليه حياته فكأنه من نشرها منشور
    ولا يقال في الميت يحيى منشور إلا على تشبيه بالثوب وأما محفوظ اللغة فنشرت الصحيفة وأنشر الله الميت، وقد جاء عنهم نشر الله الميت....

    وقال السمين

    قوله: { مُّنَشَّرَةً }: العامَّةُ على التشديد مِنْ " نَشَّره " بالتضعيف. وابن جبير " مُنْشَرَة " بالتخفيف. ونَشَر وأَنْشَرَ مثل: نَزَل وأَنْزَل. والعامَّةُ أيضاً على ضَمِّ الحاءِ مِنْ " صُحُف " ، وابن جبير على تكسينها، قال الشيخ: " والمحفوظ في الصحيفة والثوب نَشَرَ مخففاً ثلاثياً " قلت: وهذا مردودٌ بالقرآن المتواتر. وقال أبو البقاء في قراءةِ ابن جُبير: " مِنْ أَنْشَرْتُ: إمَّا بمعنى أَمَرَ بنَشْرِها مثلَ: " أَلْحَمْتُك عِرْضَ فلانٍ " ، أو بمعنى مَنْشورة مثل: أَحْمَدْتُ الرجلَ أو بمعنى: أَنْشَر اللَّهُ الميِّتَ، أي: أحياه، فكأنه أحيا ما فيها بذكْرِه.

    وقال ابن عطية

    وقرأ نافع وأهل المدينة وسلام ويعقوب: " تذكرون " بالتاء من فوق، وقرأ أبو جعفر وعاصم وأبو عمرو والأعمش وطلحة وابن كثير وعيسى والأعرج: " يذكرون " بالياء من تحت، وروي عن أبي جعفر بالتاء من فوق وشد الذال كأنه تتذكرون فأدغم

  10. #400
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة السابعة والتسعون بعد الثلاثمائة

    سورة القيامة


    قال ابن عطية

    قرأ جمهور السبعة: " لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة " وقرأ ابن كثير والحسن بخلاف عنه والأعرج " لأقسم بيوم القيامة ولأقسم بالنفس " ، فأما القراءة الأولى فاختلف في تأويلها فقال ابن جبير: " لا " استفتاح كلام بمنزلة ألا وأنشدوا على ذلك [المتقارب]

    فلا وأبيك ابنة العامري لا يعلم القوم أني أفر
    وقال أبو علي الفارسي: " لا " صلة زائدة كما زيدت في قوله{ لئلا يعلم أهل الكتاب } [الحديد: 29] ويعترض هذا بأن هذه في ابتداء كلام. ولا تزاد " لا " وما نحوها من الحروف إلا في تضاعيف كلام. فينفصل عن هذا بأن القرآن كله كالسورة الواحدة وهو في معنى الاتصال فجاز فيه هذا، وقال الفراء: " لا " نفي لكلام الكفار وزجر لهم ورد عليهم، ثم استأنف على هذه الأقوال الثلاثة قوله: { أقسم } ، ويوم القيامة أقسم الله به تنبيهاً منه لعظمه وهوله. وقوله تعالى: " ولا أقسم بالنفس اللوامة " القول في " لا " على نحو ما تقدم، وأما القراءة الثانية فتحتمل أمرين، إما أن تكون اللام دخلت على فعل الحال، التقدير لأنا أقسم فلا تلحق لأن النون نون التوكيد إنما تدخل في الأكثر لتفرق بين فعل الحال والفعل المستقبل فهي تلزم المستقبل في الأكثر، وإما أن يكون الفعل خالصاً للاستقبال فكأن الوجه والأكثر أن تلحق النون إما الخفيفة وإما الثقيلة، لكن قد ذكر سيبويه أن النون قد تسقط مع إرادة الاستقبال وتغني اللام عنها. كما تسقط اللام وتغني النون عنها وذلك في قول الشاعر: [الكامل]

    وقتيل مرة أثأرن فإنه فرغ وإن قتيلهم لم يثأر
    المراد لأثارن، وأما قوله " ولا أقسم بالنفس اللوامة " فقيل " لا " نافية، وإن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، ونفى أن يقسم بالنفس اللوامة نص عليه الحسن، وقد ذهب هذا المذهب قوم ممن قرأ " لا أقسم ولأقسم " ، وذلك قلق وهو في القراءة الثانية أمكن وجمهور المتأولين على أن الله تعالى أقسم بالأمرين، ....

    وقرأ أبو عمرو والحسن ومجاهد وقتادة والجحدري وعاصم والأعمش وأبو جعفر وشيبة " بِرق البصر " بكسر الراء بمعنى شخص وشق وحار. وقرأ نافع وعاصم بخلاف، وعبد الله بن أبي إسحاق وزيد بن ثابت ونصر بن عاصم " بَرق " بفتح الراء، بمعنى لمع وصار له بريق وحار عند الموت، والمعنى متقارب في القراءتين، وقال أبو عبيدة " برَق " بالفتح شق، وقال مجاهد هذا عند الموت، وقال الحسن هذا في يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس: " وخسف القمرُ " على أنه فاعل، وقرأ أبو حيوة " خُسِف " بضم الخاء وكسر السين و " القمرُ " مفعول لما يسم فاعله....

    وقوله تعالى: { وجمع الشمس والقمر } غلب عليه التذكير على التأنيث وقيل ذلك لأن تأنيث الشمس غير حقيقي، وقيل المراد بين الشمس والقمر، وكذلك قرأ ابن أبي عبلة...

    قرأ جمهور الناس " أين المَفر " بفتح الميم والفاء على المصدر أي أين الفرار، وقرأ ابن عباس والحسن وعكرمة وأيوب السخيتاني وكلثوم بن عياض ومجاهد ويحيى بن يعمر وحماد بن سلمة وأبو رجاء وعيسى وابن أبي إسحاق، " أين المَفِر " بفتح الميم وكسر الفاء على معنى أين موضع الفرار، وقرأ الزهري: " أين المِفَر " بكسر الميم وفتح الفاء بمعنى أين الجيد الفرار...

    وقرأ الجمهور " تحبون " بالتاء على المخاطبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد والجحدري وقتادة " يحبون " بالياء على ذكر الغائب وكذلك " يذرون...

    وقرأ حفص عن عاصم بالوقف على { من } ويبتدىء { راق } وأدغم الجمهور، قال أبو علي: لا أعرف وجه قراءة عاصم، وكذلك قرأ " بل ران " وقوله تعالى: { وظن أنه الفراق } يريد وتيقن المريض أنه فراق الأحبة والأهل والمال والحياة، وهذا يقين فيما لم يقع بعد ولذلك استعملت فيه لفظة الظن، وقرأ ابن عباس " أيقن أنه الفراق....

    وقال الالوسي

    ووقف حفص رواية عن عاصم على (من) وابتدأ (راق) وأدغم الجمهور قال أبو علي لا أدري ما وجه قراءته وكذلك قرأ{ بَلْ رَانَ } [المطففين: 14] وقال بعضهم كأنه قصد أن لا يتوهم أنها كلمة واحدة فسكت سكتة لطيفة ليشعر أنهما كلمتان وإلا فكان ينبغي أن يدغم في { مَنْ رَاقٍ } فقد قال سيبويه إن النون تدغم في الراء وذلك نحو من راشد والإدغام بغنة وبغير غنة ولم يذكر الإظهار ويمكن أن يقال لعل الإظهار رأي كوفي فعاصم شيخ حفص يذكر أنه كان عالماً بالنحو وأما{ بَلْ رَانَ } [المطففين: 14] فقد ذكر سيبويه في ذلك أيضاً أن إظهار اللام وإدغامها مع الراء حسنان فلعل حفصاً لما أفرط في إظهار الإظهار فيه صار كالوقف القليل.

    وقال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " ألم يك " بالياء من تحت، وقرأ الحسن: " ألم تك " بالتاء من فوق " و " النطفة ": القطعة من الماء. يقال ذلك للقليل والكثير، و " المني " معروف، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو عمرو بخلاف وابن محيصن والجحدري وسلام ويعقوب: " يمنى " بالياء، يراد بذلك المني، ويحتمل أن يكون يمنى من قولك أمنى الرجل، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الخلق، فكأنه قال: من مني تخلق، وقرأ جمهور السبعة والناس. " تمنى " بالتاء، يراد بذلك النطفة، و " تمنى " يحتمل الوجهين اللذين ذكرت.و " العلقة ": القطعة من الدم، لأن الدم هو العلق، وقوله تعالى: { فخلق فسوى } معناه فخلق الله منه بشراً مركباً من أشياء مختلفة فسواه شخصاً مستقلاً، وفي مصحف ابن مسعود ": يخلق " بالياء فعلاً مستقبلاً

    وقال السمين

    قوله: { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً }: العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ في " يك " رجوعاً للإِنسان. والحسن بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ إليه توبيخاً له.

    قوله: { يُمْنَى } قرأ حفص " يُمْنى " بالياء مِنْ تحتُ، وفيه وجهان: أحدُهما: أنَّ الضميرَ عائدٌ على المنيِّ، أي: يُصَبُّ، فتكونُ الجملةُ في محلِّ جر. والثاني: أنه يعودُ للنُّطفةِ؛ لأنَّ تأنيثَها مجازيُّ، ولأنَّها في معنى الماءِ، قاله أبو البقاء، وهذا إنما يتمشَّى على قولِ ابنِ كيسان. وأمَّا النحاةُ فيجعلونه ضرورةً كقوله:
    4428ـ........................... ولا أرضَ أبْقَلَ إبْقالَها
    وقرأ الباقون " تُمْنَى " بالتاءِ مِنْ فوقُ على أنَّ الضميرَ للنُّطفة. فعلى هذه القراءةِ وعلى الوجهِ المذكورِ قبلَها تكونُ الجملةُ في محلِّ نصبٍ؛ لأنها صفةٌ لمنصوبٍ.

  11. #401
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الثامنة والتسعون بعد الثلاثمائة

    سورة الانسان


    قال ابن عطية

    وقوله { يشرب بها } بمنزلة يشربها فالباء زائدة، وقال الهذلي: شربن بماء البحر.أي شربن ماء البحر، وقرأ ابن أبي عبلة: " يشربها عباد الله ...

    وقرأ الجمهور " فوقَاهم " بتخفيف القاف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " فوقّاهم " بشد القاف....

    وقرأ جمهور الناس " دانية " وقرأ الأعمش " ودانياً عليهم " وقرأ أبو جعفر " ودانيةٌ " بالرفع, وقرأ أبيّ بن كعب " ودانٍ " مفرد مرفوع في الإعراب، ودنو الظلال بتوسط أنعم لها، لأن الشيء المظل إذا بعد فترة ظله لا سيما من الأشجار والتذليل أن تطيب الثمرة فتتدلى وتنعكس نحو الأرض...

    وقال السمين

    قوله: { قَدَّرُوهَا } صفةٌ لـ " قواريرَ ". والواو في " قَدَّروها " فيه وجهان، أحدهما: أنَّه للمُطافِ عليهم. ومعنى تقديرهم إياها: أنهم قَدَّروها في أنفسِهم أَنْ تكونَ على مقاديرَ وأشكالٍ على حَسَبِ شَهَواتِهم، فجاءَتْ كما قَدَّروا.

    والثاني: أنَّ الواو للطائفين للدلالةِ عليهم، مِنْ قولِه تعالى: " ويُطافُ " والمعنى: أنهم قَدَّروا شرابَها على قَدْر رِيِّ الشَّارِب، وهو ألذُّ الشرابِ لكونِه على مِقْدارِ حاجتِه لا يَفْضُل عنها ولا يَعْجِزُ، قاله الزمخشري. وجَوَّزَ أبو البقاء أَنْ تكونَ الجملةُ مستأنفةً.

    وقرأ عليٌّ وابنُ عباس والسُّلميُّ والشعبيُّ وزيدُ بن علي وأبو عمروٍ ـ في روايةِ الأصمعيِّ ـ " قُدِّرُوْها " مبنياً للمفعول. وجَعَله الفارسِيُّ مِنْ بابِ المَقْلوبِ قال: " كأنَّ اللفظ: قُدِّروا عليها. وفي المعنى قَلْبٌ؛ لأنَّ حقيقةَ المعنى أن يقال: قُدِّرَتْ عليهم، فهي مثلُ قولِه:{ لَتَنُوءُ بِظ±لْعُصْبَةِ أُوْلِي ظ±لْقُوَّةِ } [القصص: 76] ومثلُ قولِ العرب: " إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ أُلْقِيَ العُوْدُ على الحِرْباء ". وقال الزمخشري: " ووجهُه أَنْ يكونَ مِنْ قُدِّر منقولاً مِنْ قَدَرَ. تقول: قَدَرْتُ [الشيءَ] وقَدَرَنيه فلان، إذا جعلك قادراً له ومعناه: جُعلوا قادرين لها كما شاؤوا، وأُطْلِق لهم أَنْ يُقَدِّروا على حَسَبِ ما اشْتَهَوْا ". وقال أبو حاتم: " قُدِّرَتْ الأواني على قَدْرِ رِيِّهم " ففَسَّر بعضُهم قولَ أبي حاتمٍ هذا قال: " فيه حَذْفٌ على حَذْفٍ: وهو أنه كان: " قُدِّرَ على قَدْرِ ريِّهم إياها " ثم حُذِفَ " على " فصار: " قَدْرُ رِيِّهم " على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ثم حُذِف " قَدْرُ " فصار " رِيُّهم " ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فحُذِفَ الرِّيُّ فصارَتِ الواوُ مكانَ الهاءِ والميمِ، لَمَّا حُذِفَ المضافُ مِمَّا قبلَها، وصارَتِ الواوُ مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، واتصلَ ضميرُ المفعولِ الثاني في تقديرِ النصبِ بالفعلِ بعدَ الواوِ التي تَحَوَّلَتْ من الهاءِ والميم، حتى أُقيمَتْ مُقامَ الفاعل ". قلت: وفي هذا التخريجِ من التكلُّف ما لا يَخْفَى مع عَجْرَفَةِ ألفاظِه.

    وقال الشيخ: " والأقربُ في تخريج هذه القراءةِ الشاذَّة: " قُدِّرَ رِيُّهم منها تقديراً " فحُذِف المضافُ وهو الرِّيُّ، وأُقيم الضميرُ مُقامَه، فصار التقديرُ: قُدِّروا مِنْها، ثم اتُّسِع في الفعل فحُذِفَتْ " مِنْ " ووصَلَ الفعلُ إلى الضميرِ بنفسِه فصار: " قُدِّرُوْها " فلم يكن فيه إلاَّ حَذْفُ مضافٍ واتِّساعٌ في الفعل ". قلت: وهذا مُنْتَزَعٌ من تفسيرِ كلامِ أبي حاتم.....

    قال السمين

    والعامَّةُ على فتحِ الثاءِ مِنْ " ثَمَّ " كما تقدَّم. وقرأ حميد الأعرج بضمِّها على أنَّها العاطَفَةُ، وتكونُ قد عَطَفَتْ " رأَيْتَ " الثاني على الأول، ويكون فعلُ الجوابِ محذوفاً، ويكونُ فعلُ الجوابِ المحذوفِ هو الناصبَ لقولِه: " نعيماً " ، والتقدير: وإذا صَدَرَ منك رؤيةٌ، ثم صَدَرَتْ رؤيةٌ/ أخرى رَأَيْتَ نعيماً ومُلْكاً. فَرَأَيْتَ هذا هو الجوابُ.

    ملحوظة

    قال ابن الجزرى فى النشر

    ومنها ما يكون حجة لأهل الحق ودفعا لأهل الزيغ كقراءة وملكا كبيرا بكسر اللام، وردت عن ابن كثير وغيره، وهي من أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة ....

    ملحوظة

    هى قراءة شاذة

  12. #402
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة التاسعة والتسعون بعد الثلاثمائة

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ } قرأ نافع وحمزة وابن محيصن «عالِيهِم» ساكنة الياء، واختاره أبو عبيد اعتباراً بقراءة ابن مسعود وابن وثاب وغيرهما «عَالِيَتُهُمْ» وبتفسير ابن عباس: أما رأيت الرجل عليه ثيابٌ يعلوها أفضل منها. الفراء: وهو مرفوع بالابتداء وخبره «ثِيَابُ سُنْدُسٍ» وظ±سم الفاعل يراد به الجمع. ويجوز في قول الأخفش أن يكون إفراده على أنه اسم فاعل متقدّم و«ثيابُ» مرتفعة به وسَدّت مسدّ الخبر، والإضافة فيه في تقدير الانفصال لأنه لم يَخُصّ، وظ±بتدىء به لأنه اختصّ بالإضافة. وقرأ الباقون «عَالِيَهُمْ» بالنصب. وقال الفراء: هو كقولك فَوْقَهم، والعرب تقول: قومُك داخلَ الدارِ فينصبون داخل على الظرف، لأنه مَحلّ. وأنكر الزجاج هذا وقال: هو مما لا نعرفه في الظروف، ولو كان ظرفاً لم يجز إسكان الياء، ولكنه بالنصب على الحال من شيئين: أحدهما الهاء والميم في قوله: { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ } أي على الأبرار «وِلْدَانٌ» { وِلْدَانٌ } عالياً الأبرارَ ثيابُ سندسٍ؛ أي يطوف عليهم في هذه الحال، والثاني أن يكون حالاً من الولدان؛ أي { إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً } في حال علوّ الثياب أبدانهم. وقال أبو عليّ: العامل في الحال إمّا { لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً } وإمّا { جَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ } قال: ويجوز أن يكون ظرفاً فصُرِف. المهدوي: ويجوز أن يكون ظ±سم فاعل ظرفاً؛ كقولك هو ناحيةً من الدار، وعلى أن عالياً لما كان بمعنى فوق أُجْرِي مُجْراه فجعل ظرفاً.


    وقرأ ظ±بن محيصن وظ±بن كثير وأبو بكر عن عاصم «خُضْرٍ» بالجر على نعت السُّنْدُس { وَإِسْتَبْرَقٌ } بالرفع نَسْقاً على الثياب، ومعناه عاليهم ثيابُ سندسٍ وإستبرقٌ. وقرأ ظ±بن عامر وأبو عمرو ويعقوب «خُضْرٌ» رفعاً نعتاً للثياب «وَإِسْتَبْرَقٍ» بالخفض نعتاً للسُّنْدس، وظ±ختاره أبو عُبيد وأبو حاتم لجودة معناه؛ لأن الخضر أحسن ما كانت نعتاً للثياب فهي مرفوعة، وأحسن ما عطف الإستبرق على السُّنْدس عطف جنس على جنس، والمعنى: عاليَهم ثيابٌ خُضْرٌ مِن سندسٍ وإستبرقٍ، أي من هذين النوعين. وقرى نافع وحفص كلاهما بالرفع ويكون { خُضْرٌ } نعتاً للثياب؛ لأنهما جميعاً بلفظ الجمع «وإِسْتَبْرَقٌ» عطفاً على الثياب. وقرأ الأعمش وظ±بن وَثّاب وحمزة والكسائيّ كلاهما بالخفض ويكون قوله: «خُضْرٍ» نعتاً للسُّندس، والسُّندس ظ±سم جنس، وأجاز الأخفش وصف ظ±سم الجنس بالجمع على ظ±ستقباح له؛ وتقول: أهلك الناسَ الدينارُ الصُّفْرُ والدرهمُ البِيضُ؛ ولكنه مستبعد في الكلام. والمعنى على هذه القراءة: عالِيهم ثِيابُ سُندسٍ خضرٍ وثيابُ إِستبرقٍ. وكلهم صرف الإستبرق إلا ظ±بن محيصن، فإنه فتحه ولم يصرفه فقرأ «وإستبرقَ» نصباً في موضع الجر، على منع الصرف، لأنه أعجمي، وهو غلط؛ لأنه نكرة يدخله حرف التعريف؛ تقول الإستبرق إلا أن يزعم ظ±بن محيصن أنه قد يجعل علماً لهذا الضرب من الثياب. وقرىء «وَظ±سْتَبْرَقَ» بوصل الهمزة والفتح على أنه سُمِّي بظ±ستفعل من البريق، وليس بصحيح أيضاً؛ لأنه مُعَرَّب مشهور تعريبه، وأن أصله ظ±سْتَبْرَكَ والسُّندس: ما رَقّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظ منه....

    وقال ابن عطية

    قرأ نافع وحمزة وأبان عن عاصم: " عاليهم " على الرفع بالابتداء وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن وابن عباس بخلاف عنه، وقرأ الباقون وعاصم " عاليَهم " بالنصب على الحال، والعامل فيه{ لقاهم } [الإنسان:11] أو{ جزاهم } [الإنسان:12]، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن ومجاهد والجحدري وأهل مكة، وقرأ الأعمش وطلحة: " عاليتهم " ، وكذلك هي في مصحف عبد الله، وقرأ أيضاً الأعمش " عاليَتهم " بالنصب على الحال، وقد يجوز في النصب في القراءتين أن يكون على الظرف لأنه بمعنى فوقهم، وقرأت عائشة رضي الله عنها " علتهم " بتاء فعل ماض، وقرأ مجاهد وقتادة وابن سيرين وأبو حيوة " عليهم " و " السندس ": رقيق الديباج والمرتفع منه، وقيل " السندس ": الحرير الأخضر، و " الاستبرق " والدمقس هو الأبيض، والأرجوان هو الأحمر، وقرأ حمزة والكسائي " خضر واستبرقٍ " بالكسر فيهما وهي قراءة الأعمش وطلحة، ورويت عن الحسن وابن عمر بخلاف عنه على أن " خضر " نعت للسندس، وجائز جمع صفة الجنس إذا كان اسماً مفرداً كما قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم الأبيض، وفي هذا قبح، والعرب تفرد اسم الجنس وهو جمع أحياناً فيقولون: حصى أبيض، وفي القرآن{ الشجر الأخضر } [يس:80] و{ نخل منقعر } [القمر:20] فكيف بأن لا يفرد هذا الذي هو صفة لواحد في معنى جمع " واستبرق " في هذه القراءة عطف على { سندس } ، وقرأ نافع وحفص عن عاصم والحسن وعيسى " خضرٌ واستبرقٌ " بالرفع فيهما، " خضرٌ " نعت لـ { ثياب } و " استبرق " عطف على الثياب. وقرأ أبو عمرو وابن عامر " خضرٌ " بالرفع صفة لـ { ثياب } ، " وإستبرق " خفضاً، عطف على { سندس } ، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر " خضرٍ " خفضاً " وإستبرقٌ " رفعاً فخفش " خضرٍ " على ما تقدم أولاً، " واستبرقٌ " على الثياب. والاستبراق غليظ الديباج، وقرأ ابن محيصن: " واستبرقَ " موصولة الألف مفتوحة القاف كأنه مثال الماضي من برق واستبرق وتجب واستعجب. قال أبو حاتم: لا يجوز، والصواب أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميراً، ويؤيد ذلك دخول اللام المعرفة عليه والصواب فيه الألف وإجراؤه على قراءة الجماعة، وقرأ أبو حيوة " عليهم ثيابٌ " بالرفع " سندسٌ خضرٌ واستبرقٌ " رفعاً في الثلاثة...

    وقرأ عبد الله " وما تشاؤون إلا ماشاء الله" وقرأ يحيى بن وثاب " تِشاؤون " بكسر التاء. وقوله تعالى: { عليماً حكيماً } معناه يعلم ما ينبغي أن ييسر عبده إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو { والظالمين } نصب بإضمار فعل تقديره ويعذب الظالمين أعد لهم، وفي قراءة ابن مسعود " وللظالمين أعد لهم " بتكرير اللام، وقرأ جمهور السبعة " وما تشاؤون " بالتاء على المخاطبة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يشاؤون " بالياء، وقرأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة " والظالمون " بالرفع، قال أبو الفتح: وذلك على ارتجال جملة مستأنفة.....

    وقال السمين

    وقرأ نافعٌ والكوفيون " تَشاؤُون " خطاباً لسائر الخَلْقِ أو على الالتفاتِ من الغَيْبة في قولِه: " نحن خَلَقْناهم ". والباقون بالغَيبة جَرْياً على قولِه: " خَلَقْناهم " وما بعدَه.

  13. #403
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الاربعمائة

    سورة المرسلات


    قال ابن عطية

    وأما { الملقيات ذكراً } فهي في قول الجمهور الملائكة. قال مقاتل جبريل وقال آخرون هي الرسل، وقرأ جمهور الناس: " فالملْقيات " بسكون اللام أي تلقيه من عند الله أو بأمره إلى الرسل.

    وقرأ ابن عباس فيما ذكر المهدوي، " فالملَقَّيات " بفتح اللام والقاف وشدها، أي تلقيه من قبل الله تعالى، وقرأ ابن عباس أيضاً " فالملَقَّيات " بفتح اللام وشد القاف وكسرها، أي تلقيه هي الرسل، و " الذكر " الكتب المنزلة والشرائع ومضمناتها.....

    وقال السمين

    وقرأ العامَّةُ " فالمُلْقِياتِ " بسكون اللامِ وتخفيفِ القافِ اسمَ فاعلٍ. وابن عباس بفتحِ اللامِ وتشديدِ القافِ، من التَّلْقِية، وهي إيصالُ الكلامِ إلى المخاطبِ. ورَوَى عنه المهدويُّ أيضاً فتحَ القافِ اسمَ مفعولٍ أي: مُلْقَيَةٌ مِنْ قِبَل اللَّهِ تعالى.

    وقال ابن عطية

    واختلف القراء في قوله تعالى: { عذراً أو نذراً } ، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر وشيبة بسكون الذال في " عذْر " وضمها في " نذُر " ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وإبراهيم التيمي بسكون الذال فيهما، وقرأ طلحة وعيسى والحسن بخلاف، وزيد بن ثابت وأبو جعفر وأبو حيوة والأعمش عن أبي بكر عن عاصم بضمها فيهما فإسكان الذال على أنهما مصدران يقال عذْر وعذير ونذْير كنكر ونكير، وضم الذال يصح معه المصدر، ويصح أن يكون جمعاً لنذير وعاذر للذين هما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قوله { عذراً أو نذراً } فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من الذكر، ويصح أن يكون على المفعول للذكر كأنه قال { فالملقيات } أن يذكر { عذراً } ويصح أن يكون { عذراً } مفعولاً لأجله أي يلقي الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا كان { عذراً أو نذراً } جمعاً فالنصب على الحال. وقرأ إبراهيم التيمي " عذراً أو نذراً " بواو بدل { أو } ...

    وقرأ جمهور القراء: " أقّتت " بالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمزة عيسى وخالد، وقرأ أبو عمرو وحده " وقتت " بالواو، وأبو الأشهب وعيسى وعمرو بن عبيد، قال عيسى هي لغة سفلى مضر، وقرأ أو جعفر بواو واحدة خفيفة القاف وهي قراءة ابن مسعود والحسن، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " ووقت " بواوين على وزن فوعلت، والمعنى جعل لها وقت منتظر فجاء وحان. والواو في هذا كله الأصل والهمزة بدل. ....

  14. #404
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الواحدة بعد الاربعمائة

    قال ابن عطية

    قرأ جمهور القراء " ثم نتبعُهم " بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه " ثم نتبعْهم " بجزم العين عطفاً على { نهلك } وهي قراءة الأعرج وبحسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في { الأولين } ، فمن قرأ الأولى جعل { الأولين } الأمم التي قدمت قريشاً بأجمعها، ثم أخبر أنه يتبع { الآخرين } من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم. ومن قرأ الثانية جعل { الأولين } قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و { الآخرين } قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي حرف عبد الله " وسنتبعهم....

    وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونافع والكسائي " فقدّرنا " بشد الدال، وقرأ الباقون " فقدَرنا " بتخفيف الدال، وهما بمعنى من القدرة، والقدر من التقدير والتوقيف وقوله { القادرون } يرجح قراءة الجماعة....

    وقال السمين

    قوله: { فَقَدَرْنَا }: قرأ نافعٌ والكسائيُّ بالتشديد من التقدير، وهو موافِقٌ لقولِه:{ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } [عبس: 19] والباقون بالتخفيف من القُدْرة. ويَدُلُّ عليه قولُه: " فنِعْمَ القادِرون ". ويجوز أَنْ يكونَ المعنى على القراءة الأولى: فنِعْمَ القادِرون على تقديرِه، وإن جُعِلت " القادِرون " بمعنى " المُقَدِّرُون " كان جَمْعاً بين اللفظَيْنِ، ومعناهما واحدٌ، ومنه قولُه تعالى:{ فَمَهِّلِ ظ±لْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } [الطارق: 17] وقولُ الأعشى:
    4456ـ وأَنْكَرَتْني وما كان الذي نَكِرَتْ من الحوادِث إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلعَا

  15. #405
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,563
    الجوهرة الثانية بعد الاربعمائة

    قال ابن عطية


    الضمير في قوله: { انطلقوا } ، هو{ للمكذبين } [الإنسان: 19-24] الذين لهم الويل يقال لهم { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } من عذاب الآخرة، ولا خلاف في كسر اللام من قوله { انطلقوا } في هذا الأمر الأول، وقرأ يعقوب في رواية رويس " انطلَقوا إلى ظل " بفتح اللام على معنى الخبر، وقرأ جمهور الناس " انطِلقوا " بكسر اللام على معنى تكرار، الأمر الأول وبيان المنطلق إليه...

    وقال السمين

    قوله: { انطَلِقُواْ }: أي: يُقال لهم ذلك. وقرأ العامَّةُ " انطَلِقوا " الثاني كالأول بصيغةِ الأمرِ على التأكيد. ورُوَيْسٌ عن يعقوب " انطلَقوا " بفتح اللام فعلاً ماضياً على الخبرِ أي: لَمَّا أُمِرُوا امْتَثَلوا ذلك. وهذا موضعُ الفاءِ فكان يَنْبعي أَنْ يكونَ التركيبُ: فانطَلَقوا نحو قولِك: قلت اذهب فذهب، وعَدَمُ الفاءِ هنا ليس بالواضحِ.

    وقال ابن عطية

    وقرأ عيسى بن عمر " بشرار " بألف جمع شرارة وهي لغة تميم، و " القصر " في قول ابن عباس وجماعة من المفسرين اسم نوع القصور وهو إلا دوراً لكبار مشيدة، وقد شبهت العرب بها النوق ومن المعنى قول الأخطل: [البسيط]

    كأنها برج رومي يشيده لز بجص وآجر وجيار
    وقال ابن عباس أيضاً: " القصر ": خشب كان في الجاهلية يقطع من جزل الحطب من النخل وغيره على قدر الذراع وفوقه ودونه يستعد به للشتاء يسمى " القَصَر " واحده قصرة وهو المراد في الآية، وإنما سمي القَصَّار لأنه يخبط بالقصرة، وقال مجاهد: " القصر " حزم الحطب. وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن جبير " القَصَر " جمع قصرة وهي أعناق النخل والإبل وكذلك أيضاً هي في الناس، وقال ابن عباس جذور النخل، وقرأ ابن جبير أيضاً والحسن: " كالقِصَر " بسكر القاف وفتح الصاد، وهي جمع قصرة كحلقة وحلق من الحديد،....

    وقال الطبري

    وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو سكون الصاد، وأولى التأويلات به أنه القصر من القصور، وذلك لدلالة قوله { كأنهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ } على صحته، والعرب تشبه الإبل بالقصور المبنية، كما قال الأخطل في صفة ناقة
    كأنها بُرْجُ رُوميَ يُشَيِّدُه لُزَّ بِجصّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
    وقيل { بِشَرَرٍ كالقَصْرِ } ولم يقل كالقصور، والشررِ جماع، كما قيل سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ولم يقل الأدبار، لأن الدبر بمعنى الأدبار، وفعل ذلك توفيقا بين رؤوس الآيات ومقاطع الكلام، لأن العرب تفعل ذلك كذلك، وبلسانها نزل القرآن. وقيل كالقصر، ومعنى الكلام كعظم القصر، كما قيل تَدوُر أعُيُنهم كالذي يُغْشَى عليه مِنَ الموتِ ولم يقل كعيون الذي يغشى عليه، لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.

    وقال السمين

    قوله: { كَالْقَصْرِ } العامَّةُ على فتح القافِ وسكونِ الصادِ، وهو القَصْرُ المعروف، شُبِّهَتْ به في كِبَرِه وعِظَمِه. وابن عباس وتلميذاه ابن جُبَيْر وابنُ جَبْر، والحسن، بفتحِ القافِ والصادِ، وهي جمعُ قَصَرة بالفتح والقَصَرَةُ: أَعْناقُ الإِبلِ والنخلِ، وأصولُ الشجرِ. وقرأ ابن جبير والحسن أيضاً بكسرِ القافِ وفتحِ الصاد جمع " قَصَرة " يعني بفتح القافِ. قال الزمخشريُّ: " كحاجةٍ وحِوَج " وقال الشيخ: " كحَلَقة من الحديدِ وحِلَق ". وقُرىء " كالقَصِرِ " بفتح القاف وكسرِ الصادِ، ولم أَرَ لها توجيهاً. ويظهرُ أنَّ ذلك مِنْ بابِ الإِتباعِ، والأصلُ: كالقَصْرِ بسكونِ الصادِ، ثم أتبعَ الصادَ حركةَ الراءِ فكسَرها، وإذا كانوا قد فَعَلُوا ذلك في المشغولِ بحركة نحو: كَتِف وكَبِد، فلأَنْ يَفْعلوه في الخالي منها أَوْلَى. ويجوزُ أَنْ يكون ذلك للنقل بمعنى: أنه وَقَفَ على الكلمةِ فَنَقَل كسرةَ الراءِ إلى الساكنِ قبلَها. ثم أَجْرَى الوَصْلَ مُجْرَى الوقفِ، وهو بابٌ شائِعٌ عند القُرَّاءِ والنحاة. وقرأ عبدُ الله بضمِّهما. وفيها وجهان، أحدُهما: أنَّه جمعُ قَصْرٍ كرَهْن وَرُهُن، قاله الزمخشريُّ. والثاني: أنَّه مقصورٌ من قُصور كقولِه:
    4458ـ فيها عيايِيْلُ أُسودٍ ونُمُرْ
    يريد: ونُمور. فقصَر وكقوله: " النُّجُم " يريد النجوم. وتخريجُ الزمخشريِّ أَوْلَى؛ لأنَّ محلَّ الثاني: إمَّا الضرورةُ، وإمَّا النُّدُور.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •