صفحة 22 من 29 الأولىالأولى ... 12181920212223242526 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 316 إلى 330 من 428

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #316
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة التاسعة عشر بعد الثلاثمائة

    وقال الالوسي

    إِنَّمَا أَمْرُهُ } أي شأنه تعالى شأنه في الإيجاد، وجوز فيه أن يراد الأمر القولي فيوافق قوله تعالى:{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء } [النحل: 40] ويراد به القول النافذ. { إِذَا أَرَادَ شَيْئاً } أي إيجاد شيء من الأشياء { أَن يَقُولَ لَهُ كُن } أي أوجد { فَيَكُونُ } أي فهو يكون ويوجد، والظاهر أن هناك قولاً لفظياً هو لفظ كن وإليه ذهب معظم السلف وشؤون الله تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام فدع عنك الكلام والخصام، وقيل ليس هناك قول لفظي لئلا يلزم التسلسل، ويجوز أن يكون/ هناك قول نفسي وقوله للشيء تعلقه به، وفيه ما يأباه السلف غاية الإباء، وذهب غير واحد إلى أنه لا قول أصلاً وإنما المراد تمثيل لتأثير قدرته تعالى في مراده بأمر الآمر المطاع للمأمور المطيع في سرعة حصول المأمور به من غير امتناع وتوقف على شيء.

    وقرأ ابن عامر والكسائي { فيكون } بالنصب عطفاً على { يقول } وجوز كونه منصوباً في جواب الأمر، وأباه بعضهم لعدم كونه أمراً حقيقة، وفيه بحث.....انتهى

    قلت انا اسامة خيري الاية فيها كلام كثير فى علم التوحيد ومناقشات مطولة

    وقال ابن عطية

    ورفع " يكونُ " على معنى فهو يكون، وهي قراءة الجمهور وقرأ ابن عامر والكسائي " فيكونَ " بالنصب، قال أبو علي: لا ينصب الكسائي إذا لم تتقدم " أن " وينصب ابن عامر وإن لم تتقدم " أن " ، والنصب ها هنا قراءة ابن محيصن وقول تعالى: { كن } أمر للشيء المخترع عند تعلق القدرة به لا قبل ذلك ولا بعده، وإنما يؤمر تأكيداً للقدرة وإشارة بها، وهذا أمر دون حروف ولا أصوات بل من كلامه القائم بذاته لا رب سواه، ثم نزه تعالى نفسه تنزيهاً عاماً مطلقاً، وقرأ جمهور الناس " ملكوت " ، وقرأ طلحة التيمي والأعمش " ملَكه " بفتح اللام ومعناه ضبط كل شيء والقدرة عليه....

    سورة الصافات

    قال السمين

    قوله: { بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ }: قرأ أبو بكر بتنوين " زينة " ونصب " الكواكب " وفيه وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ الزينةُ مصدراً، وفاعلُه محذوفٌ، تقديره: بأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكواكبَ، في كونِها مضيئةً حَسَنةً في أنفسها. والثاني: أنَّ الزينةَ اسمٌ لِما يُزان به كاللِّيْقَةِ: اسمٌ لِما تُلاقُ به الدَّواةُ، فتكون " الكواكبُ " على هذا منصوبةً بإضمارِ " أَعْني " ، أو تكون بدلاً مِنْ سماء الدنيا بدلَ اشتمالٍ أي: كواكبها، أو من محل " بزينة ".

    وحمزةُ وحفصٌ كذلك، إلاَّ أنهما خَفَضا الكواكب على أنْ يُرادَ بزينة: ما يُزان به، والكواكب بدلٌ أو بيانٌ للزينة.

    والباقون بإضافةِ " زينة " إلى " الكواكب ". وهي تحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ، أحدها: أَنْ تكونَ إضافةَ أعمَّ إلى أخصَّ فتكونَ للبيان نحو: ثوبُ خَزّ. الثاني: أنها مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه أي: بأن زَيَّنَتِ الكواكبُ السماءَ بضوئِها. والثالث: أنه مضافٌ لمفعولِه أي: بأَنْ زَيَّنها اللَّهُ بأَنْ جَعَلها مشرِقةً مضيئةً في نفسِها.

    وقرأ ابن عباس وابن مسعود بتنوينها، ورفعِ الكواكب. فإنْ جَعَلْتَها مصدراً ارتفع " الكواكب " به، وإنْ جَعَلْتَها اسماً لِما يُزان به فعلى هذا ترتفع " الكواكبُ " بإضمار مبتدأ أي: هي الكواكبُ، وهي في قوة البدلِ. ومنع الفراءُ إعمالَ المصدرِ المنوَّن. وزعمَ أنه لم يُسْمَعْ. وهو غلَطٌ لقولِه تعالى:{ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ } [البلد: 14] كما سيأتي إن شاء الله....

    وقال الطبري

    وقوله { إنَّا زَيَّنا السَّماءَ الدُّنـيْا بزِينَةٍ الكَوَاكِبِ } اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ } فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة «بزينةِ الكواكبِ» بإضافة الزينة إلـى الكواكب، وخفض الكواكب { إنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنـيْا } التـي تلـيكم أيها الناس وهي الدنـيا إلـيكم بتزيـيها الكواكب أي بأنّ زينتها الكواكب. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة { بِزِينَةٍ الكَوَاكبِ } بتنوين زينة، وخفض الكواكبَ ردّاً لها علـى الزينة، بـمعنى إنا زينا السماء الدنـيا بزينة هي الكواكب، كأنه قال زيناها بـالكواكب. ورُوِي عن بعض قرّاء الكوفة أنه كان ينوّن الزِّينة وينصب الكواكبَ، بـمعنى إنا زيَّنا السماء الدنـيا بتزيـيننا الكواكبَ. ولو كانت القراءة فـي الكواكب جاءت رفعاً إذا نونّت الزينة، لـم يكن لـحناً، وكان صوابـاً فـي العربـية، وكان معناه إنا زينا السماء الدنـيا بتزيـينها الكواكب أي بأن زينتها الكواكب وذلك أن الزينة مصدر، فجائز توجيهها إلـى أيِّ هذه الوجوه التـي وُصِفت فـي العربـية.

    وأما القراءة فأعجبها إلـيّ بإضافة الزينة إلـى الكواكب وخفض الكواكب لصحة معنى ذلك فـي التأويـل والعربـية، وأنها قراءة أكثر قرّاء الأمصار، وإن كان التنوين فـي الزينة وخفض الكواكب عندي صحيحاً أيضاً. فأما النصب فـي الكواكب والرفع، فلا أستـجيز القراءة بهما، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافهما، وإن كان لهما فـي الإعراب والـمعنى وجه صحيح. وقد اختلف أهل العربـية فـي تأويـل ذلك إذا أضيفت الزينة إلـى الكواكب، فكان بعض نـحويِّـي البصرة يقول إذا قرىء ذلك كذلك، فلـيس يعنـي بعضَها، ولكن زينتها حسنها وكان غيره يقول معنى ذلك إذا قرىء كذلك إنا زينا السماء الدنـيا بأن زينتها الكواكب. وقد بـيَّـينا الصواب فـي ذلك عندنا....

    وقال ابن عطية

    والضمير في { يسمعون } للشياطين، وقرأ جمهور القراء والناس " يسْمعون " بسكون السين وتخفيف الميم، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص وابن عباس بخلاف عنه وابن وثاب وعبد الله بن مسلم وطلحة والأعمش " لا يسّمّعون " بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون فينتفي على القراءة الأولى سمعهم وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى{ إنهم عن السمع لمعزولون } [الشعراء: 212] وينتفي على القراءة الآخرة أن يقع منهم استماع أو سماع، وظاهر الأحاديث أنهم يستمعون حتى الآن لكنهم لا يسمعون وإن سمع منهم أحد شيئاً لم يفلت الشهاب قبل أن يلقي ذلك السمع إلى الذي تحته، لأن من وقت محمد صلى الله عليه وسلم ملئت السماء حرساً شديداً وشهباً......

    الضمير في { خلقنا } يراد به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة وغيرهما وفي مصحف ابن مسعود " أم من عددنا " يريد من { الصافات } وغيرها{ والسماوات والأرض وما بينهما } [الصافات: 1]، وكذلك قرأ الأعمش " أمَن " مخففة الميم دون { أم }...

  2. #317
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة العشرون بعد الثلاثمائة

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور القراء " بل عجبتَ " بفتح التاء، أي عجبت يا محمد عن إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم به من عند الله، وقرأ حمزة والكسائي " بل عجبتُ " بضم التاء، ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب والنخعي وطلحة وشقيق والأعمش وذلك على أن يكون تعالى هو المتعجب، ومعنى ذلك من الله أنه صفة فعل، ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم " يعجب الله تعالى إلى قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل " ، وقوله عليه السلام " يعجب الله من الشاب ليست له صبوة " ، فإنما هي عبارة عما يظهره تعالى في جانب المتعجب منه من التعظيم والتحقير حتى يصير الناس متعجبين منه، فمعنى هذه الآية بل عجبت من ضلالتهم وسوء نحلتهم، وجعلتها للناظرين،وفيما اقترن معها من شرعي وهداي متعجباً، وروي عن شريح أنه أنكر هذه القراءة وقال إن الله تعالى لا يعجب، وقال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال إن شريحاً كان معجباً بعلمه وإن عبد الله أعلم منه، وقال مكي وعلي بن سليمان في كتاب الزهراوي: هو إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه كأن المعنى قل بل عجبت، ...

    وقال الطبري

    اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة «بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ» بضم التاء من عجبت، بـمعنى بل عظم عندي وكبر اتـخاذهم لـي شريكاً، وتكذيبهم تنزيـلـي وهم يسخرون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة { بَلْ عَجِبْتَ } بفتـح التاء بـمعنى بل عجبت أنت يا مـحمد ويسخرون من هذا القرآن. والصواب من القول فـي ذلك أن يقال إنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. فإن قال قائل وكيف يكون مصيبـاً القارىء بهما مع اختلاف معنـيـيهما؟ قـيـل إنهما وإن اختلف معنـياهما فكلّ واحد من معنـيـيه صحيح، قد عجب مـحمد مـما أعطاه الله من الفضل، وسحْر منه أهل الشرك بـالله، وقد عجب ربنا من عظيـم ما قاله الـمشركون فـي الله، وَسخِر الـمشركون بـما قالوه. فإن قال أكان التنزيـل بإحداهما أو بكلتـيهما؟ قـيـل التنزيـل بكلتـيهما، فإن قال وكيف يكون تنزيـل حرف مرّتـين؟ قـيـل إنه لـم ينزل مرّتـين، إنـما أنزل مرّة، ولكنه أمر صلى الله عليه وسلم أن يقرأ بـالقراءتـين كلتـيهما، ولهذا مَوضع سنستقصي إن شاء الله فـيه البـيان عنه بـما فـيه الكفـاية

    وقال ابن عطية

    وقوله { يستسخرون } معناه يطلبون أن يكونوا ممن يسخر، ويجوز أن يكون بمعنى يسخرون كقوله تعالى:{ واستغنى الله } [التغابن: 6] فيكون فعل واستفعل بمعنى، وبـ " يسخرون " فسره مجاهد وقتادة، وفي بعض القراءات القديمة " يستسحرون " بالحاء غير منقوطة، وهذه عبارة عما قال ركانة لأنه استسحر النبي صلى الله عليه وسلم ....

    { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ }


    قال الالوسي

    وقرأ ابن عامر بطرح الهمزة الأولى. وقرأ نافع والكسائي ويعقوب بطرح الثانية.

  3. #318
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    قبل اكمال الرحلة نذكر قراءة شاذة فى سورة البقرة

    { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }

    قال الرازى فى تفسيره

    المسألة الرابعة: قال الأصم: «ما» في قوله مثلاً ماصلة زائدة كقوله:
    { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ظ±للَّهِ }
    [آل عمران: 159] وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبياناً وكونه لغواً ينافي ذلك،

    وفي بعوضة قراءتان: إحداهما: النصب

    وفي لفظة ما على هذه القراءة

    وجهان: الأول: أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شيوعاً وبعداً عن الخصوصية. بيانه أن الرجل إذا قال لصاحبه أعطني كتاباً أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتاباً آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني كتاباً أي كتاب كان.

    الثاني: أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة،

    أما على قراءة الرفع ففيها وجهان:

    الأول: أنها موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في { تماماً على الذي أحسن }
    [الأنعام:154].

    الثاني: أن تكون استفهامية فإنه لما قال: { إِنَّ للَّهِ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً } كأنه قال بعده ما بعوضة فما فوقها حتى يضرب المثل به، بل له أن يمثل بما هو أقل من ذلك كثيراً كما يقال فلان لا يبالي بما وهب، ما دينار وديناران، أي يهب ما هو أكثر من ذلك بكثير.

    وقال السمين الحلبي فى الدر المصون

    وقرأ ابن أبي عَبْلة والضحاك برفع " بعوضةٌ " ، واتفقوا على أنها خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ،

    فقيل: هو " ما " على أنها استفهاميةٌ، أي: أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري ورجَّحه.

    وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه: هو بعوضةٌ، وفي ذلك وجهان، أحدُهما: أن تُجْعَلَ هذه الجملةُ صلةً لـ " ما " لكونِها بمعنى الذي، ولكنه حَذَفَ العائد وإن لم تَطُل الصلةُ، وهذا لا يجوزُ عند البصريين إلا في " أيّ " خاصةً لطولِها بالإِضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٌّ أو ضرورةٌ، كقراءةِ: { تَمَاماً عَلَى ظ±لَّذِيغ¤ أَحْسَنُ } [الأنعام: 154]، وقولِه:أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهٌ، وتكونُ " ما " على هذا بدلاً من " مثلاً " ، كأنه قيل: مَثَلاً الذي هو بعوضةٌ. والثاني: أن تُجْعَلَ " ما " زائدةٌ أو صفةً وتكونَ " هو بعوضةٌ " جملةً كالمفسِّرة لِما انطوى عليه الكلامُ.....

    انتهى

    ذكرنا قراءة شاذة اخري فى الاية فى رحلتنا مع سورة البقرة تراجع

  4. #319
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    نستكمل مع سورة الصافات

    الجوهرة الواحدة والعشرون بعد المائة

    قال السمين

    قوله: { وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ }: أي: صَدَّقهم محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. وقرأ عبد الله " صَدَقَ " خفيفةَ الدالِ. " المُرْسلون " فاعلاً به أي: صَدَقوا فيما جاؤوا به مِنْ بشارتهم به عليه السلام....

    قال القرطبي

    { إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } استثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل المدينة والكوفة «الْمُخْلَصِينَ» بفتح اللام؛ يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام؛ أي الذين أخلصوا لله العبادة. وقيل: هو ظ±ستثناء منقطع؛ أي إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب.

    وقال السمين

    قرأ الأخَوان " يُنْزِفون " هنا وفي الواقعة بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي. وافقهما عاصمٌ على ما في الواقعة فقط. والباقون بضم الياءِ وفتحِ الزاي. وابنُ أبي إسحاق بالفتح والكسر. وطلحةُ بالفتح والضمِّ. فالقراءةُ الأولى مِنْ أَنْزَفَ الرجلُ إذا ذهب عقلُه من السُّكْرِ فهو نَزِيْفٌ ومَنْزُوْف. وكان قياسُه مُنْزَف كـ مُكْرَم. ونَزَفَ الرجلُ الخمرةَ فأَنْزَف هو، ثلاثيُّه متعدٍ، ورباعيُّه بالهمزةِ قاصرٌ، وهو نحو: كَبَيْتُه فأَكَبَّ وقَشَعَتِ الريحُ السَّحابَ فأَقْشَع/ أي: دخلا في الكَبِّ والقَشْع. وقال الأسودُ:
    3797 ـ لَعَمْري لَئِنْ أَنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ لبِئْسَ النَّدامى أنتمُ آلَ أَبْجرا
    ويقال: أَنْزَفَ أيضاً أي: نَفِدَ شرابُه. وأمَّا الثانيةُ فمِنْ نُزِف الرجلُ ثلاثياً مبنياً للمفعول بمعنى: سَكِر وذَهَبَ عَقْلُه أيضاً. ويجوزُ أَنْ تكونَ هذه القراءةُ مِنْ أُنْزِف أيضاً بالمعنى المتقدِّم. وقيل: هو مِنْ قولِهم: نَزَفْتُ الرَّكِيَّةَ أي: نَزَحْتُ ماءَها. والمعنى: أنهم لا تَذْهَبُ خمورُهم بل هي باقيةٌ أبداً. وضَمَّنَ " يُنْزَفُوْن " معنى يَصُدُّون عنها بسبب النزيف. وأمّا القراءتان الأخيرتان فيقال: نَزِف الرجلُ ونَزُف بالكسر والضم بمعنى: ذَهَبَ عَقْلُه بالسُّكْر.

    وقال الطبري

    واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ } فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة { يُنْزَفُونَ } بفتـح الزاي، بـمعنى ولا هم عن شربها تُنْزَف عقولهم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة «وَلا هُمْ عَنْها يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي، بـمعنى ولا هم عن شربها يَنْفَد شرابهم. والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا الـمعنى غير مختلفتـيه، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب وذلك أن أهل الـجنة لا ينفد شرابهم، ولا يُسكرهم شربهم إياه، فـيُذهِب عقولَهم.

  5. #320
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثانية والعشرون بعد المائتين

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " من المصدقين " بتخفيف الصاد من التصديق، وقرأت فرقة " من المصّدقين " بشد الصاد من التصدق،

    وقال فرات بن ثعلبة البهراني في قصص هذين إنهما كانا شريكين بثمانية آلاف دينار فكان أحدهما يعبد الله ويقصد من التجارة والنظر وكان الآخر كافراً مقبلاً على ماله فحل الشركة مع المؤمن وبقي وحده لتقصير المؤمن ثم إنه جعل كلما اشترى شيئاً من دار وجارية وبستان ونحوه عرضه على ذلك المؤمن وفخر عليه به فيمضي المؤمن عند ذلك ويتصدق بنحو ذلك الثمن ليشتري به من الله في الجنة فكان من أمرهما في الآخرة ما تضمنته هذه الآية، قال الطبري: وهذا الحديث يؤيد قراءة من قرأ " من المصّدّقين " بتشديد الصاد،

    وقال الطبري

    وهذا التأويـل الذي تأوّله فرات بن ثعلبة يقوّي قراءة من قرأ «إنَّكَ لـمِنَ الـمُصّدِّقِـينَ» بتشديد الصاد بـمعنى لـمن الـمتصدقـين، لأنه يذكر أن الله تعالـى ذكره إنـما أعطاه ما أعطاه علـى الصدقة لا علـى التصديق، وقراءة قرّاء الأمصار علـى خلاف ذلك، بل قراءتها بتـخفـيف الصاد وتشديد الدال، بـمعنى إنكار قرينه علـيه التصديق أنه يبعث بعد الـموت، كأنه قال أتصدّق بأنك تبعث بعد مـماتك، وتُـجْزَى بعملك، وتـحاسَب؟ يدل علـى ذلك قول الله { أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُرَابـاً وَعِظاماً أئِنَّا لَـمَدِينونَ } وهي القراءة الصحيحة عندنا التـي لا يجوز خِلافُها لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

    وقال القرطبي

    وقرأ ابن عباس: «هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونَ» بإسكان الطاء خفيفة «فَأُطْلِعَ» بقطع الألف مخفَّفة على معنى هل أنتم مقبلون فأقبل. قال النحاس: «فَأُطْلِعَ فَرَآهُ» فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلاً مستقبلاً معناه فأطلع أنا، ويكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام. والقول الثاني أن يكون فعلاً ماضياً ويكون اطَّلَع وأُطْلِعَ واحداً. قال الزجاج: يقال طَلَع وأَطْلعَ وَاطَّلعَ بمعنًى واحد. وقد حكي «هَلْ أَنتُم مُّطْلِعُونِ» بكسر النون وأنكره أبو حاتم وغيره. النحاس: وهو لحن لا يجوز؛ لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافاً لكان هل أنتم مُطْلِعيّ، وإن كان سيبويه والفرّاء قد حكيا مثله، وأنشدا:


    هُمُ القائلونَ الخيرَ والآمِرونَهُ إذا ما خَشَوا مِن مُحْدَثِ الأمرِ مُعْظَما
    وأنشد الفراء: والفاعلونه. وأنشد سيبويه وحده:
    ولم يَرْتفِق والناس محتضِرونه
    وهذا شاذٌ خارج عن كلام العرب، وما كان مثل هذا لم يحتجّ به في كتاب الله عز وجل، ولا يدخل في الفصيح. وقد قيل في توجيهه: إنه أجرى اسم الفاعل مجرى المضارع لقربه منه، فجرى «مُطْلِعُون» مجرى يطلعون...

    وقال ابن عطية

    { هل أنتم مطلعون } ، ويحتمل أن يخاطب بـ { أنتم } الملائكة، ويحتمل أن يخاطب رفقاءه في الجنة، ويحتمل أن يخاطب خدمته وكل هذا، حكى المهدوي وقرأ جمهور القراء " مطَّلعون " بفتح الطاء وشدها، وقرأ أبو عمرو في رواية حسين " مطْلعونَ " بسكون الطاء وفتح النون، وقرأ أبو البرهسم بسكون الطاء وكسر النون على أنها ضمير المتكلم ورد هذه القراءة أبو حاتم وغيره ولحنوها، وذلك أنها جمعت بين ياء الإضافة ونون المتكلم، والوجه أن يقال " مطلعي " ، ووجه القراءة أبو الفتح بن جني وقال: أنزل الفاعل منزل الفعل المضارع، وأنشد الطبري: [الوافر]

    وما أدري وظن كل ظن أمسلمني إلى قومي شراحي
    وقال الفراء: يريد شراحيل، وقرأ الجمهور " فاطّلع " بصلة الألف وشد الطاء المفتوحة، وقرأ أبو عمرو في رواية حسن " فأُطْلِع " بضم الألف وسكون الطاء وكسر اللام، وهي قراءة أبي البرهسم، قال الزجاج هي قراءة من قرأ " مطلِعون " بكسر اللام، وروي أن لأهل الجنة كوى وطاقات يشرفون منها على أهل النار إذا شاؤوا على جهة النقمة والعبرة لأنهم لهم في عذاب أهل النار وتوبيخهم سرور وراحة، حكاه الرماني عن أبي علي...

    وقال ابن عطية

    تالله إن كدت لتردين } أي لتهلكني بإغوائك، والردى الهلاك ومنه قول الأعشى: [المتقارب]

    أفي الطوف خفت علي الردى وكم من رد أهله لم يرم
    وفي مصحف عبد الله بن مسعود " إن كدت لتُغوين " بالواو من الغي، وذكرها أبو عمرو الداني بالراء من الإغراء والتاء في هذا كله مضمومة،....

    وقوله { في أصل الجحيم } معناه ملاصق نهاياتها التي لها كالجدرات، وفي قراءة ابن مسعود " إنها شجرة ثابتة في أصل الجحيم ....

    وفي مصحف ابن مسعود " وأن منقلهم لإلى الجحيم " ، وفي كتاب أبي حاتم عنه " مقيلهم " ، من القائلة...

  6. #321
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    ذكرنا فى الجوهرة السابقة وقبلها سهوا بعد المائة والمائتين والصحيح بعد الثلاثمائة

    الجوهرة الثالثة والعشرون بعد الثلاثمائة

    قال ابن عطية

    وقوله { وتركنا عليه في الآخرين } معناه ثناء حسناً جميلاً آخر الدهر، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وقوله { سلام } عل هذا التأويل رفع بالابتداء مستأنف سلم الله به عليه ليقتدي بذلك البشر، قال الطبري: هذه أمانة منه لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء.

    قال القاضي أبو محمد: هذا جزاء ما صبر طويلاً على أقوال الكفرة الفجرة،

    وقال الفراء وغيره من الكوفيين:قوله { سلام على نوح في العالمين } جملة في موضع نصب بـ { تركنا } وهذا هو المتروك عليه، فكأنه قال وتركنا على نوح تسليماً يسلم به عليه إلى يوم القيامة، وفي قراءة عبد الله " سلاماً على نوح " على النصب بـ { تركنا } صلى الله على نوح وعلى أهله وسلم تسليماً وشرف وكرم على جميع أنبيائه و { في الآخرين } معناه في الباقين غابر الدهر، والقراءة بكسر الخاء وما كان من إهلاك فهو بفتحها....

    واختلف في معنى قوله { باليمين } فقال ابن عباس: أراد يمنى يديه، وقيل: أراد بقوته لأنه كان يجمع يديه معاً بالفأس، وقيل أراد يمين القسم في قوله{ وتالله لأكيدن أصنامكم } [الأنبياء: 57] و { ضرباً } نصب على المصدر بفعل مضمر من لفظه، وفي مصحف عبدالله عليهم " صفعاً باليمين....

    وقال القرطبي

    فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قرأ حمزة: «يُزِفُّونَ» بضم الياء. الباقون بفتحها. أي يسرعون؛ قاله ابن زيد. قتادة والسدي: يمشون. وقيل: المعنى يمشون بجمعهم على مهل آمنين أن يصيب أحد آلهتهم بسوء. وقيل: المعنى يتسللون تسللاً بين المشي والعَدْو؛ ومنه زَفِيف النعامة. وقال الضحاك: يسعون. وحكى يحيى بن سلاّم: يُرعَدون غضباً. وقيل: يختالون وهو مشي الخيلاء؛ قاله مجاهد. ومنه أُخِذ زِفاف العروس إلى زوجها. وقال الفرزدق:
    وجاء قَرِيعُ الشَّولِ قبلَ إِفَالِهَا يَزِفُّ وجاءت خَلْفَه وهي زُفَّفُ
    ومن قرأ «يُزِفُّون» فمعناه يزفون غيرهم أي يحملونهم على التزفيف. وعلى هذا فالمفعول محذوف....

    وقال الطبري

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأه بفتـح الـياء وتشديد الفـاء، لأن ذلك هو الصحيح الـمعروف من كلام العرب، والذي علـيه قراءة الفصحاء من القرّاء. وقد اختلف أهل التأويـل فـي معناه، فقال بعضهم معناه فأقبل قوم إبراهيـم إلـى إبراهيـم يَجْرُون. ذكر من قال ذلك حدثنـي علـيّ، قال ثنا أبو صالـح، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { فأقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ } فأقبلوا إلـيه يجرون. وقال آخرون أقبلوا إلـيه يَـمْشُون. ذكر من قال ذلك حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال ثنا أحمد بن الـمفضل، قال ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله { فأقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ } قال يَـمْشُون. وقال آخرون معناه فأقبلوا يستعجلون. ذكر من قال ذلك حدثنـي يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد، عن أبـيه { فَأَقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ } قال يستعجلون، قال يَزِفّ يستعجل.

  7. #322
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الرابعة والعشرون بعد الثلاثمائة

    قال الالوسي

    { فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} من الرأي؛ وإنما شاوره في ذلك وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله عز وجل فيثبت قدمه إن جزع ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون عليه ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى قبل نزوله وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك.

    وقرأ حمزة والكسائي { ماذا تري } بضم التاء وكسر الراء خالصة أي ما الذي تريني إياه من الصبر وغيره أو أي شيء تريني على أن (ما) مبتدأ وذا موصول خبره ومفعولي تري محذوفان أو ماذا كالشيء الواحد مفعول ثان لترى والمفعول الأول محذوف، وقرىء { ماذا ترى } بضم التاء وفتح الراء على البناء للمفعول أي ماذا تريك نفسك من الرأي.

    وقال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " ماذا تَرَى " بفتح والراء، وقرأ حمزة والكسائي " تُرِي " بضم التاء وكسر الراء، على معنى ما يظهر منك من جلد أو جزع، وهي قراءة ابن مسعود والأسود بن يزيد وابن وثاب وطلحة والأعمش ومجاهد، وقرأ الأعمش والضحاك " تُرَى " بضم التاء وفتح الراء على بناء الفعل للمفعول، فأما الأولى فهي من رؤية الرأي، وهي رؤية تتعدى إلى مفعول واحد، وهو في هذه الآية إما { ماذا } ، بجملتها على أن تجعل " ما " و " ذا " بمنزل اسم واحد، وإما " ذا " على أن تجعله بمعنى الذي، وتكون " ما " استفهاماً وتكون الهاء محذوفة من الصلة، وأما القراءة الثانية فيكون تقدير مفعولها كما مر في هذه، غير أن الفعل فيها منقول من رأى زيد الشيء وأريته إياه، إلا أنه من باب أعطيت فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين، وأما القراءة الثانية فقد ضعفها أبو علي وتتجه على تحامل، وفي مصحف عبد الله بن مسعود " افعل ما أمرت به ".

    وقال الطبري

    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { ماذَا تَرَى } ، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة، وبعض قرّاء أهل الكوفة { فـانْظُرْ ماذَا تَرَى }؟ بفتـح التاء، بـمعنى أيّ شيء تأمر، أو فـانظر ما الذي تأمر، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة { ماذَا تُرَى } بضم التاء، بـمعنى ماذا تُشير، وماذا تُرَى من صبرك أو جزعك من الذبح؟. والذي هو أولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه { ماذَا تَرَى } بفتـح التاء، بـمعنى ماذا ترى من الرأي.


    فإن قال قائل أَوَ كان إبراهيـم يؤامر ابنه فـي الـمضي لأمر الله، والانتهاء إلـى طاعته؟ قـيـل لـم يكن ذلك منه مشاورة لابنه فـي طاعة الله، ولكنه كان منه لـيعلـم ما عند ابنه من العَزْم هل هو من الصبر علـى أمر الله علـى مثل الذي هو علـيه، فـيسرّ بذلك أم لا، وهو فـي الأحوال كلها ماض لأمر الله....

    وقال ابن عطية

    قرأ جمهور الناس " أسلما " أي أنفسهما واستسلما لله تعالى، وقرأ علي وعبد الله وابن عباس ومجاهد والثوري " سلما " والمعنى فوضا إليه في قضائه وقدره وانحملا على أمره، فأسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه....

  8. #323
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الخامسة والعشرون بعد الثلاثمائة

    قال السمين

    قوله: { وَإِنَّ إِلْيَاسَ }: العامَّةُ على همزةٍ مكسورةٍ، همزةِ قطع. وابنُ ذكوان بوَصْلِها، ولم يَنْقُلْها عنه الشيخُ بل نقلها عن جماعةٍ غيرِه. ووجهُ القراءتَيْن أنه اسمٌ أعجميٌّ تلاعَبَتْ به العربُ فقطعَتْ همزتَه تارةً، ووَصَلَتْها أخرى وقالوا فيه: إلْياسين كجِبْرائين. وقيل: تحتمل قراءةُ الوصلِ أَنْ يكون اسمُه ياسين ثم دَخَلَتْ عليه أل المعرِّفةُ، كما دَخَلَتْ على ليَسَع وقد تقدَّم. وإلياس هذا قيل: هو ابنُ إلْياسين المذكورِ بعدُ، مِنْ وَلَدِ هارونَ أخي موسى. وقيل: بل إلياس إدريسُ. ويَدُلُّ له قراءةُ عبد الله والأعمش وابن وثاب " وإنَّ إدْريس ". وقُرِئ " إدْراس " كإبْرَاهيمَ. وإبراهام. وفي مصحف أُبَيّ وقراءتِه: قوله: " وإن إيْليسَ " بهمزة مكسورة ثم ياءٍ ساكنةٍ بنقطتين مِنْ تحتُ ثم لامٍ مكسورةٍ، ثم ياءٍ بنقطتين مِنْ تحتُ ساكنةً، ثم سينٍ مفتوحةٍ....

    وقال ابن الجوزى

    وإنَّ إلياس لَمِن المُرْسَلِينَ } فيه قولان.

    أحدهما: أنه نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل، قاله الأكثرون.

    والثاني: أنه إِدريس، قاله ابن مسعود، وقتادة، وكذلك كان يقرأ ابن مسعود، وأبوالعالية، وأبو عثمان النهدي: { وإِن إِدريس } مكان " إِلياس "...

    وقال السمين

    قوله: { اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ }: قرأ الأخَوان وحفص بنصْبِ الثلاثةِ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ: النصبِ على المدحِ أو البدلِ أو البيانِ إنْ قلنا: إنَّ إضافةَ أَفْعَلَ إضافةٌ مَحْضَةٌ. والباقون بالرفع: إمَّا على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هو اللَّهُ، أو على أنَّ الجلالةَ مبتدأٌ وما بعدَه الخبرُ. رُوِيَ عن حمزةَ أنَّه كان إذا وَصَلَ نَصَبَ، وإذا وَقَفَ رَفَع. وهو حسنٌ جداً، وفيه جَمْعٌ بين الرِّوايَتيْن...

    قال ابن عطية

    وقرأ نافع وابن عامر على " آل ياسين " وقرأ الباقون " سلام على إلياسين " بألف مكسورة ولام ساكنة، قرأ الحسن وأبو رجاء " على الياسين " موصولة فوجه الأولى أنها فيما يزعمون مفصولة في المصحف فدل ذلك على أنها بمعنى أهل و " ياسين " اسم أيضاً لـ { إلياس } وقيل هو اسم لمحمد صلى الله عليه وسلم ووجه الثانية أنه جمع إلياسي كما قالوا أعجمي أعجميون، قال أبو علي: والتقدير إلياسين فحذف كما حذف من أعجميين، ونحوه من الأشعريين والنمريين والمهلبين، وحكى أبو عمرو أن منادياً نادى يوم الكلاب، هلك اليزيديون، ويروي قول الشاعر:
    " قدني من نصر الخبيبين قدي "
    بكسر الباء الثانية نسبة إلى أبي خبيب، ويقال سمي كل واحد من آل ياسين إلياس كما قالوا شابت مفارقه فسمي كل جزء من المفرق مفرقاً، ومنه قولهم " جمل ذو عثانين " ، وعلى هذا أنشد ابن جني: [الرجز]

    مرت بنا أول من أموس تميس فينا مشية العروس
    فسمى كل جزء من الأمس أمس ثم جمع، وقال أبو عبيدة لم يسلم على آل أحد من الأنبياء المذكورين قبل فلذلك ترجح قراءة من قرأ " إلياسين " إذ هو اسم واحد له،

    وقرأ ابن مسعود والأعمش " وإن إدريس لمن المرسلين " و " سلام على إدريس " وروى هذه القراءة قطرب وغيره وإن إدراسين وإدراس لغة في إدريس كإبراهيم وإبراهام...

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { سلامٌ على إِلياسينَ } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: { إِلياسينَ } موصولة مكسورة الألف ساكنة اللام، فجعلوها كلمة واحدة؛ وقرأ الحسن مثلهم، إلاّ أنه فتح الهمزة. وقرأ نافع، وابن عامر، وعبد الوارث، ويعقوب إلاّ زيداً: { إِلْ ياسينَ } مقطوعة، فجعلوها كلمتين.

    وفي قراءة الوصل قولان:

    أحدهما: أنه جَمْعٌ لهذا النبيّ وأمَّته المؤمنين به، وكذلك يُجمع ما يُنْسَب إِلى الشيء بلفظ الشيء، فتقول: رأيت المهالبة، تريد: بني المهلَّب، والمسامعة، تريد بني مسمع.

    والثاني: أنه اسم النبيّ وحده، وهو اسم عبرانيٌّ، والعجمي من الأسماء قد يُفْعَل به هكذا، [كما] تقول: ميكال وميكائيل، ذكر القولين الفراء والزجاج.

    فأمّا قراءة من قرأ { إِلْ ياسينَ } مفصولة، ففيها قولان:

    أحدهما: أنهم آل هذا النبي المذكور، وهو يدخل فيهم، كقوله عليه السلام " اللهم صَلِّ على آل أَبي أَوفى " فهو داخل فيهم، لأنه هو المراد بالدعاء.

    والثاني: أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الكلبي. وكان عبد الله بن مسعود يقرأ: { سلامٌ على إِدْراسينَ } وقد بيَّنّا مذهبه في أن إلياس هو إدريس.

    فإن قيل: كيف قال: " إدراسين " ، وإنما الواحد إدريس، والمجموع إِدريسيُّ لا إِدراسٌ ولا إِدراسيّ؟

    فالجواب: أنه يجوز أن يكون لغة، كإبراهيم وإبراهام، و مثله:
    قَدْنِيَ مِنْ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي
    وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو نهيك: { سلام على ياسين } بحذف الهمزة واللام.

    وقال الطبري

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأه { سَلامٌ عَلـى إلْـياسِينَ } بكسر ألفها علـى مثال إدراسين، لأن الله تعالـى ذكره إنـما أخبر عن كلّ موضع ذكر فـيه نبـياً من أنبـيائه صلوات الله علـيهم فـي هذه السورة بأن علـيه سلاماً لا علـى آله، فكذلك السلام فـي هذا الـموضع ينبغي أن يكون علـى إلـياس كسلامه علـى غيره من أنبـيائه، لا علـى آله، علـى نـحو ما بـيَّنا من معنى ذلك. فإن ظنّ ظانّ أن إلـياسين غير إلـياس، فإن فـيـما حكينا من احتـجاج من احتـجّ بأن إلـياسين هو إلـياس غنـي عن الزيادة فـيه، مع أن فـيـما حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال ثنا أحمد بن الـمفضل، قال ثنا أسبـاط، عن السدي { سَلامٌ عَلـى إلْـياسِينَ } قال إلـياس.

    وفـي قراءة عبد الله بن مسعود «سَلامٌ عَلـى إدْرَاسِينَ» دلالة واضحة علـى خطأ قول من قال عنى بذلك سلام علـى آل مـحمد، وفساد قراءة من قرأ «وإنَّ الـياسَ» بوصل النون من «إن» بـالـياس، وتوجيه الألف واللام فـيه إلـى أنهما أدخـلتا تعريفـاً للاسم الذي هو ياس، وذلك أن عبد الله كان يقول إلـياس هو إدريس، ويقرأ «وَإنَّ إدْرِيسَ لَـمِنَ الـمُرْسَلِـينَ»، ثم يقرأ علـى ذلك «سلامٌ عَلـى إدْرَاسِينَ»، كما قرأ الآخرون { سَلامٌ عُلـى إلـياسِينَ } ، فلا وجه علـى ما ذكرنا من قراءة عبد الله لقراءة من قرأ ذلك «سَلامٌ عَلـى آلِ ياسِينَ» بقطع الآل من ياسين. ونظير تسمية إلـياس بـالـياسين{ وَشَجَرَةٌ تُـخْرُجُ مِنْ طُورِ سِيناءَ } ثم قال فـي موضع آخر{ وَطُورِ سِينِـينَ } وهو موضع واحد سمي بذلك. ...

    وقال ابن الجوزى

    وفي قوله: { أو } ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنها بمعنى " بل " قاله ابن عباس، والفراء.

    والثاني: أنها بمعنى الواو، قاله ابن قتيبة. وقد قرأ أبيّ بن كعب، ومعاذ القارىء، وأبو المتوكل، وأبو عمران الجوني: { ويزيدون } من غير ألف.

    والثالث: أنها على أصلها، والمعنى: أو يزيدون في تقديركم، إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون.

  9. #324
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة السادسة والعشرون بعد الثلاثمائة

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " اصطفى " بالهمز وهو ألف الاستفهام وهذا على جهة التقرير والتوبيخ على نسبتهم إليه اختيار الأدنى عندهم، وقرأ نافع في رواية إسماعيل عنه " اصطفى " بصلة الألف على الخبر كأنه يحكي شنيع قولهم،

    وقال القرطبي

    وقراءة العامة «أَصْطَفَى» بقطع الألف؛ لأنها ألف ظ±ستفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة على حالها مثل: { أَطَّلَعَ ظ±لْغَيْبَ } على ما تقدم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وحمزة «ظ±صْطَفَى» بوصل الألف على الخبر بغير ظ±ستفهام. وإذا ظ±بتدأ كسر الهمزة. وزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها؛ لأن بعدها { مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } فالكلام جارٍ على التوبيخ من جهتين: إحداهما أن يكون تبييناً وتفسيراً لما قالوه من الكذب ويكون «مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» منقطعاً مما قبله. والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون ـ منهم الفراء ـ أن التوبيخ يكون بظ±ستفهام وبغير ظ±ستفهام كما قال جل وعز:{ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ظ±لدُّنْيَا } [الأحقاف: 20]. وقيل: هو على إضمار القول؛ أي ويقولون «ظ±صْطَفَى الْبَنَاتِ». أو يكون بدلاً من قوله: «وَلَدَ اللَّهُ» لأن ولادة البنات وظ±تخاذهنّ اصطفاء لهنّ، فأبدل مثال الماضي من مثال الماضي فلا يوقف على هذا على «لَكَاذِبُونَ

    وقال الطبري

    يقول تعالـى ذكره موَبِّخاً هؤلاء القائلـين لله البنات من مشركي قريش { أصْطَفَـى } الله أيها القوم { البَنات عَلـى البَنِـينَ }؟ والعرب إذا وجهوا الاستفهام إلـى التوبـيخ أثبتوا ألف الاستفهام أحياناً وطرحوها أحياناً، كما قـيـل{ أذْهَبْتُـمْ } بـالقصر{ طَيِّبَـاتِكُمْ فِـي حَيَاتِكُمُ الدُّنـيْا } يستفهم بها، ولا يُستفهم بها، والـمعنى فـي الـحالـين واحد، وإذا لـم يستفهم فـي قوله { أصْطَفَـى الْبَناتِ } ذهبت ألف اصطفـى فـي الوصل، ويبتدأ بها بـالكسر، وإذا استفهم فُتـحت وقطعت. وقد ذُكر عن بعض أهل الـمدينة أنه قرأ ذلك بترك الاستفهام والوصل. فأما قرّاء الكوفة والبصرة، فإنهم فـي ذلك علـى قراءته بـالاستفهام، وفتـح ألفه فـي الأحوال كلها، وهي القراءة التـي نـختار لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها


    وقال الالوسي

    { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }

    بحذف أحد التاءين من تتذكرون. وقرأ طلحة بن مصرف تذكرون بسكون الذال وضم الكاف من ذكر. والفاء للعطف على مقدر أي تلاحظون ذلك فلا تتذكرون بطلانه فإنه مركوز في عقل كل ذكي وغبـي.

    وقال ابن عطية

    وقرأ الضحاك " كلماتنا " بألف على الجمع، وجند الله هم الغزاة لتكون كلمات الله هي العليا،

  10. #325
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    سورة ص

    الجوهرة السابعة والعشرون بعد الثلاثمائة


    قال ابن عطية

    قرأ الحسن وأبي بن كعب وابن أبي إسحاق: " صادِ " بكسر الدال على أنه أمر من صادى يصادي إذا ضاهى وماثل، أي صار كالصدى الذي يحكي الصياح، والمعنى: ماثل القرآن بعلمك وقارنه بطاعتك، وهكذا فسر الحسن، أي انظر أين عملك منه، وقال جمهور الناس: إنه حرف المعجم المعروف، ويدخله ما يدخل سائر أوائل السور من الأقوال، ويختص هذا الموضع بأن قال بعض الناس: معناه صدق محمد، وقال الضحاك معناه: صدق الله، وقال محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله: صمد صادق الوعد، صانع المصنوعات، وقرأها الجمهور: " صادْ " بسكون الدال، وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف عنه " صادٍ " بكسر الدال وتنوينها على القسم، كما تقول: الله لأفعلن. وحكى الطبري وغيره عن ابن أبي إسحاق: " صادِ " بدون تنوين، وألحقه بقول العرب: خاث باث، وخار وباز. وقرأت فرقة منها عيسى بن عمر: " صادَ " بفتح الدال، وكذلك يفعل في نطقه بكل الحروف، يقول: قافَ، ونونَ، ويجعلها كأين وليت: قال الثعلبي، وقيل معناه: صاد محمد القلوب، بأن استمالها للإيمان.

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { ص } قراءة العامة «ص» بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل: «الم..المر.... وقرأ أبيّ بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم «صادِ» بكسر الدال بغير تنوين. ولقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، ومنه{ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} [عبس: 5] أي تعرّض. والمصاداة المعارضة، ومنه الصَّدَى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية. فالمعنى صادِ القرآنَ بعملك؛ أي عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. النحاس: وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة. وعنه أن المعنى اتله وتعرّض لقراءته. والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. وقرأ عيسى بن عمر «صاد» بفتح الدال مثله: «قافَ» و «نونَ» بفتح آخرها. وله في ذلك ثلاثة مذاهب: أحدهنّ أن يكون بمعنى اتلُ. والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع؛ ولأنه أخفّ الحركات. والثالث أن يكون منصوباً على القسم بغير حرف؛ كقولك: اللَّه لأفعلنّ، وقيل: نصب على الإغراء. وقيل: معناه صادَ محمدٌ قلوب الخلق وظ±ستمالها حتى آمنوا به. وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً «صادٍ» بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضاً على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله. ويجوز أن يكون مشبهاً بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها. وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السَّمَيْقَع: «صادُ» و «قافُ» و «نونُ» بضم آخرهن؛ لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال، نحو منذُ وقطُ وقبلُ وبعدُ. و «ص» إذا جعلته اسماً للسورة لم ينصرف؛ كما أنك إذا سميت مؤنثاً بمذكر لا ينصرف وإن قلّت حروفه. وقال ابن عباس وجابر بن عبد اللّه وقد سئلا عن «ص» فقالا: لا ندري ما هي.....

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { ولاتَ حينَ مَناصٍ } وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري، وابن يعمر: { ولاتَ حينُ } بفتح التاء ورفع النون. قال ابن عباس: ليس حين يروه فِرار. وقال عطاء: في لغة أهل اليمن { لاتَ } بمعنى " ليس ". وقال وهب بن منبه: هي بالسريانية. وقال الفراء: " لاتَ " بمعنى " ليس ". والمعنى: ليس بحينِ فِرار. ومن القرّاء من يَخْفضُ " لاتِ " ، والوجه النَّصْب، لأنها في معنى " ليس ". أنشدني المفضَّل:
    تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاتَ حِينا وأضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا
    قال ابن الأنباري: كان الفراء والكسائي والخليل وسيبويه والأخفش وأبو عبيدة يذهبون إلى أن التاء في قوله تعالى: { ولاتَ } منقطعة من { حين } قال: وقال أبو عبيدة: الوقف عندي على هذا الحرف { ولا } ، والابتداء { تحين }....

  11. #326
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثامنة والعشرون بعد الثلاثمائة

    قال الطبري

    واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة { مِنْ فَوَاقٍ } بفتـح الفـاء. وقرأته عامة أهل الكوفة «مِنْ فُوَاقٍ» بضم الفـاء. واختلف أهل العربـية فـي معناها إذا قُرئت بفتـح الفـاء وضمها، فقال بعض البصريـين منهم معناها، إذا فتـحت الفـاء ما لها من راحة، وإذا ضمت جعلها فُواق ناقة ما بـين الـحلبتـين. وكان بعض الكوفـيـين منهم يقول معنى الفتـح والضمّ فـيها واحد، وإنـما هما لغتان مثل السَّوَاف والسُّواف، وجَمام الـمكوك وجُمامة، وقَصاص الشعر وقُصاصة. والصواب من القول فـي ذلك أنهما لغتان، وذلك أنا لـم نـجد أحداً من الـمتقدمين علـى اختلافهم فـي قراءته يفرّقون بـين معنى الضمّ فـيه والفتـح، ولو كان مختلف الـمعنى بـاختلاف الفتـح فـيه والضم، والضم، لقد كانوا فرقوا بـين ذلك فـي الـمعنى. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب وأصل ذلك من قولهم أفـاقت الناقة، فهي تفـيق إفـاقة، وذلك إذا رَدّت ما بـين الرضعتـين ولدها إلـى الرضعة الأخرى، وذلك أن ترضع البهيـمة أمها، ثم تتركها حتـى ينزل شيء من اللبن، فتلك الإفـاقة يقال إذا اجتـمع ذلك فـي الضرع فـيقة، كما قال الأعشى
    حتـى إذَا فِـيْقَةٌ فِـي ضَرْعِها اجْتَـمَعَتْ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لوْ رَضِعا
    وقوله { وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يوْم...

    وقال القرطبي

    مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } أي من ترداد؛ عن ابن عباس. مجاهد: ما لها رجوع. قتادة: ما لها من مثنوية. السدّي: ما لها من إفاقة. وقرأ حمزة والكسائي: «مَا لَهَا مِنْ فُوَاقٍ» بضم الفاء. الباقون بالفتح. الجوهري: والفَواق والفُواق ما بين الحَلْبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتَدِرّ ثم تُحلَب. يقال: ما أقام عنده إلا فُوَاقاً؛ وفي الحديث: " العيادة قدر فواق الناقة " وقوله تعالى: { مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } يقرأ بالفتح والضم أي ما لها من نظرة وراحة وإفاقة. والفِيقة بالكسر ظ±سم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين: صارت الواو ياء لكسر ما قبلها؛ قال الأعشى يصف بقرة:
    حتى إذا فِيقَةٌ في ضَرعِها ظ±جتمعتْ جاءتْ لِتُرضِع شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
    والجمع فِيق ثم أفواق مثل شِبر وأشبار ثم أفاويق. قال ابن همّام السّلُوليّ:
    وذَمُّوا لنا الدنيا وهُمْ يَرْضَعُونَها أَفَاوِيقَ حتى ما يدِرُّ لها ثُعْلُ
    والأفاويق أيضاً ما ظ±جتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. وأفاقت الناقة إفاقة أي ظ±جتمعت الفِيقة في ضرعها؛ فهي مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ ـ عن أبي عمرو ـ والجمع مفاويق. وقال الفرّاء وأبو عبيدة وغيرهما: «مِنْ فَوَاقٍ» بفتح الفاء أي راحة لا يفيقون فيها، كما يفيق المريض والمغشيّ عليه. و «مِنْ فُواقٍ» بضم الفاء من ظ±نتظار. وقد تقدّم أنهما بمعنىً وهو ما بين الحلبتين.

    قلت: والمعنى المراد أنها ممتدّة لا تقطيع فيها...

    وقال الالوسي

    وَالطَّيْرَ } عطف على{ الْجِبَالُ } [ص: 18] على ما هو الظاهر { مَحْشُورَةً } حال من { الطَّيْرُ } والعامل{ سَخَّرْنَا } [ص: 18] أي وسخرنا الطير حال كونها محشورة، عن ابن عباس كان عليه السلام إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت وذلك حشرها. ولم يؤت بالحال فعلاً مضارعاً كالحال السابقة ليدل على الحشر الدفعي الذي هو أدل على القدرة وذلك بتوسط مقابلته للفعل أو لأن الدفعية هي الأصل عند عدم القرينة على خلافها.

    وقرأ ابن أبـي عبلة والجحدري { وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً } برفعهما مبتدأ وخبراً، ولعل الجملة على ذلك حال من ضمير{ يُسَبِّحْنَ } [ص: 18].

  12. #327
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة التاسعة والعشرون بعد الثلاثمائة

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس: " ولا تُشطِط " بضم التاء وكسر الطاء الأولى، معناه: ولا تتعد في حكمك. وقرأ أبو رجاء وقتادة: " تَشطُط " بفتح التاء وضم الطاء، وهي قراءة الحسن والجحدري، ومعناه: ولا تبعد، يقال: شط إذا بعد، وأشط إذا أبعد غيره.....

    و " النعجة " في هذه الآية، عبر بها عن المرأة. والنعجة في كلام العرب تقع على أنثى بقر الوحش، وعلى أنثى الضأن، وتعبر العرب بها عن المرأة، وكذلك بالشاة، قال الأعشى: [الكامل]

    فرميت غفلة عينه عن شاته فأصبت حبة قلبها وطحالها
    أراد عن امرأته، وفي قراءة ابن مسعود: " وتسعون نعجة أنثى ....

    وقرأ جمهور الناس: " فَتنّاه " بفتح التاء وشد النون، أي ابتليناه وامتحناه. وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رجاء والحسن: بخلاف عنه، " فتّنّاه " بشد التاء والنون على معنى المبالغة. وقرأ أبو عمرو في رواية علي ابن نصر: " فتَنَاه " بتخفيف التاء والنون على أن الفعل للخصمين، أي امتحناه عن أمرنا، وهي قراءة قتادة. وقرأ الضحاك: " افتتناه ".

    وقال السمين

    قوله: { فَيُضِلَّكَ }: فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ في جوابِ النهي. والثاني: أنه عطفٌ على " لا تَتَّبِعْ " فهو مجزومٌ، وإنما فُتِحَتْ اللامُ لالتقاء الساكنين، وهو نهيٌ عن كل واحدٍ على حِدَتِه، والأولُ فيه النهيُ عن الجمع بينهما. وقد يَتَرَجَّح الثاني لهذا المعنى. وقد تقدَّم تقريرُ ذلك في البقرة في قوله:{ وَتَكْتُمُواْ ظ±لْحَقَّ } [البقرة: 42]. وفاعل " فَيُضِلَّك " يجوزُ أَنْ يكونَ " الهوى " ويجوزُ أَنْ يكونَ ضميرَ المصدرِ المفهوم من الفعل أي: فيُضِلَّك اتِّباعُ الهوى. والعامَّةُ على فتحِ " يَضِلُّون " ، وقرأ ابنُ عباس والحسن وأبو حيوة " يُضِلُّون " بالضمِّ أي: يُضِلُّون الناسَ، وهي مُسْتَلْزِمَةٌ للقراءةِ الأولى، فإنه لا يُضِلُّ غيرَه إلاَّ ضالٌّ بخلافِ العكسِ.....

    وقال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس: " ليدّبّروا " بشد الدال والباء، والضمير للعالم. وقرأ حفص عن عاصم: " لتدبروا " على المخاطبة. وقرأ أبو بكر عنه: " لتدَبروا " بتخفيف الدال، أصله: تتدبروا، وظاهر هذه الآية يعطي أن التدبر من أسباب إنزال القرآن، فالترتيل إذاً أفضل من الهذ، إذ التدبر لا يكون إلا مع الترتيل،...

    وفي مصحف ابن مسعود: " حب الخيل " ، باللام.....

    وقال الالوسي

    وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر { الرّيَاحِ } بالجمع قيل: وهو أوفق لما شاع من أن الريح تستعمل في الشر والرياح في الخير، وقد علمت أن ذلك ليس بمطرد.

    وقال السمين

    وقوله: " أني " جاء به على حكايةِ كلامِه الذي ناداه بسببه ولو لم يَحْكِه لقال: إنَّه مَسَّه لأنه غائبٌ. وقرأ العامَّةُ بفتح الهمزة على أنه هو المنادَى بهذا اللفظِ. وعيسى بن عمر بكسرِها على إضمار القولِ أو على إجراءِ النداءِ مُجْراه.

    قوله: " بِنُصْبٍ " قرأ العامَّةُ بالضم والسكون. فقيل: هو جمعُ " نَصَبٍ " بفتحتين نحو: وَثَن ووُثْن، وأَسَدِ وأُسْدٍ. وقيل: هي لغةٌ في النَّصَبَ نحوُ: رُشْد ورَشَد، وحُزْن وحَزَن، وعُدْم وعَدَم. وأبو جعفر وشيبة وحفص ونافع في روايةٍ بضمتين وهو تثقيلُ نُصْب بضمة وسكون، قاله الزمخشري. وفيه بُعْدٌ لِماعَرَفْتَ أنَّ مقتضى اللغةِ تخفيفُ فُعُل كعُنُق لا تثقيل فُعْل كقُفْل، وفيه خلافٌ. وقد تقدَّم في العُسْر واليُسْر في البقرة. وقرأ أبو حيوة ويعقوبُ وحفصٌ في روايةٍ بفتحٍ وسكونٍ، وكلُّها بمعنًى واحدٍ: وهو التعبُ والمَشقةُ.

  13. #328
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثلاثون بعد الثلاثمائة

    قال ابن عطية

    قرأ ابن كثير: " واذكر عبدنا " على الإفراد، وهي قراءة ابن عباس وأهل مكة. وقرأ الباقون: " واذكر عبادنا " على الجمع، فأما على هذه القراءة فدخل الثلاثة في الذكر وفي العبودية، وأما على قراءة من قرأ " عبدنا " ، فقال مكي وغيره: دخلوا في الذكر ولم يدخلوا في العبودية إلا من غير هذه الآية وفي هذا نظر...

    وقرأ الحسن والثقفي والأعمش وابن مسعود: " أولي الأيد " ، بحذف الياء، فأما أولو فهو جمع ذو، وأما القراءة الأولى فـ " الأيدي " فيها عبارة عن القوة في طاعة الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة بل هي عبارة عن القوة في طاعة الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة بل هي عبارة عن إحسانهم في الدين وتقديمهم عند الله تعالى أعمال صدق، فهي كالأيادي. وقالت فرقة: بل معناه: أولي الأيد والنعم التي أسداها الله إليهم من النبوءة والمكانة. وقال قوم المعنى: أيدي الجوارح، والمراد الأيدي المتصرفة في الخير والأبصار الثاقبة فيه، لا كالتي هي منهملة في جل الناس، وأما من قرأ " الأيد " دون ياء فيحتمل أن يكون معناها معنى القراءة بالياء وحذفت تخفيفاً، ومن حيث كانت الألف واللام تعاقب التنوين وجب أن تحذف معها كما تحذف مع التنوين. وقالت فرقة: معنى " الأيدي " ، القوة، والمراد طاعة الله تعالى....

    وقال السمين

    قوله: " الأَيْدي " العامَّة على ثبوتِ الياءِ، وهو جَمْعُ يدٍ: إمَّا الجارِحَةِ، وكنَى بذلك/ عن الأعمالِ؛ لأنَّ أكثرَ الأعمالِ إنما تُزاوَلُ باليدِ. وقيل: المرادُ بالأيدي جمعُ " يَدٍ " المراد بها النعمةُ. وقرأ عبد الله والحسن وعيسى والأعمش " الأَيْد " بغيرِ ياء فقيل: هي الأُوْلى وإنَّما حُذِفَتِ الياءُ اجتزاءً عنها بالكسرة ولأنَّ أل تعاقِبُ التنوينَ، والياءُ تُحْذَفُ مع التنوين، فأُجْرِيَتْ مع أل إجراءَها معه. وهذا ضعيفٌ جداً. وقيل: الأَيْد: القوةُ. إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ قال: " وتَفْسيرُه بالأَيْد من التأييد قِلِقٌ غيرُ متمكن " انتهى. وكأنَّه إنما قَلِقَ عنده لعطفِ الأبصارِ عليه، فهو مناسبٌ للأيدي لا للأَيْد من التأييد. وقد يقال: إنه لا يُراد حقيقةُ الجوارح؛ إذ كلُّ أحدٍ كذلك، إنما المراد الكناية عن العمل الصالحِ والتفكُّرِ ببصيرتِه فلم يَقْلَقْ حينئذٍ؛ إذ لم يُرِدْ حقيقةَ الإِبصارِ. وكأنه قيل: أُولي القوةِ والتفكُّر بالبصيرةِ. وقد نحا الزمخشري إلى شيءٍ مِنْ هذا قبلَ ذلك.....

    وقال ابن الجوزى

    أُولي الأيدي } يعني القوة في الطاعة { والأبصارِ } البصائر في الدِّين والعِلْم. قال ابن جرير: وذِكْر الأيدي مَثَلٌ، وذلك لأن باليد البطش، وبالبطش تُعرف قُوَّة القويِّ، فلذلك قيل للقويِّ: ذو يدٍ، وعنى بالبصر: بصر القلب، وبه تُنال معرفة الأشياء، وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وابن أبي عبلة: { أُولي الأيدِ } بغير ياءٍ في الحالين. قال الفراء: ولها وجهان:

    أحدهما: أن يكون القارئ لهذا أراد الأيدي، فحذف الياء، وهو صواب، مثل الجَوارِ والمناد.

    والثاني: أن يكون من القُوَّة والتأييد، من قوله{ وَأَيَّدْنَاه بِرُوحِ القُدُسِ } [البقرة: 87].....

    ملحوظة

    ايه البقرة ايدناه قرئت بالمد آيدناه من التأييد او القوة

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ } قراءة العامة «بِخَالِصَةٍ» منونة وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ابن عامر «بِخَالِصَةِ ذِكْرى الدَّارِ» بالإضافة فمن نوّن خالصة فـ«ـذِكْرَى الدَّار» بدل منها؛ التقدير إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، ويرغبوا فيها ويُرَغِّبوا الناس فيها. ويجوز أن يكون «خالِصَةٍ» مصدراً لخلَص و«ذِكْرَى» في موضع رفع بأنها فاعله، والمعنى أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار؛ أي تذكير الدار الآخرة. ويجوز أن يكون «خالصة» مصدراً لأخلصت فحذفت الزيادة، فيكون «ذِكْرَى» على هذا في موضع نصب، التقدير: بأن أخلصوا ذكرى الدار. والدار يجوز أن يراد بها الدنيا؛ أي ليتذكروا الدنيا ويزهدوا فيها، ولتخلص لهم بالثناء الحسن عليهم، كما قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } [مريم: 50] ويجوز أن يراد بها الدار الآخرة وتذكير الخلق بها. ومن أضاف خالصة إلى الدار فهي مصدر بمعنى الإخلاص، والذكرى مفعول به أضيف إليه المصدر؛ أي بإخلاصهم ذكرى الدار. ويجوز أن يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل والخالصة مصدر بمعنى الخلوص؛ أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار، وهي الدار الآخرة أو الدنيا على ما تقدّم. وقال ابن زيد: معنى أخلصناهم أي بذكر الآخرة؛ أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا. وقال مجاهد: المعنى إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم.

    وقال الطبري

    وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك علـى قراءة من قرأه بـالتنوين أن يقال معناه إنا أخـلصناهُمْ بخالصة هي ذكرى الدار الآخرة، فعملوا لها فـي الدنـيا، فأطاعوا الله وراقبوه وقد يدخـل فـي وصفهم بذلك أن يكون من صفتهم أيضاً الدعاء إلـى الله وإلـى الدار الآخرة، لأن ذلك من طاعة الله، والعمل للدار الآخرة، غير أن معنى الكلـمة ما ذَكَرْت. وأما علـى قراءة من قرأه بـالإضافة، فأن يقال معناه إنا أخـلصناهم بخالصة ما ذكر فـي الدار الآخرة فلـمَّا لـم تُذْكر «فـي» أضيفت الذكرى إلـى الدار كما قد بـيَّنا قبل فـي معنى قوله{ لا يَسْأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعاءِ الـخَيْرِ } وقوله{ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلـى نِعاجِهِ }

  14. #329
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الواحدة والثلاثون بعد الثلاثمائة

    قال القرطبي

    وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين في «وغَسَّاق». وقرأ يحيـى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي «وغسَّاق» بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد في قول الأخفش. وقيل: معناهما مختلف؛ فمن خفّف فهو اسم مثل عذاب وجوَاب وصوَاب، ومن شدّد قال: هو اسم فاعل نقل إلى فعّال للمبالغة، نحو ضرّاب وقتّال وهو فعّال من غَسَق يغسِق فهو غسّاق وغاسِق. قال ابن عباس: هو الزمهرير يخوّفهم ببرده. وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما. إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحرِّه. وقال عبد الله بن عمرو: هو قيح غليظ لو وقع منه شيء بالمشرق لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شيء في المغرب لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة ومن نَتْن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنَّتْن. وقال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. وهذا القول أشبه باللغة؛ يقال: غَسَق الجرح يغسِق غسقا إذا خرج منه ماء أصفر؛ قال الشاعر:
    إذا ما تَذَكَّرْتُ الحياةَ وطِيبهَا إليّ جَرَى دَمْعٌ من اللّيلِ غاسِقُ
    ....

    قوله تعالى: { وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } قرأ أبو عمرو: «وَأخَرُ» جمع أخرى مثل الكبرى والكُبَر. الباقون: «وَآخَرُ» مفرد مذكر. وأنكر أبو عمرو «وَآخَرُ» لقوله تعالى: { أَزْوَاجٌ } أي لا يخبر بواحد عن جماعة. وأنكر عاصم الجحدريّ «وَأخَرُ» قال: ولو كانت «وَأُخَرُ» لكان من شكلها. وكلا الردين لا يلزم والقراءتان صحيحتان. «وَآخرُ» أي وعذاب آخر سوى الحميم والغساق. «مِنْ شَكْلِهِ» قال قتادة: من نحوه. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. وارتفع «وآخر» بالابتداء و«أَزْوَاجٌ» مبتدأ ثانٍ و«مِنْ شَكْلِهِ» خبره والجملة خبر «آخر». ويجوز أن يكون «وآخر» مبتدأ والخبر مضمر دل عليه { هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } لأن فيه دليلاً على أنه لهم، فكأنه قال: ولهم آخر ويكون { مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } صفة لآخر فالمبتدأ متخصص بالصفة و«أَزْوَاجٌ» مرفوع بالظرف. ومن قرأ «وَأُخرُ» أراد وأنواع من العذاب أُخَرُ، ومن جمع وهو يريد الزمهرير فعلى أنه جعل الزمهرير أجناساً فجمع لاختلاف الأجناس. أو على أنه جعل لكل جزء منه زمهريراً ثم جمع كما قالوا: شابت مفارقه. أو على أنه جمع لما في الكلام من الدلالة على جواز الجمع؛ لأنه جعل الزمهرير الذي هو نهاية البرد بإزاء الجمع في قوله: { هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } والضمير في «شكْلِهِ» يجوز أن يعود على الحميم أو الغسّاق. أو على معنى: «وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ» ما ذكرنا، ورفع «أُخَرُ» على قراءة الجمع بالابتداء و«مِنْ شَكْلِهِ» صفة له وفيه ذكر يعود على المبتدأ و«أَزْوَاجٌ» خبر المبتدأ. ولا يجوز أن يحمل على تقدير ولهم أخر و«مِنْ شَكْلِهِ» صفة لأخر و«أَزْوَاجٌ» مرتفعة بالظرف كما جاز في الإفراد؛ لأن الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع «أَزْوَاجٌ» بالظرف ولا ضمير في الظرف، والهاء في «شكله» لا تعود على «أخر» لأنه جمع والضمير مفرد؛ قاله أبو علي. و«أَزْوَاجٌ» أي أصناف وألوان من العذاب. وقال يعقوب: الشكل بالفتح المثل وبالكسر الدل.....

    وقال الطبري

    وقوله { وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والكوفة { وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ } علـى التوحيد، بـمعنى هذا حميـم وغساق فلـيذوقوه، وعذاب آخر من نـحو الـحميـم ألوان وأنواع، كما يقال لك عذاب من فلان ضروب وأنواع وقد يحتـمل أن يكون مراداً بـالأزواج الـخبر عن الـحميـم والغسَّاق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقـيـل أزواج، يراد أن ينعت بـالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعضُ الـمكيـين وبعض البصريـين «وأُخَرُ» علـى الـجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلـح أن يكون الأزواج وهي جمع نعتاً لواحد، فلذلك جمع أخَر، لتكون الأزواج نَعْتاً لها والعرب لا تـمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلاً بـالكثـير والقلـيـل والاثنـين كما بـيَّنا، فتقول عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفـان. وأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأ بها { وآخَرُ } علـى التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفـاضة القراءة بها فـي قرّاء الأمصار وإنـما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجاً فـي العربـية، وأنه فـي التفسير بـمعنى التوحيد. ...

  15. #330
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثانية والثلاثون بعد الثلاثمائة

    قال ابن عطية

    وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: { أتخذناهم سخرياً } بألف الاستفهام، ومعناها: تقرير أنفسهم على هذا على جهة التوبيخ لها والأسف، أي أتخذناهم سخرياً ولم يكونوا كذلك، واستبعد معنى هذه القراءة أبو علي. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: " سُخريا " بضم السين، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر وابن مسعود وأصحابه ومجاهد والضحاك، ومعناها: من السخرة والاستخدام. وقرأ الباقون: " سِخرياً " بكسر السين وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وعيسى وابن محيصن ومعناها المشهور من السخر الذي هو الهزء، ومنه قول الشاعر [عامر بن الحارث]: [البسيط]

    إني أتاني لسان لا أسر بها من علو لا كذب فيها ولا سخر
    وقالت فرقة يكون كسر السين من التسخير.....

    وقال القرطبي

    { أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً } قال مجاهد: أتخذناهم سخريا في الدنيا فأخطأنا { أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ظ±لأَبْصَـرُ } فلم نعلم مكانهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا؛ اتخذوهم سخريًّا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم. وقيل: معنى { أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ظ±لأَبْصَـرُ } أي أهم معنا في النار فلا نراهم. وكان ابن كثير والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي يقرؤون «مِنَ الأَشْرَارِ اتَّخَذْنَاهُمْ» بحذف الألف في الوصل. وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر يقرؤون «أَتَّخَذْنَاهُمْ» بقطع الألف على الاستفهام وسقطت ألف الوصل؛ لأنه قد استغنى عنها؛ فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على «الأَشْرَارِ» لأن «اتَّخَذْنَاهُمْ» حال. وقال النحاس والسجستاني: هو نعت لرجال. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن النعت لا يكون ماضياً ولا مستقبلاً. ومن قرأ: «أَتخذناهم» بقطع الألف وقف على «الأَشْرَارِ» قال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب. «أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ» إذا قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأت بغير الاستفهام فهي بمعنى بل. وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة والمفضّل وهبيرة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائي: «سُخْرِيًّا» بضم السين. الباقون بالكسر. قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء ومن ضم جعله من التسخير....

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأه بـالوصل علـى غير وجه الاستفهام، لتقدّم الاستفهام قبلَ ذلك فـي قوله { ما لَنا لا نَرَى رِجالاً كُنَّا } فـيصير قوله «اتَّـخَذْناهُمْ» بـالـخبر أولـى وإن كان للاستفهام وجه مفهوم لـما وصفتُ قبلُ من أنه بـمعنى التعجب. وإذ كان الصواب من القراءة فـي ذلك ما اخترنا لـما وصفنا، فمعنى الكلام وقال الطاغون ما لنا لا نرى سَلْـمان وبِلالاً وخَبَّـابـاً الذين كنَّا نعدّهم فـي الدنـيا أشراراً، اتـخذناهم فـيها سُخرياً نهزأ بهم فـيها معنا الـيوم فـي النار؟. وكان بعض أهل العلـم بـالعربـية من أهل البصرة يقول من كسر السين من السِّخْرِي، فإنه يريد به الهُزء، يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرَة، يستسخِرونهم يستذِلُّونهم، أزاغت عنهم أبصارنا وهم معنا.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •