صفحة 2 من 21 الأولىالأولى 12345612 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 314

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة السادسة عشر

    قال ابن عطية

    وقوله تعالى: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت }: { ما } عطف على { السحر } فهي مفعولة، وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه،أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه.

    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل إن { ما } عطف على { ما } في قوله: { ما تتلو } ، وقيل: { ما } نافية، رد على قوله: { وما كفر سليمان } ، وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائل بالسحر فنفى الله ذلك، وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى " الملِكين " بكسر اللام، وقال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضاً فـ { ما } نافية، وقال الحسن: هما علجان كانا ببابل ملكين، { فما } على هذا القول غير نافية، وقرأها كذلك أبو الأسود الدؤلي، وقال: هما { هاروت وماروت } ، فهذا كقول الحسن....

    الجوهرة السابعة عشر

    يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا وَاسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا }: الجمهورُ على " راعِنا " أمرٌ من المُراعاة، وهي النظرُ في مصالحِ الإِنسانِ وتَدَبُّرِ أمورِه، و " راعِنا " يقتضي المشاركةَ لأنَّ معناه: ليكن منك رعايةٌ لنا وليكن منا رعايةٌ لك، فَنُهوا عن ذلك لأنَّ فيه مساواتِهم به عليه السلام.

    وقرأ الحسنُ وأبو حَيْوَة: " راعِناً " بالتنوين، ووجهُه أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً راعناً، وهو على طَريقِ النَسَب كلابن وتامر، والمعنى: لا تقولوا قولاً ذا رُعونة. والرُّعونة: الجَهْل والحُمْق والهَوَج، وأصلُ الرُّعونة: التفرُّقُ، ومنه: " جَيْشٌ أَرْعَنُ " أي: متفرِّقٌ في كل ناحية، ورجلٌ أَرْعَنُ: أي ليس له عَقْلٌ مجتمعٌ، وامرأةٌ رَعْنَاءٌ، وقيل للبَصْرةِ: الرَّعْناء، قال:
    766 ـ لولا ابنُ عُتْبَةَ عمروٌ والرجاءُ له ما كانَتِ البصرةُ الرَّعْناءُ لي وَطَنا
    قيل: سُمِّيت بذلك لأنها أَشْبَهت " رَعْنَ الجبلِ " وهو الناتِيءُ منه، وقال ابن فارس: " يقال: رَعَن الرجلُ يَرْعَنُ رَعَناً ". وقرأ أُبَيّ: راعُونا، وفي مصحف عبد الله كذلك، خاطَبوه بلفظِ الجمعِ تعظيماً، وفي مصحفِ عبدِ الله أيضاً، " ارْعَوْنا " لِما تقدَّم. والجملةُ في محل نصبٍ بالقول، وقَدَّم النهيَ على الأمرِ لأنه من باب التروك فهو أَسْهَلُ.

    قوله: " انظُرْنا " الجملةُ أيضاً في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، والجمهورُ على " انظُرْنا " بوصلِ الهمزةِ وضَمِّ الظاء أمراً من الثلاثي، وهو نظرٌ من النَّظِرَة وهي التأخير، أي: أَخِّرْنا وتأنَّ علينا، قال امرؤ القيس:
    668 ـ فإنَّكما إنْ تَنْظُرانيَ ساعةً من الدَّهْرِ يَنْفَعْني لدى أمِّ جُنْدَبِ
    وقيل: هو من نَظَر أي: أبْصَرَ، ثم اتُّسِعَ فيه فَعُدِّيَ بنفسِه لأنه في الأصلِ يَتَعدَّى بـ " إلى " ، ومنه:
    669 ـ ظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كما يَنْظُرُ الأَراكَ الظباءُ
    أي: إلى الأراك، وقيل: مِنْ نَظَر أي: تفكر ثم اتُّسِعَ فيه أيضاً فإنَّ أصلَه أَنْ يتعدَّى بفي، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ على هذا أي: انظُرْ في أمرنا

    وقرأ أُبيّ والأعمش: " أَنْظِرْنَا " بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الظاءِ أمراً من الرباعي بمعنى: أَمْهِلْنا وأخِّرْنا، قال الشاعر:
    670 ـ أبا هندٍ فلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأَنْظِرْنا نُخْبِّرْكَ اليَقينا
    أي: أَمْهِلْ علينا، وهذا القراءةُ تؤيِّد أنَّ الأولَ من النَّظْرةِ بمعنى التأخير لا من البصرِ ولا من البصيرةِ، وهذه الآيةُ نَظيرُ التي في الحديد::انظُرونا نقتبسْ " فإنها قُرِئَتْ بالوَجْهَيْنِ.

    وقال الطبري

    وقد حكي عن الـحسن البصري أنه كان يقرؤه «لا تَقُولُوا رَاعِنا» بـالتنوين، بـمعنى لا تقولوا قولاً راعنا، من الرعونة وهي الـحمق والـجهل.

    وهذه قراءة الـمسلـمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة الـمتقدمين والـمتأخرين وخلافها ما جاءت به الـحجة من الـمسلـمين. ومن نوّن «راعنا» نوّنه بقوله { لا تَقُولُوا } لأنه حينئذٍ عامل فـيه. ومن لـم ينوّنه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر مـحكيٌّ لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبـيّ صلى الله عليه وسلم { راعِنا } بـمعنى مسألته إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم علـى ما قد بـينت فـيـما قد مضى فقـيـل لهم لا تقولوا فـي مسألتكم إياه راعنا. فتكون الدلالة علـى معنى الأمر فـي «راعنا» حينئذٍ سقوط الـياء التـي كانت تكون فـي «يراعيه». ويدلّ علـيها أعنـي علـى الـياء الساقطة كسرة العين من «راعنا». وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود «لا تقولوا راعونا» بـمعنى حكاية أمر صالـحة لـجماعة بـمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا وُجِّه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بـينهم فـي خطاب بعضهم بعضا كان خطابهم للنبـيّ صلى الله عليه وسلم أو لغيره، ولا نعلـم ذلك صحيحاً من الوجه الذي تصحّ منه الأخبـار...

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى { وَقُولُوا انْظُرْنا }. يعنـي بقوله جل ثناؤه { وَقُولُوا انْظُرْنَا } وقولوا أيها الـمؤمنون لنبـيكم صلى الله عليه وسلم انظرنا وارقبنا نفهم ونتبـين ما تقول لنا وتعلـمنا. كما حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَقُولُوا انْظُرْنَا } فهِّمْنا بـيِّنْ لنا يا مـحمد. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا أبو حذيفة، قال ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَقُولُوا انْظُرْنَا } فَهِّمنا بـيِّن لنا يا مـحمد. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله. يقال منه نظرت الرجل أنظره نظرة بـمعنى انتظرته ورقبته. ومنه قول الـحطيئة
    وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أعْشاءَ صَادِرَةٍ للـخمْسِ طالَ بِها حَوْزي وتَنْسَاسي
    ومنه قول الله عز وجل
    { يَوْمَ يَقُولُ ظ±لْمُنَافِقُونَ وَظ±لْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ظ±نظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ }
    الحديد 13 يعنـي به انتظرونا. وقد قرىء «أنْظِرنا» بقطع الألف فـي الـموضعين جميعا، فمن قرأ ذلك كذلك أراد أَخِّرنا، كما قال الله جل ثناؤه
    { قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىظ° يَوْمِ يُبْعَثُونَ }
    الحجر 36 أي أخّرنـي. ولا وجه لقراءة ذلك كذلك فـي هذا الـموضع لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما أُمروا بـالدنوّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستـماع منه وإلطاف الـخطاب له وخفض الـجناح، لا بـالتأخر عنه ولا بـمسألته تأخيرهم عنه. فـالصواب إن كان ذلك كذلك من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله { انْظُرْنا } ولـم يقطعها بـمعنى انتظرنا. وقد قـيـل إن معنى «أَنْظِرنا» بقطع الألف بـمعنى «أمهلنا»، حكي عن بعض العرب سماعا أنظرنـي أكلـمك وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته فـي معناه، فأخبره أنه أراد أمهلنـي.

    فإن يكن ذلك صحيحا عنهم ف«انْظُرْ» و«أنْظِرْنا» بقطع الألف ووصلها متقاربـا بالمعنى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن القراءة التـي أستـجيز غيرها قراءة من قرأ { وَقُولُوا انْظُرْنا } بوصل الألف بـمعنى انتظرنا، لإجماع الـحجة علـى تصويبها ورفضهم غيرها من القراءات

  2. #17
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة السابعة عشر

    { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

    قال السمين

    وقرأ ابنُ عامر: " نُنْسِخْ " بضمِّ النونِ وكسر السينِ من أَنْسَخَ، قال أبو حاتم: " هو غلطٌ " وهذه جرأةٌ منه على عادَتِه، وقال أبو عليّ: ليسَتْ لغةٌ لأنه لا يُقال: نَسَخَ وأَنْسخ بمعنىً، ولا هي للتعديةِ لأنَّ المعنى يجيءُ الأمرُ كذلكَ، فلم يبقَ إلا أَنْ يكونَ المعنى: ما نَجِدْه منسوخاً كما يُقال: أَحْمَدْتُه وأَبْخلْتُه، أي: وَجَدْتُه كذلك ثم قال: " وليس نَجِدُه منسوخاً إلا بأَنْ يَنْسَخَه، فتنفقُ القراءتان في المعنى وإن اختلفا في اللفظ " ، فالهمزةُ عنده ليس للتعديةِ. وجَعَلَ الزمخشري وابنُ عطية الهمزةَ للتعديةِ، إلا أنهما اختلفا في تقدير المفعولِ الأولِ المحذوفِ وفي معنى الإِنساخ، فَجَعَل الزمخشري المفعولَ المحذوفَ جبريلَ عليه السلام، والإِنساخَ هو الأمرَ بنَسْخِها، أي: الإِعلامُ به، وجَعَلَ ابنُ عطية المفعولَ ضميرَ النبي عليهِ السلام، والإِنساخَ إباحةَ النَّسْخ لنبيِّه، كأنه لَمَّا نَسَخَها أباحَ لَه تَرْكَها، فَسَمَّى تلك الإِباحة إنساخاً.

    وخرَّج ابنُ عطية القراءةَ على كَوْنِ الهمزةِ للتعديةِ مِنْ وجهٍ آخرَ، وهو مِنْ نَسْخ الكتابِ، وهو نَقْلُه من غير إزالةٍ له، قال: " ويكونُ المعنى: ما نَكْتُبْ ونُنَزِّلْ من اللوح المحفوظ أو ما نؤخِّرْ فيه ونَتْرُكْهُ فلا نُنُزِّلْه، أيَّ ذلك فَعَلْنا فإنما نأتي بخيرٍ من المؤخَّر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في " منها " و " بمثلها " عائِدَيْنِ على الضمير في " نَنْسَأْها " قال الشيخ: " وذَهَلَ عن القاعدة وهي أنه لا بُدَّ من ضميرٍ يعودُ من الجزاء على اسم الشرطِ، و " ما " في قوله: " ما نَنْسَخْ " شرطيةٌ، وقولُه " أو نَنْسَأْها " عائدٌ على الآية، وإن كان المعنى ليس عائداً عليها من حيث اللفظُ والمعنى، بل إنما يعودُ عليها من حيث اللفظُ فقط نحو: عندي درهمٌ ونصفُه، فهو في الحقيقة على إضمار " ما " الشرطيةِ، التقدير: أو ما نَنْسَأْ من آيةٍ ضرورةَ أنَّ المنسوخِ غيرُ المَنْسُوء، ولكن يبقى قولُه: مَا نَنْسَخْ من آيةٍ مُفْلَتاً من الجوابِ، إذ لا رابطَ يعودُ منه إليه فَبَطَلَ هذا المعنى الذي قاله ".....

    قولِه: { أَوْ نُنسِهَا } " أو " هنا للتقسيم، و " نُنْسِها " مجزومٌ عطفاً على فعل الشرطِ قبلَه. وفيها ثلاثَ عشرة قراءةً: " نَنْسَأها " بفتحِ حرفِ المضارعةَ وسكونِ النون وفتحِ السين مع الهمز، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير. الثانية: كذلك إلا أنه بغير همزٍ، ذكرها أبو عبيد البكري عن سعدِ بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال ابن عطية: " وأراه وَهِمَ ". الثالثة: " تَنْسَها " بفتح التاء التي للخطاب، بعدَها نونٌ ساكنةٌ وسينٌ مفتوحةٌ من غيرِ همزٍ، وهي قراءةُ الحسن، وتُرْوى عن ابن أبي وقاص، فقيل لسعدِ بنِ أبي وقاص: " إن سعيدَ بن المسيَّبَ يَقْرؤها بنونٍ أولى مضمومةٍ وسينٍ مكسورةٍ فقال: إن القرآن لم يَنْزِلْ على المسيَّب ولا على ابن المسيَّبِ " وتلا:
    { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }
    [الأعلى: 6]
    { وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ }
    [الكهف: 24] يعني سعدٌ بذلك أن نسبةَ النسيانِ إليه عليه السلامُ موجودةٌ في كتابِ الله فهذا مثلُه.

    الرابعةُ: كذلك إلا أنه بالهمز: الخامسةُ: كذلك إلا أنَّه بضمِّ التاء وهي قراءةُ أبي حَيْوَة: السادسةُ: كذلك إلا أنَّه بغيرِ همزٍ وهي قراءةُ سعيدِ بن المسيَّبِ. السابعة: " نُنْسِها " بضمِّ حرفِ المضارعةِ وسكونِ النونِ وكَسْرِ السينِ من غيرِ همزٍ وهي قراءةُ باقي السبعةِ. الثامنةُ: كذلك إلا أنه بالهمز. التاسعةُ: نُنَسِّها بضمِّ حرفِ المضارعةِ وفتحِ النونِ وكسر السينِ مُشَدَّدَةً وهي قراءةُ الضحاك وأبي رجاء. العاشرةُ: " نُنْسِكَ. بضمِّ حرفِ المضارعةِ وسكونِ النونِ وكسرِ السينِ وكافٍ بعدها للخطاب. الحاديةَ عشرة: كذلك إلا أنه بفتح النون الثانيةِ وتشديد السين مكسورةً، وتروى عن الضحاك وأبي رجاء أيضاً. الثانيةَ عشرةَ: كذلك إلا أنه بزيادةِ ضمير الآية بعد الكاف: " نُنَسِّكَها " وهي قراءة حذيفة، وكذلك هي في مصحفِ سالم مولاه. الثالثةَ عشرةَ: " ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسَخْها نَجِىءْ بمثلِها " وهي قراءةُ الأعمش، وهكذا ثَبَتَتْ في مصحفِ عبد الله.

    فأمَّا قراءةُ الهَمْز على اختلافِ وجوهِها فمعناها التأخيرُ من قولِهم: نَسَأَ الله وأَنْسَأَ اللهُ في أَجَلِكَ أي: أَخَّرَه، وبِعْتُه نسيئةً أي متأخراً، وتقولُ العرب: نَسَأْتُ الإِبلَ عن الحوضِ أَنْسَؤُها نَسْئَاً، وأنْسَأَ الإِبلَ: إذا أَخَّرَها عَنْ ورودِها يومَيْنِ فأكثرَ، فمعنى الآيةِ على هذا فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: نؤخِّرُ نَسْخَها ونزولَها وهو قولُ عطاء. الثاني: نَمْحُها لفظاً وحكماً وهو قول ابن زيد. الثالث: نُمْضِها فلا نَنْسَخْها وهو قولُ أبي عبيد، وهو ضعيفٌ لقوله: نَأْتِ بخيرٍ منها، لأنَّ ما أُمْضِي وأُقِرَّ لا يُقال فيه: نَأْتِ بخير منه.

    وأمَّا قراءةُ غيرِ الهَمْزِ على اختلافِ وجوهِها أيضاً ففيها احتمالان: أظهرُهما: أنها من النسيانِ، وحينئذٍ يُحْتَمَلُ أن يكونَ المرادُ به في بعض القراءاتِ ضدَّ الذِّكْرِ، وفي بعضِها التركَ. والثاني: أنَّ أصلَه الهمزُ من النَّسْء وهو التأخيرُ، إلا أنَّه أُبْدِلَ من الهمزةِ ألفٌ فحينئذٍ تتَّحِد القراءتان. ثم مَنْ قرأ مِنَ القُرَّاء: " نَنْسَاها " من الثلاثي فواضحٌ. وأمَّا مَنْ قرأ منهم مِنْ أَفْعَل، وهم نافع وابن عامر والكوفيون فمعناه عندهم: نُنْسِكَها، أي: نجعلُك ناسياً لها، أو يكونُ المعنى: نَأْمُرُ بتركها، يقال: أَنْسَيْتُهُ الشيءَ أي أَمَرْتُه بتركِه، ونَسِيْتُه تَرَكْتُه، وأنشدوا:
    672 ـ إنَّ عليَّ عُقْبَةً أَقْضِيها لستُ بِناسِيها ولا مُنْسِيها
    أي: لا تاركها ولا آمراً بتركها، وقد تكلَّم الزجاج في هذه القراءةِ فقال: " هذه القراءةُ لا يَتَوَجَّهُ فيها معنى الترك، لا يُقال: أَنْسَى بمعنى ترك قال الفارسي وغيرُه: " ذلك مُتَّجِهٌ لأنه بمعنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكها " وقد ضَعَّفَ الزجاج أيضاً أَنْ تُحْمَلَ الآيةُ على معنى النسيانِ ضدَّ الذكرِ، وقال: " إنَّ هذا لم يكُنْ له عليه السلام ولا نَسي قرآناً " ، واحتجَّ بقوله تعالى:
    { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }

    [الإسراء: 86] أي لم نَفْعَل شيئاً من ذلك. وأجابَ الفارسي عنه بأنَّ معناه لم نُذْهِبْ بالجميع. وهذا نهايةُ ما وَقَعْتُ عليه من كلام الناس

    وقال الطبري

    وأولـى القراءات فـي قوله { أوْ نُنْسِها } بـالصواب من قرأ { أو نُنْسِها } ، بـمعنى نتركها لأن الله جل ثناؤه أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدّل حكما أو غيره أو لـم يبدّله ولـم يغيره، فهو آتـيه بخير منه أو بـمثله. فـالذي هو أولـى بـالآية إذ كان ذلك معناها، أن يكون إذ قدّم الـخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدّل حكم آية أن يعقب ذلك بـالـخبر عما هو صانع، إذا هو لـم يبدّل ذلك ولـم يغير. فـالـخبر الذي يجب أن يكون عقـيب قوله { ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } قوله أو نترك نسخها، إذ كان ذلك الـمعروف الـجاري فـي كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرىء كذلك بـالـمعنى الذي وصفت، فهو يشتـمل علـى معنى الإنساء الذي هو بـمعنى الترك، ومعنى النَّساء الذي هو بـمعنى التأخير، إذْ كان كل متروك فمؤخر علـى حال مّا هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ «أوْ تُنْسَها» إذا عنـي به النسيان، وقالوا غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مـما لـم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا وبعد، فإنه لو نسي منه شيئاً لـم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه بجائز علـى جميعهم أن ينسوه. قالوا وفـي قول الله جل ثناؤه
    { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }
    الإسراء 86 ما ينبىء عن أن الله تعالـى ذكره لـم يُنْسِ نبـيه شيئاً مـما آتاه من العلـم. قال أبو جعفر وهذا قول يشهد علـى بطوله وفساده الأخبـار الـمتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنـحو الذي قلنا. حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا سعيد، عن قتادة، قال حدثنا أنس بن مالك إن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفـيهم كتابـاً «بلغوا عنا قومنا أنا لقـينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». ثم إن ذلك رفع. فـالذي ذكرنا عن أبـي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون «لو أن لابن آدم واديـين من مال لابتغى لهما ثالثاً، ولا يـملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله علـى من تاب» ثم رُفع وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بإحصائها الكتاب.

    وغير مستـحيـل فـي فطرة ذي عقل صحيح ولا بحجة خبر أن ينسي الله نبـيه صلى الله عليه وسلم بعض ما قد كان أنزله إلـيه. فإذا كان ذلك غير مستـحيـل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول ذلك غير جائز. وأما قوله
    { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }
    الإسراء 86 فإنه جلّ ثناؤه لـم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنـما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلـم يذهب به والـحمد لله بل إنـما ذهب بـما لا حاجة بهم إلـيه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بـالعبـاد إلـيه، وقد قال الله تعالـى ذكره
    { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ }
    الأعلى 6-7 فأخبر أنه ينسي نبـيه منه ما شاء، فـالذي ذهب منه الذي استثناه الله. فأما نـحن فإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل طلب اتساق الكلام علـى نظام فـي الـمعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالـى ذكره قد كان ٱتى نبـيه بعض ما نسخ من وحيه إلـيه وتنزيـله.....

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة الثامنة عشر

    { وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَـانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي للسَّمَـوَات و الأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } * { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

    قال ابن عطية

    قرأ هذه الآية عامة القراء " وقالوا " بواو تربط الجملة بالجملة، أو تعطف على
    { سعى }
    [البقرة: 114]، وقرأ ابن عامر وغيره " قالوا " بغير واو، وقال أبو علي: وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، وحذف منه الواو يتجه من وجهين، أحدهما أن هذه الجملة مرتبطة في المعنى بالتي قبلها فذلك يغني عن الواو، والآخر أن تستأنف هذه الجملة ولا يراعى ارتباطها بما تقدم، واختلف على من يعود الضمير في { قالوا } ، فقيل: على النصارى، لأنهم قالوا المسيح ابن الله.

    قال القاضي أبو محمد: وذكرهم أشبه بسياق الآية، وقيل: على اليهود، ...

    قضى } ، معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد.

    والأمر واحد الأمور، وليس هنا بمصدر أمر يأمر، ويكون رفع على الاستئناف، قال سيبويه: " معناه فهو يكون " ، قال غيره: " يكون " عطف على " يقول " ، واختاره الطبري وقرره، وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود، وتكلم أبو علي الفارسي في هذه المسألة بما هو فاسد من جملة الاعتزال لا من جهة العربية.

    وقرأ ابن عامر " فيكونَ " بالنصب، وضعفه أبو علي، ووجهه مع ضعفه على أن يشفع له شبه اللفظ، وقال أحمد بن موسى في قراءة ابن عامر: " هذا لحن ".

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأن الفاء لا تعمل في جواب الأمر إلا إذا كانا فعلين يطرد فيهما معنى الشرط، تقول أكرم زيداً فيكرمك، والمعنى إن تكرم زيداً يكرمك، وفي هذه الآية لا يتجه هذا، لأنه يجيء تقديره: إن تكن يكن، ولا معنى لهذا، والذي يطرد فيه معنى الشرط هو أن يختلف الفاعلان أو الفعلان فالأول أكرم زيداً فيكرمك والثاني أكرم زيداً فتسود.

    وتلخيص المعتقد في هذه الآية، أن الله عز وجل لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخر وقوع المعلومات، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكل ما يستند إلى الله تعالى من قدرة وعلم وأمر فهو قديم لم يزل، ومن جعل من المفسرين { قضى } بمعنى أمضى عند الخلق والإيجاد، فكأن إظهار المخترعات في أوقاتها المؤجلة قول لها { كن } ، إذ التأمل يقتضي ذلك، على نحو قول الشاعر [أبو النجم العجلي]: [الرجز]

    وقالتِ الأقرابُ للبطن الحق
    قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يجري مع قول المعتزلة، والمعنى الذي تقتضيه عبارة { كن } هو قديم قائم بالذات، والوضوح التام في هذه المسألة يحتاج أكثر من هذا البسط....

    وقال الطبري

    وأولـى الأقوال بـالصواب فـي قوله { وَإِذَا قَضَى أمْراً فـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } أن يقال هو عامّ فـي كل ما قضاه الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائز إحالة الظاهر إلـى البـاطن من التأويـل بغير برهان لـما قد بـينا فـي كتابنا «كتاب البـيان عن أصول الأحكام». وإذْ كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله { كُنْ } فـي حال إرادته إياه مكوّناً، لا يتقدّم وجودَ الذي أراد إيجاده وتكوينه إرادته إياه، ولا أمره بـالكون والوجود، ولا يتأخر عنه. فغير جائز أن يكون الشيء مأموراً بـالوجود مراداً كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجوداً إلا وهو مأمور بـالوجود مراد كذلك. ونظير قوله { وَإِذَا قَضَى أمْرا فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } قوله
    { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ظ±لسَّمَآءُ وَظ±لأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ظ±لأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ }
    الروم 25 بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله، ولا يتأخر عنه. ويسأل من زعم أن قوله { وَإِذَا قَضَى أمْرا فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } خاصّ فـي التأويـل اعتلالاً بأن أمر غير الـموجود غير جائز، عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم، أم بعده؟ أم هي فـي خاصّ من الـخـلق؟ فلن يقول فـي ذلك قولاً إلا أُلزم فـي الآخر مثله. ويسأل الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه { فَـانَّـمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } نظير قول القائل قال فلان برأسه أو بـيده، إذا حرّكه وأومأ، ونظير قول الشاعر
    تَقُولُ إذَا دَرأتُ لَهَا وَضِينِـي أهَذَا دِينُهُ أبَداً وَدِينِـي
    وما أشبه ذلك؟ فإنهم لا صواب اللغة أصابوا ولا كتاب الله، وما دلت علـى صحته الأدلة اتبعوا. فـيقال لقائلـي ذلك إن الله تعالـى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمراً قال له «كُنْ»، أفتنكرون أن يكون قائلاً ذلك؟ فإن أنكروه كذّبوا بـالقرآن، وخرجوا من الـملة، وإن قالوا بل نقرّ به، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل قال الـحائط فمال ولا قول هنالك، وإنـما ذلك خبر عن ميـل الـحائط.

    قـيـل لهم أفتـجيزون للـمخبر عن الـحائط بـالـميـل أن يقول إنـما قول الـحائط إذا أراد أن يـميـل أن يقول هكذا فـيـميـل؟ فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب، وخالفوا منطقها وما يعرف فـي لسانها. وإن قالوا ذلك غير جائز، قـيـل لهم إن الله تعالـى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كُنْ فـيكون، فأعلـم عبـاده قوله الذي يكون به الشيء وَوَصَفَه ووَكَّده. وذلك عندكم غير جائز فـي العبـارة عما لا كلام له ولا بـيان فـي مثل قول القائل قال الـحائط فمال. فكيف لـم يعلـموا بذلك فَرْقَ ما بـين معنى قول الله { وَإِذَا قَضَى أمْرا فـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونَ } وقول القائل قال الـحائط فمال؟ وللبـيان عن فساد هذه الـمقالة موضع غير هذا نأتـي فـيه علـى القول بـما فـيه الكفـاية إن شاء الله. وإذا كان الأمر فـي قوله جل ثناؤه { وَإِذَا قَضَى أمْراً فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بـالوجود حال وجود الـمأمور بـالوجود، فتبـين بذلك أن الذي هو أولـى بقوله { فَـيَكُونُ } رفع علـى العطف علـى قوله { يقول } لأن القول والكون حالهما واحد. وهو نظير قول القائل تاب فلان فـاهتدى، واهتدى فلان فتاب لأنه لا يكون تائبـاً إلا وهو مهتد، ولا مهتديا إلا وهو تائب. فكذلك لا يـمكن أن يكون الله آمراً شيئاً بـالوجود إلا وهو موجود، ولا موجوداً إلا وهو آمره بـالوجود ولذلك استـجاز من استـجاز نَصْبَ «فَـيَكُونَ» مَنْ قَرأ
    { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    النحل 40 بـالـمعنى الذي وصفنا علـى معنى أن نقول فـيكون. وأما رَفْعُ من رَفَعَ ذلك، فإنه رأى أن الـخبر قد تـمّ عند قوله
    { إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ }
    النحل 40 إذ كان معلوماً أن الله إذا حتـم قضاءه علـى شيء كان الـمـحتوم علـيه موجوداً، ثم ابتدأ بقوله «فـيكون، كما قال جل ثناؤه
    { لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ظ±لأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ }
    الحج 5، وكما قال ابن أحمر
    يُعالِـجُ عاقِراً أعْيَتْ عَلَـيْهِ لِـيُـلْقِحَها فَـيَنْتِـجُها حُوَارَا
    يريد فإذا هو ينتـجها حُوَاراً. فمعنى الآية إذا وقالوا اتـخذ الله ولداً، سبحانه أن يكون له ولد بل هو مالك السموات والأرض وما فـيهما، كل ذلك مقرّ له بـالعبودية بدلالته علـى وحدانـيته. وأنَّى يكون له ولد، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل، كالذي ابتدع الـمسيح من غير والد بقدرته وسلطانه، الذي لا يتعذّر علـيه به شيء أراده بل إنـما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه «كُنْ»، فـيكون موجوداً كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه الـمسيح وإنشاءه إذْ أراد خـلقه من غير والد.

    ملحوظة

    الاية بها مناظرات طويلة فى علم التوحيد وهى من ادلة اهل السنة علي قدم كلام الله ومنه القرآن

    وقال القرطبي

    السادسة: قوله تعالى: { فيَكُونُ } قُرىء برفع النون على الاستئناف. قال سيبويه: فهو يكون، أو فإنه يكون. وقال غيره: وهو معطوف على «يقول»؛ فعلى الأوّل كائناً بعد الأمر، وإن كان معدوماً فإنه بمنزلة الموجود إذ هو عنده معلوم؛ على ما يأتي بيانه. وعلى الثاني كائناً مع الأمر؛ وظ±ختاره الطبري وقال: أمره للشيء بـ «ـكن» لا يتقدّم الوجود ولا يتأخّر عنه؛ فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجوداً إلا وهو مأمور بالوجود، على ما يأتي بيانه. قال: ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله ولا يتأخّر عنه؛ كما قال
    { ثُمَّ إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ }
    [الروم: 25]. وضعّف ظ±بن عطية هذا القول وقال: هو خطأ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود.

    وتلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله عزّ وجلّ لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخّر المعلومات. فكلُّ ما في الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات؛ إذ المحَدثات تجيء بعد أن لم تكن. وكل ما يُسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل. والمعنى الذي تقتضيه عبارة «كن»: هو قدم قائم بالذات.

    وقال أبو الحسن الماوَرْدِي فإن قيل: ففي أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حال عدمه، أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه ظ±ستحال أن يأمر إلا مأموراً، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر؛ وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث؛ لأنه موجود حادث؟ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة:

    أحدها: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود؛ كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قِرَدَةً خاسئين؛ ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات.

    الثاني: أن الله عزّ وجلّ عالم بما هو كائن قبل كونه؛ فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة؛ فجاز أن يقول لها: كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود؛ لتصوّر جمعيها له ولعلمه بها في حال العدم.

    الثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى عامّ عن جميع ما يُحدثه ويكوّنه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده؛ فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً؛ كقول أبي النَّجْم:
    قد قالتِ الأنْساع للبَطْنِ ظ±لْحَقِ
    ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظَّهْر قد لَحِق بالبطن، وكقول عمرو بن حممة الدُّوسِيّ:
    فأصبحتُ مثلَ النسْر طارتِ فِراخُه إذا رامَ تطْياراً يقل له قَع
    وكما قال الآخر:
    قالت جناحاه لساقَيْهِ ظ±لحقا ونجّيَا لحمكما أن يمزّقا

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة التاسعة عشر

    { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِظ±لْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ظ±لْجَحِيمِ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِظ±لْحَقِّ بَشِيراً } «بشيراً» نصب على الحال، «ونَذِيراً» عطف عليه؛ وقد تقدّم معناهما. { وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ظ±لْجَحِيمِ } قال مقاتل: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا " ؛ فأنزل الله تعالى: { وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ظ±لْجَحِيمِ } برفع تسأل، وهي قراءة الجمهور، ويكون في موضع الحال بعطفه على { بَشِيراً وَنَذِيراً }. والمعنى إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً غير مسؤول. وقال سعيد الأخفش: ولا تَسألُ (بفتح التاء وضم اللام)؛ ويكون في موضع الحال عطفاً على { بَشِيراً وَنَذِيراً }. والمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً غير سائل عنهم؛ لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم. هذا معنى غير سائل. ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذاً بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار. وقال ظ±بن عباس ومحمد بن كعب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: " ليت شعري ما فعل أبواي " فنزلت هذه الآية؛ وهذا على قراءة من قرأ «ولا تسألْ» جزماً على النّهي، وهي قراءة نافع وحده؛ وفيه وجهان:

    أحدهما: أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء؛ لأنه قد يتغيّر حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة.

    والثاني: وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، تعظيماً لحاله وتغليظاً لشأنه، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان! أي قد بلغ فوق ما تحسب. وقرأ ظ±بن مسعود «ولن تسأل». وقرأ أُبَيّ «وما تسأل»؛ ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نَفي أن يكون مسؤولاً عنهم. وقيل: إنما سأل أيّ أبويه أحدث موتاً؛ فنزلت. وقد ذكرنا في كتاب «التذكرة» أن الله تعالى أحيا له أباه وأمّه وآمنَا به، وذكرنا " قوله عليه السلام للرجل: إن أبي وأباك في النار " وبيّنا ذلك، والحمد لله.

    { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }

    قال السمين

    والجمهورُ على نصبِ " إبراهيم " ورفعِ " ربُّه " كما تقدَّم، وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا: وتأويلُها دَعَا ربَّه، فسَمَّى دعاءَه ابتلاءً مجازاً لأنَّ في الدعاءِ طلبَ استكشافٍ لِما تجري به المقاديرُ....

    قوله: { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّالِمِينَ } الجمهورُ على نصبِ " الظالمين " مفعولاً و " عَهْدي " فاعلٌ، أي: لا يَصِلُ عهدي إلى الظالمين فيدرِكَهم. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء/: " والظالمون " بالفاعلية، و " عهدي " مفعولٌ به، والقراءتان ظاهرتان، إذ الفعلُ يَصِحُّ نسبتُه إلى كلٍّ منهما فإنَّ مَنْ نالَكَ فقد نِلْتَه. والنَّيْلُ: الإدراك وهو العَطاءُ أيضاً، نال ينال نَيْلاً فهو نائل.

  5. #20
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة العشرون

    { وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ }

    قال السمين

    قوله: { وَٱتَّخِذُواْ } قرأ نافعٌ وابنُ عامر: " واتَّخذوا " فعلاً ماضياً على لفظ الخبر، والباقون على لفظِ الأمرِ. فأمَّا قراءةُ الخبرِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنه معطوفٌ على " جَعَلْنا " المخفوض بـ " إذ " تقديراً فيكون الكلامُ جملةً واحدةً. الثاني: أنه معطوفٌ على مجموعِ قولِه: " وإذ جَعَلْنا " فيحتاجُ إلى تقديرِ " إذ " أي: وإذ اتخذوا، ويكون الكلامُ جملتين. الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكونَ معطوفاً على محذوفٍ تقديرُه: فثابوا واتخذوا.

    وأمَّا قراءةُ الأمرِ ففيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها عَطفٌ على " اذكروا " إذا قيل بأنَّ الخطابَ هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا. والثاني: أنها عطفٌ على الأمر الذي تَضَمَّنه قولُه: " مثابةً " كأنه قال: ثُوبوا واتَّخِذوا، ذكرَ هذين الوجهين المهدوي.

    الثالث: أنه معمولٌ لقولٍ محذوفٍ أي: وقُلْنا اتَّخِذوا إن قيل بأنَّ الخطابَ لإِبراهيمَ وذرّيَّتِه أو لمحمدٍ عليه السلام وأمَّتِه. الرابع: أن يكونَ مستأنفاً ذكرَه أبو البقاء....

    وقال الطبري

    والصواب من القول والقراءة فـي ذلك عندنا { وَاتّـخِذُوا } بكسر الـخاء، علـى تأويـل الأمر بـاتـخاذ مقام إبراهيـم مصلـى للـخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفـاً، وأن عمرو بن علـيّ حدثنا قال ثنا يحيى بن سعيد، قال ثنا جعفر بن مـحمد، قال حدثنـي أبـي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { وَاتَّـخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيـمَ مُصَلًّـى

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة الواحدة والعشرون

    { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }


    قال القرطبي

    قَالَ وَمَن كَفَرَ } «مَن» في قوله «وَمَنْ كَفَرَ» في موضع نصب؛ والتقدير وظ±رزق من كفر، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، وهي شرط والخبر «فَأُمَتِّعُهُ» وهو الجواب.

    وظ±ختلِف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام؟ فقال أُبَيّ بن كعب وظ±بن إسحظ°ق وغيرهما: هو من الله تعالى، وقرأوا «فَأُمَتِّعُهُ» بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء. { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } بقطع الألف وضم الراء، وكذلك القرّاء السبعة خلا ظ±بن عامر فإنه سكّن الميم وخفّف التاء. وحكى أبو إسحظ°ق الزجاج أن في قراءة أُبَي «فنمتّعه قليلاً ثم نضطِّره» بالنون. وقال ظ±بن عباس ومجاهد وقتادة: هذا القول من إبراهيم عليه السلام. وقرأوا «فأَمْتعه» بفتح الهمزة وسكون الميم، «ثم ظ±ضطرَّه» بوصل الألف وفتح الراء، فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين، وعليه فيكون الضمير في «قال» لإبراهيم، وأعيد «قال» لطول الكلام، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين. والفاعل في «قال» على قراءة الجماعة ظ±سم الله تعالى، وظ±ختاره النحاس، وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة، قال: ونسق الكلام والتفسير جميعاً يدلاّن على غيرها؛ أمّا نسق الكلام فإن الله تعالى خبرّ عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: { رَبِّ ظ±جْعَلْ هَـظ°ذَا بَلَداً آمِناً } ثم جاء بقوله عز وجلّ: { وَظ±رْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ظ±لثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِظ±للَّهِ وَظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ } ولم يفصل بينه بقال، ثم قال بعدُ: «قَالَ وَمَنْ كَفَرَ» فكان هذا جواباً من الله، ولم يقل بعدُ: قال إبراهيم. وأمّا التفسير فقد صح عن ظ±بن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب. وهذا لفظ ظ±بن عباس: دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصّة، فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن، وأنه يمتّعه قليلاً ثم يضطّره إلى عذاب النار. قال أبو جعفر: وقال الله عز وجل:
    { كُلاًّ نُّمِدُّ هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ وَهَـظ°ؤُلاغ¤ءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ }
    [الإسراء: 20] وقال جل ثناؤه:
    { وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ }
    [هود: 48]. قال أبو إسحظ°ق: إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذرّيته كفاراً فخصَّ المؤمنين؛ لأن الله تعالى قال: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّالِمِينَ }.

    وقال الطبري

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ }. وهذه مسألة من إبراهيـم ربه أن يرزق مؤمنـي أهل مكة من الثمرات دون كافريهم. وخصّ بـمسألة ذلك للـمؤمنـين دون الكافرين لـما أعلـمه الله عند مسألته إياه أن يجعل من ذرّيته أئمة يقتدي بهم أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده، والظالـم الذي لا يدرك ولايته. فلـما أن علـم أن من ذرّيته الظالـم والكافر، خصّ بـمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة الـمؤمن منهم دون الكافر، وقال الله له إنـي قد أجبت دعاءك، وسأرزق مع مؤمنـي أهل هذا البلد كافرهم، فأمتعه به قلـيلاً. وأما «مَنْ» فـي قوله { مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ } فإنه نصب علـى الترجمة، والبـيان عن الأهل، كما قال تعالـى
    { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لشَّهْرِ ظ±لْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ }
    البقرة 217 بـمعنى يسألونك عن قتال فـي الشهر الـحرام، وكما قال تعالـى ذكره
    { وَللَّهِ عَلَى ظ±لنَّاسِ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ مَنِ ظ±سْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }
    آل عمران 97 بـمعنى ولله حجّ البـيت علـى من استطاع إلـيه سبـيلاً. وإنـما سأل إبراهيـم ربه ما سأل من ذلك لأنه حلّ بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل، فسأل أن يرزق أهله ثمراً، وأنه يجعل أفئدة الناس تهوي إلـيهم، فذكر أن إبراهيـم لـما سأل ذلك ربه نقل الله الطائف من فلسطين. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق بن الـحجاج، قال ثنا هشام، قال قرأت علـى مـحمد بن مسلـم أن إبراهيـم لـما دعا للـحرم { وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ } نقل الله الطائف من فلسطين. القول فـي تأويـل قوله تعالـى { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً }. اختلف أهل التأويـل فـي قائل هذا القول وفـي وجه قراءته، فقال بعضهم قائل هذا القول ربنا تعالـى ذكره، وتأويـله علـى قولهم { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } برزقـي من الثمرات فـي الدنـيا إلـى أن يأتـيه أجله. وقرأ قائل هذه الـمقالة ذلك { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } بتشديد التاء ورفع العين. ذكر من قال ذلك حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال حدثنـي أبو العالـية، عن أُبـيّ بن كعب فـي قوله { وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً ثُمَّ اضْطَرُّهُ إِلَـى عَذَابِ النّارِ } قال هو قول الربّ تعالـى ذكره. حدثنا ابن حميد، قال ثنا سلـمة، قال قال ابن إسحاق لـما قال إبراهيـم { رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ } وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، انقطاعاً إلـى الله ومـحبة وفراقاً لـمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كان منهم ظالـم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره فقال الله { وَمَنْ كَفَرَ } فإنـي أرزق البرّ والفـاجر { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً }.

    وقال آخرون بل قال ذلك إبراهيـم خـلـيـل الرحمظ°ن علـى وجه الـمسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بـالبلد الـحرام، مثل الذي يرزق به الـمؤمن ويـمتعه بذلك قلـيلاً، ثم اضْطَرَّهُ إلـى عذاب النار بتـخفـيف «التاء» وجزم «العين» وفتـح «الراء» من اضْطَرَّه، وفصل «ثم اضطره» بغير قطع ألفها، علـى وجه الدعاء من إبراهيـم ربه لهم والـمسألة. ذكر من قال ذلك حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال قال أبو العالـية كان ابن عبـاس يقول ذلك قول إبراهيـم يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قلـيلاً. حدثنا الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال حدثنا ابن أبـي جعفر، عن لـيث، عن مـجاهد { وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } يقول ومن كفر فأرزقه أيضا ثم اضطره إلـى عذاب النار. والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا والتأويـل، ما قاله أُبـيّ بن كعب وقراءته، لقـيام الـحجة بـالنقل الـمستفـيض دراية بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بـمن كان جائزاً علـيه فـي نقله الـخطأ والسهُو، علـى من كان ذلك غير جائز علـيه فـي نقله. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية قال الله يا إبراهيـم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمنـي أهل هذا البلد من الثمرات وكفـارهم متاعاً لهم إلـى بلوغ آجالهم، ثم اضطرّ كفـارهم بعد ذلك إلـى النار. وأما قوله { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } يعنـي فأجعل ما أرزقه من ذلك فـي حياته متاعاً يتـمتع به إلـى وقت مـماته. وإنـما قلنا إن ذلك كذلك لأن الله تعالـى ذكره إنـما قال ذلك لإبراهيـم جوابـاً لـمسألته ما سأل من رزق الثمرات لـمؤمنـي أهل مكة، فكان معلوماً بذلك أن الـجواب إنـما هو فـيـما سأله إبراهيـم لا فـي غيره. وبـالذي قلنا فـي ذلك قال مـجاهد، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه. وقال بعضهم تأويـله فأمتعه بـالبقاء فـي الدنـيا. وقال غيره فأمتعه قلـيلاً فـي كفره ما أقام بـمكة، حتـى أبعث مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـيقتله إن أقام علـى كفره أو يجلـيه عنها. وذلك وإن كان وجهاً يحتـمله الكلام فإن دلـيـل ظاهر الكلام علـى خلافه لـما وصفنا...

    وقال الزمخشري

    وقرأ ابن عباس «فأَمْتْعهُ قليلاً ثم اضطرَّه»، على لفظ الأمر. والمراد الدعاء من إبراهيم دعا ربّه بذلك. فإن قلت فكيف تقدير الكلام على هذه القراءة؟ قلت في قال ضمير إبراهيم، أي قال إبراهيم بعد مسئلته اختصاص المؤمنين بالرزق ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره. وقرأ ابن محيصن «فأطره»، بإدغام الضاد في الطاء كما قالوا اطجع، وهي لغة مرذولة، لأنّ الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم هي فيها ما يجاورها ولا تدغم هي فيما يجاورها، وهي حروف «ضم شفر».

    { وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ }

    قال القرطبي

    قال القُشَيْرِيّ: وقُرىء «يعقوب» بالنصب عطفاً على «بنيه» وهو بعيد؛ لأن يعقوب لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لمّا وصّاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جدّه إبراهيم، وإنما وُلد بعد موت إبراهيم، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضاً كما فعل إبراهيم.

    أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }

    قال السمين

    قوله: { وَإِلَـظ°هَ آبَائِكَ } أعاد ذكرَ الإِله لئلا يَعْطِفَ على الضمير المجرورِ دون إعادة الجارَّ، والجمهور على " آبائِك " وقرأ الحسن ويحيى وأبو رجاء " أبيك " ، وقرأ أُبَيّ: " وإلَه إبراهيم " فأسقط " آبائك ". فأمّا قراءةُ الجمهور فواضحةٌ. وفي " إبراهيم " وما بعدَه حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ، أوحدُها: أنه بدلٌ. والثاني: أنه عطفُ بيانٍ، ومعنى البدلية فيه التفصيلُ. الثالثُ: أنه منصوبٌ بإضمار " أعني " ، فالفتحةُ على هذا علامةٌ للنصبِ، وعلى القَوْلين قبلَه علامةٌ للجرِّ لعدَمِ الصَّرْفِ، وفيه دليلٌ على تسمية الجَدِّ والعمِّ أباً، فإنَّ إبراهيمَ جَدُّه وإسماعيلَ عمُّه، كما يُطْلَقُ على الخالة أب، ومنه:
    { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ }
    [يوسف: 100] في أحد القولين. قال بعضهم: " وهذا من باب التغليب، يعني أنه غَلَّب الأبَ على غيره وفيه نظرٌ، فإنه قد جاء هذا الإِطلاقُ حيث لا تثنيةٌ ولا جمعٌ فَيُغَلَّبُ فيهما، قال عليه السلام:
    " رُدُّوا عليَّ أبي " يعني العباس.

    وأمَّا قراءة " أَبيك " فتحتملُ وجهين، أحدُهما: أن يكونَ مفرداً غيرَ جمعٍ، وحينئذٍ: فإمّا أَنْ يكونَ واقعاً موقعَ الجمعِ أولا، فإن كان واقعاً موقع الجمعِ فالكلامُ في " إبراهيم " وما بعدَه كالكلامِ فيه على القراءة المشهورةِ، وإنْ لم يكنْ واقعاً موقعه بل أُريد به الإِفرادُ لفظاً ومعنىً فيكون " إبراهيم " وحدَه على الأوجه الثلاثة المتقدمة، ويكونُ إسماعيلُ وما بعدَه عطفاً على " أبيك " أي: وإله إسماعيل. الثاني: يكونَ جَمْعَ سلامةٍ بالياء والنون، وإنما حُذِفَت النون للإِضافة، وقد جاء جمعُ أب على " أَبُون " رفعاً، و " أبِين " جَرَّاً ونَصْباً حكاها سيبويه، قال الشاعر:
    736 ـ فلمَّا تَبَيَّنَّ أصواتَنا بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنَا بالأِبِينا
    ومثله:
    737 ـ فَقُلْنا أَسْلِموا إنَّا أَبُوكمْ ....................
    والكلامُ في إبراهيمِ وما بعده كالكلامِ فيه بعد جمعِ التكسير. وإسحاق علم أعجمي ويكونُ مصدرَ أًسْحق، فلو سُمِّي به مذكرٌ لانصرَف، والجمعُ أساحِقة وأساحيق.

    أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { أَمْ تَقُولُونَ }: قرأ حمزة والكسائي وحفص وابن عامر بتاءِ الخطابِ والباقون بالياء، فأمّا قراءةُ الخطابِ فتحتمل " أم " فيها وَجْهين " ، أحدُهما: أن تكونَ المتصلةَ، والتعادلُ بين هذه الجملةِ وبين قوله: " أتحاجُّوننا، فالاستفهامُ عن وقوعِ أحدِ هذين الأمْرَيْن: المُحاجَّةِ في اللهِ او ادِّعاءٍ على إبراهيمَ ومَنْ ذُكِرَ معه اليهوديَة والنصرانيةَ، وهو استفهامُ إنكارٍ وتويبخٍ كما تقدَّم فإنَّ كِلا الأمرين باطلٌ. والثاني: أن تكونَ المنقطعةَ فتتقدَّرَ بـ " بل " والهمزةِ، على ما تقرَّر في المنقطعة على أصحِّ المذاهبِ، والتقدير: بل أتقولون: والاستفهامُ للإنكار والتوبيخِ أيضاً فيكونُ قد انتقل عن قولِه: أتحاجُّوننا وأَخَذَ في الاستفهام عن قضيةٍ أخرى، والمعنى على إنكارِ نسبةِ اليهوديةِ والنصرانيةِ إلى إبراهيمَ ومَنْ ذُكِرَ معه.

    وأمَّا قراءةُ الغَيْبة فالظاهرُ أنَّ " أم " فيها منقطعةٌ على المعنى المتقدَّم. وحكى الطبري عن بعضِ النحويين أنها متصلةٌ لأنك إذا قلت: أتقومُ أم يقولم عمروٌ: أيكونُ هذا أم هذا. وردَّ ابنُ عطية هذا الوجهَ فقال: " هذا المثالُ غيرُ جيدٍ، لأنَّ القائلَ فيه واحدٌ والمخاطَبُ واحدٌ، والقولُ في الآيةِ من اثنين والمخاطَبُ اثنان غَيْرانِ، وإنّما تَتَّجِهُ معادَلةُ " أم " للألفِ على الحكم المعنوي، كأنَّ معنى قُلْ أتحاجُّوننا: أيُحاجُّون يا محمد أم يقولون " انتهى. وقال الزمخشري: " وفيمَنْ قَرَأَ بالياء لا تكونُ إلا منقطعةً " قال الشيخ: " ويمكن الاتصالُ مع قراءةِ الياءِ، ويكون ذلك من الالتفاتِ إذ صارَ فيه [خروجٌ] من خطابٍ إلى غَيْبةِ، والضميرُ لناسٍ مخصوصين ". وقال أبو البقاء: " أم يقولونَ يُقْرأ بالياء ردَّاً على قوله: " فَسَيَكْفيكُهُم الله " فجَعَلَ هذه الجملةَ متعلقةً بقولِه: " فسيكفيكَهم " وحينئذٍ لا تكونُ إلا منقطعةً لِمَا عَرَفْتَ أنَّ من شرط المتصلةِ تقدُّمَ همزةِ استفهامٍ أو تسويةٍ مع أن المعنى ليس/ على أنَّ الانتقالَ مِن قولِه: " فَسَيَكْفيكهم " إلى قولِه " أم يقولون " حتى يَجْعَلَه ردَّاً عليه وهو بعيدٌ عنه لفظاً ومعنىً.

    وقال الشيخ: " الأحسنُ في القراءتين أن تكونَ " أم " منقطعةً وكأنه أنكرَ عليهم مُحاجَّتَهم في الله ونسبة أنبيائِه لليهودية والنصرانية، وقد وَقَع منهم ما أَنْكَرَ عليهم، ألا ترى إلى قولِه:
    { قُلْ يظ°أَهْلَ ظ±لْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيغ¤ إِبْرَاهِيمَ }
    [آل عمران: 65] الآيات وإذا جَعَلْناها متصلةً كان ذلك غيرَ متضمِّنٍ وقوعَ الجملتين، بل إحداهما، وصارَ السؤالُ عن تعيينِ إحداهما، وليس الأمرُ كذلك إذا وقعا معاً. وهذا الذي قاله الشيخُ حسنٌ جداً. و " أو " في قولِه: " هوداً أو نصارى " كهي في قولِه:
    { لَن يَدْخُلَ ظ±لْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىظ° }

    انتهى الجزء الاول من القرآن

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجزء الثانى

    الجوهرة الثانية والعشرون


    قال القرطبي

    قوله تعالى: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ } قال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: معنى «لنعلم» لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم؛ كقوله تعالى:
    { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ }
    [الفيل: 1] بمعنى ألم تعلم. وقيل: المعنى إلاّ لتعلموا أننا نعلم؛ فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كَوْنها. وقيل: المعنى لنميِّز أهل اليقين من أهل الشك؛ حكاه ٱبن فُورَك، وذكره الطبري عن ٱبن عباس. وقيل: المعنى إلا ليعلم النبيّ وأتباعه، وأخبر تعالى بذلك عن نفسه؛ كما يقال: فعل الأمير كذا، وإنما فعله أتباعه؛ ذكره المَهدَوِيّ وهو جيّد. وقيل: معناه ليعلم محمد؛ فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصاً وتفضيلاً؛ كما كنَّى عن نفسه سبحانه في قوله: " يٱبن آدَم مَرِضتُ فلم تَعُدْنِي " الحديث. والأوّل أظهر، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، عَلِم ما يكون قبل أن يكون، تختلف الأحوال على المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلّق بالكل تعلُّقاً واحداً. وهكذا كل ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى:
    { وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ }
    [آل عمران: 140]،
    { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِين }
    [محمد: 31] وما أشبه. والآية جواب لقريش في قولهم:
    { مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتهِمُ ٱلَّتِي كانُوا عَلَيْهَا }
    [البقرة: 142] وكانت قريش تَأْلَف الكعبة، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بغير ما أَلِفوه ليَظهر مَن يتبع الرسولَ ممن لا يتبعه. وقرأ الزّهري «إلا ليُعلم» فـ «ـمَن» في موضع رفع على هذه القراءة؛ لأنها ٱسم ما لم يُسَمّ فاعله. وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول...

    وقال السمين

    . وقرىء: " عمَّا يعملون " بالغَيْبة ردَّاً على الذين أوتوا الكتاب أو رَدَّاً على المؤمنين ويكون/ التفاتاً من خطابِهم بقولِه: " وجوهكم - كنتم ". وبالخطاب على ردِّه للمؤمنين وهو الظاهرُ، أو للذين على الالتفات تحريكاً لهم وتَنْشِيطاً

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { الحق من ربك } ، { الحقُّ } رفع على إضمار الابتداء والتقدير هو الحق، ويصح أن يكون ابتداء والخبر مقدر بعده، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه { الحقَّ } بالنصب، على أن العامل فيه { يعلمون } ، ويصح نصبه على تقدير: الزم الحق.

    وقال السمين

    قوله: { هُوَ مُوَلِّيهَا } جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ رفعٍ لأنَّها صفةٌ لوِجْهَة، واختُلِف في " هو " على قولين، أحدَهما: أنه يعودُ على لفظِ " كل " / لا على معناها ولذلك أُفْرِدَ، والمفعول الثاني محذوف لفهمِ المعنى تقديرُه هو مُوَلِّيها وَجْهَه أو نفسَه، ويؤيد هذا قراءةُ ابن عامر: " مُوَلاَّها " على ما لم يُسَمَّ فاعلُه كما سيأتي. والثاني: أنه يعودُ على اللهِ تعالى أي: الله مُوَلِّي القبلةِ إياه، أي ذلك الفريقُ.

    وقرأ الجمهورُ: " مُوَلِّيها " على اسمُ فاعل، وقد تقدَّم أنه حُذِفَ أحدُ مفعولَيْه، وقرأ ابن عامر - ويُعْزَى لابن عباس - مُوَلاَّها على اسمِ المفعول، وفيه ضميرٌ مرفوعٌ قائمٌ مقامَ الفاعلِ، والثاني هو الضميرُ المتصلُ به وهو " ها " العائدُ على الوجهة، وقيل: على التوليةِ ذكره أبو البقاء، وعلى هذه القراءةِ بتعيَّن عَوْدُ " هو " إلى الفريق، إذ يَسْتَحِيلُ في المعنى عَوْدُه على الله تعالى، وقرأ بعضُهم: " ولكلِّ وِجْهَةٍ " " بالإِضافة، ويُعزى لابنِ عامر، واختلفوا فيها على ثلاثةِ أقوالٍ أحدُها: - وهو قولُ الطبري -: أنها خطأ وهذا ليس بشيء، إذ الإِقدامُ على تخطئة ما ثَبَتَ عن الأئمةِ لا يَسْهُلُ.

    والثاني - وهو قولُ الزمخشري وأبي البقاء: أنَّ اللامَ زائدةٌ في الأصلِ، قال الزمخشري: " المعنى وكلَّ وجهةٍ اللهُ مُولِّيها، فزيدتِ اللامُ لتقدُّمَ المفعولِ، كقولِك: لزيدٍ ضَرَبْتُ، ولزيدٍ أبوه ضاربه.

    قال الشيخ: وهذا فاسدٌ لأنَّ العاملَ إذا تعدَّى لضمير الاسم لم يتعدَّ إلى ظاهرِه المجرورِ باللام لا تقولُ: لزيدٍ ضَرَبْتُه، ولا: لزيدٍ أنا ضَاربُه، لئلا يلزَم أحدُ محذورَيْن، وهما: إمَّا لأنه يكونُ العاملُ قوياً ضعيفاً، وذلك أنه من حيث تَعَدَّى للضمير بنفسِه يكون قوياً ومن حيث تَعَدَّى للظاهرِ باللامِ يكون ضعيفاً، وإمَّا لأنَّه يَصير المتعدِّي لواحدٍ متعدِّياً لاثنينِ، ولذلك تَأَوَّلَ النَّحْويون ما يُوهِمُ ذلك وهو قولُه:
    771 ـ هذا سُراقَةُ للقرآنِ يَدْرُسُه والمرءُ عند الرُّشا إنْ يَلْقَهَا ذِيْبُ
    على أنَّ الضميرَ في " يدرسه " للمصدرِ، أي: يدرس الدرسَ لا للقرآن، لأن الفعلَ قد تعدَّى إليه. وأمَّا تمثيلُه بقوله: " لزيدٍ ضَرَبْتُ " فليس نظيرَ الآية لأنه لم يَتَعَدَّ في هذا المثال إلى ضميره، ولا يجوز أن تكونَ المسألةُ من باب الاشتغال، فتقدِّرَ عاملاً في " لكلِّ وِجْهةٍ " يفسِّره " مُولِّيها " لأنَّ الاسمَ المشتغِلَ عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرفٍ ينتصبُ ذلك الاسم بفعل يوافِقُ العاملَ الظاهرَ في المعنى، ولا يجوزُ جَرُّ المشتغلِ عنه بحرفٍ، تقول: زيداً مررت به أي: لابست زيداً مررتُ به، ولا يجوزُ: لزيدٍ مررتُ به، قال تعالى:
    { وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ }
    [الإنسان: 31] وقال:
    772 - أثعلبَةَ الفوارسٍ أم رياحا عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا
    فأتى بالمشتغَلِ عنه منصوباً، وأمَّا تمثيلُه بقولِه: لزيدٍ أبوه ضاربُه فتركيبٌ غيرُ عربي.

    الثالث: أن " لكلَّ وجهةٍ " متعلِّقٌ بقوله: " فاستبقوا الخيراتِ " أي: فاستبقوا الخيراتِ لكلِّ وجهةٍ، وإنما قُدِّم على العاملِ للاهتمامِ به، كما يُقَدَّمُ المفعولُ، ذكرَه ابنُ عطية، ولا يجوزُ أَنْ تُوَجَّه هذه القراءةُ على أنَّ " لكلِّ وجهةٍ " في موضعِ المفعولِ الثاني لمولِّيها، والمفعولُ الأولُ هو المضافُ إليه اسمُ الفاعل الذي هو " مُوَلٍّ " وهو " ها " ، وتكون عائدةً على الطوائفِ، ويكونُ التقديرُ: وكلَّ وجهةٍ اللهُ مُوَلِّي الطوائفِ أصحابِ القِبْلاتِ، وزيدتْ اللامُ في المفعولِ لتقدُّمه ويكونُ العامِلُ فرعاً؛ لأنَّ النَحْويين نَصُّوا على أنه لا يجوزُ زيادةُ اللامِ للتقويةِ إلا في المتعدي لواحد فقط، و " مُوَلٍّ " مِمَّا يتعدَّى لاثنين، فامتنع ذلك فيه. وهذا المانعُ هو الذي مَنَعَ من الجوابِ عن الزمخشري فيما اعترَضَ به عليه الشيخُ من كونِ الفعلِ إذا تعدَّى للظاهرِ فلا يتعدَّى لضميرِه، وهو أنه كان يمكن أن يُجابَ عنه بأَنَّ الضميرَ المتصل بـ " مُوَلّ " ليس بضميرِ المفعولِ بل ضميرُ المصدرِ وهو التوليةُ، ويكون المفعولُ الأولُ محذوفاً، والتقدير: اللهُ " مُولِّي التوليةِ كلَّ وجهةٍ أصحابَها، فلما قُدِّمَ المفعولُ على العاملِ قَوِي باللامِ لولا أنهم نَصُّوا على المنعِ مِنْ زيادتِها في المتعدِّي لاثنينِ وثلاثة.

    وقال الطبري

    والصواب عندنا من القراءة فـي ذلك { وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها } بـمعنى ولكلّ وجهة وقبلة، ذلك الكلُّ مولّ وجهه نـحوها، لإجماع الـحجة من القراء علـى قراءة ذلك كذلك وتصويبها إياها، وشذوذ من خالف ذلك إلـى غيره. وما جاء به النقل مستفـيضاً فحجة، وما انفرد به من كان جائزاً علـيه السهو والـخطأ فغير جائز الاعتراض به علـى الـحجة

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة الثالثة والعشرون(القراءات والفقه الاسلامى)

    { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ }

    قال ابن عطية

    واختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة فمذهب مالك والشافعي أن ذلك فرض ركن من أركان الحج لا يجزي تاركه أو ناسيه إلا العودة، ومذهب الثوري وأصحاب الرأي أن الدم يجزيء تاركه وإن عاد فحسن، فهو عندهم ندب، وروي عن أبي حنيفة: إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، وقال عطاء ليس على تاركه شيء لا دم ولا غيره، واحتج عطاء بما في مصحف ابن مسعود " أن لا يطوف بهما " وهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها في قولها لعروة حين قال لها " أرأيت قول الله: { فلا جناح أن يطوف بهما }؟ فما نرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما " قالت: " يا عروة كلا لو كان ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بها ".

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وأيضاً فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع إلى معنى أن يطوف وتكون " لا " زائدة صلة في الكلام، كقوله
    { ما منعك ألا تسجد }
    [الأعراف: 12]، وكقول الشاعر: [البسيط]

    ما كان يرضى رسولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ والطِّيبانِ أبو بَكْرٍ ولا عمرُ
    أي وعمر وكقول الآخر: [الرجز]

    وما ألومُ البِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا
    ومذهب مالك وأصحابه في العمرة أنها سنة إلا ابن حبيب فإنه قال بوجوبها، وقرأ قوم من السبعة وغيرهم " ومن يطوع " بالياء من تحت على الاستقبال والشرط، والجواب في قوله { فإن } ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم " تطوع " على بابه في المضي، فـ { من } على هذه القراءة بمعنى الذي، ودخلت الفاء في قوله { فإن } للإبهام الذي في { من } ، حكاه مكي، وقال أبو علي: يحتمل " تطوع " أن يكون في موضع جزم و { من } شرطية، ويحتمل أن تكون { من } بمعنى الذي والفعل صلة لا موضع له من الإعراب، والفاء مؤذنة أن الثاني وجب لوجوب الأول، ومن قال بوجوب السعي قال: معنى { تطوع } أي زاد براً بعد الواجب، فجعله عاماً في الأعمال، وقال بعضهم: معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة، ومن لم يوجب السعي قال: المعنى من تطوع بالسعي بينهما، وفي قراءة ابن مسعود " فمن تطوع بخير "

    { إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

    قال السمين

    قوله: { وَظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ } الجمهورُ على جَرِّ الملائكة نَسفَاً على اسمِ الله. وقرأ الحسن بالرفع: { وَظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ وَظ±لنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ، وخَرَّجَها النحويون على العطفِ على موضعِ اسمِ الله تعالى، فإنَّه وإنْ كان مجروراً بإضافةِ المصدرِ إليه فموضعُه رفعٌ بالفاعليةِ لأنَّ هذه المصدرَ ينحلُّ لحرفٍ مصدريٍ وفِعْلٍ، والتقدير: أَنْ لَعَنَهم، أو أَنْ يَلْعَنَهم اللهُ، فَعَطَفَ " الملائكةُ " على هذا التقدير، قال الشيخ: " وهذا ليس بجائزٍ على ما تقرَّر من العطفِ على الموضعِ، فإنَّ مِنْ شرطِه أن يكونَ ثَمَّ مُحْرِزٌ للموضع وطالبٌ له، والطالبُ للرفعِ وجودُ التنوينِ في المصدرِ، هذا إذا سَلَّمْنا أن " لعنة " تَنْحَلُّ لحرفٍ مصدري وفِعْلٍ، لأنَّ الانحلالِ لذلك شرطُه أَنْ يُقْصَدَ به العلاج، ألا ترى أنَّ قولَه:
    { أَلاَ لَعْنَةُ ظ±للَّهِ عَلَى ظ±لظَّالِمِينَ }
    [هود: 18] ليس المعنى على تقديرِ: أَنْ يَلْعَنَ اللهُ على الظالمين، بل المرادُ اللعنةُ المستقرةُ، وأضيفت لله تعالى على سبيلِ التخصيص لا على سبيل الحدوث " ونقلَ عن سيبويه أن قولَك: " هذا ضاربُ زيدٍ غداً وعمراً " بنصب " عمراً " أنَّ نصبَه بفعلٍ محذوفٍ، وأبى أَنْ ينصِبَه بالعطفِ على الموضعِ، ثم بعد تسليمِه ذلك كلَّه قال: " المصدرُ المنوَّنُ لم يُسْمَعْ بعدَه فاعلٌ مرفوعٌ ومفعولٌ منصوبٌ، إنما قاله البصريون قياساً على أَنْ والفعل ومَنَعَه الفراء وهو الصحيح ".

    ثم إنَّه خَرَّجَ هذه القراءةَ الشاذة على أحدِ ثلاثةِ أوجه، الأولُ: أَنْ تكونَ " الملائكةُ " مرفوعةً بفعلٍ محذوفٍ أي: وتَلْعَنُهم الملائكة، كما نَصَبَ سيبويه " عمراً " في قولك: " ضاربُ زيدٍ وعمراً " بفعلٍ محذوفٍ. الثاني: أن تكونَ الملائكةُ عطفاً على " لعنة " بتقديرِ حَذْفِ مضافٍ: ولَعْنَةُ الملائكةِ، فَلمَّا حُذِفَ المضافُ أٌقيم المضافُ إليه مُقامه. الثالث: أن يكونَ مبتدأً قد حُذِفَ خبرُه تقديره: والملائكةُ والناسُ أجمعون تَلْعَنُهم ". وهذه أوجهٌ متكلفة، وإعمالُ المصدرِ المنونِ ثابتٌ، غايةُ ما في الباب أنه قد يُحْذَفُ فاعله كقوله:
    { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً }
    [البلد: 14] وأيضاً فقد أَتْبَعَتِ العربُ المجرورَ بالمصدرِ على مَوْضِعَيْه رفعاً على الشاعر:
    784 -..................... مَشْيَ الهَلوكِ عليها الخَيْعَلُ الفَضُلَ
    برفع " الفُضُلُ " وهي صفةٌ للهَلوك على الموضعِ؛ وإذا ثَبَتَ ذلك، في النعتِ ثَبَتَ في العطفِ لأنهما تابعان من التوابعِ الخمسةِ. و " أجمعين " من ألفاظِ التأكيدِ المعنوي بمنزلة " كل ".

  9. #24
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة الرابعة والعشرون

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } قرأ حمزة والكسائي «الريح» على الإفراد، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والرُّوم وفاطر والشُّورى والجاثية؛ لا خلاف بينهما في ذلك. ووافقهما ٱبن كثير في الأعراف والنمل والرُّوم وفاطر والشُّورى. وأفرد حمزة { الرِّيح لواقح }. وأفرد ٱبن كَثير { وَهُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرِّيحَ } في الفُرقان. وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم والشورى فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع؛ ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع. والذي ذكرناه في الرُّوم هو الثاني
    { ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ }
    [الروم: 48]. ولا خلاف بينهم في
    { ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ }
    [الروم:46]. وكان أبو جعفر يزيد بن القَعْقَاع يجمع الرياح إذا كان فيها ألف ولام في جميع القرآن؛ سوى
    { تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ }
    [الحج: 31] و
    { ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ }
    [الذاريات: 41]. فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد. فمن وجّد الريح فلأنه ٱسم للجنس يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهبّ منها الرياح. ومن جمع مع الرحمة ووحّد مع العذاب فإنه فعل ذلك ٱعتباراً بالأغلب في القرآن؛ نحو: { ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } و { ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ } فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب؛ إلا في يونس في قوله:
    { وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ }
    [يونس: 22]. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذَا هَبت الرّيح: " اللَّهُمَّ ٱجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة ليّنة متقطّعة فلذلك هي رياح. فأفرِدت مع الفُلْك في «يونس»؛ لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متّصلة ثم وُصفت بالطّيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب.

  10. #25
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة الخامسة والعشرون

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ } قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء؛ وهو ٱختيار أبي عبيد. وفي الآية إشكال وحذف؛ فقال أبو عبيد: المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القُوّة لله جميعاً. و «يرى» على هذا من رؤية البصر. قال النحاس في كتاب «معاني القرآن» له: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقال في كتاب «إعراب القرآن» له: وروي عن محمد بن يزيد أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة؛ لأنه يقدّر: ولو يرى الذين ظلموا العذاب؛ فكأنه يجعله مشكوكاً فيه وقد أوجبه الله تعالى؛ ولكن التقدير وهو قول الأخفش: ولو يرى الذين ظلموا أن القوّة لله.

    و «يرى» بمعنى يعلم؛ أي لو يعلمون حقيقة قوّة الله عزّ وجلّ وشدّة عذابه؛ فـ «ـيرى» واقعة على أن القوّة لله، وسدّت مَسدّ المفعولين. و «الذين» فاعل «يرى»، وجواب «لو» محذوف؛ أي ليتبيّنُوا ضرر ٱتخاذهم الآلهة؛ كما قال عزّ وجلّ:
    { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ }
    [الأنعام: 27]،
    { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ }
    [الأنعام: 30] ولم يأت لـ «ـلَوْ» جواب. قال الزهري وقتادة: الإضمار أشدّ للوعيد؛ ومثله قول القائل: لو رأيتَ فلاناً والسياط تأخذه! ومن قرأ بالتاء فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه وٱستعظامهم له لأقرّوا أن القوّة لله؛ فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في «أنّ». وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوّة لله جميعاً. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمّته؛ فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمد للظالم هذا. وقيل: «أنّ» في موضع نصب مفعول من أجله؛ أي لأن القوة لله جميعاً. وأنشد سيبويه:
    وأغفرُ عوراءَ الكريم ٱدّخارَه وأَعْرِضُ عن شتم اللئيم تكَرُّما
    أي لادخاره؛ والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأنّ القوّة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حَلَّ بهم. ودخلت «إذ» وهي لمَا مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه. وقرأ ٱبن عامر وحده «يرون» بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وشَيبة وسَلاَّم وأبو جعفر «إن القوّة، وإن الله» بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول؛ أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوّة لله. وثبت بنصّ هذه الآية القوّة لله، بخلاف قول المعتزلة في نَفْيهم معاني الصفات القديمة؛ تعالى الله عن قولهم.

    وقال السمين

    قوله: { وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ } جوابُ لو محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديره، ولا يَظْهَرُ ذلك إلا بعد ذِكْرِ القراءت الواردة في ألفاظِ هذه الآيةِ الكريمة: قرأ ابنُ عامر ونافع: " ولو ترى " بتاءِ الخطابِ، و " أن القوة " و " أن الله بفتحِهما، وقرأ ابنُ عامر: " إذ يُرَوْن " بضم الياء، والباقون بفتحِهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون: " ولو يرى " بياء الغيبة، " أنَّ القوة " و " أنَّ الله " بفتحِهما، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة ويعقوب وأبو جعفر: " ولو تَرَى " بالخطاب، " إن القوة " و " إن الله " بكسرهما، وقرأت طائفةٌ: " ولو يرى " بياء الغيبة، " إن القوة " و " إن الله " بكسرهما. إذا تقرَّر ذلك فقد اختلفوا في تقديرِ جواب لو، فمنهم مَنْ قَدَّره قبل قولِه: " أن القوة " ومنهم مَنْ قدَّره بعد قولِه: " وأنَّ الله شديدُ العذابِ " / وهو قولُ أبي الحسن الأخفش والمبرد. أمَّا مَنْ قَدَّره قبل " أنَّ القوةَ " فيكونُ " أنَّ القوةَ " معمولاً لذلك الجوابِ. وتقديرُه على قراءةِ ترى - بالخطاب - وفتح أنَّ وأنَّ: لعلِمْتَ أيها السامعُ أنَّ القوةَ لله جميعاً، والمرادُ بهذا الخطابِ: إمّا النبيُّ عليه السلام وإمّا كلُّ سامعٍ. وعلى قراءةِ الكسرِ في " إنّ " يكونُ التقديرُ: لقلت إنَّ القوةَ لله جميعاً، والخلافُ في المرادِ بالخطاب كما تقدَّم، أو يكونُ التقديرُ: لاستعظَمت حالَهم، وإنما كُسِرَتْ " إنَّ " لأنَّ فيها معنى التعليل نحو قولك: لو قَدِمْتَ على زيد لأحْسنَ إليك إنَّه مكرمٌ للضِّيفان، فقولك: أنه مكرِمٌ للضِّيفان " عِلَّةٌ لقولِك " أَحْسَنَ إليك ".

    وقال ابنُ عطية: " تقديرُه: ولو ترى الذين ظَلَموا في حال رؤيتهم العذابَ وفزعهم منه واستعظامِهم له لأقَرُّوا له لأقَرُّوا أنَّ القوةَ لله جميعاً " وناقشه الشيخ فقال: " كان ينبغي أن يقولَ: في وقتِ رؤيتهم العذابَ فيأتي بمرادف " إذ " وهو الوقتُ لا الحالُ، وأيضاً فتقديرُه لجوابِ " لو " غيرُ مُرَتَّبٍ على ما يلي " لو " ، لأنَّ رؤية السامعِ أو النبي عليه السلام الظالمينَ في وقتِ رؤيتهم لا يترتَُّبُ عليها إقرارُهم بأنّ القوة لله جميعاً، وهو نظيرُ قولِك: " يا زيدُ لو ترى عَمْراً في وقتِ ضَرْبِه لأقَرَّ أنَّ الله قادِرٌ عليه " فإقرارُه بقدرةِ الله ليست مترتبةً على رؤيةِ زيد " انتهى.

    وتقديرُه على قراءةِ " يرى " بالغيبة: لعلموا أنَّ القوةَ، إنْ كان فاعل " يرى " " الذين ظلموا " ، وإن كان ضميراً يعودُ على السامعِ فيُقَدَّرُ: لَعَلِمَ أنَّ القوة.

    وأمَّا مَنْ قَدَّره بعدَ قولِه: شديدُ العذاب فتقديرُه على قراءة " ترى " بالخطابِ: لاستعظَمْتَ ما حلَّ بهم، ويكونُ فتحُ " أنَّ " على أنه مفعولٌ من أجلِه، أي: لأنَّ القوةَ لله جميعاً، وكَسْرُها على معنى التعليلِ نحو: " أكرِمْ زيداً إنه عالم، وأَهِنْ عمراً إنَّه جاهلٌ " ، أو تكونُ جملةً معترضةً بين " لو " وجوابِها المحذوفِ. وتقديرُه على قراءةِ " ولو يرى " بالغيبة إن كان فاعلُ " يرى " ضميرَ السامعِ: لاستعظَمَ ذلك، وإنْ كان فاعلُه " الذين " كان التقديرُ: لاستعظَموا ما حَلَّ بهم، ويكونُ فتحُ " أنَّ " على أنها معمولةٌ ليرى، على أن يكونَ الفاعلُ " الذين ظلموا " ، والرؤيةُ هنا تحتِملُ أن تكونَ من رؤيةِ القلبِ فتسدَّ " أنَّ " مسدَّ مفعولهما، وأن تكونَ من رؤية البصرِ فتكونَ في موضعِ مفعولٍ واحدٍ.

    وأمَّا قراءةُ " يرى الذين " بالغَيبة وكسرِ " إنَّ " و " إنَّ " فيكونُ الجوابُ قولاً محذوفاً وكُسِرتَا لوقوعِهما بعد القولِ، فتقديرُه على كونِ الفاعلِ ضميرَ الرأي: لقال إنَّ القوةَ؛ وعلى كونه " الذين ": لقالوا: ويكونُ مفعولُ " يرى " محذوفاً أي: لو يرى حالهم. ويُحتمل أن يكونَ الجوابُ: لاستَعْظَم أو لاستَعْظَموا على حَسَبِ القولين، وإنما كُسِرتا استئنافاً، وحَذْفُ جوابِ " لو " شائعٌ مستفيضٌ، وكثُر حَذْفهُ في القرآن. وفائدةُ حَذْفِه استعظامُه وذهابُ النفسِ كلَّ مذهبٍ فيه بخلافِ ما لو ذُكِر، فإنَّ السامعَ يقصُر هَمَّه عليه،....

    وقراءةُ ابنِ عامر " يُرَوْنَ العذاب " مبنياً للمفعول مَنْ أَرَيْتُ المنقولةِ من رَأَيْتُ بمعنى أبصرتُ فتعدَّتُ لاثنين، أولُهما قامَ مَقامَ الفاعلِ وهو الواو، والثاني هو " العذابُ " ، وقراءةُ الباقين واضحةٌ.

    وقال الراغبُ: " قوله ": " أنَّ القوة " بدلٌ من " الذين " قال: " وهو ضعيفٌ " قال الشيخ: " ويصيرُ المعنى: ولو تَرى قوةَ الله وقدرَتَه على الذين ظلموا ". وقال في " المنتخب ": " قراءةُ الياء عند بعضهم أَوْلَى من قراءة التاء " ، قال: " لأنَّ النبيَّ عليه السلام والمؤمنين قد عَلِموا قَدْرَ ما يُشَاهِدُه الكفارُ، وأمّا الكفارُ فلم يَعْلَمُوه فوجَبَ إسنادُ الفعلِ إليهم " وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ القراءَتَيْنِ متواتِرتان.

    وقال الطبري

    قال أبو جعفر والصواب من القراءة عندنا فـي ذلك { وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا } بـالتاء من «ترى» { إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوَةَ للّهِ جَميعاً وأنَّ اللَّه شَدِيدُ العَذَابِ } بـمعنى لرأيت أن القوة للّه جميعاً وأن الله شديد العذاب، فـيكون قوله «لرأيت» الثانـية مـحذوفة مستغنى بدلالة قوله «ولو ترى الذين ظلـموا» عن ذكره، وإن كان جوابـاً للو ويكون الكلام وإن كان مخرجه مخرج الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم معنـيا به غيره، لأن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالـماً بأن القوّة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب، ويكون ذلك نظير قوله
    { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ }
    البقرة 107 وقد بـيناه فـي موضعه. وإنـما اخترنا ذلك علـى قراءة الـياء لأن القوم إذا رأوا العذاب قد أيقنوا أن القوّة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب، فلا وجه أن يقال لو يرون أن القوّة لله جميعاً حينئذ، لأنه إنـما يقال «لو رأيت» لـمن لـم ير، فأما من قد رآه فلا معنى لأن يقال له «لو رأيت». ومعنى قوله { إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ } إذ يعاينون العذاب. كما حدثت عن عمار بن الـحسن، قال ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوةَ لِلّهِ جَمِيعاً وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذَابِ } يقول لو عاينوا العذاب. وإنـما عنى تعالـى ذكره بقوله { وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا } ولو ترى يا مـحمد الذين ظلـموا أنفسهم فـاتـخذوا من دونـي أنداداً يحبونهم كحبكم إياي، حين يعاينون عذابـي يوم القـيامة الذي أعددت لهم، لعلـمتـم أن القوّة كلها لـي دون الأنداد والآلهة، وأن الأنداد والآلهة لا تغنـي عنهم هنالك شيئاً، ولا تدفع عنهم عذابـاً أحللت بهم، وأيقنتـم أنـي شديدٌ عذابـي لـمن كفر بـي وادّعى معي إلهاً غيري.

  11. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة السادسة والعشرون

    { لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلٰوةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }

    قال القرطبي

    قرأ حمزة وحفص «البِرَّ» بالنصب، لأن ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر؛ فلما وقع بعد «ليس»: «البِرّ» نصبه؛ وجعل «أن تُوَلُّوا» الاسمِ، وكان المصدر أولى بأن يكون ٱسماً لأنه لا يتنكّر، والبرّ قد يتنكّر والفعل أقوى في التعريف. وقرأ الباقون «البِرُّ» بالرفع على أنه ٱسم ليس، وخبره «أن تُوَلُّوا»، تقديره: ليس البرّ توليتكم وجوهكم؛ وعلى الأوّل ليس توليتكم وجوهكم البرّ، كقوله:
    { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ }
    [الجاثية: 25]،
    { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ }
    [الروم: 10]
    { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ }
    [الحشر: 17] وما كان مثله. ويقوّي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعاً في قوله:
    { وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا }
    [البقرة: 189] ولا يجوز فيه إلا الرفع؛ فحملُ الأوّل على الثاني أوْلى من مخالفته له. وكذلك هو في مصحف أُبَيّ بالباء «لَّيْسَ ٱلْبِرَّ بأَن تُوَلُّواْ» وكذلك في مصحف ٱبن مسعود أيضاً؛ وعليه أكثر القراء، والقراءتان حسنتان....


    قوله تعالى: { وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ } فقيل: يكون «الموفون» عطفاً على «مَن» لأن من في موضع جمع ومحل رفع؛ كأنه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون؛ قاله الفراء والأخفش. «والصابرين» نصب على المدح، أو بإضمار فعل. والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أوّل الكلام، وينصبونه. فأمّا المدح فقوله:
    { وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ }
    [النساء: 162]. وأنشد الكسائي:
    وكلُّ قومٍ أطاعوا أَمْرَ مُرْشِدِهم إلا نُميراً أطاعت أَمْرَ غاوِيها
    الظاعنين ولما يُظْعِنوا أحدا والقائلون لِمَنْ دارٌ نُخلِّيها
    وأنشد أبو عبيدة:
    لا يَبْعَدن قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ
    النازلين بكل مُعْتَرَكٍ والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ
    وقال آخر:
    نحن بني ضَبَّةَ أصحاب الجَمَل
    فنصب على المدح. وأمّا الذّم فقوله تعالى:
    { مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ }
    [الأحزاب: 61] الآية. وقال عُرْوَة بن الوَرْد:
    سَقَوْني الخمر ثم تَكَنَّفُوني عُدَاةَ اللَّهِ من كَذِب وزورِ
    وهذا مَهْيَع في النعوت، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، موجود في كلام العرب كما بيّنا. وقال بعض من تعسّف في كلامه: إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام؛ قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لَحْناً وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة النساء
    { والْمُقِيمينَ الصَّلاَةَ }
    [النساء: 162]، وفي سورة المائدة
    { وَٱلصَّابِئُونَ }
    [المائدة: 69]. والجواب ما ذكرناه. وقيل: «الموفون» رفع على الابتداء والخبر محذوف، تقديره وهم الموفون. وقال الكسائي: «والصابرين» عطف على «ذوي القربى» كأنه قال: وآتى الصابرين. قال النحاس: «وهذا القول خطأ وغلط بيّن؛ لأنك إذا نصبت «والصابرين» ونسقته على «ذوي القربى» دخل في صلة «من» وإذا رفعت «والموفون» على أنه نسق على «مَن» فقد نسقت على «مَن» مِن قبل أن تتم الصلة، وفرّقت بين الصلة والموصول بالمعطوف». وقال الكسائي: وفي قراءة عبد اللَّه «والموفين، والصابرين». وقال النحاس: «يكونان منسوقين على «ذوي القربى» أو على المدح. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد اللَّه في النساء
    { وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ }
    [النساء: 162]. وقرأ يعقوب والأعمش «والموفون والصابرون» بالرفع فيهما. وقرأ الجَحْدَرِيّ «بعهودهم». وقد قيل: إن «والمُوفُون» عطف على الضمير الذي في «آمن». وأنكره أبو عليّ وقال: ليس المعنى عليه؛ إذ ليس المراد أن البرِّ بِرّ من آمن بالله هو والموفون؛ أي آمنا جميعاً. كما تقول: الشجاع من أقدم هو وعمرو؛ وإنما الذي بعد قوله «من آمن» تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم.

    وقال السمين

    قوله: { وَٱلْمُوفُونَ } في رفعه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: - ولم يذكر الزمخشري غيرَه - أنه عطفٌ على " مَنْ آمن " ، أي: ولكنَّ البِرَّ المؤمنون والموفون. والثاني: أن يَرْتفعَ على خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هم المُوفون. وعلى هذينِ الوجهين فنصْبُ " الصابرين " على المدحِ بإضمارِ فعلٍ، وهو في المعنى عَطْفٌ على " مَنْ آمن " ، ولكنْ لَمَّا تكرَّرت الصفاتُ خُولف بين وجوه الإِعرابِ.

    قال الفارسي: " وهو أبلغُ لأنَّ الكلامَ يَصِيرُ على جملٍ متعددةٍ، بخلافِ اتفاق الإِعراب فإنه يكونُ جملةً واحدةً، وليس فيها من المبالغةِ ما في الجملِ المتعددةِ.

    فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ على هذين الوجهين أن يكونَ معطوفاً على " ذوي القربى " أي: وآتى المالَ الصابرين؟ قيل: لئلاَّ يلزمَ من ذلك محذورٌ وهو الفصلُ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه الذي هو في حكمِ الصلة بأجنبي وهو الموفون. والثالث: أن يكونَ " الموفون " عطفاً على الضمير المستتر في " آمَنَ " ، ولم يُحْتَجْ إلى التأكيدِ بالضميِر المرفوعِ المنفصلِ لأنَّ طولَ الكلامِ أغنى عن ذلك. وعلى هذا الوجهِ يجوزُ في " الصابرين " وجهان، أحدُهما: النصبُ بإضمارِ فعلٍ كما تقدَّم، والثاني: العطفُ على " ذوي القربى " ، ولا يَمْنَعُ من ذلك ما تقدَّم من الفصلِ بالأجنبي، لأنَّ الموفين على هذا الوجه داخلٌ في الصلةِ فهو بعضُها لا أجنبيٌّ منها...

    وقال الطبري

    وقد زعم بعضهم أن قوله { وَالصَّابِرِينَ فِـي البَأساءِ } نصب عطفـاً علـى السائلـين، كأن معنى الكلام كان عنده وآتـى الـمال علـى حبه ذوي القربى والـيتامى والـمساكين وابن السبـيـل والسائلـين والصابرين فـي البأساء والضراء. وظاهر كتاب الله يدل علـى خطأ هذا القول، وذلك أن الصابرين فـي البأساء والضراء هم أهل الزمانة فـي الأبدان وأهل الإقتار فـي الأموال، وقد مضى وصف القوم بإيتاء من كان ذلك صفته الـمال فـي قوله { وَالَـمساكينَ وَابْنَ السَّبِـيـلِ وَالسَّائِلِـينَ } وأهل الفـاقة والفقر هم أهل البأساء والضراء، لأن من لـم يكن من أهل الضراء ذا بأساء لـم يكن مـمن له قبول الصدقة، وإنـما له قبولها إذا كان جامعاً إلـى ضرائه بأساء، وإذا جمع إلـيها بأساء كان من أهل الـمسكنة الذين قد دخـلوا فـي جملة الـمساكين الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله { وَالصَّابرِينَ فـي البأساء }. وإذا كان كذلك ثم نصب الصابرين فـي البأساء بقوله { وآتـى الـمالَ علـى حُبِّهِ } كان الكلام تكريراً بغير فـائدة معنى، كأنه قـيـل وآتـى الـمال علـى حبه ذوي القربى والـيتامى والـمساكين، والله يتعالـى عن أن يكون ذلك فـي خطابه عبـاده ولكن معنى ذلك ولكنّ البرّ من آمن بـالله والـيوم الآخر، والـموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين فـي البأساء والضراء. والـموفون رفع لأنه من صفة «مَنْ»، و«مَنْ» رفعٌ فهو معرب بإعرابه، والصابرين نصب وإن كان من صفته علـى وجه الـمدح الذي وصفنا قبل.

  12. #27
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة السابعة والعشرون

    { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

    قال السمين

    قوله: { يُطِيقُونَهُ } الجمهورُ على " يُطِيقُونه " من أطاق يُطِيق، مثل أَقامَ يُقيم. وقَرَأَ حُميد: " يُطْوِقُونه " من أَطْوقَ، كقولهم: أَطْوَلَ في أَطال، وأَغْوَلَ في أَغال، وهذا تصحيحٌ شاذ، ومثله في الشذوذ من ذواتِ الواو: أَجْوَدَ بمعنى أجاد، ومِنْ ذوات الياء: أَغْيَمتِ السماءُ وأَجْيَلَت، وأَغْيَلَتِ المرأة، وأَطْيَبَت، وقد جاء الإِعلال في الكلِ وهو القياسُ، ولم يَقُلْ بقياسِ نحو: " أَغْيَمَت " و " أطْوَل " إلا أبو زيد.

    وقرأ ابن عباس وابن مسعود: " يُطَوَّقونه " مبنياً للمفعول من طَوَّق مضعفاً على وزنِ قَطَّع. وقرأت عائشة وابن دينار: " يَطَّوَّقُونَه " بتشديد الطاء والواو من أَطْوَقَ، وأصلُه تَطَوَّق، فَلَمَّا أُريد إدغامُ التاءِ في الطاء قُلِبَتْ طاءً، واجْتُلِبَتِ همزةُ الوصل لتمكُّنِ الابتداءِ بالساكن، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك في قولِه:
    { أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا }
    [البقرة: 158]. وقرأ عكرمة وطائفةٌ: " يَطَّيَّقونُه " بفتحِ الياء وتَشْدِيد الطاء والياء، وتُرْوى عن مجاهدٍ أيضاً. وقُرىء أيضاً هكذا لكن ببناءِ الفعل للمفعول.

    وقد رَدَّ بعضُ الناسِ هذه القراءةَ. وقال ابن عطية: " تشديدُ الياء في هذه اللفظةِ ضعيفٌ " وإنما قالوا بِبُطْلاَنِ هذه القراءةِ لأنها عندهم من ذوات الواوِ وهو الطَّوْق، فمن أين تَجِيءُ الياءُ؟ وهذه القراءةُ ليست باطلةً ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنٌ: وهو أنَّ هذه القراءةَ ليست مِنْ تَفَعَّل حتى يلزمَ ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من تَفَيْعَل، والأصلُ: تَطَيْوَق من الطَّوْقِ، كتَدَيَّر وتَحَيَّر من الدَّوَران، والحَوْر، والأصلُ: تَدَيْوَر وتَحَيْوَرَ، فاجتمعت الياءُ والواوُ، وسبقت إحداهما بالسكونِ فقُلِبَت الواوُ ياءً، وأُدْغِمَت الياءُ في الياءِ، فكان الأصلُ: يَتَطَيْوَقُونه، ثم أُدْغِمَ بعد القلبِ، فَمَنْ قَرَأَه " يَطَّيَّقونه " بفتح الياءِ بناه للفاعل، ومَنْ ضَمَّها بَناه للمفعول. وتَحْتَمِل قراءةُ التشديد في الواوِ أو الياءِ أن تكونَ للتكلفِ، أي: يتكلَّفون إطاقَتَه، وذلك مجازٌ من الطَّوْقِ الذي هو القِلاَدَةُ، كأنه بمنزلةِ القِلادَةِ في أَعْنَاقِهِم.

    وأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أنَّ " لا " محذوفةٌ قبلَ " يُطِيقُونَه " وأنَّ التقديرَ: " لا يُطيقونه " ....

    و " فِدْيَةٌ " مبتدأٌ، خبرُهُ في الجارِّ قبلَه. والجماعةُ على تنوينِ " فِدْيَة " ورفع " طعام " وتوحيدِ " مسكين " وهشامٌ كذلك إلاَّ أنه قرأ: " مساكين " جمعاً، ونافع وابنُ ذكوان بإضافة " فدية " إلى " طعام مساكين " جمعاً. فالقراءةُ الأولى يكونُ " طعام " بدلاً من " فِدْية " بَيَّن بهذا البدلِ المرادَ بالفدية، وأجازَ أبو البقاء أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوف، أي: هي طعام. وأما إضافة الفِدْية للطعامِ فمِنْ باب إضافة الشيء إلى جنسه، والمقصودُ به البيانُ كقولِك. خاتَمُ حديدٍ وثوبُ خَزٍّ وبابُ ساجٍ، لأنَّ الفِدْيَةَ تكونُ طعاماً وغيرَه. وقال بعضهم: " يجوزُ أن تكونَ هذه الإِضافة من بابِ إضافة الموصوفِ إلى الصفةِ، قال: " لأنَّ الفديةَ لها ذاتٌ وصفتُها أنَّها طعامٌ " وهذا فاسدٌ، لأنَّه: إمَّا أنَّ يريدَ بطعام المصدر بمعنى الإِطعام كالعَطاءِ بمعنى الإِعطاء، أو يريدَ به المفعولَ، وعلى كِلا التقديرين فلا يُوصف به؛ لأن المصدرَ لا يُوصَفُ به إلا عند المبالغةِ، وليسَتْ مُرادةً هنا، والذي بمعنى المفعولِ ليس جارياً على فِعْلٍ ولا ينقاسُ، لا تقولُ: ضِراب بمعنى مَضْروب، ولا قِتال بمعنى مَقْتُول، ولكونِها غيرَ جاريةً على فِعْلٍ لم تعملْ عَمَله، لا تقول: " مررت برجلٍ طعامٍ خبزُه " وإذا كانَ غيرَ صفةٍ فكيفَ يقال: أُضيف الموصوفُ لصفتِه؟

    وإنَّما أُفْرِدَت " فِدْية " لوجهين، أحدُهما: أنَّها مصدرٌ والمصدرُ يُفْرَدُ، والتاء فيها ليست للمَرَّة، بل لِمُجَرَّدِ التأنيث. والثاني: أنه لَمَّا أضافها إلى مضافٍ إلى الجمع أَفْهَمَتِ الجَمْعَ/، وهذا في قراءةِ " مساكين " بالجمع. ومَنْ جمع " مساكين " فلمقابلةِ الجمع بالجمعِ، ومَنْ أَفْرَدَ فعلى مراعاةِ إفرادِ العمومِ، أي: وعلى كلِّ واحدٍ مِمَّن يُطيق الصومَ لكلِّ يوم يُفْطِرُه إطعامُ مسكين. ونظيرهُ:
    { وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً }
    [النور: 4].

    وتَبَيَّن مِنْ إفراد " المسكين " أنَّ الحكم لِكلِّ يومٍ يُفْطِرُ فيه مسكينٌ، ولا يُفْهَم ذلك من الجَمْعِ. والطعامُ: المرادُ به الإِطعامُ، فهو مصدرٌ، ويَضْعُفُ أنْ يُراد به المفعولُ، قال أبو البقاء: " لأنه أضافه إلى المسكين، وليس الطعامُ للمسكين قبل تمليكِه إياه، فلو حُمِلَ على ذلك لكان مجازاً، لأنه يصير تقديرُه: فعليه إخراجُ طعامٍ يصيرُ للمساكين، فهو من باب تسميةِ الشيءِ، بما يَؤُول إليه، وهو وإنْ كان جائزاً إلا أنه مجازٌ والحقيقةُ أولى منه ".

    وقال القرطبي

    وٱختلف العلماء في المراد بالآية؛ فقيل: هي منسوخة. روى البخاري: «وقال ٱبن نُمير حدّثنا (الأعمش حدّثنا) عمرو بن مُرّة حدّثنا ٱبن أبي ليلى حدّثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: نزل رمضان فشّق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }. وعلى هذا قراءة الجمهور «يطيقونه» أي يقدرون عليه؛ لأن فرض الصيام هكذا: من أراد صام ومن أراد أطعم مسكيناً. وقال ٱبن عباس: نزلت هذه الآيةُ رخصة للشيوخ والعجزة خاصّة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم، ثم نُسخت بقوله
    { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }
    [البقرة: 185] فزالت الرُّخصة إلا لمن عجز منهم. قال الفّراء: الضمير في «يطيقونه» يجوز أن يعود على الصيام؛ أي وعلى الذين يطيقون الصيام أن يطعموا إذا أفطروا، ثم نسخ بقوله: { وَأَن تَصُومُواْ }. ويجوز أن يعود على الفداء؛ أي وعلى الذين يطيقون الفداء فِدْية. وأما قراءة «يُطَوَّقونه» على معنى يكلَّفونه مع المشقة اللاحقة لهم؛ كالمريض والحامل فإنهما يقدران عليه لكن بمشقة تلحقهم في أنفسهم، فإن صاموا أجزأهم وإن ٱفتدوا فلهم ذلك. ففّسر ٱبن عباس ـ إن كان الإسناد عنه صحيحاً ـ «يطيقونه» يُطَوّقونه ويتكلفونه فأدخله بعض النقلة في القرآن....

  13. #28
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة الثامنة والعشرون

    شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ }: فيه قراءتان، المشهورةُ الرفعُ، وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مبتدأٌ، وفي خبرهِ حينئذٍ قولان، الأولُ: أنه قولُه { ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } ويكون قد ذَكَرَ هذه الجملةَ مَنْبَهَةً على فَضْلِه ومَنْزِلَتِه، يعني أنَّ هذا الشهر الذي أُنْزِلَ فيه القرآنُ هو الذي فُرِضَ عليكم صومُهُ، والقولُ الثاني: أنه قولُه: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وتكونُ الفاءُ زائدةً وذلك على رأي الأخفشِ، وليست هذه الفاء لا تزاد في الخبرِ لشبهِ المبتدأِ بالشرطِ، وإن كان بعضُهم زَعَم أنَّها مثلُ قولِهِ:
    { قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ }
    [الجمعة: 8] وليس كذلك، لأنَّ قولِهِ: { ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ } يُتَوَهَّم فيه عمومٌ بخلاف شهر رمضان. فإنْ قيل: أين الرابطُ بين هذه الجملةِ وبين المبتدأِ؟ قيل: تكرارُ المبتدأِ بلفظِه كقوله:
    843 ـ لا أَرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ..........................
    وهذا الإِعراب - أعني كون " شهر رمضان " مبتدأ - على قولِنا: إن الأيامَ المعدوداتِ هي غيرُ رمضان، أمَّا إذا قُلْنا إنها نفسُ رمضان ففيه الوجهان الباقيان.

    أحدُهما: أن يكون خَبَرَ مبتدأٍ محذوفٍ، فقدَّرَهُ الفراء: ذلكم شهرُ رمضانَ، وقدَّره الأخفش: المكتوبُ شهرُ، والثاني: أن يكونَ بدلاً مِنْ قَوْلِهِ " الصيام " أي: كُتِبَ عليكم شهرُ رمضانَ، وهذا الوجهُ وإن كان ذهب إليه الكسائي بعيدٌ جداً لوجهين، أحدُهما: كثرةُ الفصلِ بين البدلِ والمُبْدَلِ منه. والثاني: أنه لا يكونُ إذ ذاك إلا مِنْ بدلِ الإِشمالِ وهو عكسُ بدلِ الاشتمالِ، لأنَّ بدلَ الاشتمال غالباً بالمصادرِ كقوله:
    { عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ }
    [البقرة: 217]، وقول الأعشى:
    844 ـ لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتُه تَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأَمُ سائِمُ
    وهذا قد أُبْدِلَ فيه الظرفُ من المصدرِ. ويمكن أن يوجَّهَ قولُه بأنَّ الكلامَ على حَذْفِ مضافٍ تقديرُهُ: صيامُ شهر رمضان، وحينئذٍ يكونُ من بابِ [بدلِ] الشيءِ من الشيءِ وهما لعينٍ واحدة. ويجوزُ أن يكونَ الرفعُ على البدلِ من قوله " أياماً معدوداتٍ " في قراءةِ مَنْ رَفَع " أياماً " ، وهي قراءة عبدِ الله وفيه بُعْدٌ.

    وأَمَّا غيرُ المشهورِ فبالنصب، وفيه أوجهٌ، أجودُها، النصبُ بإضمار فعلٍ أي: صُوموا شهرَ رمضانَ. الثاني - وذَكَره الأخفشُ والرُمَّاني -: أن يكونَ بدلاً من قولِهِ " أياماً معدوداتٍ " ، وهذا يُقَوِّي كونَ الأيام المعدودات هي رمضانَ، إلا أن فيه بُعْداً من حيث كثرةُ الفَصْلِ. الثالثَ: نَصْبٌ على الإِغراء ذكره أبو عبيدة والحوفي. الرابع: أَنْ ينتصِبَ بقولِهِ: " وَأَنْ تصوموا " حكاه ابن عطية، وجَوَّزَهُ الزمخشري، وغَلَّطَهما الشيخُ: " بأنَه يَلْزَمُ منه الفصلُ بين الموصولِ وصلِتهِ بأجنبي، لأنَّ الخبرَ وهو " خيرٌ " أجنبي من الموصولِ، وقد تقدَّم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصولِ إلا بعد تمامِ صلتِهِ، و " شهر " على رأيهم من تمامِ صلة " أَنْ " فامتنع ما قالوه.

    وليس لقائلٍ أن يقول: يتخرَّجُ ذلك على الخلافِ في الظرفِ وحَرفِ الجر فإنه يُغْتَفَرُ فيه ذلك عند بعضهم لأنَّ الظاهرَ من نصبِهِ هنا أنه مفعولٌ به لا ظرفٌ ". الخامسُ: أنه منصوبٌ بـ " تَعْملون " على حَذْفِ مضافٍ، تقديرُهُ: تعلمونَ شرفَ شهرِ رمضان فَحُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقَامَهُ في الإِعرابِ.....

    { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }

    قال السمين

    والجمهورُ على " يَرْشُدون " بفتح الياءِ وضمِّ الشينِ، وماضيه رَشَدَ بالفتح وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بخلافٍ عنهما بكسر الشين، وقُرىء بفتحها. وماضيه رَشِد بالكسر، وقرىء، يُرْشَدون " مبنياً للمفعول، وقرىء: " يُرْشِدُونَ " بضم الياء وكسر الشين من أَرْشد. المفعولُ على هذا محذوفٌ تقديرُه: يُرْشِدون غيرَهم.

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة التاسعة والعشرون

    قال ابن عطية

    وابتغوا ما كتب الله لكم }.

    قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عتيبة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: معناه ابتغوا الولد.

    وروي أيضاً عن ابن عباس وغيره أن المعنى وابتغوا ليلة القدر، وقيل: المعنى ابتغوا الرخصة والتوسعة، قاله قتادة، وهو قول حسن، وقرأ الحسن فيما روي عنه ومعاوية بن قرة " واتبعوا " من الاتباع، وجوزها ابن عباس، ورجح { ابتغوا } من الابتغاء.....

    وقرأ الأعمش " في المسجد " بالإفراد، وقال: " وهو المسجد الحرام ".

    قال مالك رحمه الله وجماعة معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات، وروي عن مالك أيضاً أن ذلك في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله.

    وقال قوم: لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة التي تشد المطي إليها حسب الحديث في ذلك.

    وقالت فرقة لا اعتكاف إلا في مسجد نبي.....

    وقال السمين

    وقرىء: " واتَّبِعُوا " من الاتِّباع، وتُرْوى عن ابن عباس ومعاوية ابن قرة والحسن البصري. وفَسَّروا " ما كَتَبَ اللَّهُ " بليلةِ القدر، أي: اتَّبِعوا ثوابها، قال الزمخشري: " وهو قريبٌ من بِدَعِ التفاسير ".......

    قوله { وَتُدْلُواْ بها } في " تَدْلُوا " ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مجزومٌ عطفاً على ما قبلَه، ويؤيِّدهُ قراءة أُبيّ: " ولا تُدْلُوا " بإعادةِ لا الناهيةِ، والثاني: أنَّه منصوبٌ على الصرف، وقد تقدَّم معنى ذلك وأنه مذهبُ الكوفيين، وأنه لم يَثْبُتْ بدليلٍ. والثالث: أنه منصوبٌ بإضمارِ أنْ في جواب النهي، وهذا مذهبُ الأخفشِ، وجَوَّزَهُ ابنُ عطيَّة والزمخشري ومكي وأبو البقاء. قال الشيخ: " وأَمَّا إعرابُ الأخفشِ وتجويزُ الزمخشري ذلك هنا فتلك مسألةُ: " لا تأكل السمك وتشربَ اللبن ". قال النحويون: إذا نُصِبَ لِوَجْهَيْنِ، أحدُهما: أنَّ النهيَ عن الجمعِ لا يَسْتَلْزِمُ النهيَ عن كلِّ واحدٍ منهما على انفرادِهِ، والنهيُ عن كلِّ واحدٍ منهما يَسْتَلْزِمُ النهيَ عن الجمعِ بينهما؛ لأن الجمعَ بينهما حصولُ كلِّ واحدٍ منهما، وكلُّ واحدٍ منهما منهيٌّ عنه ضرورةً، ألا ترى أنَّ أَكْلَ المالِ بالباطلِ حرامٌ سواءً أُفْرِدَ أم جُمِعَ مع غيرهِ من المُحَرَّمات. والثاني - وهو أَقْوَى - أَنَّ قولَه " لِتأكلوا " عِلَّةٌ لِمَا قَبْلَهَا، فلو كان النهيُ عن الجمعِ لم تَصِحَّ العلةُ له، لأنه مركبٌ من شيئين لا تَصِحُّ العلةُ أن تَتَرتَّب على وجودهما، بل إنما تترتَّب على وجودِ أحدهما، وهو الإدلاء بالأموالِ إلى الحكام ".....

    وقرأ الجمهورُ " الحج " بالفتح في جميعِ القرآنِ إلا حمزةَ والكسائي وحفصاً عن عاصم فقرؤوا
    { حِجُّ ظ±لْبَيْتِ }
    [آل عمران: 97] بالكسر، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن، وهل هما بمعنىً واحدٍ أو مختلفان؟ قال سيبويه: " هما مصدران " فالمفتوحُ كالردِّ والشدِّ، والمكسورُ كالذِّكر، وقيل: بالفتحِ هو مصدرٌ، وبالكسرِ هو اسمٌ.....

    ملحوظة

    سمعت من بعض الصالحين يفرق بين قراءة فتح وكسر الحج قائلا احدهما قصد البيت والاخري قصد رب البيت

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,246
    الجوهرة الثلاثون

    { وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ حمزة والكسائي والأعمش " ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم " بالقتل في الأربعة، ولا خلاف في الأخيرة أنها { فاقتلوهم } ، والمعنى على قراءة حمزة والكسائي: فإن قتلوا منكم فاقتلوهم أيها الباقون، وذلك كقوله تعالى:
    { قتل معه ربيون كثير فما وهنوا }
    [آل عمران: 146] أي فما وهن الباقون، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام، لأن غفران الله ورحمته إنما تكون مع ذلك....

    وقال السمين

    قوله: { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ } قرأ الجمهورُ الأفعالَ الثلاثة: " ولا تُقاتلوهم حتى يقاتِلوكم، فإنْ قاتلوكم " بالألف من القتال، وقرأها حمزة والكسائي من غير ألف من القتل. فأما قراءة الجمهور فهي واضحةٌ لأنها نَهْيٌ عن مقدِّمات القتل، فدلالتها على النهي عن القتل بطريقِ الأوْلى. وأمّا قراءةُ الأخوين ففيها تأويلان، أحدُهما: أن يكونَ المجازُ في الفعل، أي: ولا تأخذوا في قتلهم حتى يأخذوا في قَتْلكم. ومنه { قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ } [آل عمران: 146] ثم قال: " فما وَهَنوا " أي ما وَهَن مَنْ بقيَ منهم، وقال الشاعر:
    869 ـ فإنْ تَقْتُلونا نُقَتِّلْكُمُ وإنْ تَفْصِدوا الدَّمَ نَفْصِدِ
    أي: فإنْ تقتلوا بعضنا. وأَجْمَعوا على " فاقتلوهم " أنَّه من القتل، وفيه بشارةٌ بأنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم مُتَمَكِّنون منهم بحيثُ إنكم أَمَرْتُم بقتلِهم لا بقتالِهم لنصرتِكم عليهم وخُذْلانِهم، وهي تؤيِّد قراءةَ الأخوينِ، ويؤيِّدُ قراءةَ الجمهورِ: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }.

صفحة 2 من 21 الأولىالأولى 12345612 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •