صفحة 15 من 29 الأولىالأولى ... 511121314151617181925 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 211 إلى 225 من 428

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #211
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثامنة عشر بعد المائتين

    قال السمين

    قوله: " ورِئْياً " الجمهورُ على " رِئْياً " الجمهورُ على " رِئْيا " بهمزةٍ ساكنةٍ بعدَها ياءٌ صريحةٌ وَصْلاً ووفقاً، وحمزةُ إذا وَقَفَ يُبْدِلُ هذه الهمزةَ ياءً على أصلِه في تخفيفِ الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإِظهارُ اعتباراً بالأصل، والإِدغامُ اعتباراً باللفظ، وفي الإِظهار صعوبةٌ لا تَخْفَى، وفي الإِدغامِ إبهامُ أنها مادةٌ أخرى: وهو الرَّيُّ الذي بمعنى الامتلاء والنَّضارة، ولذلك تَرَكَ أبو عمروٍ أصلَه في تخفيفِ همزِه.

    وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر " ورِيَّا " بياءٍ مشددةٍ بعد الراءِ، فقيل: هي مهموزةُ الأصلِ، ثم أُبْدِلَتِ الهمزةُ ياءً وأُدْغِمَتْ. والرَّأْيُ بالهمز، قيل: مِنْ رُؤْية العَيْن، وفِعْل فيه بمعنى مَفْعول، أي: مَرْئِيٌّ. وقيل من الرُّواء وحُسْنِ المنظر. وقيل: بل هو مِنَ الرَّيّ ضد العطش وليس مهموزَ الأصلِ، والمعنى: أحسنُ منظراً لأنَّ الرِّيَّ والامتلاءَ أحسنُ مِنْ ضِدَّيْهما.

    وقرأ حميد وأبو بكر بن عاصم في روايةِ الأعشى " وَرِيْئاً " بياءٍ ساكنةٍ بعدَها همزةٌ وهو مقلوبٌ مِنْ " رِئْياً " في قراءةِ العامَّةِ، ووزنه فِلْعٌ، وهو مِنْ راءه يَرْآه كقولِ الشاعر:
    3252- وكلُّ خليلٍ راءَني فهو قائلٌ مِنَ أجلِكَ: هذا هامةُ اليومِ أوغدِ
    وفي القلب من القلبِ ما فيه.

    ورَوَى اليزيديُّ قراءةَ " ورِياء " بياءٍ بعدها ألف، بعدها همزة، وهي من المُراءاة، أي: يُرِيْ بعضُهم حُسْنَ بعضٍ، ثم خَفَّف الهمزةَ الأولى بقلبِها ياءً، وهو تخفيفٌ قياسيٌّ.

    وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة " وَرِيَاً " بياء فقط مخففةٍ. ولها وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ أصلُها كقراءةِ قالون، ثم خَفَّفَ الكلمةَ بحذفِ إحدى الياءَيْن، وهي الثانيةُ لأنَّ بها حَصَلَ الثِّقَلُ، ولأنَّها لامُ الكلمةِ، والأواخرُ أَحْرَى بالتغيير. والثاني: أن يكونَ أصلُها كقراءةِ حميد " وَرِيْئا " بالقلب، ثم نَقَلَ حركةَ الهمزةِ إلى الياءِ قبلها، وحَذَفَ الهمزةَ على قاعدةِ تخفيفِ الهمزةِ بالنقل، فصار " وَرِيا " كما ترى. وتجاسَرَ بعضُ الناسِ فجعل هذه القراءة لَحْناً، وليس اللاحنُ غيرَه، لخَفَاءِ توجيهِها عليه.

    وقرأ ابن عباس أيضاً وابنُ جُبَيْر وجماعةٌ " وزِيَّا " بزايٍ وياءٍ مشددة، والزَّيُّ: البِزَّة الحسنة والآلاتُ المجتمعة، لأنه مِنْ زَوَى كذا يَزْوِيه، أي: يَجْمعه، والمُتَزَيِّنُ يَجْمع الأشياء التي تُزَيِّنه وتُظْهِرُ زِيَّه.

    وقال الطبري

    قال أبو جعفر وأولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأ { أثاثاً وَرِئْياً } بـالراء والهمز، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن معناه الـمنظر، وذلك هو من رؤية العين، لا من الروية، فلذلك كان الـمهموز أولـى به، فإن قرأ قارىء ذلك بترك الهمز، وهو يريد هذا الـمعنى، فغير مخطىء فـي قراءته. وأما قراءته بـالزاي فقراءة خارجة، عن قراءة القرّاء، فلا أستـجيز القراءة بها لـخلافها قراءتهم، وإن كان لهم فـي التأويـل وجه صحيح. واختلف أهل العربـية فـي الأثاث أجمع هو أم واحد، فكان الأحمر فـيـما ذُكر لـي عنه يقول هو جمع، واحدتها أثاثه، كما الـحمام جمع واحدتها حمامة، والسحاب جمع واحدتها سحابة. وأما الفراء فإنه كان يقول لا واحد له، كما أن الـمتاع لا واحد له. قال والعرب تـجمع الـمتاع أمتعة، وأماتـيع، ومتع. قال ولو جمعت الأثاث لقلت ثلاثة آثَّةٍ وأثث. وأما الرئي فإن جمعه آراء.

    وقال القرطبي

    وَرِءْياً } أي منظَراً حسناً. وفيه خمس قراءات: قرأ أهل المدينة «ورِيًّا» بغير همز. وقرأ أهل الكوفة «ورِئيا» بالهمز. وحكى يعقوب أن طلحة قرأ «وَرِياً» بياء واحدة مخففة. وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: «هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وزِيًّا» بالزاي؛ فهذه أربع قراءات.

    قال أبو إسحاق: ويجوز «هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وريْئا» بياء بعدها همزة. النحاس: وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة وفيها تقريران: أحدهما: أن تكون من رأيت ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء، وأدغمت الياء في الياء. وكان هذا حسناً لتتفق رؤوس الآيات لأنها غير مهموزات. وعلى هذا قال ابن عباس: الرئي المنظر؛ فالمعنى: هم أحسن أثاثاً ولباساً. والوجه الثاني: أن جلودهم مرتوية من النعمة؛ فلا يجوز الهمز على هذا. وفي رواية ورش عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر «ورئيا» بالهمز تكون على الوجه الأوّل. وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل. وقراءة طلحة بن مُصَرِّف «ورِياً» بياء واحدة مخففة أحسبها غلطاً. وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها الهمز فقلبت الهمزة ياء، ثم حذفت إحدى اليائين. المهدوي: ويجوز أن يكون «رِيْئاً» فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت. وقد قرأ بعضهم «ورِياً» على القلب وهي القراءة الخامسة. وحكى سيبويه رَاءَ بمعنى رأى. الجوهري: من همزه جعله من المنظر من رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة. وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي فقال:
    أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذِي الرِّئي الجميلِ من الأثاث
    ومن لم يهمز إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رَوِيت ألوانهم وجلودهم رِيًّا؛ أي امتلأت وحسنت. وأما قراءة ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكي ويزيد البربري «وزِيا» بالزاي فهو الهيئة والحسن. ويجوز أن يكون من زَوَيتُ أي جمعت، فيكون أصلها زِويا فقلبت الواو ياء. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " زُويت لي الأرض " أي جمعت؛ أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله تعالى؛ فليعش هؤلاء ما شاؤوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عُمِّروا؛ أو العذاب العاجل يأخذهم الله تعالى به.

    وقال ابن الجوزى

    { وَرِئْيَاً } فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «ورئياً» بهمزة بين الراء والياء في وزن: «رِعيا»؛ قال الزجاج: ومعناها: منظراً، من «رأيت».

    وقرأ نافع، وابن عامر: «رِيّاً» بياء مشددة من غير همز، قال الزجاج: لها تفسيران. أحدهما: أنها بمعنى الأولى. والثاني: أنها من الرِّيّ، فالمعنى: منظرهم مرتوٍ من النعمة، كأن النعيم بَيِّنٌ فيهم.

    وقرأ ابن عباس، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي سريج عن الكسائي: «زيّاً» بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز. قال الزجاج: ومعناها: حسن هيئتهم

    وقال السمين

    قوله: { شَيْئاً إِدَّاً }: العامَّةُ على كسر الهمزة مِنْ " إدَّاً " وهو الأمرُ العظيمُ المنكَرُ المتعجَّبُ منه. وقرأ أمير المؤمنين والسلمي بفتحها. وخَرَّجوه على حَذْفِ مضاف، أي: شيئاً أدَّاً، لأنَّ الأدَّ بالفتحِ مصدرٌ يُقال: أدَّه الأمرُ، وأدَّني يَؤُدُّني أدَّاً، أي: أَثْقَلني. وكان الشيخ ذكر أنَّ الأَدَّ والإِدَّ بفتح الهمزةِ وكسرِها هو العَجَبُ. وقيل: هو العظيم المُنْكَر، والإِدَّة: الشِّدَّة/. وعلى قوله: " وإن الإِدَّ والأدَّ بمعنى واحد " ينبغي أَنْ لا يُحتاج إلى حَذْفِ مضاف، إلا أَنْ يريدَ أنه أراد بكونِهما بمعنى العَجَب في المعنى لا في المصدرية وعَدَمِها...

    وقرأ الناسُ " تُحِسُّ " بضمِّ التاء وكسرِ الحاء مِنْ أَحَسَّ. وقرأ أبو حيوةَ وأبو جعفرٍ وابن أبي عبلة " تَحُسُّ " بفتح التاء وضم الحاء. وقرأ بعضُهم " تَحِسُّ " بالفتح والكسر، من حَسَّه، أي: شَعَرَ به، ومنه " الحواسُّ الخَمس ".

    و " منهم " حالٌ مِنْ " أحد " إذ هو في الأصلِ صفةٌ له، و " مِنْ أحدٍ " مفعولٌ زِيْدَتْ فيه " مِنْ ".

    وقرأ حنظلةُ " تُسْمَعُ " مضمومَ التاء، مفتوحَ الميمِ مبنياً للمفعولِ، و " رِكْزاً " مفعولٌ على كلتا القراءتين إلا أنه مفعولٌ ثانٍ في القراءة الشاذة. ...

  2. #212
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    سورة طه

    الجوهرة التاسعة عشر بعد المائتين


    قال السمين

    وقيل: " طه " أصلُه طَأْها بهمزة " طَأْ " أمراً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، و " ها " ضميرُ مفعولٍ يعودُ على الأرض، ثم أبدل الهمزَة لسكونها ألفاً، ولم يَحْذِفْها في الأمرِ نظراً إلى أصلها أي: طَأ الأرضَ بقدمَيْكَ. وقد جاء في التفسير: " أنه قام حتى تَوَرَّمَتْ قدماه ".

    وقرأ الحسنُ وعكرمةُ وأبو حنيفةَ وورشٌ في اختياره/ بإسقاطِ الألفِ بعد الطاء، وهاءٍ ساكنة. وفيها وجهان، أحدهما: أنَّ الأصلَ " طَأْ " بالهمز أمراً أيضاً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، ثم أبدلَ الهمزةَ هاءً كإبدالهم لها في " هَرَقْتُ " و " هَرَحْتُ " و " هَبَرْتُ ". والأصلُ: أَرَقْتُ وأَرَحْتُ وأَبَرْت. والثاني: أنه أبدل الهمزةَ ألفاً، كأنه أَخَذه مِنْ وَطِي يَطا بالبدل كقوله:
    3271ـ........................ ........... لا هَنَاكِ المَرْتَعُ
    ثم حَذَفَ الألفَ حَمْلاً للأمرِ على المجزومِ وتناسِياً لأصل الهمز ثم ألحق هاءَ السكتِ، وأجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ.

    وقال ابن عطية

    وقالت فرقة: سبب نزول الآية إنما هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمله من مشقة الصلاة حتى كانت قدماه تتورم ويحتاج الى الترويح بين قدميه فقيل له طاً الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج الى الترويح، فالضمير في { طه } للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفاً ساكنة، وقرأت " طه " وأصله طأ فحذفت الهمزة وأدخلت هاء السكت، وقرأ ابن كثير وابن عامر " طَهَ " بفتح الطاء والهاء وروي ذلك عن قالون عن نافع، ووروي عن يعقوب عنه كسرهما، وروي عنه بين الكسر والفتح، وأمالت فرقة، والتفخيم لغة الحجاز والنبي عليه السلام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء، وقرأ أبو عمرو " طَهِ " بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأت فرقة " طَهْ " بفتح الطاء وسكون الهاء، وقد تقدمت، وروي عن الضحاك وعمرو بن فائد انهما قرأ " طاوي

    ملحوظة

    تامل اخي الحبيب معنى طأ الارض واربطه باسباب النزول مع نظم الايات بعدها تري لطائف كثيرة


    قال ابن عطية

    وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي " إني " بكسر الألف على الإبتداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " أني " بفتح الألف على معنى " لأجل أني "...

    وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي " طوىً " بالتنوين على أنه اسم المكان، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " طوى " على أنه اسم البقعة دون تنوين، وقرأ هؤلاء كلهم بضم الطاء، وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو بكسر الطاء، وقرأت فرقة " طاوي " وقالت فرقة هو اسم الوادي، و " طوى " على التأويل الأول بمنزلة قولهم ثنى وثنى أي مثنياً، وقرأ السبعة غير حمزة " وأنا اخترتك " ويؤيد هذه القراءة تناسبها مع قوله { أنا ربك } وفي مصحف أبي بن كعب " وأني اخترتك " ، وقرأ حمزة " وأنّا اخترناك " بالجمع وفتح الهمزة وشد النون، والآية على هذا بمنزلة قوله{ سبحان الذي أسرى بعبده } [الأسراء: 1] ثم قال{ وآتينا } [الإسراء: 2] فخرج من إفراد إلى جمع، وقرأت فرقة وإنا اخترناك " يكسر الألف.....

  3. #213
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة العشرون بعد المائتين

    قال السمين

    قوله: { أَكَادُ أُخْفِيهَا } العامةُ على ضمِّ الهمزةِ مِنْ " أُخْفيها ". وفيها تأويلاتٌ، أحدُها: أن الهمزةَ في " أُخْفيها " للسَّلْبِ والإِزالةِ أي: أُزيل خفاءَها نحو: أعجمتُ الكتابَ أي: أزلْتُ عُجْمَتَه. ثم في ذلك معنيان، أحدهما: أنَّ الخفاءَ بمعنى السَّتْر، ومتى أزال سَتْرَها فقد أظهرَها. والمعنى: أنها لتحقُّق وقوعِها وقُرْبِها أكادُ أُظْهِرُها لولا ما تَقْتضيه الحكمةُ من التأخير. والثاني: أنَّ الخفاءَ هو الظهورُ كما سيأتي. والمعنىظ°: أزيلُ ظهورَها، وإذا أزالَ ظهورَها فقد استترَتْ. والمعنىظ°: أني لِشدَّةِ أبهامها أكاد أُخْفيها فلا أُظْهِرُها/ البتةَ، وإن كان لا بد من إظهارِها؛ ولذلك يوجدُ في بعض المصاحف كمصحف أُبَيّ: أكاد أُخْفيها مِنْ نفسي فكيف أُظْهِرُكُمْ عليها؟ وهو على عادةِ العرب في المبالغة في الإِخفاء قال:
    3277ـ أيامَ تَصْحَبُني هندٌ وأُخْبِرُها ما كِدْت أكتُمُه عني من الخبرِ
    وكيف يُتَصَوَّرُ كِتْمانُه مِنْ نفسه؟

    والتأويلُ الثاني: أنَّ " كاد " زائدةٌ. قاله ابنُ جُبَيْر. وأنشدَ غيرُه شاهداً عليه قولَ زيدِ الخيل:
    3278ـ سريعٌ إلى الهَيْجاء شاكٍ سلاحُه فما إنْ يكادُ قِرْنُه يتنفَّسُ
    وقال آخر:
    3279ـ وألاَّ ألومَ النفسَ فيما أصابني وألا أكادَ بالذي نِلْتُ أَبْجَحُ
    ولا حُجَّةَ في شيءٍ منه.

    والتأويل الثالث: أنَّ الكَيْدُوْدَةَ بمعنى الإِرادة ونُسِبت للأخفش وجماعةٍ، ولا ينفعُ فيما قصدوه.

    والتأويل الرابع: أنَّ خبرَها محذوفٌ تقديره: أكاد آتي به لقُرْبها. وأنشدوا قول ضابىء البرجمي:
    3280ـ هَمَمْتُ ولم أفْعَلْ وكِدْتُ وليتني تَرَكْتُ على عثمانَ تَبْكي حلائِلُهْ
    أي: وكِدْتُ أفعلُ، فالوقفُ على " أكادُ " ، والابتداء بـ " أُخْفيها " ، واستحسنه أبو جعفر.

    وقرأ أبو الدرداء وابنُ جبير والحسنُ ومجاهدٌ وحميدٌ " أَخْفيها " بفتح الهمزة. والمعنىظ°: أُظْهرها، بالتأويل المتقدم يقال: خَفَيْتُ الشيءَ: أظهَرْتُه، وأَخْفَيْتُه: سترته، هذا هو المشهور. وقد نُقِل عن أبي الخطاب أنَّ خَفَيْتُ وأَخْفَيْتُ بمعنىً. وحُكي عن أبي عبيد أنَّ " أَخْفى " من الأضدادِ يكون بمعنى أظهر وبمعنى سَتَر، وعلى هذا تَتَّحد القراءتان. ومِنْ مجيءِ خَفَيْتُ بمعنى أظهَرْت قولُ امرىء القيس:


    3281ـ خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفاقِهِنَّ كأنما خفاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلِّبِ
    وقول الآخر:
    3282ـ فإنْ تَدْفِنوا الداءَ لا نَخْفِهِ وإنْ تُوْقِدُوْا الحربَ لا نَقْعُدِ


    وقال ابو حيان

    وقرأ أبو الدرداء وابن جبير والحسن ومجاهد وحميد أَخْفِيها بفتح الهمزة ورويت عن ابن كثير وعاصم بمعنى أظهرها أي إنها من صحة وقوعها وتيقن كونها تكاد تظهر، ولكن تأخرت إلى الأجل المعلوم وتقول العرب: خفيت الشيء أي أظهرته. وقال الشاعر:
    خفاهن من إيقانهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب
    وقال آخر:
    فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن توقدوا الحرب لا نقعد
    ولام { لتجزَى } على هذه القراءة متعلقة بأخفيها أي أظهرها { لتجزَى } كل نفس. وقرأ الجمهور { أُخْفِيها } بضم الهمزة وهو مضارع أخفي بمعنى ستر، والهمزة هنا للإزالة أي أزلت الخفاء وهو الظهور، وإذا أزلت الظهور صار للستر كقولك: أعجمت الكتاب أزلت عنه العجمة. وقال أبو علي: هذا من باب السلب ومعناه، أزيل عنها خفاءها وهو سترها، واللام على قراءة الجمهور.

    قال صاحب اللوامح متعلقة بآتية
    كأنه قال { إن الساعة آتية } لنجزي انتهى، ولا يتم ذلك إلاّ إذا قدرنا { أكاد أخفيها } جملة اعتراضية، فإن جعلتها في موضع الصفة لآتية فلا يجوز ذلك على رأي البصريين لأن أسم الفاعل لا يعمل إذا وصف قبل أخذ معموله. وقيل: { أخفيها } بضم الهمزة بمعنى أظهرها فتتحد القراءتان، وأخفى من الأضداد بمعنى الإظهار وبمعنى الستر. قال أبو عبيدة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد وقد حكاه أبو الخطاب وهو رئيس من رؤساء اللغة لا شك في صدقه و { أكاد } من أفعال المقاربة لكنها مجاز هنا، ولما كانت الآية عبارة عن شدة إخفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ في إبهام وقتها فقال { أكاد أخفيها } حتى لا تظهر ألبتة، ولكن لا بد من ظهورها. وقالت فرقة { أكاد } بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها وقاله الأخفش وابن الأنباري وأبو مسلم. قال أبو مسلم: ومن أمثالهم لا أفعل ذلك: ولا أكاد أي لا أريد أن أفعله. وقالت فرقة: خبر كاد محذوف تقديره { أكاد } أتى بها لقربها وصحة وقوعها كما حذف في قول صابيء البرجمي:
    هممت ولم أفعل وكذت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله
    أي وكدت أفعل. وتم الكلام ثم استأنف الإخبار بأنه يخفيها واختاره النحاس. وقالت فرقة: معناه { أكاد أخفيها } من نفسي إشارة إلى شدة غموضها عن المخلوقين وهو مروي عن ابن عباس.

    ولما رأى بعضهم قلق هذا القول قال معنى من نفسي: من تلقائي ومن عندي. وقالت فرقة { أكاد } زائدة لا دخول لها في المعنى بل الإخبار أن الساعة آتية وأن الله يخفي وقت إتيانها، وروي هذا المعنى عن ابن جبير، واستدلوا على زيادة كاد بقوله تعالى { لم يكد يراها } وبقول الشاعر وهو زيد الخيل:
    سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما إن يكاد قرنه يتنفس
    وبقول الآخر:
    وأن لا ألوم النفس مما أصابني وأن لا أكاد بالذي نلت أنجح
    ولا حجة في شيء من هذا. وقال الزمخشري: { أكاد أخفيها } فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفاءها، ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به. وقيل: معناه { أكاد أخفيها } من نفسي ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل عليه مطرح. والذي غزهم منه أن في مصحف أبي { أكاد أخفيها } من نفسي وفي بعض المصاحف { أكاد أخفيها } من نفسي فكيف أظهركم عليها انتهى. ورويت هذه الزيادة أيضاً عن أُبَيّ ذكر ذلك ابن خالويه. وفي مصحف عبد الله { أكاد أخفيها } من نفسي فكيف يعلمها مخلوق. وفي بعض القراءات وكيف أظهرها لكم وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من نفسي، والله تعالى لا يخفى عليه شيء قال معناه قطرب وغيره.

    وقال الشاعر:
    أيام تصحبني هند وأخبرها ما كدت أكتمه عني من الخبر
    وكيف يكتم من نفسه ومن نحو هذا من المبالغة، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير والحسن وعاصم " أكاد أخفيها " بفتح الهمزة بمعنى أظهرها أي أنها من صحة وقوعها وتيقن كونه تكاد تظهر لكن تنحجب إلى الأجل المعلوم، والعرب تقول خفيت الشيء بمعنى أظهرته ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]

    خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من سحاب مجلّب
    ومنه قوله أيضاً: [المتقارب]

    فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن توقدوا الحرب لا نقعد
    قال أبو علي: المعنى أزيل خفاءها، وهو ما تلف به القربة ونحوها، وقرأ الجمهور " أُخفيها " بضم الهمزة، واختلف المتأولون في معنى الآية فقالت فرقة: معناه أظهرها وأخفيت من الأضداد، وهذا قول مختل، وقالت فرقة معناه، { أكاد أخفيها } من نفسي على معنى العبارة من شدة غموضها على المخلوقين، فقالت فرقة: المعنى { إن الساعة آتية أكاد } وتم الكلام بمعنى { أكاد } أنفذها لقربها وصحة وقوعها ثم استأنف الإخبار بأن يخفيها، وهذا قلق، وقالت فرقة { أكاد } زائدة لا دخول لها في المعنى بل تضمنت الآية الإخبار بأن الساعة آتية وأن الله يخفي وقت إتيانها عن الناس، وقالت فرقة { أكاد } بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها عنكم { لتجزى كل نفس بما تسعى } واستشهد قائل هذه المقالة بقول الشاعر: [الكامل]

    كادت وكدت وتلك خير إرادة
    وقد تقدم هذا المعنى، وقالت فرقة { أكاد } على بابها بمعنى أنها مقاربة ما لم يقع، لكن الكلام جار على استعارة العرب ومجازها، فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ قوله تعالى في إبهام وقتها فقال { أكاد أخفيها } حتى لا تظهر البتة ولكن ذلك لا يقع ولا بد من ظهورها، هذا تلخيص هذا المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين وهو الأقوى عندي، ورأى بعض القائلين بأن المعنى { أكاد أخفيها } من نفسي ما في القول من القلق فقالوا معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي ع وهذا رفض للمعنى الأول ورجوع إلى هذا القول الذي اخترناه أخيراً فتأمله، واللام في قوله { لتجزى } متعلقة بـ { آتية } وهكذا يترتب الوعيد. و { تسعى } معناه تكسب وتجترح، والضمير في قوله { عنها } يريد الإيمان بالساعة فأوقع الضمير عليها، ويحتمل أن يعود على{ الصلاة } [طه: 14] وقالت فرقة المراد عن لا إله الا الله ع: وهذا متجه، والأولان أبين وجهاً. وقوله { فتردى } معناه تهلك والردى الهلاك ومنه قوله دريد بن الصمة: [الطويل]

    تنادوا فقالوا أدرت الخيل فارساً فقلت أعبد الله ذلكمُ الردي
    وهذا الخطاب كله لموسى عليه السلام وكذلك ما بعده، وقال النقاش: الخطاب بـ { فلا يصدنك } لمحمد عليه السلام وهذا بعيد، وفي مصحف عبدالله بن مسعود " أكاد أخفيها من نفسي " وعلى هذه القراءة تركب ذلك القول المتقدم،

    وقال الطبري

    وقال آخرون إنـما هو «أكادُ أَخْفِـيها» بفتـح الألف من أَخفـيها بـمعنى أظهرها. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال ثنا يحيى بن واضح، قال ثنا مـحمد بن سهل، قال سألنـي رجل فـي الـمسجد عن هذا البـيت.
    دَابَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْراً دَمِيكاً بِأرِيكَيْنِ يَخْفـيانِ غَمِيرا
    فقلت يظهران، فقال ورقاء بن إياس وهو خـلفـي أقرأنـيها سعيد بن جبـير «أكادُ أَخْفِـيها» بنصب الألف. وقد رُوي عن سعيد بن جبـير وفـاق لقول الآخرين الذين قالوا معناه أكاد أخفـيها من نفسي. ذكر الرواية عنه بذلك حدثنا ابن بشار، قال ثنا عبد الرحمن، قال ثنا سفـيان، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير ومنصور، عن مـجاهد، قالا { إنَّ السَّاعَةَ آتِـيَةٌ أكادُ أُخْفِـيها } قالا من نفسي. حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال ثنا ابن فضيـل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير { أكادُ أُخْفِـيها } قال من نفسي.

    قال أبو جعفر والذي هو أولـى بتأويـل الآية من القول، قول من قال معناه أكاد أخفـيها من نفسي، لأن تأويـل أهل التأويـل بذلك جاء. والذي ذُكر عن سعيد بن جبـير من قراءة ذلك بفتـح الألف قراءة لا أستـجيز القراءة بها لـخلافها قراءة الـحجة التـي لا يجوز خلافها فـيـما جاءت به نقلاً مستفـيضاً. فإن قال قائل ولـم وجهت تأويـل قوله { أكادُ أُخْفِـيها } بضم الألف إلـى معنى أكاد أخفـيها من نفسي، دون توجيهه إلـى معنى أكاد أظهرها، وقد علـمت أن للإخفـاء فـي كلام العرب وجهين أحدهما الإظهار، والآخر الكتـمان وأن الإظهار فـي هذا الـموضع أشبه بـمعنى الكلام، إذ كان الإخفـاء من نفسه يكاد عند السامعين أن يستـحيـل معناه، إذ كان مـحالاً أن يخفـي أحد عن نفسه شيئاً هو به عالـم، والله تعالـى ذكره لا يخفـى علـيه خافـية؟ قـيـل الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظننت، وإنـما وجَّهنا معنى { أُخْفِـيها } بضمّ الألف إلـى معنى أسترها من نفسي، لأن الـمعروف من معنى الإخفـاء فـي كلام العرب الستر. يقال قد أخفـيت الشيء إذا سترته. وأن الذين وجَّهوا معناه إلـى الإظهار، اعتـمدوا علـى بـيت لامرىء القـيس ابن عابس الكندي. حُدثت عن معمر بن الـمثنى أنه قال أنشدنـيه أبو الـخطاب، عن أهله فـي بلده
    فإنْ تُدْفِنُوا الدَّاءَ لا نُـخْفِهِ وإنْ تَبْعَثُوا الـحَرْبَ لا نَقْعُدُ
    بضمّ النون من لا نـخفه، ومعناه لا نظهره، فكان اعتـمادهم فـي توجيه الإخفـاء فـي هذا الـموضع إلـى الإظهار علـى ما ذكروا من سماعهم هذا البـيت، علـى ما وصفت من ضم النون من نـخفه. وقد أنشدنـي الثقة عن الفرّاء
    فإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نَـخْفِهِ
    بفتـح النون من نـخفه، من خفـيته أخفـيه، وهو أولـى بـالصواب لأنه الـمعروف من كلام العرب. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الفتـح فـي الألف من أَخفـيها غير جائز عندنا لـما ذكرنا، ثبت وصحّ الوجه الآخر، وهو أن معنى ذلك أكاد استرها من نفسي. وأما وجه صحة القول فـي ذلك، فهو أن الله تعالـى ذكره خاطب بـالقرآن العرب علـى ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بـينهم فلـما كان معروفـاً فـي كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد الـمبـالغة فـي الـخبر عن إخفـائه شيئاً هو له مسرّ قد كدت أن أخفـي هذا الأمر عن نفسي من شدّة استسراري به، ولو قدرت أخفـيه عن نفسي أخفـيته، خاطبهم علـى حسب ما قد جرى به استعمالهم فـي ذلك من الكلام بـينهم، وما قد عرفوه فـي منطقهم. وقد قـيـل فـي ذلك أقوال غير ما قلنا، وإنـما اخترنا هذا القول علـى غيره من الأقوال لـموافقة أقوال أهل العلـم من الصحابة والتابعين، إذ كنا لا نستـجيز الـخلاف علـيهم، فـيـما استفـاض القول به منهم، وجاء عنهم مـجيئاً يقطع العذر.

    فأما الذين قالوا فـي ذلك غير قولنا مـمن قال فـيه علـى وجه الانتزاع من كلام العرب، من غير أن يعزوه إلـى إمام من الصحابة أو التابعين، وعلـى وجه يحتـمل الكلام غير وجهه الـمعروف، فإنهم اختلفوا فـي معناه بـينهم، فقال بعضهم يحتـمل معناه أريد أخفـيها قال وذلك معروف فـي اللغة. وذُكر أنه حُكي عن العرب أنهم يقولون أولئك أصحابـي الذين أكاد أنزل علـيهم، وقال معناه لا أنزل إلاَّ علـيهم. قال وحُكي أكاد أبرح منزلـي أي ما أبرح منزلـي، واحتـجّ ببـيت أنشده لبعض الشعراء
    كادَتْ وكِدْتُ وَتِلكَ خَيْرُ إرَادَةٍ لَوْ عادَ مِنْ عَهْد الصَّبـابَةِ ما مَضَى
    وقال يريد بكادت أرادت قال فـيكون الـمعنى أريد أخفـيها لتـجزى كلّ نفس بـما تسعى. قال ومـما يُشبه ذلك قول زيد الـخيـل
    سَرِيعٌ إلـى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ فَمَا إنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ
    وقال كأنه قال فما يتنفس قرنه، وإلا ضعف الـمعنى قال وقال ذو الرُّمَّة
    إذا غَيَّرَ النَّأْيُ الـمُـحِبِّـينَ لَـمْ يَكَدْ رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
    قال ولـيس الـمعنى لـم يكد يبرح أي بعد يُسر، ويبرح بعد عُسر وإنـما الـمعنى لـم يبرح، أو لـم يرد يبرح، وإلا ضعف الـمعنى قال وكذلك قول أبـي النـجم
    وَإنْ أتاكَ نَعِيّ فـانْدُبَنَّ أبـا قَدْ كادَ يَضْطَلِعُ الأعْداءَ والـخُطَبَـا
    وقال يكون الـمعنى قد اضطلع الأعداء، وإلاَّ لـم يكن مدحاً إذا أراد كاد ولـم يرد يفعل. وقال آخرون بل معنى ذلك إن الساعة آتـية أكاد، قال وانتهى الـخبر عند قوله أكاد لأن معناه أكاد أن آتـي بها قال ثم ابتدأ فقال ولكنـي أخفـيها لتـجزى كلّ نفس بـما تسعى. قال وذلك نظير قول ابن ضابىء
    هَمَـمْتُ ولَـمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَـيْتَنِـي تَرَكْتُ علـى عُثمانَ تَبْكِي أقارِبُهُ
    فقال كدت، ومعناه كدت أفعل. وقال آخرون معنى { أُخفـيها } أظهرها، وقالوا الإخفـاء والإسرار قد توجههما العرب إلـى معنى الإظهار، واستشهد بعضهم لقـيـله ذلك ببـيت الفرزدق
    فَلَـمَّا رأى الـحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الـحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أضْمَرَا
    وقال عَنَى بقوله أسرّ أظهر. قال وقد يجوز أن يكون معنى قوله{ وأسَرُّوا النَّدَامَةَ } وأظهروها. قال وذلك أنهم قالوا{ يا لَـيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا } وقال جميع هؤلاء الذين حكينا قولهم جائز أن يكون قول من قال معنى ذلك أكاد أخفـيها من نفسي، أن يكون أراد أخفـيها من قِبلـي ومن عندي. وكلّ هذه الأقوال التـي ذكرنا عمن ذكرنا توجيه منهم للكلام إلـى غير وجهه الـمعروف، وغير جائز توجيه معانـي كلام الله إلـى غير الأغلب علـيه من وجوهه عند الـمخاطبـين به، ففـي ذلك مع خلافهم تأويـل أهل العلـم فـيه شاهد عدل علـى خطأ ما ذهبوا إلـيه فـيه.....

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { أكادُ أخفيها } أكثر القراء على ضم الألف.

    ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال.

    أحدها: أكاد أخفيها من نفسي، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد في آخرين. وقرأ ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، ومحمد بن عليّ: أكاد أخفيها من نفسي، قال الفراء: المعنى: فكيف أُظهركم عليها؟! قال المبرِّد: وهذا على عادة العرب، فإنهم يقولون إِذا بالغوا في كتمان الشيء: كتمتُه حتى مِنْ نَفْسي، أي: لم أُطلع عليه أحداً.

    والثاني: أن الكلام تم عند قوله: «أكاد»، وبعده مضمر تقديره: أكاد آتي بها، والابتداء: أخفيها، قال ضابىء البرجمي:
    هَمَمْتُ ولَم أَفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي تَرَكْتُ على عُثْمانَ تَبْكِي حَلاَئِلُهْ

    أراد: كدتُ أفعل.

    والثالث: أن معنى «أكاد»: أريد، قال الشاعر:
    كادَتْ وكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ لَوْ عَادَ مِنْ لَهْو الصَّبابَة مَا مَضَى
    معناه: أرادت وأردتُ، ذكرهما ابن الأنباري.

    فإن قيل: فما فائدة هذا الإِخفاء الشديد؟

    فالجواب: أنه للتحذير والتخويف، ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوُّه كان أشد حذراً. وقرأ سعيد بن جبير، وعروة ابن الزبير، وأبو رجاء العطاردي، وحميد بن قيس، «أَخفيها» بفتح الألف. قال الزجاج: ومعناه: أكاد أظهرها، قال امرؤ القيس:
    فإنْ تَدفِنُوا الدَّاءَ لا نَخْفِهِ وإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ
    أي: إِن تدفنوا الداء لا نُظهره. قال: وهذه القراءة أَبْيَن في المعنى، لأن معنى «أكاد أُظهرها»: قد أخفيتُها وكدت أُظهرها.

  4. #214
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الواحدة والعشرون بعد المائتين

    قال القرطبي

    وَأَهُشُّ بِهَا } «وَأَهِشُّ» أيضاً؛ ذكره النحاس. وهي قراءة النَّخَعي، أي أخبط بها الورق، أي أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها، فيسهل على غنمي تناوله فتأكله. قال الراجز:
    أَهُشُّ بالعَصَا على أَغْنامِي من ناعِم الأَراكِ والبَشامِ
    يقال: هَشَّ على غنمه يَهُشُّ بضم الهاء في المستقبل. وهشَّ إلى الرجل يَهَش بالفتح. وكذلك هشّ للمعروف يَهَشّ وهشِشت أنا: وفي حديث عمر: هشِشْت يوماً فقبَّلت وأنا صائم. قال شِمْر: أي فرحتِ واشتهيت. قال: ويجوز هَاشَ بمعنى هَشَّ. قال الراعي:
    فكبَّرَ للروْيَا وهَاشَ فؤادُهُ وبَشَّرَ نفساً كان قبل يَلُومَها
    أي طَرب. والأصل في الكلمة الرخاوة. يقال: رجل هَشٌّ وزوج هَشٌّ. وقرأ عكرمة «وأَهُسُّ» بالسين غير معجمة؛ قيل: هما لغتان بمعنى واحد.

    وقيل: معناهما مختلف؛ فالهشّ بالإعجام خبط الشجر، والهس بغير إعجام زَجْر الغنم؛ ذكره الماوردي؛ وكذلك ذكر الزمخشري. وعن عكرمة: «وأَهُسُّ» بالسين أي أنحى عليها زاجراً لها والهَسُّ زَجْر الغنم.

    وقال ابن عطية

    ، وقرأ ابن عامر وحده " أَشدد " بفتح الهمزة و " أُشركه " بضمها على أن موسى أسند هذه الأفعال إلى نفسه، ويكون الأمر هنا لا يريد به النبوءة بل يريد تدبيره ومساعيه لأن النبوة لا يكون لموسى أن يشرك فيها بشراً، وقرأ الباقون " أُشدد " بضم الهمزة " وأشرك " على معنى الدعاء في شد الأزر وتشريك هارون في النبوءة وهذه في الوجه لأنها تناسب ما تقدم من الدعاء وتعضدها آيات غير هذه بطلبه تصديق هارون إياه. و " الأزر " بمعنى الظهر قاله أبو عبيدة كأنه قال شد به عوني واجعله مقاومي فيما أحاوله وقال امرؤ القيس: [الطويل]

    بمحنية قد آزر الضال نبتها فجر جيوش غانمين وخيب
    أي قاومه وصار في طوله، وفتح أبو عمرو وابن كثير الياء من { أخي } وسكنها الباقون وروي عن نافع " وأشركهو " بزيادة واو في اللفظ بعد الهاء ....

    وقال الطبري

    وذُكر عن عبد الله بن أبـي إسحاق أنه كان يقرأ «أَشْدُد بِهِ أزْرِي» بفتـح الألف من أشدد «وأُشْرِكْه فِـي أمْرِي» بضم الألف من أشركه، بـمعنى الـخبر من موسى عن نفسه، أنه يفعل ذلك، لا علـى وجه الدعاء. وإذا قرىء ذلك كذلك جزم أشدد وأشرك علـى الـجزاء، أو جواب الدعاء، وذلك قراءة لا أرى القراءة بها، وإن كان لها وجه مفهوم، لـخلافها قراءة الـحجة التـي لا يجوز خلافها.

  5. #215
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثانية والعشرون بعد المائتين

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور و " لِتُصنع " بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغذى وتطعم وتربى، وقرأ أبو نهيك " ولَتصنع " بفتح التاء، قال ثعلب معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " ولْتصنع " بسكون اللام على الأمر للغالب وذلك متجه...

    و { تنيا } معناه تضعفا وتبطياً تقول وَنَا فلان في أمر كذا إذا تباطأ فيه عن ضعف ومنه قول الشاعر: [المضارع]

    فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
    والونى الكلال والفتور والفشل في البهائم والإنس، وفي مصحف ابن مسعود " ولا تهنا في ذكري " معناه ولا تلينا من قولك هين لين والقول اللين قالت فرقة: معناه كنياه وقالت فرقة بل أمرهما بتحسين الكلمة....

    وقرأ الجمهور " يَفُرط " بفتح الياء وضم الراء ومعناه يعجل ويسرع بمكروه فينا ومنه فارط في الماء وهو الذي يتقدم القوم إليه قال الشاعر القطامي عمير بن شييم: [البسيط]

    واستعجلوا وكانوا من صحابتنا كما تعجَّل فرّاط لورّاد
    وقالت فرقة { يُفرِط } بضم الياء وكسر الراء ومعناه يشتط في إذايتنا، وقرأ ابن محيص " يُفرَط " بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع إلينا.....

    وقال السمين

    قوله: { أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ }: في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن يكونَ " كلَّ شيءٍ " مفعولاً أولَ، و " خَلْقَه " مفعولاً ثانياً على معنى: أعطى كلَّ شيءٍ شكلَه وصورَته، الذي يطابقُ المنفعةَ المنوطةَ به، كما أعطىٰ العينَ الهيئةَ التي تطابق الإِبصارَ، والأذنَ الشكلَ الذي يطابقُ الاستماعَ ويوافقه، وكذلك اليدُ والرِّجلُ واللسانُ، أو أعطى كلَّ حيوانٍ نظيرَه في الخَلْق والصورةِ حيث جعل الحصانَ والحِجْر زوجين، والناقةَ والبعيرَ، والرجلَ والمرأةَ، ولم يزاوِجْ شيءٌ منها غيرَ جنسِه، ولا ما هو مخالفٌ لخَلْقِه. وقيل: المعنى: أعطى كلَّ شيءٍ مخلوقٍ خَلْقَه أي: هو الذي ابتدعه. وقيل: المعنىٰ: أعطى كلَّ شيءٍ ممَّا خَلَق خِلْقَتَه وصورتَه على ما يناسبه من الإِتقانِ. لم يجعل خَلْقَ الإِنسانِ في خَلْقِ البهائم، ولا بالعكس، بل خَلَق كلَّ شيءٍ فَقدَّره تقديراً.

    والثاني: أن يكونَ " كلَّ شيءٍ " مفعولاً ثانياً، و " خَلْقَه " هو الأول، فَقَدَّم الثاني عليه، والمعنىٰ: أعطى خليقته كلَّ شيءٍ يحتاجون إليه ويَرْتفقون به.

    وقرأ عبدُ الله والحسنُ والأعمشُ وأبو نهيكٍ وابنُ أبي إسحاق ونصير عن الكسائي وناسٌ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم " خَلَقَه " بفتح اللام فِعْلاً ماضياً. وهذه الجملةُ في هذه القراءةِ تحتمل أَنْ تكونَ منصوبةً المحلِّ صفةً لـ " كل " أو في محلِّ جَرِّ صفةً لـ " شيء " ، وهذا معنى قولِ الزمخشري: " صفةٌ للمضاف ـ يعني " كل " ـ أو للمضافِ إليه " ـ يعني " شيءٍ " ـ. والمفعولُ الثاني على هذه القراءةِ محذوفٌ، فيُحتملُ أَنْ يكونَ حَذْفُه حَذْفَ اختصارٍ للدلالةِ عليه أي: أعطى كلَّ شيءٍ خَلَقَه ما يحتاج إليه ويُصْلحه أو كمالَه، ويحتمل أن يكونَ حذفُه حَذْفَ اقتصارٍ، والمعنىٰ: أن كلَّ شيءٍ خَلَقه الله لم يُخْلِه من إنعامِه وعطائِه.....

    قوله: { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي } في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها في محلِّ جرٍّ صفةً لـ " كتاب " ، والعائدُ محذوفٌ، تقديرُه: في كتاب لا يَضِلُّه ربي، أو لا يَضِلُّ حِفْظَه ربي، فـ " ربي " فاعل " يَضِلُّ " على هذا التقدير، وقيل: تقديرُه: الكتابَ ربي. فيكون في " يَضِلُّ " ضميرٌ يعود على " كتاب " ، وربي منصوبٌ على التعظيمِ. وكان الأصلُ: عن ربي، فحُذِفَ الحرفُ اتِّساعاً، يُقال: ضَلَلْتُ كذا وضَلَلْتُه بفتح اللام وكسرها، لغتان مشهورتان وشُهراهما الفتحُ. الثاني: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب ساقها تبارك وتعالىٰ لمجرد الإِخبارِ بذلك حكايةً عن موسى.

    وقرأ الحسنُ وقتادة والجحدريُّ وعيسى الثقفي وابن محيصن وحَمَّاد بن سلمة " لا يُضِلُّ " بضم الياء أي: لا يُضِلُّ ربي الكتابَ أي: لا يُضَيِّعه يقال: أَضْلَلْتُ الشيءَ أي: أضعتُه.

    فـ " ربي " فاعلٌ على هذا التقدير. وقيل: تقديرُه: لا يُضِلُّ أحدٌ ربي عن علمه أي: عن علم الكتاب، فيكون الربُّ منصوباً على التعظيم.

    وفرَّق بعضُهم بين ضَلَلْتُ وأَضْلَلْت فقال: " ضَلَلْتُ منزلي " ، بغيرِ ألفٍ، و " أَضْلَلْت بعيري " ونحوَه من الحيوان بالألفِ. نقل ذلك الرمانيُّ عن العرب، وقال الفراء: " يقال: ضَلَلْتُ الشيءَ إذا أَخطأْتَ في مكانه وضَلِلْتُ لغتان، فلم تهتدِ له، كقولك: ضَلَلْتُ الطريقَ والمنزلَ ولا يُقال: أَضْلَلْتُه إلاَّ إذا ضاع منك كالدَّابة انفلَتَتْ، وشبهِها....

    وقال القرطبي


    قوله تعالى: { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } اختلف في معناه على أقوال خمسة؛ الأول: إنه ابتداء كلام، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد كان الكلام تم في قوله: «في كتاب». وكذا قال الزجاج، وأن معنى «لا يضلّ» لا يهلك من قوله: { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ } [السجدة: 10]. «وَلا يَنْسَى» شيئاً؛ نزّهه عن الهلاك والنّسيان. القول الثاني: «لاَ يَضِلُّ» لا يخطىء؛ قاله ابن عباس؛ أي لا يخطىء في التدبير، فمن أنظره فلحكمة أنظره، ومن عاجله فلحكمة عاجله. القول الثالث: «لا يضل» لا يغيب. قال ابن الأعرابي: أصل الضلال الغَيبوبة؛ يقال: ضلّ الناسِي إذا غاب عنه حفظ الشيء. قال: ومعنى { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } أي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء. القول الرابع قاله الزجاج أيضاً وقال النحاس وهو أشبهها بالمعنى ـ: أخبر الله عز وجل أنه لا يحتاج إلى كتاب؛ والمعنى؛ لا يضل عنه علم شيء من الأشياء ولا معرفتها، ولا ينسى ما علِمه منها.

    قلت: وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي. وقول خامس: إن { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } في موضع الصفة لـ«ـكتاب» أي الكتاب غير ضال عن الله عز وجل؛ أي غير ذاهب عنه. { وَلاَ يَنسَى } أي غير ناسٍ له فهما نعتان لـ«ـكتاب». وعلى هذا يكون الكلام متصلاً، ولا يوقف على «كتاب». تقول العرب: ضلّني الشيء إذا لم أجده، وأضللته أنا إذا تركته في موضع فلم تجده فيه. وقرأ الحسن وقتادة وعيسى بن عمر وابن محيصن وعاصم الجَحْدري وابن كثير فيما روى شبل عنه «لاَ يُضِلُّ» بضم الياء على معنى لا يُضيعه ربّي ولا ينساه. قال ابن عرفة: الضلالة عند العرب سلوك سبيل غير القصد؛ يقال: ضلَّ عن الطريق، وأضل الشيء إذا أضاعه. ومنه قرأ من قرأ «لاَ يُضِلُّ رَبِّي» أي لا يُضيع؛ هذا مذهب العرب.

  6. #216
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثالثة والعشرون بعد المائتين

    قال الزمخشري

    لا يخلو الموعد في قوله { فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً } من أن يجعل زماناً أو مكاناً أو مصدراً. فإن جعلته زماناً نظراً في أن قوله تعالى { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ظ±لزِّينَةِ } مطابق له، لزمك شيئان أن تجعل الزمان مخلفاً، وأن يعضل عليك ناصب مكاناً وإن جعلته مكاناً لقوله تعالى { مَكَاناً سُوًى } لزمك. أيضاً أن توقع الإخلاف على المكان، وأن لا يطابق قوله { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ظ±لزِّينَةِ } وقراءة الحسن غير مطابقة له مكاناً وزمانا جميعاً، لأنه قرأ { يَوْمُ ظ±لزِّينَةِ } بالنصب، فبقي أن يجعل مصدراً بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف، أي مكان موعد، ويجعل الضمير في { نُخْلِفُهُ } للموعد و { مَكَاناً } بدل من المكان المحذوف. فإن قلت فكيف طابقه قوله { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ظ±لزّينَةِ } ولا بد من أن تجعله زماناً، والسؤال واقع عن المكان لاعن الزمان؟ قلت هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً، لأنهم لا بدّ لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان. وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير. والمعنى إنجاز وعدكم يوم الزينة. وطباق هذا أيضاً من طريق المعنى. ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون المعنى اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه. فإن قلت فيم ينتصب مكاناً؟ قلت بالمصدر. أو بفعل يدل عليه المصدر. فإن قلت فكيف يطابقه الجواب؟ قلت أما على قراءة الحسن فظاهر. وأما على قراءة العامة فعلى تقدير وعدكم وعد يوم الزينة. ويجوز على قراءة الحسن أن يكون «موعدكم» مبتدأ، بمعنى الوقت......

    وقال ابو حيان

    وقرأ أبو جعفر وشيبة لا نَخلفْهُ بجزم الفاء على أنه جواب الأمر. وقرأ الجمهور برفعها صفة لموعد....

    وقال ابن عطية

    . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي " سِوى " بكسر السين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " سُوى " بضمها، والجمهور نون الواو، وقال أبو الفتح ترك الصرف هنا مشكل والذي ينبغي أن يكون محمولاً على الوقف، وقرأت فرقة " سوى " ذكره أبو عمرو عن ابن أبي عبلة ومعنى " سوى " أي عدلاً ونصفة قال أبو علي: فكأنه قال " مكاناً " قربه منكم قربه منا (ع) إنما أراد أن حالنا فيه مستوية فيعم ذلك القرب وأن تكون المنازل فيه واحدة في تعاطي الحق أي لا يعترضكم فيه الرياسة وإنما تقصد الحجة. و { سوى } لغة في سوى ومن هذه اللفظة قول الشاعر [موسى ابن جابر الحنفي] [الطويل]

    وإن أباناً كان حل ببلدة سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
    وقالت فرقة مستوياً من الأرض لا وهد فيه ولا نشز، وقالت فرقة معناه سوى مكاناً هذا فقال موسى { موعدكم يوم الزينة } اتسع في الظرف من قرأه برفع " يومُ " فجعله خبراً وقرأ الحسن والأعمش والثقفي " يومَ " بالنصب على الظرف والخبر مقدر...

    وقال السمين

    وقرأ الحسن والأعمش وعيسى وعاصم في بعض طُرُقِه وأبو حيوة وابن أبي عبلة وقتادة والجحدري وهبيرة " يومَ " بالنصب. وفيه أوجهُ، أحدها: أن يكونَ خبراً لـ " موعدكم " على أنَّ المرادَ بالموعد المصدرُ أي: وعْدُكم كائن في يوم الزينة كقولِك: القتالُ يومَ كذا والسفر غداً.

    الثاني: أن يكونَ " موعدُكم " مبتدأً، والمرادُ به الزمان، و " ضُحَى " خبرُه على نيةِ التعريفِ فيه؛ لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه، قاله الزمخشري، ولم يُبَيِّنْ ما الناصبُ لـ " يومَ الزينة "؟ ولا يجوز أن يكونَ منصوباً، بـ " موعدُكم " على هذا التقديرِ؛ لأنَّ مَفْعِلاً مراداً به الزمانُ أو المكانُ لا يعملُ وإنْ كان مشتقاً، فيكونُ الناصبُ له فعلاً مقدَّراً. وواخذه الشيخ في قوله " على نيةِ التعريف " قال: " لأنَّه وإن كان ضُحى ذلك اليومِ بعينه فليس على نية التعريفِ، بل هو نكرةٌ، وإن كان من يومٍ بعينه؛ لأنه ليس معدولاً عن الألفِ واللام كسَحَر ولا هو معرَّفٌ بالإِضافةِ, ولو قلت: " جئت يوم الجمعة بَكَراً " لم نَدَّعِ أن بَكَراً معرفةٌ وإن كنت تعلمُ أنه من يومٍ بعينه ".

    الثالث: أن يكونَ " موعدُكم " مبتدأً، والمرادُ به المصدرُ و " يومَ الزينةِ " ظرفٌ له. " وَضُحَى " منصوبٌ على الظرفِ خبراً للموعد، كما أخبر عنه في الوجهِ الأول بيوم الزينة نحو: القتالُ يومَ كذا ".

    قوله: { وَأَن يُحْشَرَ } في محلِّه وجهان، أحدُهما: الجرُّ نَسَقاً على الزينة أي: موعدُكم يومُ الزينة ويومُ أن يُحْشر. أي: ويومُ حَشْرِ الناس. والثاني: الرفعُ: نَسَقاً على " يومُ " التقديرُ: موعدُكم يومُ كذا، وموعدكم أَنْ يُحْشَرَ الناسُ أي: حَشْرُهم.

    وقرأ ابن مسعود والجحدري وأبو نهيك وعمرو بن فائد " وأن تَحْشُرَ الناسَ " بتاء الخطاب في " تَحْشُرَ " ، ورُوي/ عنهم " يَحْشُرَ " بياء الغَيْبة. و " الناسَ " نصبٌ في كلتا القراءتين على المفعوليَّة. والضميرُ في القراءتين لفرعونَ أي: وأَنْ تَحْشُرَ أنت يا فرعونُ، أو وأن يَحْشُرَ فرعونُ. وجوَّز بعضُهم أَنْ يكونَ الفاعلُ ضميرَ اليوم في قراءة الغَيْبة؛ وذلك مجازٌ لمَّا كان الحشرُ واقعاً فيه نُسِبَ إليه نحو: نهارُه صائمٌ وليلُه قائمٌ.

  7. #217
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الرابعة والعشرون بعد المائتين

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { إِنْ هَـظ°ذَانِ لَسَاحِرَانِ } قرأ أبو عمرو «إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ». ورويت عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة؛ وكذلك قرأ الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النَّخَعيّ وغيرهم من التابعين؛ ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم الجحدري؛ فيما ذكر النحاس. وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف. وقرأ الزهريّ والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه «إِنْ هَذَانِ» بتخفيف «إن» «لساحران» وابن كثير يشدّد نون «هذانّ». وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران. وقرأ المدنيون والكوفيون «إنَّ هَذَانِ» بتشديد «إنّ» «لساحران» فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب. قال النحاس: فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ «إِنْ هذانِ إِلاّ ساحِرَانِ» وقال الكسائي في قراءة عبد الله: «إِنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ» بغير لام؛ وقال الفراء في حرف أبيّ «إِنْ ذَانِ إِلاَّ سَاحِرَانِ» فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف.

    قلت: وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الردّ له، والنحاس في إعرابه، والمهدوي في تفسيره، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض. وقد خطأهم قوم حتى قال أبو عمرو: إني لأستحي من الله تعالى أن أقرأ «إِنَّ هَذَانِ»: وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى:{ لَّـظ°كِنِ ظ±لرَّاسِخُونَ فِي ظ±لْعِلْمِ } [النساء: 162] ثم قال: «والمقِيمِين» وفي «المائدة»{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَظ±لَّذِينَ هَادُواْ والصَّابِئُونَ } [البقرة: 62] و«إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» فقالت: يا ابن أختيظ° هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان بن عثمان: قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان، فقال: لحن وخطأ؛ فقال له قائل: ألا تغيِّروه؟ فقال: دَعُوه فإنه لا يحرّم حلالاً ولا يحلّل حراماً.

    القول الأول من الأقوال الستة أَنها لغة بني الحرث بن كعب وزَبيد وخَثْعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف؛ يقولون: جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان، ومنه قوله تعالى:

    { وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ } [يونس: 16] على ما تقدّم. وأنشد الفراء لرجل من بني أسد ـ قال: وما رأيت أفصح منه:
    فأَطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يَرَى مَساغاً لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا
    ويقولون: كسرت يداه وركبت عَلاَه؛ بمعنى يديه وعليه؛ قال شاعرهم:
    تَزوَّدَ مِنّا بين أُذْنَاه ضَرْبَةً دعته إلى هابِي التُّرابِ عَقِيم
    وقال آخر:
    طَارُوا عَلاَهُنَّ فَطِرْ عَلاَهَا
    أي عليهنّ وعليها وقال آخر:
    إنّ أَبَاهَا وأَبَا أباهَا قد بَلَغَا في المجدِ غايتاها
    أي إن أبا أبيها وغايتيها. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يرتضى بعلمه وأمانته؛ منهم أبو زيد الأنصاري، وهو الذي يقول: إذا قال سيبويه حدّثني من أثق به فإنما يعنيني؛ وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة، والكسائي والفراء كلهم قالوا هذا على لغة بني الحارث بن كعب. وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة. المهدوي: وحكى غيره أنها لغة لخثعم. قال النحاس ومن أبين ما في هذا قول سيبويه: واعلم أنك إذا ثنيت الواحد زدت عليه زائدتين، الأولى منهما حرف مدّ ولين وهو حرف الإعراب؛ قال أبو جعفر فقول سيبويه: وهو حرف الإعراب، يوجب أن الأصل ألا يتغير، فيكون «إِنَّ هَذَانِ» جاء على أصله ليعلم ذلك، وقد قال تعالى:{ ظ±سْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ظ±لشَّيْطَانُ } [المجادلة: 19] ولم يقل استحاذ؛ فجاء هذا ليدل على الأصل، وكذلك { إِنْ هَـظ°ذَانِ } ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذْ كان الأئمة قد رووها.

    القول الثاني: أن يكون «إنّ» بمعنى نعم؛ كما حكى الكسائي عن عاصم قال: العرب تأتي بـ«ـإنّ» بمعنى نعم، وحكى سيبويه أن «إنّ» تأتي بمعنى أَجَلْ، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد، وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان؛ قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه. الزمخشري: وقد أعجب به أبو إسحاق. النحاس: وحدّثنا عليّ بن سليمان، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوريّ، ثم لقيت عبد الله بن أحمد (هذا) فحدّثني، قال: حدّثني عمير بن المتوكل، قال: حدّثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حارث بن عبد المطلب، قال: حدّثنا عمرو بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عليّ ـ وهو ابن الحسين ـ عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، قال: لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره: " إنَّ الحمدُ لله نحمده ونستعينه " ثم يقول: " أنا أفصح قريش كلها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص "

    قال أبو محمد الخفاف قال عمير: إعرابه عند أهل العربية والنحو «إنَّ الحمد لله» بالنصب إلا أن العرب تجعل «إن» في معنى نعم، كأنه أراد صلى الله عليه وسلم نعم الحمد لله؛ وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم. وقال الشاعر في معنى نعم:
    قالوا غَدَرْتَ فقلتُ إنّ وربَّمَا نَالَ العُلاَ وشَفَى الغَليلَ الغادِرُ
    وقال عبد الله بن قيس الرُّقيات:
    بَكَرَ العواذلُ في الصَّبا حِ يَلُمْنَني وأَلُومُهُنَّهْ
    ويَقلْنَ شيبٌ قد عَلاَ كَ وقد كَبِرتَ فقلتُ إنَّهْ
    فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عز وجل: «إِنَّ هَذَانَ لَسَاحِرَانِ» بمعنى نعم ولا تنصب. قال النحاس: أنشدني داود بن الهيثم، قال أنشدني ثعلب:
    ليت شعري هل للمحبِّ شفاء من جَوَى حبّهن إنَّ اللقاءُ
    قال النحاس: وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئاً لأنه إنما يقال: نعم زيد خارج، ولا تكاد تقع اللام هاهنا، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك فقالوا: اللام ينوى بها التقديم؛ كما قال:
    خالِي لأنتَ ومَنْ جريرٌ خالُه يَنلِ العَلاَء ويُكْرِم الأَخوالاَ
    قال آخر:
    أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى من الشَّاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
    أي لخالي ولأمّ الحليس؛ وقال الزجاج: والمعنى في الآية إن هذان لهما ساحران ثم حذف المبتدأ. المهدوي: وأنكره أبو عليّ وأبو الفتح بن جنيّ. قال أبو الفتح: «هما» المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عُرِف، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام، ويقبح أن تحذف المؤكَّد وتترك المؤكِّد.

    القول الثالث قاله الفراء أيضاً: وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت: «الذي» ثم زدت عليه نوناً فقلت: جاءني الذين عندك، ورأيت الذين عندك، ومررت بالذين عندك.

    القول الرابع قاله بعض الكوفيين؛ قال: الألف في «هذان» مشبهة بالألف في يفعلان؛ فلم تغير.

    القول الخامس: قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون الهاء هاهنا مضمرة، والمعنى: إنه هذان لساحران؛ قال ابن الأنباري: فأضمرت الهاء التي هي منصوب «إن» و«هذان» خبر «إن» و«ساحران» يرفعها «هما» المضمر (والتقدير) إنه هذان لهما ساحران. والأشبه عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم «إن» و«هذان» رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء.

    القول السادس: قال أبو جعفر النحاس وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية، فقال: إن شئت أجبتك بجواب النحويين، وإن شئت أجبتك بقولي؛ فقلت: بقولك؛ فقال: سألني إسماعيل بن إسحاق عنها فقلت: القول عندي أنه لما كان يقال «هذا» في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد، أجريت التثنية مجرى الواحد؛ فقال: ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس به؛ قال ابن كيسان: فقلت له: فيقول القاضي به حتى يؤنس به؛ فتبسم....

    وقال الطبري

    قال أبو جعفر والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا { إنّ } بتشديد نونها، وهذان بـالألف لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وأنه كذلك هو فـي خطّ الـمصحف. ووجهه إذا قرىء كذلك مشابهته الذين إذ زادوا علـى الذي النون، وأقرّ فـي جميع الأحوال الإعراب علـى حالة واحدة، فكذلك { إنَّ هَذَانِ } زيدت علـى هذا نون وأقرّ فـي جميع أحوال الإعراب علـى حال واحدة، وهي لغة بلـحرث بن كعب، وخثعم، وزبـيد، ومن ولـيهم من قبـائل الـيـمن.

  8. #218
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الخامسة والعشرون بعد المائتين

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ } الإجماع الإحكام والعزم على الشيء. تقول: أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت. وقراءة كل الأمصار «فَأَجْمِعُوا» إلا أبا عمرو فإنه قرأ «فَاجْمَعُوا» بالوصل وفتح الميم. واحتج بقوله: تعالى{ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ } [طه: 60]. قال النحاس وفيما حُكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال: يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس. قال: لأنه احتج بـ«ـجمع» وقوله عز وجل: «فجمع كيده» قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده «فَاجْمَعُوا» ويقرب أن يكون بعده «فَأَجْمِعُوا» أي اعزموا وجدّوا؛ ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه يقال: أمر مجمع ومُجمَع عليه. قال النحاس: ويصحح قراءة أبي عمرو «فَاجْمَعُوا» أي اجمعوا كل كيد لكم وكل حيلة فضُمُّوه مع أخيه. وقاله أبو إسحاق. الثعلبي: القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، تقول: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد، وفي الصحاح: وأجمعت الشيء جعلته جميعاً؛ قال أبو ذؤيب يصف حُمُراً:
    فكأنّها بالجِزْعِ بَيْنَ نُبَايِعٍ وأولاتِ ذي العَرْجاءِ نَهْبٌ مُجمَعُ
    أي مجموع. والثاني: أنه بمعنى العزم والإحكام؛ قال الشاعر:
    يا ليت شِعرِي والمُنَى لا تَنفعُ هل أغدُوَن يوماً وأمرِي مُجمَعُ
    أي مُحكَم.....

    وقال الالوسي

    فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ } تصريح بالمطلوب إثر تمهيد المقدمات. والفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين يريدان بكم ما يريدان فأزمعوا كيدكم واجعلوه مجمعاً عليه بحيث لا يتخلف عنه منكم أحد وارموا عن قوس واحدة. وقرأ الزهري وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب في رواية وأبو حاتم { فَاجمعواْ } بوصل الهمزة وفتح الميم من الجمع، ويعضده قوله تعالى:{ فَجَمَعَ كَيْدَهُ } [طه: 60] وفي الفرق بين جمع وأجمع كلام للعلماء. قال ابن هشام: إن أجمع يتعلق بالمعاني فقط وجمع مشترك بين المعاني والذوات. وفي «عمدة الحفاظ» حكاية القول بأن أجمع أكثر ما يقال في المعاني وجمع في الأعيان فيقال: أجمعت أمري وجمعت قومي وقد يقال بالعكس. وفي «المحكم» أنه يقال: جمع الشيء عن تفرقة يجمعه جمعاً وأجمعه فلم يفرق بينهما، وقال الفراء: إذا أردت جمع المتفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون وإذا أردت جمع المال قلت جمعت بالتشديد ويجوز تخفيفه والإجماع الإحكام والعزيمة على الشيء ويتعدى بنفسه وبعلى تقول: أجمعت الخروج وأجمعت على الخروج، وقال الأصمعي: يقال جمعت الشيء إذا جئت به من هنا ومن هنا وأجمعته إذا صيرته جميعاً، وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً وعزم عليه بعد ما كان متفرقاً وتفرقته أن يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا والجمع أن يجمع شيئاً إلى شيء، وقال الفراء: في هذه الآية على القراءة الأولى أي لا تدعوا شيئاً من كيدكم إلا جئتم به....

  9. #219
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة السادسة والعشرون بعد المائتين

    قال السمين

    قوله: { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } قرأ العامَّة " يُخَيَّل " بضمِّ الياء الأولى وفتحِ الثانية مبنياً للمفعول. و " أنَّها تَسْعى " مرفوعٌ بالفعلِ قبلَه لقيامِه مقامَ الفاعلِ تقديرُه: يُخَيَّل إليه سَعْيُها. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: أحدهما: أَنْ يكونَ القائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرَ الحبالِ والعِصِيِّ، وإنما ذُكِّرَ ولم يَقُلْ ِ " تُخَيَّل " بالتاء مِنْ فوقُ؛ لأنَّ تأنيثَ الحبالِ غيرُ حقيقي. الثاني: أنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ ضميرٌ يعودُ على المُلْقى، ولذلك ذُكِّرَ. وعلى الوجهين ففي قولِه " أنها تسعى " وجهان، أحدُهما: أنَّه بدلُ اشتمالٍ من ذلك الضمير المستترِ في " يُخَيَّل ". والثاني: أنه مصدرٌ في موضع نصبٍ على الحالِ من الضميرِ المستتر أيضاً. والمعنى: يُخَيَّل إليه هي أنها ذاتُ سَعْيٍ. ولا حاجةَ إلىظ° هذا، وأيضاً فقد نَصُّوا على أنَّ المصدرَ المؤول لا يقع موقعَ الحالِ. لو قلت: " جاء زيدٌ أَنْ يركضَ " تريد ركضاً، بمعنىظ° ذا ركض، لم يَجُزْ.

    وقرأ ابن ذكوان " تُخَيَّلُ " بالتاء من فوق. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ الفعلَ مُسْنَدٌ لضميرِ الحبالِ والعِصِيِّ أي: تُخَيَّلُ الحبالُ والعِصِيُّ، و " أنَّها تَسْعَى " بدلُ اشتمال من ذلك الضميرِ. الثاني: كذلك إلاَّ أنَّ " أنَّها تَسْعى " حالٌ أي: ذات سعي كما تقدَّم تقريرُه قبل ذلك. الثالث: أن الفعلَ مسندٌ لقولِه " أنَّها تَسْعى " كقراءةِ العامَّةِ في أحدِ الأوجهِ، وإنما أَنَّثَ الفعلَ لاكتسابِ المرفوعِ التأنيثَ بالإِضافة؛ إذا التقديرُ: تُخَيَّلُ إليه سعيُها فهو كقوله:
    3302ـ......................... ......... شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ
    [وقوله تعالى:]{ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [الأنعام: 160].

    وقرأ أبو السَّمَّال " تَخَيَّلُ " بفتح التاءِ والياء مبنياً للفاعلِ، والأصلُ: تَتَخَيَّلُ فَحَذَفَ إحدى التاءَيْن نحو:{ تَنَزَّلُ ظ±لْمَلاَئِكَةُ } [القدر: 4]، و " أنَّها تَسْعَىظ° " بدلُ اشتمالٍ أيضاً من ذلك الضمير. وجَوَّز ابنُ عطيةَ أيضاً أنه مفعولٌ مِنْ أجله. ونقل ابنُ جُبارة الهُذَليُّ قراءة أبي السمَّال " تُخَيِّل " بضمِّ التاء مِنْ فوقُ وكسر الياء، فالفعلُ مسندٌ لضميرِ الحِبال، و " أنها تَسْعىظ° " مفعولٌ أي: تُخَيِّلُ الحبالُ سَعْيَها. ونَسَبَ ابنُ عطيةَ هذه القراءةَ للحسنِ وعيسى الثقفيِّ.

    وقرأ أبو حيوةَ " نُخَيِّل " بنونِ العظمة، و " أنها تَسْعَىظ° " مفعولٌ به أيضاً على هذه القراءةِ.....

    وقال الزمخشري

    وقرىء { تَلْقَفْ } بالرفع على الاستئناف أو على الحال، أي ألقها متلقفة وقرىء «تلقف» بالتخفيف. { صَنَعُواْ } ههنا بمعنى زوّروا وافتعلوا كقوله تعالى{ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } الأعراف 117 قرىء { كَيْدُ سَاحِرٍ } بالرفع والنصب. فمن رفع فعلى أنّ ما موصولة. ومن نصب فعلى أنها كافة. وقرىء «كيد سحر» بمعنى ذي سحر، أو ذوي سحر. أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته. أو بين الكيد، لأنه يكون سحراً وغير سحر، كما تبين المائة بدرهم. ونحوه علم فقه، وعلم نحو. فإن قلت لم وحد ساحر ولم يجمع؟ قلت لأنّ القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد، فلو جمع، لخيل أنّ المقصود هو العدد. ألا ترى إلى قوله { وَلاَ يُفْلِحُ ظ±لسَّـاحِرُ } أي هذا الجنس. فإن قلت فلم نكر أولاً وعرف ثانياً؟ قلت إنما نكر من أجل تنكير المضاف، لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العَجَّاج
    في سَعْي دُنْيَا طَالَمَا قَدْ مَدَّتْ
    وفي حديث عمر رضي الله عنه لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة المراد تنكير الأمر، كأنه قيل إن ما صنعوا كيد سحري. وفي سعي دنيوي. وأمر دنيوي وأخروي { حَيْثُ أَتَىظ° } كقولهم حيث سير، وأية سلك، وأينما كان.

    وقال الطبري

    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة { إنَّـمَا صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ } برفع كيد وبـالألف فـي ساحر بـمعنى إن الذي صنعه هؤلاء السحرة كيد من ساحر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة «إنَّـمَا صَنَعُوا كَيْدُ سِحْرٍ» برفع الكيد وبغير الألف فـي السحر بـمعنى إن الذي صنعوه كيد سحر. والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، وذلك أن الكيد هو الـمكر والـخدعة، فـالساحر مكره وخدعته من سحر يسحر، ومكر السحر وخدعته تـخيـله إلـى الـمسحور، علـى خلاف ما هو به فـي حقـيقته، فـالساحر كائد بـالسحر، والسحر كائد بـالتـخيـيـل، فإلـى أيهما أضفت الكيد فهو صواب. وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ «كَيْدَ سِحْرٍ» بنصب كيد. ومن قرأ ذلك كذلك، جعل إنـما حرفـاً واحداً وأعمل صنعوا فـي كيد. قال أبو جعفر وهذه قراءة لا أستـجيز القراءة بها لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافها....

  10. #220
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة السابعة والعشرون بعد المائتين

    قال ابن الجوزى

    . قوله تعالى: { قال آمنتم له } قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، وورش عن نافع: «آمنتم له» على لفظ الخبر. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «آمنتم له» بهمزة ممدودة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «أآمنتم له» بهمزتين الثانية ممدودة....

    وقال السمين

    قوله: { لاَّ تَخَافُ } العامَّةُ على " لا تَخاف " مرفوعاً، وفيه أوجهٌ، أحدها: أنه مستأنفٌ فلا محلَّ له من الإِعراب. الثاني: أنه في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل " اضرِبْ " أي: اضرب غيرَ خائفٍ. والثالث: أنه صفةٌ لـ " طريقاً " ، والعائدُ محذوفٌ أي لا تخافُ فيه.

    [وقرأ] حمزةُ وحدَه من السبعة " لا تَخَفْ " بالجزم على النهي. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ نَهْياً مستأنِفاً. الثاني: أنه نهيٌ أيضاً في محلِّ نصب على الحال من فاعل " اضرِبْ " أو صفةٌ لطريقاً، كما تقدَّم في قراءةِ العامَّةِ، إلاَّ أن ذلك يحتاج إلى إضمار قول أي: مقولاً لك، أو طريقاً مقولاً فيها: لا تخف. كقوله:
    3308ـ جاؤوا بمَذْقٍ هل رَأَيْتَ الذئبَ قَطّ
    الثالث: مجزومٌ على جوابِ الأمر أي: إن تضربْ طريقاً يَبَساً لا تَخَفْ.

    قوله: { وَلاَ تَخْشَىظ° } لم يُقْرأ إلاَّ ثابتَ الألفِ. وكان مِنْ حَقِّ مَنْ قرأ " لا تَخَفْ " جزماً أن يَقْرأ " لا تَخْشَ " بحذفِها، كذا قال بعضُهم. وليس بشيءٍ لأنَّ القراءةَ سُنَّةٌ. وفيها أوجه أحدها: أن تكونَ حالاً. وفيه إشكالٌ: وهو أنَّ المضارعَ المنفيَّ بـ " لا " كالمُثْبَتِ في عدمِ مباشرةِ الواو له. وتأويلُه على حذف مبتدأ أي: وأنت لا تَخْشَىظ° كقولِه:
    3309ـ........................ نَجَوْتُ وأَرْهَنُهـــم مالِكــا
    والثاني: أنه مستأنفٌ. أخبره تعالىظ° أنه لا يَحْصُل له خوفٌ.

    والثالث: أنه مجزومٌ بحذفِ الحركةِ تقديراً كقولِه:
    3310ـ إذا العَجوْزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ
    وقولِ الآخر:
    3311ـ........................ كَأَنْ لم تَرَى قبلي أسيراً يمانيا
    ومنه{ فَلاَ تَنسَىظ° } [الأعلى: 6] في أحد القولين، إجراءً لحرفِ العلة مُجْرى الحرفِ الصحيح. وقد تقدَّم لك من هذا جملةٌ صالحة في سورةِ يوسف عند{ مَن يَتَّقِ } [الآية: 90]. والرابع: أنه مجزومٌ أيضاً بحذفِ حرفِ العلةِ. وهذه الألفُ ليسَتْ تلك، أعني لامَ الكلمة، إنما هي ألفُ إشباع أُتِيَ بها موافقةً للفواصلِ ورؤوسِ الآي، فهي كالألفِ في قولِه:{ ظ±لرَّسُولاَ } [الأحزاب: 66] و{ ظ±لسَّبِيلاْ } [الأحزاب: 67] و{ ظ±لظُّنُونَاْ } [الأحزاب: 10] وهذه الأوجهُ إنما يحتاجُ إليها في قراءةِ جزمِ " لا تَخَفْ ". وأمَّا من قرأه مرفوعاً فهذا معطوفٌ عليه....

    قوله: { مَا غَشِيَهُمْ } فاعلُ " غَشِيَهم " ، وهذا من باب الاختصار وجوامعِ الكَلِمِ التي يَقِلُّ لفظُها ويكثُر معناها أي: فغشِيَهم ما لا يَعْلم كُنْهَه إلاَّ اللهُ تعَالى. وقرأ الأعمش: " فَغَشَّاهم " مضعَّفاً. وفي الفاعل حينئذٍ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه " ما غَشَّاهم " كالقراءةِ قبله. أي: غَطَّاهم من اليَمِّ ما غَطَّاهم. والثاني: هو ضميرُ الباري تعالىظ° أي: فَغَشَّاهم اللهُ. والثالث: هو ضميرُ فرعونَ لأنه السببُ في إهْلاكهم. وعلى هذين الوجهين فـ " ما غَشَّاهم " في محلِّ نصبٍ مفعولاً ثانياً.

  11. #221
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثامنة والعشرون بعد المائتين

    قال القرطبي

    وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ } «جانب» نصب على المفعول الثاني «لواعدنا» ولا يحسن أن ينتصب على الظرف؛ لأنه ظرف مكان محض غير مبهم. وإنما تتعدى الأفعال والمصادر إلى ظروف المكان بغير حرف جر إذا كانت مبهمة. قال مكيّ: هذا أصل لا خلاف فيه؛ وتقدير الآية: وواعدناكم إتيان جانب الطُّور؛ ثم حذف المضاف. قال النحاس: أي أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة، فالوعد كان لموسى ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم. وقرأ أبو عمرو «وَوَعَدْنَاكُمْ» بغير ألف واختاره أبو عبيد؛ لأن الوعد إنما هو من الله تعالى لموسى خاصة، والمواعدة لا تكون إلا من اثنين؛ وقد مضى في «البقرة» هذا المعنى. ...

    فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىظ° } قرأ الأعمش ويحيـى بن وثاب والكسائي «فَيَحُلَّ» بضم الحاء «وَمَنْ يَحْلُلْ» بضم اللام الأولى. والباقون بالكسر وهما لغتان. وحكى أبو عبيدة وغيره: أنه يقال: حَلّ يحِلّ إذا وجب وحَلّ يَحُلّ إذا نزل. وكذا قال الفراء: الضم من الحلول بمعنى الوقوع والكسر من الوجوب. والمعنيان متقاربان إلا أن الكسر أولى؛ لأنهم قد أجمعوا على قوله:{ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } [هود: 39...

    وقال السمين

    قوله: { فَيَحِلُّ }: قرأ العامة " فيحِلُّ " بكسر الحاء، واللام من " يَحْلِلْ ". والكسائيُّ في آخرين بضمِّهما، وابن عتيبة وافق العامَّةَ في الحاء، والكسائيَّ في اللام. فقراءةُ العامَّةِ مِنْ حَلَّ عليه كذا أي: وَجَبَ، مِنْ حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ أي: وَجَبَ قضاؤُه. ومنه قولُه:{ حَتَّىظ° يَبْلُغَ ظ±لْهَدْيُ مَحِلَّهُ } [البقرة: 196] ومنه أيضاً{ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } [الزمر: 40]. وقراءةُ الكسائي مِنْ حَلَّ يَحُلُّ أي: نَزَل، ومنه{ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ } [الرعد: 31].

    والمشهورُ أنَّ فاعلَ " يَحلُّ " في القراءتين هو " غضبي ". وقال صاحب " اللوامح ": " إنه مفعولٌ به، وإنَّ الفاعلَ تُرِك لشُهْرَته، والتقدير: فيحِلُّ عليكم طُغْيانُكم غضبي، ودَلَّ عليه " ولا تَطْغَوا ". ولا يجوز أن يُسْند إلى " غضبي " فيصيرَ في موضعِ رفعٍ بفعله ". ثم قال: " وقد يُحْذَفُ المفعولُ للدليلِ عليه، وهو " العذابَ " ونحوه ". قلت: فعنده أنَّ حَلَّ متعدٍّ بنفسِه لأنه من الإِحلال كما صَرَّح هو به. وإذا كان من الإِحْلال تعدَّىظ° لواحدٍ، وذلك المتعدَّىظ° إليه: إمَّا " غضبي " ، على أنَّ الفاعلَ ضميرٌ عائدٌ على الطغيانِ، كما قَدَّره، وإمَّا محذوفٌ، والفاعل " غضبي ". وفي عبارته قَلَقٌ.

    وقرأ طلحة " لا يَحِلَّنَّ عليكم " بـ " لا " الناهيةِ وكسرِ الحاء، وفتحِ اللامِ مِنْ يَحِلَّنَّ، ونونِ التوكيد المشددة أي: لا تتعرَّضوا للطُغْيان فيحقَّ عليكم غضبي، وهو من باب " لا أُرَيَنَّك ههنا ".

  12. #222
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة التاسعة والعشرون بعد المائتين

    قال الرازى

    فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ظ±لسَّامِرِىُّ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى خلق فيهم الكفر لوجهين، الوجه الأول: الدلائل العقلية الدالة على أنه لا يجوز من الله أن يفعل ذلك. الثاني: أنه قال: { وَأَضَلَّهُمُ ظ±لسَّامِرِىُّ } ولو كان الله خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامري فيه أثر وكان يبطل قوله: { وَأَضَلَّهُمُ ظ±لسَّامِرِىُّ } وأيضاً فلأن موسى عليه السلام لما طالبهم بذكر سبب تلك الفتنة قال: { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ظ±لْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } فلو حصل ذلك بخلق الله تعالى لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فينا لا ما ذكرت فكان يبطل تقسيم موسى عليه السلام وأيضاً فقال: { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو الخالق له ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله: { فَتَنَّا } معنى آخر وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان. يقال: فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته بالنار لكي يتميز الجيد من الرديء فههنا شدد الله التكليف عليهم وذلك لأن السامري لما أخرج لهم ذلك العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أن لها إلهاً ليس بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف فكان فتنة والتشديد في التكليف موجود قال تعالى:{ أَحَسِبَ ظ±لنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [العنكبوت: 2] هذا تمام كلام المعتزلة قال الأصحاب: ليس في ظهور صوت عن عجل متخذ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون ذلك العجل إلهاً فحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف فلا يصح حمل الآية عليه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم، قولهم: أضاف الإضلال إلى السامري قلنا: أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها هو الله تعالى فكذا ههنا

    وأيضاً قرىء وأضلهم السامري أي وأشدهم ضلالاً السامري وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة الاستدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب التمسك بفصل الداعي على ما سبق تقريره في هذا الكتاب مراراً كثيرة.

    وقال ابن عطية

    وقرأت فرقة " وأضلَّهم السامري " على إسناد الفعل إلى { السامري } وقرأت فرقة " وأضلُّهم السامري " بضم اللام على الابتداء والإخبار عن { السامري } بأنه " أضلُّ " القوم، والقراءة الأولى أكثر وأشد في تذنيب السامري....

    وقال ابن الجوزى فى زاده

    قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: بكسر الميم، وقرأ نافع، وعاصم: بفتح الميم. وقرأ حمزة، والكسائي: بضم الميم. قال أبو علي: وهذه لغات. وقال الزجاج: المُلْك، بالضم: السلطان والقدرة. والمِلْك، بالكسر: ما حوته اليد. والمَلْك، بالفتح: المصدر، يقال: ملكت الشيء أملكه ملكاً.

    وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال.

    أحدها: ما كنا نملك الذي اتُّخذ منه العجلُ، ولكنها كانت زينة آل فرعون، فقذفناها، قاله ابن عباس.

    والثاني: بطاقتِنا، قاله قتادة، والسدي.

    والثالث: لم نملك أنفسنا عند الوقوع في البليَّة، قاله ابن زيد.

    والرابع: لم يملك مؤمنونا سفهاءنا، ذكره الماوردي.

    فيخرَّج فيمن قال هذا لموسى قولان.

    أحدهما: أنهم الذين لم يعبُدوا العجل.

    والثاني: عابدوه.

    قوله تعالى: { ولكنَّا حُمّلنا أوزاراً } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «حُمِّلْنا» بضم الحاء وتشديد الميم.

    وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «حملنا» خفيفة. والأوزار: الاثقال. والمراد بها: حلي آل فرعون الذي كانوا استعاروه منهم قبل خروجهم من مصر. فمن قرأ «حُمِّلنا» بالتشديد، فالمعنى: حَمَّلنَا [ها] موسى، أمَرَنا باستعارتها من آل فرعون....

    وقال الطبري

    وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة «بِـمَلْكِنا» بفتـح الـميـم، وقرأته عامة قرّاء الكوفة «بِـمُلْكِنا» بضم الـميـم، وقرأه بعض أهل البصرة { بِـمِلْكِنا } بـالكسر. فأما الفتـح والضمّ فهما بـمعنى واحد، وهما بقدرتنا وطاقتنا، غير أن أحدهما مصدر، والآخر اسم. وأما الكسر فهو بـمعنى ملك الشيء وكونه للـمالك. واختلف أيضا أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم معناه ما أخـلفنا موعدك بأمرنا. ذكر من قال ذلك حدثنـي علـيّ، قال ثنا عبد الله، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ عن ابن عبـاس، قوله { ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا } يقول بأمرنا. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال ثنا الـحسن، قال ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله { بِـمَلْكِنا } قال بأمرنا. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله. وقال آخرون معناه بطاقتنا. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { قالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا } أي بطاقتنا. حدثنا موسى، قال ثنا عمرو، قال ثنا أسبـاط، عن السدي { قالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا } يقول بطاقتنا. وقال آخرون معناه ما أخـلفنا موعدك بهوانا، ولكنا لـم نـملك أنفسنا. ذكر من قال ذلك حدثنـي يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد، فـي قوله { ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا } قال يقول بهوانا، قال ولكنه جاءت ثلاثة، قال ومعهم حلـيّ استعاروه من آل فرعون، وثـياب. وقال أبو جعفر وكلّ هذه الأقوال الثلاثة فـي ذلك متقاربـات الـمعنى، لأن من لـم يهلك نفسه، لغلبة هواه علـى ما أمر، فإنه لا يـمتنع فـي اللغة أن يقول فعل فلان هذا الأمر، وهو لا يـملك نفسه وفعله، وهو لا يضبطها وفعله وهو لا يطيق تركه. فإذا كان ذلك كذلك، فسواء بأيّ القراءات الثلاث قرأ ذلك القارىء، وذلك أن من كسر الـميـم من الـملك، فإنـما يوجه معنى الكلام إلـى ما أخـلفنا موعدك، ونـحن نـملك الوفـاء به لغلبة أنفسنا إيانا علـى خلافه، وجعله من قول القائل هذا ملك فلان لـما يـملكه من الـمـملوكات، وأن من فتـحها، فإنه يوجه معنى الكلام إلـى نـحو ذلك، غير أنه يجعله مصدراً من قول القائل ملكت الشيء أملكه ملكاً وملكة، كما يقال غلبت فلاناً أغلبه غَلبـاً وغَلَبة، وأن من ضمها فإنه وجَّه معناه إلـى ما أخـلفنا موعدك بسلطاننا وقدرتنا، أي ونـحن نقدر أن نـمتنع منه، لأن كل من قهر شيئاً فقد صار له السلطان علـيه.

    وقد أنكر بعض الناس قراءة من قرأه بـالضمّ، فقال أيّ ملك كان يومئذٍ لبنـي إسرائيـل، وإنـما كانوا بـمصر مستضعفـين، فأغفل معنى القوم وذهب غير مرادهم ذهابـاً بعيداً وقارئو ذلك بـالضم لـم يقصدوا الـمعنى الذي ظنه هذا الـمنكر علـيهم ذلك، وإنـما قصدوا إلـى أن معناه ما أخـلفنا موعدك بسلطان كانت لنا علـى أنفسنا نقدر أن نردّها عما أتت، لأن هواها غلبنا علـى إخلافك الـموعد....

    وقال السمين

    وقرأ أبو عمروٍ في روايةٍ، والحسن وعيسى بن عمر بفتح " أنَّ ربَّكم " فقط. وخُرِّجَتْ على وجهين، أحدهما: أنها وما بعدها بتأويل مصدرٍ في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديرُه: والأمرُ أَنْ ربَّكم الرحمنُ فهو مِنْ عطفِ الجملِ لا مِنْ عطفِ المفرداتِ. والثاني: أنها مجرورةٌ بحرفٍ مقدَّرٍ ِأي: لأنَّ ربَّكم الرحمنُ فاتَّبعوني. وقد تقدَّم القولُ في نظيرِ ذلك بالنسبة إلى هذه الفاء.

  13. #223
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثلاثون بعد المائتين

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور " يبصروا " بالياء يريد بني إسرائيل، وقرأ حمزة والكسائي " تبصروا " بالتاء من فوق يريد موسى مع بني إسرائيل،

    وقرأ الجمهور " فقبضت قبضة " بالضاد منقوطة بمعنى أخذت بكفي مع الأصابع، وقرأ ابن مسعود وابن الزبير وأبي بن كعب وغيرهم، " فقبصت قبصة " بالصاد غير منقوطة بمعنى أخذت بأصابعي فقط،....

    وقرأ الجمهور " تخلَفه " بفتح اللام على معنى لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " لن تخلِفه " بكسر اللام على معنى لن تستطيع الروغان عنه والحيدة فتزول عن موعد العذاب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف " لن نخلفه " بالنون، قال أبو الفتح المعنى لن نصادفه مخلفاً ع وكلها بمعنى الوعيد والتهديد....

    وقال السمين

    قوله: { لَّن تُخْلَفَهُ } قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو بكسرِ اللامِ على البناء للفاعل. والباقون بفتحِها على البناءِ للمفعولِ. وقرأ أبو نهيك ـ فيما حكاه عنه ابن خالويه ـ بفتح التاء من فوقُ، وضمِّ اللام، وحكى عنه صاحب " اللوامح " كذلك، إلاَّ أن بالياء مِنْ تحتُ. وابنُ مسعودٍ والحسن بضمِّ نونِ العظمة وكسرِ اللام.

    فأمَّا القراءةُ الأولى فمعناها: لن تجدَه مُخلَّفاً كقولك: أَحْمَدْتُه وأَجْبَنْتُه/ أي: وَجَدْتُه مَحْمُوداً وجَباناً. وقيل: المعنىظ°: سيصلُ إليك، ولن تستطيعَ الرَّوَغانَ ولا الحَيْدَة عنه. قال الزمخشري: " وهذا مِنْ أَخْلَفْتُ الوعدَ إذا وجدتَه مُخْلَفاً. قال الأعشىظ°:
    3316ـ أَثْوَىظ° وقَصَّر لَيْلَةً لِيُزَوَّدا فَمَضىظ° وأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
    ومعنى الثانيةِ: لن يُخْلِفَ اللهُ موعدَه الذي وَعَدك. وأمَّا قراءتا أبي نهيك فهما مِنْ خَلَفَه يَخْلُفُه إذا جاء بعدَه أي: الموعدَ الذي لك لا يَدْفع قولَك الذي تقولُه. وهي قراءةٌ مُشْكِلَةٌ. قال أبو حاتم: " لا نعرف لقراءةِ أبي نهيك مذهباً " وأمَّا قراءةُ ابنِ مسعود فأسند الفعلَ فيها إلى الله تعالىظ°. والمفعولُ الأولُ محذوفٌ أي: لن يُخْلِفَكه.

    وقال ابن عطية

    . وقرأت فرقة " لنحرِقنه " بتخفيف الراء بمعنى النار، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس " لنحرُقنَّه " بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافع وغيره " لنُحرِّقنه " بضم النون وكسر الراء وشدها وهذا تضعيف مبالغة لا تعدية وهي قراءة تحتمل الحرق بالنار وتحتمل بالمبرد، وفي مصحف أبي وعبدالله بن مسعود " لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه " ، وهذه القراءة مع رواية من روى أن العجل صار لحماً ودماً، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرق بنار وإلا فإذا كان جماداً من ذهب فإنما هو حرق بمبرد اللهم إلا أن تكون إذابة ويكون النسف مستعاراً لتفريقه في اليم مذاباً. وقرات فرقة " لننسِفنه " بكسر السين، وقرأت فرقة " لننسُفنه " بضم السين. و " النسف " تفريق الريح الغبار وكل ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه فهو نسف....

    وقال السمين

    قوله: { لَّنُحَرِّقَنَّهُ } جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي: واللهِ لَنُحَرِّقَنَّهُ. والعامَّة على ضمِّ النونِ وكسرِ الراءِ مشددةً مِنْ حَرَّقه يُحرِّقُه بالشديد. وفيها تأويلان. أظهرُهما: أنها مِنْ حَرَّقه بالنار. والثاني: أنه مِنْ حَرَق نابُ البعير، إذا وقع عَضُّ ببعضِ أنيابِه على بعضٍ. والصوتُ المسموعُ منه يُقال له الصَّريفُ. والمعنى: لنَبْرُدَنَّه بالمِبْرد بَرْداً نمحقُه به كما يفعل البعيرُ بأنيابِه بعضها على بعض.

    وقرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر " لَنُحْرِقَنَّه " بضم النون وسكونِ الحاءِ وكسرِ الراء، مِنْ أحرق رباعياً. وقرأ ابن عباس وحميد وعيسى وأبو جعفر " لَنَحْرُقَنَّه " كذلك إلاَّ أنه ضمَّ الراء. فيجوز أن يكونَ أَحْرق وحرَّق بمعنى كأَنْزَل ونَزَّل. وأمَّا القراءةُ الأخيرة فبمعنى لنَبْرُدَنَّه بالمبرد.

    وقال ابن عطية

    ، و { يوم } ظرف، و { يوم } الثاني بدل منه وقرأ الجمهور " يُنفخ " بضم الياء وبناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة " يَنفخ " بفتح الياء وبناء الفعل للفاعل، أي ينفخ الملك. وقرأ أبو عمرو وحده " ننفخ " بالنون أي بأمرنا وهذه القراءة تناسب قوله { ونحشر }. وقرأ الجمهور " في الصور " بسكون الواو، ومذهب الجمهور أنه القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وبهذا جاءت الأحاديث، وقالت فرقة " الصوَر " جمع صورة كثمرة وثمر. وقرأ ابن عياض " ينفخ في الصوَر " بفتح الواو وهذه صريحة في بعث الأجساد من القبور، وقرأت فرقة هي الجمهور، " ونحشر " بالنون، وقرأت فرقة " ويحشر " بالياء، وقرأت فرقة " ويُحشر " بضم الياء " المجرمون " على المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف

  14. #224
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الواحدة و الثلاثون بعد المائتين

    قال ابن عطية

    وكلهم قرأ { فلا يخاف ظلماً } على الخبر، غير ابن كثير فإنه قرأ " فلا يخف " على النهي...

    وقال الالوسي

    فَغَوَى } ضل عن مطلوبه الذي هو الخلود أو عن المطلوب منه وهو ترك الأكل من الشجرة أو عن الرشد حيث اغتر بقول العدو، وقيل: غوى أي فسد عليه عيشه، ومنه يقال: الغواء لسوء الرضاع. وقرىء { فَغَوَىظ° } بفتح الغين وكسر الواو وفتح الياء أي فبشم من كثرة الأكل من غوى الفصيل إذا اتخم من اللبن وبه فسرت القراءة الأخرى، وتعقب ذلك الزمخشري فقال وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً فيقول في فني وبقي فنا وبقا بالألف وهم بنو طيىء تفسير خبيث....

    قال ابن عطية

    ثم ابتدأ يوبخهم ويذكرهم العبر بقوله { أفلم يهدِ، لهم } وقرأت فرقة " يهد " بالياء بمعنى يتبين، واختلفت هذه الفرقة في الفاعل فقال بعضها الفاعل { كم } وهذا قول كوفي. ونحاة البصرة لا يجيزونه لأن " كم " لها صدر الكلام، وفي قراءة ابن مسعود " أفلم يهد لهم من أهلكنا " فكأن هذه القراءة تناسب ذلك التأويل في { كم } وقال بعضهم الفاعل الله عز وجل، والمعنى { أفلم يهد لهم } ما جعل الله لهم من الآيات والعبر فأضاف الفعل إلى الله عز وجل بهذا الوجه قاله الزجاج، وقال بعضهم الفاعل مقدر الهدى أو الأمرع أو النظر او الاعتبار هذا أحسن ما يقدر به عندي، وقرأت فرقة " نهد " بالنون وهذه القراءة تناسب تأويل من قال في التي قبلها الفاعل الله تعالى.....

    وقرأ الجمهور " لعلك تَرضى " بفتح التاء أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم " لعلك تُرضى " أي لعلك تُعطى ما يرضيك....

    وقال السمين

    قوله: { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ }: قرأ نافع وأبو عمرو وحفص " تأتهم " بالتأنيثِ, والباقون بالياء مِنْ تحت؛ لأنَّ التأنيثَ مجازي. وقرأ العامَّةُ " بَيِّنَةُ ما " بإضافة " بَيِّنَة " إلَى " ما " مرفوعةً وهي واضحةٌ.

    وقرأ أبو عمروٍ فيما رواه أبو زيدٍ بتنوينِ " بَيِّنَةٌ " مرفوعةً.

    وعلى هذه القراءةِ ففي " ما " أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ من " بَيِّنَةٌ " بدل كل من كل. والثاني: أن تكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هي ما في الصحف الأولىظ°. والثالث أَنْ تكونَ " ما " نافيةً. قال صاحب: اللوامح ": " وأُريدَ بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصلِ ممَّا لم يكنْ في غيرِه من الكتب ".

    وقرأَتْ جماعةٌ " بَيِّنَةً " بالتنوين والنصب. ووجهُها أَنْ تكونَ " ما " فاعلةً، و " بَيِّنَةً " نصب على الحال، وأنَّث على معنىظ° " ما ". ومَنْ قرأ بتاء التأنيث فحملاً على معنى " ما " ، ومَنْ قرأ بياءِ الغَيْبة فعلى لفظِها.

    وقال ابن عطية

    الصراط } الطريق. وقرأت فرقة " السوي " ، وقرأت فرفة " السوء " فكأن هذه القراءة قسمت الفريقين أي ستعلمون هذا من هذا وقرأت فرقة " السوَّي " بشد الواو وفتحها، وقرأت فرقة " السُّوؤى " بضم السين وهمزة على الواو على وزن فعلى،

  15. #225
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجزء السابع عشر

    سورة الانبياء


    الجوهرة الثانية و الثلاثون بعد المائتين


    قال ابن عطية

    { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } أي يعلم أقوالكم هذه وهو بالمرصاد في المجازاة عليها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " قل ربي " وقرأ حمزة والكسائي " قال ربي يعلم " على معنى الخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، واختلف عن عاصم، قال الطبري رحمه الله وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الإهماز....

    وقرأت فرقة " يُنشرون " بضم الياء بمعنى يحيون غيرهم، وقرأت فرقة " يَنشرون " بمعنى يحيونهم وتدوم حياتهم يقال نشر الميت وأنشره الله تعالى....

    وقرأت فرقة " هذا ذكرُ من " " وذكرُ من " بالإضافة فيهما، وقرأت فرقة " هذا ذكرُ من " بالإضافة " وذكرٌ مِن قبلي " بتنوين " ذكر " الثاني وكسر الميم من قوله تعالى: { مِن قبلي } وقرأ يحيى بن سعيد وابن مصرف بالتنوين في " ذكرٌ مِن " في الموضعين وكسر الميم من قوله " مِن " في الموضعين، وضعف أبو حاتم هذه القراءة كسر الميم في الأولى ولم يرلها وجهاً، ثم حكم عليهم تعالى بأن { أكثرهم لا يعلمون الحق } لإعراضهم عنه وليس المعنى { فهم معرضون } لأنهم لا يعلمون بل المعنى { فهم معرضون } ولذلك { لا يعلمون الحق } وقرأ الحسن وابن محيصن " الحقُ " بالرفع على معنى هذا القول هو الحق والوقف على هذه القراءة على { لا يعلمون }.

    وقال السمين

    قوله: { هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ }: العامَّةُ على إضافة " ذِكْر " إلى " مَنْ " إضافةَ المصدرِ إلى مفعولِه، كقولِه تعالى:{ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ } [ص: 24]. وقُرِىء " ذِكْرٌ " بالتنوين فيهما، و " مَنْ " مفتوحة الميم، نُوِّنَ المصدرُ ونُصِبَ به المفعولُ كقوله تعالىٰ:{ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً } [البلد: 14-15].

    وقرأ يحيى بن يعمر " ذِكْرٌ " بتنوينه و " مِنْ " بكسرِ الميم، وفيه تأويلان، أحدُهما: أنَّ ثَمَّ موصوفاً محذوفاً قامَتْ صفتُه وهي الظرف مَقامَه. والتقدير: هذا ذِكْرٌ مِنْ كتاب معي، ومِنْ كتابٍ قبلي. والثاني: أنَّ " معي " بمعنى عندي. ودخولُ " مِنْ " على " مع " في الجملة نادرٌ؛ لأنها ظرفٌ لا يَتَصَرَّف. وقد ضَعَّف أبو حاتم هذه القراءةَ، ولم يَرَ لدخول " مِنْ " على " مع " وجهاً.

    وقرأ طلحةُ " ذِكْرٌ معي وذكرٌ قبلي " بتنوينهما دونَ " مِنْ " فيهما. وقرأَتْ طائفةٌ " ذكرُ مَنْ " بالإِضافة لـ " مَنْ " كالعامَّة، " وذكرٌ مِنْ قبلُ " بتنوينِه وكسرِ ميم " مِنْ ". ووجهها واضحٌ ممَّا تتقدم.

    قوله: { لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } العامَّةُ على نصب " الحق ". وفيه وجهان، أظهرُهما: أنَّه مفعولٌ به بالفعلِ قبلَه. والثاني: أنه مصدرٌ مؤكِّد. قال الزمخشريُّ: " ويجوزُ أَنْ يكونَ المنصوبُ أيضاً على التوكيدِ لمضمونِ الجملةِ السابقة، كما تقول: " هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطل " فأكَّدَ انتفاءَ العِلْم ".

    وقرأ الحسن وابن محيصن وحميد برفع " الحق ". وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّه مبتدأٌ والخبرُ مضمرٌ. والثاني: أنه خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ. قال الزمخشري: " وقُرِىء " الحقُّ " بالرفعِ على توسيطِ التوكيد بين السببِ والمُسَبَّب. والمعنىٰ: أن إعراضَهم بسببِ الجهلِ هو الحقُّ لا الباطلُ ".

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •