صفحة 13 من 20 الأولىالأولى ... 391011121314151617 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 181 إلى 195 من 299

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #181
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة التاسعة والثمانون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ السبعة سوى نافع " مفرَطون " بفتح الراء وخفتها، ومعناه مقدمون إلى النار والعذاب، وهي قراءة الحسن والأعرج وأصحاب ابن عباس، وقد رويت عن نافع، وهو مأخوذ من فرط الماء وهم القوم الذين يتقدمون إلى المياه لإصلاح الدلاء والأرشية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " أنا فرطكم على الحوض " ومنه قول القطامي:

    واستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فرّاطٌ لورّاد
    وقالت فرقة: { مفرطون } معناه مخلفون متركون في النار منسيون فيها، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وابن أبي هند، وقال آخرون { مفرطون } معناه مبعدون في النار، وهذا قريب من الذي قبله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " مُفَرِّطون " بكسر الراء وتشديدها وفتح الفاء، ومعناه مقصرون في طاعة الله تعالى، وقد روي عنه فتح الراء مع شدها، وقرأ نافع وحده " مُفرِطون " بكسر الراء وخفتها، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي رجاء وشيبة بن نصاح وأكثر أهل المدينة، أي يتجاوزون الحد في معاصي الله عز وجل.....

    وقال السمين

    وقرأ نافع وابنُ عامر وأبو بكر " نَسْقيكم " بفتح النون هنا وفي المؤمنين. والباقون بضمَّها فيهما. واختلف الناس: هل سَقَى وأَسْقى لغتان، بمعنىً واحدٍ أم بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهور. فقيل: هما بمعنىً، وأنشد جمعاً بين اللغتين:
    2290- سَقَى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْراً والقبائلَ من هلالِ
    دعا للجميع بالسَّقْيِ والخِصْب. و " نُمَيْراً " هو المفعول الثاني: أي: ماءٌ نُمَيْراً. وقال أبو عبيد: " مَنْ سَقَى الشِّفَةِ: سَقَى فقط، ومَنْ سقى الشجرَ والأرضَ. أَسْقَى، وللداعي بالسُّقْيَا وغيرها: أَسْقَى فقط ". وقال الأزهري: " العربُ تقول ما كان من بطونِ الأنعام، ومن السماء، أو نهرٍ يجري، أَسْقَيْتُ، أي: جَعَلْتُ شِرْباً له وجَعَلْتُ له منه سُقْيَا؟، فإذا كان للشَّفَة قالوا: سَقَى، ولم يقولوا: أسقى ".

    وقال الفارسي: " سَقَيْتُه ختى رَوِيَ، وأَسْقَيْتُه نهراً، أي: جَعَلْتُه له شِرْباً ". وقيل " سَقاه إذا ناوله الإِناءَ ليشربَ منه، ولا يُقال مِنْ هذا: أَسْقاه.

    وقرأ أبو رجاء " يُسْقِيْكم " بضمِّ الياء من أسفلَ وفي فاعلِه وجهان، أحدُهما: هو الله تعالى، الثاني: أنه ضميرُ النَّعَمِ المدلولُ عليه بالأنعامِ، أي: نَعَماً يُجْعَلُ لكم سُقْيا. وقُرئ " تًسْقيكم " بفتح التاء من فوق. قال ابن عطية: " وهي ضعيفةٌ ". قال الشيخ: " وضَعْفُها عنده - والله أعلمُ - أنه أنَّثَ في " تِسْقِيْكم " ، وذَكَّر في قوله { مِّمَّا فِي بُطُونِهِ } ، ولا ضَعْفَ مِنْ هذه الجهةِ؛ لأنَّ التذكيرَ والتأنيثَ باعتبارين ". قلت " وضَعْفُها عنده من حيث المعنى: وهو أنَّ المقصودَ الامتنانُ على الخَلْقِ فنسبةُ السَّقْيِ إلى اللهِ تعالى هو الملائِمُ، لا نِسْبتُه إلى الأنعام.

  2. #182
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة التسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور " تسلمون " من الإسلام، وقرأ ابن عباس " تَسلمون " من السلامة، فتكون اللفظة مخصوصة في بأس الحرب.....

    وقرأ نافع وابن كثير " يُلحدون " بضم الياء من ألحدَ إذا مال، وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر وأبي جعفر بن القعقاع، وقرأ حمزة والكسائي " يَلحدون " بفتح الياء من لحد، وهي قراءة عبد الله وطلحة وأبي عبد الرحمن والأعمش ومجاهد، وهما بمعنى، ومنه قول الشاعر: [الرمل]

    قدني من نصر الخبيبين قدي ليس أمري بالشحيح الماحد
    يريد المائل عن الجود وحال الرياسة، ...

    وقرأ الجمهور " من بعد ما فُتِنوا " بضم الفاء وكسر التاء، وقرأ ابن عامر وحده " فَتَنوا " بفتح الفاء والتاء، فإن كان الضمير للمعذبين فيجيء بمعنى فتنوا أنفسهم بما أعطوا للمشركين من القول، كما فعل عمار، وإن كان الضمير للمعذبين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم المشركون، وإن كان الضمير للمشركين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم الشيطان، والضمير في { بعدها } عائد على الفتنة، أو على الفعلة، أو الهجرة، أو التوبة، والكلام يعطيها، وإن لم يجر لها ذكر صريح....

  3. #183
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجزء الخامس عشر

    سورة الاسراء

    الجوهرة الواحدة والتسعون بعد المائة


    قال السمين

    قوله: { أَلاَّ تَتَّخِذُواْ } يجوز أَنْ تكون " أَنْ " ناصبةً على حَذْفِ حرفِ العلة، أي: لئلا تتَّخذوا. وقيل: " لا " مزيدةٌ، والتقدير: كراهةَ أَنْ تتخذوا، وأنْ تكونَ المفسرةَ و " لا " ناهيةٌ، فالفعلُ منصوبٌ على الأول مجزومٌ على الثاني، وأَنْ تكونَ مزيدةً عند بعضِهم، والجملةُ التي بعدها معمولةٌ لقولٍ مضمر، أي: مقولاً لهم: لا تتخذوا، أو قلنا لهم: لا تتخذوا، وهذا ظاهرٌ في قراءةِ الخطاب. وهذا مردودٌ بأنه ليس من مواضعِ زيادةِ " أَنْ ".

    وقرأ أبو عمروٍ { أَنْ لا يتَّخذوا } بياء الغَيْبة جَرْياً على قوله { لبني إسرائيل } والباقون بالخطاب التفاتاً....


    قوله تعالى: { ذُرِّيَّةَ }: العامَّةُ على نصبها وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها منصوبةٌ على الاختصاصِ، وبه بدأ الزمخشري. الثاني: أنَّها منصوبَةً على البدلِ من " وَكِيلاً " ، أي: أن لا تتخذوا من دونِه ذريةَ مَنْ حَمَلْنا. الثالث: أنها منصوبةٌ على البدلِ مِنْ " موسى " ، ذكره أبو البقاء وفيه بُعْدٌ بعيد. الرابع: أنها منصوبةٌ على المفعولِ الأولِ لـ " تتخذوا " ، والثاني هو " وكيلاً " فقُدِّم، ويكون " وكيلاً " ممَّا وقع مفردَ اللفظ والمَعْنِيُّ به جمعٌ، أي: لا تتخذوا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا مع نوح وُكَلاءَ كقوله:{ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ظ±لْمَلاَئِكَةَ وَظ±لنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً } [آل عمران: 80].

    الخامس: أنها منصوبةٌ على النداء، أي: يا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا، وخَصُّوا هذا الوجهَ بقراءة الخطاب في " تتَّخذوا " وهو واضحٌ عليها، إلا أنه لا يَلْزَمُ، وإن كان مكيٌّ قد منع منه فإنه قال: " فأمَّا مَنْ قرأ " يتَّخذوا " بالياء فذريَّةَ مفعولٌ لا غيرَ، ويَبْعُدُ النداءُ؛ لأن الياءَ للغَيْبة والنداءَ للخطابِ، فلا يجتمعان إلا على بُعْدٍ ". وليس كما زعم، إذ يجوزُ أن يُناديَ الإِنسانَ شخصاً ويُخْبِرَ عن آخرَ فيقول: " يا زيدُ ينطلقٌ بكرٌ وفعلتَ كذا " و " يا زيدُ ليفعلْ عمروٌ كيتَ وكيت ".

    وقرأت فرقةٌ " ذُرِّيَّةُ " بالرفع، وفيها وجهان، أحدهما: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هو ذريَّةُ، ذكره [أبو] البقاء وليس بواضحٍ. والثاني: أنه بدلٌ من واوِ " تتَّخذوا " قال ابن عطية: " ولا يجوز ذلك في القراءةِ بالتاءِ، لأنك لا تُبْدِلُ من ضميرٍ مخاطب، لو قلت: " ضربْتُك زيداً " على البدل لم يَجُزْ ".

    وَرَدَّ عليه الشيخ هذا الإِطلاقَ وقال: " ينبغي التفصيلُ، وهو إن كان بدلَ بعضٍ أو اشتمالٍ جاز، وإن كان كلاًّ مِنْ كل، وأفاد الإِحاطةَ نحو " جئتُمْ كبيرُكم وصغيركم " جَوَّزه الأخفش والكوفيون. قال: " وهو الصحيحُ ". قلت: وتمثيلُ ابنِ عطيةَ بقولِه " ضَرَبْتُكَ زيداً " قد يَدْفع عنه هذا الردَّ.

    وقال مكي: " ويجوز الرفعُ في الكلامِ على قراءةِ مَنْ قرأ بالياء على البدلِ من المضمرِ في " يتَّخذوا " ولا يَحْسُنُ ذلك في قراءة التاء؛ لأنَّ المخاطبَ لا يُبْدَلُ منه الغائبُ، ويجوز الخفضُ على البدل من بني إسرائيل ". قلت: أمَّا الرفعُ فقد تقدَّم أنه قرئ به وكأنه ام يَطَّلِعْ عليه، وأمَّا الجرُّ فلم يُقْرَأْ به فيما عَلِمْتُ ويَرِد عليه في قوله " لأنَّ المخاطب لا يُبْدَلُ منه الغائبُ " ما وَرَدَ على ابن عطية، بل أَوْلَى لأنه لم يذكر مثالاً يبيِّن مرادَه كما فعل ابنُ عطية

    وقال ابن عطية

    وقرأ الناس " فجاسوا " بالجيم، وقرأ أبو السمال " فحاسوا " بالحاء وهما بمعنى الغلبة والدخول قسراً ومنه الحواس، وقيل لأبي السمال إنما القراءة " جاسوا " بالجيم فقال " جاسوا وحاسوا " واحد.

    قال القاضي أبو محمد: فهذا يدل على تخير لا على رواية، ولهذا لا تجوز الصلاة بقراءته وقراءة نظرائه، وقرأ الجمهور: " خلال " ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " خللَ " ونصبه في الوجهين على الظرف،

    وقال ابن الجوزى

    ليسوؤوا وجوهكم }. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «ليسوؤوا» بالياء على الجميع والهمز بين الواوين، والإِشارة إِلى المبعوثين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «ليسوءَ وجوهكم» على التوحيد؛ قال أبو علي: فيه وجهان. أحدهما: ليسوءَ اللهُ عز وجل. والثاني: ليسوء البَعْثُ. وقرأ الكسائي: «لنسوءَ» بالنون، وذلك راجع إِلى الله تعالى....

    وقال السمين

    قوله تعالى: { وَنُخْرِجُ }: العامَّةُ على " نُخْرِجُ " بنونِ العظمة مضارع " اَخْرَجَ " ، و " كتاباً " فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به والثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من المفعول المحذوف، إذ التقديرُ: ونُخْرِجُه إليه كتاباً، ونُخْرِجُ الطائرَ.

    ورُوِي عن أبي جعفر: " ويُخْرَجُ " مبنيَّاً للمفعول، " كتاباً " نصبٌ على الحال، والقائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ الطائرِ، وعنه أنَّه رَفَع " كتاباً ". وخُرِّج على أنَّه مرفوعٌ بالفعلِ المبنيِّ للمفعول، والأولى قراءة قلقةٌ.

    وقرأ الحسن: " ويَخْرُجُ " بفتحِ الياءِ وضمِّ الراءِ مضارعَ " خَرَجَ " ، " كتابٌ " فاعلٌ به، وابن محيصن ومجاهد كذلك، إلا أنهما نَصَبا " كتاباً " على الحال، والفاعلُ ضميرُ الطائرِ، أي: ويَخْرُجُ له طائرُه في هذه الحالِ. وقرئ " ويُخْرِجُ " بضمِّ الياء وكسرِ الراء مضارعَ " اَخْرَجَ " ، والفاعلُ ضميرُ الباري تعالى، " كتاباً " مفعولٌ.

    قوله: " يَلْقَاْه " صفةٌ لـ " كتاباً " ، و " مَنْشُوراً " حالٌ من هاء " يَلْقاه ". وجوَّز الزمخشري والشيخ وأبو البقاء أن يكونَ نعتاً لكتاب. وفيه نظرٌ: من حيث إنه يَلْزَمُ تقدُّم الصفةِ غير الصريحة على الصريحةِ، وقد تقدَّم ما فيه.

    وقرأ ابنُ عامر " يُلَقَّاه " بضمِّ الياء وفتح اللام وتشديد القاف، مضارعَ " لَقَّى " بالتشديد، والباقون: بالفتح والسكونِ والتخفيف مضارع لَقِي.

  4. #184
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة الثانية والتسعون بعد المائة

    قال السمين

    قوله تعالى: { أَمَرْنَا }: قرأ العامَّةُ بالقصرِ والتخفيفِ وفيه وجهان، أحدُهما: أنه من الأمرِ الذي هو ضِدُّ النهيِ. ثم اختلف القائلون بذلك في متعلَّق هذا الأمرِ: فعن ابن عباس في آخرين: أنه أَمَرْناهم بالطاعةِ فَفَسَقُوا، وقد ردَّ هذا الزمخشريُّ رداً شديداً وأنكره إنكاراً بليغاً في كلامٍ طويلٍ، حاصلُه: أنه حَذْفُ ما لا دليلَ عليه، وقدَّر هو متعلِّق الأمرِ: الفسق، أي: أَمَرْناهم بالفسق قال: " أي: أَمَرْناهم بالفِسْق، فعملوا، والأمرُ مجازٌ؛ لأنَّ حقيقةَ أمرِهم بالفسقِ أَنْ يقول لهم: افْسُقوا، وهذا لا يكونُ، فبقي أن يكونَ مجازاً. ووجهُ المجازِ: أنه صَبَّ عليهم النعمة صَبَّاً، فجعلوها ذريعةً إلى المعاصي واتِّباع الشهوات، فكأنهم مَأمورون بذلك لِتَسَبُّبِ إيلاءِ النِّعْمَةِ فيه، وإنما خَوَّلهم فيها ليشكروا ".

    ثم قال: " فإنْ قلت: فهلاَّ زَعَمْتَ أنَّ معناه: أَمَرْناهم بالطاعةِ ففسَقُوا. قلت: لأنَّ حَذْفَ ما لا دليلَ عليه غيرُ جائزٍ، فكيف حَذْفُ ما الدليلُ قائمٌ على نَقِيضِه؟ وذلك أنَّ المأمورَ به إنما حُذِفَ لأنَّ " فَفَسَقُوا " يدلُّ عليه، وهو كلامٌ مستفيضٌ يقال: " أَمَرْتُه فَقام " ، و " أَمَرْتُه فَقَرأ " ، لا يُفهم منه إلا أنَّ المأمورَ به قيامُ أو قراءةُ، ولو ذَهَبْتَ تُقَدِّر غيرَه رُمْتَ مِنْ مخاطَبِك عِلْمَ الغيبِ، ولا يَلْزَمُ [على] هذا قولُهم: و " أَمَرْتُه فعصاني " أو " فلم يمتثلْ " لأنَّ ذلك منافٍ للأمرِ مناقِضٌ له، ولا يكونُ ما يناقض الأمرَ مأموراً به، فكان محالاً أن يُقْصَدَ أصلاً حتى يُجْعَلَ دالاًّ على المأمورِ به، فكان المأمورُ به في هذا الكلامِ غيرَ مَنْوِيٍّ ولا مُرادٍ؛ لأن مَنْ يتكلمُ بهذا الكلامِ لا يَنْوي لآمرهِ مأموراً به، فكأنه يقول: كان مني أَمْرٌ فكان منه طاعةٌ، كما أنَّ مَنْ يقول: [ " فلان] يبأمرُ ويَنْهى ويعطي ويمنع " لا يَقْصِدُ مفعولاً. فإن قلت: هلاَّ كان ثبوتُ العلمِ بأنَّ اللهَ لا يأمرُ بالفحشاء دليلاً على أنَّ المراد: أَمَرْناهم بالخيرِ، قلت: لأنَّ قوله " فَفَسَقوا " يدافعه، فكأنَّك أظهَرْتَ شيئاً وأنت تُضْمِرُ خلافَه، ونظيرُ " أمر ": " شاء " في أنَّ مفعولَه استفاضَ حَذْفُ مفعولِه لدلالةِ ما بعدَه عليه. تقول: لو شاءَ لأحسنَ إليك، ولو شاءَ لأساءَ إليك، تريد: لو شاء الإِحسانَ، ولو شاء الإِساءةَ، ولو ذَهَبْتَ تُضْمِرُ خلافَ ما أظهرْتَ، وقلت: قد دَلَّتْ حالُ مَنْ أُسْنِدَتْ إليه المشيئةُ أنه من أهلِ الإِحسان أو من أهلِ الإِساءةِ فاتركِ الظاهرَ المنطوقَ وأَضْمِرْ ما دَلَّتْ عليه حالُ المسندِ إليه المشيئةُ، لم تكنْ على سَدادٍ ".

    وتَتَبَّعه الشيخُ في هذا فقال: " أمَّا ما ارتكبه من المجاز فبعيدٌ جداً، وأمَّا قولُه: " لأنَّ حَذْفَ ما لا دليلَ عليه غيرُ جائزٍ " فتعليلٌ لا يَصِحُّ فيما نحن بسبيلِه، بل ثَمَّ ما يَدُلُّ على حَذْفِه.

    وقوله: " فكيف يُحْذَفُ ما الدليلُ على نقيضِه قائمٌ " إلى " عِلْم/ الغيب " فنقول: حَذْفُ الشيءِ تارةً يكونُ لدلالةِ موافِقِه عليه، ومنه ما مَثَّل به في قولِه " أَمَرْتُه فقامَ " ، وتارة يكونُ لدلالةِ خِلافِه أو ضدِّه أو نقيضِه كقولِه تعالى:{ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ظ±لَّيْلِ وَظ±لنَّهَارِ } [الأنعام: 13]، أي: ما سَكَنَ وتحرَّك، وقوله:{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ظ±لْحَرَّ } [النحل: 81]، أي: والبردَ، وقول الشاعر:
    3041- وما أَدْرِيْ إذا يَمَّمْتُ أرْضاً أريدُ الخيرَ ايُّهما يَلِينْي
    أالخيرُ الذي أنا أَبْتَغِيْهِ أم الشرُّ الذي هو يَبْتَغيني
    أي: وأَجْتَنِبُ الشرَّ، وتقول: " أَمَرْتُه فلم يُحْسِنْ " فليس المعنى: أمرتُه بعدم الإِحسانِ، بل المعنى: أَمَرْتُه بالإِحسانِ فلم يُحْسِنْ، والآيةُ من هذا القبيل، يُستدلُّ على حذف النقيض بنقيضه كما يُسْتَدَلُ على حَذْفِ النظير بنظيره، وكذلك " أَمَرْتُه فأساء إليَّ " ليس المعنى: أَمَرْتُه بالإِساءة بل أَمَرْتُه بالإِحسان. وقوله: " ولا يَلْزم هذا قولَهم: " أَمَرْتُه فعصاني ". نقول: بل يَلْزَمُ. وقوله: " لأنَّ ذلك منافٍ " ، أي: لأنَّ العِصْيانَ منافٍ. وهو كلامٌ صحيح. وقوله: " فكان المأمورُ به غيرَ مدلولٍ عليه ولا مَنْويٌّ " لا يُسَلَّم بل مَدْلُولٌ عليه ومنوِيٌّ لا دلالةُ الموافقِ بل دلالةُ المناقِض، كما بَيَّنَّا. وقوله: " لا يَنْوِي مأموراً به " لا يُسَلَّم. وقوله: " لأنَّ فَفَسَقُوا يدافعُه، إلى آخره " قلنا: نعم نَوَى شيئاً ويُظهِرُ خلافَه، " لأنَّ نقيضَه يَدُلُّ عليه. وقولُه: " ونظيرُ " أمر " " شاء " ليس نظيرَه؛ لأنَّ مفعولَ " أمر " كَثُر التصريحُ به. قال الله [تعالى]:{ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِظ±لْفَحْشَآءِ } [الأعراف: 28]{ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [يوسف: 40]{ يَأْمُرُ بِظ±لْعَدْلِ } [النحل: 67]{ أَمَرَ رَبِّي بِظ±لْقِسْطِ } [الأعراف: 29]{ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـظ°ذَآ } [الطور: 32]وقال الشاعر:
    3042- أَمَرْتُك الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به ...............................
    قلت: والشيخُ رَدَّ عليه رَدَّ مُسْتَريحٍ من النظرِ، ولولا خَوفُ السآمةِ على الناظرِ لكان للنظرِ في كلامهما مجالٌ.

    والوجه الثاني: أنَّ " أَمَرْنا " بمعنى كَثَّرْنا، ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ في ظاهرِ عبارتِه فإنَّه قال: " وفسَّرَ بعضُهم " أَمَرْنا " بـ " كَثَّرْنا " ، وجَعَلَه من بابِ: فَعَّلْتُه فَفَعَلَ، كَثَبَّرْتُه فَثَبَر. وفي الحديثِ: " خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُوْرة ومُهْرَةٌ مَأْمورة " ، أي: كثيرةُ النِّتاج ". قلت: وقد حكى أبو حاتم هذه اللغةَ، يقال: أَمِر القومُ، وأَمَرهم اللهُ، ونقله الواحديُّ أيضاً عن أهل اللغة، وقال أبو علي: " الجيِّد في " أَمَرْنا " أن يكونَ بمعنى كَثَّرْنا ".

    واستدل أبو عبيدة بما جاء في الحديثِ فذكره. يقال: أَمَرَ اللهُ المُهْرَة، أي: كَثَّر ولدَها. قال " ومَن أنكر " أمرَ اللهُ القومَ " أي: كَثَّرهم لم يُلتفَتْ إليه لثبوتِ ذلك لغةً

    ويكون ممَّا لَزِمَ وتعدَّى بالحركةِ المختلفةِ؛ إذ يُقال: أَمِر القومُ كَثُروا، وأَمَرَهم الله كثَّرهم، وهو من بابِ المطاوعة: أَمَرهم الله فَأْتَمَروا كقولِك: شَتَرَ اللهُ عَيْنَه فَشَتِرَتْ، وجَدَعَ اَنْفَه فَجَدِع، وثَلَمَ سِنَّه فَثَلِمَتْ.

    وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمةُ: " أَمِرْنا " بكسر الميم بمعنى " أَمَرْنا " بالفتح. حكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه يُقال: " أَمَرَ اللهُ مالَه، وأَمِرَه " بفتح الميم وكسرِها، وقد رَدَّ الفراء هذه القراءةَ، ولا يُلْتَفَتُ لِرَدِّه لثبوتِها لغةً بنَقْلِ العُدولِ، وقد نَقَلها قراءةً عن ابن عباس أبو جعفر وأبو الفضل الرازي في " لوامِحه " فكيف تُرَدُّ؟

    وقرأ عليُّ بن أبي طالب وابنُ أبي إسحاق وأبو رجاء في آخرين " آمَرْنا " بالمَدِّ، ورُوِيَتْ هذه قراءةً عن ابنِ كثير وأبي عمرو وعاصم ونافعٍ، واختارها يعقوبُ، والهمزةُ فيه للتعديةِ؟

    وقرأ عليٌّ أيضاً وابنُ عباس وأبو عثمان النهدي: " أمَّرْنا " بالتشديد. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ التضعيفَ للتعديةِ، عدَّاه تارةً بالهمزة وأخرى بتضعيفِ العين، كأَخْرَجْته وخَرَّجته. والثاني: أنه بمعنى جعلناهم أُمَراءَ، واللازمُ من ذلك " أُمِّر ". قال الفارسيُّ، " لا وجهَ لكون " أَمَّرْنا " / من الإِمارة؛ لأنَّ رئاستَهم لا تكونُ إلاَّ لواحدٍ بَعْدَ واحدٍ، والإِهلاكُ إنما يكون في مُدَّة واحدة ". وقد رُدَّ على الفارسي: بأنَّا لا نُسَلِّم أن الأميرَ هوالمَلِك حتى يَلْزَمَ ما قلتُ، لأنَّ الأميرُ عند العرب مَنْ يَأْمُرُ ويُؤْتَمَرُ به. ولَئِنْ سُلِّم ذلك لا يلزم ما قال؛ لأنَّ المُتْرَفَ إذا مَلَكَ فَفَسَق ثم آخرَ بعده فَفَسَق، ثم كذلك كَثُر الفسادُ، ونزل بهم على الآخِر مِنْ ملوكهم.

    وقال ابن عطية

    وقرأ الجمهور " أمَرنا " على صيغة الماضي من أمر ضد نهى، وقرأ نافع، وابن كثير في بعض ما روي عنهما، " آمرنا " بمد الهمزة بمعنى كثرنا، ورويت عن الحسن، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس بخلاف عنه وعن الأعرج، وقرأ بها ابن إسحاق، تقول العرب: أمر القوم إذا كثروا، وآمرهم الله بتعدي الهمزة وقرأ أبو عمرو بخلاف: " أمّرنا " بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الطبري،: القراءة الأولى معناها أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية معناها كثرناهم، والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس، ....

    وقال الطبري

    وأولـى القراءات فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه { أمَرْنا مُتْرَفِـيها } بقصر الألف من أمرنا وتـخفـيف الـميـم منها، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى تصويبها دون غيرها.

    وإذا كان ذلك هو الأولـى بـالصواب بـالقراءة، فأولـى التأويلات به تأويـل من تأوّله أمرنا أهلها بـالطاعة فعصوا وفسقوا فـيها، فحقّ علـيهم القول لأن الأغلب من معنى أمرنا الأمر، الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معانـي كلام الله جلّ ثناؤه إلـى الأشهر الأعرف من معانـيه، أولـى ما وجد إلـيه سبـيـل من غيره.

  5. #185
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة الثالثة والتسعون بعد المائة

    قال الالوسي

    مَا نَشَاء } أي ما نشاء تعجيله له من نعيمها لا كل ما يريد. { لِمَن نُّرِيدُ } تعجيل ما نشاء له، وقال أبو إسحاق الفزاري: أي لمن نريد هلكته ولا يدل عليه لفظ في الآية.

    والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور السابق أعني { له } فلا يحتاج إلى رابط لأنه في بدل المفردات أو المجرور بدل من الضمير المجرور بإعادة العامل وتقديره لمن نريد تعجيله له منهم، والضمير راجع إلى { من } وهي موصولة أو شرطية وعلى التقديرين هي منبئة عن الكثرة فهو بدل بعض من كل.

    وعن نافع أنه قرأ { مَا يَشَاء } بالياء فقيل الضمير فيه لله تعالى فيتطابق القراءتان، وقيل هو لمن فيكون مخصوصاً بمن أراد الله تعالى به ذلك كنمروذ وفرعون ممن ساعده الله تعالى على ما أراده استدراجاً له. واستظهر هذا بأنه يلزم أن يكون على الأول التفات ووقوع الالتفات في جملة واحدة إن لم يكن ممنوعاً فغير مستحسن كما فصله في «عروس الأفراح». وتقييد المعجل والمعجل له بما ذكر من المشيئة والإرادة لما أن الحكمة التي يدور عليها فلك التكوين لا تقتضي وصول كل طالب إلى مرامه ولا استيفاء كل واصل لما يطلبه بتمامه. وليس المراد بأعمالهم في قوله تعالى:{ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } [هود: 15] أعمال كلهم ولا كل أعمالهم، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر. وذكر المشيئة في أحدهما والإرادة في الآخر إن قيل بترادفهما تفنن.....

    وقال ابن عطية

    وقضى ربك } أمره { ألا تعبدوا إلا إياه } وليس في هذه الألفاظ الأمر بالاقتصار على عبادة الله فذلك هو المقضي لا نفس العبادة، وقضى في كلام العرب أتم المقضي محكماً، والمقضي هنا هو الأمر، وفي مصحف ابن مسعود " ووصى ربك " وهي قراءة أصحابه، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون ابن مهران وكذلك عند أبي بن كعب، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى بـ " قضى " حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال إن على قول ابن عباس لنوراً، قال الله تعالى{ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك } [الشورى: 13] ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، ...

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وعاصم وابن عامر " يبلغنّ " ، وروي عن ابن ذكوان " يبلغنَ " بتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي " يبلغان " وهي قراءة أبي عبد الرحمن ويحيى وطلحة والأعمش والجحدري، وهي النون الثقيلة دخلت مؤكدة وليست بنون تثنية فعلى القراءتين الأوليين يكون قوله { أحدهما } فاعلاً، وقوله { أو كلاهما } معطوفاً عليه، وعلى هذه القراءة الثانية يكون قوله { أحدهما } بدلاً من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم كقول الشاعر: [الطويل]

    وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلَّت
    ويجوز أن يكون { أحدهما } فاعلاً وقوله { أو كلاهما } عطف عليه ويكون ذلك على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقد ذكر هذا في هذه الآية بعض النحويين وسيبويه لا يرى لهذه اللغة مدخلاً في القرآن...

    وقرأ الجمهور " خِطْئاً " بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز والقصر، وقرأ ابن عامر " خطئاً " بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر، وهاتان قراءتان مأخوذتان من خطىء إذا أتى الذنب على عمد، فهي كحذر وحذر ومثل ومثل وشبه وشبه اسم ومصدر، ومنه قول الشاعر: [البسيط]

    الخطء فاحشة والبر نافلة كعجوة غرست في الأرض تؤتبر
    قال الزجاج يقال خطىء الرجل يخطأ خطأً مثل أثم إثماً فهذا هو المصدر وخطأ اسم منه، وقال بعض العلماء خطىء معناه واقع الذنب عامداً، ومنه قوله تعالى:{ لا يأكله إلا الخاطئون } [الحاقة: 37]، وأخطأ واقع الذنب عن غير تعمد، ومنه قوله تعالى:{ إن نسينا أو أخطأنا } [البقرة: 286]، وقال أبو علي الفارسي: وقد يقع هذا موضع هذا، وهذا موضع هذا، فأخطأ بمعنى تعمد في قول الشاعر: [الوافر]

    عبادك يخطئون وأنت رب كريم لا يليق بك الذموم
    وخطىء بمعنى لم يتعمد في قول الآخر: [الكامل]

    والناس يلحون الأمير إذا همُ خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
    وقد روي عن ابن عامر " خَطأً " بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة، وقرأ ابن كثير " خِطَاء " بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة، وهي قراءة الأعرج بخلاف، وطلحة وشبل والأعمش وعيسى وخالد بن إياس وقتادة والحسن بخلاف عنه، قال النحاس ولا أعرف لهذه القراءة وجهاً، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطاً. قال أبو علي الفارسي: هي مصدر من خاطأ يخاطىء وإن كنا لم نجد خاطَأ ولا كنا وجدنا تخاطأ وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه، فمنه قول الشاعر: [المتقارب]

    تخاطأت النبْل احشاءه وخر يومي فلم أعجل
    وقول الآخر في صفة كماة: [الطويل]

    تَخَاطَأَه القنّاصُ حتى وجدته وخرطومه في مَنْقَع الماء راسب
    فكأن هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحق والعدل، وقرأ الحسن فيما روي عنه " خَطَاء " بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة قال أبو حاتم: لا يعرف هذا في اللغة، وهو غلط غير جائز وليس كما قال أبو حاتم، قال أبو الفتح: الخطاء من اخْطَأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم يعني المصدر، وقرأ الحسن بخلاف " خَطاً " بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز، وقرأ أبو رجاء والزهري " خِطاً " بكسر الخاء وفتح الطاء كالتي قبلها، وهاتان مخففتان من خطأ وخطاء، .....

    وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم " فلا يسرف " بالياء، وهي قراءة الجمهور، أي الولي لا يتعدى أمر الله، والتعدي هو أن يقتل غير قاتل وليه من سائر القبيل، أو يقتل اثنين بواحد، وغير وذلك من وجوه التعدي، وهذا كله كانت العرب تفعله، فلذلك وقع التحذير منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من أعتى الناس على الله ثلاثة، رجل قتل غير قاتل وليه، أو قتل بدحل الجاهلية، أو قتل في حرم الله " ، وقالت فرقة: المراد بقوله { فلا يسرف } القاتل الذي يتضمنه الكلام، والمعنى فلا يكن أحد من المسرفين بأن يقتل نفساً فإنه يحصل في ثقاف هذا الحكم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " فلا تسرف في القتل " بالتاء من فوق، وهو قراءة حذيفة ويحيى بن وثاب ومجاهد بخلاف والأعمش وجماعة، قال الطبري: على معنى الخطاب للنبي عليه السلام والأئمة بعده، أي فلا تقتلوا غير القاتل.

    قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يراد به الولي أي فلا تسرف أيها الولي في قتل أحد يتحصل في هذا الحكم، وقرأ أبو مسلم السراج صاحب الدعوة العباسية، " فلا يسرفُ " بالياء بضم الفاء على معنى الخبر لا على معنى النهي، والمراد هذا التأويل فقط.

    قال القاضي أبو محمد: وفي الاحتجاج بأبي مسلم في القراءة نظر، وفي قراءة أبي بن كعب: " فلا تسرفوا في القتل إن ولي المقتول كان منصوراً " ،

  6. #186
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة الرابعة والتسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    قرأ الجمهور " مرَحاً " بفتح الراء مصدر من مرَح يمرَح إذا تسبب مسروراً بدنياه مقبلاً على راحته، فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولاً، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فَقَصْرُكَ نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية والمراد الناس كلهم.

    قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزهاً دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب " مرِحاً " بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله { لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً } أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحاً، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحاً فيترتب في " المرِح " بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، ....

    وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق " سيئه " على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيىء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ " سيئه " بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين...

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { كُلُّ ذظ°لِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } «ذلك» إشارة إلى جملة ما تقدّم ذكره مما أمر به ونَهَى عنه. و«ذلك» يصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر. وقرأ عاصم وظ±بن عامر وحمزة والكسائي ومسروق «سيئُهُ» على إضافة سَيِّء إلى الضمير، ولذلك قال: «مَكْرُوهاً» نصب على خبر كان. والسيِّىء: هو المكروه، وهو الذي لا يرضاه الله عز وجل ولا يأمر به. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآي من قوله: «وقَضَى ربُّك ـ إلى قوله ـ كان سيّئُه» مأمورات بها ومنهيات عنها، فلا يخبر عن الجميع بأنه سيّئة فيدخل المأمور به في المنهيّ عنه. واختار هذه القراءة أبو عبيد. ولأن في قراءة أُبَيّ «كلُّ ذلِك كان سيئاته» فهذه لا تكون إلا للإضافة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «سيئةً» بالتنوين؛ أي كل ما نهى الله ورسوله عنه سيئة. وعلى هذا انقطع الكلام عند قوله: «وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» ثم قال: «وَلاَ تَقْفُ ما ليسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»، «وَلاَ تَمْشِ»، ثم قال: { كُلُّ ذظ°َلِكَ كَانَ سَيِّئَةٌ } بالتنوين. وقيل: إن قوله: «ولا تقتلوا أولادَكم» إلى هذه الآية كان سيئةً لا حسنة فيه، فجعلوا «كلا» محيطاً بالمنهيّ عنه دون غيره. وقوله: «مكروهاً» ليس نعتاً لسيئة، بل هو بدل منه؛ والتقدير: كان سيئة وكان مكروهاً. وقد قيل: إن «مكروهاً» خبر ثان لكان حمل على لفظة كلّ، و«سيئة» محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبلُ. وقال بعضهم: هو نعت لسيئة؛ لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. وضعّف أبو علي الفارسيّ هذا وقال: إن المؤنث إذا ذُكّر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده مذكراً، وإنما التساهل أن يتقدّم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكّر؛ ألا ترى قولَ الشاعر:
    فلا مزنة ودَقَتْ وَدْقَها ولا أرضَ أبقل إبقالها
    مستقبح عندهم. ولو قال قائل: أبقل أرض لم يكن قبيحاً. قال أبو عليّ: ولكن يجوز في قوله «مكروهاً» أن يكون بدلاً من «سيئة». ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في «عند ربك» ويكون «عند ربك» في موضع الصفة لسيئة.

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ { كُلُّ ذلكَ كانَ سيِّئُهُ } علـى إضافة السيىء إلـى الهاء، بـمعنى كلّ ذلك الذي عددنا من{ وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ } .. كانَ سَيِّئُهُ لأن فـي ذلك أموراً منهياً عنها، وأموراً مأموراً بها، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الـموضع دون قوله{ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ } إنـما هو عطف علـى ما تقدّم من قوله وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ فإذا كان ذلك كذلك، فقرأته بإضافة السيىء إلـى الهاء أولـى وأحقّ من قراءته سيئةً بـالتنوين، بـمعنى السيئة الواحدة. فتأويـل الكلام إذن كلّ هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التـي عددناها علـيك كان سيئه مكروهاً عند ربك يا مـحمد، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه، فـاتق مواقعته والعمل به.

    وقال ابن عطية

    قرأ الجمهور " صرّفنا " بتشديد الراء على معنى صرّفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن " صرَفنا " بتخفيف الراء على معنى صرَفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء: إن قوله { في } زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور " ليذَّكَّروا " وقرأ حمزة والكسائي " ليذْكُروا " بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحه ويحيى والأعمش،....

    وقوله { إذا كنا عظاماً } الآية، هذه الآية في إنكارهم البعث، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد، و " الرفات " من الأشياء: ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى، وقربه من حالة التراب، يقال: رفت رفتاً فهو مرفوت، وفعال: بناء لهذا المعنى، كالحطام، والفتات، والرصاص، والرضاض، والدقاق، ونحوه، وقال ابن عباس: { رفاتاً } غباراً، وقال مجاهد: تراباً، واختلف القراء في هذين الاستفهامين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو " أيذا كنا تراباً أينا " جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة، ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدة، وقرأ نافع الأولى مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ الثانية " إنا " مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول من الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة: " أإذا أإنا " بهمزتين فيهما، وقرأ ابن عامر " إذا كنا " ، مكسورة الألف من غير استفهام " ءإنا " يهمز، ثم يمد، ثم يهمز. ويروى عنه مثل قراءة حمزة، وفي سورة الرعد توجيه هذه القراءات....

  7. #187
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة الخامسة والتسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " زَبوراً " بفتح الزاي، وهو فَعول بمعنى مفعول، وهو قليل لم يجىء إلا في قدوع وركوب وحلوب، وقرأ حمزة ويحيى والأعمش " زُبوراً " بضم الزاي، وله وجهان: أحدهما أن يكون جمع زبور بحذف الزائد، كما قالوا في جمع ظريف، ظروف، والآخر، أن يكون جمع زبور كأن ما جاء به داود، جزىء أجزاء كل جزء منها زبر، سمي بمصدر زبر يزبر، ثم جمع تلك الأجزاء على زبور، فكأنه قال: آتينا داود كتباً،

    ويحتمل أن يكون جمع زبر الذي هو العقل وسداد النظر، لأن داود أوتي من المواعظ والوصايا كثيراً، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، في آخر كتاب مسلم: " وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له " ، قال قتادة زبور داود مواعظ وحكم ودعاء ليس فيه حلال ولا حرام.

    وقال السمين


    قوله تعالى: { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ }: " أولئك " مبتدأٌ، وفي خبره وجهان، أظهرُهما: أنه الجملةُ مِنْ " يبتغون " ويكون الموصولُ نعتاً أو بياناً أو بدلاً، والمرادُ باسم الإِشارة الأنبياءُ الذين عُبِدوا مِنْ دون الله. والمرادُ بالواوِ العبَّادُ لهم، ويكون العائدُ على " الذين " محذوفاً، والمعنى: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُونهم المشركون لكَشْفِ ضُرِّهم - أو يَدْعُونهم آلهةً، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان - يَبْتَغون.

    ويجوز أن يكونَ المرادُ بالواوِ ما أُريد بأولئك، أي: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُون ربَّهم أو الناسَ إلى الهدى يَبْتغون، فمفعولُ " يَدْعُون " محذوف.

    والثاني: أن الخبرَ نفسُ الموصولِ، و " يَبْتَغُون " على هذا حالٌ مِنْ فاعل " يَدْعُون " أو بدلٌ منه. وقرأ العامَّةُ " يَدْعُون " بالغيبِ، وقد تقدَّم الخلافُ في الواو: هل تعودُ على الأنبياء أو على عابِدِيْهم. وزيد بن علي بالغَيْبة أيضاً، إلا أنه بناه للمفعول. وقتادةُ وابنُ مسعودٍ بتاء الخطاب. وهاتان القراءتان تقويَّان أن الواوَ للمشركين لا للأنبياءِ في قراءة العامَّة

    وقال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " ثمود " بغير تنوين، قال هارون: أهل الكوفة ينونون " ثموداً " في كل وجه، قال أبو حاتم: لا تنون العامة والعلماء بالقرآن " ثمود " في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله { مبصرة } على جهة النسب أي معها إبصار، كما قال:{ آية النهار مبصرة } [الإسراء: 12] أي معها إبصار ممن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم " مُبصَرة " بضم الميم وفتح الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة " مَبصَرة " بفتح الميم والصاد، وهي مَفعَلة من البصر ...

    وقال السمين

    قوله: " وَرَجِلِك " قرأ حفصٌ بكسرِ الجيمِ، والباقون بسكونها، فقراءة حفصٍ " رَجِل " فيها بمعنى رَجُل بالضم بمعنى راجل يُقال: رَجِلَ يَرْجَلُ إذا صار راجِلاً، فيكون مثل: حَذِر وحَذُر، ونَدِس ونَدُس، وهو مفردٌ أريد به الجمعُ. وقال ابن عطية: هي صفةٌ يقال: فلان يمشي رَجِلاً إذا كان غيرَ راكبٍ، ومنه قولُ الشاعر:
    3081-................... ...... رَجِلاً إلا بأصحابي
    قلت: يشير إلى البيتِ المشهور وهو:
    فما أُقاتلُ عن ديني على فَرَسي إلا كذا رَجِلاً إلا بأصحابي
    أراد: فارساً ولا راجلاً.

    وقال الزمخشريُّ: " على أن فَعِلاً بمعنى فاعِل نحو: تَعِب وتاعب، ومعناه: وجَمْعك الرَّجِلُ، وتُضَمُّ جيمُه أيضاً فيكون مثلَ: حَذُر وحَذِر، ونَدُس ونَدِس، وأخواتٍ لهما ".

    وأما قراءةُ الباقين فتحتملُ أَنْ تكون تخفيفاً مِنْ " رَجِل " بكسر الجيم أو ضمِّها، والمشهورُ: أنه اسمُ جمع لراجِل كرَكْب وصَحْب في راكِب وصاحِب. والأخفش يجعل هذا النحوَ جمعاً صريحاً.

    وقرأ عكرمةُ " ورِجالك " جمع رَجِل بمعنى راجِل، أو جمع راجِل كقائم وقيام. وقُرِئ " ورُجَّالك " بضمِّ الراء وتشديد الجيم، وهو جمع راجِل كضارِب وضُرَّاب.

    وقال ابن عطية

    ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد " تغرقكم " بالتاء أي الريح، وقرأ حميد " نغرقكم " بالنون حقيقة وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن وقرأ الحسن وأبو رجاء " يغرّقكم " بشد الراء.

    وقال السمين

    قوله: " خِلافَك " قرأ الأخَوان وابنُ عامر وحفصٌ: " خِلافَك " بكسر الخاء وألفٍ بعد اللام، والباقون بفتح الخاء وسكونِ اللام. والقراءتان بمعنى واحدٍ. وأنشدوا في ذلك:
    3089- عَفَتِ الديارُ خِلافَهم فكأنما بَسَطَ الشَّواطِبُ بينهنَّ حََصِيْراً
    وقال تعالى:{ خِلاَفَ رَسُولِ ظ±للَّهِ } [التوبة: 81] والمعنى: بعد خروجك. وكثُر إضافةُ قبل وبعد ونحوِهما إلى أسماءِ الأعيان على حَذْفِ مضافٍ، فيُقَدَّر من قولك: جاء زيدٌ قبل عمروٍ: أي: قبل مجيئِه.

  8. #188
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة السادسة والتسعون بعد المائة

    قال السمين


    قوله تعالى: { وَنَأَى }: قرأ العامَّةُ بتقديمِ الهمزةِ على حرف العلة مِن النَّأْي وهو البُعْدُ. وابن ذكوان - ونقلها الشيخ عن ابن عامر بكمالِه-: " ناءَ " بتقديم الألف على الهمزة. وفيها تخريجان, أحدُهما: أنها مِنْ ناء يَنُوْءُ أي نهض. قال الشاعر:
    3101- حتى إذا ما التأَمَتْ مَفاصِلُهْ وناءَ في شِقِّ الشِّمالِ كاهلُهْ
    والثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ نأى، ووزنُه فَلَع كقولهم في " رأى " راءَ، إلى غيرِ ذلك، ولكن متى أمكن عدمُ القلبِ فهو أَوْلَى. وهذا الخلافُ جارٍ أيضاً في سورة حم السجدة...

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن مسعود والأعمش " وما أوتوا " ، ورواها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الجمهور " وما أوتيتم " ، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة: السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت الترجمة عن قتادة أنهم اليهود، وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود، وقالت فرقة: العالم كله، ....

    قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " حتى تُفجّر " ، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى " تَفجُر " بفتح التاء وضم الجيم، وفي القرآن{ فانفجرت } [البقرة: 60]، وانفجر مطاوع فجر فهذا مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في التفجير. و " الينبوع " الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وإياها عنوا بـ { الأرض } ، وإنما يراد بإطلاق لفظة { الأرض } هنا الأرض التي يكون فيها المعنى المتكلم فيه، كقوله{ أو ينفوا من الأرض } [المائدة: 33] فإنما يريد من أرض تصرفهم وقطعهم السبل ومعاشهم، وكذلك أيضاً اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، وإلا ففي سائر البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع الجدب، وقرأ الجمهور " جنة " ، وقرأ " حبة " المهدوي....

    وقال السمين

    قوله تعالى: { أَوْ تُسْقِطَ }: العامَّةُ على إسناد الفعل للمخاطب. و " السماءَ " مفعولٌ بها. ومجاهد على إسنادِه إلى " السماء " فَرَفْعُها به.

    قوله: " كِسْفاً " قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ هنا بفتح السين، وفَعَل ذلك حفصٌ في الشعراء وفي سبأ. والباقون بسكونها في المواضعِ الثلاثةِ. وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم بلا خلافٍ، وهشامٌ عنه الوجهان، والباقون بفتحها.

    فمَنْ فتح السينَ جعله جمعَ كِسْفة نحو: قِطْعَة وقِطَع، وكِسْرة وكِسَر، ومَنْ سَكَّن جعله جمع كِسْفَة أيضاً على حَدِّ سِدْرة وسِدْر، وقَمْحة وقَمْح.

    وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين، أحدُهما: أنه جمعٌ على فَعَل بفتح العينِ، وإنما سُكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز لأنَّ الفتحةَ خفيفةٌ يحتملُها حرفُ العلة، حيث يُقَدَّر فيه غيرُها فكيف بالحرف الصحيح؟. قال: " والثاني: أنه فَعْل بمعنى مَفْعول " كالطَّحْن بمعنى مَطْحون، فصار في السكون ثلاثةُ أوجهٍ.

    وأصل الكَسْفِ القَطْع. يقال: كَسَفْتُ الثوبَ قطعتُه. وفي الحديثِ في قصة سليمان مع الصافنات الجياد: أنه " كَسَفَ عراقيبَها " أي: قطعها. وقال الزجاج " كَسَفَ الشيء بمعنى غَطَّاه ". وقيل: ولا يُعرفُ هذا لغيرِه.

    وانتصابُه على الحالِ، فإنْ جَعَلْناه جمعاً كان على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذات كِسَفٍ، وإنْ جعلناه فِعْلاً بمعنى مَفْعول لم يَحْتَج إلى تقدير، وحينئذ فيقال: لِمَ لَمْ يؤنَّث؟ ويجاب: بأنَّ تأنيثَ السماء غيرُ حقيقي، أو بأنها في معنى السقف.

    قوله: " كما زَعَمْتَ " نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: إسقاطاً مثلَ مَزْعُومِك، كذا قدَّره أبو البقاء.

    قوله: " قَبِيْلاً " حالٌ من " الله والملائكة " أو مِنْ أحدِهما، والآخرُ محذوفةٌ حالُه، أي: بالله قبيلاً والملائكةِ قبيلاً. كقوله:
    3106-.............. كنتُ منه ووالدي بريئاً....................
    [وكقولِهِ]
    3107-..................... فإنِّي وقَيَّارٌ بها لغريبُ
    ذكرَه الزمخشريُ، هذا إذا جَعَلْنا " قبيلاً " بمعنى كفيلاً، أي: ضامِناً، أو بمعنى معايَنة كما قاله الفارسيُّ. وإنْ جعلناه بمعنى جماعةً كان حالاً من " الملائكة ".

    وقرأ الأعرج " قِبَلاً " من المقابلة.

    وقال القرطبي

    والكِسَف (بفتح السين) جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم. الباقون «كسفاً» بإسكان السين. قال الأخفش: من قرأ كسْفاً من السماء جعله واحداً، ومن قرأ كسفاً جعله جمعاً

    قال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير وابن عامر " قال سبحان ربي " على معنى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبح عند قولهم

  9. #189
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة السابعة والتسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور " فاسأل بني إسرائيل " وروي عن الكسائي " فسل " على لغة من قال سأل يسأل، وهذا كله على معنى الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي اسأل معاصريك عما أعلمناك به من غيب القصة، ثم قال { إذ جاءهم } يريد آباءهم، وأدخلهم في الضمير إذ هم منهم، ويحتمل أن يريد { فاسأل بني إسرائيل } الأولين الذين جاءهم موسى وتكون إحالته إياه على سؤالهم بطلب إخبارهم والنظر في أحوالهم وما في كتبهم نحو قوله تعالى:{ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } [الزخرف: 45] وهذا كما تقول لمن تعظه: سل الأمم الخالية هل بقي منها مخلد؟ ونحو هذا مما يجعل النظر فيه مكان السؤال، قال الحسن: سؤالك نظرك في القرآن وقرأ ابن عباس " فسأل بني إسرائيل " أي فسأل موسى فرعون بني إسرائيل أي طلبهم لينجيهم من العذاب...

    وقال الالوسي

    فَسْئَلْ بَنِى إِسْرظ°ءيلَ } وقرأ جمع { فسل }. والظاهر أنه خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم والسؤال بمعناه المشهور إلا أن الجمهور على أنه خطاب لموسى عليه السلام. والسؤال إما بمعنى الطلب أو بمعناه المشهور لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجها أحمد في «الزهد» وابن المنذر وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس { فسال } على صيغة الماضي بغير همز كقال وهي لغة قريش فإنهم يبدلون الهمزة المتحركة وذلك لأن هذه القراءة دلت على أن السائل موسى عليه السلام وإنه مستعقب عن الإيتاء فلا يجوز أن يكون فاسأل خطاباً للنبـي صلى الله عليه وسلم لئلا تتخالف القراءتان ولا بد إذ ذاك من إضمار لئلا يختلفا خبراً وطلباً أي فقلنا له اطلبهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل أو اطلب منهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم واستفهم منهم هل هم ثابتون عليه أو اتبعوا فرعون ويتعلق بالقول المضمر قوله تعالى: { إِذْ جَاءهُم } وهو متعلق بسال على قراءته صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك المضمر في اللفظ قوله تعالى: { فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ } لأنه لو كان { فاسأل } خطاباً لنبينا عليه الصلاة والسلام لانفك النظم وأيضاً لا يظهر استعقابه ولا تسببه عن إيتاء موسى عليه السلام نعم جعل الذاهبون إلى الأول { فاسأل } اعتراضاً من باب زيد فاعلم فقيه والفاء تكون للاعتراض كالواو وعلى ذلك قوله:
    واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا
    وهذا الوجه مستغن عن الإضمار...

  10. #190
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة الثامنة والتسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أنه قرأ " علمتُ " بتاء المتكلم مضمومة، وقال ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى، وتتقوى هذه القراءة لمن تأول { مسحوراً } [الإسراء: 101] على بابه، فلما رماه فرعون بأنه قد سحر ففسد نظره وعقله وكلامه، رد هو عليه بأنه يعلم آيات الله، وأنه ليس بمسحور، بل محرر لما يأتي به، وهي قراءة الكسائي، وقرأ الجمهور " لقد علمتَ " بتاء المخاطب مفتوحة، فكأن موسى عليه السلام رماه بأنه يكفر عناداً، ومن قال بوقوع الكفر عناداً فله تعلق بهذه الآية، وجعلها كقوله عز وجل:{ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } [النمل: 14]، وقد حكى الطبري ذلك عن ابن عباس، ونحا إلى ذلك الزجاج، وهي معرضة للاحتمال على أن يكون قول موسى عليه السلام إبلاغاً على فرعون في التوبيخ، أي أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون، ومن يريد من الآية وقوع الكفر عناداً فإنما يجعل هذا خبراً من موسى عن علم فرعون....

    وقال الطبري

    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { لَقَدْ عَلِـمْتَ } فقرأ عامة قرّاء الأمصار ذلك { لَقَدْ عَلِـمْتَ } بفتـح التاء، علـى وجه الـخطاب من موسى لفرعون. ورُوي عن علـيّ بن أبـي طالب رضوان الله علـيه فـي ذلك، أنه قرأ «لَقَدْ عَلِـمْتُ» بضمّ التاء، علـى وجه الـخبر من موسى عن نفسه. ومن قرأ ذلك علـى هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون علـى مذهبه تأويـل قوله{ إنّـي لأَظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُوراً } إنـي لأظنك قد سُحِرت، فترى أنك تتكلـم بصواب ولـيس بصواب. وهذا وجه من التأويـل. غير أن القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار خلافها، وغير جائز عندنا خلاف الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مـجمعة علـيه. وبعد، فإن الله تعالـى ذكره قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع، مع علـمهم بأنها من عند الله بقوله{ وأدْخِـلْ يَدَكَ فِـي جَيْبِكَ تَـخْرُجْ بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ فِـي تِسْعِ آياتٍ إلـى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فـاسِقِـينَ فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِـينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وَعُلُوّاً } فأخبر جلّ ثناؤه أنهم قالوا هي سحر، مع علـمهم واستـيقان أنفسهم بأنها من عند الله، فكذلك قوله { لَقَدْ عَلِـمْتَ } إنـما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالـم بأنها آيات من عند الله. وقد ذُكر عن ابن عبـاس أنه احتـجّ فـي ذلك بـمثل الذي ذكرنا من الـحجة. قال حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنا هشيـم، قال أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرأ { لَقَدْ عَلِـمْتَ } يا فرعون بـالنصب { ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ } ، ثم تلا{ وَجَحَدُوا بِها واسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وعُلُوّاً } فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام قال موسى لفرعون لقد علـمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات التسع البـينات التـي أريتكها حجة لـي علـى حقـيقة ما أدعوك إلـيه، وشاهدة لـي علـى صدق وصحة قولـي، إنـي لله رسول، ما بعثنـي إلـيك إلا ربّ السموات والأرض، لأن ذلك لا يقدر علـيه، ولا علـى أمثاله أحد سواه

  11. #191
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة التاسعة والتسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " فرَقناه " بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه وجعلناه فرقاناً، وقرأ ابن عباس وقتادة وأبو رجاء وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب والشعبي والحسن بخلاف، وحميد وعمرو بن فائد " فرّقناه " بتشديد الراء، إلا أن في قراءة ابن مسعود وأبيّ " فرقناه عليه لتقرأه " أي أنزلناه شيئاً بعد الشيء لا جملة واحدة ويتناسق هذا المعنى مع قوله { لتقرأه على الناس على مكث } ، وهذا كان مما أراد الله من نزوله بأسباب تقع في الأرض من أقوال وأفعال في أزمان محدودة معينة، واختلف أهل العلم في كم القرآن من المدة؟ فقيل: في خمس وعشرين سنة، وقال ابن عباس: في ثلاث وعشرين سنة، وقال قتادة في عشرين سنة...

    وقال الطبري

    وَقُرآناً فَرَقْناهُ لَتَقْرأَهُ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { فَرَقْناهُ } بتـخفـيف الراء من فرقناه، بـمعنى أحكمناه وفصلناه وبـيناه. وذُكر عن ابن عبـاس، أنه كان يقرؤه بتشديد الراء «فَرَّقْناهُ» بـمعنى نزّلناه شيئا بعد شيء، آية بعد آية، وقصة بعد قصة. وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، القراءة الأولـى، لأنها القراءة التـي علـيها الـحجة مـجمعة، ولا يجوز خلافها فـيـما كانت علـيه مـجمعة من أمر الدين والقرآن. فإذا كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فتأويـل الكلام وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً، وفصلناه قرآناً، وبـيَّناه وأحكمناه، لتقرأه علـى الناس علـى مكث. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك من التأويـل، قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك حدثنـي علـيّ، قال ثنا عبد الله، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { وَقُرآناً فَرَقْناهُ } يقول فصلناه. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب أنه قرأ { وَقُرآناً فَرَقْناهُ } مخففـاً يعنـي بـيناه.

    وقال السمين

    وقد تقدَّم الفرقُ بين الذُّل والذِّل في أولِ هذه السورة.

    ملحوظة قال فى الاية الرابعة والعشرين

    وقرأ العامَّةُ " الذُّلِّ " بضم الذَّال، وابن عباس في آخرين بكسرها، وهي استعارةٌ؛ لأنَّ الذِّلَّ في الدوابِّ لأنه ضدُّ الصعوبة، فاستعير للأناسيِّ، كما أن الذُّلَّ بالضمَّ ضدُّ العِزِّ.

  12. #192
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    سورة الكهف

    الجوهرة المائتان


    قال السمين

    قوله: { كَبُرَتْ كَلِمَةً } في فاعلِ " كَبُرَتْ " وجهان، أحدُهما: أنه مضمرٌ عائدٌ على مقالتِهم المفهومة مِنْ قولِه: " قالوا: اتَّخذ الله " ، أي: كَبُرَ مقالُهم، و " كلمةً " نصبٌ على التمييز، ومعنى الكلامِ على التعجب، أي: ما أكبرَها كلمةً. و " تَخْرُجُ " الجملةُ صفةٌ لـ " كلمة ". ودَلَّ استعظامُها لأنَّ بعضَ ما يَهْجِسُ بالخاطرِ لا يَجْسُر الإِنسانُ على إظهاره باللفظ.

    والثاني: أن الفاعلَ مضمرٌ مفسِّرٌ بالنكرةِ بعد المنصوبةِ على التمييزِ، ومعناها الذمُّ كـ " بِئس رجلاً " ، فعلى هذا: المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ تقديرُه: كَبُرَتْ هي الكلمةُ كلمةً خارجةً مِنْ أفواهِهم تلك المقالةُ الشَّنعاءُ.

    وقرأ العامَّةُ " كلمةً " بالنصبِ، وفيها وجهان: النصبُ على التمييز، وقد تقدَّم تحقيقُه في الوجهين السابقين. والثاني: النصبُ على الحالِ. وليس بظاهر.

    وقوله: " تَخْرُجُ " في الجملة وجهان، أحدُهما: هي صفةٌ لكلمة. والثاني: أنها صفةٌ للمخصوصِ بالذمِّ المقدَّرِ تقديرُه: كَبُرَت كلمةٌ خارجةٌ كلمةً.

    وقرأ الحسنُ وابنُ محيصن وابنُ يعمرَ وابن كثير - في رواية القَوَّاس عنه - كلمةٌ " بالرفع على الفاعلية، " وتَخْرُج " صفةٌ لها أيضاً. وقُرِئَ " كَبْرَتْ " بسكون الباء وهي لغةُ تميم...

    وقال الالوسي

    { رَشَدًا } إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب واهتداءً إليه. وقرأ أبو رجاء { رشداً } بضم الراء وإسكان الشين والمعنى واحد إلا أن الأوفق بفواصل الآيات قراءة الجمهور. وإلى اتحاد المعنى ذهب الراغب قال: الرشد بفتحتين خلاف الغي ويستعمل استعمال الهداية وكذا الرشد بضم فسكون. وقال بعضهم: الرشد أي بفتحتين كما في بعض النسخ المضبوطة أخص من الرشد لأن الرشد بالضم يقال في الأمور الدنيوية والأخروية والرشد يقال في الأمور الأخروية لا غير اهـ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن عطية فإنه قال: إن هذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم وألفاظه تقتضي ذلك وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه لهذه الآية فإنها كافية ويحتمل أن يراد بالرحمة رحمة الآخرة اهـ، نعم فيما قاله نظر، والأولى جعل الدعاء عاماً في أمر الدنيا والآخرة وإن كان تعقيبه بما بعد ظاهراً في كونه خاصاً في أمر الأولى...

    وقال السمين

    قوله تعالى: { لِنَعْلَمَ }: متعلقٌ بالبعث. والعامَّةُ على نون العظمة جرياً على ما تقدم. وقرأ الزُّهْري " لِيَعْلم " بياء الغَيْبَةِ، والفاعلُ اللهُ تعالى. وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغَيْبَة. ويجوزُ أن يكونَ الفاعلُ { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } إذا جَعَلْناها موصولةً كما سيأتي.

    وقرئ " ليُعْلَمَ " مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامُ الفاعلِ: قال الزمخشري: " مضمونُ الجملة، كما أنه مفعولُ العلمِ ". ورَدَّه الشيخ بأنه ليس مذهبَ البصريين. وتقدَّم تحقيقُ هذه أولَ البقرة.

    وللكوفيين في قيامِ الجملة مَقامَ الفاعلِ أو المفعولِ الذي لم يُسَمَّ فاعلُه: الجوازُ مطلقاً، والتفصيلُ بين ما يُعلَّق كهذه الآيةِ فيجوزُ، فالزمخشري نحا نحوَهم على قَوْلَيْهم. وإذا جَعَلْنا { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } موصولةً جاز أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إليه في هذه القراءةِ أيضاً كما جاز إسناده إليه في القراءةِ قبلها.

    وقُرِئ " ليُعْلِمَ " بضمِّ الياء، والفاعلُ الله تعالى، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ، تقديرُه: ليُعْلِمَ اللهُ الناسَ. و { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } في موضعِ الثاني فقط، إنْ كانت عِرْفانيةً، وفي موضعِ المفعولين إن كانَتْ يقينية

  13. #193
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة الواحدة بعد المائتين

    قال السمين

    قوله: " مِرْفَقا " قرأ بكسرِ الميمِ وفتحِ الفاءِ الجمهورُ. ونافع وابنُ عامر بالعكس، وفيهما اختلافٌ بين أهلِ اللغة، فقيل: هما بمعنى واحد وهو ما يَرْتَفَقُ به، وليس بمصدرٍ. وقيل: هو بالكسر في الميم لليد، وبالفتح للأمر، وقد يُسْتَعْمل كلُّ واحدٍ منهما موضعَ الآخر، حكاه الأزهري عن ثعلبٍ. وأنشد الفراءُ جمعاً بين الغتين في الجارِحَة:
    3131- بِتُّ أُجافي مِرْفقاً عن مَرْفقِ
    /وقيل: يُسْتعملان معاً في الأمرِ وفي الجارحة، حكاه الزجاج.

    وحكى مكي، عن الفراء أنه قال: " لا أعرِفُ في الأمر ولا في اليد ولا في كل شيءٍ إلا كسرَ الميمِ ".

    قلت: وتواترُ قراءةِ نافعٍ والشاميين يَرُدُّ عليه. وأنكر الكسائيُّ كسرَ الميم في الجارحة، وقال: لا أعرفُ فيه إلا الفتحَ وهو عكسُ قولِ تلميذِه، ولكن خالفه أبو حاتم، وقال: " هو بفتح الميم: الموضعُ كالمسجد. وقال أبو زيد: هو بفتح الميم مصدرٌ جاء على مَفْعَل " وقال بعضهم: هما لغتان فيما يُرْتَفَقُ به، فأمَّا الجارِحَةُ فبكسرِ الميمِ فقط. وحُكي عن الفرَّاء أنَّه قال: " أهلُ الحجاز يقولون: " مَرْفقا " بفتح الميم وكسرِ الفاءِ فيما ارتفقْتَ به، ويكسِرون مِرْفَق الإِنسان، والعربُ بعدُ يَكْسِرون الميمَ منهما جميعاً ". وأجاز معاذ فتحَ الميم والفاءِ، وهو مصدرٌ كالمَضْرَبِ والمَقْتَلِ....

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " تزّاور " بتشديد الزاي وإدغام التاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " تزَاور " بتخفيفها بتقدير تتزاور فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر وابن أبي إسحاق وقتادة " تزور " في وزن تحمر، وقرأ الجحدري وأبو رجاء " تزوار " بألف بعد الواو، ومعنى اللفظة على كل هذا التصريف تعدل وتروغ وتميل، وهذه عبارات المفسرين، أما أن الأخفش قال " تزور " معناه تنتقض والزور الميل، والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين كقول ابن أبي ربيعة:

    وجنبي خيفة القوم أزور
    ومن اللفظة قول عنترة: [الكامل]

    فازور من وقع القنا بلبانه
    ومنه قول بشر بن أبي حازم: [الوافر]

    تؤم بها الحداة مياه نخل وفيها عن أبانين ازورار
    وفي حديث غزوة مؤتة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سرير جعفر وزيد بن حارثة،

    وقرأ الجمهور " تقرضهم " بالتاء، وفرقة " يقرضهم " بالياء، أي الكهف كأنه من القرض وهو القطع، أي يقتطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس، وجمهور من قرأ بالتاء، فالمعنى أنهم كانوا لا تصيبهم شمس البتة وهو قول ابن عباس، فيتأولون " تقرضهم " بمعنى تتركهم، أي كأنها عنده تقطع كلّ ما لا تناله عن نفسها، وفرقة ممن قرأ بالتاء تأول أنها كانت بالعشي تنالهم، فكأنها " تقرضهم " أي تقتطعهم مما لا تناله، وقالوا كان في مسها لهم بالعشي صلاح لأجسامهم...

    وقرأ الحسن " وَتَقلُّبُهم " بالتاء المفتوحة وضم اللام والباء، وهو مصدر مرتفع بالابتداء، قاله أبو حاتم، وحكى ابن جني القراءة عن الحسن بفتح التاء وضم اللام وفتح الباء، وقال هذا نصب بفعل مقدر كأنه قال وترى أو تشاهد تقلبهم، وأبو حاتم أثبت، ورأت فرقة أن التقلب هو الذي من أجله كان الرائي يحسبهم...

    وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرىء " وكالبهم باسط ذراعيه " فيحتمل أن يريد بـ " الكالب " هذا الرجل، على ما روي إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة، المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد بـ " الكالب " الكلب، ...

    وقال قتادة { الذين غلبوا } هم الولاة، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي: " غُلِبوا " بضم الغين وكسر اللام، والمعنى أن الطائفة التي أرادت المسجد كانت أولاً تريد أن لا يبنى عليهم شيء، وأن لا يعرض لموضعهم، فروي أن طائفة أخرى مؤمنة أرادت ولا بد طمس الكهف، فلما غلبت الأولى على أن يكون بنيان لا بد، قالت يكون مسجداً، فكان، وروي أن الطائفة التي دعت إلى البنيان، إنما كانت كافرة، أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم، فمانعهم المؤمنون، وقالوا { لنتخذن عليهم مسجداً } ، وروي عن عبيد بن عمير أن الله عمى على الناس حينئذ أثرهم، وحجبهم عنهم، فلذلك دعا إلى بناء البنيان ليكون معلماً لهم.....

  14. #194
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة الثانية بعد المائتين

    قال ابن عطية

    قال قتادة ومطر الوراق وغيرهما { ولبثوا في كهفهم } الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك، واحتجا بأن قراءة عبد الله بن مسعود، وفي مصحفه: " وقالوا لبثوا في كهفهم " ، وذلك عند قتادة، على غير قراءة عبد الله، عطف على{ ويقولون سبعة } [الكهف: 22]، ذكر الزهراوي، ثم أمر الله نبيه بأن يرد العلم إليه رداً على مقالهم وتقييداً له، قال الطبري: وقال بعضهم: لو كان ذلك خبراً من الله، لم يكن لقوله { قل الله أعلم بما لبثوا } وجه مفهوم.

    قال القاضي أبو محمد: أي ذهب بهذا القائل، وما الوجه المفهوم البارع إلا أن تكون الآية خبراً عن لبثهم، ثم قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم { قل الله أعلم بما لبثوا } فخبره هذا هو الحق من عالم الغيب فليزل اختلافكم أيها المخرصون، وقال المحققون: بل قوله تعالى: { ولبثوا في كهفهم } الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار { قل الله أعلم بما لبثوا } فقال الطبري: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه أن هذه المدة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمره الله أن يرد علم ذلك إليه فقوله على هذا التأويل { لبثوا } الأول، يريد في نوم الكهف، و { لبثوا } الثاني: يريد بعد الإعثار موتى إلى مدة محمد عليه السلام، إلى وقت عدمهم بالبلى، على الاختلاف الذي سنذكره بعد، وقال بعضها إنه لما قال: { وازدادوا تسعاً } لم يدر الناس أهي ساعات، أم أيام، أم جمع، أم شهور، أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمره الله برد العلم إليه، يريد في التسع فهي على هذا مبهمة، وظاهر كلام العرب والمفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير، وقد بقيت من الحواريين بقية، وحكى النقاش ما معناه: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين، ...

    وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري " ولا تشرك " بالتاء من فوق، على جهة النهي للنبي عليه السلام، ويكون قوله " ولا تشرك " عطفاً على { أبصر } { وأسمع } ، وقرأ مجاهد " ولا يشركْ " بالياء من تحت وبالجزم، قال يعقوب لا أعرف وجهه، ...

    وقال السمين

    قوله: { أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } العامَّة على إسنادِ الفعل لـ " نا " و " قلبَه " مفعول به. وقرأ عمرو بن عبيد بن فائد وموسى الأسواري بفتح اللام ورفع " قلبُه " أَسْندوا الإِغفالَ إلى القلبِ. وفيه أوجهٌ. قال ابن جني: مَنْ ظَنَّنَا غافِلين عنه ". وقال الزمخشري: " مَنْ حَسِبْنا قلبُه غافلين، مِنْ أَغْفَلْتُه إذا وَجَدْتَهُ غافلاً،. وقال أبو البقاء: " فيه وجهان، أحدُهما: وَجَدْنا قلبُه مُعْرِضين عنه. والثاني: أهملَ أَمْرَنا عن تَذَكُّرِنا ".....

    وقرأ ابن محيصن " واسْتَبرقَ " بوصلِ الهمزة وفتح القافِ غيرَ منونة. فقال ابن جني: هذا سهوٌ أو كالسهوِ ". قلت: كأنه زعم أنَّه مَنَعه الصرفَ ولا وجهَ لمنعِه، لأنَّ شرطَ مَنْعِ الاسمِ الأعجمي أَنْ يكونَ عَلَماً وهذا اسمُ جنسٍ. وقد وجَّهها غيرُه على أنه جَعَلَه فعلاً ماضياً من البريق، واستَفْعَلَ بمعنى فَعَلَ المجرد نحو: قَرَّ واستقرَّ.

    وقال الالوسي

    وَكَانَ لَهُ } أي للأحد المذكور وهو صاحب الجنتين { ثَمَرٌ } أنواع المال كما في «القاموس» وغيره ويقال: ثمر إذا تمول، وحمله على حمل الشجر كما فعل أبو حيان وغيره غير مناسب للنظم. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن عامر وحمزة والكسائي وابن كثير ونافع وقراء المدينة { ثمر } بضم الثاء والميم، وكذا في{ بِثَمَرِهِ } [الكهف: 42] الآتي وهو جمع ثمار بكسر الثاء جمع ثمر بفتحتين فهو جمع الجمع ومعناه / على نحو ما تقدم أي أموال كثيرة من الذهب والفضة والحيوان وغيرها، وبذلك فسره ابن عباس وقتادة وغيرهما، وقال مجاهد يراد به الذهب والفضة خاصة، وقرأ الأعمش وأبو رجاء وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم تخفيفاً هنا وفيما بعد والمعنى على ما سمعت، وقرأ أبو رجاء في رواية { ثمر } بالفتح والسكون. وفي مصحف أبـي وحمل على التفسير (وآتيناه ثمراً كثيراً).

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وابن الزبير، وثبت في مصاحف المدينة " منهما " يريد الجنتين المذكورتين أولاً، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والعامة، وكذلك هو مصحف أهل البصرة " منها " يريد الجنة المدخولة....

  15. #195
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,228
    الجوهرة الثالثة بعد المائتين

    قال ابن عطية

    واختلفت القراءة في قوله { لكنا } فقرأ ابن عامر ونافع في رواية المسيبي " لكنا " في الوصل والوقف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي " لكن " في الوصل و " لكنا " في الوقف، ورجحها الطبري، وهي رواية ورش وقالون عن نافع، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والحسن " لكن أنا هو الله ربي " ، وقرأ عيسى الثقفي والأعمش بخلاف " لكن هو الله ربي " فأما هذه الأخيرة فبين على الأمر والشأن، وأما الذي قبلها فعلى معنى لكن أنا أقول ومن هذه الفرقة، من قرأ " لكننا " ، على حذف الهمزة وتخفيف النونين، وفي هذا نظر، وأما من قرأ " لكننا " ، فأصله عنده لكن أنا: حذفت الهمزة على غير قياس، وأدغمت النون في النون، وقد قال بعض النحويين: نقلت حركة الهمزة إلى النون فجاء لكننا، ثم أدغمت بعد ذلك فجاء " لكنا " ، فرأى بعض القراء أن بالإدغام استغني عن الألف الأخيرة، فمنهم من حذفها في الوصل، ومنهم من أثبتها في الوصل والوقف، ليدل على أصل الكلمة، ويتوجه في " لكنا " أن تكون لكن لحقتها نون الجماعة التي في " خرجنا وضربنا " ، ووقع الإدغام لاجتماع المثلين، ثم وجد في { ربي } على المعنى، ولو اتبع اللفظ لقال ربنا ذكره أبو علي، ويترجح بهذا التعليل قول من أثبت الألف في حال الوصل، والوقف، ويتوجه في { لكنا } أن تكون المشهورة من أخوات إن، المعنى: لكن قولي: هو { الله ربي } ، أما أني لا أعرف من يقرأ بها وصلاً ووقفاً، وذلك يلزم من يوجه هذا الوجه، وروى هارون عن أبي عمرو " ولكنه هو الله ربي " بضمير لحق " لكن " ....

    وقال الطبري

    لَكِنَّ هُوَ اللّهُ رَبّـي } يقول أما أنا فلا أكفر بربـي، ولكن أنا هو الله ربـي، معناه أنه يقول ولكن أنا أقول هو الله ربـي { وَلا أُشْرِكُ بِرَبـيّ أحَداً }. وفـي قراءة ذلك وجهان أحدهما لكنّ هو الله ربـي بتشديد النون وحذف الألف فـي حال الوصل، كما يقال أنا قائم فتـحذف الألف من أنا، وذلك قراءة عامة قرّاء أهل العراق. وأما فـي الوقـف فإن القرأة كلها تثبت فـيها الألف، لأن النون إنـما شدّدت لاندغام النون من لكن، وهي ساكنة فـي النون التـي من أنا، إذ سقطت الهمزة التـي فـي أنا، فإذا وقـف علـيها ظهرت الألف التـي فـي أنا، فقـيـل لكنا، لأنه يقال فـي الوقـف علـى أنا بإثبـات الألف لا بإسقاطها. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـحجاز { لَكِنَّا } بإثبـات الألف فـي الوصل والوقـف، وذلك وإن كان مـما ينطق به فـي ضرورة الشعر، كما قال الشاعر
    أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فـاعْرِفُونِـي حُمَيْداً قد تَذَرَّيْتُ السَّنامَا
    فأثبت الألف فـي أنا، فلـيس ذلك بـالفصيح من الكلام، والقراءة التـي هي القراءة الصحيحة عندنا ما ذكرنا عن العراقـيـين، وهو حذف الألف من «لكنّ» فـي الوصل، وإثبـاتها فـي الوقـف.

    وقال ابن عطية

    وقوله { هنالك } يحتمل أن يكون ظرفاً لقوله { منتصراً } ويحتمل أن تكون { الولاية } مبتدأ، و { هنالك } خبره،

    وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب " الوِلاية " بكسر الواو، وهي بمعنى الرياسة والزعامة ونحوه، وقرأ الباقون " الوَلاية " بفتح الواو وهي بمعنى الموالاة والصلة ونحوه، ويحكى عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحن، لأن فعالة، إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلداً، وليس هنا تولي أمر الموالاة،

    وقرأ أبو عمرو والكسائي " الحق " بالرفع على جهة النعت لـ { الولاية } ، وقرأ الباقون " الحقِّ " بالخفض على النعت { لله } عز وجل، وقرأ أبو حيوة " لله الحقَّ " بالنصب وقرأ الجمهور " عُقُباً " بضم العين والقاف وقرأ عاصم وحمزة والحسن " عُقْباً " بضم العين وسكون القاف وتنوين الباء، وقرأ عاصم أيضاً " عقبى " بياء التأنيث، والعُقُب والعُقْب بمعنى العاقبة.....

    تذروه } ، بمعنى تفرقه، وقرأ ابن عباس: " تذريه " ، والمعنى: تقلعه وترمي به، وقرأ الحسن " تذروه الريح " بالإفراد، وهي قراءة طلحة والنخعي والأعمش.....

    وقرأ نافع والأعرج وشيبة وعاصم وابن مصرف وأبو عبد الرحمن " نسير " بنون العظمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى: " تسيَّر " بالتاء، وفتح الياء المشددة " الجبالُ " رفع، وقرأ الحسن: " يُسيَّر " بياء مضمونة، والثانية مفتوحة مشددة، " الجبال " رفعاً، وقرأ ابن محيصن " تَسِير ": بتاء مفتوحة وسين مكسورة، أسند الفعل إلى " الجبال " ، وقرأ أبي بن كعب " ويوم سيرت الجبال "......

    وقرأ الجمهور " نغادر " بنون العظمة، وقرأ قتادة: " تغادر " على الإسناد إلى القدرة أو إلى الأرض، وروى أبان بن يزيد عن عاصم: " يغادَر " بياء وفتح الدال " أحدُ " بالرفع، وقرأ الضحاك " فلم نُغْدِر " بنون مضمومة وكسر الدال وسكون الغين، والمغادرة: الترك، ومنه غدير الماء، وهو ما تركه السيل...

صفحة 13 من 20 الأولىالأولى ... 391011121314151617 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •