صفحة 11 من 29 الأولىالأولى ... 78910111213141521 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 151 إلى 165 من 428

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #151
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة التاسعة والخمسون بعد المائة

    قال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { فبذلك فليفرحوا } وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وأبو مجلز، وقتادة، وأبو العالية، ورويس عن يعقوب: «فلتفرحوا» بالتاء. وقرأ الحسن، ومعاذ القارىء، وأبو المتوكل مثل ذلك، إِلا أنهم كسروا اللام. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: «فبذلك فافرحوا». قال ابن عباس: بذلك الفضل والرحمة. { هو خير مما يجمعون } أي: مما يجمع الكفار من الأموال. وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ورويس: «تجمعون» بالتاء. وحكى ابن الأنباري أن الباء في قوله: { بفضل الله } خبر لاسم مضمر، تأويله: هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله ورحمته، فبذلك التطوّل من الله فليفرحوا....

    وقال القرطبي

    فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } إشارة إلى الفضل والرحمة. والعرب تأتي «بذلك» للواحد والاثنين والجمع. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرأ «فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا» بالتاء؛ وهي قراءة يزيد بن القَعْقاع ويعقوب وغيرهما، وفي الحديث. " لتأخذوا مصافّكم " والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب. وقد ذمّ الفرح في مواضع؛ كقوله:{ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } [القصص: 76] وقوله:{ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } [هود: 10] ولكنه مطلق. فإذا قيّد الفرح لم يكن ذماً؛ لقوله؛{ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [آل عمران: 170] وهاهنا قال تبارك وتعالى: { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا؛ فقيد. قال هارون: وفي حرف أُبَيّ «فبِذلِك فافرحوا». قال النحاس: سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أن مع النهي حرفاً؛ إلا أنهم يحذفون من الأمر للمخَاطب استغناء بمخاطبته، وربما جاءوا به على الأصل؛ منه «فبذلك فلتفرحوا». { هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } يعني في الدنيا. وقراءة العامة بالياء في الفعلين؛ ورُوي عن ٱبن عامر أنه قرأ «فليفرحوا» بالياء «تجمعون» بالتاء؛ خطاباً للكافرين. ورُوي عن الحسن أنه قرأ بالتاء في الأوّل؛ و «يجمعون» بالياء على العكس...

    وقال الطبري

    قال أبو جعفر والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار من قراءة الحرفين جميعا بالياء { فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ } لمعنيين أحدهما إجماع الحجة من القرّاء عليه، والثاني صحته في العربية.

  2. #152
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الستون بعد المائة

    قال السمين

    قوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذظ°لِكَ وَلاغ¤ أَكْبَرَ } قرأ حمزة برفع راء " أَصْغر " و " أكبر " ، والباقون بفتحها. فأما الفتحُ ففيه وجهان، أحدهما: ـ وعليه أكثر المُعْربين ـ أنه جَرٌّ، وإنما كان بالفتحةِ لأنه لا يَنْصَرف للوزن والوصف، والجرُّ لأجلِ عطفِه على المجرور وهو: إمَّا " مثقال " ، وإمَّا " ذرة ". وأمَّا الوجهُ الثاني فهو أنَّ " لا " نافيةٌ للجنس، و " أصغر " و " أكبر " اسمُها، فهما مَبْنيان على الفتح. وأمَّا الرفعُ فمن وجهين أيضاً، أشهرهُما عند المُعْربين: العطفُ على محل " مثقال " إذ هو مرفوعٌ بالفاعلية و " مِنْ " مزيدة فيه كقولك: " ما قام مِنْ رجل ولا امرأة " بجرِّ " امرأة " ورَفِعْها. والثاني: أنه مبتدأ، قال الزمخشري: " والوجهُ النصبُ على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسِه، وفي العطفِ على محل " مثقال ذرة " ، أو على لفظ " مثقال ذرة " فتحاً في موضع الجرِّ لامتناع الصرف إشكالٌ؛ لأنَّ قولَك: " لا يَعْزُب عنه شيءٌ إلا في كتاب مشكل " انتهىظ°. وهذان الوجهان اختيار الزجاج، وإنما كان هذا مُشْكلاً عنده لأنه يصير التقدير: إلا في كتاب مبين فيعزبُ، وهو كلامٌ لا يصحُّ. وقد يزول هذا الإِشكالُ بما ذكره أبو البقاء: وهو أن يكون { إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } استثناءٌ منقطعاً، قال: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } ، أي: إلا هو في كتاب، والاستثناءُ منقطع ". وقال الإِمام فخر الدين بعد حكايته الإِشكالَ المتقدم: " أجاب بعضُ المحققين مِنْ وجهين، أحدهما: أن الاستثناءَ منقطع، والآخر: أن العُزوبَ عبارةٌ عن مُطْلق البعد، والمخلوقاتِ قسمان، قسمٌ أوجده اللهُ ابتداءً مِنْ غير واسطةٍ كالملائكة والسمواتِ والأرض، وقسمٌ أوجده بواسطةِ القسم الأول مثلِ الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، وهذا قد يتباعدُ في سلسلةِ العِلِّيَّة والمعلولِيَّة عن مرتبة وجود واجبِ الوجود، فالمعنىظ°: لا يَبْعد عن مرتبة وجوده مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين، كتبه الله وأثبت فيه صورَ تلك المعلومات ".

    قلت: فقد آل الأمرُ إلى أنه جَعَله استثناءً مفرغاً، وهو حال من " أصغر " و " أكبر " ، وهو في قوة الاستثناءِ المتصل، ولا يُقال في هذا: إنه متصل ولا منقطع، إذ المفرَّغُ لا يُقال فيه ذلك.

    وقال الجرجاني: " إلا " بمعنى الواو، أي: وهو في كتاب مبين، والعربُ تضعُ " إلا " موضعَ واو النسق كقوله:{ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } [النساء: 148]{ إِلاَّ ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } [البقرة: 150]. وهذا الذي قاله الجرجانيُّ ضعيفٌ جداً، وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألة في البقرة، وأنه شيءٌ قال به الأخفش، ولم يَثْبُت ذلك بدليل صحيح. وقال الشيخ أبو شامةَ: " ويُزيل الإِشكالَ أن تُقَدِّر قبلَ قوله: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } " ليس شيء من ذلك إلا في كتاب " وكذا تقدِّر في آية الأنعام.

    ولم يُقرأ في سبأ إلا بالرفع، وهو يُقَوِّي قولَ مَنْ يقول إنه معطوف على " مثقال " ويُبَيِّنه أن " مثقال " فيها بالرفع، إذ ليس قبله حرفُ جر. وقد تقدَّمَ الكلامُ على نظير هذه المسألة والإِشكالُ فيها في سورة الأنعام في قوله:{ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ } [يونس: 59]، إلى قوله:{ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [يونس: 59]، وأنَّ صاحبَ " النظم " الجرجانيَّ هذا أحال الكلامَ فيها على الكلامِ في هذه السورة، وأن أبا البقاء قال: " لو جَعَلْناه كذا لفَسَدَ المعنىظ° " ، وقد بيَّنْتُ تقريرَ فسادِه والجوابَ عنه في كلام طويل هناك فعليك باعتبارِه ونَقْلِ ما يمكن نَقْلُه إلى هنا.

    وقال الرازى

    وأجاب صاحب «الكشاف»: بوجه رابع فقال: الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذظ°لِكَ وَلا أَكْبَرَ } على قوله: { مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ظ±لأَرْضِ وَلاَ فِى ظ±لسَّمَاء } إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل، لكنا لا نقول ذلك، بل نقول: الوجه في القراءة بالنصب في قوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذظ°لِكَ } الحمل على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء، وخبره قوله: { فِى كِتَـظ°بٍ مُّبِينٍ } وهذا الوجه اختيار الزجاج....

    وقال الطبري

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَلا أصْغَرَ مِنَ ذلكَ وَلا أكْبَرَ } فقرأ ذلك عامَّة القرّاء بفتح الراء من «أصغر» و«أكبر» على أن معناها الخفض، عطفاً بالأصغر على الذرّة وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما لأنهما لا يجريان. وقرأ ذلك بعض الكوفيين «وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ وَلا أكْبَرُ» رفعاً، عطفا بذلك على معنى المثقال لأن معناه الرفع. وذلك أن «مِنْ» لو أُلقيت من الكلام لرفع المثقال، وكان الكلام حينئذ وَما يَعْزُبُ عن ربك مثقال ذرّة ولا أصغر من مثقال ذرّة ولا أكبر، وذلك نحو قوله{ منْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ } و«غيرِ الله». وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بالفتح على وجه الخفض والردّ على الذرّة لأن ذلك قراءة قرّاء الأمصار وعليه عوامّ القرّاء، وهو أصحّ في العربية مخرجا وإن كان للأخرى وجه معروف. وقوله { إلاَّ فِي كِتابٍ } يقول وما ذاك كله إلا في كتاب عند الله مبين عن حقيقة خبر الله لمن نظر فيه أنه لا شيء كان أو يكون إلا وقد أحصاه الله جلّ ثناؤه فيه، وأنه لا يعزب عن الله علم شيء من خلقه حيث كان من سمائه وأرضه.....

    وقال السمين

    قوله تعالى: { إِنَّ ظ±لْعِزَّةَ }: العامَّةُ على كسرِ " إنَّ " استئنافاً وهو مُشْعِرٌ بالعِلِّيَّة. وقيل: هو جوابُ سؤالٍ مقدرٍ كأنَّ قائلاً قال: لِمَ لا يُحْزِنُه قولُهم، وهو ممَّا يُحْزِن؟ فأجيب بقوله: { إِنَّ ظ±لْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } ، ليس لهم منها شيءٌ فكيف تبالي بهم وبقولهم؟.

    والوقفُ على قولِه: { قَوْلُهُمْ } ينبغي أن يُعْتمد ويُقْصَدَ ثم يُبتدأ بقوله: " إن العزَّة " وإن كان من المستحيلِ أن يتوهَّم أحد أن هذا مِنْ مقولهم، إلا مَنْ لا يُعْتَبَرُ بفهمه.

    وقرأ أبو حيوة: " أنَّ العزة " بفتح " أنَّ ". وفيها تخريجان، أحدهما: أنها على حَذْفِ لام العلة، أي: لا يَحْزنك قولهم لأجل أن العزة لله جميعاً. والثاني: أنَّ " أنَّ " وما في حيِّزها بدل من " قولهم " كأنه قيل: ولا يَحْزُنك أن العَّزة لله، وكيف يَظْهَرُ هذا التوجيهُ أو يجوز القول به، وكيف يَنْهىظ° رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في المعنى وهو لم يَتَعاطَ شيئاً من تلك الأسباب، وأيضاً فمِنْ أيِّ قبيلٍ الإِبدالُ هذا؟ قال الزمخشري: " ومَنْ جعله بدلاً من " قولهم " ثم أنكره فالمُنْكَر هو تخريجُه لا ما أنكره من القراءة به " ، يعني أن إنكارَه للقراءة مُنْكَرٌ؛ لأنَّ معناها صحيحٌ على ما ذَكَرْتُ لك مِنَ التعليلِ، وإنما المُنْكَر هذا التخريجُ.

    وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءةَ ونَسَبُوها للغلَط ولأكثر منه. قال القاضي: " فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكفر، وإذا كُسِرت كان استئنافاً وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإِعراب ". وقال ابن قتيبة: " لا يجوز فتحُ " إنَّ " في هذا الموضعِ وهو كفرٌ وغلوٌّ " ، وقال الشيخ: " وإنما قالا ذلك بناءً منهما على أن " أنَّ " معمولةٌ لـ " قولهم ". قلت: كيف تكون معمولةً لـ " قولهم " وهي واجبةُ الكسرِ بعد القول إذا حُكِيَتْ به، كيف يُتَوَهَّم ذلك؟ وكما لا يُتَوَهَّم هذا المعنىظ° مع كسرِها لا يُتَوَهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيح...

  3. #153
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الواحدة والستون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ السبعة وجهور الناس وابن أبي إسحاق وعيسى: " فأجمعوا " من أجمع الرجل على الشيء إذا عزم عليه ومنه قول الشاعر: [الكامل ]

    هل أغدونْ يوماً وأمر مجمع
    ومنه قول الآخر: [الخفيف ]

    أجمعوا أمرهم بليلِ فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
    ومنه الحديث ما لم يجمع مكثاً ومنه قول أبي ذؤيب: [ الكامل ]

    ذكر الورود بها فأجمع أمرَهُ شوقاً وأقبلَ حينه يتتبع
    وقرأ نافع فيما روى عنه الأصمعي وهي قراءة الأعرج وأبي رجاء وعاصم الجحدري والزهري والأعمش " فاجمَعوا " بفتح الميم من جمع إذا ضم شيئاً إلى شيء، و { أمركم } يريد به قدرتكم وحياتكم ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى:{ فتولى فرعون فجمع كيده } [طه: 60] وكل هؤلاء نصب " الشركاء " ، ونصب قوله: { شركاءكم } ، يحتمل أن يعطف على قوله { أمركم } ، وهذا على قراءة " فاجمعوا " بالوصل، وأما من قرأ: " فأجمعوا " بقطع الألف فنصب " الشركاء " بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شركاءكم فهو من باب قول الشاعر: [ المتقارب ]

    شراب اللبان وتمر وأقط
    ومن قول الآخر: [مجزوء الكامل مرفل]

    ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحا
    ومن قول الآخر: [ الرجز ]

    علفتها تبناً وماء بارداً حتى شَأت همالة عيناها
    وفي مصحف أبي بن كعب: " فأجمعوا وادعوا شركاءكم " ، قال أبو علي: وقد ينتصب " الشركاء " بواو " مع " ، كما قالوا جاء البريد والطيالسة، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب وأبو عمرو فيما روي عنه " وشركاؤكم " بالرفع عطفاً على الضمير في { أجمعوا } ، وعطف على الضمير قبل تأكيده لأن الكاف والميم في { أمركم } ناب مناب أنتم المؤكد للضمير، ولطول الكلام أيضاً، وهذه العبارة أحسن من أن يطول الكلام بغير ضمير، ويصح أن يرتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره وشركاؤهم فليجمعوا، وقرأت فرقة " وشركائكم " بالخفض على العطف على الضمير في قوله: { أمركم } ، التقدير وأمر شركائكم، فهو كقول الشاعر [العجّاج ]:

    أكل امرىء تحسبين أمرأً ونار توقد بالليل نارا
    أي وكل نار، والمراد بالشركاء في هذه الآية الأنداد من دون الله، فأضافهم إليهم إذ يجعلونهم شركاء بزعمهم...

    وقوله { ثم اقضوا إلي } ومعناه أنفذوا قضاءكم نحوي، وقرأ السدي بن ينعم: " ثم أفضوا " بالفاء وقطع الألف، ومعناه: أسرعوا وهو مأخوذ من الأرض الفضاء أي اسلكوا إلي بكيدكم واخرجوا معي وبي إلى سعة وجلية...

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ } قراءة العامة «فَأَجْمِعُوا» بقطع الألف «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب. وقرأ عاصم الجَحْدرِيّ «فٱجْمعُوا» بوصل الألف وفتح الميم؛ من جَمع يجمع. «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب. وقرأ الحسن وٱبن أبي إسحاق ويعقوب «فأجمِعوا» بقطع الألف «شركاؤكم» بالرفع. فأما القراءة الأُولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه. وقال الفراء: أجمع الشيء أعدّه. وقال المؤرّج: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه. وأنشد:
    يا ليت شعري والمُنَى لا تنفع هل أَغْدُوَنْ يوماً وأمري مُجْمَعُ
    قال النحاس: وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه؛ قال الكسائي والفراء: هو بمعنى وٱدعوا شركاءكم لنصرتكم؛ وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل. وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى؛ كما قال:
    يا ليت زوجَك في الوَغَى متقلّدا سَيْفاً ورُمْحاً
    والرمح لا يُتقلّد، إلا أنه محمول كالسيف. وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى مع شركائكم على تناصركم؛ كما يقال: التقى الماء والخشبةَ. والقراءة الثانية من الجمع، اعتباراً بقوله تعالى:{ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ } [طۤه: 60]. قال أبو معاذ: ويجوز أن يكون جَمَعَ وأجْمع بمعنًى واحد، «وشركاءكم» على هذه القراءة عطف على «أمركم»، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، وإن شئت بمعنى مع. قال أبو جعفر النحاس: وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمراً. والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال. قال النحاس وغيره: وهذه القراءة تبعد؛ لأنه لو كان مرفوعاً لوجب أن تكتب بالواو، ولم يُرَ في المصاحف واو في قوله «وشركاءكم»، وأيضاً فإن شركاءهم الأصنام، والأصنام لا تصنع شيئاً ولا فعل لها حتى تُجْمِع. قال المهدويّ: ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها.

    وقال الطبري

    . واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قراء الأمصار وشَرَكاءَكُمْ نصبا، وقوله فَأجْمِعُوا بهمز الألف وفتحها، من أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعاً. وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه { فأجمِعوا أمْرَكُمْ } بفتح الألف وهمزها «وَشُرَكاؤُكُمْ» بالرفع على معنى وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرهم أيضاً معكم شركاؤكم. والصواب من القول في ذلك قراءة من قرأ { فَأجْمِعُوا أمْرَكُمُ وَشُرَكاءَكُمْ } بفتح الألف من «أجمعوا»، ونصب «الشركاء»، لأنها في المصحف بغير واو، ولإجماع الحجة على القراءة بها ورفض ما خالفها، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو. وعني بالشركاء آلهتهم وأوثانهم

  4. #154
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثانية والستون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ السبعة سوى أبي عمرو { السحر } وهي قراءة جمهور الناس، وقرأ أبو عمرو ومجاهد وأصحابه وابن القعقاع { به السحر } بألف الاستفهام ممدودة قبل { السحر }.

    فأما من قرأ { السحر } بغير ألف استفهام قبله فـ { ما } في موضع رفع على الابتداء وهي بمعنى الذي وصلتها قوله { جئتم به } والعائد الضمير في { به } ، وخبرها { السحر } ، ويؤيد هذه القراءة والتأويل أن في مصحف ابن مسعود " ما جئتم به سحر " ، وكذلك قرأها الأعمش وهي قراءة أبي بن كعب، " ما أتيتم به سحر " ، والتعريف هنا في السحر أرتب لأنه قد تقدم منكراً في قولهم{ إن هذا لسحر } [يونس: 76] فجاء هنا بلام العهد كما يقال في أول الرسالة، سلام عليك وفي آخرها والسلام عليك، ويجوز أن تكون { ما } استفهاماً في موضع رفع بالابتداء و { جئتم به } الخبر و { السحر } خبر ابتداء مضمر تقديره هو السحر إن الله سيبطله، ووجه استفهامه هذا هو التقرير والتوبيخ، ويجوز أن تكون { ما } في موضع نصب على معنى أي شيء جئتم و { السحر } مرفوع على خبر الابتداء تقدير الكلام أي شيء جئتم به هو السحر، { إن الله سيبطله } ،

    وأما من قرأ الاستفهام والمد قبل { السحر } فـ { ما } استفهام رفع بالابتداء و { جئتم به } الخبر، وهذا على جهة التقرير، وقوله: { السحر } استفهام أيضاً كذلك، وهو بدل من الاستفهام الأول، ويجوز أن تكون { ما } في موضع نصب بمضمر تفسيره { جئتم به } تقديره أي شيء جئتم به السحر، ...

    وقال الطبري

    وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه لم يكن شاكًّا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه أيّ شيءٍ هو، وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحقّ الذي كان الله آتاه، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدّقونه في الخبر عما جاءوا به من الباطل، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول ما جاءوا به من ذلك بالحقّ الذي أتاه ومبطل كيدهم بجدّه، وهذه أولى بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآخرى. فإن قال قائل فما وجه دخول الألف واللام في السحر إن كان الأمر على ما وصفت وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا ما جاءني به عمرو درهم، والذي أعطاني أخوك دينار، ولا يكادون أن يقولوا الذي أعطاني أخوك الدرهم، وما جاءني به عمرو الدينار؟ قيل له بلى كلام العرب إدخال الألف واللام في خبر ما والذي إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطب والمخاطب، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأن الخبر حينئذ خبر عن شيء بعينه معروف عند الفريقين وإنما يأتي ذلك بغير الألف إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصد شيء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام في الخبر، وخبر موسى كان خبراً عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله علما له على صدقه ونبوته إلى أنه سحر، فقال لهم موسى السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم لا ما جئتكم به أنا. ثم أخبرهم أن الله سيبطله. فقال { إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } يقول سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعباناً يتلقفه حتى لم يبق منه شيء. { إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ } يعني أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه. وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب «ما أتيتم به سحر»، وفي قراءة ابن مسعود «ما جئتم به سحر»، وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه.

  5. #155
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثالثة والستون بعد المائة

    قال السمين


    قوله تعالى: { لِيُضِلُّواْ }: في هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها لامُ العلة، والمعنىظ°: أنك أتيتَهم ما أتيتهم على سبيل الاستدراج فكان الإِيتاءُ لهذه العلة. والثاني: أنها لام الصيرورة والعاقبة كقوله:{ فَظ±لْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص: 8]. وقولِه:
    2622 ـ لِدُوا للموت وابنُوا للخراب .................
    وقولِه:
    2623 ـ فللموتِ تَغْذو الوالداتُ سِخالَها كما لخرابِ الدُّوْرِ تُبْنَى المساكنُ
    وقوله:
    2624 ـ وللمنايا تُرَبِّى كلُّ مُرْضِعَةٍ وللخرابِ يَجِدُّ الناسُ عِمْرانا
    والثالث: أنها للدعاء عليهم بذلك، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليكونوا ضُلاَّلاً، وإليه ذهب الحسن البصري وبدأ به الزمخشري.

    وقد استُبْعِد هذا التأويلُ بقراءة الكوفيين " ليُضِلُّوا " بضم الياء فإنه يَبْعُد أن يَدْعُوَ عليهم بأن يُضِلُّوا غيرهم، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ الشعبي بكسرها، فوالى بين ثلاث كسَرات إحداها في ياء. وقرأ [أبو] الفضل الرياشي " أإنك أَتَيْتَ " على الاستفهام. وقال الجبائي: إنَّ " لا " مقدرةٌ بين اللام والفعل تقديره: لئلا يَضِلوا " ، ورأيُ البصريين في مثل هذا تقديرُ " كراهةَ " أي: كراهة أن يَضِلُّوا....

    قوله: { آمَنتُ أَنَّهُ } قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه، أحدها: أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام. والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت. والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله: " آمنت " ، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة بـ " قال " هذا الظاهر. والرابع: أن " آمنتُ " ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري: " كَرَّر المخذولُ المعنىظ° الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول " يعني أنه قال: " آمنتُ " ، فهذه مرة، وقال: { أَنَّهُ لاغ¤ إِلِـظ°هَ إِلاَّ ظ±لَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوغ¤اْ إِسْرَائِيلَ } فهذه ثانيةٌ، وقال: { وَأَنَاْ مِنَ ظ±لْمُسْلِمِينَ } فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد " وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في " إنه ".

    وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضاً، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنىظ° صدَّقْتُ. الثاني: أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه. الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف....

    قوله: { بِبَدَنِكَ } فيه وجهان، أحدُهما: أنها باءُ المصاحبةِ بمعنى مصاحباً لبدنك وهي الدِّرْع، وفي التفسير: لم يُصَدِّقوا بغرقه، وكانت له دِرْعُ تُعْرَفُ فأُلقي بنَجْوة من الأرض وعليه دِرْعُه ليعرفوه، والعربُ تطلِقُ البدنَ على الدرع، قال عمرو بن معد يكرب:
    2628 ـ أعاذِلُ شِكَّتي بدني وسيفي وكلّ مُقَلَّصٍ سَلِس القِيادِ
    وقال آخر:
    2629 ـ ترىظ° الأبْدانَ فيها مُسْبَغَاتٍ على الأبطالِ واليَلَبَ الحصينا
    وقيل: ببدنك أي عُرْيانَ لا شيءَ عليه، وقيل: بدناً بلا روح.

    والثاني: أن تكونَ سببيةً على سبيل المجاز؛ لأنَّ بدنه سبب في تنجيته،

    وذلك على قراءةِ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع " بندائك " من النداء وهو الدعاءِ أي: بما نادَىظ° به في قومه من كفرانه في قولِه{ وَنَادَىظ° فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ } [الزخرف: 51]{ فَحَشَرَ فَنَادَىظ° فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ظ±لأَعْلَىظ° } [النازعات: 23-24]{ يظ°أَيُّهَا ظ±لْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـظ°هٍ غَيْرِي } [القصص: 38].

    وقرأ يعقوب " نُنْجِيْك " مخففاً مِنْ أنجاه. وقرأ أبو حنيفة " بأبدانك " جمعاً: إمَّا على إرادة الأدْراع لأنه كان يلبس كثيراً منها خوفاً على نفسِه، أو جعل كلَّ جزء مِنْ بدنه بدناً كقوله: " شابت مَفارِقُه " قال:
    2630 ـ......................... شابَ المَفارِقُ واكتَسَيْنَ قَتِيرا

    وقرأ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع ويزيد البربري " نُنَحِّيْكَ " بالحاء المهملةِ من التَّنْحِيَة أي: نُلْقيك بناحيةٍ فيما يلي البحر، وفي التفسير: أنَّه رماه إلى ساحل البحر كالثور. وهل ننجِّيك من النجاة بمعنى نُبْعدك ممَّا وقع فيه قومُك مِنْ قعر البحر وهو تهكُّم بهم، أو مِنْ ألقاه على نَجْوة أي: رَبْوة مرتفعة، أو مِن النجاة وهو التَّرْكُ أو من النجاء وهو العلامة، وكلُّ هذه معانٍ لائقة بالقصة....

    وقال القرطبي

    وقرىء «لمن خَلَفك» (بفتح اللام)؛ أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك. وقرأ عليّ بن أبي طالب «لمن خلقك» بالقاف؛ أي تكون آية لخالقك...

    قوله تعالى: { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ } قال الأخفش والكسائي: أي فهلاّ. وفي مصحف أُبَيّ وابن مسعود «فهلا» وأصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهومٌ من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس؛ فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل؛ لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. والنصب في «قوم» هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في (باب ما لا يكون إلاّ منصوباً). قال النحاس: «إلا قوم يونس» نصب لأنه استثناء ليس من الأوّل، أي لكن قوم يونس؛ هذا قول الكسائي والأخفش والفراء. ويجوز. «إلا قومُ يونس» بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج قال: يكون المعنى غيرُ قومِ يونس، فلما جاء بإلاّ أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير كما قال:
    وكلُّ أخٍ مفارِقه أخوه لَعَمْرُ أبِيك إلا الفَرْقدانِ

    وقال ابن عطية

    وقرأ الأعمش: " ويجعل " الله الرجز " ، و { الرجس } يكون بمعنى العذاب كالرجز، ويكون بمعنى القذر والنجاسة ذكره أبو علي هنا وغيره وهو في هذه الآية بمعنى العذاب

  6. #156
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    سورة هود

    الجوهرة الرابعة والستون بعد المائة


    قال ابن عطية

    وقال قوم: { فصلت } معناه فسرت، وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وابن كثير - فيما روي عنه -: " ثم فَصَلَت " بفتح الفاء والصاد واللام، ويحتمل ذلك معنيين: أحدهما: " فَصَلَت " أي نزلت إلى الناس كما تقول فصل فلان لسفره ونحو هذا المعنى. والثاني فَصَلَت بين المحق والمبطل من الناس.

    وقال السمين

    قوله: { ثُمَّ فُصِّلَتْ } " ثم " على بابها مِن التراخي لأنها أُحكمَتْ ثم فُصِّلَتْ بحسب أسبابِ النزول. وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وزيد ابن علي وابن كثير في روايةٍ " فَصَلَتْ " بفتحتين خفيفةَ العين. قال أبو البقاء: " والمعنىظ°: فَرَقَتْ، كقوله:{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ } [البقرة: 249]، أي: فارق ". وفَسَّر هنا غيرُه بمعنى فَصَلَتْ بين المُحِقِّ والمُبْطِل وهو أحسنُ. وجعل الزمخشري " ثم " للترتيب في الإِخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان فقال: " فإن قلت: ما معنىظ° " ثم "؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت ولكن في الحال، كما تقول: هي مُحْكَمَةٌ أحسنَ الإِحكام ثم مُفَصَّلةٌ أحسنَ التفصيل، وفلانٌ كريمٌ الأصل ثم كريمُ الفعل " وقُرِىء أيضاً: " أحْكَمْتُ آياتِه ثم فَصَّلْتُ " بإسناد الفعلين إلى تاء المتكلم ونَصْبِ " آياته " مفعولاً بها، أي: أحكمتُ أنا آياتِه ثم فَصَّلْتُها، حكى هذه القراءةَ الزمخشري....

    قوله تعالى: { يَثْنُونَ }: قراءةُ الجمهورِ بفتح الياء وسكونِ الثاءِ المثلثةِ، وهو مضارعُ ثَنَىظ° يَثْني ثَنْياً، أي: طوىظ° وزَوَىظ°، و " صدورَهم " مفعول به والمعنىظ°: " يَحْرِفون صدورَهم ووجوههم عن الحق وقبولِه " والأصل: يَثْنِيُون فأُعِلَّ بحذفِ الضمةِ عن الياء، ثم تُحْذَفُ الياءُ لالتقاءِ الساكنين.

    وقرأ سعيد بن جبير " يُثْنُون " بضم الياء وهو مضارع أَثْنَىظ° كأكرم. واستشكل الناسُ هذه القراءةَ فقال أبو البقاء: " ماضيه أَثْنى، ولا يُعرف في اللغة، إلا أن يُقالَ: معناه عَرَضوها للانثناء، كما يُقال: أَبَعْتُ الفرسَ: إذا عَرَضْتَه للبيع ". وقال صاحب " اللوامح ": " ولا يُعرف الإِثناء في هذا الباب، إلا أن يُرادَ بها: وَجَدْتُها مَثْنِيَّة، مثل: أَحْمَدْتُه وأَمْجَدْتُه، ولعله فتح النون، وهذا ممَّا فُعِل بهم فيكون نصب " صدورَهم " بنزع الجارِّ، ويجوز إلى ذلك أن يكون " صدورهم " رَفْعاً على البدلِ بدلِ البعض من الكل ". قلت: يعني بقوله: " فلعله فتح النون " ، أي: ولعل ابنَ جبير قرأ ذلك بفتح نونِ " يُثْنَون " فيكون مبنياً للمفعول، وهو معنى قولِه " وهذا مما فُعِل بهم، أي: وُجِدوا كذلك، فعلى هذا يكون " صدورَهم " منصوباً بنزع الخافض، أي: في صدورهم، أي: يوجد الثَّنْيُ في صدورهم، ولذلك جَوَّز رفعَه على البدل كقولك: " ضُرِب زيدٌ الظهرُ ". ومَنْ جوَّز تعريفَ التمييز لا يَبْعُدُ عنده أن ينتصبَ " صدورَهم " على التمييز بهذا التقديرِ الذي قدَّره.......

    وقال الطبري

    والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو { ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } على مثال «يفعلون»، والصدور نصب بمعنى يحنون صدورهم ويكنّونها. كما حدثني المثنى، قال ثنا عبد الله بن صالح، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقول يكنّون. حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقول يكتمون ما في قلوبهم. { ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ } ما عملوا بالليل والنهار. حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال سمعت أبا معاذ يقول ثنا عبيد، قال سمعت الضحاك يقول في قوله { ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقول تثنوني صدورُهم. وهذا التأويل الذي تأوّله الضحاك على مذهب قراءة ابن عباس، إلا أن الذي حدثنا هكذا ذكر القراءة في الرواية. فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب لإجماع الحجة من القرّاء عليها. فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويل من قال إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلاً منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم أو تناجوه بينهم. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله { لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ } بمعنى ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله { مِنْهُ } عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل،. فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. وإذا صحّ أن ذلك كذلك، كان معلوما أنهم لم يحدِّثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به..

  7. #157
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    نذكر قراءة شاءة غفلنا عنها فى يونس

    قال السمين

    قوله: { كَأَن لَّمْ تَغْنَ } هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً مِنْ مفعول " جَعَلْناها " الأول، وأن تكون مستأنفةً جواباً لسؤال مقدر. وقرأ مروان ابن الحكم " تتغَنَّ " بتاءين بزنة تنفَعَّل، ومثله قول الأعشىظ°:
    2580 ـ..................... طويلَ الثَّواءِ طويلَ التَّغَنّ
    وهو بمعنى الإِقامة، وقد تقدَّم تحقيقُه في الأعراف. وقرأ الحسن وقتادة { كأن لم يَغْنَ } بياء الغيبة، وفي هذا الضميرِ ثلاثةُ أوجهٍ، أجودُها: أن يعودَ على الحصيد لأنه أقرب مذكور.وقيل: يعودُ على الزخرف، أي: كأن لم يَقُم الزخرف. وقيل: يعود على النبات أو الزرع الذي قدَّرته مضافاً، أي: كأن لم يَغْنَ زَرْعُها ونباتها.

    الجزء الثانى عشر


    الجوهرة الخامسة والستون بعد المائة



    قال ابن عطية

    وقرأ عيسى الثقفي: " ولئن قلتُ " بضم التاء، وقرأ الجمهور " قلتَ " بفتح التاء....

    وقرأ جمهور الناس " كتابُ " بالرفع؛ وقرأ الكلبي وغيره " كتاباً " بالنصب فمن رفع قدر " الشاهد " الإنجيل معناه يقرأ القرآن أو محمد صلى الله عليه وسلم - بحسب الخلاف - و " الإنجيل " و " من قبل " كتاب موسى إذ في الكتابين ذكر القرآن وذكر محمد صلى الله عليه وسلم.

    ويصح أن يقدر الرافع " الشاهد " القرآن، وتطرد الألفاظ بعد ذلك، ومن نصب " كتاباً " قدر " الشاهد " جبريل عليه السلام، أي يتلو القرآن جبريل ومن قبل القرآن كتاب موسى.

    قال القاضي أبو محمد: وهنا اعتراض يقال: إذ قال { من قبله كتاب موسى } أو " كتابَ " بالنصب على القراءتين: والضمير في { قبله } عائد على القرآن - فلم لم يذكر الإنجيل - وهو قبله - بينه وبين كتاب موسى؟ فالانفصال: أنه خص التوراة بالذكر لأن الملّتين مجمعتان أنهما من عند الله، والإنجيل ليس كذلك: فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الطائفتين أولى: وهذا يجري مع قول الجن:{ إنا سمعنا كتاب أنزل من بعد موسى } [الأحقاف: 30] ومع قول النجاشي: إن هذا، والذي جاء به موسى، لخرج من مشكاة واحدة؛ فإنما اختصر الإنجيل من جهة أن مذهبهم فيه مخالف لحال القرآن والتوراة، ...

    وقال الطبري

    وأولـى هذه الأقوال التـي ذكرناها بـالصواب فـي تأويـل قوله { وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ } قول من قال هو جبرئيـل، لدلالة قوله { وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إماماً وَرَحْمَةً } علـى صحة ذلك وذلك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لـم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فـيكون ذلك دلـيلاً علـى صحة قول من قال عُنِـي به لسان مـحمد صلى الله عليه وسلم، أو مـحمد نفسه، أو علـيّ علـى قول من قال عُنِـي به علـيٌّ. ولا يعلـم أن أحداً كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مـمن ذكر أهل التأويـل أنه عُنِـي بقوله { وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ } غير جبرئيـل علـيه السلام. فإن قال قائل فإن كان ذلك دلـيـلك علـى أن الـمَعْنـيّ به جبرئيـل، فقد يجب أن تكون القراءة فـي قوله { وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى } بـالنصب لأن معنى الكلام علـى ما تأوّلت يجب أن يكون ويتلو القرآن شاهد من الله، ومن قَبل القرآن كتاب موسى؟ قـيـل إن القراء فـي الأمصار قد أجمعت علـى قراءة ذلك بـالرفع فلـم يكن لأحد خلافُها، ولو كانت القراءة جاءت فـي ذلك بـالنصب كانت قراءة صحيحة ومعنى صحيحاً.

    فإن قال فما وجه رفعهم إذا الكتاب علـى ما ادّعيت من التأويـل؟ قـيـل وجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الـخبر عن مـجيء كتاب موسى قبل كتابنا الـمنزل علـى مـحمد، فرفعوه ب «من» قبله، والقراءة كذلك، والـمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبرئيـل ذلك قبل القرآن، وأن الـمراد من معناه ذلك وإن كان الـخبر مستأنفـا علـى ما وصفت اكتفـاء بدلالة الكلام علـى معناه. وأما قوله { إماماً } فإنه نصب علـى القطع من كتاب موسى، وقوله { وَرَحْمَةً } عطف علـى «الإمام»، كأنه قـيـل ومن قبله كتاب موسى إماماً لبنـي إسرائيـل يأَتَـمُّون به، ورحمة من الله تلاه علـى موسى..

  8. #158
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة السادسة والستون بعد المائة

    { فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ

    قال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { بادي الرأي } قرأ الأكثرون «بادِيَ» بغير همز. وقرأ أبو عمرو بالهمز بعد الدال. وكلهم همز «الرأي» غير أبي عمرو. وللعلماء في معنى «بادي» إذا لم يُهمز ثلاثة أقوال:

    أحدها: أن المعنى: ما نرى أتباعك إِلا سفلتنا وأرذالنا في بادي الرأي لكل ناظر، يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا، هذا مذهب مقاتل في آخرين.

    والثاني: أن المعنى أن هؤلاء القوم اتَّبعوك في ظاهر ما يُرى منهم، وطويَّتُهم على خلافك.

    والثالث: أن المعنى: اتبعوك في ظاهر رأيهم، ولم يتدبروا ما قلتَ، ولو رجعوا إِلى التفكر لم يتبعوك، ذكر هذين القولين الزجاج. قال ابن الأنباري: وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز، لأنه مِن بدا، يبدو: إِذا ظهر. فأما من همز «بادىء» فمعناه: ابتداء الرأي، أي: اتَّبعوك أول ما ابتدؤوا ينظرون، ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك.

    وقال ابن عطية

    وقرأ الجمهور " بادي الرأي " بياء دون همز، من بدا يبدو، ويحتمل أن يكون من بدأ مسهلاً، وقرأ أبو عمرو وعيسى الثقفي " بادىء الرأي " بالهمز من بدأ يبدأ.

    قال القاضي أبو محمد: وبين القراءتين اختلاف في المعنى يعطيه التدبر، فتركت التطويل ببسطه، ....

    وتعلق قوله: { بادي الرأي } يحتمل ستة أوجه:

    أحدها: أن يتعلق بـ { نراك } بأول نظر وأقل فكرة، وذلك هو { بادي الرأي } ، أي إلا ومتبعوك أراذلنا.

    والثاني: أن يتعلق بقوله: { اتبعك } أي، وما نراك اتبعك بادي الرأي إلا الأراذل، ثم يحتمل على هذا قوله: { بادي الرأي } معنيين:

    أحدهما: أن يريد اتبعك في ظاهر أمرهم وعسى أن بواطنهم ليست معك.

    والثاني: أن يريد اتبعوك بأول نظر وبالرأي البادي دون تعقب ولو تثبتوك لم يتبعوك. وفي هذا الوجه ذم الرأي الغير المروي.

    والوجه الثالث: من تعلق قوله { بادي الرأي } أن يتعلق بقوله: { أراذلنا } أي الذين هم أراذلنا بأول نظر فيهم، وببادي الرأي يعلم ذلك منهم، ويحتمل أن يكون قولهم: { بادي الرأي } وصفاً منهم لنوح، أي تدعي عظيماً وأنت مكشوف الرأي لا حصافة لك، ونصبه على الحال وعلى الصفة، ويحتمل أن يكون اعتراضاً في الكلام مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. ويجيء جميع هذا ستة معان، ويجوز التعلق في هذا الوجه بـ { قال }.

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـينِ بـالصواب فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ { بـادِيَ } بغير همز «البـادي»، وبهمز «الرأي»، لأن معنى ذلك الكلام إلا الذين هم أراذلنا فـي ظاهر الرأي وفـيـما يظهر لنا.

  9. #159
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة السابعة والستون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " فعميت " ولذلك وجهان من المعنى:

    أحدهما: خفيت، ولذلك يقال للسحاب العماء لأنه يخفي ما فيه، كما يقال له: الغمام لأنه يغمه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " كان الله قبل أن يخلق الأشياء في عماء ".

    والمعنى الثاني: أن تكون الإرادة: فعميتم أنتم عنها، لكنه قلب، كما تقول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قول الشاعر: [الطويل]

    ترى النور فيها مدخل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع
    قال أبو علي: وهذا مما يقلب إذ ليس فيه إشكال وفي القرآن:{ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } [إبراهيم: 47].

    وقرأ حفص وحمزة والكسائي " فعُمّيت " بضم العين وشد الميم على بناء الفعل للمفعول وهذا إنما يكون من الإخفاء؛ ويحتمل القلب المذكور.

    وقرأ الأعمش وغيره " فعماها عليهم ". قال أبو حاتم: روى الأعمش عن ابن وثاب " وعميت " بالواو خفيفة.

    وقوله: { أنلزمكموها } يريد إلزام جبر كالقتال ونحوه، وأما إلزام الإيجاب فهو حاصل، وقال النحاس: معناه أن وجبها عليكم، وقوله في ذلك خطأ.

    وفي قراءة أبي بن كعب: " أنلزمكموها من شطر أنفسنا " ، ومعناه من تلقاء أنفسنا. وروي عن ابن عباس أنه قرأ ذلك " من شطر قلوبنا ".....

    وقرأ حفص عن عاصم " من كلٍّ زوجين اثنين " بتنوين { كل } وقرأ الباقون " من كلِّ زوجين " بإضافة { كل } إلى { زوجين }. فمن قرأ بالتنوين حذف المضاف إليه التقدير: من كل حيوان أو نحوه، وأعمل " الحمل " في { زوجين } وجاء قوله: { اثنين } تأكيداً - كما قال:{ إلهين اثنين } [النحل: 51]. ومن قرأ بالإضافة فأعمل " الحمل " في قوله { اثنين } ، وجاء قوله { زوجين } بمعنى العموم، أي من كل ما له ازدواج، هذا معنى قوله: { من كل زوجين } قاله أبو علي وغيره، ولو قدرنا المعنى: احمل من كل زوجين حاصلين اثنين لوجب أن يحمل من كل نوع أربعة، والزوج يقال في مشهور كلام العرب للواحد مما له ازدواج، فيقال: هذا زوج هذا، وهما زوجان: وهذا هو المهيع في القرآن في قوله تعالى:{ ثمانية أزواج } [الأنعام: 143، الزمر: 6] ثم فسرها، وكذلك هو في قوله تعالى:{ وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } [النجم: 45]. قال أبو الحسن الأخفش في كتاب الحجة: وقد يقال في كلام العرب للاثنين زوج، ومن ذلك قول لبيد: [الكامل]

    من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها
    وهكذا يأخذ العدديون: الزوج أيضاً في كلام العرب النوع كقوله:{ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } [ق: 7] وقوله:{ سبحان الذي خلق الأزواج كلها } [يس: 36] إلى غير ذلك....

    وقال الطبري

    . واختلفت القراء فـي قراءة قوله { بسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها وَمُرْساها } فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين «بِسْمِ اللَّهِ مُـجْرَاها ومُرْساها» بضمّ الـميـم فـي الـحرفـين كلـيهما. وإذا قرىء كذلك كان من أجرى وأرسى، وكان فـيه وجهان من الإعراب أحدهما الرفع بـمعنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها، فـيكون الـمُـجْرى والـمُرْسَى مرفوعين حينئذ بـالبـاء التـي فـي قوله { بِسْمِ اللَّهِ }. والآخر بـالنصب، بـمعنى بسم الله عند إجرائها وإرسائها، أو وقت إجرائها وإرسائها، فـيكون قوله «بسم الله» كلاماً مكتفـياً بنفسه، كقول القائل عند ابتدائه فـي عمل يعمله بسم الله، ثم يكون الـمُـجْرى والـمُرسَى منصوبـين علـى ما نصبت العرب قولهم الـحمد لله سرارك وإهلالَك، يعنون الهلال أوّله وآخره، كأنهم قالوا الـحمد لله أوّل الهلال وآخره، ومسموع منهم أيضاً الـحمد لله ما إهلالُك إلـى سرارك. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين { بسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها وَمُرْساها } بفتـح الـميـم من «مَـجْراها»، وضمها من «مُرْساها»، فجعلوا «مـجراها» مصدرا من جري يجري مَـجْرًى، ومُرساها من أرسَى يُرْسِي إرساءً. وإذا قرىء ذلك كذلك كان فـي إعرابهما من الوجهين نـحو الذي فـيهما إذا قرئا «مُـجراها ومُرساها» بضم الـميـم فـيهما علـى ما بـيَّنت. ورُوي عن أبـي رجاء العُطاردي أنه كان يقرأ ذلك «بِسمِ اللَّهِ مَـجْرِيها وَمُرْسِيها» بضمّ الـميـم فـيهما، ويصيرهما نعتاً لله. وإذا قرئا كذلك، كان فـيهما أيضا وجهان من الإعراب، غير أن أحدهما الـخفض وهو الأغلب علـيهما من وجهي الإعراب لأن معنى الكلام علـى هذه القراءة بسم الله مُـجْرِي الفلك ومُرسِيها، فـالـمُـجْرَى نعت لاسم الله. وقد يحتـمل أن يكون نصبـا، وهو الوجه الثانـي، لأنه يحسن دخول الألف واللام فـي الـمُـجِري والـمُرْسِي، كقولك بسم الله الـمُـجْريها والـمُرْسِيها، وإذا حذفتا نصبتا علـى الـحال، إذ كان فـيهما معنى النكرة، وإن كانا مضافـين إلـى الـمعرفة. وقد ذُكر عن بعض الكوفـيـين أنه قرأ ذلك «مَـجْراها ومَرْساها»، بفتـح الـميـم فـيهما جميعا، مِنْ جَرَى ورَسَا كأنه وجهه إلـى أنه فـي حال جريها وحال رسوها، وجعل كلتا الصفتـين للفُلْك كما قال عنترة
    فَصَبَرْتُ نَفْساً عِنْدَ ذلكَ حُرَّةً تَرْسُو إذَا نَفْسُ الـجَبـانِ تَطَلَّعُ
    والقراءة التـي نـختارها فـي ذلك قراءة من قرأ { بِسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها } بفتـح الـميـم { وَمُرْساها } بضم الـميـم، بـمعنى بسم الله حين تَـجْري وحين تُرْسِي.

    وإنـما اخترت الفتـح فـي ميـم «مَـجْراها» لقرب ذلك من قوله { وَهِيَ تَـجْرِي بِهِمْ فِـي مَوْجٍ كالـجِبـالِ } ولـم يقل تُـجْرَى بهم. ومن قرأ «بِسْمِ اللَّهِ مُـجْراها» كان الصواب علـى قراءته أن يقرأ وهي تُـجْرَي بهم. وفـي إجماعهم علـى قراءة «تـجري» بفتـح التاء دلـيـل واضح علـى أن الوجه فـي «مَـجراها» فتـح الـميـم. وإنـما اخترنا الضم فـي «مُرساها» لإجماع الـحجة من القرّاء علـى ضمها. ...

    وقال الرازى

    فكيف ناداه مع كفره؟ فأجابوا عنه من وجوه: الأول: أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته. والثاني: أنه عليه السلام كان يعلم أنه كافر، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان فصار قوله: { يظ°بُنَىَّ ظ±رْكَبَ مَّعَنَا } كالدلالة على أنه طلب منه الإيمان وتأكد هذا بقوله: { وَلاَ تَكُن مَّعَ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ } أي تابعهم في الكفر واركب معنا. والثالث: أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء، والذي تقدم من قوله: { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ظ±لْقَوْلُ } كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز أن لا يكون هو داخلاً فيه. القول الثاني: أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول الحسن البصري ويروى أن علياً رضي الله عنه قرأ { وَنَادَىظ° نُوحٌ ظ±بْنَهُ } والضمير لامرأته. وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير { ظ±بْنَهُ } بفتح الهاء يريد أن ابنها إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف، وقال قتادة سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه فقلت: إن الله حكى عنه أنه قال:{ إِنَّ ظ±بْنِى مِنْ أَهْلِى } [هود:45] وأنت تقول: ما كان ابناً له، فقال: لم يقل: إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي. القول الثالث: أنه ولد على فراشه لغير رشدة، والقائلون بهذا القول احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن. أما قوله تعالى { فَخَانَتَاهُمَا } فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه. قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما كانت تلك الخيانة، فقال: كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به. ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى:{ ظ±لْخَبِيثَـظ°تُ لِلْخَبِيثِينَ وَظ±لْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـظ°تِ وَظ±لطَّيّبَـظ°تُ لِلطَّيّبِينَ وَظ±لطَّيّبُونَ لِلْطَّيّبَـظ°تِ } [النور: 26]....

    وقال ابن عطية

    وقرأت فرقة: " ابنه " على إضافة الابن إلى نوح، وهذا قول من يقول: هو ابنه لصلبه، وقد قال قوم: إنه ابن قريب له ودعاه بالنبوة حناناً منه وتلطفاً، وقرأ ابن عباس " ابنهْ " بسكون الهاء، وهذا على لغة لأزد السراة ومنه قول الشاعر: [الطويل]

    ومطواي مشتاقان لهْ أرقانِ
    وقرأ السدي " ابناه " قال أبو الفتح: ذلك على النداء وذهبت فرقة إلى أن ذلك على جهة الندبة محكية، وقرأ عروة بن الزبير أيضاً وأبو جعفر وجعفر بن محمد " ابنهَ " على تقدير ابنها، فحذف الألف تخفيفاً وهي لغة ومنها قول الشاعر: [البسيط]

    أما تقود به شاة فتأكلها أو أن تبيعه في نقض الأزاكيب
    وأنشد ابن الأعرابي على هذا:

    فلست بمدرك ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لواني
    يريد بلهفا.

    قال القاضي أبو محمد: وخطأ النحاس أبا حاتم في حذف هذه الألف وليس كما قال.

    وقرأ وكيع بن الجراح: " ونادى نوح ابنه " بضم التنوين، قال أبو حاتم: وهي لغة سوء لا تعرف.

    وقوله: { في معزل } أي في ناحية، فيمكن أن يريد في معزل في الدين، ويمكن أن يريد في معزل في بعده عن السفينة، واللفظ يعمهما: وقال مكي في المشكل: ومن قال: " معزِل " - بكسر الزاي - أراد الموضع، ومن قال: " معزَل " - بفتحها - أراد المصدر: فلم يصرح بأنها قراءة ولكن يقتضي ذلك لفظه.

  10. #160
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثامنة والستون بعد المائة

    قال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { إِنه عملٌ غيرُ صالح } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة: «إِنه عملٌ» رفع منون «غيرُ صالح» برفع الراء، وفيه قولان:

    أحدهما: أنه يرجع إِلى السؤال فيه، فالمعنى: سؤلك إِياي فيه عمل غير صالح، قاله ابن عباس، وقتادة، وهذا ظاهر، لأنه قد تقدم السؤال فيه في قوله: «رب إِن ابني من أهلي» فرجعت الكناية إِليه.

    والثاني: أنه يرجع إِلى المسؤول فيه.

    وفي هذا المعنى قولان.

    أحدهما: أنه لغير رِشدة، قاله الحسن.

    والثاني: أن المعنى: إِنه ذو عمل غير صالح، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: من قال: هو لغير رِشدة، قال: المعنى: إِن أصل أبنك الذي تظن أنه أبنك عملٌ غير صالح. ومن قال: إِنه ذو عمل غير صالح، قال: حذف المضاف، وأقام العمل مقامه، كما تقول العرب: عبد الله إِقبال وإِدبار، أي: صاحب إِقبال وإِدبار.

    وقرأ الكسائي: «عَمِلَ» بكسر الميم وفتح اللام «غيرَ صالح» بفتح الراء، يشير إِلى أنه مشرك.

    وقال ابن عطية

    وقرأ بعض هذه الفرقة " إنه عمل غير صالح " وهي قراءة الكسائي، وروت هذه القراءة أم سلمة وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره أبو حاتم، وضعف الطبري هذه القراءة وطعن في الحديث بأنه من طريق شهر بن حوشب، وهي قراءة علي وابن عباس وعائشة وأنس بن مالك، ورجحها أبو حاتم وقرأ بعضها: " إنه عمل عملاً غير صالح ". وقالت فرقة: الضمير في قوله: " إنه عمل غير صالح " على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام وقد فسره آخر الآية؛ ويقوي هذا التأويل أن في مصحف ابن مسعود " إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم ". وقالت فرقة: الضمير عائد على ركوب ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أن ركوب الكافر مع المؤمنين عمل غير صالح، وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون التقدير أن كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح.....

    وقال الطبري

    وأما قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } بتنوين عمل ورفع غير. واختلف الذي قرءوا ذلك كذلك فـي تأويـله، فقال بعضهم معناه إن مسألتك إياي هذه عملٌ غيرُ صالـح. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ قال إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالـح. حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } أي سوء { فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ }. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا عبد الله، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } يقول سؤالك عما لـيس لك به علـم. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن مـجاهد، قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال سؤالك إياي عمل غير صالـح فَلا { تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ }. وقال آخرون بل معناه إن الذي ذكرت أنه ابنك فسألتنـي أن أنـجيَه عمل غير صالـح، أي أنه لغير رِشْدة. وقالوا الهاء فـي قوله «إنَّهُ» عائدة علـى الابن. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال ثنا ابن نـمير، عن ابن أبـي عَرُوبة، عن قتادة، عن الـحسن أنه قرأ { عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال ما هو والله بـابنه. ورُوي عن جماعة من السلف أنهم قرأوا ذلك «إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِـحٍ» علـى وجه الـخبر عن الفعل الـماضي، وغير منصوبة. ومـمن رُوي عنه أنه قرأ ذلك كذلك ابن عبـاس. حدثنا ابن وكيع، قال ثنا ابن عيـينة عن موسى بن أبـي عائشة عن سلـيـمان بن قَتَّة، عن ابن عبـاس أنه قرأ «عَمِلَ غَيْرَ صَالِـحٍ». ووجهوا تأويـل ذلك إلـى ما. حدثنا به ابن وكيع، قال ثنا غُنْدر، عن ابن أبـي عَروبة عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبـاس { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال كان مخالفـاً له فـي النـية والعمل.

    ولا نعلـم هذه القراءة قرأ بها أحد من قراء الأمصار إلا بعض الـمتأخرين. واعتل فـي ذلك بخبر رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك كذلك غير صحيح السند، وذلك حديث رُوي عن شَهْر بن حَوْشَب، فمرة يقول عن أمّ سلـمة، ومرّ يقول عن أسماء بنت يزيد، ولا نعلـم لبنت يزيد ولا نعلـم لشَهْرٍ سماعاً يصحّ عن أمّ سلـمة. والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك رفع «عمل» بـالتنوين، ورفع «غير»، يعنـي إن سؤالك إياي ما تسألنـيه فـي ابنك الـمخالف دينك الـموالـي أهل الشرك بـي من النـجاة من الهلاك، وقد مضت إجابتـي إياك فـي دعائك{ لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً } ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم عملٌ غير صالـح، لأنه مسألة منك إلـيّ أن لا أفعل ما قد تقدم منـي القول بأنـي أفعله فـي إجابتـي مسألتك إياي فعله، فذلك هو العمل غير الصالـح.

  11. #161
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة التاسعة والستون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " وإلى ثمودَ " بغير صرف، وقرأ ابن وثاب والأعمش " وإلى ثمود " بالصرف حيث وقع، فالأولى على إرادة القبيلة، والثانية على إرادة الحي، ....

    وقال السمين

    قوله: { قَالَ سَلاَمٌ } في رفعه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، أي: سلامٌ عليكم. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أمري أو قولي سلام. وقد تقدَّم أولَ هذا الموضعِ أن الرفعَ أدلُّ على الثبوت من النصب، والجملة بأسرها ـ وإن كان أحدُ جُزْأيها محذوفاً ـ في محل نصب بالقول كقوله:
    2676 ـ إذا ذُقْتُ فاها قلت طعمُ مُدامةٍ ........................
    وقرأ الأخوان: " قال سِلْم " هنا وفي سورة الذاريات بكسر السين وسكون اللام. ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف فقيل: هما لغتان كحِرْم وحَرام وحِلٌّ وحَلال، وأنشد:
    2677 ـ مَرَرْنا فقُلنا إيه سِلْمٌ فسَلَّمَتْ كما اكْتَلَّ بالبرق الغمامُ اللوائحُ
    يريد: سلام، بدليل: فسلَّمت. وقيل: " السِلْم " بالكسر ضد الحرب، وناسَب ذلك لأنه نَكِرَهم فقال: أنا مسالمكم غيرُ محارِب لكم...

    قوله: { يَعْقُوبَ } قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بفتح الباء، والباقون برفعها. فأمَّا القراءةُ الأولىظ° فاختلفوا فيها: هل الفتحةُ علامةُ نصب أو جر؟ والقائلون بأنها علامة نصب اختلفوا: فقيل: هو منصوبٌ عطفاً على قوله: " بإسحاق " قال الزمخشري: " كأنه قيل: ووهَبْنا له إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله:
    2683 ـ............ ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعِبٍ......................
    يعني أنه عطف على التوهم فنصب، كما عطف الشَّاعرُ على توهُّم وجود الباء في خبر " ليس " فجرَّ، ولكنه لا ينقاس. وقيل: هو منصوبٌ بفعلٍ مقدر تقديرُه: ووهبْنا يعقوب، وهو على هذا غيرُ داخلٍ في البشارة. ورجَّح الفارسيُّ هذا الوجه. وقيل: هو منصوبٌ عطفاً على محل " بإسحاق " لأن موضعَه نصب كقوله: { وَأَرْجُلَكُمْ } [المائدة: 6] بالنصب عطفاً على " برؤوسكم ". والفرق بين هذا والوجه الأول: أن الأولَ ضمَّن الفعل معنى: " وَهَبْنا " توهُّماً، وهنا باقٍ على مدلوله من غير توهُّم.

    ومن قال بأنه مجرورٌ جعله عطفاً على " بإسحاق " والمعنى: أنها بُشِّرت بهما. وفي هذا الوجه والذي قبله بحثُ: وهو الفصلُ بالظرف بين حرف العطف والمعطوف، وقد تقدَّم ذلك مستوفى في النساء فعليك بالالتفات إليه.

    ونسب مكي الخفضَ للكسائي ثم قال: " وهو ضعيف إلا بإعادة الخافض، لأنك فَصَلْت بين الجار والمجرور بالظرف ".

    قوله: " بإعادة الخافض " ليس ذلك لازماً، إذ لو قُدِّم ولم يُفْصَل لم يُلْتزم الإِتيان به.

    وأمَّا قراءةُ الرفع ففيها أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وخبره الظرف السابق فقدَّره الزمخشري " مولود أو موجود " وقدّره غيره بكائن. ولمَّا حكى النحاس هذا قال: " والجملة حالٌ داخلة في البشارة أي: فَبَشَّرْناها بإسحاق متصلاً به يعقوبُ ". والثاني: أنه مرفوع على الفاعلية بالجارِّ قبله، وهذا يجيء على رَأْي الأخفش. والثالث: أن يرتفع بإضمار فعل أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، ولا مَدْخَلَ له في البشارة. والرابع: أنه مرفوعٌ على القطع يَعْنُون الاستئناف، وهو راجع لأحد ما تقدَّم مِنْ كونه مبتدأ وخبراً، أو فاعلاً بالجارِّ بعده، أو بفعل مقدر.....

    وقال الطبري


    واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء العراق والـحجاز «ومِنْ وَرَاءِ إسحاقَ يَعْقُوبُ» برفع «يعقوب»، ويعيد ابتداء الكلام بقوله. { وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ }. وذلك وإن كان خبراً مبتدأ، ففـيه دلالة علـى معنى التبشير. وقرأه بعض قراء أهل الكوفة والشأم { وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ } نصبـاً فأما الشامي منهما فذكر أنه كان ينـحو بـيعقوب نـحو النصب بإضمار فعل آخر مشاكل للبشارة، كأنه قال ووهبنا له من وراء إسحاق يعقوب، فلـما لـم يظهر «وهبنا» عمل فـيه التبشير وعطف به علـى موضع «إسحاق»، إذ كان إسحاق وإن كان مخفوضاً فإنه بـمعنى الـمنصوب بعمل «بشرنا» فـيه، كما قال الشاعر
    جِئْنِـي بِـمِثْلِ بنـي بَدْرٍ لقَومِهِمِ أوْ مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْطُورِ بنِ سَيَّارِ أوْ عامِرِ بْنِ طُفَـيْـلٍ فـي مُرَكَّبهِ أوْ حارِثاً يَوْمَ نادَى القَوْمُ يا حارِ
    وأما الكوفـيّ منهما فإنه قرأه بتأويـل الـخفض فـيـما ذُكِر عنه، غير أنه نصبه لأنه لا يُجْرَى. وقد أنكر ذلك أهل العلـم بـالعربـية من أجل دخول الصفة بـين حرف العطف والاسم، وقالوا خَطأ أن يقال مررت بعمرو فـي الدار وفـي الدار زيد، وأنت عاطف بزيد علـى عمرو، إلا بتكرير البـاء وإعادتها، فإن لـم تعد كان وجه الكلام عندهم الرفع وجاز النصب، فإن قدم الاسم علـى الصفة جاز حينئذ الـخفض، وذلك إذا قلت مررت بعمرو فـي الدار وزيد فـي البـيت. وقد أجاز الـخفض والصفة معترضة بـين حرف العطف والاسم بعض نـحويـي البصرة. وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب عندي قراءة من قرأه رفعاً، لأن ذلك هو الكلام الـمعروف من كلام العرب، والذي لا يتناكره أهل العلـم بـالعربـية، وما علـيه قراءة الأمصار. فأما النصب فـيه فإن له وجهاً، غير أنـي لا أحبّ القراءة به، لأن كتاب الله نزل بأفصح ألسن العرب، والذي هو أولـى بـالعلـم بـالذي نزل به من الفصاحة.

    وقال القرطبي

    الرابعة عشرة: قوله تعالى: { وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } قرأ حمزة وعبد الله بن عامر «يعقوبَ» بالنصب. ورفع الباقون؛ فالرفع على معنى: ويحدث لها من وراء إسحظ°ق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في «من» كأن المعنى: وثبت لها من وراء إسحق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ويكون في موضع الحال؛ أي بشّروها بإسحظ°ق مقابلاً له يعقوب. والنصب على معنى: ووهبنا لها من وراء إسحظ°ق يعقوبُ. وأجاز الكسائيّ والأخفش وأبو حاتم أن يكون «يعقوب» في موضع جرّ على معنى: وبشرناها من وراء إسحظ°ق بيعقوب. قال الفراء: ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض؛ قال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أوّل من أمس وأمس عمرٍو كان قبيحاً (خبيثاً)؛ لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو، كما تفرق بين الجار والمجرور؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو.

  12. #162
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة السبعون بعد المائة

    { قَالُواْ يلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الْلَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { فَأَسْرِ }: قرأ نافع وابن كثير: { فاسْرِ بأهلك } هنا وفي الحجر، وفي الدخان:{ فَأَسْرِ بِعِبَادِي } [الآية: 23]، وقوله:{ أَنْ أَسْرِ } [الآية: 77] في طه والشعراء، جميع ذلك بهمزة الوصل تسقط دَرْجاً وتَثْبُتُ مكسورة ابتداءً. والباقون " فَأَسْر " بهمزة القطع تثبت مفتوحة دَرْجاً وابتداء، والقراءتان مأخوذتان من لُغَتي هذا الفعل فإنه يُقال: سَرَى، ومنه{ وَظ±للَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } [الفجر: 4]، وأَسْرى، ومنه:{ سُبْحَانَ ظ±لَّذِي أَسْرَىظ° } [الإسراء: 1] وهل هما بمعنى واحدٍ أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهور. فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو قول أبي عبيد. وقيل: بل أَسْرى لأولِ الليل، وسَرَى لآخره، وهو قولُ الليث، وأمَّا سار فمختص بالنهار، وليس مقلوباً مِنْ سَرى....

    قوله: { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } ابن كثير وأبو عمرو برفع " امرأتك " والباقون بنصبها. وفي هذه الآية الكريمة كلامٌ كثيرٌ لا بد من استيفائه. أمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان، أشهرُهما عند المعربين: أنَّه على البدل من " أحد " وهو أحسن من النصب، لأنَّ الكلام غيرُ موجَب. وهذا الوجهُ قد رَدَّه أبو عبيد بأنه يَلْزَمُ منه أنهم نُهوا عن الالتفات إلا المرأة، فإنها لم تُنْهَ عنه، وهذا لا يجوزُ، ولو كان الكلامُ " ولا يلتفت " برفع " يلتفت " يعني على أنْ تكونَ " لا " نافيةً، فيكون الكلام خبراً عنهم بأنهم لم يَلْتفتوا إلا امرأته فإنها تلتفت، لكان الاستثناء بالبدلية واضحاً، لكنه لم يقرأ برفع " يلتفت " أحد.

    وقد استحسن ابنُ عطيةَ هذا الإِلزامَ من أبي عبيد، وقال: " إنه وارِدٌ على القول باستثناءِ المرأة من " أحد " سواءً رَفَعْتَ المرأة أو نَصَبْتها ". قلت: وهذا صحيحٌ، فإن أبا عبيد لم يُرِد الرفعَ لخصوصِ كونه رفعاً، بل لفسادِ المعنىظ°، وفسادُ المعنىظ° دائر مع الاستثناء من " أحد " ، وأبو عبيد يُخَرِّج النصبَ على الاستثناء من " بأهلك " ، ولكنه يَلْزم من ذلك إبطالُ قراءة الرفع، ولا سبيلَ إلى ذلك لتواترها.

    وقد انفصل المبردُ عن هذا الإِشكالِ الذي أورده أبو عبيد بأن النهيَ في اللفظ لـ " أحد " وهو في المعنى للوط عليه السلام، إذ التقدير: لا تَدَعْ منهم أحداً يلتفت، كقولك لخادمك: " لا يَقُمْ أحدٌ " النهيُ لأحد، وهو في المعنىظ° للخادم، إذ المعنى: " لا تَدَعْ أحداً يقوم ".

    قلت: فآل الجواب إلى أنَّ المعنىظ°: لا تَدَعْ أحداً يلتفت إلا امرأتك فَدَعْها تلتفت، هذا مقتضى الاستثناء كقولك: " لا تَدَعْ أحداً يقوم إلا زيداً، معناه: فَدَعْه يقوم. وفيه نظر؛ إذ المحذور الذي قد فرَّ منه أبو عبيد موجودٌ هو أو قريب منه هنا.

    والثاني: أن الرفعَ علىظ° الاستثناءِ المنقطع، والقائلُ بهذا جعل قراءةَ النصبِ أيضاً من الاستثناء المنقطع، فالقراءتان عنده على حَدٍّ سواء، ولنسْرُدْ كلامه لنعرفَه فقال: " الذي يظهر أن الاستثناء على كلتا القراءتين منقطع، لم يُقْصَدْ به إخراجُها من المأمور بالإِسراء معهم، ولا من المنهيين عن الالتفاتِ، ولكن استؤنف الإِخبار عنها، فالمعنىظ°: لكن امرأتَك يَجْري لها كذا وكذا، ويؤيد هذا المعنى أن مثلَ هذه الآية جاءت في سورة الحجر، وليس فيها استثناءٌ البتةَ، قال تعالى: { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } الآية. فلم تقع العنايةُ في ذلك إلا بذكر مَنْ أنجاهم اللَّه تعالىظ°، فجاء شرح حالِ امرأتِه في سورة هود تبعاً لا مقصوداً بالإِخراج مما تقدم، وإذا اتضح هذا المعنى عُلم أن القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع، وفيه النصب والرفع، فالنصب لغة أهل الحجاز وعليه الأكثر، والرفع لغة تميم وعليه اثنان من القراء ". قال الشيخ: " وهذا الذي طوَّل به لا تحقيقَ فيه، فإنه إذا لم يُقْصَدْ إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من/ المَنْهِيِّين عن الالتفاتِ، وجُعل استثناءً منقطعاً، كان من المنقطع الذي لم يتوجَّهْ عليه العاملُ بحال، وهذا النوع يجب فيه النصبُ على كلتا اللغتين، وإنما تكون اللغتان في ما جاز توجُّهُ العاملِ عليه، وفي كلا النوعين يكون ما بعد " إلا " من غير الجنس المستثنىظ°، فكونُه جازَ في اللغتان دليل على أنه يمكن أن يتوجَّه عليه العامل، وهو قد فرض أنه لم يُقْصَدْ بالاستثناء إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات، فكان يجب فيه إذ ذاك النصبُ قولاً واحداً ".

    [قلت: القائل بذلك هو الشيخ شهاب الدين أبو شامة]. وأمَّا قولُه: " إنه لم يتوجَّهْ عليه العامل " ليس بمسلَّم، بل يتوجَّه عليه في الجملة، والذي قاله النحاة ممَّا لم يتوجَّهْ عليه العاملُ من حيث المعنى نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر، وهذا ليس مِنْ ذاك، فكيف يُعْترض به على أبي شامة؟.

    وأمَّا النصبُ ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مستثنىظ° مِنْ " بأهلك " ، واستَشْكلوا عليه إشكالاً من حيث المعنى: وهو أنه يلزم ألاَّ يكونَ سَرَى بها، لكن الفرضِ أنه سرىظ° بها، يدلُّ عليه أنها التفتَتْ، ولو لم تكن معهم لمَا حَسُن الإِخبار عنها بالالتفات، فالالتفاتُ يدلُّ على كونها سَرَتْ معهم قطعاً.

    وقد أُجيب عنه بأنه لم يَسْرِ هو بها، ولكن لمَّا سَرَى هو وبنتاه تَبِعَتْهم فالتفتت، ويؤيِّد أنه استثناء من الأهل ما قرأ به عبد اللَّه وسقط مِنْ مصحفه " فَأَسْر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك " ولم يذكر قوله { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ }.

    والثاني: أنه مستثنىظ° مِنْ " أحد " وإن كان الأحسنُ الرفعَ إلا أنه جاء كقراءة ابن عامر { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ } [النساء: 66] بالنصبِ مع تقدُّم النفي الصريح. وقد تقدَّم لك هناك تخريجٌ آخرُ لا يمكن ههنا.

    والثالث: أنه مستثنىظ° منقطعٌ على ما قدَّمْتُه عن أبي شامة. وقال الزمخشري: " وفي إخراجها مع أهله روايتان، روي أنه أخرجها معهم، وأُمِرَ أَنْ لا يلتفتَ منهم أحد إلا هي، فلما سَمِعَتْ هِدَّة العذاب التفتَتْ وقالت: يا قوماه، فأدركها حجرٌ فقتلها، ورُوي أنه أُمِر بأن يُخَلِّفَها مع قومها فإنَّ هواها إليهم ولم يَسْرِ بها، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين ".

    قال الشيخ: " وهذا وهمٌ فاحشٌ، إذ بنىظ° القراءتين على اختلاف الروايتين مِنْ أنه سَرَىظ° بها أو لم يَسْرِ بها، وهذا تكاذُبٌ في الإِخبار، يستحيل أن تكن القراءتان ـ وهما مِنْ كلام اللَّه تعالىظ° ـ يترتبان على التكاذب ". قلت: وحاشَ للَّه أن تترتب القراءتان على التكاذُب، ولكن ما قاله الزمخشري صحيحٌ، الفرض أنه قد جاء في التفسير القولان، ولا يَلْزم من ذلك التكاذبُ، لأنَّ مَنْ قال إنه سَرَىظ° بها يعني أنها سَرَتْ هي بنفسها مصاحِبةً لهم في أوائل الأمر، ثم أخذها العذاب فانقطع سُراها، ومن قال إنه لم يَسْرِ بها، أي: لم يَأْمرها ولم يأخذها وأنه لم يَدُم سُراها معهم بل انقطع فَصَحَّ أن يقال: إنه سَرَى بها ولم يَسْرِ بها، وقد أجاب الناسُ بهذا وهو حسنٌ.

    وقال الشيخ أبو شامة: " ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاةُ معنى حسنٌ، وذلك أن يكون في الكلام اختصارَ نَبَّهَ عليه اختلافُ القراءتين فكأنه قيل: فَأَسْرِ بأهلِك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيدة وغيره أنها في مصحف عبد اللَّه هكذا، وليس فيها { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } فهذا دليلٌ على استثنائها مِن السُّرى بهم، ثم كأنه قال سبحانه: فإن خرجَتْ معكم وتَبِعَتْكم ـ غيرَ أن تكونَ أنت سَرَيْتَ بها ـ فانْهَ أهلك عن الالتفات غيرَها، فإنها ستلتفت فيُصيبها ما أصاب قومها، فكانت قراءةُ النصب دالَّةً على المعنى المتقدم، وقراءةُ الرفع دالَّةً على المعنى المتأخر، ومجموعُهما دالٌّ على جملة المعنى المشروح " وهو كلامٌ حسنُ شاهدٌ لِما ذكرته....

    وقال ابن كثير

    إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } قال الأكثرون هو استثناء من المثبت، وهو قوله { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } تقديره { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } وكذلك قرأها ابن مسعود، ونصب هؤلاء امرأتك لأنه من مثبت، فوجب نصبه عندهم، وقال آخرون من القراء والنحاة هو استثناء من قوله { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } فجوزوا الرفع والنصب. وذكر هؤلاء أنها خرجت معهم، وأنها لما سمعت الوجبة، التفتت، وقالت واقوماه فجاءها حجر من السماء، فقتلها، ...

    وقال الرازى

    ثم قال: { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } قرأ ابن كثير وأبو عمر { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } بالرفع والباقون بالنصب. قال الواحدي: من نصب وهو الاختيار فقد جعلها مستثناة من الأهل على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة عبدالله { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } فأسقط قوله: { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } من هذا الموضع، وأما الذين رفعوا فالتقدير { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ }.

    فإن قيل: فهذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم أحد إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام. وأجاب أبو بكر الأنباري عنه فقال: معنى { إِلا } ههنا الاستثناء المنقطع على معنى، لا يلتفت منكم أحد، لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا أن هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها معصية ويتأكد ما ذكرنا بما روي عن قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هذا العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأصابها حجر فأهلكها. واعلم أن القراءة بالرفع أقوى، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع أهله لكن على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطاً بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة مع الهالكين وأما القراءة بالنصب فإنها أقوى من وجه آخر، وذلك لأن مع القراءة بالنصب يبقى الاستثناء متصلاً ومع القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعاً. ثم بين الله تعالى أنهم قالوا: إنه مصيبها ما أصابهم. والمراد أنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم...

  13. #163
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الواحدة والسبعون بعد المائة

    قال الالوسي

    { بَقِيَّتُ ظ±للَّهِ } قال ابن عباس: أي ما أبقاه سبحانه من الحلال بعد الإيفاء { خَيْرٌ لَّكُمْ } مما تجمعون بالبخس فإن ذلك هباء منثور بل هو شر محض وإن زعمتم أنه خير { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي بشرط أن تؤمنوا إذ مع الكفر لا خير في شيء أصلاً، أو إن كنتم مصدقين بـي في مقالتي لكم، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه فسر البقية بالرزق. وقال الربيع هي وصيته تعالى، وقال مقاتل: ثوابه في الآخرة، وقال الفراء: مراقبته عز وجل، وقال قتادة: ذخيرته، وقال الحسن: فرائضه سبحانه. وزعم ابن عطية أن كل هذا لا يعطيه لفظ الآية وإنما معناه الإبقاء وهو مأخوذ مما روي عن ابن جريج أنه قال: المعنى إبقاء الله تعالى النعيم عليكم خير لكم مما يحصل من النقص بالتطفيف، وأياً مّا كان فجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله على ما ذهب إليه جمهور البصريين وهو الصحيح. وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة { بقية } / بتخفيف الياء قال ابن عطية: وهي لغة، قال أبو حيان: إن حق وصف فعل اللازم أن يكون على وزن فاعل نحو شجيت المرأة فهي شجية فإذا شددت الياء كان على وزن فعيل للمبالغة، وقرأ الحسن ـ تقية الله ـ بالتاء والمراد تقواه سبحانه ومراقبته الصارفة عن المعاصي.

    وقال السمين

    قوله { أَوْ أَن نَّفْعَلَ } العامة على نون الجماعة أو التعظيم في " نفعل " و " نشاء ". وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة والضحاك بن قيس بتاء الخطاب فيهما. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة الأول بالنون والثاني بالتاء، فَمَنْ قرأ بالنون فيهما عَطفه على مفعول " نترك " وهو " ما " الموصولةُ/، والتقدير: أصلواتُك تأمركَ أن نَتْرُكَ ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نترك أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاء، وهو بَخْسُ الكَيْل والوَزْنِ المقدَّم ذكرُهما. و " أو " للتنويع أو بمعنى الواو، قولان، ولا يجوز عَطْفُه علىظ° مفعول " تأمرك "؛ لأن المعنىظ° يتغير، إذ يصير التقدير: أصلواتُك تأمُرك أن نفعلَ في أموالنا.

    ومَنْ قرأ بالتاء فيهما جاز أن يكونَ معطوفاً على مفعول " تأمرك " ، وأن يكونَ معطوفاً على مفعول " نترك " ، والتقدير: أصلواتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت، أو أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت.

    ومَنْ قرأ بالنون في الأول وبالتاء في الثاني كان " أن نفعل " معطوفاً على مفعول " تأمرك " ، فقد صار ذلك ثلاثةَ أقسام، قسمٍ يتعينَّ فيه العطفُ على مفعول " نترك " وهي قراءةُ النونِ فيهما، وقسمٍ يتعيَّن فيه العطفُ على مفعول " تأمرك " ، وهي قراءةُ النون في " نفعل " والتاء في " تشاء " ، وقسمٍ يجوز فيه الأمران وهي قراءةُ التاء فيهما. والظاهرُ من حيث المعنىظ° في قراءة التاء فيهما أو في " تشاء " أن المراد بقولهم ذلك هو إيفاءُ المكيال والميزان؛ لأنه كان يأمرهم بهما. وقال الزمخشري: " المعنىظ°: تأمرك بتكليف أن نترك، فحذف المضاف لأنَّ الإِنسان لا يُؤْمَرُ بفعل غيره ".

    وقال الالوسي

    وقرأ السلمي وأبو حيوة (بعدت) بضم العين، والجمهور بكسرها على أنه من بعد يبعد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك، ومنه قوله:
    يقولون: (لا تبعد) وهم يدفونني وأين مكان البعد إلا مكانياً
    وأما بعد يبعد بالضم فهو البعد ضد القرب قاله ابن قتيبة، قيل: أرادت العرب بهذا التغيير الفرق بين المعنيين، وقال ابن الأنباري: من العرب من يسوي بين الهلاك وبعد الذي هو ضد القرب، وفي «القاموس» البعد المعروف والموت، وفعلهما ـ ككرم وفرح ـ بعداً وبعداً بفتحتين، وقال المهدوي: إن بعد بالضم يستعمل في الخير والشر. وبعد بالكسر في الشر خاصة، وكيفما كان الأمر فالمراد ببعدت على تلك القراءة أيضاً هلكت غاية الأمر أنه في ذلك إما حقيقة أو مجاز، ومن هلك فقد بعد ونأى

    قال القرطبي

    وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }

    قوله تعالى: { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي إن كلاً من الأمم التي عددناهم يرون جزاء أعمالهم؛ فكذلك قومك يا محمد. وظ±ختلف القراء في قراءة { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا } فقرأ أهل الحرمين ـ نافع وظ±بن كثير وأبو بكر معهم ـ «وَإِنْ كُلاًّ لَمَا» بالتخفيف، على أنها «إن» المخففة من الثقيلة معملة؛ وقد ذكر هذا الخليل وسيبويه، قال سيبويه: حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول: إن زيداً لمنطلقٌ؛ وأنشد قول الشاعر:
    كأنْ ظِبْيَةً تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَمْ
    أراد كأنها ظبية فخفّف ونصب ما بعدها؛ والبصريون يجوزون تخفيف «إنّ» المشدّدة مع إعمالها؛ وأنكر ذلك الكسائيّ وقال: ما أدري على أي شيء قرىء «وَإِنْ كُلاًّ»! وزعم الفراء أنه نصب «كلاّ» في قراءة من خفف بقوله: «لَيُوفينهم» أي وإن ليوفينهم كلاّ؛ وأنكر ذلك جميع النحويين، وقالوا: هذا من كبير الغلط؛ لا يجوز عند أحد زيداً لأضربنه. وشدّد الباقون «إنّ» ونصبوا بها «كلاّ» على أصلها. وقرأ عاصم وحمزة وظ±بن عامر «لَمَّا» بالتشديد. وخففها الباقون على معنى: وإن كلا ليوفينهم، جعلوا «ما» صلة. وقيل: دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح ففصل بينهما بـ«ـما». وقال الزجاج: لام «لمّا» لام «إنّ» و«ما» زائدة مؤكدة؛ تقول: إن زيداً لمنطلق؛ فإنّ تقتضي أن يدخل على خبرها أو ظ±سمها لام كقولك: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وقوله:{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىظ° } [الزمر: 21]. واللام في «ليوفينهم» هي التي يُتَلقى بها القسم، وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشدّدة أو المخففة؛ ولما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ«ـما» و«ما» زائدة مؤكدة، وقال الفراء: «ما» بمعنى «من» كقوله:{ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ } [النساء:72] أي وإنّ كلاً لمن ليوفِينهم، واللام في «ليوفينهم» للقسم؛ وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، غير أن «ما» عند الزجاج زائدة وعند الفراء ظ±سم بمعنى «من». وقيل: ليست بزائدة، بل هي ظ±سم دخل عليها لام التأكيد، وهي خبر «إن» و«ليوفينهم» جواب القسم، التقدير: وإنّ كلاً خَلْق ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل: «ما» بمعنى «من» كقوله:{ فَظ±نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ظ±لنِّسَآءِ } [النساء: 3] أي مَنْ؛ وهذا كله هو قول الفراء بعينه. وأما من شدّد «لما» وقرأ «وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا» بالتشديد فيهما ـ وهو حمزة ومن وافقه ـ فقيل: إنه لحن؛ حكي عن محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز؛ ولا يقال: إنّ زيداً إلاّ لأضربَنّه، ولا لَمّا لضربته. وقال الكسائي: الله أعلم بهذه القراءة، وما أعرف لها وجهاً. وقال هو وأبو علي الفارسي: التشديد فيهما مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول: أن أصلها «لمن ما» فقلبت النون ميماً، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت «لما» و«ما» على هذا القول بمعنى «من» تقديره: وإن كلا لمن الذين؛ كقولهم:


    وإنِّيَ لَمَّا أصْدِرُ الأمرَ وجهَهُ إذا هو أَعْيَا بالسَّبِيلِ مَصَادِرُه
    وزيّف الزجاج هذا القول، وقال: «من» ظ±سم على حرفين فلا يجوز حذفه. الثاني؛ أن الأصل لِمن ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإنّ كُلاًّ لِمَنْ خَلْقٍ ليوفينهم. وقيل: «لمَّا» مصدر «لَمَّ» وجاءت بغير تنوين حملاً للوصل على الوقف؛ فهي على هذا كقوله:{ وَتَأْكُلُونَ ظ±لتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } [الفجر: 19] أي جامعاً للمال المأكول؛ فالتقدير على هذا: وإن كلاًّ ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لمًّا؛ أي جامعة لأعمالهم جمعاً، فهو كقولك: قياماً لأقومنّ. وقد قرأ الزهري «لَمًّا» بالتشديد والتنوين على هذا المعنى. الثالث: أن «لمّا» بمعنى «إلاّ» حكى أهل اللغة: سألتك بالله لمّا فعلت؛ بمعنى إلاَّ فعلت؛ ومثله قوله تعالى:{ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } [الطارق: 4] أي إلا عليها؛ فمعنى الآية: ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم؛ قال القُشيريّ: وزيّف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله: { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا } حتى تقدر «إلا» ولا يقال: ذهب الناس لما زيد. الرابع: قال أبو عثمان المازني: الأصل وإن كلاّ لَمَا بتخفيف «لَمّا» ثم ثقلت كقوله:
    لقد خَشِيتُ أَنْ أَرَى جَدَبَّاً في عامِنَا ذا بعدَ ما أَخْصَبَّا
    وقال أبو إسحاق الزجاج: هذا خطأظ° إنما يخفّف المثقل، ولا يثقّل المخفّف. الخامس: قال أبو عبيد القاسم ابن سلاّم: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: لَمَمْتُ الشيءَ أَلُمُّهُ لَمًّا إذا جمعته، ثم بنى منه فَعْلَى، كما قرىء{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } [المؤمنون: 44] بغير تنوين وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتمال على هذا القول لأصحاب الإمالة؛ قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز غيره عندي أن تكون مخففة من الثقيلة، وتكون بمعنى «ما» مثل:{ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } [الطارق: 4] وكذا أيضاً تشدّد على أصلها، وتكون بمعنى «ما» و«لما» بمعنى «إلا» حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين؛ وأن «لما» يستعمل بمعنى «إلا» قلت: هذا القول (الذي) ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره؛ وقد تقدم مثله وتضعيف الزجاج له، إلا أن ذلك القول صوابه «إنْ» فيه نافية، وهنا مخففة من الثقيلة فافترقا وبقيت قراءتان؛ قال أبو حاتم: وفي حرف أُبَي: «وَإِنْ كُلٌّ إِلاَّ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وروي عن الأعمش «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا» بتخفيف «إن» ورفع «كل» وبتشديد «لما». قال النحاس: وهذه القراءات المخالفة للسواد تكون فيها «إنْ» بمعنى «ما» لا غير، وتكون على التفسير؛ لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة. { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } تهديد ووعيد.

    وقال الطبري

    وأصح هذه القراءات مخرجاً علـى كلام العرب الـمستفـيض فـيهم قراءة من قرأ «وإنَّ» بتشديد نونها، «كُلاًّ لَـمَا» بتـخفـيف ما { لَـيُوَفِّـيَنَّهُمْ رَبُّكَ } بـمعنى وإن كلّ هؤلاء الذين قصصنا علـيك يا مـحمد قصصهم فـي هذه السور، لـمن لـيوفـينهم ربك أعمالهم بـالصالـح منها بـالـجزيـل من الثواب، وبـالطالـح منها بـالتشديد من العقاب، فتكون «ما» بـمعنى «من» واللام التـي فـيها جوابـاً لأن واللام فـي قوله { لَـيُوفِّـيَنَّهُمْ } لام قسم.

    قال السمين

    أمَّا ما يتعلق بها من حيث التخريجُ فقد اضطرب الناسُ فيه اضطراباً كثيراً، حتى قال أبو شامة: " وأمَّا هذه الآيةُ فمعناها على القراءات من أشكلِ الآيات،

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { وإِن كُلاًّ } يشير إِلى جميع من قصَّ قصته في هذه السورة. وقال مقاتل: يعني به كفار هذه الأمة. وقيل: المعنى: وإِن كلاًّ لخلق أو بشر { ليوفينَّهم }. قرأ أبو عمرو، والكسائي «وإِنَّ» مشددة النون، «لما» خفيفة. واللام في «لما» لام التوكيد، دخلت على «ما» وهي خبر «إِنّ» واللام في «لَيوفينَّهم» اللام التي يُتلقَّى بها القَسم، والتقدير: والله ليوفينَّهم، ودخلت «ما» للفصل بين اللامين. قال مكي بن أبي طالب: وقيل: إِن «ما» زائدة، لكن دخلت لتفصل بين اللامين اللَّذَيْن يتلقَّيان القسم، وكلاهما مفتوح، ففُصل بـ «ما» بينهما. وقرأ ابن كثير «وإِنْ» بالتخفيف، وكذلك «لما» قال سيبويه: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إِنْ عَمْراً لمنطلق، فيخففون «إِنّ» ويُعملونها، وأنشد:
    وَوَجْهٍ حَسَنِ النَّحرِ كأنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ
    وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «وإِن» خفيفة، «لمَّا» مشددة، والمعنى: وما كلاًّ إِلا؛ وهذا كما تقول: سألتك لمَّا فعلت، وإِلاَّ فعلت، ومثله قوله:{ إِن كل نفس لما عليها حافظ } [الطارق 4]. وقرأ حمزة، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وإِنّ» بالتشديد، «لمّا» بالتشديد أيضاً. قال أبو علي: هذه قراءة مشكلة، لأنه كما لا يحسن: إِنَّ زيداً إِلا منطلق، كذلك لا يحسن تثقيل «إِنَّ» وتثقيل «لمّا». وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في «لمّا» ولم يُبعد فيما قال. وقال مكي بن أبي طالب: الأصل فيها «لَمِن ما» ثم أدغمت النون في الميم، فاجتمعت ثلاث ميمات في اللفظ، فحذفت الميم المكسورة؛ والتقدير: وإِنَّ كلاًّ لمِن خَلْقٍ ليوفينَّهم، قال: وقيل: التقدير: «لَمَن ما» بفتح الميم في «مَن» فتكون «ما» زائدة، وتحذف إِحدى الميمات لتكرير الميم في اللفظ؛ والتقدير: لَخلقٌ ليوفينَّهم، ومعنى الكلام: ليوفينَّهم جزاء أعمالهم.

  14. #164
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    سورة يوسف

    الجوهرة الثانية والسبعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ أبو عمرو وأبو عامر: " نرتعْ ونلعبْ " بالنون فيهما وإسكان العين والباء، و " نرتعْ " - على هذا - من الرتوع وهي الإقامة في الخصب والمرعى في أكل وشرب، ومنه قول الغضبان بن القبعثري: القيد والرتعة وقلة التعتعة. ومنه قول الشاعر: [الوافر]

    ....... وبعد عطائك المائة الرتاعا
    و " لعبهم " هذا دخل في اللعب المباح كاللعب بالخيل والرمي ونحوه، فلا وصم عليهم في ذلك، وليس باللعب الذي هو ضد الحق وقرين اللهو، وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف يقولون: نلعب وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا حينئذ أنبياء.

    وقرأ ابن كثير: " نرتعِ ونلعبْ " بالنون فيهما، وبكسر وجزم الباء، وقد روي عنه " ويلعب " بالياء، وهي قراءة جعفر بن محمد. و " نرتعِ " - على هذا - من رعاية الإبل: وقال مجاهد هي من المراعاة: أي يراعي بعضنا بعضاً ويحرسه،

    وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " يرتع ويلعب " بإسناد ذلك كله إلى يوسف، وقرأ نافع " يرتعِ " بالياء فيهما وكسر العين وجزم الباء، فـ " يرتعِ " - على هذا - من رعي الإبل؛ قال ابن زيد: المعنى: يتدرب في الرعي وحفظ المال؛ ومن الارتعاء قول الأعشى:

    ترتعي السفح فالكثيب فذاقا ن فروض القطا فذات الرئال

    قال أبو علي: وقراءة ابن كثير - " نرتع " بالنون و " يلعب " بالياء - فنزعها حسن، لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه.

    وقرأ العلاء بن سيابة، " يرتع ويلعبُ " برفع الباء على القطع.

    وقرأ مجاهد وقتادة: " نُرتِع " بضم النون وكسر التاء و " نلعبْ " بالنون والجزم.

    وقرأ ابن كثير - في بعض الروايات عنه - " نرتعي " بإثبات الياء - وهي ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر كما قال الشاعر: [الوافر]

    ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد

    وقرأ أبو رجاء " يُرتعْ " بضم الياء وجزم العين و " يلعبْ " بالياء والجزم.

    وقال الطبري

    وأولـى القراءة فـي ذلك عندي بـالصواب، قراءة من قرأه فـي الـحرفـين كلـيهما بـالـياء وبجزم العين فـي «يرتعْ». لأن القوم إنـما سألوا إياهم إرسال يوسف معهم، وخدعوه بـالـخبر عن مسألتهم إياه ذلك عما لـيوسف فـي إرساله معهم من الفرح والسرور والنشاط بخروجه إلـى الصحراء وفسحتها ولعبه هنالك، لا بـالـخبر عن أنفسهم.

    وقال السمين

    وقرأ العامَّةُ: " كَذِب " بالذال المعجمة، وهو من الوصف بالمصادر فيمكن أن يكونَ على سبيل المبالغة نحو: رجلٌ عَدْلٌ أو على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذي كذب، نَسَبَ فِعْلَ فاعله إليه. وقرأ زيد بن علي " كَذِباً " فاحتمل أن يكون مفعولاً من أجله واحتمل أن يكونَ مصدراً في موضع الحال، وهو قليلٌ أعني مجيءَ الحالِ من النكرة.

    وقرأ عائشة والحسن: " كَدِب " بالدال المهملة. وقال صاحبُ اللوامح: " معناه: ذي كَدِب، أي: أثر؛ لأنَّ الكَدِبَ هو بياضٌ يَخْرُجُ في أظافير الشباب ويؤثِّر فيها، فهو كالنقش، ويُسَمَّىظ° ذلك البياضُ " الفُوْف " فيكون هذا استعارةً لتأثيره في القميص كتأثير ذلك في الأظافير ". وقيل: هو الدمُ الكَدِر. وقيل: الطريُّ. وقيل: اليابس....

    وقرأ أُبَيّ وعيسى بن عمر: " فصبراً جميلاً " [نصباً، ورُويت عن الكسائي، وكذلك هي في] مصحف أنس بن مالك، وتخريجها على المصدر الخبري، أي: أصبرُ أنا صبراً، وهذه قراءة ضعيفة إن خُرِّجَتْ هذا التخريجَ، فإن سيبويه لا ينقاس ذلك عنده إلا في الطلب، فالأَوْلى أن يُجعل التقدير: إنَّ يعقوب رَجَعَ وأَمَر نفسَه فكأنه قال: اصبري يا نفسُ صبراً. ورُوري البيتُ أيضاً بالرفع والنصب على ما تقدَّم، والأمر فيه ظاهر.

  15. #165
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,468
    الجوهرة الثالثة والسبعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " يا بشرايَ " بإضافة البشرى إلى المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول: احضري، فهذا وقتك، وهذا نحو قوله:{ يا حسرة على العباد } [يس: 30] وروى ورش عن نافع " يا بشرايْ " بسكون الياء، قال أبو علي: وفيها جمع بين ساكنين على حد دابة وشابة، ووجه ذلك أنه يجوز أن تختص بها الألف لزيادة المد الذي فيها على المد الذي في أختيها، كما اختصت في القوافي بالتأسيس، واختصت في تخفيف الهمزة نحو هبأة وليس شيء من ذلك في الياء والواو.

    وقرأ أبو الطفيل والجحدري وابن أبي إسحاق والحسن " يا بشريَّ " تقلب الألف ياء ثم تدغم في ياء الإضافة، وهي لغة فاشية، ومن ذلك قول أبي ذؤيب: [الكامل]

    سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهمُ فتخرموا ولكل جنب مصرع
    وأنشد أبو الفتح وغيره في ذلك:

    يطوّف بيَّ كعب في معد ويطعن بالصملة في قفيا
    فإن لم تثأروا لي في معد فما أرويتما أبداً صديا
    وقرأ حمزة والكسائي " يا بشرِي " ويميلان ولا يضيفان. وقرأ عاصم كذلك إلا أنه يفتح الراء ولا يميل، واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي: كان في أصحاب هذا " الوارد " رجل اسمه بشرى، فناداه وأعلمه بالغلام، وقيل: هو على نداء البشرى - كما قدمنا...

    وقال الطبري

    وأعجب القراءة في ذلك الى قراءة من قرأه بارسال الياء وتسكينها لأنه ان كان اسم رجل بعينه كان معروفا فيهم كما قال السدى فذلك هي القراية الصحيحة لا شك فيها وان كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرىء كذلك على ما بينت وأما التشديد والاضافة في الياء فقراءة شاذة لا أرى القراءة بها وإن كانت لغة معروفة لاجماع الحجة من القراء على خلافها....

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير وأهل مكة: " هَيْتُ " بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق وابن محيصن وأبو الأسود وعيسى بفتح الهاء وكسر التاء " هَيتِ " ، وقرأ ابن مسعود والحسن والبصريون " هَيْتَ " بفتح الهاء والتاء وسكون الياء، ورويت عن ابن عباس وقتادة وأبي عمرو، قال أبو حاتم: لا يعرف أهل البصرة غيرها وهم أقل الناس غلواً في القراءة، قال الطبري: وقد رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وابن عامر " هِيْتَ " بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء - وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر - وهذه الأربع بمعنى واحد، واختلف باختلاف اللغات فيها، ومعناه الدعاء أي تعال وأقبل على هذا الأمر، قال الحسن: معناها هلمَّ، ويحسن أن تتصل بها { لك } إذ حلت محل قولها: إقبالاً أو قرباً، فجرت مجرى سقياً لك ورعياً لك، ومن هذا قول الشاعر يخاطب علي بن أبي طالب: [مجزوء الكامل]

    أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتينا
    أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا
    ومن ذلك على اللغة الأخرى قول طرفة: [الخفيف]

    ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيت
    ومن ذلك أيضاً قول الشاعر: [الرجز]

    قد رابني أن الكرى قد أسكتا ولو غدا يعني بنا لهيتا
    أسكت: دخل في سكوت، و " هيت " معناه: قال: هيت، كما قالوا: أقف إذا قال: أف أف، ومنه سبح وكبر ودعدع إذ قال: داع داع.

    والتاء على هذه اللغات كلها مبنية فهي في حال الرفع كقبل وبعد، وفي الكسر على الباب لالتقاء الساكنين، وفي حال النصب ككيف ونحوها؛ قال أبو عبيدة: و { هيت } لا تثنى ولا تجمع، تقول العرب: { هيت لك } ، وهيت لكما، وهيت لكم.

    وقرأ هشام بن عامر " هِئتُ " ، بكسر الهاء والهمز، ضم التاء وهي قراءة علي بن أبي طالب، وأبي وائل، وأبي رجاء ويحيى، ورويت عن أبي عمرو، وهذا يحتمل أن يكون من هاء الرجل يهيء إذا أحسن هيئته - على مثال جاء يجيء - ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت، كما يقال: فئت وتفيأت بمعنى واحد، قال الله عز وجل:{ يتفيؤا ظلاله } [النحل: 48] وقال:{ حتى تفيء إلى أمر الله } [الحجرات: 9].

    وقرأ ابن أبي إسحاق - أيضاً - " هِيْت " بتسهيل الهمزة من هذه القراءة المتقدمة. وقرأ ابن عباس - أيضاً - " هيت لك ". وقرأ الحلواني عن هشام " هِئتِ " بكسر الهاء والهمز وفتح التاء قال أبو علي: ظاهر أن هذه القراءة وهم، لأنه كان ينبغي أن تقول: هئتَ لي، وسياق الآيات يخالف هذا. وحكى النحاس: أنه يقرأ " هِيْتِ " بكسر الهاء وسكون الياء وكسر التاء. و { معاذَ } نصب على المصدر ومعنى الكلام أعوذ بالله

    وقال السمين

    وقرأ الأعمش " ليَصْرِفَ " بياء الغَيبة، والفاعلُ هو اللَّه تعالىظ°.

    قوله: { ظ±لْمُخْلَصِينَ } قرأ هذه اللفظةَ حيث وَرَدَتْ إذا كانت معرَّفةً بـ أل مكسورةَ اللامِ ابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بفتحها، فالكسرُ على اسم الفاعل، والمفعولُ محذوف تقديره: المخلِصين أنفسَهم أو دينَهم، والفتح على أنه اسم مفعول مِنْ أَخْلصهم اللَّه، أي: اجتباهم واختارهم، أو أَخْلصهم مِنْ كل سوء.

    وقرأ الكوفيون في مريم{ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } [مريم: 51] بفتح اللام بالمعنى المتقدم، والباقون بكسرها بالمعنى المتقدم.

صفحة 11 من 29 الأولىالأولى ... 78910111213141521 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •