فقرات من كتاب في مناقشة التعدديين


الآية الرابعة: إن الله يفصل بينهم
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)} [الحج: 14 - 17]
توجيه التعدديين لهذه الآية
يزعم التعدديون أنّ قول الله تعالى في هذه الآية (إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) يزيل دعوى أي دين من الأديان في هذه الحياة الدنيا بأنه الحق، وأن غيره باطل، وبناء على ذلك تتساوى جميع الأديان باعتبار الحقية والبطلان، وما دام الأمر كذلك فلا يجوز لواحد منها أن يختال على الآخرين أو أن يتعامل مع أبناء الديانات الأخرى على أنهم كافرون مبطلون، لأن الفصل موكول لله تعالى يوم القيامة لا في الحياة الدنيا. وبناء على هذا الفهم تتقرر دعوى التعدديين بأنه لا يمكن معرفة الدين الحق أو الأفضل في هذه الحياة الدنيا، وما دام الأمر كذلك فليعيشوا كلهم على السوية.
بيان معنى الآية الكريمة والرد على التعدديين
نرى دائما في القرآن الكريم أن العمل الصالح مقرون بالإيمان، وأن قبوله والاعتداد به مشروط بالإيمان، كما مرَّ في الآيات الماضية، وكما نرى هنا في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، فالذين عملوا الصالحات يدخلهم الله تعالى الجنة بشرط أن يكونوا من الذين آمنوا، وليس أي واحد عمل صالحاً. ومع ذلك فإننا نرى هؤلاء التعدديين الجدد يزعمون بكل ثقة أن العمل الصالح وحده كافٍ، ولا نراهم يتكلمون على الإيمان مطلقا، بل نراهم يحتجون بفهمهم السقيم لهذه الآية المباركة ويزعمون أنا لا نستطيع في هذه الحياة الدنيا أن نفاضل بين المشركين وبين غيرهم من الذين آمنوا فضلا عن المشركين، مع أننا نعلم قطعاً أن المشركين لا إيمان لهم أصلاً، وقد فصل الله الحكم في حقهم في الحياة الدنيا، والكل يعرف فساد اعتقادهم، فكيف يزعمون أننا لا يمكننا معرفة أفضلية المؤمنين على غيرهم على الأقل من جهة الإيمان، وأن لهذا الإيمان وزنا في اليوم الآخرة قد رجح على غيره من الموازين، كالعمل الصالح، يزعمون كل ذلك والحال أنهم يرون بأعينهم أنه مخالف للآية الكريمة. ثم يطالبوننا ألا نخالف الله تعالى الذي يصرح في القرآن أنه هو الذي يفصل بين هؤلاء جميعاً، يوم القيامة، لا في الدنيا، ويقولون لنا إن أي تكفير أو أي زعم بحقية دين ما على وبطلان غيره من الأديان افتئات على الله تعالى.
ومجرد التامل في الآية التي قبل الآية التي يحتجون بها وهي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) يدرك تماما أن الإسلام هو دين الحق على الأرض وفي اليوم الآخر، لأن هذه الآية تتكلم عن القرآن الذي أنزله الله تعالى بيناتٍ! بينات لمن وفي أي ظرف، هل يمكن أن يكون المراد كونه بينات تظهر في يوم القيامة! قطعا لا، بل هو بينات تظهر بيانها للحق وفصله عن الباطل في هذه الحياة الدنيا، فهذه الآيات القرآنية إذن أي القرآن يبين الحق من الباطل في هذه الحياة الدنيا، ومن أراد معرفة الحق تكفيه. فهل التي تفصل إذن من ناحية معرفية في هذه الحياة الدنيا، وقد قامت الحجة بها على المكلفين. كما أن الله تعالى يفصل من جهة فعلية وحكم وقضاء تنفيذي بينهم في اليوم الآخر. هذا هو المفهوم من الآية الكريمة والتي بعدها بصورة واضحة لا حاجة إلى التكلف والتعسف، ولا إلى تحميلها معاني لا تتحملها.
وسيزداد ذلك وضوحا بما ننقله من كلام المفسرين بإذن الله تعالى.