هذه فقرات من كتاب جديد على وشك الانتهاء منه بإذن الله تعالى أسميته (الموجز في التحديات ) وذكرت فيه مجموعة من أهم المسائل التي ينبغي على المسلمين النظر فيها بعضها يتعلق بالفلسفة وبعضها بالسياسة وبعضها بمعرفة طبيعة العالم وبعضها بالإلهيات وبعضها بالمسعيات والنبوات، وذكرت في كل قسم منه أمثله على مسائل ينبغي إعادة بحثها بحثا مقارنا فيه إحاطة بما ذكره المتقدمون واطلاع تفصيلي على ما بينه المفكرون المعاصرون والمحدثون في الغرب

أهمية النظر في أصول الوجود والمعرفة وجدواه
إن الإنسان في حياته يواجه كثيراً من التساؤلات المهمة، والإشكالات التي تثار في موضوعات خطيرة جدا، ومن أهم هذه المباحث أصل هذا الوجود، ومكانة الإنسان منه، هل السب في وجوده على هذه الهيئة مجرد نتيجة للاتفاقات والمصادفات والقوانين العمياء التي ليس لها غايات ولا حكمة؟ أم إن وراء ذلك حقائق أخرى أعلى بكثير مما نعتقد. وهل يمكننا الاطلاع على هذه المعارف، وإلى أي حدٍّ يمكننا بالنظر إلى ملكاتنا التي لنا أن نسي في هذا الحقل؟ هل لنا أن نعلن أننا نعرف قدرا من الحقائق العليا في هذا الوجود، أم إن ما يلزمنا هو مجرد الاعتراف بالجهل والتواضع وعدم الغرور بدعوى المعارف الهائلة التي يبدو أن ما نملكه من وسائل لا تجعلنا قادرين على امتلاكها، إلى آخر هذه التساؤلات في المبدأ والمعاد، والمصير، هل نصير إلى العدم المحض والفناء الدائم، أم إن لنا وجوداً آخر بصورة أخرى.
وبعض الناس يزعمون أن ما أتانا عن طريق النقل والشرائع الإلهية يكفينا ويجعلنا نعزف عن إعادة النظر في هذه المباحث العويصة، ولذلك فهم يعتقدون أن الأصل بعد نزول الدين الحقّ ألا ننظر في هذه المعارف بعقولنا وبما نملكه من وسائل معرفة، بدعوى كفاية الدين في الهداية!
وفريق آخر يقرر موقفه على نحو آخر فيقول: إن الدين مع ما فيه من معارف وحقائق في هذه الحقول المهمة، إلا أنه يجب علينا أن نعيد النظر بعقولنا فيها، لنتأكد من حقية هذه الأديان، فلا يخلو الأمر في بعضها من عبث العابثين وزيادة الزائدين، وتحكم المتحكمين، فلا يجوز لنا أن نسلم أنفسنا وعقولنا التي هي أغلى ما نملك لمجرد دعوى أن هذا هو الدين الحقّ من دون برهان ولا دليل على ذلك من الخارج.
وأصل المسألة:
أنه حتى لو كان الإله هو الذي أنزل الدين الحق على البشر، ومع أن ثبوت الدين في نفسه، ونزوله راجع لله تعالى، فهل يقدر الإنسان بما أعطاه إياه ربه من ملكات على معرفة الأدلة على حقيقة هذا الدين وأرجحيته على ما يقترحه البشر من أفكار وآراء، وبعبارة أخرى: هل يقدر الإنسان على إثبات هذا الدين بالأدلة في حق نفسه؟ فمقام الثبوت راجع لله تعالى، ومقام الإثبات بالبرهان راجع ولو في بعض المواضع والأصول للإنسان بلحاظ هذا العالم الذي أخرج إلى الثبوت الإله الديان.
وعلم الكلام من بين العلوم الإنسان الذي خص نفسَه للبحث في مقام الإثبات أي إقامة الدليل على حقية هذا الدين الذي أنزله الله تعالى. ولذلك كان هذا العلم أرفع العلوم وأخطرها شأناً، وأكثرها تأثيرا في حال الخلاف، وأقواها حجة وأثرا في حال الوفاق، وهو بما يقترحه من مسائل وبحوث يمثل الواسطة بين الحق والخلق من ناحية الإدراك والمعرفة التي هي من أوجب الواجبات.
ولأجل ذلك كله كان ظهور التنازع والاشتراك بينه وبين الفلسفات المختلفة التي اخترعها الناس مشهوراً بينهم، حتى زعم بعضهم أن الكلام مجرد نسخة فلسفية أخرى من الفلسفات البشرية، ولا توجد له خاصية ولا ميزة يتميز بها، بل هو مجرد وهم تعلق به بعضهم، يوهمون أنفسهم وغيرهم على فوائد لا وجود لهها فيه، وكلها ابتداع وانحراف عن المنهج الحق والعقيدة الصحيحة. وصارت هذه الدعوى مجالا آخر يتداول فيه المتداولون من أفراد الملة الواحدة وبينهم وبين غيرهم.
فالتنازع الحاصل في المسائل التي يبحثها هذا العلم في غاية الخطورة من حيث الآثار، وكذلك الاتفاق يترتب عليه أمور في غاية الأهمية والأثر.
ولذلك اشتدت التنازعات وطار شررها بين الخلق، ولكن العالم الدقيق النظر يعرف أن تكاثر الاختلافات إن دلّ على شيء فليس من الضرورة أن يدلَّ على عدم جدوى العلم، فما أكثر العلوم التي يكثر فيها الاختلاف، بل أول وأولى ما يدلّ عليه هو خطورة هذه المسائل وأهميتها وعظيم أثرها في حياة البشر، وهذا من أقوى وجود أهمية هذا العلم الجليل.
وقد جرى أكثر العلماء المسلمين على مبدأ مهم وهو أن الدين في نفسه لا يمنع من النظر في هذه المباحث، بل يوجبه، لإقامة الحجة على النفس وعلى الغير، والأساس في ذلك كله هو التفكير الحرّ، ونقصد بالحرّ غير المتقيد بعقيدة خاصة بحيث تجرف الباحث إلى نتائج هو يريدها، بل أن يكون الباحث حراً في الالتزام بالمنهج والدلائل الصحيحة لتبلغه إلى النتائج التي تستلزمها المنهجية المعرفية الصحيحة، وهذا لا يتعارض مع أن يكون لدى الباحث عقيدة معينة، فإن الإنسان قادر على منع نفسه من التأثر بالعقيدة التي يعتقد بها لتصير نتائج بحثه سببا في تغيير عقيدته بعد ذلك أو تعديلها بحسب الدليل، وإلا فإن ميزة البحث والتدبر والتعقل تبطل فائدتها لدى البشر. لأنه لا يوجد إنسان إلا وفي نفسه بعض الاعتقادات التي يميل إليها، فلو استحال تفكيره الحرّ إلا إذا تخلص من هذه الاعتقادات لاستحال على أكثر البشر التفكير من أصله! لأن أكثرهم لا يقدر على التخلص الحرّ من اعتقاده، ولكنه لو تواجه مع الدليل والبرهان على فساد الاعتقاد لصار ذلك في حقه أسهل، ولذلك نرى كثيرا من الناس يغيرون عقائدهم بعد البحث والتحليل، وهذه الظاهرة من أظهر الأدلة على صحة ما ادعيناه هنا.
وبعض الناس يزعمون أن الدين الإسلامي يحجر على لعقول، ويمنعه من البحث الملتزم بالمنهجية الصحيحة، وفرعوا على ذلك أن الدين يتعارض بالضرورة مع فعل التفلسف أي النظر الحر كما يزعمون، والحق ليس كذلك، بل إن الدين هو الذي يدعوا البشر إلى النظر في السماوات والأرض وفي الآفاق والأنفس ليصلوا إلى الأجوبة الصحيحة بأنفسهم، مع إرشاد الدين إياهم لذلك بحيث لا يمنعهم القيام بحث النظر بل يعاونهم فيه، ومن أجلى الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } [ق : 1 - 16]، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة : 164]، وقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران : 190]، وكذلك قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف : 108]. فالدعوة إلى الله تعالى على بصيرة أي على منهج وأدلة صحيحة هو الذي أمر به القرآن، وهذا هو المنهج العلمي الصحيح، فكيف يقال بعد ذلك إن الدين يمنع الناس من النظر أو الفكر أو التأمل.
وإن كان هناك من تناقض وتعارض فبين الدين الحق وما آلت إليه فلسفات بعض الفلاسفة من النتائج الباطل والمناهج الفاسدة، فأصل النظر لا تعارض بينه وبين الدين، ولكن النظر الباطل يتعارض، والنتائج الباطلة تتعارض بالضرورة مع الحق والحقيقة. ولذلك لا يخاف أتباع الدين الحق من الغوص بعمق ما بعده عمق في دهاليز المتفلسفة، لأنهم يثقون بقدرتهم على تعيين المواضع الباطلة منها وإعادة تقويمها، ودلالة أصحابها على شاب فلسفاتهم من انحراف عن الجادة.
وإن كان هناك من أمل لإرجاع الإسلام إلى مكانته العالية على الأقل من الناحية العلمية والمعرفية، فهو بإعادة الاحترام لمنهج المتكلمين المنفتح على الثقافات المختلفة والخالفة للإسلام، والثقة بعقل المسلم بل الإنسان مطلقا على النظر مجدداً ومعرفة ما فيها من خلل وصواب، أما التحجر الفكري والمعرفي فلا يعود بخير على أصحابه ولا على الإنسانية، بل ينشر فيهم قيم التزمت والتحجر والتعصبات الباطلة التي تفضي إلى التخالف غير المحمود، بدل التعاون على النظر لدرك الحق ونصرة أهله.