النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: أهمية النظر في أصول الدين وما يتعلق بها من معارف

  1. #1

    أهمية النظر في أصول الدين وما يتعلق بها من معارف

    هذه فقرات من كتاب جديد على وشك الانتهاء منه بإذن الله تعالى أسميته (الموجز في التحديات ) وذكرت فيه مجموعة من أهم المسائل التي ينبغي على المسلمين النظر فيها بعضها يتعلق بالفلسفة وبعضها بالسياسة وبعضها بمعرفة طبيعة العالم وبعضها بالإلهيات وبعضها بالمسعيات والنبوات، وذكرت في كل قسم منه أمثله على مسائل ينبغي إعادة بحثها بحثا مقارنا فيه إحاطة بما ذكره المتقدمون واطلاع تفصيلي على ما بينه المفكرون المعاصرون والمحدثون في الغرب

    أهمية النظر في أصول الوجود والمعرفة وجدواه
    إن الإنسان في حياته يواجه كثيراً من التساؤلات المهمة، والإشكالات التي تثار في موضوعات خطيرة جدا، ومن أهم هذه المباحث أصل هذا الوجود، ومكانة الإنسان منه، هل السب في وجوده على هذه الهيئة مجرد نتيجة للاتفاقات والمصادفات والقوانين العمياء التي ليس لها غايات ولا حكمة؟ أم إن وراء ذلك حقائق أخرى أعلى بكثير مما نعتقد. وهل يمكننا الاطلاع على هذه المعارف، وإلى أي حدٍّ يمكننا بالنظر إلى ملكاتنا التي لنا أن نسي في هذا الحقل؟ هل لنا أن نعلن أننا نعرف قدرا من الحقائق العليا في هذا الوجود، أم إن ما يلزمنا هو مجرد الاعتراف بالجهل والتواضع وعدم الغرور بدعوى المعارف الهائلة التي يبدو أن ما نملكه من وسائل لا تجعلنا قادرين على امتلاكها، إلى آخر هذه التساؤلات في المبدأ والمعاد، والمصير، هل نصير إلى العدم المحض والفناء الدائم، أم إن لنا وجوداً آخر بصورة أخرى.
    وبعض الناس يزعمون أن ما أتانا عن طريق النقل والشرائع الإلهية يكفينا ويجعلنا نعزف عن إعادة النظر في هذه المباحث العويصة، ولذلك فهم يعتقدون أن الأصل بعد نزول الدين الحقّ ألا ننظر في هذه المعارف بعقولنا وبما نملكه من وسائل معرفة، بدعوى كفاية الدين في الهداية!
    وفريق آخر يقرر موقفه على نحو آخر فيقول: إن الدين مع ما فيه من معارف وحقائق في هذه الحقول المهمة، إلا أنه يجب علينا أن نعيد النظر بعقولنا فيها، لنتأكد من حقية هذه الأديان، فلا يخلو الأمر في بعضها من عبث العابثين وزيادة الزائدين، وتحكم المتحكمين، فلا يجوز لنا أن نسلم أنفسنا وعقولنا التي هي أغلى ما نملك لمجرد دعوى أن هذا هو الدين الحقّ من دون برهان ولا دليل على ذلك من الخارج.
    وأصل المسألة:
    أنه حتى لو كان الإله هو الذي أنزل الدين الحق على البشر، ومع أن ثبوت الدين في نفسه، ونزوله راجع لله تعالى، فهل يقدر الإنسان بما أعطاه إياه ربه من ملكات على معرفة الأدلة على حقيقة هذا الدين وأرجحيته على ما يقترحه البشر من أفكار وآراء، وبعبارة أخرى: هل يقدر الإنسان على إثبات هذا الدين بالأدلة في حق نفسه؟ فمقام الثبوت راجع لله تعالى، ومقام الإثبات بالبرهان راجع ولو في بعض المواضع والأصول للإنسان بلحاظ هذا العالم الذي أخرج إلى الثبوت الإله الديان.
    وعلم الكلام من بين العلوم الإنسان الذي خص نفسَه للبحث في مقام الإثبات أي إقامة الدليل على حقية هذا الدين الذي أنزله الله تعالى. ولذلك كان هذا العلم أرفع العلوم وأخطرها شأناً، وأكثرها تأثيرا في حال الخلاف، وأقواها حجة وأثرا في حال الوفاق، وهو بما يقترحه من مسائل وبحوث يمثل الواسطة بين الحق والخلق من ناحية الإدراك والمعرفة التي هي من أوجب الواجبات.
    ولأجل ذلك كله كان ظهور التنازع والاشتراك بينه وبين الفلسفات المختلفة التي اخترعها الناس مشهوراً بينهم، حتى زعم بعضهم أن الكلام مجرد نسخة فلسفية أخرى من الفلسفات البشرية، ولا توجد له خاصية ولا ميزة يتميز بها، بل هو مجرد وهم تعلق به بعضهم، يوهمون أنفسهم وغيرهم على فوائد لا وجود لهها فيه، وكلها ابتداع وانحراف عن المنهج الحق والعقيدة الصحيحة. وصارت هذه الدعوى مجالا آخر يتداول فيه المتداولون من أفراد الملة الواحدة وبينهم وبين غيرهم.
    فالتنازع الحاصل في المسائل التي يبحثها هذا العلم في غاية الخطورة من حيث الآثار، وكذلك الاتفاق يترتب عليه أمور في غاية الأهمية والأثر.
    ولذلك اشتدت التنازعات وطار شررها بين الخلق، ولكن العالم الدقيق النظر يعرف أن تكاثر الاختلافات إن دلّ على شيء فليس من الضرورة أن يدلَّ على عدم جدوى العلم، فما أكثر العلوم التي يكثر فيها الاختلاف، بل أول وأولى ما يدلّ عليه هو خطورة هذه المسائل وأهميتها وعظيم أثرها في حياة البشر، وهذا من أقوى وجود أهمية هذا العلم الجليل.
    وقد جرى أكثر العلماء المسلمين على مبدأ مهم وهو أن الدين في نفسه لا يمنع من النظر في هذه المباحث، بل يوجبه، لإقامة الحجة على النفس وعلى الغير، والأساس في ذلك كله هو التفكير الحرّ، ونقصد بالحرّ غير المتقيد بعقيدة خاصة بحيث تجرف الباحث إلى نتائج هو يريدها، بل أن يكون الباحث حراً في الالتزام بالمنهج والدلائل الصحيحة لتبلغه إلى النتائج التي تستلزمها المنهجية المعرفية الصحيحة، وهذا لا يتعارض مع أن يكون لدى الباحث عقيدة معينة، فإن الإنسان قادر على منع نفسه من التأثر بالعقيدة التي يعتقد بها لتصير نتائج بحثه سببا في تغيير عقيدته بعد ذلك أو تعديلها بحسب الدليل، وإلا فإن ميزة البحث والتدبر والتعقل تبطل فائدتها لدى البشر. لأنه لا يوجد إنسان إلا وفي نفسه بعض الاعتقادات التي يميل إليها، فلو استحال تفكيره الحرّ إلا إذا تخلص من هذه الاعتقادات لاستحال على أكثر البشر التفكير من أصله! لأن أكثرهم لا يقدر على التخلص الحرّ من اعتقاده، ولكنه لو تواجه مع الدليل والبرهان على فساد الاعتقاد لصار ذلك في حقه أسهل، ولذلك نرى كثيرا من الناس يغيرون عقائدهم بعد البحث والتحليل، وهذه الظاهرة من أظهر الأدلة على صحة ما ادعيناه هنا.
    وبعض الناس يزعمون أن الدين الإسلامي يحجر على لعقول، ويمنعه من البحث الملتزم بالمنهجية الصحيحة، وفرعوا على ذلك أن الدين يتعارض بالضرورة مع فعل التفلسف أي النظر الحر كما يزعمون، والحق ليس كذلك، بل إن الدين هو الذي يدعوا البشر إلى النظر في السماوات والأرض وفي الآفاق والأنفس ليصلوا إلى الأجوبة الصحيحة بأنفسهم، مع إرشاد الدين إياهم لذلك بحيث لا يمنعهم القيام بحث النظر بل يعاونهم فيه، ومن أجلى الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } [ق : 1 - 16]، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة : 164]، وقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران : 190]، وكذلك قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف : 108]. فالدعوة إلى الله تعالى على بصيرة أي على منهج وأدلة صحيحة هو الذي أمر به القرآن، وهذا هو المنهج العلمي الصحيح، فكيف يقال بعد ذلك إن الدين يمنع الناس من النظر أو الفكر أو التأمل.
    وإن كان هناك من تناقض وتعارض فبين الدين الحق وما آلت إليه فلسفات بعض الفلاسفة من النتائج الباطل والمناهج الفاسدة، فأصل النظر لا تعارض بينه وبين الدين، ولكن النظر الباطل يتعارض، والنتائج الباطلة تتعارض بالضرورة مع الحق والحقيقة. ولذلك لا يخاف أتباع الدين الحق من الغوص بعمق ما بعده عمق في دهاليز المتفلسفة، لأنهم يثقون بقدرتهم على تعيين المواضع الباطلة منها وإعادة تقويمها، ودلالة أصحابها على شاب فلسفاتهم من انحراف عن الجادة.
    وإن كان هناك من أمل لإرجاع الإسلام إلى مكانته العالية على الأقل من الناحية العلمية والمعرفية، فهو بإعادة الاحترام لمنهج المتكلمين المنفتح على الثقافات المختلفة والخالفة للإسلام، والثقة بعقل المسلم بل الإنسان مطلقا على النظر مجدداً ومعرفة ما فيها من خلل وصواب، أما التحجر الفكري والمعرفي فلا يعود بخير على أصحابه ولا على الإنسانية، بل ينشر فيهم قيم التزمت والتحجر والتعصبات الباطلة التي تفضي إلى التخالف غير المحمود، بدل التعاون على النظر لدرك الحق ونصرة أهله.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    فقرات أخرى من كتاب (الموجز في التحديات)

    الوجود: هل ينحصر في المحسوسات والجسمانيات؟

    بحث علماء المعقولات في مسألة مهمة جدا، وهي إمكان تحقق الموجودات التي ليست محسوسة ولا يطالها الحسّ، وليس لها صفات المحسوسات من التحيز والحدود والامتداد في الأبعاد الثلاثة المعروفة، بحيث يكون هذا الوجود الخارج عن هذه الصفات ليس متحيزا، ولا له أبعاد، ولا هو محايث لهذا العالم الممتد، ولا مفارق له بالتحيز والبعد والجهة.
    وهذه مسألة مهمة جدا ينطوي فيها البحث عن إمكان وجود المفارقات، بغض النظر عن تحديد حقيقة المفارقات للمادة والحيز والأبعاد.
    ونرى أن بعض المتكلمين أنكروا بناء على أسس معرفية معينة وأسس وجودية إمكانَ وجود المجردات حتى في جانب الإله، فإنهم قالوا إن الإله لو كان موجودا، فلا بدّ أن يكون محدودا، ومتحيزا، وممتدا في الأبعاد. وذلك بناء على أن كل ما رواه من الموجودات هي فعليا كذلك، متحيزة وممتدة في الأبعاد، ومحسوسة، وفي جهة، فإن كان الإله موجوداً، فيجب أن يكون متصفا بهذه الصفات، وزعموا أنها ليس صفات للممكنات الموجودة فقط، بل لحقيقة الوجود في نفسه، أي إنهم أخذوا هذه التصورات من المحسوسات، وعمموها تعميما عقليا بناء على قياس الغائب على الشاهد، على سائر الموجودات المحسوسة وغير المحسَّة، فنتج عندهم أن الإله مباين للعالم مباينة بالجهة والحد والتحيز، وأن له مقدارا خاصا به يتميز به عن المخلوقات، وإن لم يقولوا إن حقيقة وجوده من نفس حقيقة وجود المخلوقات، سواء كانت هذه الحقيقة جواهر فردة أو غير ذلك، والقدر الذي جزموا به في هذا المجال أن الإله ينبغي أن يكون وجوده متحيزا، يمكن مماسته باليد، وهو يمكنه أن يمس مخلوقاته باليد، ويمكن الوصول إليه بالجهة والمسافة، وأن صفات نوعان النوع الأول معانٍ قائمة بذاته، كالقدرة والعلم وغيرهما، والنوع الثاني أعيان يتشكل باجتماعها صورة الإله، من وجه ويد وعين وساق وأصابع وغيرها، مع قولهم بأنها ليس كصفات المخلوقين.
    وهذا هو التيار التجسيميّ المشهور بين المسلمين في الماضي باسم الكرامية ومجسمة الحنابلة، ثم أعاد ابن تيمية إحياء هذا المذهب في القرن الثامن الهجري، وأما في الزمان المعاصر فقد أعاد الجذوة إليه أتباع ابن تيمة والوهابية ومن وافقهم.
    وأكثر أعلام الإسلام من الفرق الإسلامية على إمكان وجود ما هو مغاير للمادة والأجسام، سواء كان ذلك للوجود الواجب، أو للوجود الإمكاني، فأثبتوا كلهم أن الإله ينبغي أن لا يكون جسمانيا، ولا متحيزا، ولا محدوداً، لا في جهة...الخ، وأنه يمكن تصور وجود بعض الممكنات غير متحيزة في مكان، وأن هذا لا يستلزم اشتراكها في الحقيقة مع واجب الوجود، لأن القول بأنها ليست في مكان، وأن الله كذلك، هو سلبي، والاشتراك في السلبيات لا يستلزم الاشتراك في الحقائق، فيتصور أن يكون اثنان غير متحيزين وفي القوت نفسه كل واحد له حقيقته الخاصة المغايرة والمخالفة للثاني.


    تكثر الوجود ووحدته

    ومن هذه الأحكام المهمة تصور الوجود، هل هو متعدد أو واحد، وهل هو متواطئ أو مشترك، وهل الوجود يمكن أن يتصف بالإمكان أصلا أم إن الوجود كله واجب، وبناء عليه فإنَّ ما نراه مما نسميه وجودا أو موجوداً مجرد مظاهر لهذا الواجب، وهو خلاصة مذهب وحدة الوجود الشهير.
    وإذا كان الوجود ممكنا في ذاته، فهل يمكن أن يظهر ويتعين بلا مخصص، أي بالعشوائية والاتفاق التي يمسها بعضهم في هذا العصر بالمصادفة، وتقام عليها تفسيرات بعض النظريات الفيزيائية الكمية!


    مجعولية الماهيات


    وأيضا فإن من مباحث الماهيات هل هي مجعولة أم غير مجعولة، وإذا كانت غير مجعولة فما الذي عينها في نفس الأمر على ما هي عليه! وها هنا تنشأ مشكلة من أهم المشاكل الفلسفية في مظاهر مختلفة.
    فبعض الناس يرتب على هذه المسألة طريقة فعل الله تعالى في الوجود، فهو يسبغ الوجود على الماهيات الثابتة في نفس الأمر، لأنه الجواد الذي يعطي كل شيء ما يستحقه، والممكنات كلها تستحق الوجود، في مرتبتها الخاصة، ولأن الله تعالى جواد، لا يمنع جوده عن المستحق، فإنه يفيض الوجود عليها، وهكذا يفسر هؤلاء طريقة إيجاد الله تعالى للموجودات.
    وها هنا تظهر مشكلة الإرادة الإلهية فما معنى كون الله تعالى فاعلا مختارا، وهل يتيسر إثبات الاختيار لله تعالى بناء على هذا التصور!
    ومن وجهة نظر أخرى، فمسألة الماهيات غير المجعولة قد تظهر في بعض التفسيرات بصورة مماثلة للمثل الأفلاطونية Platonic Forms، وها هنا ظهر نزاع في المثل كما في غيرها، فما هو محل ثبوت هذه الماهيات أو المثل، هل هي الذات الإلهية فترجع المسألة إلى علم الله تعالى، أو غير ذات الله تعالى فيلزم وجود أمور قديمة مع الله تعالى، أم إن الله تعالى هو الذي يجعل الوجود الخارجي لهذه الماهيات الثابتة في علمه كما هي!
    وبعض المتكلمين يعيد تفسير هذه المسألة بطريقة ترجعها إلى ما يقترب من مسألة مهمة في الفلسفة الأوروبية الوسيطة وهي مسألة الكليات!
    ومسألة الماهيات الثابتة في نفس الأمر لها علاقة وطيدة جدا بمسألة أخرى مهمة جدا في مسألة المعرفة، وعي مفهوم نفس الأمر، التي بناء عليها يتم تفسير حقيقة الصدق والصواب في العلم، فالمطابقة بين القضية الحكمية تكون مع الماهيات الثابتة في نفس الأمر، فإن تماثلت هذه مع تلك حكمنا على النظرية أو القضية بالصدق، وإلا كانت كاذبة، ومن المعلوم أن مسألة الصدق الراجعة إلى ضابط المطابقة مع الخارج أو نفس الأمر، هي إحدى أهم النظريات الفلسفية التي تفسر متى تكون القضايا حقيقة علمية ومتى لا تكون!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    الدولة
    ♥ المغربُ الأقصى ♥
    المشاركات
    145
    بارك الله فيكم شيخنا الفاضل!،
    نودّ لو كثرت مثل هذه الأعمال، بحسب المجهود، لبيان الأصول المعرفيّة لعلم الكلام السّني، وتقريبًا لبحوثٍ قلّ من يلتفتُ إليها! ..

    سُبحانَ اللهِ وبحمدِه { ..
    ................... سُبحانَ اللهِ العظيم { ..


  4. حفظك الله شيخنا و امدنا بأمداد علومك البارعة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •