صفحة 1 من 6 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 85

الموضوع: جواهر الضمائر فى كتاب الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767

    جواهر الضمائر فى كتاب الله

    الجوهرة العشرون بعد الاربعمائة

    وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ }

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير

    وجَعَلوا بينه وبين الجِنَّة نَسَباً } فيه ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنهم قالوا: هو وإِبليس أخَوان، رواه العوفي عن ابن عباس؛ قال الماوردي: وهو قول الزنادقة والذين يقولون: الخير مِنَ الله، والشَّرُّ من إِبليس.

    والثاني: أن كفار قريش قالوا: الملائكة بنات الله، والجِنَّة صِنف من الملائكة. يقال لهم: الجِنَّة، قاله مجاهد.

    والثالث: أن اليهود قالت: إِن الله تعالى تزوّج إِلى الجن فخرجت من بينهم الملائكة، قاله قتادة، وابن السائب.

    فخرج في معنى الجِنَّة قولان:

    أحدهما: أنهم الملائكة.

    والثاني: الجن.

    فعلى الأول، يكون معنى قوله: { ولقد عَلِمَتِ الجِنَّةُ } أي: عَلِمَت الملائكةُ { إَنهم } أي: إِن هؤلاء المشركين { لَمُحْضَرُونَ } النّار.

    وعلى الثاني: [ { ولقد عَلِمت الجِنَّةُ] إنهم } أي: إِن الجن أنفسها " لَمُحْضَرونَ " الحساب.

    الجوهرة الواحدة والعشرون بعد الاربعمائة

    فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } * { مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ } * { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ }


    قال ابو حيان فى بحره المحيط:

    والظاهر أن الواو في { وما تعبدون } للعطف، عطفت ما تعبدون على الضمير في إنكم، وأن الضمير في عليه عائد على ما، والمعنى: قل لهم يا محمد: وما تعبدون من الأصنام ما أنتم وهم، وغلب الخطاب. كما تقول: أنت وزيد تخرجان عليه، أي على عبادة معبودكم. { بفاتنين }: أي بحاملين بالفتنة عبادة، إلا من قدر الله في سابق علمه أنه من أهل النار. والضمير في { عليه } عائد على ما على حذف مضاف، كما قلنا، أي على عبادته. وضمن فاتنين معنى: حاملين بالفتنة، ومن مفعولة بفاتنين، فرغ له العامل إذ لم يكن بفاتنين مفعولاً. وقيل: عليه بمعنى: أي ما أنتم بالذي تعبدون بفاتنين، وبه متعلق بفاتنين، المعنى: ما أنتم فاتنين بذلك الذي عبدتموه إلا من سبق عليه القدر أنه يدخل النار. وجعل الزمخشري الضمير في عليه عائداً على الله، قال فإن قلت: كيف يفتنونهم على الله؟ قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهوائهم من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها عليه وخيبها عليه.

    الجوهرة الثانية والعشرون بعد الاربعمائة

    وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } * { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ }

    قال ابن الجوزى فى زاد مسيره

    { كُلَّ له } في هاء الكناية قولان:

    أحدهما: أنها ترجع إِلى داوُد، أي: كُلٌّ لداود { أَوَّابٌ } أي: رَجّاعٌ إِلى طاعته وأَمْره، والمعنى: كُلٌّ له مُطِيع بالتسبيح معه، هذا قول الجمهور.

    والثاني: [أنها] ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: كُلٌّ مسبِّحٌ لله، قاله السدي.

    الجوهرة الثالثة والعشرون بعد الاربعمائة

    { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِظ±لْمَـَلإِ ظ±لأَعْلَىظ° إِذْ يَخْتَصِمُونَ } الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسّدي اختصموا في أمر آدم حين خلق فـ
    { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }
    [البقرة: 30] وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } وفي هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلظ°هي؛ فقد قامت المعجزة على صدقه، فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه؛ ولهذا وصل قوله بقوله: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }. وقول ثان رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سألني ربي فقال يا محمد فِيم اختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات والدرجات قال وما الكفارات قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السَّبْرَات والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة قال وما الدرجات قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام " خرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس، وقال فيه حديث غريب. وعن معاذ بن جبل أيضاً وقال حديث حسن صحيح. وقد كتبناه بكماله في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وأوضحنا إشكاله والحمد لله. وقد مضى في «يس» القول في المشي إلى المساجد، وأن الخُطَا تكفّر السيئات، وترفع الدرجات.*

    وقيل: الملأ الأعلى الملائكة والضمير في «يَخْتَصِمُونَ» لفرقتين. يعني قول من قال منهم الملائكة بنات الله، (ومن قال آلهة تعبد). وقيل: الملأ الأعلى هاهنا قريش؛ يعني اختصامهم فيما بينهم سِرًّا، فأطلع الله نبيه على ذلك

    وقال ابن عاشور فى التحرير

    والمراد بالنبأ: خبر الحشر وما أُعد فيه للمتقين من حسن مآب، وللطاغين من شر مآب، ومن سوء صحبة بعضهم لبعض، وتراشقهم بالتأنيب والخصام بينهم وهم في العذاب، وترددهم في سبب أن لم يجدوا معهم المؤمنين الذين كانوا يَعدّونهم من الأشرار. ووصف النبأ بــــ { عَظِيمٌ } تهويل على نحو قوله تعالى:
    { عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون }
    [النبأ: 1ـــ3]. وعظمة هذا النبأ بين الأنباء من نوعه من أنباء الشر مثل قوله:
    { فساد كبير }
    [الأنفال: 73]، فتم الكلام عند قوله تعالى: { أنتم عنه معرضون }.

    فتكون جملة { ما كانَ لي مِن علم بالملأ الأعلى } إلى قوله: { نَذِيرٌ مبينٌ } استئنافاً للاستدلال على صدق النبأ بأنه وحي من الله ولولا أنه وحي لما كان للرسول صلى الله عليه وسلم قِبَل بمعرفة هذه الأحوال على حد قوله تعالى:
    { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون }
    [آل عمران: 44]، ونظائر هذا الاستدلال كثيرة في القرآن.

    وتكون جملة
    { إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً }
    [ ص: 71] إلى آخره استئنافاً ابتدائياً.

    وعلى هذا فضمير { يختصمون } عائد إلى أهل النار من قوله:
    { تخاصُمُ أهلِ النارِ }
    [ص: 64] إذ لا تخاصم بين أهل الملأ الأعلى. والمعنى: ما كان لي من علم بعالَم الغيب وما يجري فيه من الإِخبار بما سيكون إذ يَختصم أهل النار في النار يوم القيامة.....

    الجوهرة الرابعة والعشرون بعد الاربعمائة

    ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }


    قال السمين فى دره

    قوله: " مَثَلاً " منصوبٌ على التمييزِ المنقولِ من الفاعليةِ إذ الأصلُ: هل يَسْتَوي مَثَلُهما. وأُفْرد التمييزُ لأنه مقتصرٌ عليه أولاً في قولِه: { ضَرَبَ ظ±للَّهُ مَثَلاً }. وقرِئَ " مِثْلَيْن " فطابَقَ حالَيْ الرجلين. وقال الزمخشري - فيمَنْ قرأ مِثْلين -: " إنَّ الضميرَ في " يَسْتَويان " للمِثْلين؛ لأنَّ التقديرَ: مِثْلَ رجلٍ، ومثلَ رجلٍ.

    والمعنى: هل يَسْتويان فيما يَرْجِعُ إلى الوصفيَّة كما تقول: كفى بهما رجلين ".

    قال الشيخ: " والظاهرُ أنه يعود الضميرُ في " يَسْتَويان " على " رَجُلَيْن ". وأمَّا إذا جَعَلْتَه/ عائداً إلى المِثْلَيْنِ اللذيْن ذَكَرَ أنَّ التقديرَ: مِثْلَ رجلٍ ومِثْلَ رجلٍ؛ فإنَّ التمييزَ يكون إذ ذاك قد فُهِمَ من المميَّز الذي هو الضميرُ؛ إذ يصيرُ التقدير: هل يَسْتوي المِثْلان مِثْلين ". قلت: هذا لا يَضُرُّ؛ إذ التقديرُ: هل يَسْتوي المِثْلان مِثْلَيْن في الوصفيةِ فالمِثْلان الأوَّلان مَعْهودان، والثانيان جنسان مُبْهمان كما تقول: كَفَى بهما رجلَيْن؛ فإنَّ الضميرَ في " بهما " عائدٌ على ما يُراد بالرجلين فلا فَرْقَ بين المسألتين. فما كان جواباً عن " كفَى بهما رجلين " يكونُ جواباً له.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الخامسة والعشرون بعد الاربعمائة

    { وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَقِيلَ احَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اللْعَالَمِينَ }

    قال السمين في دره

    والضميرُ في " بينهم " إمَّا للملائكةِ، وإمَّا للعبادِ

    الجوهرة السادسة والعشرون بعد الاربعمائة

    وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ اللْفَسَادَ }

    قال السمين فى دره

    وقرأ نافعٌ وأبو عمروٍ وحفصٌ " يُظْهِرَ " بضم الياءِ وكسرِ الهاء مِنْ أَظْهر، وفاعلُه ضميرُ موسى عليه السلام، " الفسادَ " نصباً على المفعول به. والباقون بفتح الياء والهاء مِنْ ظهر، " الفسادُ " رفعاً بالفاعلية وزيدُ بن علي " يُظْهَرَ " مبنياً للمفعول، " الفسادُ " مرفوعٌ لقيامِه مقامَ الفاعل. ومجاهد " يَظَّهَّرَ " بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر مِنْ تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء. و " الفسادُ " رفعٌ على الفاعلية. وفتح ابن كثير ياءَ { ذَرُونِيَ أَقْتُلْ مُوسَى } وسَكَّنها الباقون

    الجوهرة السابعة والعشرون بعد الاربعمائة


    { فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }

    قال الرازي

    واعلم أن الضمير في قوله { فَرِحُواْ } يحتمل أن يكون عائداً إلى الكفار، وأن يكون عائداً إلى الرسل، أما إذا قلنا إنه عائد إلى الكفار، فذلك العلم الذي فرحوا به أي علم كان؟ وفيه وجوه الأول: أن يكون المراد الأشياء التي كانوا يسمونها بالعلم، وهي الشبهات التي حكاها الله عنهم في القرآن كقولهم
    { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ }
    [الجاثية: 24] وقولهم
    { لَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا }
    [الأنعام: 148] وقولهم
    { مَن يُحىِ الْعِظَـظ°مَ وَهِىَ رَمِيمٌ }
    [يس: 78]،
    { وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً }
    [الكهف: 36] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء، كما قال:
    { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }
    [المؤمنون: 53]، الثاني: يجوز أن يكون المراد علوم الفلاسفة، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علومهم، وعن سقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء فقيل له لو هاجرت فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا الثالث: يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى:

    { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الْحَيَوة الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الأَخِرَةِ هُمْ غَـافِلُونَ }
    [الروم: 7]،
    { ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ الْعِلْمِ }
    [النجم: 30] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة الله تعالى ومعرفة المعاد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به.*

    أما إذا قلنا الضمير عائد إلى الأنبياء ففيه وجهان الأول: أن يجعل الفرح للرسل، ومعناه أن الرسل لما رأوا من قومهم جهلاً كاملاً، وإعراضاً عن الحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم، فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم الثاني: أن يكون المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال استهزؤا بالبينات، وبما جاؤا به من علم الوحي فرحين، ويدل عليه قوله تعالى: { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ }.

    وقال ابن الجوزى فى زاد مسيره

    قوله تعالى: { فرٍحوا بما عندهم من العِلْم } في المشار إليهم قولان:

    أحدهما: [أنهم] الأُمم المكذِّبة، قاله الجمهور؛ ثم في معنى الكلام قولان.

    أحدهما: أنهم قالوا: نحن أعلم منهم لن نُْعَثُ ولن نُحَاسَبَ، قاله مجاهد.

    والثاني: فرحوا بما كان عندهم أنه عِلْم، قاله السدي.

    والقول الثاني: أنهم الرُّسل؛ والمعنى: فرح الرُّسل لمّا هلك المكذِّبون ونَجَوْا بما عندهم من العِلْم بالله إذ جاء تصديقُه، حكاه أبو سليمان وغيره.

    الجوهرة الثامنة والعشرون بعد الاربعمائة

    وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } * { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }


    قال القرطبي

    { وَمَا يُلَقَّاهَا } يعني هذه الفَعلة الكريمة والخصلة الشريفة { إِلاَّ ظ±لَّذِينَ صَبَرُواْ } بكظم الغيظ واحتمال الأذى. { وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } أي نصيب وافر من الخير؛ قاله ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد: الحظ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظ قط دون الجنة. وقيل: الكناية في «يُلَقَّاهَا» عن الجنة؛ أي ما يلقاها إلا الصابرون؛ والمعنى متقارب.

    الجوهرة التاسعة والعشرون بعد الاربعمائة

    { وَمِنْ آيَاتِهِ الَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }

    قال السمين فى الدر

    قوله: { خَلَقَهُنَّ }: في هذا الضميرِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها:/ أنه يعودُ على الأربعةِ المتعاطفةِ. وفي مجيءِ الضميرِ كضميرِ الإِناثِ - كما قال الزمخشري - هو أنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ حكمُه حكمُ الأنثى أو الإِناث نحو: " الأقلامُ بَرَيْتُها وبَرَيْتُهنَّ ". وناقشه الشيخ من حيث إنه لم يُفَرِّقْ بين جمعِ القلةِ والكثرةِ في ذلك؛ لأنَّ الأفصحَ في جمعِ القلةِ أَنْ يُعامَلَ معاملةَ الإِناثِ، وفي جمع الكثرةِ أَنْ يُعامَلَ معاملةَ الأنثى فالأفْصحُ أَنْ يُقال: الأجذاعُ كَسَرْتُهُنَّ، والجذوعُ كَسَرْتُها. والذي تقدَّمَ في هذه الآيةِ ليس بجمعِ قلةٍ أعني بلفظٍ واحدٍ، ولكنه ذكر أربعةً متعاطفةً فتنزَّلَتْ منزلَة الجمعِ المعبَّرِ به عنها بلفظٍ واحد. قلت: والزمخشري ليس في مقام بيانِ الفصيح والأفصح، بل في مقامِ كيفيةِ مجيء الضميرِ ضميرَ إناث بعد تقدُّم ثلاثةِ أشياءَ مذكَّراتٍ وواحدٍ مؤنثٍ، فالقاعدةُ تغليبُ المذكرِ على المؤنثِ، أو لمَّا قال: " ومِنْ آياته " كُنَّ في معنى الآياتِ فقيل: خلقهنَّ، ذكره الزمخشريُّ أيضاً أنه يعود على لفظ الآياتِ.

    الثالث: أنه يعودُ على الشمس والقمر؛ لأنَّ الاثنين جمعٌ، والجمعُ مؤنثٌ، ولقولهم: شموس وأقمار

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الثلاثون بعد الاربعمائة

    وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـظ°ئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }

    قال السمين فى دره:

    وقرأ ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجماعة " عَمٍ " بكسرِها منونةً اسماً منقوصاً وُصِفَ بذلك مجازاً. وقرأ عمرو بن دينار ورُوِيت عن ابن عباس " عَمِيَ " بكسر الميم وفتح الياء فعلاً ماضياً. وفي الضمير وجهان أظهرُهما: أنه للقرآن. والثاني: أنه للوَقْر والمعنى يأباه،

    وقال ابن عاشور

    وضمير { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } يتبادر أنه عائد إلى الذِّكر أو الكتاب كما عاد ضمير { هو } { لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى }. والعَمى: عدم البصر، وهو مستعار هنا لضد الاهتداء فمقابلته بالهدى فيها محسِّن الطِّباق.

    والإِسناد إلى القرآن على هذا الوجه في معاد الضمير بأنه عليهم عمًى من الإِسناد المجازي لأن عنادهم في قبوله كان سبباً لضلالهم فكان القرآن سَبَبَ سببٍ، كقوله تعالى:
    { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم }
    [التوبة: 125].

    ويجوز أن يكون ضمير { وَهُوَ } ضميرَ شأن تنبيهاً على فظاعة ضلالهم. وجملة { عَلَيهم عَمًى } خبر ضميرَ الشأن، أي وأعظم من الوقر أن عليهم عمى، أي على أبصارهم عمى كقوله:
    { وعلى أبصارهم غشاوة }
    [البقرة: 7]...

    الجوهرة الواحدة والثلاثون بعد الاربعمائة

    إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُواْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ }

    قال ابو حيان في بحره

    والظاهر أن الضمير في قالوا عائد على المنادين، لأنهم المحدث معهم. { ما منا } أحد اليوم، وقد أبصرنا وسمعنا. يشهد أن لك شريكاً، بل نحن موحدون لك، وما منا أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم، لا يبصرونها في ساعة التوبيخ. وقيل: الضمير في قالوا عائد على الشركاء، أي قالت الشركاء: { ما منا من شهيد } بما أضافوا إلينا من الشرك، وآذناك معلق لأنه بمعنى الإعلام.

    الجوهرة الثانية والثلاثون بعد الاربعمائة

    سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }

    قال الالوسي

    حَتَّى يَتَبَيَّنَ } يظهر { لَهُمْ أَنَّهُ } أي القرآن هو { ظ±لْحَقُّ } الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو الحق كله من عند الله تعالى المطلع على كل غيب وشهادة فلهذا نصر حاملوه وكانوا محقين. وفي التعريف من الفخامة ما لا يخفى جلالة وقدراً. وفيما ذكر إشارة إلى أنه تعالى لا يزال ينشيء فتحاً بعد فتح وآية غب آية إلى أن يظهر على الدين كله ولو كره المشركون فانظر إلى هذه الآية الجامعة كيف دلت على حقية القرآن على وجه تضمن حقية أهله ونصرتهم على المخالفين وأعظم بذاك تسلياً عما أشعرت به الآية السابقة من انهماكهم في الباطل إلى حد يقرب من اليأس. وقيل: الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام أو الدين أو التوحيد ولعل الأول أولى.

    الجوهرة الثالثة والثلاثون بعد الاربعمائة

    تَكَادُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَظ±لْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ظ±لأَرْضِ أَلاَ إِنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لْغَفُورُ ظ±لرَّحِيمُ }

    قال ابن عاشور

    وقوله: { من فوقهن } يجوز أن يكون ضمير { فوقهن } عائداً على { السماوات } ، فيكون المجرور متعلقاً بفعل { يتفطرن } بمعنى: أن انشقاقهن يحصل من أعلاهنّ، وذلك أبلغ الانشقاق لأنه إذا انشقّ أعلاهن كان انشقاق ما دونه أولى، كما قيل في قوله تعالى:
    { وهي خاوية على عروشها }
    كما تقدم في سورة البقرة (259) وفي سورة الحج (45). وتكون { من } ابتدائيّة.

    ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى { الأرض } من قوله تعالى:
    { وما في الأرض }
    [الشورى: 4] على تأويل الأرض بأرضين باعتبار أجزاء الكرة الأرضية أو بتأويل الأرض بسكانها من باب
    { واسْأل القرية }
    [يوسف: 82].....

    وقال الالوسي

    وقيل: الضمير للأرض أي لجنسها فيشمل السبع ولذا جمع الضمير وهو خلاف الظاهر، وقال علي بن سليمان الأخفش: الضمير للكفار والمراد من فوق الفرق والجماعات الملحدة، وبهذا الاعتبار أنث الضمير، وفي ذلك إشارة إلى أن التفطر من أجل أقوال هاتيك الجماعات، وفيه ما فيه.


    الجوهرة الرابعة والثلاثون بعد الاربعمائة

    { فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }

    قال القرطبي

    يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } أي يخلقكم وينشئكم «فِيهِ» أي في الرحم. وقيل: في البطن. وقال الفرّاء وابن كيسان: «فيه» بمعنى به. وكذلك قال الزجاج: معنى «يَذْرَوُكُمْ فِيهِ» يكثركم به؛ أي يكثركم يجعلكم أزواجاً، أي حلائل؛ لأنهن سبب النسل. وقيل: إن الهاء في «فِيهِ» للجعل، ودلّ عليه «جَعَلَ»؛ فكأنه قال: يخلقكم ويكثركم في الجعل. ظ±بن قتيبة: «يَذْرَوُكُمْ فِيهِ» أي في الزوج؛ أي يخلقكم في بطون الإناث. وقال: ويكون «فِيهِ» في الرحم، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدّم لها ذكر

    وقال السمين

    قوله: " يَذْرَؤُكُمْ فيه " يجوزُ أَنْ تكونَ " في " على بابِها. والمعنى: يُكَثِّرُكُمْ في هذا التدبير، وهو أنْ جَعَلَ للناسِ والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذُكورِهم وإناثِهم التوالُدُ. والضميرُ في " يَذرَؤُكم " للمخاطبين والأنعامِ. وغَلَّب العُقلاءَ على غيرِهم الغُيَّبِ. قال الزمخشري: " وهي/ من الأحكامِ ذاتِ العلَّتَيْن ". قال الشيخ: " وهو اصطلاحٌ غريبٌ، ويعني: أنَّ الخطابَ يُغَلَّبُ على الغَيْبة إذا اجتمعا ". ثم قال الزمخشريُّ: " فإنْ قلت: ما معنى يَذْرَؤُكم في هذا التدبيرِ؟ وهلا قيل يَذْرَؤُكم به. قلت: جُعِل هذا التدبيرُ كالمَنْبَع والمَعدِنِ للبَثِّ والتكثيرِ. ألا تَراك تقول: للحَيَوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى:
    { وَلَكُمْ فِي ظ±لْقِصَاصِ حَيَاةٌ }
    [البقرة: 179]. والثاني: أنها للسببية كالباء أي: يُكَثِّرُكم بسبِبه. والضميرُ يعودُ للجَعْلِ أو للمخلوقِ ".

    الجوهرة الخامسة والثلاثون بعد الاربعمائة

    وَالَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }
    قال السمين

    . والهاءُ في " له " تعودُ على الله أو على الرسول عليه السلام أي: مِنْ بعدِ ما استجاب الناسُ لله تعالى، أو مِنْ بعدِما استجاب اللَّهُ لرسولِه حين دعا على قومِه.

    الجوهرة السادسة والثلاثون بعد الاربعمائة

    وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }

    قال السمين

    قوله: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُواْ }: يجوزُ أَنْ يكونَ الموصولُ فاعلاً أي: يُجيبون ربَّهم إذا دعاهُمْ كقولِه:
    { ظ±سْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }
    [الأنفال: 24]. واستجابَ كأَجاب. ومنه:
    3973 ـ وداعٍ دَاع يا مَنْ يُجيب إلى النَّدى فلم يَسْتَجِبْه عند ذاكَ مُجيبُ
    ويجوزُ أَنْ تكونَ السينُ للطلب على بابِها بمعنى: ويُسْتَدْعَى المؤمنون للإِجابة عن ربِّهم بالأعمالِ الصالحة. ويجوزُ أَنْ يكونَ الموصولُ مفعولاً به، والفاعلُ مضمرٌ يعودُ على الله بمعنى: ويُجيب اللَّهُ الذين آمنوا أي: دعاهم. وقيل: ثَمَّ لامٌ مقدرةٌ أي: ويَسْتجيب الله للذين آمنوا فَحَذَفها للعِلْم بها.

    الجوهرة السابعة والثلاثون بعد الاربعمائة

    وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

    قال السمين

    قوله: { وَجَعَلَهَا }: الضميرُ المرفوعُ لإِبراهيمَ عليه السلام - وهو الظاهرُ - أو لله. والمنصوبُ لكلمة التوحيد المفهومةِ مِنْ قولِه: " إنني بَراءٌ " إلى آخره، أو لأنَّها بمنزلةِ الكلمة، فعاد الضمير على ذلك اللفظِ لأجل المَعْنِيِّ به.

    وقرئ " في عَقْبِه " بسكون القافِ. وقُرِئ " في عاقِبه " أي: وارِثه. وحميد بن قيس " كلمة " بكسر الكاف وسكون اللام.

    الجوهرة الثامنة والثلاثون بعد الاربعمائة

    وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ }

    قال السمين فى دره

    قوله: { وَلَن يَنفَعَكُمُ }: في فاعلِه قولان،

    أحدهما: أنه ملفوظٌ به، وهو " أنَّكم " وما في حَيِّزِها. التقدير: ولن يَنْفَعَكم اشتراكُكم في العذاب بالتأسِّي، كما يَنْفَعُ الاشتراكُ في مصائب الدنيا فيتأسَّى المُصاب بمثلِه. ومنه قولُ الخنساء:
    3996 ـ ولولا كَثْرَةُ الباكِيْنَ حَوْلي على إخوانِهم لقَتَلْتُ نَفْسي
    وما يَبْكُون مثلَ أخي ولكنْ أُعَزِّي النفسَ عنه بالتأسِّي

    والثاني: أنّه مضمرٌ. فقدَّره بعضُهم ضميرَ التمنِّي المدلولَ عليه بقوله: { يظ°لَيْتَ بَيْنِي } أي: لن يَنْفَعكم تَمَنِّيْكم البُعْدَ. وبعضُهم: لن ينفَعَكم اجتماعُكم. وبعضُهم: ظُلْمُكم وجَحْدُكم. وعبارةُ مَنْ عَبَّر بأنَّ الفاعلَ محذوفٌ مقصودُه الإِضمارُ المذكورُ لا الحذفُ؛ إذ الفاعلُ لا يُحْذَفُ إلاَّ في مواضعَ ليس هذا منها،*

    وعلى هذا الوجهِ يكونُ قوله: " أنَّكم " تعليلاً أي: لأنَّكم، فحذفَ الخافضَ فجرى في مَحَلِّها الخلافُ: أهو نصبٌ أم جرٌّ؟ ويؤيِّد إضمارَ الفاعلِ، لا أنَّه هو " أنَّكم " ، قراءةُ " إنكم " بالكسرِ فإنَّه/ استئنافٌ مفيدٌ للتعليلِ..

    الجوهرة التاسعة والثلاثون بعد الاربعمائة

    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ اسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }

    قال السمين فى دره

    والضميرُ في " مَحْياهم ومماتُهم " يجوزُ أَنْ يعودَ على القَبِيْلَيْنِ بمعنى: أنَّ مَحْيا المؤمنين ومماتَهم سواءٌ عند الله في الكرامةِ، ومَحْيا المجترحين ومماتَهم سواءٌ في الإِهانةِ عنده، فَلَفَّ الكلام اتِّكالاً على ذِهْنِ السَّامع وفهمِه. ويجوزُ أَنْ يعودَ على المُجْترحين فقط. أَخْبَرَ أَنَّ حالَهم في الزمانَيْن سواءٌ.

    الجوهرة الاربعون بعد الاربعمائة

    فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }

    قال الرازي

    قال تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْهُ } ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما: أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله { عَارِضاً } كما قال:
    { مَا تَرَكَ عَلَىظ° ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ }
    [فاطر: 45] ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هظ°هنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضاً وهذا اختيار الزجاج ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى ما في قوله { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضاً، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق

    الجوهرة الواحدة والاربعون بعد الاربعمائة

    { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ }

    قال السمين

    قوله: " فلَمَّا حَضَرُوْه " يجوزُ أَنْ تكونَ الهاءُ للقرآنِ، وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ للرسولِ عليه السلام، وحينئذٍ يكونُ في الكلام التفاتٌ مِنْ قولِه: " إليك " إلى الغَيْبَةِ في قولِه: " حَضَرُوه ".

    قوله: " قُضِي " العامَّةُ على بنائِه للمفعولِ أي: فَرَغَ [مِنْ] قراءةِ القرآنِ، وهو يُؤَيِّدُ عَوْدَ هاء " حَضَروه " على القرآن. وأبو مجلز. وحبيب بن عبد الله " قَضَى " مبنياً للفاعلِ أي: أتَمَّ الرسولُ قراءتَه، وهي تؤيِّدُ عَوْدَها على الرسولِ عليه السلام

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الثانية والاربعون بعد الاربعمائة

    ذَلِكَ بِأَنَّ الذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ البَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية: الضمير في قوله { أَمْثَـظ°لَهُمْ } عائد إلى من؟ فيه وجهان: أحدهما: إلى الناس كافة قال تعالى: { يَضْرِبُ ظ±للَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَـظ°لَهُمْ } على أنفسهم وثانيهما: إلى الفريقين السابقين في الذكر معناه: يضرب الله للناس أمثال الفريقين السابقين.



    الجوهرة الثالثة والاربعون بعد الاربعمائة



    أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا }

    قال السمين

    قوله: " أمثالُها " أي: أمثال العاقبةِ المتقدِّمة. وقيل: أمثال العقوبة. وقيل: التَّدْميرة. وقيل: الهَلَكة. والأولُ أَوْلَى لتقدُّم ما يعودُ عليه الضميرُ صريحاً مع صحةِ معناه.

    { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ }

    قال الرازى

    وقوله { فَلاَ نَـاصِرَ لَهُمْ } للحال والاستقبال؟ والجواب أنه محمول على الحكاية والحكاية كالحال الحاضر، ويحتمل أن يقال أهلكناهم في الدنيا فلا ناصر لهم ينصرهم ويخلصهم من العذاب الذي هم فيه، ويحتمل أن يقال قوله { فَلاَ نَـاصِرَ لَهُمْ } عائد إلى أهل قرية محمد عليه السلام كأنه قال أهلكنا من تقدم أهل قريتك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ويخلصهم مما جرى على الأولين.

    الجوهرة الرابعة والاربعون بعد الاربعمائة

    إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ }

    قال السمين

    قوله: " وأَمْلَى " العامَّةُ على " أَمْلَى " مبنياً للفاعل، وهو ضمير الشيطان. وقيل: هو للباري تعالَى. قال أبو البقاء: " على الأول يكونُ معطوفاً على الخبر، وعلى الثاني يكونُ مُسْتأنفاً ". ولا يَلْزَمُ ما قاله بل هو معطوفٌ على الخبر في كلا التقديرَيْن، أخبر عنهم بهذا وبهذا. وقرأ أبو عمروٍ في آخرين " أُمْلِيَ " مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامَ الفاعلِ الجارُّ. وقيل: القائم مَقامَه ضميرُ الشيطان، ذكره أبو البقاء، ولا معنى لذلك. وقرأ يَعْقُوبُ وسلام ومجاهد/ " وأُمْلِيْ " بضمِ الهمزةِ وكسرِ اللام وسكونِ الياءِ. فاحتملَتْ وجهَيْن، أحدُهما: أَنْ يكونَ مضارعاً مُسْنداً لضمير المتكلم أي: وأُمْلِي أنا لهم، وأَنْ يكونَ ماضياً كقراءة أبي عمروٍ سُكِّنَتْ ياؤه تخفيفاً. وقد مضى منه جملةٌ.


    وقال القرطبي

    وَأَمْلَىظ° لَهُمْ } أي مدّ لهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر؛ عن الحسن أيضاً. وقال: إن الذي أملى لهم في الأمل ومدّ في آجالهم هو الله عز وجل؛ قاله الفرّاء والمفضل. وقال الكَلْبيّ ومقاتل: إن معنى «أَمْلَى لَهُمْ» أمهلهم؛ فعلى هذا يكون الله تعالى أمْلَى لهم بالإمهال في عذابهم. وقرأ أبو عمرو وظ±بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة «وَأُمْلِي لَهُمْ» بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء؛ على ما لم يسمّ فاعله. وكذلك قرأ ابن هُرْمُز ومجاهد والجَحْدرِي ويعقوب، إلا أنهم سكّنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم؛ كأنه قال: وأنا أملي لهم. وظ±ختاره أبو حاتم، قال: لأن فتح الهمزة يُوهم أن الشيطان يملي لهم، وليس كذلك؛ فلهذا عدل إلى الضم. قال المهدويّ: ومن قرأ «وَأَمْلَى لَهُمْ» فالفاعل ظ±سم الله تعالى. وقيل الشيطان. واختار أبو عبيد قراءة العامة، قال: لأن المعنى معلوم؛ لقوله:
    { لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ }
    [الفتح: 9] ردّ التسبيح على اسم الله، والتوقير والتعزيرَ على اسم الرسول.

    الجوهرة الخامسة والاربعون بعد الاربعمائة

    { إِنَّمَا الحَيَظ°وةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ }

    قال الالوسي

    { إِنَّمَا الْحَيَوظ°ةُ ظادُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } لا ثبات لها ولا اعتداد بها { وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } أي ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها المتنافسون { وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ } عطف على الجزاء والإضافة للاستغراق، والمعنى إن تؤمنوا لا يسألكم جميع أموالكم كما يأخذ من الكافر جميع ماله، وفيه مقابلة حسنة لقوله تعالى: { يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } كأنه قيل: يعطكم كل الأجور ويسألكم بعض المال وهو ما شرعه سبحانه من الزكاة، وقول سفيان بن عيينة أي لا يسألكم كثيراً من أموالكم إنما يسألكم ربع العشر فطيبوا أنفسكم بيان لحاصل المعنى، وقيل: أي لا يسألكم ما هو مالكم حقيقة وإنما يسألكم ماله عز وجل وهو المالك لها حقيقة وهو جل شأنه المنعم عليكم بالانتفاع بها، وقيل: أي لا يسألكم أموالكم لحاجته سبحانه إليها بل ليرجع إنفاقكم إليكم،*

    وقيل: أي لا يسألكم الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة كما قال تعالى:
    { قُلْ مَا أَسْـألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ ظ±لْمُتَكَلّفِينَ }
    [ص: 86] ووجه التعليق عليها غير ظاهر وفي بعضها أيضاً ما لا يخفى.

    { إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ }

    قال السمين

    قوله: { فَيُحْفِكُمْ }: عطفٌ على الشرط و " تَبْخَلوا " جوابُ الشرط.

    قوله: " ويُخْرِجْ أَضْغانَكم " العامَّةُ على إسنادِ الفعل إلى ضميرِ فاعلٍ: إمَّا اللَّهِ تعالى أو الرسولِ أو السؤالِ؛ لأنَّه سببٌ وهو مجزومٌ عَطْفاً على جوابِ الشرط. ورُوي عن أبي عمروٍ رفعُه على الاستئنافِ. وقرأ أيضاً بفتح الياء وضمِّ الراء ورفعِ " أَضْغانُكم " فاعلاً بفعله. وابن عباس في آخرين " وتَخْرُجْ " بالتاء مِنْ فوقُ وضم الراء " أضغانُكم " فاعلٌ به. ويعقوب " ونُخْرِجْ " بنون العظمة وكسرِ الراء " أضغانَكم " نصباً.

    وقُرِئ " يُخْرَجْ " بالياء على البناء للمفعولِ " أَضْغانُكم " رفعاً به. وعيسى كذلك إلاَّ أنه نَصَبه بإضمار " أَنْ " عطفاً على مصدرٍ متوهَّمٍ أي: يَكُنْ بُخْلُكُمْ وإخراجُ أضغانِكم

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير

    ويُخْرِجْ أضغانَكم } وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن يعمر: { ويُخْرَج } بياء مرفوعه وفتح الراء { أضغانُكم } بالرفع. وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو رزين، وعكرمة، وابن السميفع، وابن محيصن، والجحدري: { وتَخْرُج } بتاء مفتوحة ورفع الراء { أضغانُكم } بالرفع. وقرأ ابن مسعود، والوليد عن يعقوب: { ونُخْرِج } بنون مرفوعة وكسر الراء { أضغانَكم } بنصب النون، أي يُظهر بُغضَكم وعداوتَكم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولكنه فرض عليكم يسيراً.

    وفيمن يضاف إِليه هذا الإِخراج وجهان:

    أحدهما: إِلى الله عز وجل.

    والثاني: البخل، حكاهما الفراء. وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، وليس بصحيح، لأنّا قد بيَّنّا أن معنى الآية: إن يسألْكم جميعَ أموالكم؛ والزكاة لا تنافي ذلك.

    الجوهرة السادسة والاربعون بعد الاربعمائة

    هُمُ الذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }

    قال السمين
    والضمير في " تَزَيَّلوا " يجوز أَنْ يعودَ على المؤمنين فقط، أو على الكافرين أو على الفريقين أي: لو تَمَيَّز هؤلاء مِنْ هؤلاء لَعَذَّبْنا

    { إِذْ جَعَلَ الذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }

    قال السمين

    قوله: " وكانوا أحَقَّ " الضميرُ يجوزُ أَنْ يعودَ على المؤمنين، وهو الظاهر أي: أحقَّ بكلمةِ التقوى من الكفار. وقيل: يعودُ على الكفار/ أي: كانت قُرَيْشٌ أَحَقَّ بها لولا حِرْمانُهم.


    وقال الالوسي

    فالذين ـ فاعل { جَعَلَ } ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة وتعليل الحكم به. والجعل إما بمعنى الإلقاء فقوله تعالى: { فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ } متعلق به أو بمعنى التصيير فهو متعلق بمحذوف هو مفعول ثان له أي جعلوا الحمية راسخة في قلوبهم ولكونها مكتسبة لهم من وجه نسب جعلها إليهم. وقال النيسابوري: يجوز أن يكون فاعل { جَعَلَ } ضمير الله تعالى و { فِي قُلُوبِهِمْ } بيان لمكان الجعل ومآل المعنى إذ جعل الله في قلوب الذين كفروا الحمية وهو كما ترى

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة السابعة والاربعون بعد الاربعمائة

    ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }

    قال الالوسي

    والفاء في { فَكَرِهْتُمُوهُ } فصيحة في جواب شرط مقدر ويقدر معه قد أي إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته، والجزائية باعتبار التبين، والضمير المنصوب للأكل / وقيل: للحم، وقيل: للميت وليس بذاك، وجوز كونه للاغتياب المفهوم مما قبل، والمعنى فاكرهوه كراهيتكم لذلك الأكل، وعبر بالماضي للمبالغة، وإذا أول بما ذكر يكون إنشاء غير محتاج لتقدير قد.

    قال الرازي

    وقوله تعالى: { فَكَرِهْتُمُوهُ } فيه مسألتان:

    المسألة الأولى: العائد إليه الضمير يحتمل وجوهاً الأول: وهو الظاهر أن يكون هو الأكل، لأن قوله تعالى: { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ } معناه أيحب أحدكم الأكل، لأن أن مع الفعل تكون للمصدر، يعني فكرهتم الأكل الثاني: أن يكون هو اللحم، أي فكرهتم اللحم الثالث: أن يكون هو الميت في قوله { مَيْتًا } وتقديره: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً متغيراً فكرهتموه، فكأنه صفة لقوله { مَيْتًا } ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير، يعني الميتة إن أكلت في الندرة لسبب كان نادراً، ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلاً، فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة.


    الجوهرة الثامنة والاربعون بعد الاربعمائة

    ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } * { بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ }

    قال ابو حيان

    والضمير في { بل عجبوا } عائد على الكفار، ويكون قوله: { فقال الكافرون } تنبيهاً على القلة الموجبة للعجب، وهو أنهم قد جبلوا على الكفر، فلذلك عجبوا. وقيل: الضمير عائد على الناس، قيل: لأن كل مفطور يعجب من بعثة بشر رسولاً من الله، لكن من وفق نظر فاهتدى وآمن، ومن خذل ضل وكفر؛

    الجوهرة التاسعة والاربعون بعد الاربعمائة


    لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }


    قال ابن الجوزى فى زاد المسير

    قوله تعالى: { لقد كنتَ } أي: ويقال له: { لقد كنتَ في غفلة من هذا } اليوم وفي المخاطَب بهذه الآيات ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنه الكافر، قاله ابن عباس، وصالح بن كيسان في آخرين.

    والثاني: أنه عامّ في البَرِّ والفاجر، قاله حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، واختاره ابن جرير.

    والثالث: أنه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ابن زيد. فعلى القول الأول يكون المعنى: لقد كنتَ في غفلة من هذا اليوم في الدنيا بكفرك به؛ وعلى الثاني: كنتَ غافلاً عن أهوال القيامة { فكَشَفْنا عنك غِطاءك } الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك.

    وقيل معناه: أريناك ما كان مستوراً عنك؛ وعلى الثالث: لقد كنتَ قبل الوحي في غفلة عمّا أُوحي إِليك، فكشفنا عنك غطاءك بالوحي { فبصرُك اليومَ حديدٌ }

    الجوهرة الخمسون بعد الاربعمائة

    يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ }

    قال السمين

    قوله: { يُؤْفَكُ عَنْهُ }: صفةٌ لقول. والضميرُ في " عنه " للقرآن، أو للرسول، أو للدِّين أو لِما تُوْعَدون أي: يُصْرَفُ عنه. وقيل: " عن " للسبب. والمأفوكُ عنه محذوفٌ، والضميرُ في " عنه " على هذا لـ " قولٍ مختلفٍ " أي: يُؤْفَكُ بسبب القولِ مَنْ أراد الإِسلام بأَنْ يقول/: هو سحرٌ، هو كِهانَةٌ. والعامَّةُ على بناء الفعلَيْن للمفعول. وقتادة وابن جبير " يُؤْفَكُ عنه مَنْ أَفَك " الأول للمفعول، والثاني للفاعل أي: يُصْرَفُ عنه مَنْ صَرَف الناسَ عنه. وزيد بن علي يَأْفَكُ مبنياً للفاعل مِنْ أفك الشيء أي: يَصْرِف الناسَ عنه مَنْ هو مأفوك في نفسه. وعنه أيضاً: " يَأْفِكُ عنه مَنْ أَفَّك " بالتشديد أي: مَنْ هو أفَّاك في نفسِه. وقُرِىء " يُؤْفَنُ عنه مَنْ أُفِنَ " بالنون فيهما أي: يَحْرِمُه مَنْ حَرَمه، مِنْ أَفِنَ الضَّرْعَ إذا نهكَه حَلْباً

    وقال الرازي

    وفيه وجوه. أحدها: أنه مدح للمؤمنين، أي يؤفك عن القول المختلف ويصرف من صرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي. وثانيها: أنه ذم معناه يؤفك عن الرسول. ثالثها: يؤفك عن القول بالحشر. رابعها: يؤفك عن القرآن، وقرىء يؤفن عنه من أفن، أي يحرم، وقرىء يؤفك عنه من أفك، أي كذب.

    وقال ابن عاشور

    وجملة { يؤفك عنه من أفك } يجوز أن تكون في محل صفة ثانية لــ { قولٍ مختلف } ، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله:
    { وإن الدين لواقع }
    [الذاريات: 6]، فتكون جملة { والسماء ذاتِ الحبك إنكم لفي قول مختلف } معترضة بين الجملة البيانية والجملة المبيَّن عنها. ثم إن لفظ { قول } يقتضي شيئاً مقولاً في شأنه فإذ لم يذكر بعد { قول } ما يدل على مقول صلَح لجميع أقوالهم التي اختلقوها في شأنه للقرآن ودعوة الإسلام كما تقدم.

    فلما جاء ضميرُ غيبة بعد لفظ { قول } احتمل أن يعود الضمير إلى { قولٍ } لأنه مذكور، وأن يعود إلى أحوال المقول في شأنه فقيل ضمير { عنه } عائد إلى { قول مختلف } وأن معنى { يؤفك عنه } يصرف بسببه، أي يصرف المصروفون عن الإيمان فتكون (عن) للتعليل كقوله تعالى:
    { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك }
    [هود: 53] وقوله تعالى:
    { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إياه }
    [التوبة: 114]، وقيل ضمير { عنه } عائد إلى
    { ما توعدون }
    [الذاريات: 22] أو عائد إلى
    { الدين }
    [الذاريات: 6]، أي الجزاء أن يؤفك عن الإيمان بالبعث والجزاء من أفك. وعن الحسن وقتادة: أنه عائد إلى القرآن أو إلى الدين، أي لأنهما مما جرى القول في شأنهما، وحرف (عن) للمجاوزة.

    الجوهرة الواحدة والخمسون بعد الاربعمائة

    وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ }

    قال السمين

    قوله: { فِيهَآ آيَةً }: يجوز أن يعود الضمير على القرية أي: تَرَكْنا في القرية علامةً كالحجارةِ أو الماء المُنْتِنِ، ويجوزُ أَنْ يعودَ على الإِهلاكةِ المفهومةِ/ من السِّياق

  6. #6
    والفاء في { فَكَرِهْتُمُوهُ } فصيحة في جواب شرط مقدر ويقدر معه قد أي إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته، والجزائية باعتبار التبين، والضمير المنصوب للأكل / وقيل: للحم، وقيل: للميت وليس بذاك، وجوز كونه للاغتياب المفهوم مما قبل، والمعنى فاكرهوه كراهيتكم لذلك الأكل، وعبر بالماضي للمبالغة، وإذا أول بما ذكر يكون إنشاء غير محتاج لتقدير قد.

    والضمير المنصوب للأكل
    قلبي الي هذا القول اميَل
    وامّا ارجاع الضمير الي الاغتياب فبعيد جدا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الثانية والخمسون بعد الاربعمائة

    وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }

    قال السمين

    وفي الضمير في " أَلَتْناهم " وجهان، أظهرهما: أنَّه عائدٌ على المؤمنين. والثاني: أنَّه عائد على أبنائهم. قيل: ويُقَوِّيه قولُه: { كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }.

    الجوهرة الثالثة والخمسون بعد الاربعمائة

    يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ }

    قال ابن عاشور

    وضمير { لا لغو فيها } عائداً إلى «كأس» ووصف الكأس بــــ { لا لغو فيها ولا تأثيم }. إن فُهم الكأس بمعنى الإِناء المعروف فهو على تقدير: لا لغو ولا تأثيم يصاحبها، فإن (في) للظرفية المجازية التي تؤوّل بالملابسة، كقوله تعالى:


    { وجاهدوا في اللَّه حق جهاده }
    [الحج: 78] وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ففيهما ـــ أي والديك ـــ فجاهد " ، أي جاهد ببرهما، أو تُأوَّل (في) بمعنى التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم " دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً "*

    وإن فهم الكأس مراداً به الخمر كانت (في) مستعارة للسببية، أي لا لغو يقع بسبب شربها. والمعنى على كلا الوجهين أنها لا يخالط شاربيها اللغوُ والإِثم بالسباب والضرب ونحوه، أي أن الخمر التي استعملت الكأس لها ليست كخمور الدنيا، ويجوز أن تكون جملة { لا لغو فيها ولا تأثيم } مستأنفة ناشئة عن جملة { يتنازعون فيها كأساً } ، ويكون ضمير { فيها } عائداً إلى { جنات } من قوله:
    { إن المتقين في جنات }
    [الطور: 17] مثل ضمير { فيها كأساً } ، فتكون في الجملة معنى التذييل لأنه إذا انتفى اللغو والتأثيم عن أن يكونا في الجنة انتفى أن يكونا في كأس شُرب أهل الجنة.

    ومثل هذين الوجهين يأتي في قوله تعالى:
    { إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً }
    في سورة النبأ (31- 32) إلى قوله:
    { لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً }
    في سورة النبأ (35).

    الجوهرة الرابعة والخمسون بعد الاربعمائة

    ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى }

    قال السمين

    قوله: { ثُمَّ يُجْزَاهُ }: يجوزُ فيه وجهان، أظهرهما: أنَّ الضميرَ المرفوعَ عائدٌ على الإِنسان، والمنصوبَ عائدٌ على سعيه. والجزاء مصدرٌ مبيِّنٌ للنوع. والثاني: قال الزمخشريُّ: " ويجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ للجزاء، ثم فَسَّره بقولِه " الجزاءَ " ، أو أبدلَه عنه كقولِه:
    { وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ }
    [الأنبياء: 3]. قال الشيخ: " وإذا كان تفسيراً للضميرِ المنصوبِ في " يُجْزاه " فعلى ماذا ينتصِبُ، وأمَّا إذا كان بدلاً فهو مِنْ بدلِ الظاهرِ/ من المضمرِ، وهي مسألةُ خلافٍ والصحيحُ المنعُ ".

    قلت: العجبُ كيف يقولُ: فعلى ماذا ينتصِبُ؟ وانتصابُه من وجهَيْن، أحدُهما: ـ وهو الظاهرُ البيِّن - أنْ يكونَ عطفَ بيانٍ، وعطفُ البيانِ يَصْدُقُ عليه أنه مُفَسِّرٌ، وهي عبارةٌ سائغةٌ شائعةٌ. والثاني: أَنْ ينتصِبَ بإضمار أَعْني، وهي عبارةٌ سائغةٌ أيضاً يُسَمُّون مثلَ ذلك تفسيراً. وقد مَنَعَ أبو البقاء أن ينتصِبَ الجزاء الأَوْفى على المصدرِ، فقال: " الجزاءَ الأوفى هو مفعولُ " يُجْزاه " وليس بمصدرٍ لأنَّه وَصَفَه بالأَوْفى، وذلك مِنْ صفةِ المَجْزِيِّ به لا من صفةِ الفعلِ ". قلت: وهذا لا يَبْعُدُ عن الغلطِ؛ لأنه يلزَمُ أَنْ يتعدَّى يُجْزى إلى ثلاثةِ مفاعيل. بيانه: أنَّ الأولَ قام مقامَ الفاعلِ، والثاني: الهاءُ التي هي ضميرُ السعي، والثالث: الجزاءَ الأوفى. وأيضاً فكيف يَنْتَظم المعنى؟ وقد يُجاب عنه: بأنه أراد أنه بدلٌ من الهاءِ كما تقدَّم نَقْلُه عن الزمخشريَّ فيَصِحُّ أَنْ يُقالَ: هو مفعولُ " يُجْزاه " ، فلا يتعدَّى لثلاثةٍ حينئذٍ، إلاَّ أنه بعيدٌ مِنْ غَرَضِه، ومثلُ هذا إلغازٌ. وأمَّا قولُه: " والأوفى ليس من صفات الفعل " ممنوعٌ، بل هو من صفاتِه مجازٌ، كما يُوْصف به المجزيُّ به مجازاً، فإن الحقيقةَ في كليهما منتفيةٌ، وإنما المُتَّصِفُ به حقيقةُ المُجازَى.

    الجوهرة الخامسة والخمسون بعد الاربعمائة

    كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ }

    قال الرازى

    وفيه وجهان أحدهما: وهو الصحيح أن الضمير عائد إلى الأرض، وهي معلومة وإن لم تكن مذكورة قال تعالى:
    { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ }
    [فاطر: 45] الآية وعلى هذا فله ترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنه تعالى لما قال:
    { وَلَهُ الْجَوَارِ المنشآت }
    [الرحمظ°ن: 24] إشارة إلى أن كل أحد يعرف ويجزم بأنه إذا كان في البحر فروحه وجسمه وماله في قبضة الله تعالى فإذا خرج إلى البر ونظر إلى الثبات الذي للأرض والتمكن الذي له فيها ينسى أمره فذكره وقال: لا فرق بين الحالتين بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وكل من على وجه الأرض فإنه كمن على وجه الماء، ولو أمعن العاقل النظر لكان رسوب الأرض الثقيلة في الماء الذي هي عليه أقرب إلى العقل من رسوب الفلك الخفيفة فيه الثاني: أن الضمير عائد إلى الجارية إلا أنه بضرورة ما قبلها كأنه تعالى قال: الجواري ولا شك في أن كل من فيها إلى الفناء أقرب، فكيف يمكنه إنكار كونه في ملك الله تعالى وهو لا يملك لنفسه في تلك الحالة نفعاً ولا ضراً، وقوله تعالى:
    { وَيَبْقَىظ° وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلْـالِ وَالإكْرَامِ }
    [الرحمظ°ن: 27] يدل على أن الصحيح الأول

    الجوهرة السادسة والخمسون بعد الاربعمائة

    إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً } * { فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً } * { عُرُباً أَتْرَاباً } * { لأَصْحَابِ الْيَمِينِ }

    قال الرازي
    وفي الإنشاء مسائل:

    المسألة الأولى: الضمير في: { أَنشَأْنَـظ°هُنَّ } عائد إلى من؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: إلى
    { حُورٌ عِينٌ }
    [الواقعة: 22] وهو بعيد لبعدهن ووقوعهن في قصة أخرى ثانيها: أن المراد من الفرش النساء والضمير عائد إليهن لقوله تعالى:
    { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ }
    [البقرة: 187]، ويقال للجارية صارت فراشاً وإذا صارت فراشاً رفع قدرها بالنسبة إلى جارية لم تصر فراشاً، وهو أقرب من الأول لكن يبعد ظاهراً لأن وصفها بالمرفوعة ينبىء عن خلاف ذلك وثالثها: أنه عائد إلى معلوم دل عليه فرش لأنه قد علم في الدنيا وفي مواضع من ذكر الآخرة، أن في الفرش حظايا تقديره وفي فرش مرفوعة حظايا منشآت وهو مثل ما ذكر في قوله تعالى:
    { قَـظ°صِرظ°تُ ظ±لطَّرْفِ }
    [الرحمظ°ن: 56] و
    { مقصورات }
    [الرحمظ°ن: 72] فهو تعالى أقام الصفة مقام الموصوف ولم يذكر نساء الآخرة بلفظ حقيقي أصلاً وإنما عرفهن بأوصافهن ولباسهن إشارة إلى صونهن وتخدرهن

    الجوهرة السابعة والخمسون بعد الاربعمائة


    لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }

    قال الرازي

    فيه مسألتان:

    المسألة الأولى: قال الواحدي هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها.

    واعلم أن أكثر المفسرين على أن (لا) ههنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون: هذه الكلمة ليست بزائدة، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه. أما القول المشهور: وهو أن هذه اللفظة زائدة، فاعلم أنه لا بد ههنا من تقديم مقدمة وهي: أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً*

    أما القول الثاني: وهو أن لفظة (لا) غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: { أَلاَّ يَقْدِرُونَ } عائد إلى الرسول وأصحابه، والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه، ثم قال: { وَأَنَّ ظ±لْفَضْلَ بِيَدِ ظ±للَّهِ } أي وليعلموا أن الفضل بيد الله، فيصير التقدير: إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله، واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في قوله: { وَأَنَّ ظ±لْفَضْلَ بِيَدِ ظ±للَّهِ } تقدير وليعتقدوا أن الفضل بيد الله وأما القول الأول: فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجد، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف، لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلاً أصلاً، أماإذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهماً للباطل، فعلمنا أن هذا القول أولى، والله أعلم.

    الجوهرة الثامنة والخمسون بعد الاربعمائة


    لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـظ°ئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـظ°ئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }

    قال السمين

    والضميرُ في " منه " للَّهِ تعالى. وقيل: يعودُ على الإِيمان؛ لأنه رُوحٌ يَحْيا به المؤمنون في الدارَيْنِ.

    الجوهرة التاسعة والخمسون بعد الاربعمائة

    هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ ياأُوْلِي الأَبْصَارِ }

    قال الرازى

    قوله تعالى: { فَأَتَـاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } في الآية مسائل:

    المسألة الأولى: في الآية وجهان الأول: أن يكون الضمير في قوله: { فَأَتَـظ°هُمُ } عائد إلى اليهود، أي فأتاهم عذاب الله وأخذهم من حيث لم يحتسبوا والثاني: أن يكون عائداً إلى المؤمنين أي فأتاهم نصر الله وتقويته من حيث لم يحتسبوا، ومعنى: لم يحتسبوا، أي لم يظنوا ولم يخطر ببالهم، وذلك بسبب أمرين أحدهما: قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة، وذلك مما أضعف قوتهم، وفتت عضدهم، وقل من شوكتهم والثاني: بما قذف في قلوبهم من الرعب.

    وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }

    قال السمين

    قوله: { حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ } فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الحاجةَ هنا على بابِها من الاحتياج، إلاَّ أنها واقعةٌ مَوْقعَ المحتاجِ إليه، والمعنَى: ولا يجدون طَلَبَ محتاجٍ إليه ممَّا أُوْتي المهاجرون من الفيء وغيِره، والمُحتاج إليه يُسَمَّى حاجةً تقول: خُذْ منه حاجتَك، وأعطاه مِنْ مالِه حاجتَه، قاله الزمشخري. فعلى هذا يكون الضميرُ الأول للجائين مِنْ بعدِ المهاجرين، وفي " أُوْتوا " للمهاجرين. والثاني: أنَّ الحاجةَ هنا مِنْ الحَسَدِ، قاله بعضُهم، والضميران على ما تقدَّم قبل. وقال أبو البقاء: مَسَّ حاجةٍ، أي: إنه حُذِف المضافُ للعلم به، وعلى هذا فالضميران للذين تبوَّؤوا الدارَ والإِيمان.

  8. #8
    [quote=اسامة محمد خيري;121369]الجوهرة الثانية والخمسون بعد الاربعمائة

    وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }

    قال السمين

    وفي الضمير في " أَلَتْناهم " وجهان، أظهرهما: أنَّه عائدٌ على المؤمنين. والثاني: أنَّه عائد على أبنائهم. قيل: ويُقَوِّيه قولُه: { كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }.

    قلت
    نعم اظهر الوجهين ان الضمير عائد علي المؤمنين والثاني بعيد وان كان قريبا من الضمير
    لأن قاعدة رجوع الضمير الي اقرب مرجع أغلبيّ لا كليّ
    والله اعلم

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الستون بعد الاربعمائة

    وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }


    قال الالوسي

    { فَنَفَخْنَا فِيهِ } النافخ رسوله تعالى وهو جبريل عليه السلام فالإسناد مجازي، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي فنفخ رسولنا، وضمير { فِيهِ } للفرج، واشتهر أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج. وروي ذلك عن قتادة، وقال الفراء: ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها وهو محتمل لأن الفرج معناه في اللغة كل فرجة بين الشيئين، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها فهي للنفس أمنع، وفي «مجمع البيان» عن الفراء أن المراد منعت جيب درعها عن جبريل عليه السلام، وكان ذلك على ما قيل: قولها
    { إِنّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَـظ°نِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً }
    [مريم: 18] وأفاد كلام البعض أن { أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } على ما نقل أولاً عن الفراء كناية عن العفة نحو قولهم: هو نقي الجيب طاهر الذيل. وجوز في ضمير { فِيهِ } رجوعه إلى الحمل، وهو عيسى عليه السلام المشعر به الكلام، وقرأ عبد الله ـ فيها ـ كما في الأنبياء [91] فالضمير لمريم.

    الجوهرة الواحدة و الستون بعد الاربعمائة

    وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَظ°هَا رُجُوماً لِّلشَّيَظ°طِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ }

    قال السمين:

    و " جَعَلْناها " يجوزُ في الضميرِ وجهان، أحدُهما: أنه عائدٌ على " مَصابيحَ " وهو الظاهر. قيل: وكيفيةُ الرَّجْم: أَنْ يُؤْخَذَ نارٌ من ضوءِ الكوكبِ، يُرْمى به الشيطانُ والكوكبُ في مكانِه لا يُرْجَمُ به. والثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ على السماء والمعنى: منها، لأنَّ السماءَ ذاتَها ليست للرُّجوم، قاله الشيخ. وفيه نظرٌ لعدمِ ظهورِ عَوْدِ الضميرِ على السماءِ. والرُّجوم: جمعُ رَجْم وهو مصدرٌ في الأصل، أُطْلِقَ على المَرْجوم به كضَرْبِ الأميرِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ باقياً على مصدريتِه، ويُقَدَّرُ مُضافٌ أي: ذاتُ رُجوم. وجَمْعُ المصدرِ باعتبارِ أنواعِه، فعلى الأولِ يتعلَّقُ قولُه: " للشياطين " بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ رُجوماً، وعلى الثاني لا تعلُّقَ له لأنَّ اللامَ مزيدةٌ في المفعول به، وفيه دلالةٌ حينئذٍ على إعمالِ المصدرِ منوناً مجموعاً. ويجوزُ أَنْ يكونَ صفةً له أيضاً كالأولِ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. وقيل: الرُّجومُ هنا: الظنونُ والشياطينُ شياطينُ الإِنْسِ، كما قال:
    4283ـ........................ وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ

    الجوهرة الثانية و الستون بعد الاربعمائة


    إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ }

    قال الالوسي

    قوله تعالى: { إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ } أي للذي تختارونه وتشتهونه، يقال تخير الشيء واختاره أخذ خيره، وشاع في أخذ ما يريده مطلقاً مفعول
    { تَدْرُسُونَ }
    [القلم: 37] إذ هو المدروس فهو واقع موقع المفرد وأصله أن لكم فيه ما تخيرون بفتح همزة (أن) وترك اللام في خبرها فلما جىء باللام كسرت الهمزة وعلق الفعل عن العمل ومن هنا قيل إنه لا بد من تضمين
    { تَدْرُسُونَ }
    [القلم: 37] معنى العلم ليجري فيه العمل في الجمل والتعليق. وجوز أن يكون هذا حكاية للمدروس كما هو عليه فيكون بعينه لفظ الكتاب من غير تحويل من الفتح للكسر. وضمير { فِيهِ } على الأول للكتاب وأعيد للتأكيد وعلى هذا يعود لأمرهم أو للحكم فيكون محصل ما خط في الكتاب أن الحكم أو الأمر مفوض لهم فسقط قول صاحب «التقريب» أن لفظ { فِيهِ } لا يساعده للاستغناء بفيه أولاً من غير حاجة إلى جعل ضمير { فِيهِ } ليوم القيامة بقرينة المقام أو للمكان المدلول عليه بقوله تعالى
    { عِندَ رَبْهِمْ }
    [القلم: 34] وعلى الاستئناف هو للحكم أيضاً وجوز الوقف على { تَدْرُسُونَ } على أن قوله تعالى: { إِنَّ لَكُمْ } الخ استئناف على معنى إن كان لكم كتاب فلكم فيه ما تتخيرون وهو كما ترى والظاهر ان
    { أَمْ لَكُمْ }
    [القلم: 37] الخ مقابل لما قبله نظراً لحاصل المعنى إذ محصله أفسد عقلكم حتى حكمتكم بهذا أم جاءكم كتاب / فيه تخييركم وتفويض الأمر إليكم

    الجوهرة الثالثة و الستون بعد الاربعمائة


    سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }


    قال الالوسي

    { فِيهَا } أي في الأيام والليالي، وقيل في مهاب الريح وقيل في ديارهم والأول أظهر*

    الجوهرة الرابعة و الستون بعد الاربعمائة

    لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ }

    قال الرازى

    قوله تعالى: { لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً } الضمير في قوله: { لِنَجْعَلَهَا } إلى ماذا يرجع؟ فيه وجهان: الأول: قال الزجاج إنه عائد إلى الواقعة التي هي معلومة، وإن كانت ههنا غير مذكورة، والتقدير لنجعل نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة عظة وعبرة الثاني: قال الفراء: لنجعل السفينة، وهذا ضعيف والأول هو الصواب، ويدل على صحته قوله: { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعِيَةٌ } فالضمير في قوله: { وَتَعِيَهَا } عائد إلى ما عاد إليه الضمير الأول، لكن الضمير في قوله: { وَتَعِيَهَا } لا يمكن عوده إلى السفينة فكذا الضمير الأول

    الجوهرة الخامسة و الستون بعد الاربعمائة

    وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَآ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }


    قال الالوسي

    عَلَىظ° أَرْجَائِهَا } أي جوانبها جمع رجى بالقصر وهو من ذوات الواو ولذا برزت في التثنية قال الشاعر:
    كأن لم ترى قبلي أسيراً مقيداً ولا رجلاً يرمي به الرجوان
    والضمير للسماء، ...

    وفي «البحر» عن ابن جبير والضحاك أن ضمير { أَرْجَائِهَا } للأرض وإن بعد ذكرها قالا إنهم ينزلون إليها يحفظون أطرافها كما روى أن الله تعالى يأمر ملائكة السماء الدنيا فيقفون صفاً على حافات الأرض ثم ملائكة الثانية فيصفون حولهم ثم ملائكة كل سماء فكلما ند أحد من الجن والإنس وجد الأرض أحيط بها ولعل ما نقلناه عنهما أولى بالاعتماد.

    { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ } أي فوق الملائكة الذين على الأرجاء المدلول عليهم بالملك، وقيل فوق العالم كلهم، وقيل الضمير يعود على الملائكة الحاملين أي يحمل عرش ربك فوق ظهورهم أو رؤسهم { يَوْمَئِذٍ ثَمَـظ°نِيَةٌ } والمرجع وإن تأخر لفظاً لكنه متقدم رتبة.

    الجوهرة السادسة و الستون بعد الاربعمائة


    يالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ }

    قال الرازى

    الضمير في { يا ليتها } إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان الأول: إلى الموتة الأولى، وهي وإن لم تكن مذكورة إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة والقاضية القاطعة عن الحياة. وفيها إشارة إلى الإنتهاء والفراغ، قال تعالى:
    { فَإِذَا قُضِيَتِ }
    [الجمعة: 10] ويقال: قضى على فلان، أي مات فالمعنى يا ليت الموتة التي متها كانت القاطعة لأمري، فلم أبعث بعدها، ولم ألق ما وصلت إليه، قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت، وشر من الموت ما يطلب له الموت، قال الشاعر:
    وشر من الموت الذي إن لقيته تمنيت منه الموت والموت أعظم
    والثاني: أنه عائد إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته فتمناه عندها

    الجوهرة السابعة و الستون بعد الاربعمائة


    وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكَافِرِينَ }

    قال الرازى

    الضمير في قوله: { إِنَّهُ } إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان: الأول: أنه عائد إلى القرآن، فكأنه قيل: وإن القرآن لحسرة على الكافرين. إما يوم القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين به، أو في دار الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين والثاني: قال مقاتل: وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم، ودل عليه قوله:
    { وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ }
    [الحاقة: 49].

    فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ }

    قال الالوسي

    { فَمَا مِنكُم } أيها الناس { مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ } أي عن هذا الفعل وهو القتل { حَـظ°جِزِينَ } أي مانعين يعني فما يمنع أحد عن قتله واستظهر عود ضمير (عنه) لمن عاد عليه ضمير
    { تَقَوَّلَ }
    [الحاقة: 44] والمعنى فما يحول أحد بيننا وبينه

    الجوهرة الثامنة و الستون بعد الاربعمائة


    يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ } * { وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ } * { وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ } * { وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { يُبَصَّرُونَهُمْ } أي يرونهم. وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس. فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله ولا يكلمه؛ لاشتغالهم بأنفسهم. وقال ابن عباس: يتعارفون ساعة ثم لا يتعارفون بعد تلك الساعة. وفي بعض الأخبار: أن أهل القيامة يفِرّون من المعارف مخافة المظالم. وقال ابن عباس أيضاً: { يُبَصَّرُونَهُمْ } يبصر بعضهم بعضاً فيتعارفون ثم يفرّ بعضهم من بعض. فالضمير في { يُبَصَّرُونَهُمْ } على هذا للكفار، والميم للأقرباء. وقال مجاهد: المعنى يبصّر الله المؤمنين الكفار في يوم القيامة؛ فالضمير في يبصرونهم للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. ابن زيد: المعنى يبصر الله الكفار في النار الذين أضلّوهم في الدنيا؛ فالضمير في «يُبَصَّرُونَهُمْ» للتابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقيل: إنه يبصر المظلوم ظالمه والمقتول قاتله وقيل «يبصرونهم» يرجع إلى الملائكة؛ أي يعرفون أحوال الناس فيسوقون كلّ فريق إلى ما يليق بهم. وتم الكلام عند قوله: { يُبَصَّرُونَهُمْ }. ثم قال: { يَوَدُّ الْمُجْرِمُ*

    الجوهرة التاسعة و الستون بعد الاربعمائة

    وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ }

    قال الالوسي

    { وَمَن فِى الأَرْضِ جَمِيعاً } من الثقلين الإنس والجن أو الخلائق الشاملة لهم ولغيرهم و(مَنْ) للتغليب { ثُمَّ يُنجِيهِ } عطف على
    { يَفْتَدِي }
    [المعارج: 11] والضمير المرفوع للمصدر الذي في ضمن الفعل أي يود لو يفتدي ثم لو ينجيه الافتداء وجوز أبو حيان عود الضمير إلى المذكور والزمخشري عوده إلى { مَن فِي الأَرْضِ } و (ثم) لاستبعاد الإنجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك وهيهات

    (وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً)

    قال الرازى

    واعلم أن نوحاً لما حكى عنهم أنهم قالوا لأتباعهم: { لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ } قال: { وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً } فيه وجهان: الأول: أولئك الرؤساء قد أضلوا كثيراً قبل هؤلاء الموصين (بأن يتمسكوا) بعبادة الأصنام وليس هذا أول مرة اشتغلوا بالإضلال الثاني: يجوز أن يكون الضمير عائداً إلى الأصنام، كقوله:
    { إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ النَّاسِ }
    [إبراهيم: 36] وأجرى الأصنام على هذا القول مجرى الآدميين كقوله:
    { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ }
    [الأعراف:195]،

    الجوهرة السبعون بعد الاربعمائة

    وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً } * { لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً }


    قال الرازى

    المسألة الثانية: الضمير في قوله: { اسْتَقَـامُواْ } إلى من يرجع؟ فيه قولان: قال بعضهم: إلى الجن الذين تقدم ذكرهم ووصفهم، أي هؤلاء القاسطون لو آمنا لفعلنا بهم كذا وكذا. وقال آخرون: بل المراد الإنس، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أن الترغيب بالانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بالإنس لا بالجن والثاني: أن هذه الآية إنما نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سنين، أقصى ما في الباب أنه لم يتقدم ذكر الإنس، ولكنه لما كان ذلك معلوماً جرى مجرى قوله:
    { إِنَّا أَنزَلْنَـاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ }
    [القدر: 1] وقال القاضي: الأقرب أن الكل يدخلون فيه. وأقول: يمكن أن يحتج لصحة قول القاضي بأنه تعالى لما أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة، وجب أن يعم الحكم بعموم العلة.

    المسألة الثالثة: الغدق بفتح الدال وكسرها: الماء الكثير، وقرىء بهما يقال: غدقت العين بالكسر فهي غدقة، وروضة مغدقة أي كثيرة الماء، ومطر مغدوق وغيداق وغيدق إذا كان كثير الماء، وفي المراد بالماء الغدق في هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغيث والمطر، والثاني: وهو قول أبي مسلم: أنه إشارة إلى الجنة كما قال:
    { جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَـارُ }
    [البقرة:25] وثالثها: أنه المنافع والخيرات جعل الماء كناية عنها، لأن الماء أصل الخيرات كلها في الدنيا.

    المسألة الرابعة: إن قلنا: الضمير في قوله: { اسْتَقَـظ°مُواْ } راجع إلى الجن كان في الآية قولان: أحدهما: لو استقام الجن على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، ونظيره قوله تعالى:
    { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَـظ°بِ ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ }
    [المائدة: 65] وقوله:
    { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ }
    [المائدة: 66] وقوله:
    { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ }
    [الطلاق: 2، 3] وقوله:
    { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ }
    إلى قوله
    { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ }
    [نوح: 12] وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع، فإن اللائق بالجن هو هذا الماء المشروب والثاني: أن يكون المعنى وأن لو استقام الجن الذين سمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق، ونظيره قوله تعالى:
    { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَـظ°نِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ }

    [الزخرف: 33] واختار الزجاج الوجه الأول قال: لأنه تعالى ذكر الطريقة معرفة بالألف واللام فتكون راجعة إلى الطريقة المعروفة المشهورة وهي طريقة الهدى والذاهبون إلى التأويل الثاني استدلوا عليه بقوله بعد هذه الآية { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } فهو كقوله:
    { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }
    [آل عمران: 178] ويمكن الجواب عنه أن من آمن فأنعم الله عليه كان ذلك الإنعام أيضاً ابتلاء واختباراً حتى يظهر أنه هل يشتغل بالشكر أم لا، وهل ينفقه في طلب مراضي الله أو في مراضي الشهوة والشيطان، وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس، فالوجهان عائدان فيه بعينه وههنا يكون إجراء قوله: { لأَسْقَيْنَـاهُم مَّاء غَدَقاً } على ظاهره أولى لأن انتفاع الإنس بذلك أتم وأكمل.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الواحدة والسبعون بعد الاربعمائة

    عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } * { وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلَظ°ئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ }

    قال القرطبي

    " قوله تعالى: { وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } يعني الدلائل والحجج والقرآن. وقيل: { وَمَا هِيَ } أي وما هذه النار التي هي سقر { إِلاَّ ذِكْرَىظ° } أي عظةٌ { لِلْبَشَرِ } أي للخلق. وقيل: نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة. قاله الزجاج. وقيل: أي ما هذه العِدّة { إِلاَّ ذِكْرَىظ° لِلْبَشَرِ } أي لتذكروا ويعلموا كمالَ قدرة الله تعالى، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار؛ فالكناية على هذا في قوله تعالى: { وَمَا هِيَ } ترجع إلى الجنود؛ لأنه أقرب مذكور


    الجوهرة الثانية والسبعون بعد الاربعمائة


    بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }


    قال السمين فى الدر

    والضميرُ في " أمامَه " الظاهر عَوْدُه على الإِنسان. وقال ابن عباس: " يعودُ على يوم القيامة بمعنى: أنه يريد شهواتِه ليَفْجُرَ في تكذيبِه بالبعث بين يَدَيْ يومِ القيامة ".

    وقال البقاعى فى نظم الدرر

    ويجوز أن يعود الضمير على الله تعالى ليكون المعنى: ليعمل الفجور بين يدي الله تعالى وبمرأىً منه ومسمع ويطمع في أن لا يؤاخذه بذلك أو يجازيه بفجوره،


    الجوهرة الثالثة والسبعون بعد الاربعمائة

    فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } * { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } * { كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ظ±لْعَاجِلَةَ } * { وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ } * { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } * { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } * { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ }

    قال البقاعى فى نظم الدرر

    ولما نهاه أمره فقال: { فإذا قرأناه } أي أقدرنا جبريل عليه الصلاة والسلام على تأديته إليك كما حملناه إياه بما لنا من العظمة وعلى حسبها { فاتبع } أي بغاية جهدك بإلقاء سمعك وإحضار ذهنك { قرآنه * } أي قراءته مجموعة على حسب ما أداه إليك رسولنا وجمعناه لك في صدرك، وكرر تلاوته حتى يصير لك به ملكة عظيمة واعمل به حتى يصير لك خلقاً فيكون قائدك إلى كل خير، فالضمير يجوز أن يكون للقرآن، يكون القرآن هنا بمعنى القراءة، عبر به عنها تعظيماً لها، أي اتبع قراءة القرآن أي قراءة جبريل عليه السلام له، ولو كان على بابه لم يكن محذوراً، فإن المراد به خاص وبالضمير عام، ويجوز أن يكون الضمير لجبريل عليه السلام أي اتبع قراءته ولا تراسله

    الجوهرة الرابعة والسبعون بعد الاربعمائة

    كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ } * { وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ }


    قال الالوسي فى ضمير لاتحرك به :

    ثم إنه ربما يتخيل في الآية وجه غير ما ذكر عن القفال الربط عليه ظاهر أيضاً وهو أنه يكون الخطاب في { لاَ تُحَرِّكْ } الخ لسيد المخاطبين حقيقة أو من باب إياك أعني واسمعي أو لكل من يصلح له وضمير { بِهِ } ونظائره ليوم القيامة والجملة اعتراض جيء به لتأكيد تهويله وتفظيعه مع تقاضي السباق له فكأنه لما ذكر سبحانه مما يتعلق بذلك اليوم الذي فتحت السورة بإعظامه ما يتعلق قوي داعي السؤال عن توقيته وأنه متى يكون وفي أي وقت يبين لا سيما وقد استشعر أن السؤال عن ذلك إذا لم يكن استهزاء مما لا بأس به فقيل { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ } أي بطلب توقيته { لِسَانَكَ } وهو نهي عن السؤال على أتم وجه كما يقال لا تفتح فمك في أمر فلان { لِتَعْجَلَ بِهِ } لتحصل علمه على عجلة { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } ما يكون فيه من الجمع { وَقُرْآنَهُ } ما يتضمن شرح أحواله وأهواله من القرآن { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } قرأنا ما يتعلق به { فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } بالعمل بما يقتضيه من الاستعداد له { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } إظهاره وقوعاً بالنفخ في الصور وهو الطامة الكبرى، وحاصله لا تسأل عن توقيت ذلك اليوم العظيم مستعجلاً معرفة ذلك فإن الواجب علينا حكمة حشر الجمع فيه وإنزال قرآن يتضمن بيان أحواله ليستعد له وإظهاره بالوقوع الذي هو الداهية العظمى وما عدا ذلك من تعيين وقته فلا يجب علينا حكمة بل هو مناف للحكمة فإذا سألت فقد سألت ما ينافيها فلا تجاب انتهى وفيه ما فيه وما كنت أذكره لولا هذا التنبيه. واللائق بجزالة التنزيل ولطيف إشاراته ما أشار إليه ذو اليد الطولى جار الله تجاوز الله تعالى عن تقصيراته فتأمل فلا حجر على فضل الله عز وجل.

    الجوهرة الخامسة والسبعون بعد الاربعمائة

    قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً }


    قال السمين

    قوله: { قَدَّرُوهَا } صفةٌ لـ " قواريرَ ". والواو في " قَدَّروها " فيه وجهان، أحدهما: أنَّه للمُطافِ عليهم. ومعنى تقديرهم إياها: أنهم قَدَّروها في أنفسِهم أَنْ تكونَ على مقاديرَ وأشكالٍ على حَسَبِ شَهَواتِهم، فجاءَتْ كما قَدَّروا.

    والثاني: أنَّ الواو للطائفين للدلالةِ عليهم، مِنْ قولِه تعالى: " ويُطافُ " والمعنى: أنهم قَدَّروا شرابَها على قَدْر رِيِّ الشَّارِب، وهو ألذُّ الشرابِ لكونِه على مِقْدارِ حاجتِه لا يَفْضُل عنها ولا يَعْجِزُ، قاله الزمخشري. وجَوَّزَ أبو البقاء أَنْ تكونَ الجملةُ مستأنفةً.

    الجوهرة السادسة والسبعون بعد الاربعمائة

    عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا اْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }

    قال السمين فى الدر

    قوله: { عَالِيَهُمْ }: قرأ نافعٌ وحمزةٌ بسكونِ الياءِ وكسرِ الهاء، والباقون بفتح الياءِ وضَمِّ الهاء. لَمَّا سَكَنَتِ الياءُ كُسِرَتْ الهاءُ، ولَمَّا تَحَرَّكَتْ ضُمَّت على ما تَقَرَّرَ في هاءِ الكنايةِ أولَ هذا الموضوعِ. فإمَّا قراءةُ نافعٍ وحمزةَ ففيها أوجهٌ، أظهرُها: أَنْ تكونَ خبراً مقدَّماً. و " ثيابُ " مبتدأٌ مؤخرٌ، والثاني: أنَّ " عالِيْهم " مبتدأ و " ثيابُ " مرفوعٌ على جهةِ الفاعلية، وإنْ لم يعتمد الوصفُ، وهذا قولُ الأخفشِ.

    والثالث: أنَّ " عالِيْهم " منصوبٌ، وإنما سُكِّن تخفيفاً، قاله أبو البقاء. وإذا كان منصوباً فسيأتي فيه أوجهٌ، وهي وارِدَة هنا؛ إلاَّ أنَّ تقديرَ الفتحةِ من المنقوصِ لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ أو شذوذٍ، وهذه القراءةُ متواترةٌ فلا ينبغي أَنْ يُقالَ به فيها.

    وأمَّا قراءةُ مَنْ نَصَبَ ففيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه ظرفٌ خبراً مقدماً، و " ثيابُ " مبتدأٌ مؤخرٌ كأنه قيل: فوقَهم ثيابُ. قال أبو البقاء: " لأنَّ عالِيَهم بمعنى فَوْقَهم. وقال ابن عطية: " ويجوز في النصبِ أَنْ تكونَ على الظرف لأنَّه بمعنى فوقهم ". قال الشيخ: " وعالٍ وعالية اسمُ فاعلٍ، فيحتاج في [إثبات] كونِهما ظرفَيْن إلى أَنْ يكونَ منقولاً مِنْ كلامِ العرب: عالِيَك أو عاليتُك ثوبُ ". قلت: قد وَرَدَتْ ألفاظٌ مِنْ صيغةِ أسماءِ الفاعِلِيْن ظروفاً نحو: خارجَ الدار وداخلَها وباطنَها وظاهرَها. تقول: جلَسْتُ خارج الدارِ، وكذلك البواقي فكذلك هذا.

    الثاني: أنَّه حالٌ من الضمير في
    { عَلَيْهِمْ }
    [الإِنسان: 19]. الثالث: أنه حالٌ مِنْ مفعولِ
    { حَسِبْتَهُمْ }
    [الإِنسان: 19]. الرابع: أنه حالٌ مِنْ مضافٍ مقدرٍ، أي: رَأَيْتَ أهلَ نعيم ومُلكٍ كبير عالَيهم. فـ " عاليَهم " حالٌ مِنْ " أهل " المقدرِ. ذكرَ هذه الأجهَ الثلاثةَ الزمخشريُّ فإنه قال: " وعاليَهم بالنصبِ على أنَّه حالٌ من الضميرِ في " يَطوف عليهم " أو في " حَسِبْتَهم " ، أي: يطوفُ عليهم وِلْدانٌ عالياً للمَطوفِ عليهم ثيابٌ، أو حَسِبْتَهم لؤلؤاً عاليَهم ثيابٌ. ويجوزُ أَنْ يراد: [رأيت] أهلَ نعيم ". قال الشيخ: " أمَّأ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في " حَسِبْتَهم " فإنه لا يعني إلاَّ ضمير المفعول، وهو لا يعودُ إلاَّ على " وِلدانٌ " ولذلك قدَّر " عاليَهم " بقوله: " عالياً لهم " ، أي: للوِلْدان. وهذا لا يَصْلُحُ؛ لأنَّ الضمائر الآتية بعد ذلك تَدُلُّ على أنها للمَطوفِ عليهم مِنْ قوله: " وحُلُّوا " و " سَقاهم " و { إِنَّ هَـظ°ذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً } وفَكُّ الضمائر وَجَعْلُ هذا لذا، وهذا لذا، مع عدمِ الاحتياجِ والاضطرارِ إلى ذلك، لا يجوزُ..

    الجوهرة السابعة والسبعون بعد الاربعمائة


    لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً } * { لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً*

    قال القرطبي

    وقيل: المعنى «لابِثِين فِيها أحقابا» أي في الأرض، إذ قد تقدم ذكرها ويكون الضمير في «لا يذوقون فِيها بردا ولا شراباً» لجهنم. وقيل: واحد الأحقاب حُقُب وحِقْبَةً؛ قال:
    فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِهَا فَأنتَ بِما أَحْدَثْتَهُ بِالمُجَرَّبِ
    وقال الكميت:
    مَـرّ لهـا بعـد حِقبـةٍ حِقَبُ
    قوله تعالى: { لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا } أي في الأحقاب*

    وقال ابن عاشور

    { لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً } * { إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً } * { جَزَآءً وِفَاقاً }

    هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً ثانية من
    { الطاغين }
    [النبأ: 22] أو حالاً أولى من الضمير في
    { لابثين }
    [النبأ: 23] وأن تكون خبراً ثالثاً: لــــ
    { كانت مرصاداً }
    [النبأ: 21].

    وضمير { فيها } على هذه الوجوه عائد إلى
    { جهنم }
    [النبأ: 21].

    ويجوز أن تكون صفة لــــ
    { أحقاباً }
    [النبأ: 23]، أي لا يذوقون في تلك الأحقاب برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً. فضمير { فيها } على هذا الوجه عائد إلى الأحقاب.

    الجوهرة الثامنة والسبعون بعد الاربعمائة

    يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً }

    قال الرازى

    في الآية سؤالان:

    الأول: الضمير في قوله: { فِيهَا } إلى ماذا يعود؟ الجواب فيه قولان الأول: أنها ترجع إلى الكأس، أي لا يجري بينهم لغو في الكأس التي يشربونها، وذلك لأن أهل الشراب في الدنيا يتكلمون بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم، ولم يتكلموا بلغو والثاني: أن الكناية ترجع إلى الجنة، أي لا يسمعون في الجنة شيئاً يكرهونه

    الجوهرة التاسعة والسبعون بعد الاربعمائة


    رَّبِّ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَـنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً }

    قال الرازى

    المسألة الثانية: الضمير في قوله: { ويملكون } إلى من يرجع؟ فيه ثلاثة أقوال: الأول: نقل عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشركين يريد لا يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون يقبل الله ذلك منهم والثاني: قال القاضي: إنه راجع إلى المؤمنين، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون أن يخاطبوا الله في أمر من الأمور، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور، ثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل، وأن الثواب الذي أوصله المؤمنين عدل، وأنه ما يخسر حقهم، فبأي سبب يخاطبونه، وهذا القول أقرب من الأول لأن الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار والثالث: أنه ضمير لأهل السموات والأرض، وهذا هو الصواب، فإن أحداً من المخلوقين لا يملك مخاطبة الله ومكالمته. وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة على هذا الكلام ...

    الجوهرة الثمانون بعد الاربعمائة

    كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ } * { فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ }

    قال ابن عاشور

    وضمير { إنها } عائد إلى الدعوة التي تضمنها قوله:
    { فأنت له تصَّدَّى }
    [عبس: 6].

    ويجوز أن يَكون المعنى: أن هذه الموعظة تذكرة لك وتنبيه لما غفلت عنه وليست ملاماً وإنما يعاتب الحبيبُ حبيبَه.

    ويجوز عندي أن يكون { كلا إنها تذكرة } استئنافاً ابتدائياً موجهاً إلى من كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه قُبيل نزول السورة فإنه كان يَعرض القرآن على الوليد بن المغيرة ومَن معه، وكانوا لا يستجيبون إلى ما دعاهم ولا يصدقون بالبعث، فتكون (كلاّ) إبطالاً لما نَعتوا به القرآن من أنه أساطير الأولين أو نحوِ ذلك.

    فيكون ضمير { إنها تذكرة } عائداً إلى الآيات التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في ذلك المجلس ثم أعيد عليها الضمير بالتذكير للتنبيه على أن المراد آيات القرآن.

    ويؤيد هذا الوجهَ قولُه تعالى عَقبه:
    { قُتل الإنسانُ ما أكفره }
    [عبس: 17] الآيات حيث ساق لهم أدلة إثبات البعث.

    فكان تأنيث الضمير نكتةً خصوصية لتحميل الكلام هذه المعاني.

    والضمير الظاهر في قوله: { ذكره } يجوز أن يعود إلى { تذكرة } لأن مَا صَدْقَها القرآن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرضه على صناديد قريش قُبيل نزول هذه السورة، أي فمن شاء ذكَرَ القرآن وعمل به.

    ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى الله تعالى فإن إعادة ضمير الغيبة على الله تعالى دون ذِكر معاده في الكلام كثير في القرآن لأن شؤونه تعالى وأحكامه نزل القرآن لأجلها فهو ملحوظ لكل سامع للقرآن، أي فمن شاء ذكر الله وتوخّى مرضاته.

    ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ }

    قال السمين فى دره

    قوله: { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ }: يجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ للإِنسانِ. والسبيل ظرفٌ، أي: يَسَّر للإِنسان الطريقَ، أي: طريق الخيرِ والشرِّ كقولِه:
    { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ }
    [البلد: 10]. وقال أبو البقاء: " ويجوز أن ينتصِبَ بأنه مفعولٌ ثانٍ لـ يَسَّره، والهاء للإِنسان، أي: يَسَّره السبيلَ، أي: هداه له ". قلت: فلا بُدَّ مْن تضمينِه معنى أَعْطى حتى يَنْصِبَ اثنين، أو يُحْذفُ حرفُ الجرِّ، أي: يَسَّره للسبيل، ولذلك قَدَّره بقولِه: هداه له. ويجوزُ أَنْ يكون " السبيل " منصوباً على الاشتغال بفعلٍ مقدرٍ، والضميرُ له، تقديره: ثم يَسَّر السبيلَ يَسَّره، أي: سَهَّله للناسِ كقوله:
    { أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }
    [طه: 50]، وتقدَّم مثلُه في قولِه:
    { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ }
    [الإِنسان: 3].

    وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ }

    قال السمين فى دره

    قوله: { كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ }: رُسِمتا في المصحفِ بغير ألفٍ بعد الواوِ في الفعلَيْن، فمِنْ ثَمَّ اختلفَ الناسُ في " هم " على وجهين، أحدهما: هو ضميرُ نصبٍ، فيكونُ مفعولاً به، ويعودُ على الناس، أي: وإذا كالُوا الناسَ، أو وَزَنوا الناسَ. وعلى هذا فالأصلُ في هذَيْن الفعلَيْن التعدِّي لاثنين، لأحدِهما بنفسِه بلا خِلافٍ، وللآخرِ بحرفِ الجرِّ، ويجوزُ حَذْفُه. وهل كلٌّ منهما أصلٌ بنفسِه، أو أحدُهما أصلٌ للآخر؟ خلافٌ مشهورٌ. والتقدير: وإذا كالوا لهم طعاماً أو وَزَنُوه لهم، فحُذِف الحرفُ والمفعولُ المُسَرَّح. وأنشد الزمخشريُّ:
    4513ـ ولقد جَنَيْتُكَ أَكْمُؤاً وعَساقِلاً ولقد نَهْيْتُك عَن بناتِ الأَوْبَرِ
    أي: جَنَيْتُ لك. والثاني: أنه ضميرُ رفعٍ مؤكِّدٍ للواو. والضميرُ عائدٌ على المطففينِ، ويكونُ على هذا قد حَذَفَ المَكيلَ والمَكيلَ له والموزونَ والموزونَ لهُ. إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ رَدَّ هذا، فقال: " ولا يَصِحُّ أَنْ يكونَ ضميراً مرفوعاً للمطفِّفين؛ لأنَّ الكلامَ يَخْرُجُ به إلى نَظْم فاسدٍ، وذلك أنَّ المعنى: إذا أخذوا من الناسِ اسْتَوْفُوا، وإذا أعطَوْهم أَخْسَروا. فإنْ جَعَلْتَ الضميرَ للمطفِّفين انقلبَ إلى قولِك: إذا أخذوا من الناسِ اسْتَوْفَوْا، وإذا تَوَلَّوا الكيلَ أو الوزنَ هم على الخصوص أَخْسَروا، وهو كلامٌ مُتَنَافِرٌ؛ لأنَّ الحديثَ واقعٌ في الفعل لا في المباشر ".

    قال الشيخ: " ولا تنافُرَ فيه بوجهٍ، ولا فرقَ بين أَنْ يؤكَّد الضميرُ أو لا يُؤَكَّد، والحديثُ واقعٌ في الفعل. غايةُ ما في هذا أنَّ متعلقَ الاستيفاء ـ وهو على الناس ـ مذكورٌ، وهو في { كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ } محذوفٌ للعلم به؛ لأنه من المعلوم أنهم لا يُخْسِرون ذلك لأنفسهم ". قلت: الزمخشريُّ يريدُ أَنْ يُحافظَ على أنَّ المعنى مرتبطٌ بشيئَيْن: إذا أخذوا مِنْ غيرِهم، وإذا أَعْطَوْا غيرَهم، وهذا إنما يَتِمُّ على تقديرِ أَنْ يكونَ الضميرُ منصوباً عائداً على الناس، لا على كونِه ضميرَ رفعٍ عائداً على المطفِّفين، ولا شكَّ أن هذا المعنى الذي ذكَره الزمخشريُّ وأرادَه أَتَمُّ وأَحسنُ مِنْ المعنى الثاني. ورجَّح الأوّلَ سقوطُ الألفِ بعد الواوِ، ولأنه دالٌّ على اتصالِ الضميرِ، إلاَّ أنَّ الزمخشري استدركه فقال: " والتعلُّقُ في إبطالِه بخطِّ المصحفِ وأنَّ الألفَ التي تُكتب بعد واوِ الجمع غيرُ ثابتةٍ فيه، ركيكٌ لأنَّ خَطَّ المصحفِ لم يُراعِ في كثيرٍ منه حَدَّ المصطلحِ عليه في علمِ الخطِّ، على أني رأيْتُ في الكتب المخطوطةِ بأيدي الأئمة المُتْقِنين هذه الألفَ مرفوضةً لكونِها غيرَ ثابتةٍ في اللفظِ والمعنى جميعاً؛ لأنَّ الواوَ وحدَها مُعْطِيَةٌ معنى الجَمْع، وإنما كُتِبت هذه الألفُ تَفْرِقَةً بين واوِ الجمعِ وغيرِها في نحو قولِك: " هم [لم] يَدْعُوا " ، و " هو يَدْعُو " ، فمَنْ لم يُثْبِتْها قال: المعنى كافٍ في التفرقةِ بينهما، وعن عيسى بنِ عمرَ وحمزةَ أنَّها يرتكبان ذلك، أي: يجعلان الضميرَيْن للمطففين، ويقفان عند الواوَيْن وُقَيْفَةً يُبَيِّنان بها ما أرادا....


    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ }: أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذفت اللام، فتعدى الفعل فَنَصب؛ ومثله نصحتك ونصحت لك، وأمرتك به وأمرتكه؛ قاله الأخفش والفراء. قال الفراء: وسمعت أعرابية تقول إذا صَدَر الناسُ أتينا التاجرَ فيكيلنا المُدّ والمُدّين إلى الموسم المقبل. وهو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج: لا يجوز الوقف على «كالُوا» و «ووزنوا» حتى تصل به «هُمْ» قال: ومن الناس من يجعلها توكيداً، ويجيز الوقف على «كالُوا» و «وزَنوا» والأوّل الاختيار؛ لأنها حرف واحد. هو قول الكسائيّ. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين، ويقف على «كالوا» و «وزنوا» ويبتدىء «هُمْ يجسِرون» قال: وأحسب قراءة حمزة كذلك أيضاً. قال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين: إحداهما: الخطّ؛ وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا «كالوا» و «وزنوا» بالألف، والأخرى: أنه يقال: كِلْتك ووزنتُك بمعنى كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربي؛ كما يقال: صِدْتُك وصِدْت لك، وكسبتُك وكسبْتُ لَك، وكذلك شكرتك ونصحتك ونحو ذلك. قوله: { يُخْسِرُونَ }: أي يَنْقُصون؛ والعرب تقول: أخسرت الميزان وخَسَرته. و «هم» في موضع نصب، على قراءة العامة، راجع إلى الناس، تقديره «وإِذا كالوا» الناس «أو وزنوهم يُخْسِرون» وفيه وجهان: أحدهما أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار، وأوصل الفعل، كما قال:
    ولقَدْ جَنَيتُكَ أَكْمُؤًا وعساقِلاً ولقد نهيتُك عن بنات الأَوبرِ
    أراد: جنيت لك، والوجه الآخر: أن يكون على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مُقامه، والمضاف هو المكيل والموزون. وعن ظ±بن عباس رضي الله عنه: إنكم معاشر الأعاجم وَلِيتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم: المِكيالَ والمِيزان. وخَصَّ الأعاجم، لأنهم كانوا يجمعون الكيل والوزن جميعاً، وكانا مُفرَقين في الحَرَمين؛ كان أهل مكة يزِنون، وأهل المدينة يكيلون. وعلى القراءة الثانية «هُمْ» في موضع رفع بالابتداء؛ أي وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم فهم يخسرون. ولا يصح؛ لأنه تكون الأُولى مُلغاة، ليس لها خبر، وإنما كانت تستقيم لو كان بعدها: وإذا كالوا هم يَنْقُصون، أو وزنوا هم يُخْسرون.

    { إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ظ±للَّهِ }

    قال القرطبي

    حرم الله تعالىظ° في هذه الآية ألاّ يأخذ إلاَّ بعد الخوف ألاَّ يقيما حدود الله، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدّى الحدّ. والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألاَّ يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها؛ فلا حرج على المرأة أن تفتدِي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ. والخطاب للزوجين. والضمير في «أن يخافا» لهما، و «ألاَّ يقيما» مفعول به. و «خفت» يتعدّى إلى مفعول واحد. ثم قيل: هذا الخوف هو بمعنى العلم، أي أن يعلما ألاَّ يقيما حدود الله، وهو من الخوف الحقيقيّ، وهو الإشفاق من وقوع المكروه، وهو قريب من معنى الظّنّ. ثم قيل: «إلاَّ أن يخافا» استثناء منقطع، أي لكن إن كان منهن نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفِدية.

    وقرأ حمزة «إلاَّ أن يخافا» بضم الياء على ما لم يسم فاعله، والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام؛ واختاره أبو عبيد. قال: لقوله عزّ وجلّ: { فَإِنْ خِفْتُمْ } قال: فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال: فإن خافا؛ وفي هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان.

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    والقراءةُ في " يخافا " بفتحِ الياءِ واضحةٌ، وقرأها حمزة بضمِّها على البناء للمفعول. وقد استشكلها جماعة وطعن فيها آخرون لعدم معرفتهم بلسان العرب.

    وقد ذكروا فيها توجيهاتٍ كثيرةً. أحسنُها أَنْ يكونَ " أَنْ يقيما " بدلاً من الضميرِ في " يخافا " لأنه يَحُلُّ مَحَلَّه، تقديرُه: إلا أَنْ يُخاف عدمُ إقامتهما حدودَ الله، وهذا من بدلِ الاشتمال كقولك: " الزيدان أعجباني عِلْمُهما " ، وكان الأصلُ: إلا أن يخاف الولاةُ الزوجين ألاَّ يقيما حدودَ الله، فَحُذِفَ الفاعلُ الذي هو " الوُلاةُ " للدلالة عليه، وقامَ ضميرُ الزوجين مقامَ الفاعلِ، وبقيتْ " أَنْ " وما بعدها في محلِّ رفعٍ بدلاً كما تقدَّم تقديرُه...

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الواحدة والثمانون بعد الاربعمائة

    { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلكَ }

    قال السمين فى دره

    هذه جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ، قَدَّم الخبرَ اهتماماً، ولا يَخْفَى ما فيها، وهي معطوفةٌ على قولِه: { وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ } وما بينهما اعتراضٌ؛ لأنه كالتفسيرِ لقوله " بالمعروف " كما تقدَّم التنبيهُ عليه.

    والألفُ واللامُ في " الوارث " بدلٌ من الضميرِ عندَ مَنْ يَرى ذلك، ثم اختلفوا في ذلك الضمير: هل يعودُ على المولود له وهو الأبُ، فكأنه قيل: وعلى وارِثِه، أي: وارِثِ المولدِ له، أو يعودُ على الولدِ نفسه، أي: وارثِ الولد؟ وهذا على حَسَبِ اختلافِهم في الوارثِ.

    وقال القرطبي

    أن قوله تعالى: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلكَ } إشارة إلى ما تقدّم؛ فمن الناس من ردّه إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار، منهم أبو حنيفة من الفقهاء، ومن السلف قتادة والحسن ويسند إلى عمر. وقالت طائفة من العلماء: إن معنى قوله تعالى: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ } لا يرجع إلى جميع ما تقدّم، وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار؛ والمعنى: وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأُم ما على الأب؛ وهذا هو الأصل، فمن ادّعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدّم فعليه الدليل.

    قلت: قوله «وهذا هو الأصل» يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور، وهو صحيح؛ إذ لو أراد الجميع الذي هو الإرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء؛ فدل على أنه معطوف على المنع من المضارّة؛ وعلى ذلك تأوّله كافّة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب، وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضارّ ولدها في أن الأب إذا بَذَل لها أجرة المثل ألاّ ترضعه، { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } في أن الأُم إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك؛ لأنّ الأُمّ أرفق وأحنّ عليه، ولبنها خير له من لبن الأجنبية.

    قال ابن عطية: وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبيّ أيضاً والزهريّ والضحاك وجماعة من العلماء: المراد بقوله «مثل ذلك» ألاّ تُضَارّ؛ وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه. وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم نسخ ذلك بالإجماع من الأُمّة في ألاّ يضارّ الوارث؛ والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا.

    وقال ابن الجوزى فى زاده

    وفي قوله تعالى: { مثل ذلك } ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الإشارة إلى أجرة الرضاع والنفقة، روي عن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وابراهيم، وقتادة، وقبيصة بن ذؤيب، والسدي. واختاره ابن قتيبة. والثاني: أن الإشارة بذلك إلى النهي عن الضرار، روي عن ابن عباس، والشعبي، والزهري. واختاره الزجاج. والثالث: أنه إشارة إلى جميع ذلك، روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، وأبي سليمان الدمشقي، واختاره القاضي أبو يعلى. ويشهد لهذا أنه معطوف على ما قبله، وقد ثبت أن على المولود له النفقة والكسوة، وأن لا يضار، فيجب أن يكون قوله: { مثل ذلك }.

    مشيراً إلى جميع ما على المولود له.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الثانية والثمانون بعد الاربعمائة

    قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ } * { النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ } * { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }*

    قال الرازي

    المسألة الثانية: في الآية إشكال وهو أن قوله: { هُمْ } ضمير عائد إلى أصحاب الأخدود، لأن ذلك أقرب المذكورات والضمير في قوله: { عَلَيْهَا } عائد إلى النار فهذا يقتضي أن أصحاب الأخدود كانوا قاعدين على النار، ومعلوم أنه لم يكن الأمر كذلك والجواب: من وجوه أحدها: أن الضمير في هم عائد إلى أصحاب الأخدود، لكن المراد ههنا من أصحاب الأخدود المقتولون لا القاتلون فيكون المعنى إذ المؤمنين قعود على النار يحترقون مطرحون على النار وثانيها: أن يجعل الضمير في { عَلَيْهَا } عائد إلى طرف النار وشفيرها والمواضع التي يمكن الجلوس فيها، ولفظ، على مشعر بذلك تقول مررت عليها تريد مستعلياً بمكان يقرب منه، فالقائلون كانوا جالسين فيها وكانوا يعرضون المؤمنين على النار، فمن كان يترك دينه تركوه ومن كان يصبر على دينه ألقوه في النار وثالثها: هب أنا سلمنا أن الضمير في هم عائد إلى أصحاب الأخدود بمعنى القاتلين، والضمير في عليها عائد إلى النار، فلم لا يجوز أن يقال: إن أولئك القاتلين كانوا قاعدين على النار، فإنا بينا أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار ارتفعت النار إليهم فهلكوا بنفس ما فعلوه بأيديهم لأجل إهلاك غيرهم، فكانت الآية دالة على أنهم في تلك الحالة كانوا ملعونين أيضاً، ويكون المعنى أنهم خسروا الدنيا والآخرة ورابعها: أن تكون على بمعنى عند، كما قيل في قوله:

    { وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ }
    [الشعراء: 14] أي عندي.

    الجوهرة الثالثة والثمانون بعد الاربعمائة

    إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ }

    قال السمين :

    قوله: { إِنَّهُ }: جوابُ القسمِ في قوله: " والسَّماءِ ". والهَزْلُ: ضدُّ الجَدِّ والتشميرِ في الأمر. قال الكُميت:
    4547ـ........................ يُجَدُّ بنافي كلِّ يومٍ ونَهْزِلُ
    والضمير في " إنَّه " للقرآن. وقيل: للكلامِ المتقدَّمِ الدالِّ على البعث والنشور

    الجوهرة الرابعة والثمانون بعد الاربعمائة

    قال الرازى

    { التِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلَـادِ } فالضمير في (مثلها) إلى ماذا يعود؟ فيه وجوه: الأول: { لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي مثل عاد في البلاد في عظم الجثة وشدة القوة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني: لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا، وقرأ ابن الزبير { لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي لم يخلق الله مثلها الثالث: أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم يخلق مثل تلك الأساطين في البلاد، وعلى هذا فالعماد جمع عمد، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى.....

    الَّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلَـظ°دِ } وفيه مسائل:

    المسألة الأولى: يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم، وهذا هو الأقرب.

    الجوهرة الخامسة والثمانون بعد الاربعمائة

    وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ }

    قال ابن عاشور

    والهاء في { رزقه } يجوز أن تعود إلى { الإنسان } من إضافة المصدر إلى المفعول، ويجوز أن تعود إلى { ربه } من إضافة المصدر إلى فاعله.

    الجوهرة السادسة والثمانون بعد الاربعمائة

    وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى }

    هل الضمير في عنده لله ام الصديق

    قال الماتريدي في تفسيره

    وقوله - عز وجل -: { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى* إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى }.

    أي: ما لأحد عند الله تعالى من نعمة يجزى بها ولا بد [أن] يستحق الثواب بها، لكن إذا أدى نعمة من نعم الله - تعالى - التي أعطاها إياه لغيره؛ ابتغاء وجهه، وطلب رضاه - يجزيه بفضله؛ كأنه كانت له عنده نعمة يجزى بها.

    والثاني: يحتمل أن هذا صلة قوله: { يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىظ° } ، أي: يتصدق ويتزكى؛ لابتغاء وجه الله - تعالى - على من ليس عنده نعمة ويد يجازيه بها وينفق عليه جزاء لصنيع قد سبق منه في حقه؛ كأنه يقول: لا يعطي الزكاة أحداً عن مجازاة [لما] سبق منه إليه من نعمة؛ إنما أعطاها له لا مجازاة، ولكن لله تعالى خالصا.

    وقال القرطبي

    وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ } أي عند أبي بكر { مِن نِّعْمَةٍ } ، أي من يدٍ ومِنَّة، { تُجْزَىظ° } بل { ابْتِغَآءَ } بما فعل { وَجْهِ رَبِّهِ للأَعْلَى

    الجوهرة السابعة والثمانون بعد الاربعمائة


    وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { وَمَرْيَمَ ظ±بْنَةَ عِمْرَانَ } عطف على
    { ظ±مْرَأَتَ فِرْعَوْنَ }
    [التحريم: 11] أي وضرب مثلاً للذين آمنوا حالتها وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء مع كون أكثر قومها كفاراً، وجمع في التمثيل بين من لها زوج ومن لا زوج لها تسلية للأرامل وتطييباً لقلوبهن على ما قيل، وهو من بدع التفاسير كما في «الكشاف». وقرأ السختياني ـ ابنه ـ بسكون الهاء وصلاً أجراه مجرى الوقف { ظ±لَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } صانته ومنعته من الرجال؛ وقيل: منعته عن دنس المعصية. والفرج ما بين الرجلين وكني به عن السوءة؛ وكثر حتى صار كالصريح، ومنه ما هنا عند الأكثرين { فَنَفَخْنَا فِيهِ } النافخ رسوله تعالى وهو جبريل عليه السلام فالإسناد مجازي، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي فنفخ رسولنا، وضمير { فِيهِ } للفرج، واشتهر أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج. وروي ذلك عن قتادة، وقال الفراء: ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها وهو محتمل لأن الفرج معناه في اللغة كل فرجة بين الشيئين، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها فهي للنفس أمنع، وفي «مجمع البيان» عن الفراء أن المراد منعت جيب درعها عن جبريل عليه السلام، وكان ذلك على ما قيل: قولها
    { إِنّى أَعُوذُ بِظ±لرَّحْمَـظ°نِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً }
    [مريم: 18] وأفاد كلام البعض أن { أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } على ما نقل أولاً عن الفراء كناية عن العفة نحو قولهم: هو نقي الجيب طاهر الذيل. وجوز في ضمير { فِيهِ } رجوعه إلى الحمل، وهو عيسى عليه السلام المشعر به الكلام، وقرأ عبد الله ـ فيها ـ كما في الأنبياء [91] فالضمير لمريم.

    الجوهرة الثامنة والثمانون بعد الاربعمائة


    مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَظ°لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }

    قال الالوسي

    { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } أي نائبة أيّ نائبة وأصلها في الرمية وهي من أصاب السهم إذا وصل إلى المرمى بالصواب ثم خصت بها. وزعم بعضهم أنها لغة عامة في الشر والخير وعرفاً خاصة بالشر. و { مِنْ } مزيدة للتأكيد، وأصاب جاء في الشر كما هنا، وفي الخير كقوله تعالى:
    { وَلَئِنْ أَصَـظ°بَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله }
    [النساء: 73] وذكر بعضهم أنه يستعمل في الخير اعتباراً بالصوب أي بالمطر وفي الشر اعتباراً بإصابة السهم، وكلاهما يرجعان إلى أصل وتذكير الفعل في مثل ذلك جائز كتأنيثه، وعليه قوله تعالى:
    { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا }
    [الحجر: 5] والكلام على العموم لجميع الشرور أي مصيبة أيّ مصيبة { فِى ظ±لأَرْضِ } كجدب وعاهة في الزرع والثمار وزلزلة وغيرها { وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } كمرض وآفة كالجرح والكسر { إِلاَّ فِى كِتَـظ°بٍ } أي إلا مكتوبة مثبتة في اللوح المحفوظ، وقيل: في علم الله عز وجل. { مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } أي نخلقها، والضمير على ما روي عن ابن عباس وقتادة والحسن وجماعة للأنفس، وقيل: للأرض، واستظهر أبو حيان كونه للمصيبة لأنها هي المحدث عنها، وذكر الأرض والأنفس إنما هو على سبيل ذكر محلها، وذكر المهدوي جواز عوده على جميع ما ذكر، وقال جماعة: يعود على المخلوقات وإن لم يجر لها ذكر.

    الجوهرة التاسعة والثمانون بعد الاربعمائة

    قال الطبري

    وقوله: { ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَـيْنا قَبْضاً يَسِيراً } يقول تعالـى ذكره: ثم قبضنا ذلك الدلـيـل من الشمس علـى الظلّ إلـينا قبضاً خفـياً سريعاً بـالفـيء الذي نأتـي به بـالعشيّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { ثُمَّ قَبضْناهُ إلَـيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } قال: حوى الشمس الظلّ. وقـيـل: إن الهاء التـي فـي قوله { ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَـيْنا } عائدة علـى الظلّ، وإن معنى الكلام: ثم قبضنا الظلّ إلـينا بعد غروب الشمس وذلك أن الشمس إذا غربت غاب الظلّ الـمـمدود، قالوا: وذلك وقت قبضه.

    الجوهرة التسعون بعد الاربعمائة

    فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّآ إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ }

    قال السمين

    واعلم أنَّ مرفوعَ " استُحِقَّ " في الأوجهِ المتقدِّمة - أعني غير هذا الوجهِ وهو إسنادُه إلى " الأَوْلَيان " - ضميرٌ يعودُ على ما تقدَّم لفظاً أوسياقاً، واختلفت عباراتُهم، فيه، فقال الفارسي والحوفي وأبو البقاء والزمخشري: أنه ضميرُ الإِثم، والإِثمُ قد تقدَّم في قوله: { ظ±سْتَحَقَّآ إِثْماً } وقال الفارسي والحوفي ايضاً: " استحق هو الإِيصاءُ أو الوصيةُ " قالت: إضمارُ الوصية مُشْكِلٌ؛ لأنه إذا أُسْنِد الفعلُ إلى ضميرِ المؤنثِ مطلقاً وَجَبَتِ التاءُ إلا في ضرورة، ويونس لا يَخُصُّه بها، ولا جائز أَنْ يقال أَضْمرا لفظَ الوصية لأنَّ ذلك حُذِفَ، والفاعلُ عندهما لا يُحْذَفُ. وقال النحاس مستحسناً لإِضمارِ الإِيصاء: " وهذا أحسنُ ما قيل فيه؛ لأنه لم يُجْعل حرفٌ بدلاً من حرفٍ " يعني أنه لا يقولُ إنَّ " على " بمعنى " في " ، ولا بمعنى " مِنْ " كما قيل بهما، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

    وقد جَمَع الزمخشري غالبَ ما قُلْتُه وحَكَيْتُه من الإِعرابِ والمعنى بأوجزِ عبارةٍ فقال: " فـ " آخران " أي: فشاهدان آخَران يَقُومان مقامَهما من الذين استُحِقَّ عليهم أي: [من الذين] استُحِقَّ عليهم الإِثمُ، ومعناه: من الذين جُنِي عليهم وهم أهلُ الميتِ وعشيرتُه والأَوْلَيان الأَحقَّان بالشهادة لقرابتِهما ومعرفتِهما، وارتفاعُهما على: " هما الأَوْلَيان " كأنه قيل: ومَنْ هما؟ فقيل: والأَوْلَيان، وقيل: هما بدلٌ من الضميرِ في " يَقُومان " أو من " آخران " ويجوزُ أَنْ يرتفِعَا بـ " استُحِقَّ " أي: من الذين استُحِقَّ عليهم انتدابُ الأَوْلَيَيْنِ منهم للشهادة لاطّلاعهم على حقيقة الحال

    وقوله { عَلَيْهِمُ }: في " على " ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها على بابها، قال ابو البقاء: " كقولك: " وَجَبَ عليه الاثمُ " وقد تقدَّم عن النحاس أنه لَمَّا أَضْمر الإِيصاء بَقَّاها على بابها، واستحسن ذلك. والثاني: أنها بمعنى " في " أي: استُحِقَّ فيهم الإِثمُ فوقَعَتْ " على " موقعَ " في " كما تقعُ " في " موقعَها كقوله تعالى:
    { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ }
    [طه: 71] أي: على جذوعِ، وكقولِه:
    1832- بَطَلٌ كأنَّ ثيابَه في سَرْحَةٍ يُحْذَى نِعالَ السِّبْتِ ليس بتوءمِ
    أي: على سَرْحةٍ. وقَدَّره أبو البقاء فقال: " أي استُحِقَّ فيهم الوصية " والثالث: أنها بمعنى " من " أي: استُحِقَّ منهم الإِثمُ، ومثلُه قولُه تعالى:
    { إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ }
    [المطففين: 2] أي: من الناسِ. وقَدَّره أبو البقاء فقال: " اي استُحِقَّ منهما الأوْلَيان، فحين جَعَلها بمعنى " في " قَدَّر " استُحِقَّ " مسنداً للوصية، وحين جعلها بمعنى " من " قَدَّره مُسْنداً لـ " الأَوْلَيان " وكان لَمَّا ذَكَر القائمَ مقامَ الفاعلِ لم يذكر إلا ضميرَ الإِثم والأوليان. وأجاز بعضُهم أَنْ يُسْندَ " استُحِقَّ " إلى ضمير المال أي: استُحِقَّ عليهم المالُ الموروث، وهو قريبٌ.

    فقد تقرَّر أنَّ في مرفوع " استُحِقَّ خمسةَ أوجه، أحدُها: " الأَوْلَيان " ، الثاني: ضميرُ الإِيصاء، الثالث: ضيرُ الوصية، وهو في المعنى كالذي قبلَه وتقدَّم إشكالُه، الرابع: أنه ضميرُ الإِثمِ، الخامس: انه ضميرُ المال، ولم أَرَهم أجازوا أن يكونَ " عليهم " هو القائمَ مقامَ الفاعلِ نحو:
    { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم }
    [الفاتحة: 7] كأنهم لم يَرَوْا فيه فائدةً.

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير

    فإن عثر على أنهما استحقا إِثماً } ومعنى «عثر»: اطّلع أي: إِن عثر أهل الميت، أو مَن يلي أمره، على أن الشاهدين اللذين هما آخران من غيرنا { استحقا إِثماً } لميلهما عن الاستقامة في شهادتهما { فآخران يقومان مقامهما } أي: مقام هذين الخائنين { من الذين استحق عليهم الأولَيان }.

    قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: «استُحِق» بضم التاء، «الأولَيان» على التثنية. وفي قوله { من الذين استحق عليهم } قولان.

    أحدهما: أنهما الذمّيان.

    والثاني: الوليّان فعلى الأول في معنى { استحق عليهم } أربعة أقوال.

    أحدها: استحق عليهم الإِيصاء، قال ابن الأنباري: المعنى: من القوم الذين استحق فيهم الإِيصاء، استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال الزجاج: المعنى: من الذين استحقت الوصية أو الإِيصاء عليهم.

    والثاني: أنه الظلم، والمعنى: من الذين استحق عليهم ظلم الأولَيان، فحذف الظلم، وأقام الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضاً.

    والثالث: أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما.

    والرابع: أنه الإثم، والمعنى: استحق منهم الإثم، ونابت «على» عن «مِن» كقوله:
    { على الناس يستوفون }
    [المطففين: 2] أي: منهم. وقال الفراء: «على» بمعنى «في» كقوله:
    { على مُلك سليمان }
    [البقرة: 102] أي: في ملكه، ذكر القولين أبو علي الفارسي. وعلى هذه الأقوال مفعول «استُحق» محذوف مُقدّر. وعلى القول الثاني في معنى { استحق عليهم } قولان.

    أحدهما: استحق منهم الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة.

    والثاني: جني عليهم الإثم، ذكره الزجاج.

    فأما «الأوليان» فقال الأخفش: الأوليان: اثنان، واحدهما: الأولى، والجمع: الأولون. ثم للمفسرين فيهما قولان.

    أحدهما: أنهما أولياء الميت، قاله الجمهور. قال الزجاج: «الأوليان» في قول أكثر البصريين يرتفعان على البَدَلِ مما في «يقومان» والمعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين. وقال أبو علي: لا يخلو الأوليان أن يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فآخران يقومان مقامهما، هما الأوليان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في «يقومان». والتقدير: فيقوم الأوليان.

    والقول الثاني: أن الأوليان: هما الذّميان، والمعنى: أنهما الأوليان بالخيانة، فعلى هذا يكون المعنى: يقومان، إِلا من الذين استحق عليهم. قال الشاعر:
    فليت لنا مِنْ ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ على طهيان
    أي: بدلاً من ماء زمزم. وروى قُرَّة عن ابن كثيرٍ، وحفصٍ وعاصمٍ: «استحق» بفتح التاء والحاء «الأوليان» على التثنية، والمعنى: استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها، فحذف المفعول.

    وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: «استحق» برفع التاء، وكسر الحاء، «الأولين» بكسر اللام، وفتح النون على الجمع، والتقدير: من الأولين الذين استحق فيهم الإِثم، أي: جني عليهم، لأنهم كانوا أولين في الذكر. ألا ترى أنه قد تقدم { ذوا عدلٍ منكم } على قوله: { أو آخران من غيركم }. وروى الحلبي عن عبد الوارث «الأوَّلَين» بفتح الواو وتشديدها، وفتح اللام، وسكون الياء، وكسر النون، وهي تثنية: أوَّل. وقرأ الحسن البصري: «استحق» بفتح التاء والحاء، «الأولون» تثنية «أوَّل» على البدل من قوله: «فآخران» وقال ابن قتيبة: أشبه الأقوال بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرِّفنا كيف يشهد بالوصية عند حضور الموت، فقال: { ذوا عدل منكم } أي: عدلان من المسلمين [تشهدونهما على الوصية]، وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين، فقال: { أو آخران من غيركم } أي: من غير أهل دينكم، [ { إذا ضربتم في الأرض } أي: سافرتم { فأصابتكم مصيبة الموت } وتم الكلام. فالعدلان من المسلمين للحضر والسفر خاصة إِن أمكن إِشهادهما في السفر] والذميان في السفر خاصة إِذا لم يوجد غيرهما [ثم قال] { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إِن إرتبتم } أراد: تحبسونهما من بعد صلاة العصر إِن ارتبتم في شهادتهما، وخشيتم أن يكونا قد خانا، أو بدَّلا، فإذا حلفا، مضت شهادتهما. فإن عثر [بعد هذه اليمين] أي: ظهر على أنهما استحقا إِثماً، أي: حنثا في اليمين بكذب [في قول] أو خيانة [في وديعة]، فآخران، أي: قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت الذين استحق منهم الأوليان، وهما الوليان، يقال: هذا الأولى بفلان، ثم يحذف من الكلام «بفلان»، فيقال: هذا الأولى، وهذان الأوليان، و«عليهم» بمعنى: «منهم». فيحلفان بالله: لقد ظهرنا على خيانة الذميين، وكذبهما، وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أصح، لكفرهما وإِيماننا، فيرجع على الذّميين بما اختانا، وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك. وقال غيره: لشهادتنا، أي: ليميننا أحق، وسميت اليمين شهادة، لأنها كالشهادة على ما يحلفُ عليه أنه كذلك.

    بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }

    قال السمين


    قوله: { إِلَيْهِ } فيما يتعلق به وجهان، أحدهما: أن يتعلق بـ " تَدْعون " ، والضمير حينئذ يعود على " ما " الموصولة أي: الذي تدعون إلى كَشْفِه، و " دعا " بالنسبة إلى متعلِّق الدعاء يتعدى بـ " إلى " أو اللام.

    قال تعالى:
    { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ظ±للَّهِ }
    [فصلت: 33]
    { وَإِذَا دُعُوغ¤اْ إِلَى ظ±للَّهِ }
    [النور: 48] وقال:
    1924- وإن أُدْعَ للجُلَّى أكنْ مِنْ حُماتها ........................
    وقال:
    1925- وإنْ دَعَوْتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ يوماً سَراةَ كرامِ الناس فادْعِينا
    وقال:
    1926- دعوتُ لِما نابني مِسْوَراً فَلَب‍ِّيْ فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ
    والثاني: أن يتلعَّق بـ " يَكْشِفُ " قال أبو البقاء: " أي: يرفعه إليه " انتهى. والضميرُ على هذا عائد على الله تعالى، وذكر ابو البقاء وجهَي التعلق ولم يَتَعرَّضْ للضمير وقد عَرَفْتَه. وقال ابن عطية: " والضمير في " إليه " يُحتمل أن يعودَ إلى الله بتقدير: فيكشف ما تدعون فيه إليه " قال الشيخ: " وهذا ليس بجيد؛ لأنَّ " دعا " يتعدى لمفعول به دون حرف جر:
    { ظ±دْعُونِيغ¤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ }
    [غافر: 60]
    { إِذَا دَعَانِ }
    [البقرة: 186] ومن كلام العرب: " دعوتُ الله سميعاً " قلت: ومثلُه:
    { قُلِ ظ±دْعُواْ ظ±للَّهَ أَوِ ظ±دْعُواْ ظ±لرَّحْمَـظ°نَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ }
    [الإِسراء: 110]
    { ظ±دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً }
    [الأعراف: 55] قال: ولا تقول بهذا المعنى: " دعوت إلى الله " بمعنى: دعوت الله، إلا أنه يمكن أن يُصَحَّح كلامُه بمعنى التضمين، ضمَّن " تدعون " معنى " تلجَؤون فيه إلى الله " إلا أنَّ التضمين ليس بقياس، لا يُصارُ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورةَ تدعو إليه هنا ".

    قلت: ليس التضمين مقصوراً على الضرورة، وهو في القرآن أكثر من أن يُحْصَر، تقدَّم لك منه جملةٌ صالحة، وسيأتي لك إن شاء الله مثلُها، على أنه قد يقال تجويزُ أبي محمد عَوْدَ الضمير إلى الله تعالى محمولٌ على أن " إليه " متعلق بيكشف، كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي البقاء وأن معناه " يرفعه " فلا يلزم المحذورُ المذكور، لولا أنه يُعَكِّر عليه تقديرُه بقوله " تدعون فيه إليه " فتقديره " فيه " ظاهره أنه يزعمُ تعلُّقَه بـ " تَدْعُون

    وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ }

    قال السمين

    قوله: { لِّيَرْبُوَ }: العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ مفتوحةً، أسند الفعلَ لضمير الرِّبا أي: ليزدادَ. ونافع بتاءٍ مِنْ فوقُ مضمومةً خطاباً للجماعة...

    الجوهرة الواحدة والتسعون بعد الاربعمائة

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير


    فاطرُ السموات } قد سبق بيانه [الأنعام:14]، { جعل لكم من أنفُسكم } أي: من مِثل خَلْقكم { أزواجاً } نساءً { ومن الأنعام أزواجاً } أصنافاً ذكوراً وإناثاً، والمعنى أنه خلق لكم الذَّكر والأنثى من الحيوان كلِّه { يذرؤكم } فيها ثلاثة أقوال:

    أحدها: يخلُقكم، قاله السدي.

    والثاني: يُعيِّشكم، قاله مقاتل.

    والثالث: يكثِّركم، قاله الفراء. و[في قوله] (فيه) قولان.

    أحدهما: أنها على أصلها، قاله الأكثرون. فعلى هذا في هاء الكناية ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنها ترجع إلى بطون الإناث وقد تقدم ذكر الأزواج، قاله زيد بن أسلم. فعلى هذا يكون المعنى: يخلُقكم في بطون النساء، وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة، فقال: يخلُقكم في الرَّحِم أو في الزَّوج، وقال ابن جرير: يخلُقكم فيما جعل لكم من أزواجكم، ويعيِّشكم فيما جعل لكم من الأنعام.

    والثاني: أنها ترجع إلى الأرض، قاله ابن زيد؛ فعلى هذا يكون المعنى: يذرؤكم فيما خلق من السموات والأرض.

    والثالث: أنها ترجع إلى الجَعْل المذكور؛ ثم في معنى الكلام قولان.

    أحدهما: يعيِّشكم فيما جعل من الأنعام، قاله مقاتل.

    والثاني: يخلُقكم في هذا الوجه الذي ذكر مِنْ جَعْلِ الأزواج قاله الواحدي.

    والقول الثاني: أن " فيه " بمعنى " به "؛ والمعنى يكثرِّكم بما جعل لكم، قاله الفراء والزجاج.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الثانية والتسعون بعد الاربعمائة

    قال الطبري

    {*لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـظ°كِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذظ°لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوغ¤اْ أَيْمَانَكُمْ كَذظ°لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*}

    اختلف أهل التأويـل فـي الهاء التـي فـي قوله { فَكَفَّـارَتُهُ } علـى ما هي عائدة، ومن ذكر ما؟ فقال بعضهم هي عائدة علـى «ما» التـي فـي قوله { بِـمَا عَقَّدْتُـمُ الأَيـمَانَ }....

    وقال آخرون الهاء فـي قوله { فَكَفَّـارَتُهُ } عائدة علـى اللغو، وهي كناية عنه. قالوا وإنـما معنى الكلام لا يؤاخذكم الله بـاللغو فـي أيـمانكم إذا كفرتـموه، ولكن يؤاخذكم إذا عقدتـم الأيـمان فأقمتـم علـى الـمضيّ علـيه بترك الـحنث والكفـارة فـيه، والإقامة علـى الـمضيّ علـيه غير جائزة لكم، فكفَّـارة اللغو منها إذا حنثتـم فـيه إطعام عشرة مساكين...


    والذي هو أولـى عندي بـالصواب فـي ذلك، أن تكون الهاء فـي قوله { فَكَفَّـارَتُهُ } عائدة علـى «ما» التـي فـي قوله { بِـمَا عَقّدْتُـمُ الأَيـمَانَ } لـما قدّمنا فـيـما مضى قبل أن من لزمته فـي يـمينه كفـارة وأوخذ بها، غير جائز أن يقال لـمن قد أوخذ لا يؤاخذه الله بـاللغو وفـي قوله تعالـى { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بـاللَّغْوِ فِـي أيـمانِكُمْ } دلـيـل واضح أنه لا يكون مؤاخذ بوجه من الوجوه من أخبرنا تعالـى ذكره أنه غير مؤاخذ...


    الجوهرة الثالثة والتسعون بعد الاربعمائة

    قال الطبري

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَـظ°تُ }.

    يعنـي تعالـى ذكره بذلك: ولو أراد الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البـينات، يعنـي من بعد الرسل الذين وصفهم بأنه فضل بعضهم علـى بعض، ورفع بعضهم درجات، وبعد عيسى ابن مريـم، وقد جاءهم من الآيات بـما فـيه مُزْدَجَرٌ لـمن هداه الله ووفقه.

    ويعنـي بقوله: { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ظ±لْبَيِّنَـظ°تُ } يعنـي من بعد ما جاءهم من آيات الله ما أبـان لهم الـحق، وأوضح لهم السبـيـل.

    وقد قـيـل: إن الهاء والـميـم فـي قوله: { مّن بَعْدِهِمْ } من ذكر موسى وعيسى: ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَـظ°تُ } يقول: من بعد موسى وعيسى.


    الجوهرة الرابعة والتسعون بعد الاربعمائة

    {*إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ واخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ*}

    قال السمين:

    قوله: { بِمَا اسْتُحْفِظُواْ } أجاز أبو البقاء فيه ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنَّ " بما " بدلٌ من قوله " بها " بإعادةِ العامل لطول الفصل، قال: " وهو جائزٌ وإنْ لم يَطُلْ " أي: يجوزُ إعادةُ العامل في البدل وإن لم يَطُلْ، قلت: وإنْ لم يُفْصَلْ أيضاً: الثاني: أن يكون متعلقاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: ويحكم الربَّانيون بما استُحْفِظوا، كما قدمته عنه. والثالث: أنه مفعولٌ به أي: يَحْكُمون بالتوارةِ بسبب استحفاظهم ذلك، وهذا الوجهُ الأخير هو الذي نَحَا إليه الزمخشري فإنه قال: " بما استُحْفِظوا بما سألهم أنبياؤهم حِفْظَه من التوراة، أي: بسبب سؤالِ أنبيائِهم إياهم أَنْ يحفَظُوه من التبديلِ والتغيير " وهذا على أن الضميرَ يعودُ على الربانيين والأحبار دون النبيين، فإنه قَدَّر الفاعلَ المحذوف " النبيين " ، وأجازَ أن يعودَ الضميرُ في " استُحْفِظوا " على النبيين والربانيين والأحبار، وقَدَّر الفاعلَ المنوبَ عنه الباري تعالى أي: بما استحفظهم الله، يعني بما كلَّفهم حِفْظَه

    الجوهرة الخامسة والتسعون بعد الاربعمائة


    مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ }

    قال السمين:

    قوله تعالى: { مَّن يُصْرَفْ }: " مَنْ " شرطية، ومحلُّها يحتمل الرفع والنصب كما سيأتي بيانه بعد ذِكْر القراءتين فنقول: قرأ الأخوان وأبو بكر عن عاصم: " يَصْرِف " بفتح الياء وكسر الراء على تسمية الفاعل. والباقون بضمِّ الياء وفتح الراء على ما لم يُسَمَّ فاعله.

    فأمَّا القراءة الأولى فـ " مَنْ " فيها تحتمل الرفع والنصب: فالرفع من وجه واحد وهو الابتداء، وخبرها فعل الشرط أو الجواب أو هما، على حسب الخلاف، وفي مفعول " يَصْرِف " حينئذ احتمالان، أحدهما: أنه مذكور وهو " يومئذ " ، ولا بد من حذف مضاف أي: يَصْرِف الله عنه هَوْل يؤمئذ - أو عذاب يومئذ - فقد رحمه، فالضمير في " يَصْرِف " يعود على الله تعالى، ويدلُّ عليه قارءة أُبَيّ بن كعب " مَنْ يَصْرِف اللَّهُ " بالتصريح به. والضميران في " عنه " و " رَحِمَة " لـ " مَنْ " والثاني: أنه محذوف لدلالة ما ذكر عليه قبل ذلك أي: مَنْ يَصْرف اللَّهُ عنه العذابَ. و " يومئذ " منصوبٌ على الظرف. وقال مكي: " ولا يَحْسُن أن تقدَّرَ هاءً؛ لأن الهاء إنما تُحْذف من الصلات ". قلت: يعني أنه لا يُقَدَّرُ المفعولُ ضميراً عائداً على عذاب يوم؛ لأن الجملة الشرطية عنده صفةٌ لـ " عذاب " والعائد منها محذوف، لكنَّ الحذف إنما يكون من الصلة لا من الصفة، وهذا معنى قول الواحدي أيضاً، إلا أنَّ قولَ مكيّ " إنما يُحْذف من الصلات " يريد في الأحسن، وإلاَّ فيحذف من الصفات والأخبار والأحوال، ولكنه دون الصلة.

    والنصب من وجهين أحدهما: أنه مفعول مقدَّمٌ لـ " يَصْرِف " والضمير في " عنه " على هذا يتعيَّن عَوْدُه على العذاب المتقدم، والتقدير: أيَّ شخص يَصْرِف اللَّهُ عن العذاب. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مضمر لا يبرز، يفسره هذا الظاهر من معناه لا من لفظه، والتقدير: مَنْ نُكْرِمْ أو مَنْ نُنَجِّ يَصْرِفِ الله. والضمير في " عنه " للشرطية. وأمَّا مفعول " يَصْرِفْ " على هذا فيحتمل الوجهين المتقدمين، أعني كونه مذكوراً وهو " يومئذ " على حذفِ مضاف، أو محذوفاً اختصاراً.

    وأمَّا القراءة الثانية فـ " مَنْ " تحتمل وجهين، أحدهما: أنها في محل رفعٍ بالابتداء، وخبره ما بعده على ما تقدَّم، والفاعل المحذوف هو الله تعالى، يدلُّ عليه قراءة أبي المتقدمة، وفي القائمِ مَقامَه أربعةُ أوجه، أحدهما: أنه ضمير العذاب، والضمير في " عنه " يعود على " مَنْ " فقط، والظرف فيه حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب بـ " يُصْرَف " الثاني: أنه منصوب بالعذاب أي: الذي قام ضميره مقام الفاعل، قاله أبو البقاء، ويلزم منه إعمال المصدر مضمراً، وقد يقال: يُغْتفر ذلك في الظروف.

    الثالث: قال أبو البقاء: " إنه حال من الضمير " قلت: يعني الضمير الذي قام مقام الفاعل، وجاز وقوعُ الحال ظرف زمان لأنها عن معنًى لا عن جثة.

    الثاني من الأوجه الأربعة: أن القائم الفاعل ضمير " مَنْ " والضمير في " عنه " يعود على العذاب، والظرف منصوب: إمَّا بـ " يُصْرف " ، وإمَّا على الحال من هاء " عنه ". والثالث من أوجه العامل في " يومئذ " متعذ‍َّر هنا وهو واضح، والتقدير: أي شخصٍ يُصْرف هو عن العذاب. الثالث: أن القائم مقام الفاعل " يومئذ " إمَّا على حذف مضاف أي: من يُصرف عنه فَزَعُ يومئذ أو هول يومئذ، وإمَّا على قيام الظرف دون مضاف كقولك: " سير يوم الجمعة " وإنما بُني " يومئذ " على الفتح لإِضافته إلى غير متمكن، ولو قرئ بالرفع لكان جائزاً في الكلام، وقد قرئ: { ومِنْ خزي يؤمئذ } فتحاً وجراً بلاعتبارين، وهما اعتباران متعايران، فإن قيل: يلزمُ على عدم تقدير حذف المضاف إقامةُ الظرف غير التام مقامَ الفاعل، وقد نصُّوا على أن الظرف المقطوع عن الإِضافة لا يُخبر به ولا يقوم مقام فاعل، لو قلت: " ضُرب قبلُ " لم يجز، والظرف هنا في حكم المقطوع عن الإِضافة فلا يجوز قيامه مقام / الفاعل إلا على حذف مضاف، فالجواب أن هذا في قوة الظرف المضاف، إذ التنوين عوضٌ عنه، وهذا ينتهض على رأي الجمهور، أما الأخفش فلا، لأن التنوين عنده تنوين صَرْفٍ والكسر كسر إعراب، وقد أوضحت ذلك إيضاحاً شافياً في غير هذا الموضوع.

    الرابع: أن القائم مَقامَه " عنه " والضمير في " عنه " يعود على " مَنْ " و " يومئذ " منصوب على الظرف، والعامل فيه " يُصْرَفْ " ولا يجوز الوجهان الأخيران، أعني نصبَه على الحال؛ لأنَّ الضميرَ للجُثَّة، والزمانُ لا يقع حالاً عنهما كما لا يقع خبراً، وأعني كونَه معمولاً للعذاب، إذ ليس هو قائماً مقام الفاعل.

    والثاني من وجهي " مَنْ ": أنها في محل نصب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، وهذا إذا جعلنا " عنه " في محل نصب بأَنْ يُجْعَلَ القائم مقام الفاعل: إمَّا ضميرَ العذاب وإمَّا " يومئذ " والتقدير: مَنْ يكرم اللَّهُ أو من يُنَجِّ يُصْرف عنه العذابُ أو هولُ يومئذ، ونظيره: " زيدٌ مُرَّ به مرورٌ حسن " ، أقمت المصدر فبقي " عنه " منصوب المحل، والتقدير: جاوزت زيداً مُرَّ به مرورٌ حسن. وأمَّا إذا جُعل " عنه " قائماً مقام الفاعل تعيَّن رَفْعُه بالابتداء.


    الجوهرة السادسة والتسعون بعد الاربعمائة

    وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}

    قال السمين:

    قوله تعالى: { بِكُلِّ صِرَاطٍ }: يجوز أن تكونَ الباءُ على حالها من الإِلصاقِ أو المصاحبةِ، أو تكونَ بمعنى في. و " تُوْعِدون " و " تَصُدُّون " و " تبغون " هذه الجملُ أحوالٌ أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين وباغين. ولم يذكر المُوْعَد به لتذهب النفسُ كلَّ مذهب. ومفعول " تصدُّون " " مَنْ آمن " ، قال أبو البقاء: " مَنْ آمن " مفعول " تصدُّون " لا مفعول " توعدون " إذ لو كان مفعولاً للأول لقال " تَصُدُّونهم ". يعني أنه لو كان كذلك لكانت المسألة من التنازع، وإذا كانت من التنازع وأَعْمَلْتَ الأول لأضمرْتَ في الثاني فكنت تقول: تَصُدُّونهم، لكنه ليس القرآن كذا، فدلَّ على أن " توعدون " ليس عاملاً فيه، وكلامُه يحتمل أن تكون المسألةُ من التنازع ـ ويكون ذلك على إعمال الثاني، وهو مختار البصريين وحَذَف من الأول ـ وألاَّ تكونَ وهو الظاهر.

    وظاهرُ كلام ِالزمخشري أنها من التنازع، وأنه من إعمال الأول، فإنه قال: " فإن قلت: إلام يَرْجِعُ الضمير في " مَنْ آمن به "؟ قلت: إلى كل صراط، تقديره: تُوْعِدون مَنْ آمن به وتَصُدُّون عنه، فوضعَ الظاهر الذي هو " سبيل الله " موضعَ المضمر زيادةً في تقبيح أمرهم ".

    قال الشيخ: " وهذا تعسُّف وتكلُّف مع عدم الاحتياج إلى تقديمٍ وتأخيرٍ ووضْعِ ظاهرٍ موضعَ مضمر، إذ الأصلُ خلافُ ذلك كلِّه، ولا ضرورةَ تدعو إليه، وأيضاً فإنَّه من إعمال الأول وهو مذهبٌ مرجوح، ولو كان من إعمالِ الأول لأضمر في الثاني وجوباً، ولا يجوز حذفهُ إلا في ضرورةِ شعرٍ عند بعضِهم كقوله:2245ـ بعكاظَ يُعْشي الناظِرِيْـ***نَ إذا هُمُ لَمَحُوا شعاعُهفأعمل " يُعْشي " ورفع به " شعاعُه " وحَذَفَ الضمير مِنْ " لمحوا " تقديره: لمحوه. وأجازه بعضُهم بقلةٍ في غير الشعر. والضمير في " به ": إمَّا لكل صراط كما تقدَّم عن أبي القاسم، وإمَّا على الله للعلم به، وإمَّا على سبيل الله، وجاز ذلك لأنه يذكَّر ويؤنَّثُ، وعلى هذا فقد جمع بين الاستعمالين هنا حيث قال " به " فذكَّر، وقال: " وتَبْغُونها عِوَجاً " فأنَّثَ، ومثلُه:
    {*قُلْ هَـظ°ذِهِ سَبِيلِيغ¤*}
    [يوسف: 108

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة السابعةوالتسعون بعد الاربعمائة

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

    قوله تعالى: { فاضربوا فوق الأعناق } في المخاطب بهذا قولان.

    أحدهما: أنهم الملائكة، قال ابن الأنباري: لم تعلم الملائكة أين تقصد بالضرب من الناس، فعلَّمهم الله تعالى ذلك.

    والثاني: أنهم المؤمنون، ذكره جماعة من المفسرين....


    قال السمين:

    قوله: { وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ } ، متعلِّقٌ بمحذوف أي: وليبليَ فَعَلَ ذلك. أو يكون معطوفاً على علةٍ محذوفة أي: ولكن الله رَمَى ليمحق الكفار وليُبْلي المؤمنين. والبلاء في الخير والشر. قال زهير:
    2400ـ................ وأبلاهما خيرَ البلاء الذي يبلو
    والهاءُ في " منه " تعود على الظفر بالمشركين. وقيل: على الرمي قالهما مكي. والظاهر أنها تعود على الله تعالى.

    الجوهرة الثامنة والتسعون بعد الاربعمائة

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير

    قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله } يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم { بالهدى } ، وفيه ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنه التوحيد. والثاني: القرآن. والثالث: تبيان الفرائض. فأما دين الحق، فهو الإسلام. وفي قوله: { ليظهرَه } قولان.

    أحدهما: أن الهاء عائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ليعلّمه شرائع الدِّين كلَّها، فلا يخفى عليه منها شيء، قاله ابن عباس.

    والثاني: أنها راجعة إلى الدين. ثم في معنى الكلام قولان.

    أحدهما: ليظهر هذا الدين على سائر الملل. ومتى يكون ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: عند نزول عيسى عليه السلام، فانه يتبعه أهل كل دين، وتصير المللُ واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام أو أدَّوا الجزية، قاله أبو هريرة، والضحاك. والثاني: أنه عند خروج المهدي، قاله السدي.

    والقول الثاني: أن إظهار الدِّين إنما هو بالحجج الواضحة، وإن لم يدخل الناس فيه.


    الجوهرة التاسعة والتسعون بعد الاربعمائة

    قال السمين فى تفسير سورة التوبة 34:

    قوله: { وَلاَ يُنفِقُونَهَا } تقدَّم شيئان وعاد الضمير [على] مفرد فقيل: إنه من بابِ ما حُذِفَ لدلالة الكلام عليه، والتقدير: والذين يَكْنزون الذهب ولا يُنْفقونه. وقيل: يعود على المكنوزات ودل على هذا جُزْؤه المذكورٌ؛ لأنَّ المكنوزَ أعمُّ من النقدَيْن وغيرِهم، فلمَّا ذَكَر الجزءَ دلَّ على الكل، فعاد الضميرُ جمعاً بهذا الاعتبار، ونظيره قول الآخر:2482 ـ ولو حَلَفَتْ بين الصَّفا أمُّ عامرٍ***ومَرْوَتِها بالله بَرَّتْ يمينهاأي: ومروة مكة، عاد الضميرُ عليها لمَّا ذُكِر جزؤُها وهو الصفا. كذا استدل به ابن مالك، وفيه احتمال، وهو أن يكون الضمير عائداً على الصَّفا، وأُنِّثَ حَمْلاً على المعنى، إذ هو في معنى البقعة والحَدَبة. وقيل: الضميرُ يعودُ على الذهب لأن تأنيثه أشهر، ويكون قد حُذِفَ بعد الفضة أيضاً. وقيل: يعودُ على النفقة المدلول عليها بالفعل كقوله:
    {*ظ±عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ*}
    [المائدة: 8]. وقيل: يعودُ على الزَّكاة أي: ولا ينفقون زكاةَ الأموال. وقيل: يعودُ على الكنوز التي يدل عليها الفعل.


    الجوهرة الخمسمائة

    قال الطبري فى سورة التوبة

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَالمُؤْتَفِكاتِ } قال: هم قوم لوط.

    فإن قال قائل: فإن كان عني بالمؤتفكات قوم لوط، فكيف قيل: المؤتفكات، فجمعت ولم توحد؟ قيل: إنها كانت قريات ثلاثاً، فجمعت لذلك، ولذلك جمعت بالتاء على قول الله:
    { والمؤتفِكةَ أهْوَى }


    فإن قال: وكيف قيل: أتتهم رسلهم بالبينات، وإنما كان المرسل إليهم واحداً؟ قيل: معنى ذلك: أتى كل قرية من المؤتفكات رسول يدعوهم إلى الله، فتكون رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم إليهم للدعاء إلى الله عن رسالته رسلاً إليهم، كما قالت العرب لقوم نسبوا إلى أبي فديك الخارجي الفديكات وأبو فديك واحد، ولكن أصحابه لما نسبوا إليه وهو رئيسهم دعوا بذلك ونسبوا إلى رئيسهم فكذلك قوله: { أتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبَيِّناتِ }. وقد يحتمل أن يقال: معنى ذلك: أتت قوم نوح وعاد وثمود وسائر الأمم الذين ذكرهم الله في هذه الآية رسلهم من الله بالبينات.

    الجوهرة الواحدة بعد الخمسمائة

    *ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِالْبَيِّنَظ°تِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ*}

    قال السمين

    قوله تعالى: { مِن بَعْدِهِ }: أي: بعد نوح. " بالبينات " متعلقٌ بـ " جاؤُوهم " ، أو بمحذوفٍ على أنه حال، أي: ملتبسين بالبينات. وقوله: " ليؤمِنوا " أتىظ° بلام الجحود توكيداً. والضمير في " كَذَّبوا " عائدٌ على مَنْ عاد عليه الضمير في " كانوا " وهم قومُ الرسل. والمعنىظ°: أنَّ حالَهم بعد بعثِ الرسل كحالِهم قبلها في كونهم أهلَ جاهلية، وقال أبو البقاء ومكي: " إن الضميرَ في " كانوا " يعود على قوم الرسل، وفي " كَذَّبوا " يعودُ على قوم نوح، والمعنى: فما كان قومُ الرسلِ ليؤمنوا بما كَذَّب به قومُ نوح، أي: بمثلِه. ويجوز أن تكونَ الهاءُ عائدةً على نوح نفسه من غير حَذْفِ مضافٍ، والتقدير: فما كان قومُ الرسلِ بعد نوح ليؤمنوا بنوحٍ، إذ لو آمنوا به لآمنوا بأنبيائهم. و " من قبل " متعلقٌ بـ " كَذَّبوا " أي من قبل بعثة الرسل. وقيل: الضمائرُ كلُّها تعودُ علىظ° قوم الرسل بمعنى آخر: وهو أنهم بادروا رسلَهم بالتكذيب، كلما جاءَ رسولٌ لَجُّوا في الكفرِ وتمادَوْا عليه فلم يكونوا لِيؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم من قبلِ لَجِّهم في الكفر وتمادِيهم.

    وقال ابن عطية: " ويحتمل اللفظُ عندي معنى آخر، وهو أن تكونَ " ما " مصدرية، والمعنى: فكذَّبوا رسلَهم فكان عقابهم من الله أَنْ لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم مِنْ قبل، أي: من سببه ومن جزائه، ويؤيِّد هذا التأويلَ " كذلك نطبع " ، وهو كلامٌ يحتاج لتأمُّل ". قال الشيخ: " والظاهرُ أنَّ " ما " موصولةٌ، ولذلك عاد الضمير عليها في قوله: { بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ } ولو كانت مصدريةً بقي الضميرُ غيرَ عائدٍ على مذكور، فتحتاج أن يتُكلَّفَ ما يعود عليه الضمير ". قلت: الشيخ بناه على قولِ جمهورِ النحاة في عدمِ كونِ " ما " المصدرية اسماً فيعود عليها ضميرٌ، وقد نبَّهْتُك غيرَ مرةٍ أن مذهبَ الأخفش وابن السراج أنها اسمٌ فيعود عليها الضمير.

    قَالَ ياقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }

    قال السمين:

    قوله تعالى: { وَاتَّخَذْتُمُوهُ }: يجوز أن تكونَ المتعدية لاثنين، أولهما الهاء، والثاني " ظِهْرِيَّا ". ويجوز أنْ يكونَ الثاني هو الظرف و " ظِهْرِياً " حالٌ، وأن تكونَ المتعدية لواحد، فيكون " ظِهْرِيَّاً " حالاً فقط. ويجوز في " وراءكم " أن يكونَ ظرفاً للاتخاذ، وأن يكونَ حالاً مِنْ " ظهريَّاً " ، والضمير في " اتخذتموه " يعود على اللَّه؛ لأنهم ـ يجهلون صفاتِه، فجعلوه ـ أي: جعلوا أوامره ـ ظِهْريَّاً، أي: منبوذَةً وراء ظهورهم.

    والظِهْرِيُّ: هو المنسوبُ إلى الظَّهِيْر وهو مِنْ تغييرات النسب كما قالوا في أَمْس: إمْسِيّ بكسر الهمزة، وإلى الدَّهْر: دُهْرِيّ بضم الدال.

    وقيل: الضمير يعودُ على العصيان، أي: واتخذتم العصيان عوناً على عداوتي، فالظِّهْرِيُّ على هذا بمعنى المُعِين المُقَوِّي

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { واتخذتموه وراءكم } في هاء الكناية قولان:

    أحدهما: أنها ترجع إِلى الله تعالى، قاله الجمهور. قال الفراء: المعنى: رميتم بأمر الله وراء ظهوركم. قال الزجاج: والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمر: قد جعل فلان هذا الأمر بظهر، قال الشاعر:
    تميمَ بنَ قيس لا تكونَنَّ حَاجَتي بظَهْرٍ فلا يَعْيَا عليَّ جَوَابُها
    والثاني: أنها كناية عما جاء به شعيب، قاله مجاه

    الجوهرة الثانية بعد الخمسمائة

    وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَظ±سْتَفْتَحُواْ }: العامَّةُ على " استفتحوا " فعلاً ماضياً، وفي ضميرِه أقوالٌ، أحدُها: أنه عائدٌ على الرسلِ الكرام، ومعنى الاستفتاحِ: الاستنصارُ:
    { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ظ±لْفَتْحُ }
    [الأنفال: 19]. وقيل: طَلَبُ الحكم من الفُتاحة. الثاني: أن يعودَ على الكفَّار، أي: استفتح أُمَمُ الرسلِ عليهم، كقولِه:
    { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ }
    [الأنفال: 32]. وقيل: عائدٌ على الفريقين لأنَّ كُلاًّ طلبَ النصرَ على صاحبِه. وقيل: يعودُ على قريشٍ لأنهم في سِنِي الجَدْبِ اسْتَمْطَرُوْا فلم يُمْطِروا، وهو على هذا مستأنفٌ، وأمَّا على غيرِه من الأقوال فهو عطفٌ على قولِه { فَأَوْحَىظ° إِلَيْهِمْ }.

    وقرأ ابنُ/ عباسٍ ومجاهدٌ وابنُ محيصن " واسْتَفْتِحوا " على لفظِ الأمر، أمراً للرسل بطلبِ النُّصرة، وهي مقوِّيةٌ لعَوْدَهِ في المشهورةِ على الرسل. والتقدير: قال لهم: لنهلكنَّ وقال لهم: اسْتَفْتِحُوا

    {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}

    قال السمين

    قوله تعالى: { أَتَىظ° أَمْرُ ظ±للَّهِ }: في " أتى " وجهان، أحدُهما: - وهو المشهورُ- أنه ماضٍ لفظاً مستقبلٌ معنى؛ إذ المرادُ به يومُ القيامة، وإنما أُبْرِز في صورةِ ما وَقَع وانقضى تحقيقاً له ولصِدْقِ المخبِرِ به. والثاني: أنه على بابه، والمرادُ به مقدِّماتُه وأوائلُه، وهو نَصْرُ رسولِه صلى الله عليه وسلم.

    قوله: { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } في الضميرِ المنصوبِ وجهان، أظهرُهما: أنَّه للأمرِ، فإنَّه هو المُحَدَّثُ عنه. والثاني: أنه لله، أي: فلا تستعجلوا عذابَه.

    قوله: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } يجوز أن تكونَ " ما " مصدريةً فلا عائدَ عند الجمهور، أي: عن إشراكِهم به غيرَه، وأن تكونَ موصولةً اسميةً.

    وقرأ العامَّةُ: { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } بالتاء خطاباً للمؤمنين أو للكافرين. وابنُ جبير بالياء من تحتُ عائداً على الكفار أو المؤمنين.

    وقرأ الأَخَوان: " تُشْرِكُون " بتاءِ الخطابِ جَرْياً على الخطابِ في " تَسْتَعْجِلُوه " والباقون بالياء عَوْداً على الكفار. وقرأ الأعمشُ وطلحةُ والجحدريُّ وجَمٌّ غفيرٌ بالتاء من فوقُ في الفعلين.

    الجوهرة الثالثة بعد الخمسمائة

    قال الالوسي

    ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } أي نصيراً كما روى عن ابن عباس أو ثائراً يطلبنا بما فعلنا انتصاراً منا أو دركاً للثأر من جهتنا فهو كقوله تعالى:
    { فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـظ°هَا }
    [الشمس: 14-15] كما روي عن مجاهد. وضمير { بِهِ } قيل للإرسال، وقيل: للإغراق، وقيل: لهما باعتبار ما وقع ونحوه كما أشير إليه وكأنه سبحانه لما جعل الغرق بين الإعادة إلى البحر انتقاماً في مقابلة الكفر عقبه تعالى بنفي وجدان التبيع فكأنه قيل ننتقم من غير أن يقوم لنصركم فهو وعيد على وعيد وجعل ما قبل من شق العذاب كمس الضر في البحر عقبه بنفي وجدان الوكيل فكأنه قيل لا تجدون من تتكلون عليه في دفعه غيره تعالى لقوله سبحانه:
    { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ }
    [الإسراء: 67] وهذا اختيار صاحب «الكشف» فلا تغفل.انتهى

    الجوهرة الرابعة بعد الخمسمائة

    {*وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً*}

    قال الالوسي

    واستدل المعتزلة بالآية على أن العبد مستقل في أفعاله موجد لها لأنه علق فيها تحقق الإيمان والكفر على محض مشيئته لأن المتبادر من الشرط أنه علة تامة للجزاء فدل على أنه مستقل في إيجادهما ولا فرق بين فعل وفعل فهو الموجد لكل أفعاله. وأجيب بأنا لو فرضنا أن مشيئة العبد مؤثرة وموجدة للأفعال لا يتم المقصود لأن العقل والنقل يدلان على توقفها على مشيئة الله تعالى وإرادته، أما الأول فلأنهم قالوا: لو لم تتوقف على ذلك لزم الدور أو التسلسل، وأما الثاني فلأنه سبحانه يقول:
    {*وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ*}
    [الإنسان: 30] ومع هذا التوقف لا يتم أمر الاستقلال ويثبت أن العبد مضطر في صورة مختار وهو مذهب الأشاعرة. وفي «الإحياء» لحجة الإسلام فإن قلت: إني أجد في نفسي وجداناً ضرورياً أني إن شئت الفعل قدرت عليه وإن شئت الترك قدرت عليه فالفعل والترك بـي لا بغيري قلت: هب أنك تجد من نفسك هذا المعنى ولكن هل تجد من نفسك / أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئة أو لم تشأ تلك المشيئة لم تحصل لأن العقل يشهد بأنه يشاء الفعل لا لسبق مشيئة أخرى على تلك المشيئة وإذا شاء الفعل وجب حصول الفعل من غير مكنة واختيار فحصول المشيئة في القلب أمر لازم وترتب الفعل على حصول المشيئة أيضاً أمر لازم وهذا يدل على أن الكل من الله تعالى انتهى. وبعضهم يكتفي في إثبات عدم الاستقلال بثبوت توقف مشيئة العبد على مشيئة الله تعالى وتمكينه سبحانه بالنص ولا يذكر حديث لزوم الدور أو التسلسل لما فيه من البحث، وتمام الكلام في ذلك في «كتب الكلام»، وسنذكر ان شاء الله تعالى طرفاً لائقاً منه في الموضع اللائق به.

    وقال السدى: هذه الآية منسوخة بقوله سبحانه:
    {*وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ*}
    [الإنسان: 30] ولعله أراد أن لا يراد المتبادر منها للآية المذكورة وإلا فهو قول باطل. وحكى ابن عطية عن فرقة أن فاعل { شَاء } في الشرطيتين ضميره تعالى، واحتج له بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الآية: من شاء الله تعالى له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر.

    والحق أن الفاعل ضمير { مِنْ } والرواية عن الحبر أخرجها ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» فإذا صحت يحتمل أن يكون ذلك القول لبيان أن من شاء الإيمان هو من شاء الله تعالى له الإيمان ومن شاء الكفر هو من شاء الله سبحانه له ذلك لا لبيان مدلول الآية وتحقيق مرجع الضمير، ويؤيد ذلك قوله في آخر الخبر الذي أخرجه الجماعة وهو قوله تعالى:

    {*وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ*}
    [التكوير: 29] والله تعالى أعلم

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,767
    الجوهرة الخامسة بعد الخمسمائة

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير

    وجعلنا بينهم } في المشار إِليهم قولان.

    أحدهما: أنهم المشركون والشركاء.

    والثاني: أهل الهدى وأهل الضلالة.

    وفي معنى { مَوْبقاً } ستة أقوال.

    أحدها: مَهْلِكاً، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وقال ابن قتيبة: مَهْلِكاً بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال: أَوبَقتْه ذنوبُه، [أي: أهلكتْه]. قال الزجاج: [المعنى]: جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي: يهلكهم، فالمَوْبق: المهلك، يقال: وَبِق، يَيْبَقُ، ويابَق، وبَقاً، ووَبَق، يَبِق، وُبُوقاً، فهو وابق؛ وقال الفراء: جعلنا تواصُلهم في الدنيا مَوْبِقاً، أي: مَهْلِكاً لهم في الآخرة، فالبَيْن، على هذا القول، بمعنى التواصل، كقوله تعالى:
    { لقد تَقَطَّع بينُكم }
    [الأنعام: 94] على قراءة من ضمن النون.

    والثاني: أن المَوْبِق: وادٍ عميق يُفرَّق به بين أهل الضلالة وأهل الهدى، قاله عبد الله بن عمرو.

    والثالث: أنه وادٍ في جهنم، قاله أنس بن مالك، ومجاهد.

    والرابع: أن معنى المَوْبِق: العدواة، قاله الحسن.

    والخامس: أنه المَحْبِس، قاله الربيع بن أنس.

    والسادس: أنه المَوْعِد، قاله أبو عبيدة.


    الجوهرة السادسة بعد الخمسمائة

    {*أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}

    قال السمين:

    قوله: { أَنِ ظ±قْذِفِيهِ }: يجوز أن تكون " أنْ " مفسرةً؛ لأنَّ الوَحْيَ بمعنى القول، ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه، وجوَّز غيرُه أن تكونَ مصدريةً. ومحلُّها حينئذٍ النصبُ بدلاً مِنْ " ما يوحَىظ° " والضمائرُ في قوله { أَنِ ظ±قْذِفِيهِ } إلى آخرها عائدةٌ على موسى عليه السلام لأنه المُحَدَّثُ عنه. وجَوَّز بعضُهم أن يعودَ الضمير في قوله { فَظ±قْذِفِيهِ فِي ظ±لْيَمِّ } للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى عليه السلام. وعابَه الزمخشريّ وجعله تنافراً أو مُخْرِجاً للقرآن عن إعجازه فإنه قال: " والضمائر كلُّها راجعة إلىظ° موسى، ورجوعُ بعضها إليه وبعضِها إلى التابوت فيه هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إليه من تنافُرِ النَّظْم. فإنْ قلت: المقذوفُ في البحر هو التابوتُ وكذلك المُلْقى إلى الساحل. قلت: ما ضرَّك لو جَعَلْتَ المقذوفَ والمُلْقى به إلى الساحل هو موسى في جوفِ التابوت حتى لا تُفَرَّقَ الضمائرُ فيتنافرَ عليك النظمُ الذي هو أمُّ إعجاز القرآن والقانونُ الذي وقع عليه التحدِّي، ومراعاتُه أهمُّ ما يجب على المفسِّر ".

    قال الشيخ: " ولقائلٍ أن يقولَ: إن الضمير إذا كان صالحاً لأَنْ يعودَ على الأقربِ وعلى الأبعدِ كان عودُه على الأقربِ راجحاً, وقد نَصَّ النحويون على هذا فَعَوْدُه على التابوتِ في قولِه { فَظ±قْذِفِيهِ فِي ظ±لْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ظ±لْيَمُّ } راجحٌ. والجواب: أنَّ أحدَهما إذا كان مُحَدَّثاً عنه والآخرُ فضلةً، كان عودُه على المحدَّثِ عنه أرجحَ. ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ؛ ولهذا رَدَدْنا على أبي محمد ابن حزم في دَعْواه: أنَّ الضميرَ في قولِه تعالىظ°:
    {*فَإِنَّهُ رِجْسٌ*}
    [الأنعام: 145] عائدٌ على " خنزير " لا على " لحم " لكونه أقربَ مذكورٍ، فَيَحْرُمُ بذلك شحمُه وغُضْرُوْفُه وعظمُه وجِلْدُه، فإن المحدَّث عنه هو " لحمَ خنزيرٍ " لا خنزير ". قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ في الأنعام وما تكلَّم الناسُ فيها.

    قوله: { فَلْيُلْقِهِ ظ±لْيَمُّ } هذا أمرٌ معناه الخبرُ، ولكنه أمراً لفظاً جُزِم جوابُه في قوله: { يَأْخُذْهُ }. وإنما خَرَجَ بصيغة الأمر مبالغةً؛ إذ الأمرُ أقطعُ الأفعالِ وآكدُها. وقال الزمخشري: " لَمَّا كانَتْ مشيئةُ اللهِ وإرادتُه أَنْ لا تُخْطِىءَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوصولَ به إلى الساحل، وألقاه إليه، سلك في ذلك*



    الجوهرة السابعة بعد الخمسمائة

    قال السمين


    قوله: { وَأَن يُحْشَرَ } في محلِّه وجهان، أحدُهما: الجرُّ نَسَقاً على الزينة أي: موعدُكم يومُ الزينة ويومُ أن يُحْشر. أي: ويومُ حَشْرِ الناس. والثاني: الرفعُ: نَسَقاً على " يومُ " التقديرُ: موعدُكم يومُ كذا، وموعدكم أَنْ يُحْشَرَ الناسُ أي: حَشْرُهم.

    وقرأ ابن مسعود والجحدري وأبو نهيك وعمرو بن فائد " وأن تَحْشُرَ الناسَ " بتاء الخطاب في " تَحْشُرَ " ، ورُوي/ عنهم " يَحْشُرَ " بياء الغَيْبة. و " الناسَ " نصبٌ في كلتا القراءتين على المفعوليَّة. والضميرُ في القراءتين لفرعونَ أي: وأَنْ تَحْشُرَ أنت يا فرعونُ، أو وأن يَحْشُرَ فرعونُ. وجوَّز بعضُهم أَنْ يكونَ الفاعلُ ضميرَ اليوم في قراءة الغَيْبة؛ وذلك مجازٌ لمَّا كان الحشرُ واقعاً فيه نُسِبَ إليه نحو: نهارُه صائمٌ وليلُه قائمٌ.

    الجوهرة الثامنة بعد الخمسمائة

    قال السمين

    قوله: { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } قرأ العامَّة " يُخَيَّل " بضمِّ الياء الأولى وفتحِ الثانية مبنياً للمفعول. و " أنَّها تَسْعى " مرفوعٌ بالفعلِ قبلَه لقيامِه مقامَ الفاعلِ تقديرُه: يُخَيَّل إليه سَعْيُها. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: أحدهما: أَنْ يكونَ القائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرَ الحبالِ والعِصِيِّ، وإنما ذُكِّرَ ولم يَقُلْ ِ " تُخَيَّل " بالتاء مِنْ فوقُ؛ لأنَّ تأنيثَ الحبالِ غيرُ حقيقي. الثاني: أنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ ضميرٌ يعودُ على المُلْقى، ولذلك ذُكِّرَ. وعلى الوجهين ففي قولِه " أنها تسعى " وجهان، أحدُهما: أنَّه بدلُ اشتمالٍ من ذلك الضمير المستترِ في " يُخَيَّل ". والثاني: أنه مصدرٌ في موضع نصبٍ على الحالِ من الضميرِ المستتر أيضاً. والمعنى: يُخَيَّل إليه هي أنها ذاتُ سَعْيٍ. ولا حاجةَ إلىظ° هذا، وأيضاً فقد نَصُّوا على أنَّ المصدرَ المؤول لا يقع موقعَ الحالِ. لو قلت: " جاء زيدٌ أَنْ يركضَ " تريد ركضاً، بمعنىظ° ذا ركض، لم يَجُزْ.

    وقرأ ابن ذكوان " تُخَيَّلُ " بالتاء من فوق. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ الفعلَ مُسْنَدٌ لضميرِ الحبالِ والعِصِيِّ أي: تُخَيَّلُ الحبالُ والعِصِيُّ، و " أنَّها تَسْعَى " بدلُ اشتمال من ذلك الضميرِ. الثاني: كذلك إلاَّ أنَّ " أنَّها تَسْعى " حالٌ أي: ذات سعي كما تقدَّم تقريرُه قبل ذلك. الثالث: أن الفعلَ مسندٌ لقولِه " أنَّها تَسْعى " كقراءةِ العامَّةِ في أحدِ الأوجهِ، وإنما أَنَّثَ الفعلَ لاكتسابِ المرفوعِ التأنيثَ بالإِضافة؛ إذا التقديرُ: تُخَيَّلُ إليه سعيُها فهو كقوله:
    3302ـ......................... ......... شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ
    [وقوله تعالى:]
    { فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }
    [الأنعام: 160].

    وقرأ أبو السَّمَّال " تَخَيَّلُ " بفتح التاءِ والياء مبنياً للفاعلِ، والأصلُ: تَتَخَيَّلُ فَحَذَفَ إحدى التاءَيْن نحو:
    { تَنَزَّلُ ظ±لْمَلاَئِكَةُ }
    [القدر: 4]، و " أنَّها تَسْعَىظ° " بدلُ اشتمالٍ أيضاً من ذلك الضمير. وجَوَّز ابنُ عطيةَ أيضاً أنه مفعولٌ مِنْ أجله. ونقل ابنُ جُبارة الهُذَليُّ قراءة أبي السمَّال " تُخَيِّل " بضمِّ التاء مِنْ فوقُ وكسر الياء، فالفعلُ مسندٌ لضميرِ الحِبال، و " أنها تَسْعىظ° " مفعولٌ أي: تُخَيِّلُ الحبالُ سَعْيَها. ونَسَبَ ابنُ عطيةَ هذه القراءةَ للحسنِ وعيسى الثقفيِّ.

    ...

    والضميرُ في " إليه " الظاهرُ عَوْدُه على موسى. وقيل: يعود على فرعون، ويَدُلُّ للأولِ قولُه تعالى: { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى }.

    الجوهرة التاسعة بعد الخمسمائة

    قال الطبري

    وكان ابن عبـاس فـيـما ذَكر عنه يقول: إنـما عنى بقوله: { وَجَعَلْنا فِـيها فِجاجا } وجعلنا فـي الرواسي، فـالهاء والألف فـي قوله: { وَجَعَلْنا فِـيها } من ذكر الرواسي.

    حدثنا بذلك القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس، قوله: { وَجَعَلْنا فِـيها فِجاجاً } سبلاً، قال: بـين الـجبـال.

    وإنـما اخترنا القول الآخر فـي ذلك وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها دخـل فـي ذلك السهل والـجبل وذلك أن ذلك كله من الأرض، وقد جعل الله لـخـلقه فـي ذلك كله فجاجا سبلاً. ولا دلالة تدلّ علـى أنه عنى بذلك فجاج بعض الأرض التـي جعلها لهم سبلاً دون بعض، فـالعموم بها أولـى.انتهى

    الجوهرة العاشرة بعد الخمسمائة


    قال القرطبي

    قوله تعالى: { فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ } «هي» ضمير الأبصار، والأبصار المذكورة بعدها تفسير لها؛ كأنه قال: فإذا أبصار الذين كفروا شخصت عند مجيء الوعد. وقال الشاعر:
    لَعمرُ أبيها لا تقول ظَعِينتِي أَلاَ فَرَّ عني مالكُ بن أبِي كعب
    فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها. وقال الفراء: «هي» عماد، مثل
    { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ظ±لأَبْصَارُ }
    [الحج: 46]. وقيل: إن الكلام تم عند قوله: «هي» التقدير: فإذا هي؛ بمعنى القيامة بارزة واقعة؛ أي مِن قُربها كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال: { شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } على تقديم الخبر على الابتداء؛ أي أبصار الذين كفروا شاخصة من هذا اليوم؛ أي من هوله لا تكاد تطرف؛ يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها.

    *وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ*}

    قال السمين

    قوله: { وَلَهُمْ مَّقَامِعُ }: يجوزُ في هذا الضميرِ وجهان، أظهرُهما: أنه يعودُ على الذين كفروا، وفي اللام حينئذٍ قولان، أحدهما: أنها للاستحقاقِ. والثاني: أنها بمعنى " على " كقولِه: و
    {*لَهُمُ اللَّعْنَةُ}
    [الرعد: 25] وليس بشيءٍ. الوجه الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ على الزبانية أعوانِ جهَّنَم ودَلَّ عليهم سياقُ الكلامِ، وفيه بُعْدٌ

    الجوهرة الحادية عشر بعد الخمسمائة

    وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ }

    قال الالوسي

    { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا } بعد إهلاكهم وإنجاء بني إسرائيل من مملكتهم { مُوسَى ظ±لْكِتَـظ°بَ } أي التوراة، وحيث كان إيتاؤه عليه السلام إياها لإرشاد قومه إلى الحق كما هو شأن الكتب الإلظ°هية جعلوا كأنهم أوتوها فقيل: { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } أي إلى طريق الحق علماً وعملاً لما تضمنته من الاعتقاديات والعمليات. وجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف أي آتينا قوم موسى وضمير { لَعَلَّهُمْ } عائد عليه، وقيل أريد بموسى عليه السلام قومه كما يقال تميم وثقيف للقبيلة. وتعقب بأن المعروف في مثله إطلاق أبـي القبيلة عليهم وإطلاق موسى عليه السلام على قومه ليس من هذا القبيل وإن كان لا مانع منه، ولم يجعل ضمير { لَعَلَّهُمْ } لفرعون وملئه لظهور أن التوراة إنما نزلت بعد إغراقهم لبني إسرائيل وقد يستشهد على ذلك بقوله تعالى:
    { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ظ±لْكِتَـظ°بَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ظ±لْقُرُونَ ظ±لأُولَىظ° }
    [القصص: 43] بناء على أن المراد بالقرون الأولى ما يعم فرعون وقومه ومن قبلهم من المهلكين كقوم نوح وهود لا ما يخص من قبلهم من الأمم المهلكين لأن تقييد الأخبار بإتيانه عليه السلام الكتاب بأنه بعد إهلاك من تقدم من الأمم معلوم فلو لم يدخل فرعون وقومه لم يكن فيه فائدة كما قيل، ولم يذكر هظ°رون مع موسى عليهما السلام اقتصاراً على من هو كالأصل في الإيتاء، وقيل لأن الكتاب نزل بالطور وهظ°رون عليه السلام كان غائباً مع بني إسرائيل.

    الجوهرة الثانية عشر بعد الخمسمائة

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } أي يقول الله تعالى عند تبرّي المعبودين: { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } أي في قولكم إنهم آلهة. { فَمَا تَسْتَطِيعُونَ } يعني الآلهة صرف العذاب عنكم ولا نصركم. وقيل: فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون { صَرْفاً } للعذاب { وَلاَ نَصْراً } من الله. وقال ابن زيد: المعنى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد؛ وعلى هذا فمعنى { بِمَا تَقُولُونَ } بما تقولون من الحق وقال أبو عبيد: المعنى؛ فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق الذي هداكم الله إليه، ولا نصراً لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم. وقراءة العامة { بِمَا تَقُولُونَ } بالتاء على الخطاب. وقد بيّنا معناه. وحكى الفراء أنه يقرأ: { فَقَدْ كَذَبُوكُمْ } مخففاً، { بِمَا يَقُولُونَ }. وكذا قرأ مجاهد والبَزّي بالياء، ويكون معنى { يَقُولُونَ } بقولهم. وقرأ أبو حَيْوَة: { بِمَا يَقُولُونَ } بياء { فَما تَسْتَطِيعُونَ } بتاء على الخطاب لمتخِذِي الشركاء. ومن قرأ بالياء فالمعنى: فما يستطيع الشركاء

    وقال السمين

    قوله: { نُذِقْهُ } العامَّةُ بنونِ العظمةِ، وقرىء بالياءِ, وفي الفاعلِ وجهان، أظهرهُما: أنَّه اللهُ تعالىظ° لدلالةِ قراءةِ العامَّةِ على ذلك. والثاني: أنه ضميرُ الظلمِ المفهومِ من الفعل. وفيه تَجَوُّزُ بإسناد إذاقةِ العذابِ إلى سببِها وهو الظلمُ.

    الجوهرة الثالثة عشر بعد الخمسمائة

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير

    فاسأل به خبيراً } ، و«به» بمعنى: «عنه»، قال [عَلْقَمة بن عَبَدة]:
    فانْ تَسْأَلُونِي بالنِّساء فانَّني بَصِيرٌ بأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
    وفي هاء «به» ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنها ترجع إِلى الله عز وجل.

    والثاني: إِلى اسمه الرحمن، لأنهم قالوا: لا نعرف الرَّحمن.

    والثالث: إِلى ما ذكر مِنْ خَلْق السموات والأرض وغير ذلك.

    وفي «الخبير» أربعة أقوال.

    أحدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس.

    والثاني: أنه الله عز وجل، والمعنى: سلني فأنا الخبير، قاله مجاهد.

    والثالث: [أنه] القرآن، قاله شمر.

    والرابع: مُسْلِمة أهل الكتاب، قاله أبو سليمان، وهذا يخرَّج على قولهم: لا نعرف الرَّحمن، فقيل: سَلُوا مُسَلِمة أهل الكتاب، فان الله تعالى خاطب موسى في التوراة باسمه الرحمن، فعلى هذا، الخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد سواه.

    الجوهرة الرابعة عشر بعد الخمسمائة

    *يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ}

    قال السمين

    قوله: { يُلْقُونَ }: يجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ على " الشياطين " ، فيجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ مِنْ " يُلْقُون " حالاً، وأَنْ تكونَ مستأنفةً. ومعنى إلقائِهم السمعَ: إنصاتُهم إلى الملأ الأعلى لِيَسْتَرِقُّوا شيئاً، أو يُلْقُوْن الشيءَ المسموعَ إلى الكهنةِ. ويجوزُ أَنْ يعودَ على { كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } من حيثُ إنَّه جَمْعٌ في المعنىظ°. فتكونُ الجملة: إمَّا مستأنفةً، وإمَّا صفةً لـ " كلِّ أَفَّاكٍ " ومعنى الإِلقاء ما تقدَّم.

    وقال الشيخ ـ حالَ عَوْدِ الضميرِ على " الشياطين " ، وبعدما ذكر المعنيين المتقدِّمين في إلقاءِ السَّمْعِ ـ قال: " فعلىظ° معنىظ° الإِنْصاتِ يكونُ " يُلْقُون " استئنافَ إخبار، وعلى إلقاءِ المسموع إلى الكَهَنَةِ يُحْتَمَلُ الاستئنافُ، واحْتُمِلَ الحالُ من " الشياطين " أي: تَنَزَّل على كلِّ أَفَّاكٍ أثيمٍ مُلْقِِيْنَ ما سَمِعُوا ". انتهى وفي تخصيصه الاستئنافَ بالمعنى الأولِ، وتجويزِه الوجهين في المعنى الثاني نظرٌ؛ لأنَّ جوازَ الوجهين جارٍ في المعنَيَيْن فيُحتاج في ذلك إلى دليلٍ

    ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ*}

    قال السمين

    قوله: { ارْجِعْ }: الظاهرُ أنَّ الضميرَ يعودُ على الرسولِ. وتقدَّمَتْ قراءةُ عبدِ الله " ارْجِعُوا ". وقيل: يعودُ على الهُدْهُدِ

    الجوهرة الخامسة عشر بعد الخمسمائة

    قال الطبري

    وقوله: { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وهم لا يشعرون هلاكهم علـى يده.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } قال: وهم لا يشعرون أن هلكتهم علـى يديه، وفـي زمانه.

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي سفـيان، عن معمر، عن قَتادة { أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } قال: إن هلاكهم علـى يديه.

    حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } قال: آل فرعون إنه لهم عدوّ.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } بـما هو كائن من أمرهم وأمره.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت امرأة فرعون آسية: { لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَدا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } يقول الله: وهم لا يشعرون أي بـما هو كائن بـما أراد الله به.

    وقال آخرون: بل معنى قوله { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } بنو إسرائيـل لا يشعرون أنَّا التقطناه.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس { لا تقتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } قال: يقول: لا تدري بنو إسرائيـل أنَّا التقطناه.

    والصواب من القول فـي ذلك، قول من قال: معنى ذلك: وفرعون وآله لا يشعرون بـما هو كائن من هلاكهم علـى يديه.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات به لأنه عُقَـيب قوله: { وَقالَتِ امْرأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لـي ولَكَ، لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً } وإذا كان ذلك عقبه، فهو بأن يكون بـياناً عن القول الذي هو عقبه أحقّ من أن يكون بـياناً عن غيره.

    وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ }

    قال السمين

    قوله: { وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } الظاهرُ أنه ضميرُ موسىظ°. وقيل: لفرعون. ومن طريف ما يُحْكىظ°: أنها لَمَّا قالَتْ لهم ذلك استنكروا حالَها وتفرَّسوا أنها قَرابَتُه. فقالَتْ: إنما أردْتُ: وهم للمَلِكِ ناصحون. فتخلَّصَتْ منهم. قاله ابن جريج. قلت: وهذا يُسَمَّى عند أهلِ البيانِ " الكلامَ المُوَجَّه " ومثلُه لَمَّا سُئل بعضُهم وكان بين أقوامٍ، بعضُهم يُحِبُّ عليَّاً دونَ غيرِه، وبعضُهم أبا بكر، وبعضُهم عمرَ، وبعضُهم عثمانَ، فقيل له: أيُّهم أحبُّ إلى رسول الله؟ فقال: مَنْ كانت ابنتُه تحت

صفحة 1 من 6 12345 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •