صفحة 3 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 45 من 101

الموضوع: جواهر الضمائر فى كتاب الله

  1. #31
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    الجوهرة الخامسة والستون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى الكهف

    قوله: { أَبْصِرْ بِهِ }: صيغةُ تعجبٍ بمعنى ما أبصرَه، على سبيل المجاز، والهاءُ للهِ تعالى. وفي مثلِ هذا ثلاثةُ مذاهبَ: الأصحُّ أنه بلفظِ الأمرِ ومعناه الخبرُ، والباءُ مزيدةٌ في الفاعل إصلاحاً للَّفْظ. والثاني: أنَّ الفاعلَ ضميرُ المصدرِ. والثالث: أنه ضميرُ المخاطبِ، أي: أَوْقِعْ أيها المخاطبُ. وقيل: هو أمرٌ حقيقةً لا تعجبٌ، وأن الهاءَ تعودُ على الهُدَى المفهوم من الكلام.

    وقرأ عيسى: " أَسْمَعَ " و " أَبْصَرَ " فعلاً ماضياً، والفاعلُ الله تعالى، وكذلك الهاءُ في " به " ، أي: أبصرَ عبادَه وأَسْمعهم.

    قوله: " مِنْ وليّ " يجوز أَنْ يكونَ فاعلاً، وأَنْ يكونَ مبتدأً.

    قوله: " ولا يُشْرك " ، قرأ ابن عامر بالتاءِ والجزم، أي: ولا تُشْرِكْ أنت أيها الإِنسانُ. والباقون بالياء من تحتُ ورفعِ الفعلِ، أي: ولا يُشْرك اللهُ في حكمِه أحداً، فهو نفيٌ مَحْضٌ.

    وقرأ مجاهد: " ولا يُشْرِكْ " بالتاء من تحتُ والجزم.

    قال يعقوب: " لا أعرفُ وجهه ". قلت: وجهُه أنَّ الفاعلَ ضميرُ الإِنسانِ، أُضْمِرَ للعِلْمِ به.

    والضميرُ في قولِه/ " مالهم " يعود على معاصري رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: " وتكون الآيةُ اعتراضاً بتهديد ". كأنَّه يعني بالاعتراضِ أنهم ليسوا ممَّن سَبَق الكلامُ لأجلهم، ولا يريد الاعتراضَ الصناعيِّ.

    وقال الالوسي

    وقرأ عيسى { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } بصيغة الماضي فيهما وخرج ذلك أبو حيان على أن المراد الإخبار لا التعجب، والضمير المجرور لله تعالى أي أبصر عباده بمعرفته سبحانه وأسمعهم، وجوز أن يكون { أَبْصِرْ } أفعل تفضيل وكذا { أَسْمِعْ } وهو منصوب على الحالية من ضمير (له) وضمير { بِهِ } عائد على الغيب وليس المراد حقيقة التفضيل بل عظم شأن بصره تعالى وسمعه عز وجل، ولعل هذا أقرب مما ذكره أبو حيان. وحاصل المعنى عليه أنه جل شأنه يعلم غيب السمظ°وات والأرض بصيراً به وسميعاً على أتم وجه وأعظمه.

    { مَا لَهُم } أي لأهل السمظ°وات والأرض المدلول عليه بذكرهما { مِن دُونِهِ } تعالى { مِن وَلِىّ } من يتولى أمورهم { وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ } في قضائه تعالى { أَحَدًا } كائناً من كان ولا يجعل له فيه مدخلاً، وقيل يحتمل أن يعود الضمير لأصحاب الكهف وإضافة حكم للعهد على معنى ما لهم من يتولى أمرهم ويحفظهم غيره سبحانه ولا يشرك في حكمه الذي ظهر فيهم أحداً من الخلق.

    وجوز ابن عطية أن يعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار المشاقين له عليه الصلاة والسلام وجعل الآية اعتراضاً بتهديد، وقيل يحتمل أن يعود على معنى مؤمني أهل السمظ°وات والأرض. والمراد أنهم لن يتخذوا من دونه تعالى ولياً، وقيل: يعود على المختلفين في مدة لبث أصحاب الكهف أي لا يتولى أمرهم غير الله تعالى فهم لا يقدرون بغير إقداره سبحانه فكيف يعلمون بغير إعلامه عز وجل والكل كما ترى. ثم لا يخفى عليك أن ما في النظم الكريم أبلغ في نفي الشريك من أن يقال من ولي ولا شريك.

    وقرأ مجاهد { وَلاَ يُشْرِكْ } بالياء آخر الحروف والجزم، قال يعقوب: لا أعرف وجه ذلك، ووجهه بعضهم بأنه سكن بنية الوقف. وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري وأبو حيوة وزيد وحميد بن الوزير عن يعقوب والجعفي واللؤلؤي عن أبـي بكر { ولا تشرك } بالتاء ثالث الحروف والجزم على أنه نهي لكل أحد عن الشرك لا نهي له صلى الله عليه وسلم ولو جعل له عليه الصلاة والسلام لجعل تعريضاً بغيره كقوله:
    إياك أعني واسمعي يا جاره
    فيكون مآله إلى ذلك. وجوز أن يكون الخطاب له صلى الله عليه وسلم ويجعل معطوفاً على
    { لا تَقْولَنَّ }
    [الكهف: 23] والمعنى لا تسأل أحداً عما لا تعرفه من قصة أصحاب الكهف ولبثهم واقتصر على ما يأتيك في ذلك من الوحي أو لا تسأل أحداً عما أخبرك الله تعالى به من نبأ مدة لبثهم واقتصر على بيانه سبحانه ولا يخفى ما فيه من كثرة مخالفة الظاهر

    الجوهرة السادسة والستون بعد الخمسمائة

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً } الضمير في قوله عندها إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الشمس ويكون التأنيث للشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان هذا الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس. والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى العين الحامية، وعلى هذا القول فالتأويل ما ذكرناه،...

    قال الالوسي

    حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ } في الكلام حذف أي فأتوه إياها فأخذ يبني شيئاً فشيئاً حتى إذا جعل ما بين جانبـي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في العلو فبين مفعول ساوى وفاعله ضمير ذي القرنين، وقيل: الفاعل ضمير السد المفهوم من الكلام أي فأتوه إياها فأخذ يسد بها حتى إذا ساوى السد الفضاء الذي بين الصدفين ويفهم من ذلك مساواة السد في العلو للجبلين، والصدف كما أشرنا إليه جانب الجبل وأصله على ماقيل: الميل،

    الجوهرة السابعة والستون بعد الخمسمائة

    { وَظ±تَّخَذُواْ مِن دُونِ ظ±للَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } *كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }

    قال ابن عاشور

    عطف على جملة
    { ويقول الإنسان أإذا ما مت }
    مريم 66 فضمير { اتخذوا } عائد إلى الذين أشركوا لأنّ الكلام جرى على بعض منهم.والاتخاذ جعل الشخص الشيءَ لنفسه، فجعل الاتخاذ هنا الاعتقاد والعبادة. وفي فعل الاتخاذ إيماء إلى أن عقيدتهم في تلك الآلهة شيء مصطلح عليه مختلق لم يأمر الله به كما قال تعالى عن إبراهيم
    { قال أتعبدون ما تنحتون }
    الصافات 95.وفي قوله { من دون الله } إيماء إلى أن الحق يقتضي أن يتّخذوا الله إلهاً، إذ بذلك تقرّر الاعتقاد الحق من مبدأ الخليقة، وعليه دلّت العقول الراجحة.ومعنى { ليكون لهم عزاً } ليكونوا مُعزّين لهم، أي ناصرين، فأخبر عن الآلهة بالمصدر لتصوير اعتقاد المشركين في آلهتهم أنّهم نفس العزّ، أي إن مجرد الانتماء لها يكسبهم عزّاً.وأجرى على الآلهة ضمير العاقل لأنّ المشركين الذين اتخذوهم توهموهم عقلاء مدبرين.والضميران في قوله { سيكفرون - ويَكونون } يجوز أن يَكونا عائدين إلى آلهة، أي سينكر الآلهةُ عبادةَ المشركين إيّاهم، فعبر عن الجحود والإنكار بالكفر، وستكون الآلهة ذُلاّ ضد العزّ.والأظهر أن ضمير { سيكفرون } عائد إلى المشركين، أي سيكفر المشركون بعبادة الآلهة فيكون مقابل قوله { واتخذوا من دون الله آلهة }. وفيه تمام المقابلة، أي بَعد أن تكلفوا جعلهم آلهةً لهم سيكفرون بعبادتهم، فالتعبير بفعل { سيكفرون } يرجح هذا الحمل لأن الكفر شائع في الإنكار الاعتقادي لا في مطلق الجحود، وأن ضمير { يكونون } للآلهة وفيه تشتيت الضمائر. ولا ضير في ذلك إذ كان السياق يُرجع كلاً إلى ما يناسبه، كقول عباس بن مرداس
    عُدنا ولولا نحن أحدق جمعهم بالمسلمين وأحرزوا ما جَمّعوا
    أي وأحرز جَمْع المشركين ما جمّعه المسلمون من الغنائم.ويجوز أن يكون ضميرا { سيكفرون - ويكونون } راجعين إلى المشركين. وأن حرف الاستقبال للحصول قريباً، أي سيكفر المشركون بعبادة الأصنام ويدخلون في الإسلام ويكونون ضداً على الأصنام يهدمون هياكلها ويلعنونها، فهو بشارة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن دينه سيظهر على دين الكفر. وفي هذه المقابلة طباق مرتين.والضد اسم مصدر، وهو خلاف الشيء في الماهية أو المعاملة. ومن الثاني تسمية العدو ضدّاً. ولكونه في معنى المصدر لزم في حال الوصف به حالة واحدة بحيث لا يطابق موصوفه

    الجوهرة الثامنة والستون بعد الخمسمائة


    أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي }

    قال السمين

    قوله: { أَنِ ظ±قْذِفِيهِ }: يجوز أن تكون " أنْ " مفسرةً؛ لأنَّ الوَحْيَ بمعنى القول، ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه، وجوَّز غيرُه أن تكونَ مصدريةً. ومحلُّها حينئذٍ النصبُ بدلاً مِنْ " ما يوحَىظ° " والضمائرُ في قوله { أَنِ ظ±قْذِفِيهِ } إلى آخرها عائدةٌ على موسى عليه السلام لأنه المُحَدَّثُ عنه. وجَوَّز بعضُهم أن يعودَ الضمير في قوله { فَظ±قْذِفِيهِ فِي ظ±لْيَمِّ } للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى عليه السلام. وعابَه الزمخشريّ وجعله تنافراً أو مُخْرِجاً للقرآن عن إعجازه فإنه قال: " والضمائر كلُّها راجعة إلىظ° موسى، ورجوعُ بعضها إليه وبعضِها إلى التابوت فيه هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إليه من تنافُرِ النَّظْم. فإنْ قلت: المقذوفُ في البحر هو التابوتُ وكذلك المُلْقى إلى الساحل. قلت: ما ضرَّك لو جَعَلْتَ المقذوفَ والمُلْقى به إلى الساحل هو موسى في جوفِ التابوت حتى لا تُفَرَّقَ الضمائرُ فيتنافرَ عليك النظمُ الذي هو أمُّ إعجاز القرآن والقانونُ الذي وقع عليه التحدِّي، ومراعاتُه أهمُّ ما يجب على المفسِّر ".

    قال الشيخ: " ولقائلٍ أن يقولَ: إن الضمير إذا كان صالحاً لأَنْ يعودَ على الأقربِ وعلى الأبعدِ كان عودُه على الأقربِ راجحاً, وقد نَصَّ النحويون على هذا فَعَوْدُه على التابوتِ في قولِه { فَظ±قْذِفِيهِ فِي ظ±لْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ظ±لْيَمُّ } راجحٌ. والجواب: أنَّ أحدَهما إذا كان مُحَدَّثاً عنه والآخرُ فضلةً، كان عودُه على المحدَّثِ عنه أرجحَ. ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ؛ ولهذا رَدَدْنا على أبي محمد ابن حزم في دَعْواه: أنَّ الضميرَ في قولِه تعالىظ°:
    { فَإِنَّهُ رِجْسٌ }
    [الأنعام: 145] عائدٌ على " خنزير " لا على " لحم " لكونه أقربَ مذكورٍ، فَيَحْرُمُ بذلك شحمُه وغُضْرُوْفُه وعظمُه وجِلْدُه، فإن المحدَّث عنه هو " لحمَ خنزيرٍ " لا خنزير ". قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ في الأنعام وما تكلَّم الناسُ فيها

    ملحوظة

    قال السمين فى الانعام

    وقوله: " فإنه " الهاء فيها خلاف، والظاهر عَوْدُها على " لحم " المضاف لخنزير. وقال ابن حزم: " إنها تعود على خنزير لأنه أقرب مذكور " ورُجِّح الأول بأن اللحم هو المحدِّث عنه، والخنزير جاء بعرَضيَّة الإِضافة إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: " رأيت غلام زيد فأكرمته " أن الهاء تعود على الغلام لأنه المحدَّث عنه المقصودُ بالإِخبار عنه، لا على زيد؛ لأنه غير مقصود. ورُجِّح الثاني بأن التحريم المضاف للخنزير ليس مختصاً بلحمه بل شحمُه وشعره وعظمه وظِلْفُه كذلك، فإذا أعدنا الضمير على خنزير كان وافياً بهذا المقصود، وإذا أَعَدْنا على " لحم " لم يكن في الآية تعرُّضٌ لتحريم ما عدا اللحمَ مما ذكر. وقد أُجيب عنه بأنه إنما ذُكِر اللحم دون غيره، وإن كان غيرُه مقصوداً بالتحريم؛ لأنه أهمُّ ما فيه وأكثر ما يُقصد منه اللحم، كما ذلك في غيره من الحيوانات، وعلى هذا فلا مفهوم لتخصيص اللحم بالذِّكر، ولو سُلِّم فإنه يكون من باب مفهوم اللقب وهو ضعيف جداً. وقوله " فإنه رِجْسٌ ": إمَّا على المبالغة بأَنْ جُعل نفس الرجس، أو على حَذْفِ مضاف وله نظائر.

    وقال الالوسي

    واستدل الشافعية بقوله سبحانه: { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } على نجاسة الخنزير بناء على عود الضمير على خنزير لأنه أقرب مذكور.

    وقال الالوسي

    واسم أخته عليه السلام مريم، وقيل: كلثوم وصيغة المضارع لحكاية / الحال الماضية، وكذا يقال في قوله تعالى: { فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىظ° مَن يَكْفُلُهُ } أي يضمه إلى نفسه ويربيه. { فَرَجَعْنَـظ°كَ إِلَىظ° أُمّكَ } الفاء فصيحة أي فقالوا: دلينا على ذلك فجاءت بأمك فرجعناك إليها { كَى تَقَرَّ عَيْنُها } بلقائك. وقرىء { تقر } بكسر القاف. وقرأ جناح بن حبيش { تقر } بالبناء للمفعول { وَلاَ تَحْزَنْ } أي لا يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك وإلا فزوال الحزن مقدم على السرور المعبر عنه بقرة العين فإن التخلية مقدمة على التحلية. وقيل: الضمير المستتر في { تخزن } لموسى عليه السلام أي ولا تحزن أنت بفقد إشفاقها، وهذا وإن لم يأبه النظم الكريم إلا أن حزن الطفل غير ظاهر، وما في سورة القصص يقتضي الأول والقرآن يفسر بعضه بعضاً

    الجوهرة التاسعة والستون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى اية الكرسي

    و " يَعْلَمُ " هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ خبراً لأحدِ المبتدأين المتقدمين أو استئنافاً أو حالاً. والضميرُ في " أيديهم " و " خلفهم " يعودُ على " ما " في قوله: { لَّهُ مَا فِي ظ±لسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ظ±لأَرْضِ } إنه غَلَّبَ مَنْ يعقِلُ على غيرِه. وقيل: يعودُ على العُقَلاء ممَّن تضمَّنه لفظُ " ما " دونَ غيرِهم. وقيل: يعودُ على ما دَلَّ عليه " مَنْ ذا " من الملائكةِ والأنبياء. وقيل: من الملائكة خاصةً.

    الجوهرة السبعون بعد الخمسمائة

    قال الرازى فى الانبياء

    قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: الفج الطريق الواسع، فإن قلت في الفجاج معنى الوصف فمالها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى: { لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } قلت لم تقدم وهي صفة، ولكنها جعلت حالاً كقوله:
    لعزة موحشاً طلل قديم
    والفرق من جهة المعنى أن قوله سبلاً فجاجاً، إعلام بأنه سبحانه جعل فيها طرقاً واسعة، وأما قوله: { فِجَاجاً سُبُلاً } فهو إعلام بأنه سبحانه حين خلقها جعلها على تلك الصفة، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى. المسألة الثانية: في قوله { فِيهَا } قولان: أحدهما أنها عائدة إلى الجبال، أي وجعلنا في الجبال التي هي رواسي فجاجاً سبلاً، أي طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً. الثاني: أنها عائدة إلى الأرض، أي وجعلنا في الأرض فجاجاً وهي المسالك والطرق وهو قول الكلبي.

    وقال الالوسي فى الانبياء

    وقوله عز وجل: { يَسْبَحُونَ } حال؛ ويجوز أن يكون الخبر و { فِى فَلَكٍ } حالاً أو متعلقاً به وجملة { كُلٌّ } الخ حال من (الشمس والقمر) والرابط الضمير دون واو بناء على جواز ذلك من غير قبح، ومن استقبحه جعلها مستأنفة وكان ضميرهما جمعاً اعتباراً للتكثير بتكاثر المطالع فيكون لهما نظراً إلى مفهومهما الوضعي أفراد خارجية بهذا الاعتبار لا حقيقة، ولهذا السبب يقال شموس وأقمار وإن لم يكن في الخارج إلا شمس واحد وقمر واحد والذي حسن ذلك هنا توافق الفواصل، وزعم بعضهم أنه غلب القمران لشرفهما على سائر الكواكب فجمع الضمير لذلك. وقيل: الضمير للنجوم وإن لم تذكر لدلالة ما ذكر عليها. / وقيل: الضمير للشمس والقمر والليل والنهار، وفيه أن الليل والنهار لا يحسن وصفهما بالسباحة وإن كانت مجازاً عن السير، واختيار ضمير العقلاء إما لأنهما عقلاء حقيقة كما ذهب إليه بعض المسلمين كالفلاسفة، وإما لأنهما عقلاء ادعاء وتنزيلاً حيث نسب إليهما السباحة وهي من صنائع العقلاء.انتهى

    قال الالوسي


    وقوله تعالى: { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } استئناف مقرر لما قبله من الإنكار أي لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم ويدفعوا عنها ما ينزل بها ولا هم منا يصحبون بنصر أو بمن يدفع عنهم ذلك من جهتنا فهم في غاية العجز وغير معتنى بهم فكيف يتوهم فيهم ما يتوهم، فالضمائر للآلهة بتنزيلهم منزلة العقلاء وروي عن قتادة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها للكفرة على معنى لا يستطيع الكفار نصر أنفسهم بآلهتهم ولا يصحبهم نصر من جهتنا، والأول أولى بالمقام وإن كان هذا أبعد عن التفكيك، و { مِنَّا } على القولين يحتمل أن يتعلق بالفعل بعده وأن يتعلق بمقدر وقع صفة لمحذوف..

    قال ابو حيان فى البحر

    بل تأتيهم بغتة } أي تفجؤهم. قال ابن عطية { بل تأتيهم } استدراك مقدر قبله نفي تقديره إن الآيات لا تأتي بحسب اقتراحهم انتهى. والظاهر أن الضمير في { تأتيهم } عائد على النار: وقيل: على الساعة التي تصبرهم إلى العذاب. وقيل: على العقوبة. وقال الزمخشري: في عود الضمير إلى النار أو إلى الوعد لأنه في معنى النار وهي التي وعدوها، أو على تأويل العدة والموعدة أو إلى الحين لأنه في معنى الساعة أو إلى البعثة انتهى.

    وقرأ الأعمش بل يأتيهم بالياء بغتة بفتح الغين فيبهتهم بالياء والضمير عائد إلى الوعد أو الحين قاله الزمخشري. وقال أبو الفضل الرازي: لعله جعل النار بمعنى العذاب فذكر ثم رد ردّها إلى ظاهر اللفظ

    انتهى

    قال ابو حيان فى الانبياء

    وقرأ الجمهور { رُشْده } بضم الراء وسكون الشين. وقرأ عيسى الثقفى { رَشَدة } بفتح الراء والشين وأضاف الرشد إلى { إبراهيم } بمعنى أنه رشد مثله وهو رشد الأنبياء وله شأن أيّ شأن، والرشد النبوة والاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، أو هما داخلان تحت الرشد أو الصحف والحكمة أو التوفيق للخير صغيراً أقوال خمسة، والمضاف إليه من قبل محذوف وهو معرفة ولذلك بنى { قبل } أي { من قبل } موسى وهارون قاله الضحاك كقوله في الأنعام
    { ونوحاً هدينا من قبل }
    [الأنعام: 84] أي من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأبعد من ذهب إلى أن التقدير { من قبل } بلوغه أو { من قبل } نبوته يعني حين كان في صلب آدم. وأخذ ميثاق الأنبياء، أو من قبل محمد صلى الله عليه وسلم لأنها محذوفات لا يدل على حذفها دليل بخلاف { من قبل } موسى وهارون لتقدم ذكرهما. وقربه، والضمير في { به } الظاهر أنه عائد على إبراهيم. وقيل: على الرشد وعلمه تعالى أنه علم منه أحوالاً عجيبة وأسراراً بديعة فأهله لخلته كقوله: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، وهذا من أعظم المدح وأبلغه إذ أخبر تعالى أنه آتاه الرشد وأنه عالم بما آتاه به عليه السلام...


    والظاهر أن الضمير في { فطرهن } عائد على السموات والأرض، ولما لم تكن السموات والأرض تبلغ في العدد الكثير منه جاء الضمير ضمير القلة.

    وقيل في { فطرهن } عائد على التماثيل. قال الزمخشري: وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم انتهى. وقال ابن عطية: { فطرهن } عبارة عنها كأنها تعقل، هذه من حيث لها طاعة وانقياد وقد وصفت في مواضع بما يوصف به من يعقل. وقال غير { فطرهن } أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنها من قبيل من يعقل، فإن الله أخبر بقوله
    { قالتا أتينا طائعين }
    [فصلت: 11] وقوله صلى الله عليه وسلم: " أطلت السماء وحق لها أن تئط " انتهى. وكأن ابن عطية وهذا القائل تخيلاً أن هن من الضمائر التي تخص من يعقل من المؤنثات وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين من يعقل وما لا يعقل من المؤنث المجموع ومن ذلك قوله
    { فلا تظلموا فيهن أنفسكم }
    [التوبة: 36] والضمير عائد على الأربعة الحرم، ....

    إلا كبيراً لهم } استثناء من الضمير في { فجعلهم } أي فلم يكسره، والضمير في { لهم } يحتمل أن يعود على الأصنام وأن يعود على عباده، والكبر هنا عظم الجثة أو كبيراً في المنزلة عندهم لكونهم صاغوه من ذهب وجعلوا في عينيه جوهرتين تضيئان بالليل، والضمير في { إليه } عائد على إبراهيم أي فعل ذلك ترجياً منه أن يعقب ذلك رجعه إليه وإلى شرعه.

    قال الزمخشري: وإنما استبقى الكبير لأنه غلب في ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما تسامعوه من إنكار لدينهم وسبه لآلهتهم فيبكتهم بما أجاب به من قوله
    { بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم }
    [الأنبياء: 63]. وقال ابن عطية: يحتمل أن يعود إلى الكبير المتروك ولكن يضعف ذلك دخول الترجي في الكلام انتهى وهو قول الكلبي. قال الزمخشري: ومعنى هذا لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس على عاتقك قال: هذا بناء على ظنه بهم لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها أو قاله مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم واستجهالاً، وإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكل فإن قلت: فإذا رجعوا إلى الصنم بمكابرتهم لعقولهم ورسوخ الإشراك في أعراقهم فأي فائدة دينية في رجوعهم إليه حتى يجعله إبراهيم صلوات الله عليه غرضاً؟ قلت: إذا رجعوا إليه تبين أنه عاجز لا ينفع ولا يضر وظهر أنهم في عبادته على أمرعظيم....

    ملحوظة

    سبق وتكلمنا عن الضمير فى اليه يرجعون

  2. #32
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    الجوهرة الواحدة و السبعون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى الانبياء

    قوله: { لِتُحْصِنَكُمْ } هذه لامُ كي. وفي متعلِّقها أوجهٌ، أحدها: أن يتعلَّقَ بَعَلَّمْناه. وهذا ظاهرٌ على القولين الأخيرين. وأمَّا على القولِ الثالثِ فيُشْكِلُ. وذلك أنه يلزمُ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جر متحدَيْن لفظاً ومعنىً. ويُجاب عنه: بأَنْ يُجْعَلَ بدلاً من " لكم " بإعادةِ العاملِ، كقوله تعالى:
    { لِمَن يَكْفُرُ بِظ±لرَّحْمَـظ°نِ لِبُيُوتِهِمْ }
    [الزخرف: 33]/ وهو بدلُ اشتمالٍ وذلك أنَّ " أنْ " الناصبةَ للفعلِ المقدرِ مؤولةٌ هي ومنصوبُها بمصدرٍ. وذلك المصدرُ بدلٌ من ضميرِ الخطابِ في " لكم " بدلُ اشتمالٍ، والتقدير: وعَلَّمْناه صنعةَ لَبوسٍ لتحصينِكم.

    الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بـ " صَنْعَةَ " على معنى أنه بدلٌ من " لكم " كما تقدَّم تقريرُه، وذلك على رأي أبي البقاء فإنه عَلَّق " لكم " بـ " صَنْعَةَ ". والثالث: أن يتعلَّقَ بالاستقرار الذي تعلَّقَ به " لكم " إذا جَعَلْناه صفةً لِما قبله.

    وقرأ الحَرَمِيَّان والأخَوان وأبو عمرو " ليُحْصِنَكم " بالياء من تحتُ. والفاعلُ اللهُ تعالىظ° ـ وفيه التفاتٌ على هذا الوجهِ إذ تَقَدَّمَه ضميرُ المتكلم في قولِه: { وَعَلَّمْنَاهُ } ـ أو داودُ أو التعليمُ أو اللَّبوس. وقرأ حفصٌ وابن ُ عامر بالتاء من فوقُ. والفاعل الصَّنْعَةُ أو الدِّرْعُ وهي مؤنثةٌ، أو اللَّبوس؛ لأنها يُراد بها ما يُلْبَسُ، وهو الدِّرْعُ، والدِّرْعُ مؤنثة كما تقدم. وقرأ أبو بكر " لِنُحْصِنَكم " " بالنونِ جرياً على " عَلَّمْناه " وعلى هذه القراءاتِ الثلاثِ: الحاءُ ساكنةٌ والصادُ مخففةٌ.

    وقرأ الأعمش " لتُحَصِّنَكم " وكذا الفقيمي عن أبي عمروٍ بفتحِ الحاءِ وتشديد الصادِ على التكثير. إلاَّ أنَّ الأعمشَ بالتاءِ من فوقُ، وأبو عمروٍ بالياء من تحتُ. وقد تقدَّم ما هو الفاعلُ....

    الجوهرة الثانية والسبعون بعد الخمسمائة

    قال السمين

    قوله: { فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ }: فيه أوجهٌ أحدُها: ـ وهو الأجود ـ أن تكونَ " هي " ضميرَ القصة، و " شاخصةٌ " خبرٌ مقدمٌ، و " أبصارُ " مبتدأ مؤخر، والجملةُ خبرٌ لـ " هي " لأنها لا تُفَسَّر إلاَّ بجملةٍ مصرِّحٍ بجزأيها، وهذا مذهبُ البصريين. الثاني: أن تكونَ " شاخصة " مبتدأ، و " أبصارُ " فاعلٌ سدَّ مَسَدَّ الخبرِ، وهذا يتمشَّىظ° على رأي الكوفيين؛ لأنَّ ضميرَ القصةِ يُفَسَّر عندهم بالمفردِ العاملِ عملَ الفعلِ فإنَّه في قوة الجملة. الثالث: قال الزمخشري: " هي " ضميرٌ مُبْهَمٌ تُوَضِّحه الأبصارُ وتُفَسِّره، كما فُسِّر { ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ }
    { وَأَسَرُّواْ }
    [الأنبياء: 3]. ولم يَذْكر غيرَه. قلت: وهذا هو قولُ الفراء؛ فإنَّه قال: " هي " ضميرُ الأبصارِ تقدَّمَتْ لدلالة الكلام ومجيءِ ما يُفَسِّرها ". وأنشد شاهداً على ذلك:/
    3362ـ فلا وأبيها لا تقول حَليلتي ألا فَرَّعني مالكُ بنُ أبي كعبِ
    الرابع: أن تكونَ " هي " عماداً، وهو قول الفراء أيضاً، قال: " لأنه يَصْلُح موضعَها " هو " وأنشد:
    3363ـ بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودِرْهمٍ فهل هو مرفوعٌ بما ههنا راسُ
    وهذا لا يَتَمَشَّى إلاَّ على أحدِ قولي الكسائي: وهو أنه يُجيز تقدُّمَ الفصلِ مع الخبرِ المقدَّم نحو: " هو خيرٌ منك زيد " الأصل: زيدٌ هو خيرٌ منك، وقال الشيخ: " أجاز هو القائمُ زيدٌ، على أنَّ " زيداً " هو المبتدأ و " القائم " خبره و " هو " عمادٌ. وأصلُ المسألةِ: زيدٌ هو القائم ". قلتُ: وفي هذا التمثيلِ [نظرٌ]؛ لأنَّ تقديمَ الخبرِ هنا ممتنعٌ لا ستوائِهما في التعريفِ، بخلاف المثال الذي قَدَّمْتُه، فيكون أصلُ الآيةِ الكريمة: فإذا أبصارُ الذين كفروا هي شاخصةٌ، فلما قُدِّم الخبرُ وهو " شاخصةٌ " قُدِّم معها العِمادُ. وهذا أيضاً إنما يجيءُ على مذهبِ مَنْ يرى وقوعَ العمادِ قبل النكرة غيرِ المقاربةِ للمعرفةِ.

    الخامس: أَنْ تكونَ " هي " مبتدأً، وخبرُه مضمرٌ، ويَتِمُّ الكلامُ حينئذٍ على " هي " ، ويُبْتَدأ بقوله " شاخصة أبصار ". والتقديرُ: فإذا هي بارزةٌ أي: الساعةُ بارزةٌ أو حاضرة، و " شاخصةٌ " خبرٌ مقدمٌ و " أبصارُ " مبتدأٌ مؤخرٌ. ذكره الثعلبي. وهو بعيدٌ جداً لتنافرِ التركيبِ، وهو التعقيدُ عند علماءِ البيان....

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ } «هي» ضمير الأبصار، والأبصار المذكورة بعدها تفسير لها؛ كأنه قال: فإذا أبصار الذين كفروا شخصت عند مجيء الوعد. وقال الشاعر:
    لَعمرُ أبيها لا تقول ظَعِينتِي أَلاَ فَرَّ عني مالكُ بن أبِي كعب
    فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها. وقال الفراء: «هي» عماد، مثل
    { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ }
    [الحج: 46]. وقيل: إن الكلام تم عند قوله: «هي» التقدير: فإذا هي؛ بمعنى القيامة بارزة واقعة؛ أي مِن قُربها كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال: { شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } على تقديم الخبر على الابتداء؛ أي أبصار الذين كفروا شاخصة من هذا اليوم؛ أي من هوله لا تكاد تطرف؛ يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها.

    الجوهرة الثالثة و السبعون بعد الخمسمائة
    حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ }

    قال السمين

    قوله: " وهم " يجوز أَنْ يعودَ على يأجوج ومأجوج، وأن يعودَ على العالَم بأَسْرِهم. والأولُ أظهر....

    وقال الرازى

    قال أكثر المفسرين إنه كناية عن يأجوج ومأجوج، وقال مجاهد: هو كناية عن جميع المكلفين أي يخرجون من قبورهم من كل موضع فيحشرون إلى موقف الحساب، والأول هو الأوجه وإلا لتفكك النظم

    الجوهرة الرابعةو السبعون بعد الخمسمائة
    أُوْلَـظ°ئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ظ±لْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ }

    قال الالوسي

    وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما هو ظاهر في جعل { لَهَا } خبراً وإن لم يكن ظاهراً في جعل الضمير للخيرات بمعنى الطاعات، ففي «البحر» نقلاً عنه أن المعنى سبقت لهم السعادة في الأزل فهم لها، وأنت تعلم أن أكثر هذه الأوجه خلاف الظاهر وأن التفسير الأول للخيرات أحسن طباقاً للآية المتقدمة. ومن الناس من زعم أن ضمير { لَهَا } للجنة. ومنهم من زعم أنه للأمم وهو كما ترى

    الجوهرة الخامسةو السبعون بعد الخمسمائة

    فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً }

    قال السمين

    قوله: { بِمَا تَقُولُونَ }: هذه الجملةُ من كلامِ اللهِ تعالىظ° اتفاقاً، فهي على إضمارِ القولِ والالتفاتِ. قال الزمخشري: " هذه المفاجأةُ بالاحتجاجِ والإِلزامِ حسنةٌ رائعةٌ، وخاصةً إذا انضمَّ إليها الالتفاتُ وحَذْفُ القولِ. ونحُوها قولُه عَزَّ وجَلَّ
    { يَا أَهْلَ ظ±لْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىظ° فَتْرَةٍ مَّنَ ظ±لرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ }
    [المائدة: 19] وقولُ القائل:
    3478ـ قالوا خُراسانُ أَقْصى ما يُرادُ بنا ثم القُفُوْلُ فقد جِئْنا خُرسانا
    انتهى. يريد: أن الأصلَ في الآيةِ الكريمة: فقُلْنا: قد كَذَّبوكم، وفي البيت فقلنا: قد جِئْنا. والخطابُ في " كَذَّبوكم " للكفارِ، فالمعنىظ°: فقد كَذَّبكم المعبودون بما تقولون مِنْ أنَّهم أَضَلُّوكم. وقيل: المعنىظ°: فقد كَذَّبوكم فيما تقولون من الافتراءِ عليهم أنَّهم أَضَلُّوكم, وقيل: هو خطابٌ للمؤمنين في الدنيا أي: فقد كَذَّبكم أيَّها المؤمنون الكفارَ بما تقولون من التوحيدِ في الدنيا.

    وقرأ أبو حيوة وقنبل في رواية ابن أبي الصلت عنه بالياءِ مِنْ تحتُ أي: فقد كَذَّبكم الآلهةُ بما يقولون { سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ } إلى آخِرِه. وقيل: المعنىظ°: فقد كَذَّبكم أيها المؤمنونَ الكفَّارُ بما يقولون من الافتراءِ عليكم.

    قوله: { فَمَا تَسْتَطِيعُونَ } قرأ حفص بتاءِ الخطاب والمرادُ عبادُها. والباقون بياءِ الغَيْبة. والمرادُ الآلهةُ التي كانوا يعبُدونها مِنْ عاقلٍ وغيرِه؛ ولذلك غَلَّب العاقَل فجيْءَ بواوِ الضميرِ.

    قوله: { نُذِقْهُ } العامَّةُ بنونِ العظمةِ، وقرىء بالياءِ, وفي الفاعلِ وجهان، أظهرهُما: أنَّه اللهُ تعالىظ° لدلالةِ قراءةِ العامَّةِ على ذلك. والثاني: أنه ضميرُ الظلمِ المفهومِ من الفعل. وفيه تَجَوُّزُ بإسناد إذاقةِ العذابِ إلى سببِها وهو الظلمُ.

    الجوهرة السادسةو السبعون بعد الخمسمائة

    الَّذِي خَلَقَ السَّمَظ°وَظ°تِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَـظ°نُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً }

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً } خبره على حد تخريجه قول الشاعر:
    وقائلة خولان فانكح فتاتهم
    وهو بعيد، والظاهر أن هذه جملة منقطعة عما قبلها إعراباً، والفاء فصيحة والجار والمجرور صلة اسأل. والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء. وعليه قول علقمة بن عبيدة:
    فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب
    فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن كما فعل الأخفش والزجاج، والضمير راجع إلى ما ذكر إجمالاً من الخلق والاستواء. والمعنى إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيل ما ذكر فاسأل معتنياً به خبيراً عظيم الشأن محيطاً بظواهر الأمور وبواطنها وهو الله عز وجل يطلعك على جلية الأمر. والمسؤول في الحقيقة تفاصيل ما ذكر لا نفسه إذ بعد بيانه لا يبقى إلى السؤال حاجة ولا في تعديته بالباء المبنية على تضمينه معنى الاعتناء المستدعي لكون المسؤول أمراً خطيراً مهتماً بشأنه غير حاصل للسائل فائدة فإن نفس الخلق والاستواء بعد الذكر ليس / كذلك كما لا يخفى.

    وكون التقدير إن شككت فيه فاسأل به خبيراً على أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد غيره عليه الصلاة والسلام بمعزل عن السداد، وقيل: { بِهِ } صلة { خَبِيراً } قدم لرؤس الآي. وجوز أن يكون الكلام من باب التجريد نحو رأيت به أسداً أي رأيت برؤيته أسداً فكأنه قيل هنا فاسأل بسؤاله خبيراً، والمعنى إن سألته وجدته خبيراً، والباء عليه ليست صلة فإنها باء التجريد وهي على ما ذهب إليه الزمخشري سببية والخبير عليه هو الله تعالى أيضاً. وقد ذكر هذا الوجه السجاوندي. واختاره صاحب «الكشف» قال: وهو أوجه ليكون كالتتميم لقوله تعالى: { ظ±لَّذِى خَلَقَ } الخ فإنه لإثبات القدرة مدمجاً فيه العلم، وكون ضمير (به) راجعاً إلى ما ذكر من الخلق والاستواء.

    والخبير في الآية هو الله تعالى مروي عن الكلبـي، وروي تفسير الخبير { بِهِ } تعالى عن ابن جريج أيضاً. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخبير هو جبريل عليه السلام، وقيل: هو من وجد ذلك في الكتب القديمة المنزلة من عنده تعالى أي فاسأل بما ذكر من الخلق والاستواء من علم به من أهل الكتب ليصدقك، وقيل: إذا أريد بالخبير من ذكر فضمير { بِهِ } للرحمن، والمعنى إن أنكروا إطلاق الرحمن عليه تعالى فاسأل به من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم. وفيه أنه لا يناسب ما قبله ولأن فيه عود الضمير للفظ { ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } دون معناه وهو خلاف الظاهر ولأنه كان الظاهر حينئذ أن يؤخر عن قوله تعالى:
    { وَمَا ظ±لرَّحْمَـظ°نُ }
    [الفرقان: 60]. وقيل: الخبير محمد صلى الله عليه وسلم وضمير { بِهِ } للرحمن؛ والمراد فاسأل بصفاته والخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم ممن لم يعلم ذلك وليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: ضمير { بِهِ } للرحمن، والمراد فاسأل برحمته وتفاصيلها عارفاً يخبرك بها أو المراد فاسأل برحمته حال كونه عالماً بكل شيء على أن { خَبِيراً } حال من الهاء لا مفعول اسأل كما في الأوجه السابقة. وجوز أبو البقاء أن يكون { خَبِيراً } حالاً من { ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } إذا رفع باستوى. وقال: يضعف أن يكون حالاً من فاعل اسأل لأن الخبير لا يسأل إلا على جهة التوكيد مثل
    { وَهُوَ ظ±لْحَقُّ مُصَدّقًا }
    [البقرة: 91] والوجه الأقرب الأولى في الآية من بين الأوجه المذكورة لا يخفى

    الجوهرة السابعةو السبعون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي فى الفرقان

    وَزَادَهُمْ } أي الأمر بالسجود للرحمن، والإسناد مجازي. والجملة معطوفة على { قَالُواْ } أي قالوا ذلك وزادهم { نُفُورًا } عن الإيمان وفي «اللباب» أن فاعل { زَادَهُمْ } ضمير السجود لما روي أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم سجدوا فتباعدوا عنهم مستهزئين، وعليه فليست معطوفة على جواب { إذا } بل على مجموع الشرط والجواب كما قيل: وفي ـ لا يستقدمون ـ من قوله تعالى:
    { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }
    [الأعراف: 34] والأول أولى وأظهر.

    الجوهرة الثامنةو السبعون بعد الخمسمائة

    وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً }

    قال الالوسي

    { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِـئَايَـظ°تِ رَبّهِمْ } القرآنية المنطوية على المواعظ والأحكام / { لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } أي أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية فالنفي متوجه إلى القيد على ما هو الأكثر في لسان العرب، وفي التعبير بما ذكر دون أكبوا عليها سامعين مبصرين ونحوه تعريض لما عليه الكفرة والمنافقون إذا ذكروا بآيات ربهم، والخرور السقوط على غير نظام وترتيب، وفي التعبير به مبالغة في تأثير التذكير بهم، وقيل: ضمير (عليها) للمعاصي المدلول عليها باللغو، والمعنى إذا ذكروا بآيات ربهم المتضمنة للنهي عن المعاصي والتخويف لمرتكبها لم يفعلوها ولم يكونوا كمن لا يسمع ولا يبصر وهو كما ترى.


    الجوهرة التاسعة و السبعون بعد الخمسمائة

    قال ابو حيان فى الصافات

    والظاهر عود الضمير في { من شيعته } على نوح، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، أي ممن شايعه في أصول الدين والتوحيد، وان اختلفت شرائعهما، أو اتفق أكثرهما، أو ممن شايعه في التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفا سنة وستمائة وأربعون سنة، وبينهما من الأنبياء هود وصالح، عليهما السلام. وقال الفراء: الضمير فى { من شيعته } يعود على محمد صلى الله عليه وسلم والأعرف أن المتأخر في الزمان هو شيعة للمتقدم، وجاء عكس ذلك في قول الكميت:
    وما لي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مشعب الحق مشعب
    جعلهم شيعة لنفسه. ...

    وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ }

    قال الالوسي

    { وَلاَ تُخْزَنِى } بتعذيب أبـي أو ببعثه في عداد الضالين بعدم توفيقه للإيمان أو بمعاتبتي على ما فرطت أو بنقص رتبتي عن بعض الوراث أو بتعذيبـي وحيث كانت العاقبة مجهولة وتعذيب من لا ذنب له جائز عقلاً، صح هذا الطلب منه عليه السلام، وقيل: يجوز أن يكون ذلك تعليماً لغيره وهو من الخزي بمعنى الهوان أو من الخزاية بفتح الخاء بمعنى الحياء { يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي الناس كافة، والإضمار وإن لم يسبق ذكرهم لما في عموم البعث من الشهرة الفاشية المغنية عنه، وقيل: الضمير للضالين والكلام من تتمة الدعاء لأبيه كأنه قال: لا تخزني يوم يبعث الضالون وأبـي فيهم، ولا يخفى أنه يجوز على الأول أن يكون من تتمة الدعاء لأبيه أيضاً، واستظهر ذلك لأن الفصل بالدعاء لأبيه بين الدعوات لنفسه خلاف الظاهر، وعلى ما ذكر يكون قد دعا لأشد الناس التصاقاً به بعد أن فرغ من الدعاء لنفسه.


    الجوهرة الثمانون بعد الخمسمائة


    { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ }

    قال الالوسي

    { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم } فإن الظاهر رجوع ضمير الفاعل إلى بعض الأعجمين وهما من صفات العقلاء، والمراد بيان فرط عنادهم وشدة شكيمتهم في / المكابرة كأنه قيل: ولو نزلناه بهذا النظم الرائق المعجز على من لا يقدر على التكلم بالعربية أو على ما ليس من شأنه التكلم أصلاً من الحيوانات العجم فقرأه عليهم قراءة صحيحة خارقة للعادة { مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء، وقيل: المراد بالأعجمين جمع أعجم أعم من أن يكون عاقلاً أو غيره، ونقل ذلك الطبرسي عن عبد الله بن مطيع، وذكر أنه روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية وهو على بعير فأشار إليه وقال: هذا من الأعجمين. والطبري على ما في «البحر» يروي نحو هذا عن ابن مطيع، والمراد أيضاً بيان فرط عنادهم، وقيل: هو جمع أعجم مراداً به ما لا يعقل وضمير الفاعل في { قرأه } للنبـي صلى الله عليه وسلم وضمير { عَلَيْهِمْ } لبعض الأعجمين وكذا ضمير { كَانُواْ } والمعنى لو نزلنا هذا القرآن على بعض البهائم فقرأه محمد صلى الله عليه وسلم على أولئك البهائم ما كانوا أي أولئك البهائم مؤمنين به فكذلك هؤلاء لأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، ولا يخفى ما فيه، وقيل: المراد ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين لعدم فهمهم ما فيه، وأخرج ذلك عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وهو بعيد عما يقتضيه مقام بيان تماديهم في المكابرة والعناد واستند بعضهم بالآية عليه في منع أخذ العربية في مفهوم القرآن إذ لا يتصور على تقدير أخذها فيه تنزيله بلغة العجم إذ يستلزم ذلك كون الشيء الواحد عربياً وعجمياً وهو محال.

    وأجيب بأن ضمير
    { نَزَّلْنَاهُ }
    [الشعراء: 198] ليس راجعاً إلى القرآن المخصوص المأخوذ في مفهومه العربية بل إلى مطلق القرآن ويراد منه ما يقرأ أعم من أن يكون عربياً أو غيره، وهذا نحو رجوع الضمير للعام في ضمن الخاص في قوله تعالى:
    { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ }
    [فاطر: 11] الآية فإن ضمير (عمره) راجع إلى شخص بدون وصفه بمعمر إذ لا يتصور نقص عمر المعمر كما لا يخفى. وقال بعضهم في الجواب: إن الكلام على حذف مضاف، والمراد { وَلَوْ نَزَّلْنَا } معناه بلغة العجم على بعض الأعجمين فتدبر؛ وفي لفظ { بَعْضُ } على كل الأقوال إشارة إلى كون ذلك المفروض تنزيله عليه واحداً من عرض تلك الطائفة كائناً من كان و { بِهِ } متعلق بمؤمنين، ولعل تقديمه عليه للاهتمام وتوافق رؤس الآي

  3. #33
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    الجوهرة الواحدة الثمانون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي

    إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } أي إنها كادت الخ على أن (إن) هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة أو ما كادت إلا تبدي به على أن (إن) نافية واللام بمعنى إلا وهو قول كوفي والإبداء إظهار الشيء وتعديته بالباء لتضمينه معنى التصريح، وقيل: المفعول محذوف والباء سببية أي تبدى حقيقة الحال بسببه أي بسبب ما عراها من فراقه، وقيل: هي صلة أي تبديه وكلا القولين كما ترى، والظاهر أن الضمير المجرور لموسى عليه السلام، والمعنى أنها كادت تصرح به عليه السلام وتقول واابناه من شدة الغم والوجد رواه الجماعة عن ابن عباس، وروي ذلك أيضاً عن قتادة والسدي وعن مقاتل أنها كادت تصيح واابناه عند رؤيتها تلاطم الأمواج به شفقة عليه من الغرق، وقيل: المعنى أنها كادت تظهر أمره من شدة الفرح بنجاته وتبني فرعون إياه، وقيل: الضمير للوحي إنها كادت تظهر الوحي وهو الوحي الذي كان في شأنه عليه السلام المذكور في قوله تعالى:
    { وَأَوْحَيْنَا إِلَىظ° أُمّ مُوسَىظ° أَنْ أَرْضِعِيهِ }
    [القصص: 7] الآية وهو خلاف الظاهر ولا تساعد عليه الروايات....


    الجوهرة الثانية الثمانون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي فى القصص


    فَقَضَىظ° عَلَيْهِ } أي فقتله موسى وأصله أنهى حياته أي جعلها منتهية متقضية وهو بهذا المعنى يتعدى بعلى كما في «الأساس» فلا حاجة إلى تأويله بأوقع القضاء عليه، وقد يتعدى الفعل بإلى لتضمينه معنى الإيحاء كما في قوله تعالى:
    { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ظ±لأَمْرَ }
    [الحجر: 66] وعود ضمير الفاعل في (قضى) على (موسى) هو الظاهر، وقيل: هو عائد على الله تعالى أي فقضى الله سبحانه عليه بالموت فقضى بمعنى حكم، وقيل: يحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من { وكزه } أي فقضى الوكز عليه أي أنهى حياته.


    الجوهرة الثالثة و الثمانون بعد الخمسمائة

    قال ابو حيان فى البحر

    فأرسله معي ردءاً }: أي معيناً يصدقني، ليس المعنى أنه يقول لي: صدقت، إذ يستوي في قول هذا اللفظ العيي والفصيح، وإنما المعنى: أنه لزيادة فصاحته يبالغ في التبيان، وفي الإجابة عن الشبهات، وفي جداله الكفار. وقرأ الجمهور: ردأ، بالهمزة؛ وأبو جعفر، ونافع، والمدنيان: بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الدال؛ والمشهور عن أبي جعفر بالنقل، ولا همز ولا تنوين، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف. وقرأ عاصم، وحمزة: يصدقني، بضم القاف، فاحتمل الصفة لردءاً، والحال احتمل الاستئناف. وقرأ باقي السبعة: بالإسكان. وقرأ أبي، وزيد بن علي: يصدقوني، والضمير لفرعون وقومه. قال ابن خالويه: هذا شاهد لمن جزم، لأنه لو كان رفعاً لقال: يصدقونني. انتهى، والجزم على جواب الأمر. والمعنى في يصدقوني: أرجو تصديقهم إياي، فأجابه تعالى إلى طلبته

    الجوهرة الرابعة و الثمانون بعد الخمسمائة


    وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَـظ°تِنَا وَلَكِنَّا مرسلين }

    قال ابن عاشور فى التحرير

    هذا تكرير للدليل بمثل آخر مثل ما في قوله
    { وما كنت بجانب الغربي }
    القصص 44 أي ما كنت مع موسى في وقت التكليم ولا كنت في أهل مدين إذ جاءهم موسى وحدث بينه وبين شعيب ما قصصنا عليك. والثواء الإقامة. وضمير { عليهم } عائد إلى المشركين من أهل مكة لا إلى أهل مدْيَن لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتلو آيات الله على المشركين. والمراد بالآيات، الآيات المتضمنة قصة موسى في أهل مدين من قوله
    { ولما توجه تلقاء مدين }
    إلى قوله
    { فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله }
    القصص 22 - 29. وبمثل هذا المعنى قال مقاتل وهو الذي يستقيم به نظم الكلام، ولو جعل الضمير عائداً إلى أهل مدين لكان أن يقال تشهد فيهم آياتنا....

    وقال الالوسي

    وقوله سبحانه: { تَتْلُو عَلَيْهِمْ } أي تقرأ على أهل مدين بطريق التعلم منهم كما يقرأ المتعلم الدرس على معلمه { آيَـظ°تِنَا } الناطقة بما كان لموسى عليه السلام بينهم وبما كان لهم معه إما حال من المستكن في { ثَاوِياً } أو خبر ثان لكنت { وَلَـظ°كِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } لك وموحين إليك تلك الآيات ونظائرها والاستدراك كالاستدراك السابق إلا أنه لا حذف فيه.

    الجوهرة الخامسة و الثمانون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي فى القصص

    وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

    { وَمِن رَّحْمَتِهِ } أي بسبب رحمته جل شأنه { جَعَلَ لَكُمُ ظ±لَّيْلَ وَظ±لنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } أي في الليل { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي في النهار بالسعي بأنواع المكاسب ففي الآية ما يقال له اللف والنشر ويسمى أيضاً التفسير كقول ابن حيوش:
    ومقرطق يغني النديم بوجهه عن كأسه الملأى وعن إبريقه
    فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه
    وضمير { فضله } لله تعالى؛ وجوز أبو حيان كونه للنهار على الإسناد المجازي وهو خلاف الظاهر، وفيها إشارة إلى مدح السعي في طلب الرزق وقد ورد " الكاسب حبيب الله " وهو لا ينافي التوكل وأن ما يحصل للعبد بواسطته فضل من الله عز وجل وليس مما يجب عليه سبحانه { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي ولكي تشكروا نعمته تعالى فعل ما فعل أو لتعرفوا نعمته تعالى وتشكروه عليها...

    وَلاَ يَسْـئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ظ±لْمُجْرِمُونَ } الظاهر أن هذا في الآخرة وأن ضمير { ذنوبهم } للجرمين، وفاعل السؤال إما الله تعالى أو الملائكة عليهم السلام، والمراد بالسؤال المنفي هنا، وكذا في قوله تعالى:
    { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ }
    [الرحمن: 39] على ما قيل: سؤال الاستعلام، ونفي ذلك بالنسبة إليه عز وجل ظاهر، وبالنسبة إلى الملائكة عليهم السلام لأنهم مطلعون على صحائفهم أو عارفون إياهم بسيماهم كما قال سبحانه:
    { يُعْرَفُ ظ±لْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـظ°هُمْ فَيُؤْخَذُ بِظ±لنَّوَاصِى وَظ±لأَقْدَامِ }
    [الرحمظ°ن: 41]. والمراد بالسؤال المثبت في قوله عز وجل:
    { فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
    [الحجر: 92] سؤال التوبيخ والتقريع فلا تناقض بين الآيتين، وجوز أن يكون السؤال في الموضعين بمعنى والنفي والإثبات باعتبار موضعين أو زمانين، والمواقف يوم القيامة كثيرة واليوم طويل فلا تناقض أيضاً، والظاهر أن الجملة غير داخلة في حيز العلم، ولعل وجه اتصالها بما قبلها أنه تعالى لما هدد قارون بذكر إهلاك من قبله من أضرابه في الدنيا أردف ذلك بما فيه تهديد كافة المجرمين بما هو أشنع وأشنع من عذاب الآخرة فإن عدم سؤال المذنب مع شدة الغضب عليه يؤذن بالإيقاع به لا محالة، وجعل الزمخشري الجملة تذييلاً لما قبلها، وقيل: إن ذلك في الدنيا. والمراد أنه تعالى أهلك من أهلك من القرون عن علم منه سبحانه بذنوبهم فلم يحتج عز وجل إلى مسألتهم عنها، وقيل: إن ضمير ذنوبهم لمن هو أشد قوة وهو المهلك من القرون، والإفراد والجمع باعتبار اللفظ والمعنى، والمعنى ولا يسأل عن ذنوب أولئك المهلكين غيرهم ممن أجرم، ويعلم أنه لا يسأل عن ذنوبهم من لم يجرم بالأولى لما بين الصنفين من العداوة فمآل المعنى لا يسأل عن ذنوب المهلكين غيرهم ممن أجرم وممن لم يجرم، بل كل نفس بما كسبت رهينة، وكلا القولين كما ترى،...

    { فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ظ±لسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ }

    قال الالوسي

    { فأَنْجَيْنـظ°هُ } أي نوحاً عليه السلام { وأَصْحَـظ°بَ ظ±لسَّفِينَةِ } أي من ركب فيها معه من أولاده وأتباعه، وكانوا ثمانين، وقيل: ثمانية وسبعين نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم، وعن محمد ابن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة، وروي مرفوعاً كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة أي مع أهليهم { وَجَعَلْنَـظ°هَا } أي السفينة { ءايَةً لّلْعَـظ°لَمِينَ } عبرة وعظة لهم لبقائها زماناً طويلاً على الجودي يشاهدها المارة ولاشتهارها فيما بين الناس، ويجوز كون الضمير للحادثة والقصة المفهومة مما قبل وهي عبرة للعالمين لاشتهارها فيما بينهم.


    الجوهرة السادسة والثمانون بعد الخمسمائة


    { وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ظ±لْغَابِرينَ }

    قال الالوسي

    { وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا } المذكورون بعد مفارقتهم إبراهيم عليه السلام { لُوطاً سِىء بِهِمْ } أي اعتراه المساءة والغم بسبب الرسل مخافة أن يتعرض لهم قومه بسوء كما هو عادتهم مع الغرباء، وقد جاءوا إليه عليه السلام بصور حسنة إنسانية. وقيل: ضمير { بِهِمُ } للقوم أي سيء بقومه لما علم من عظيم البلاء النازل بهم، وكذا ضمير { بِهِمُ } الآتي وليس بشيء

    الجوهرة السابعة و الثمانون بعد الخمسمائة

    وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    قال الالوسي

    { وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا } أي من القرية على ما عليه الأكثر { ءايَةً بَيّنَةً } قال ابن عباس: هي آثار ديارها الخربة، وقال مجاهد: هي الماء الأسود على وجه الأرض، وقال قتادة: هي الحجارة التي أمطرت عليهم وقد أدركتها أوائل هذه الأمة، وقال أبو سليمان الدمشقي: هي أن أساسها أعلاها وسقوفها أسفلها إلى الآن؛ وأنكر ذوو الأبصار ذلك، وقال الفراء: المعنى تركناها آية كما يقال: إن في السماء آية ويراد أنها آية. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يتجه إلا على زيادة { مِنْ } في الواجب نحو قوله:
    أمهرت منها جبة وتيساً
    يريد أمهرتها. وقال بعضهم: إن ذلك نظير قولك: رأيت منه أسداً، وقيل: الآية حكايتها العجيبة الشائعة، وقيل: ضمير { مِنْهَا } للفعلة التي فعلت بهم والآية الحجارة أو الماء الأسود والظاهر ما عليه الأكثر. ولا يخفى معنى { مِنْ } على هذه الأقوال { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، فالفعل منزل منزلة اللازم و { لِقَوْمٍ } متعلق بتركنا أو ببينة، واستظهر الثاني

  4. #34
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    قال السمين فى النساء

    قوله: { مَّا فَعَلُوهُ } الهاء يُحْتمل أن تكون ضمير مصدر " اقتلوا " أو " اخرجوا " أي: ما فعلوا القتل أو ما فعلوا الخروج. وقد أبعد فخر الدين الرازي حيث زعم أنها تعودُ إليهما معاً، لنُبُوِّ الصناعة عنه. [وأجاز أبو البقاء وجهاً رابعاً]: وهو أن يعودَ على المكتوبِ ودَلَّ عليه " كتبنا ".

    { وَلَئِنْ أَصَظ°بَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يظ°لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً }

    قال السمين فى الكلام عن كأن لم تكن:

    الثاني: من الأقوال: أنها في محل نصب بالقول، فيكون تعالى قد حكى بالقول جمليتن: جملةَ التشبيه وجملة التمني، وهذا ظاهرٌ على قول مقاتل والفارسي حيث زعما أنَّ الضمير في " بينه " للرسول عليه السلام.

    انتهي

    قال الرازى

    في قوله: { ظ±لَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } قولان: الأول: أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون، والتقدير: ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر. القول الثاني: أنهم طائفة من أولي الأمر، والتقدير: ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر، وذلك لأن أولي الأمر فريقان، بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك، فقوله: { مِنْهُمْ } يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر. فان قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله: { وَإِلَىظ° أُوْلِى ظ±لأَمْرِ مِنْهُمْ }. قلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون، ونظيره قوله تعالى:
    { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ }
    [النساء: 72] وقوله:
    { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ }
    [النساء: 66] والله أعلم. المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع، وذلك لأن قوله: { ظ±لَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } صفة لأولي الأمر، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم، ولا يخلو إما أن يرجعوا اليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها، أولا مع حصول النص فيها، والأول باطل، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال: إنه استنبط الحكم، فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك، فثبت أن الاستنباط حجة، والقياس إما استنباط أو داخل فيه، فوجب أن يكون حجة. إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أمور: أحدها: أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط. وثانيها: أن الاستنباط حجة: وثالثها: أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث. ورابعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر. ثم قال تعالى: { لَعَلِمَهُ ظ±لَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط. فان قيل: لا نسلم أن المراد بقوله: { ظ±لَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } هم أولوا الأمر، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط جائز فيها، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية؟ فإن قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا للقياس الشرعي بالقياس الشرعي وإنه لا يجوز، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية.

  5. #35
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    الجوهرة الثامنة و الثمانون بعد الخمسمائة

    { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ظ±لنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ظ±للَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ظ±للَّهِ فَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْمُضْعِفُونَ }

    قال السمين

    قوله: { لِّيَرْبُوَ }: العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ مفتوحةً، أسند الفعلَ لضمير الرِّبا أي: ليزدادَ. ونافع بتاءٍ مِنْ فوقُ مضمومةً خطاباً للجماعة. فالواوُ على الأولِ لامُ كلمة، وعلى الثاني كلمةُ ضميرٍ لغائبين

    الجوهرة التاسعة و الثمانون بعد الخمسمائة

    { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ }

    قال الالوسي

    وجملة { هُوَ يَتَكَلَّمُ } جواب للاستفهام الذي تضمنته { أَمْ } إذ المعنى بل أأنزلنا عليهما سلطاناً فهو يتكلم / { بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } أي بإشراكهم بالله عز وجل، وصحته على أن { مَا } مصدرية وضمير { بِهِ } له تعالى أو بالأمر الذي يشركون بسببه وألوهيته على أن «ما» موصولة وضمير «به» لها والباء سببية، والمراد نفي أن يكون لهم مستمسك يعول عليه في شركهم

    الجوهرة التسعون بعد الخمسمائة

    الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ }

    قال السمين

    قوله: { الَّذِي أَحْسَنَ }: يجوزُ أَنْ يكونَ تابعاً لِما قبله في قراءتَيْ الرفع والخفض، وأن يكونَ خبراً آخرَ، وأَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، وأن يكونَ منصوباً على المدح.

    قوله: " خَلَقَه " قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بسكونِ اللام. والباقون بفتحها. فأمَّا الأُولى ففيها أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ " خَلْقَه " بدلاً مِنْ " كلَّ شيء " بدلَ اشتمالٍ مِنْ " كلَّ شيءٍ " ، والضميرُ عائدٌ على كل شيء. وهذا هو المشهورُ المتداوَلُ. الثاني: أنه بدلُ كلٍ مِنْ كل، والضميرُ على هذا عائدٌ على الباري تعالى. ومعنى " أحسن ": /حَسَّن؛ لأنه ما مِنْ شيءٍ خَلَقَه إلاَّ وهو مُرَتَّبٌ على ما تَقْتَضيه الحكمةُ، فالمخلوقاتُ كلُّها حسنةٌ. الثالث: أن يكونَ " كلَّ شيءٍ " مفعولاً أول، و " خَلْقَه " مفعولاً ثانياً على أَنْ يُضَمَّن " أحسَنَ " معنى أَعْطى وأَلْهَمَ. قال مجاهد: " أعطى كلَّ جنسٍ شكله ". والمعنى: خَلَقَ كلَّ شيءٍ على شكلِه الذي خصَّه به. الرابع: أن يكون " كلَّ شيء " مفعولاً ثانياً قُدِّم، و " خَلْقَه " مفعولاً أول أُخِّر، على أَنْ يُضَمَّنَ " أَحْسَنَ " معنى أَلْهَمَ وعَرَّف. قال الفراء: " ألهم كلَّ شيءٍ خَلْقَه فيما يحتاجون إليه فيكونُ أَعْلَمهم ذلك ". قلت: وأبو البقاء ضَمَّن أحسنَ معنى عَرَّف. وأَعْرَبَ على نحوِ ما تقدَّم، إلاَّ أنه لا بُدَّ أن يُجْعَلَ الضميرُ لله تعالى، ويُجعلَ الخَلْقُ بمعنى المَخْلوق أي: عَرَّف مخلوقاتِه كلَّ شيءٍ يحتاجون إليه، فيَؤول المعنى إلى معنى قولِه:
    { أَعْطَىظ° كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىظ° }
    [طه: 50].

    الخامس: أن تعودَ الهاء [على الله تعالى] وأَنْ يكون " خَلْقَه " منصوباً على المصدرِ المؤكِّدِ لمضمون الجملةِ كقولِه:
    { صُنْعَ اللَّهِ }
    [النمل: 88]، وهو مذهبُ سيبويه أي: خَلَقَه خَلْقاً. ورُجِّحَ على بدلِ الاشتمال: بأنَّ فيه إضافةَ المصدرِ إلى فاعِله، وهو أكثرُ مِنْ إضافتِه إلى المفعول، وبأنه أبلغُ في الامتنانِ لأنه إذا قال: { أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ } كان أبلغَ مِنْ " أَحْسَنَ خَلْقَ كلِّ شيء "؛ لأنه قد يَحْسُنُ الخلقُ - وهو المحاولةُ - ولا يكون الشيء في نفسِه حَسَناً. وإذا قال: أحسنَ كلَّ شيْءٍ اقتضى أنَّ كلَّ شيءٍ خَلَقَه حَسَنٌ، بمعنى أنه وَضَعَ كلَّ شيءٍ في موضعِه.

    وأمَّا القراءةُ الثانية فـ " خَلَقَ " فيها فعلٌ ماضٍ، والجملةُ صفةٌ للمضافِ أو المضافِ إليه، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ أو مجرورتَه.

    الجوهرة الواحدة والتسعون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي

    أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخَيرَةُ منْ أَمْرهمْ } أي أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا بل يجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه عليه الصلاة والسلام واختيارهم تلواً لاختياره. والخيرة مصدر من تخير كالطيرة مصدر من تطير، ولم يجيء على ما قيل مصدر بهذه الزنة غيرهما، وقيل: هي صفة مشبهة وفسرت بالمتخير، و { مِنْ أَمْرِهِمْ } متعلق بها أو بمحذوف وقع حالاً منها، وجمع الضمير في { لَهُمْ } رعاية للمعنى لوقوع مؤمن ومؤمنة في سياق النفي والنكرة الواقعة في سياقه تعم، وكان من حقه على ما في «الكشاف» توحيده كما تقول: ما جاءني من امرأة ولا رجل إلا كان من شأنه كذا. وتعقبه أبو حيان بأن هذا عطف بالواو والتوحيد في العطف بأو نحو من جاءك من شريف أو وضيع أكرمه فلا يجوز إفراد الضمير في ذاك إلا بتأويل الحذف. وجمعه في { أَمْرِهِمْ } مع أنه للرسول صلى الله عليه وسلم أو له ولله عز وجل للتعظيم على ما قيل. / وقال بعض الأجلة: لم يظهر عندي امتناع أن يكون عائداً على ما عاد عليه الأول على أن يكون المعنى ناشئة من أمرهم أي دواعيهم السائقة إلى اختيار خلاف ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو يكون المعنى الاختيار في شيء من أمرهم أي أمورهم التي يعنونها. ويرجح عوده على ما ذكر بعدم التفكيك ورد بأن ذاك قليل الجدوى ضرورة أن الخيرة ناشئة من دواعيهم أو واقعة في أمورهم وهو بين مستغن عن البيان بخلاف ما إذا كان المعنى بدل أمره الذي قضاه عليه الصلاة والسلام أو متجاوزين عن أمره لتأكيده وتقريره للنفي وهذا هو المانع من عوده إلى ما عاد عليه الأول، والحق أنه لا مانع من ذلك على أن يكون المعنى ما كان للمؤمنين أن يكون لهم اختيار في شيء من أمورهم إذا قضى الله ورسوله لهم أمراً، ولا نسلم أن ما عد مانعاً مانع فتدبر. ولعل الفائدة في العدول عن الظاهر في الضمير الأول على ما قال الطيبـي الإيذان بأنه كما لا يصح لكل فرد فرد من المؤمنين أن يكون لهم الخيرة كذلك لا يصح أن يجتمعوا ويتفقوا على كلمة واحدة لأن تأثير الجماعة واتفاقهم أقوى من تأثير الواحد، ويستفاد منه فائدة الجمع في الضمير الثاني على تقدير عوده على ما عاد عليه الأول وكذا وجه إفراد الأمر إذا أمعن النظر.

    الجوهرة الثانية والتسعون بعد الخمسمائة

    تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ظ±بْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً }

    قال الالوسي

    { تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } أي تؤخر من تشاء من نسائك وتترك مضاجعتها { وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء } وتضم إليك من تشاء منهن وتضاجعها، وروي هذا عن قتادة. وعن ابن عباس والحسن أي تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء، وقال بعضهم: الإرجاء والإيواء / لإطلاقهما يتناولان ما في التفسيرين وما ذكر فيهما فإنما هو من باب التمثيل ولا يخلو عن حسن، وفي رواية عن الحسن أن ضمير { مِنْهُنَّ } لنساء الأمة والمعنى تترك نكاح من تشاء من نساء أمتك فلا تنكح وتنكح منهن من تشاء. وقال: كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتركها وعن زيد بن أسلم والطبري أنه للواهبات أنفسهن أي تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء منهن فلا تقبلها، وعن الشعبـي ما يقتضيه، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي في «السنن» وغيرهما عنه قال: كن نساء وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن فلم يقربن حتى توفي عليه الصلاة والسلام ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك فذلك قوله تعالى: { تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء } ويشهد لما تقدم من رجوعه إلى النساء ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وغيرهم عن أبـي رزين قال: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك أتينه فقلن لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت فأنزل الله تعالى الآية فأرجأ منهن نسوة وكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضي الله تعالى عنهن أجمعين.

    الجوهرة الثالثة والتسعون بعد الخمسمائة

    { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ }

    قال الالوسي

    { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ } قيل أي أوقعنا على سليمان الموت حاكمين به عليه، وفي «مجمع البيان» أي حكمنا عليه بالموت، وقيل: أوجبناه عليه، وفي «البحر» أي أنفذنا عليه ما قضينا عليه في الأزل من الموت وأخرجناه إلى حيز الوجود، وفيه تكلف، وأياً ما كان فليس المراد بالقضاء أخا القدر فتدبر، و(لما) شرطية ما بعدها شرطها وجوابها قوله تعالى: { مَا دَلَّهُمْ عَلَىظ° مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ } واستدل بذلك على حرفيتها وفيه نظر؛ وضمير { دَلَّهُمْ } عائد على الجن الذين كانوا يعملون له عليه السلام، وقيل: عائد على آل سليمان، ويأباه بحسب الظاهر قوله تعالى بعد: { تَبَيَّنَتِ ظ±لْجِنُّ }

    وقال السمين

    قوله: " فلمَّا خَرَّ " الظاهر أنَّ فاعلَه ضميرُ سليمان عليه السلام. وقيل: عائدٌ على الباب لأنَّ الدابَّةَ أكلَتْه فوقع. وقيل: بل أكلَتْ عَتَبَةَ البابِ، وهي الخارَّة. ونُقِل ذلك في التفسير، وينبغي أَنْ لا يَصِحَّ؛ إذ كان يكون التركيبُ خرَّتْ بتاءِ التأنيث. و:
    3732 ـ............................ ....................... أَبْقَل إبْقالَها
    ضرورةٌ أو نادرٌ. وتأويلُها بمعنى العُوْد أَنْدَرُ منه.

    قوله: " تَبَيَّنَتْ " العامَّةُ على بنائِه للفاعلِ مسنداً للجنِّ. وفيه تأويلاتٌ، أحدُها: أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: تبيَّن أَمْرُ الجنِّ أي: ظهر وبان. و " تبيَّن " يأتي بمعنى بان لازماً، كقولِه:
    3733 ـ تَبَيَّنَ لي أنَّ القَماءَةَ ذِلَّةٌ وأنَّ أَعِزَّاءَ الرجالِ طِيالُها
    فلمَّا حُذِفَ المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مُقامَه، وكان ممَّا يجوز تأنيثُ فعلِه، أُلْحِقَتْ علامةُ التأنيثِ.

    وقوله: { أَن لَّوْ كَانُواْ } بتأويلِ المصدرِ مرفوعاً بدلاً من الجنِّ. والمعنى: ظهر كَوْنُهم لو عَلِموا الغيبَ لَما لَبِثوا في العذاب أي: ظَهَرَ جَهْلُهُمْ. الثاني: أنَّ " تبيَّن " بمعنى بانَ وظَهَر أيضاً. و " الجنُّ " فاعلٌ. ولا/ حاجةَ إلى حَذْفِ مضاف و { أَن لَّوْ كَانُواْ } بدلٌ كما تقدَّم تحريرُه. والمعنى: ظهر للجن جَهْلُهم للناسِ؛ لأنهم كانوا يُوْهِمُون الناسَ بذلك، كقولك: بان زيدٌ جهلُه

    الثالث: أنَّ " تَبَيَّن " هنا متعدٍّ بمعنى أَدْرك وعَلِم، وحينئذٍ يكون المرادُ بالجنِّ ضَعَفَتَهم، وبالضميرِ في " كانوا " كبارَهُمْ ومَرَدَتَهم، و { أَن لَّوْ كَانُواْ } مفعولٌ به، وذلك أنَّ المَرَدَةَ والرؤساءَ من الجنِّ كانوا يُوْهِمون ضعفاءَهم أنهم يَعْلمون الغيبَ. فلمَّا خَرَّ سليمان عليه السلامَ مَيِّتاً، مكثوا بعده عاماً في العملِ، تبيَّنَتِ السَّفَلَةُ من الجنِّ أنَّ الرؤساءَ منهم لو كانوا يعلمون الغيبَ كما ادَّعَوْا ما مكثوا في العذابِ. ومِنْ مجيءِ " تَبَيَّن " متعدِّياً بمعنى أَدْرك قولُه:
    3734 ـ أفاطِمُ إنِّي مَيِّتٌ فَتَبَيَّني ولا تَجْزَعي كلُّ الأنامِ يموتُ
    أي: تَبَيَّني ذلك.

    وفي كتاب أبي جعفر ما يَقْتضي أنَّ بعضَهم قرأ " الجنَّ " بالنصب، وهي واضحةٌ أي: تبيَّنت الإِنسُ الجنَ. و { أَن لَّوْ كَانُواْ } بدلٌ أيضاً من " الجن ". وقرأ ابن عباس ويعقوب " تُبُيِّنَتِ الجنّ " على البناءِ للمفعولِ، وهي مؤيِّدَةٌ لِما نَقَله النحاسُ. وفي الآيةِ قراءاتٌ كثيرةٌ أَضْرَبْتُ عنها لمخالفتِها السَّوادَ.

    الجوهرة الرابعة والتسعون بعد الخمسمائة

    { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَظ±تَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ }

    قال الالوسي

    { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } أي حقق عليهم ظنه أو وجد ظنه صادقاً، والظاهر أن ضمير { عَلَيْهِمْ } عائد على سبأ، ومنشأ ظنه رؤية انهماكهم في الشهوات، وقيل: هو لبني آدم ومنشأ ظنه أنه شاهد أباهم آدم عليه السلام وهو هو قد أصغى إلى وسوسته / فقاس الفرع على الأصل والولد على الوالد، وقيل: إنه أدرك ما ركب فيهم من الشهوة والغضب وهما منشئان للشرور، وقيل: إن ذاك كان ناشئاً من سماع قول الملائكة عليهم السلام
    { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَاء }
    [البقرة: 30] يوم قال سبحانه لهم:
    { إِنّي جَاعِلٌ فِى ظ±لأَرْضِ خَلِيفَةً }
    [البقرة: 30] ويمكن أن يكون منشأ ذلك ما هو عليه من السوء كما قيل:
    إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم
    وجوز أن يكون كل ما ذكر منشأ لظنه في سبأ، والكلام على الوجه الأول في الضمير على ما قال الطيبـي تتمة لسابقه إما حالاً أو عطفاً، وعلى الثاني هو كالتذييل تأكيداً له.

    الجوهرة الخامسة والتسعون بعد الخمسمائة

    قال ابن عاشور فى التحرير

    والفاء في قوله { فمنهم ظالم لنفسه } الخ تفصيل لأحوال الذين أورثوا الكتاب أي أعطوا القرآن. وضمير «منهم» الأظهر أنه عائد إلى { الذين اصطفينا } ، وذلك قول الحسن وعليه فالظالم لنفسه من المصطفَيْن. وقيل هو عائد إلى { عبادنا } أي ومن عبادنا علمه والإطلاق. وهو قول ابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك، وعليه فالظالم لنفسه هو الكافر.

    ويسري أثر هذا الخلاف في محْمل ضمير
    { جنات عدن يدخلونها }
    فاطر 33 ولذلك يكون قول الحسن جارياً على وفاق ما روي عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعقبة بن عمرو وما هو مروي عن عائشة وهو الراجح.

    وقال ابو حيان فى البحر المحيط

    { ثم أورثنا الكتاب } ، وثم قيل: بمعنى الواو، وقيل: للمهلة، إما في الزمان، وإما في الإخبار على ما يأتي بيانه. والكتاب فيه قولان، أحدهما: أن المعنى: أنزلنا الكتب الإلهية، والكتاب على هذا اسم جنس. والمصطفون، على ما يأتي بيانه أن المعنى: الأنبياء وأتباعهم، قاله الحسن. وقال ابن عباس: هم هذه الأمة، أورثت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كل كتاب أنزله الله. وقال ابن جرير: أورثهم الإيمان، فالكتب تأمر باتباع القرآن، فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها، يدل عليه: { والذين أوحينا إليك من الكتاب هو الحق } ، ثم أتبعه بقوله: { ثم أورثنا الكتاب } ، فعلمنا أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كان معنى الميراث: انتقال شيء من قوم إلى قوم، ولم تكن أمة انتقل إليها كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته. فإذا قلنا: هم الأنبياء وأتباعهم، كان المعنى: أورثنا كل كتاب أنزل على نبي، ذلك النبي وأتباعه. والقول الثاني: أن الكتاب هو القرآن، والمصطفون أمة الرسول، ومعنى أورثنا، قال مجاهد: أعطينا، لأن الميراث عطاء. ثم قسم الوارثين إلى هذه الأقسام الثلاثة، قال مكي: فقيل هم المذكرون في الواقعة. فالسابق بالخيرات هو المقرب، والمقتصد أصحاب الميمنة، والظالم لنفسه أصحاب المشأمة، وهو قول يروى معناه عن عكرمة والحسن وقتادة، قالوا: الضمير في منهم عائد على العباد. فالظالم لنفسه الكافر والمنافق، والمقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق، وقالوا: هو نظير ما في الواقعة. والأكثرون على أن هؤلاء الثلاثة هم في أمة الرسول، ومن كان من أصحاب المشأمة مكذباً ضالاً لا يورث الكتاب ولا اصطفاه الله، وإنما الذي في الواقعة أصناف الخلق من الأولين والآخرين. قال عثمان بن عفان: سابقنا أهل جهاد، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جمعة ولا جماعة. وقال معاذ: الظالم لنفسه: الذي مات على كبيرة لم يتب منها، والمقتصد: من مات على صغيرة ولم يصب كبيرة لم يتب منها، والسابق: من مات نائباً عن كبيرة أو صغيرة أو لم يصب ذلك. وقيل: الظالم لنفسه: العاصي المسرف، والمقتصد: متقي الكبائر، والسابق: المتقي على الإطلاق. وقال الحسن: الظالم: من خفت حسناته، والمقتصد: من استوت، والسابق: من رجحت. وقال الزمخشري: قسمهم إلى ظالم مجرم، وهو المرجأ لأمر الله، ومقتصد، وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً؛ وسابق، من السابقين. انتهى. وذكر في التجريد ثلاثة وأربعين قولاً في هؤلاء الأصناف الثلاثة.

  6. #36
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    الجوهرة السادسة والتسعون بعد الخمسمائة
    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَآيَةٌ لَّهُمْ } يحتمل ثلاثة معان: أحدها عبرة لهم؛ لأن في الآيات ظ±عتباراً. الثاني نعمة عليهم؛ لأن في الآيات إنعاماً. الثالث إنذار لهم؛ لأن في الآيات إنذاراً. { أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ظ±لْفُلْكِ ظ±لْمَشْحُونِ } من أشكل ما في السورة؛ لأنهم هم المحمولون. فقيل: المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية «فيِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» فالضميران مختلفان؛ ذكره المهدوي. وحكاه النحاس عن عليّ بن سليمان أنه سمعه يقوله. وقيل: الضميران جميعاً لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم؛ فالفلك على القول الأوّل سفينة نوح. وعلى الثاني يكون ظ±سماً للجنس؛ خبّر جل وعز بلطفه وظ±متنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذرية والضعفاء، فيكون الضميران على هذا متفقين. وقيل: الذرية الآباء والأجداد، حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام؛ فالآباء ذرية والأبناء ذرية؛ بدليل هذه الآية؛ قاله أبو عثمان. وسمّي الآباء ذرية؛ لأن منهم ذرأ الأبناء. وقول رابع: أن الذرية النُّطَف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيهاً بالفلك المشحون؛ قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ ذكره الماوردي


    الجوهرة السابعة والتسعون بعد الخمسمائة

    فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ظ±لْمُنْذَرِينَ }

    قال الالوسي

    { فَإِذَا نَزَلَ } أي العذاب الموعود/ { بِسَاحَتِهِمْ } وهي العرصة الواسعة عند الدور والمكان الواسع مطلقاً وتجمع على سوح قال الشاعر:
    فكان سيان أن لا يسرحوا نعماً أو يسرحوه بها واغبرت السوح
    وفي الضمير استعارة مكنية شبه العذاب بجيش يهجم على قوم وهم في ديارهم بغتة فيحل بها والنزول تخييل. وقرأ ابن مسعود { نزل } بالتخفيف والبناء للمجهول وهو لازم فالجار والمجرور نائب الفاعل، وقرىء (نزل) بالتشديد والبناء للمجهول أيضاً وهو متعد فنائب الفاعل ضمير العذاب.

    { فَسَاء صَبَاحُ ظ±لْمُنْذَرِينَ } أي فبئس صباح المنذرين صباحهم على أن ساء بمعنى بئس وبها قرأ عبد الله والمخصوص بالذم محذوف واللام في (المنذرين) للجنس لا للعهد لاشتراطهم الشيوع فيما بعد فعلى الذم والمدح ليكون التفسير بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال ولو كان ساء بمعنى قبح على أصله جاز اعتبار العهد من غير تقدير. والصباح مستعار لوقت نزول العذاب أي وقت كان من صباح الجيش المبيت للعدو وهو السائر إليه ليلاً ليهجم عليه وهو في غفلته صباحاً، وكثيراً ما يسمون الغارة صباحاً لما أنها في الأعم الأغلب تقع فيه، وهو مجاز مرسل أطلق فيه الزمان وأريد ما وقع فيه كما يقال أيام العرب لوقائعهم. وجوز حمل الصباح هنا على ذلك.

    وفي «الكشاف» مثل العذاب النازل بهم بعد ما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قوماً بعض نصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا اهبتهم ولا دبروا أمرهم تدبيراً ينجيهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة وقطع دابرهم، وكانت عادة مغاويرهم أصباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر؛ وما فصحت هذه الآية ولا كانت لها الروعة التي يحس بها ويروقك موردها على نفسك وطبعك إلا لمجيئها على طريقة التمثيل انتهى، وظاهره أن الكلام على الاستعارة التمثيلية وفضلها على غيرها أشهر من أن يذكر وأجل من أن ينكر.

    وقيل: ضمير (نزل) للنبـي صلى الله عليه وسلم ويراد حينئذٍ نزوله يوم الفتح لا يوم بدر لأنه ليس بساحتهم إلا على تأويل ولا بخيبر لقوله صلى الله عليه وسلم حين صبيحها: " الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " لأن تلاوته عليه الصلاة والسلام ثمت لاستشهاده بها والكلام هنا مع المشركين، ولا يخفى بعد رجوع الضمير إليه عليه الصلاة والسلام

    الجوهرة الثامنة والتسعون بعد الخمسمائة
    قال السمين فى البقرة

    قوله: { قَالَ أَعْلَمُ } الجمهورُ على " قال " مبنياً للفاعلِ. وفي فاعلِهِ على قراءةِ حمزة والكسائي: " اعْلَمْ " أمراً من " عَلِمَ " قولان، أظهرِهُما: أنه ضميرٌ يعودُ على اللِّهِ تعالى أو على المَلِكِ، أي: قال اللَّهُ أو المَلِكُ أو المَلِكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ. والثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسهِ، نَزَّلَ نفسَه منزلَةَ الأجنبي فخاطَبَهَا، ومنه:


    1058 ـ وَدِّعْ هُرَيْرَةَ......... .....................
    [وقوله]:
    1059 ـ ألم تَغْتَمِضْ عيناك... ............................
    [قوله]:
    1060 ـ تطاولَ ليلُك......... ....................
    يعني نفسَه. قال أبو البقاء: " ما تقولُ لنفسِك: اعلمْ يا عبدَ الله، ويُسَمَّى هذا التجريدَ " يعني كأنه جَرَّد من نفسه مخاطباً يخاطِبُه. وأمَّا على قراءةِ غيرهما: " أعلمُ " مضارعاً للمتكلمِ ففاعلُ " قال " ضميرُ المارِّ، أي: قال المارُّ: أعلَمُ أنا.

    وقرأ الأعمش: " قيل " مبنياً للمفعولِ. والقائمُ مقامَ الفاعلِ: إمَّا ضميرُ المصدرِ من الفعلِ، وإمَّا الجملةُ التي بعده، على حَسَبَ ما تقدَّم في أولِ السورة.

    وقرأ حمزة والكسائي: " اعلمْ " على الأمر، والباقون: " أعلمُ " مضارعاً " والجعفي عن أبي بكر: " أَعْلِمُ " أمراً من " أَعْلَمَ " ، والكلامُ فيها كالكلامِ في قراءةِ حمزة والكسائي بالنسبةِ إلى فاعل " قال " ما هو؟ و " أنَّ الله " في محلِّ نصب، سادَّةً مسدَّ المفعولين، أو الأولِ/ والثاني محذوفٌ على ما تقدم

    الجوهرة التاسعة والتسعون بعد الخمسمائة
    قال السمين فى الزمر

    قوله: " مَثَلاً " منصوبٌ على التمييزِ المنقولِ من الفاعليةِ إذ الأصلُ: هل يَسْتَوي مَثَلُهما. وأُفْرد التمييزُ لأنه مقتصرٌ عليه أولاً في قولِه: { ضَرَبَ ظ±للَّهُ مَثَلاً }. وقرِئَ " مِثْلَيْن " فطابَقَ حالَيْ الرجلين. وقال الزمخشري - فيمَنْ قرأ مِثْلين -: " إنَّ الضميرَ في " يَسْتَويان " للمِثْلين؛ لأنَّ التقديرَ: مِثْلَ رجلٍ، ومثلَ رجلٍ.

    والمعنى: هل يَسْتويان فيما يَرْجِعُ إلى الوصفيَّة كما تقول: كفى بهما رجلين ".

    قال الشيخ: " والظاهرُ أنه يعود الضميرُ في " يَسْتَويان " على " رَجُلَيْن ". وأمَّا إذا جَعَلْتَه/ عائداً إلى المِثْلَيْنِ اللذيْن ذَكَرَ أنَّ التقديرَ: مِثْلَ رجلٍ ومِثْلَ رجلٍ؛ فإنَّ التمييزَ يكون إذ ذاك قد فُهِمَ من المميَّز الذي هو الضميرُ؛ إذ يصيرُ التقدير: هل يَسْتوي المِثْلان مِثْلين ". قلت: هذا لا يَضُرُّ؛ إذ التقديرُ: هل يَسْتوي المِثْلان مِثْلَيْن في الوصفيةِ فالمِثْلان الأوَّلان مَعْهودان، والثانيان جنسان مُبْهمان كما تقول: كَفَى بهما رجلَيْن؛ فإنَّ الضميرَ في " بهما " عائدٌ على ما يُراد بالرجلين فلا فَرْقَ بين المسألتين. فما كان جواباً عن " كفَى بهما رجلين " يكونُ جواباً له.

    الجوهرة الستمائة

    قال السمين فى غافر
    قوله: " كَبُرَ مَقْتاً " يُحْتمل أَنْ يُرادَ به التعجبُ والاستعظامُ، وأَنْ يُرادَ به الذمُّ كبِئْس؛ وذلك أنه يجوزُ أَنْ يُبْنَى فَعُل بضمِّ العَيْن مِمَّا يجوزُ التعجُّبُ منه، ويَجْري مَجْرى نِعْم وبئس في جميعِ الأحكامِ. وفي فاعلِه ستةُ أوجهٍ، الأول: أنه ضميرٌ عائدٌ على حالِ المضافِ إلى الذين، كما تقدَّم تقريرُه./ الثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على جدالِهم المفهوم مِنْ " يُجادلون " كما تقدَّم أيضاً. الثالث: أنه الكافُ في " كذلك ". قال الزمخشري: " وفاعلُ " كَبُرَ " قولُه: " كذلك " أي: كَبُرَ مَقْتاً مثلُ ذلك الجدالِ، ويَطْبع اللَّهُ كلامٌ مستأنفٌ " ورَدَّه الشيخُ: بأنَّ فيه تَفْكيكاً للكلامِ وارتكابَ مذهبٍ ليس بصحيحٍ. أمَّا التفكيكُ فلأنَّ ما جاء في القرآن مِنْ " كذلك نَطْبَعُ " أو " يَطْبع " إنما جاء مربوطاً بعضُه ببعض فكذلك هذا، وأمَّا ارتكابُ مذهبٍ غيرِ صحيح فإنه جَعَل الكافَ اسماً ولا تكونُ اسماً إلاَّ في ضرورةٍ، خلافاً للأخفش.

    الرابع: أنَّ الفاعلَ محذوفٌ، نقله الزمخشري. قال: " ومَنْ قال: كَبُرَ مَقْتاً عند الله جِدالُهم، فقد حَذَفَ الفاعلَ، والفاعلُ لا يصِحُّ حَذْفُه ". قلت: القائلُ بذلك الحوفيُّ، لكنه لا يريدُ بذلك تفسيرَ الإِعراب، إنما يريدُ به تفسيرَ المعنى، وهو معنى ما قَدَّمْتُه مِنْ أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على جدالِهم المفهومِ مِنْ فعلِه، فصَرَّح الحوفيُّ بالأصلِ، وهو الاسمُ الظاهرُ، ومرادُه ضميرٌ يعودُ عليه.

    الخامس: أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على ما بعدَه، وهو التمييزُ نحو: " نِعْمَ رَجُلاً زيدٌ " ، و " بئس غلاماً عمروٌ ". السادس: أنه ضميرٌ يعودُ على " مَنْ " مِنْ قولِه: { مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ }. وأعاد الضميرَ مِنْ " كَبُرَ " مفرداً اعتباراً بلفظِها، وحينئذٍ يكونُ قد راعَى لفظَ " مَنْ " أولاً في { مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } ، ثم معناها ثانياً في قوله: { ظ±لَّذِينَ يُجَادِلُونَ } إلى آخره، ثم لفظَها ثالثاً في قوله: " كَبُر ". وهذا كلُّه إذا أَعْرَبْتَ " الذين " تابعاً لمَنْ هو مُسْرِفٌ نعتاً أو بياناً أو بدلاً.

    وقد عَرَفْتَ أن الجملةَ مِنْ قولِه: " كَبُرَ مَقْتاً " فيها وجهان، أحدهما: الرفعُ إذا جَعلْناها خبراً لمبتدأ. والثاني: أنها لا محلَّ لها إذا لم تجْعَلْها خبراً. بل هي جملةٌ استِئْنافية. وقوله: " عندَ الله " متعلقٌ بـ " كَبُرَ " ، وكذلك قد تقدَّم أنَّه يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، وأنْ يكونَ فاعلاً وهما ضعيفان. والثالث - وهو الصحيحُ - أنه معمولٌ لـ " يَطْبَعُ " أي: مثلَ ذلك الطَّبْعِ يطبعُ اللَّهُ. و " يطبعُ اللَّهُ " فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مستأنفٌ. والثاني: أنه خبرٌ للموصولِ، كما تقدَّم تقريرُ ذلك كلِّه.

  7. #37
    جهد مشكور اخى

    جزاك الله خيرا عما تنشر من علم


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  8. #38
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    قال القرطبي

    قوله تعالى: { فَإِذَا سَجَدُواْ } الضّمير في «سَجَدُوا» للطائفة المصلّية فلينصرفوا؛ هذا على بعض الهيئات المرويّة. وقيل: المعنى فإذا سَجَدُوا ركعة القضاء وهذا على هيئة سهل بن أبي حَثْمة. ودلت هذه الآية على أن السجود قد يعبر به عن جميع الصلاة؛ وهوكقوله عليه السلام: " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين " أي فليصل ركعتين وهو في السنَّة. والضمير في قوله: { فَلْيَكُونُواْ } يحتمل أن يكون للذين سَجدُوا، ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة أوّلاً بإزاء العدّو.

    وقال الالوسي

    فَإِذَا سَجَدُواْ } أي القائمون معك أي إذا فرغوا من السجود وأتموا الركعة ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } أي فلينصرفوا (للحراسة من العدو) { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىظ° لَمْ يُصَلُّواْ } بعد وهي التي كانت تحرس، ونكرها لأنها لم تذكر قبل { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } الركعة الباقية من صلاتك، والتأنيث والتذكير مراعاة للفظ، والمعنى ـ ولم يبين في الآية الكريمة ـ حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين، وقد بين ذلك بالسنة

    انتهى

    قال السمين فى فصلت

    قوله: { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } الظاهرُ أنَّ الضميرَيْن عائدان على عادٍ وثمود. وقيل: الضميرُ في " خَلْفِهم " يعودُ على الرسلِ. واسْتُبْعِد هذا من حيث المعنى؛ إذ يصير التقديرُ: جاءتهم الرسلُ مِنْ خَلْفِ الرسلِ، أي: مِنْ خَلْفِ أنفسِهم. وقد يُجاب عنه: بأنَّه مِنْ باب " دِرْهمٌ ونصفُه " أي: ومن خَلْفِ رسُلٍ آخرين.

    انتهى

    الجوهرة الواحدة بعد الستمائة

    قال السمين فى الانفال

    وقرأ الحسن ويعقوب ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو " تُرَهِّبون " مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف كما عدَّاه العامة بالهمزة، والمفعول الثاني على كلتا القراءتين محذوف لأن الفعل قبل النقل بالهمزة/ أو بالتضعيف متعدٍّ لواحد نحو: رَهَّبْتُك، والتقدير: تُرَهِّبون عدوَّ الله قتالكم أو لقاءَكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نَقَلَ قراءةَ الحسن بياء الغيبة وتخفيف " يُرْهبون " وهي قراءة واضحة، فإن الضميرَ حينئذٍ يَرْجع إلى من يرجع إليه ضمير " لهم " ، فإنهم إذا خافوا خَوَّفوا مَنْ وراءهم.

    انتهى


    أَمْ حَسِبَ ظ±لَّذِينَ ظ±جْتَرَحُواْ ظ±لسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }

    قال السمين

    والضميرُ في " مَحْياهم ومماتُهم " يجوزُ أَنْ يعودَ على القَبِيْلَيْنِ بمعنى: أنَّ مَحْيا المؤمنين ومماتَهم سواءٌ عند الله في الكرامةِ، ومَحْيا المجترحين ومماتَهم سواءٌ في الإِهانةِ عنده، فَلَفَّ الكلام اتِّكالاً على ذِهْنِ السَّامع وفهمِه. ويجوزُ أَنْ يعودَ على المُجْترحين فقط. أَخْبَرَ أَنَّ حالَهم في الزمانَيْن سواءٌ.


    وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ظ±للَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىظ° يَوْمِ ظ±لْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ }

    قال السمين

    قوله: { وَمَنْ أَضَلُّ }: مبتدأ وخبرٌ.

    قوله: { مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ } " مَنْ " نكرةٌ موصوفةٌ أو موصولةٌ، وهي مفعولٌ بقولِه: " يَدْعُو ".

    قوله: { وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ } يجوزُ أَنْ يكونَ الضميران عائدَيْنِ على " مَنْ " مِنْ قولِه: { مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ } وهم الأصنامُ وتُوْقَعُ عليهم " مَنْ " لمعاملتهم إياها معاملةَ العقلاءِ، أو لأنَّه أراد جميعَ مَنْ عُبِدَ مِنْ دونِ الله. وغَلَّب العقلاءَ، ويكون قد راعى معنى " مَنْ " فلذلك جَمَعَ في قوله: " وهم " بعدما راعى لفظَها فأفردَ في قولِه: " يَسْتَجيب " وقيل: يعود على " مَنْ " مِنْ قولِه " ومَنْ أضَلُّ " ، وحُمِلَ أولاً على لفظها فَأُفْرِدَ في قولِه: " يَدْعُو " ، وثانياً على معناها فجُمِعَ في قوله: { وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ }

    انتهى

    قال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّخَذُواْ مِن دُونِ ظ±للَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ } هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يرجع إلى الله - تعالى - والآخر: يرجع إلى الأصنام التي عبدوها واتخذوها آلهة:

    فأما الذي يرجع إلى الله تعالى يقول: لولا نصرهم الله؛ أي: هلا نصرهم الله عند نزول العذاب بهم ولا يهلكهم لو كان عبادتهم الأصنام مما تقربهم إلى الله زلفى، ويكونون شفعاء عنده، يقول - والله أعلم -: لو كان ظنكم حقّاً أن ذلك مما يقربكم إلى الله هلا نصركم الله عند نزول ذلك بكم، فإذا لم ينصر الله - تعالى - أولئك بل أهلكهم فاعلموا أنه ليس الأمر كما توهمتم وظننتم، والله أعلم.

    والثاني: يقول - والله أعلم -: لو كان للأصنام التي تعبدونها شفاعة عند الله - تعالى - على ما زعمتم هلا نصروا أولئك ودفعوا الهلاك عنهم بشفاعتهم، وإذ لم يفعلوا ذلك، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم، فعلى ذلك لا يملكون دفع ذلك عنكم إذا نزل بكم [ما نزل] بأولئك، والله أعلم.

    ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية: الضمير في قوله { أَمْثَـظ°لَهُمْ } عائد إلى من؟ فيه وجهان: أحدهما: إلى الناس كافة قال تعالى: { يَضْرِبُ ظ±للَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَـظ°لَهُمْ } على أنفسهم وثانيهما: إلى الفريقين السابقين في الذكر معناه: يضرب الله للناس أمثال الفريقين السابقين

    انتهى

    قال الالوسي فى الفتح

    وَأَهْلَهَا } أي المستأهل لها وهو أبلغ من الأحق حتى قيل بينه وبين الأحق كما بين الأحق والحق، وقيل: إن أحقيتهم بها من الكفار تفهم رجحانهم رجحاناً ما عليهم ولا تثبت الأهلية كما إذا اختار الملك اثنين لشغل وكل واحد منهما غير صالح له لكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق فيقال للأقرب إليه إذا كان ولا بد فهذا أحق كما يقال: الحبس أهون من القتل، ولدفع توهم مثل هذا فيما نحن فيه قال سبحانه: { وَأَهْلَهَا } وقيل: أريد أنهم أحق بها في الدنيا وأهلها بالثواب في الآخرة، وقيل: في الآية تقديم وتأخير والأصل وكانوا أهلها وأحق بها، وكذلك هي في مصحف الحرث بن سويد صاحب ابن مسعود وهو الذي دفن مصحفه لمخالفته الإمام أيام الحجاج وكان من كبار تابعيي الكوفة وثقاتهم.

    وقيل: ضمير { كَانُوغ¤اْ } عائد على كفار مكة أي وكان أولئك الكفار الذين جعلوا في قلوبهم الحمية أحق بكلمة التقوى لأنهم أهل حرم الله تعالى ومنهم رسوله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم إنذارهم لولا ما سلبوا من التوفيق، وفيه ما فيه سواء رجع ضمير { أَلْزَمَهُمْ } إلى كفار مكة أيضاً أم لا، وأظن في قائله نزغة رافضية دعته إلى ذلك لكنه لا يتم به غرضه، وقيل: ضمير { كَانُوغ¤اْ } للمؤمنين إلا أن ضميري / { بِهَا وَأَهْلَهَا } للسكينة، وفيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير داع، وقيل: هما لِمَكَّة أي وكانوا أحق بمكة أن يدخلوها وأهلها، وأشعر بذكر مكة ذكر المسجد الحرام في قوله تعالى:
    { وَصَدُّوكُمْ عَنِ ظ±لْمَسْجِدِ ظ±لْحَرَامِ }
    [الفتح: 25] وكذا محل الهدي في قوله سبحانه:
    { وَظ±لْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ }
    [الفتح: 25] وفيه ما لا يخفى.

    الجوهرة الثانية بعد الستمائة

    وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ظ±لْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ }

    قال السمين

    قوله: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا }: " كم " نُصِب بما بعده. وقُدِّم: إمَّا لأنه استفهامٌ، وإمَّا لأنَّ الخبريَّة تَجْري مَجْرى الاستفهاميةِ في التصدير. و " مِنْ قَرْن " تمييزٌ، و " هم أشدُّ " صفةٌ: إمَّا لـ " لكم " وإمَّا لـ " قرن ".

    قوله: { فَنَقَّبُواْ } الفاءُ عاطفةٌ على المعنى كأنه قيل: اشتدَّ بَطْشُهم فنَقَّبوا. والضمير في " نَقَّبوا ": إما للقرونِ المقتدمةِ وهو الظاهرُ، وإمَّا لقريش، ويؤيِّده قراءةُ ابنِ عباس وابن يعمر وأبي العالية ونصر ابن سيَّار وأبي حيوةَ والأصمعيِّ عن أبي عمرو " فَنَقِّبوا " بكسر القاف أَمْراً لهم بذلك. والتنقيب: التنقير والتفتيش، ومعناه التطوافُ في البلاد. قال الحارث بن حِلِّزة:
    4097ـ نَقَّبوا في البلاد مِنْ حَذَرِ الموْ تِ وجالُوا في الأرض كلَّ مجَالِ
    وقال امرؤ القيس:
    4098ـ وقد نَقَّبْتُ في الآفاقِ حتى رَضِيْتُ مِن الغنيمة بالإِياب
    وقرأ ابن عباس وأبو عمروٍ أيضاً في رواية " نَقَبوا " بفتح القاف خفيفةً. ومعناها ما تقدَّم. وقُرِىء " نَقِبوا " بكسرها خفيفةً أي: تَعِبَتْ أقدامُهم وأقدامُ إِبِلهم ودَمِيَتْ، فَحُذِفَ المضافُ، وذلك لكثرةِ تَطْوافِهم

    وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ظ±لْعَذَابَ ظ±لأَلِيمَ }

    قال السمين

    قوله: { فِيهَآ آيَةً }: يجوز أن يعود الضمير على القرية أي: تَرَكْنا في القرية علامةً كالحجارةِ أو الماء المُنْتِنِ، ويجوزُ أَنْ يعودَ على الإِهلاكةِ المفهومةِ/ من السِّياق.

    انتهى

    قال الالوسي فى الطور

    وَمَا أَلَتْنَـظ°هُمْ } أي وما نقنصا الآباء بهذا الإلحاق { مّنْ عَمَلِهِم } أي من ثواب عملهم { مِن شَىْء } أي شيئاً بأن أعطينا بعض مثوباتهم أبناءهم فتنقص مثوباتهم وتنحط درجتهم وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان، وقال ابن زيد: الضمير عائد على الأبناء أي وما نقصنا الأبناء الملحقين من جزاء عملهم الحسن والقبيح شيئاً بل فعلنا ذلك بهم بعد مجازاتهم بأعمالهم كملاً ـ وليس بشيء وإن قال أبو حيان: يحسن هذا الاحتمال قوله تعالى: { كُلُّ ظ±مْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } وإلى الأول ذهب ابن عباس وابن جبير والجمهور.

    وقال ابن عاشور فى الطور

    وجملة { لا لغو فيها ولا تأثيم } يجوز أن تكون صفة لــــ«كأس» وضمير { لا لغو فيها } عائداً إلى «كأس» ووصف الكأس بــــ { لا لغو فيها ولا تأثيم }. إن فُهم الكأس بمعنى الإِناء المعروف فهو على تقدير لا لغو ولا تأثيم يصاحبها، فإن في للظرفية المجازية التي تؤوّل بالملابسة، كقوله تعالى

    وجاهدوا في اللَّه حق جهاده }
    الحج 78 وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ففيهما ـــ أي والديك ـــ فجاهد " ، أي جاهد ببرهما، أو تُأوَّل في بمعنى التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم " دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً " وإن فهم الكأس مراداً به الخمر كانت في مستعارة للسببية، أي لا لغو يقع بسبب شربها. والمعنى على كلا الوجهين أنها لا يخالط شاربيها اللغوُ والإِثم بالسباب والضرب ونحوه، أي أن الخمر التي استعملت الكأس لها ليست كخمور الدنيا، ويجوز أن تكون جملة { لا لغو فيها ولا تأثيم } مستأنفة ناشئة عن جملة { يتنازعون فيها كأساً } ، ويكون ضمير { فيها } عائداً إلى { جنات } من قوله
    { إن المتقين في جنات }
    الطور 17 مثل ضمير { فيها كأساً } ، فتكون في الجملة معنى التذييل لأنه إذا انتفى اللغو والتأثيم عن أن يكونا في الجنة انتفى أن يكونا في كأس شُرب أهل الجنة. ومثل هذين الوجهين يأتي في قوله تعالى
    { إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً }
    في سورة النبأ 31- 32 إلى قوله
    { لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً }
    في سورة النبأ 35

  9. #39
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    { وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ظ±لظَّنَّ وَإِنَّ ظ±لظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ظ±لْحَقِّ شَيْئاً }

    قال الرازى
    وفيما يعود إليه الضمير في { بِهِ } وجوه أحدها: ما نقله الزمخشري وهو أنه عائد إلى ما كانوا يقولون من غير علم ثانيها: أنه عائد إلى ما تقدم في الآية المتقدمة من علم، أي ما لهم بالله من علم فيشركون

    وقال الزمخشري

    بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي بذلك وبما يقولون. وفي قراءة أبيّ «بها»، أي بالملائكة. أو التسمية

    الجوهرة الثالثة بعد الستمائة

    { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ }

    قال الرازى


    وفيه وجهان أحدهما: وهو الصحيح أن الضمير عائد إلى الأرض، وهي معلومة وإن لم تكن مذكورة قال تعالى:
    { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ظ±للَّهُ ظ±لنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ }
    [فاطر: 45] الآية وعلى هذا فله ترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنه تعالى لما قال:
    { وَلَهُ الْجَوَارِ المنشآت }
    [الرحمظ°ن: 24] إشارة إلى أن كل أحد يعرف ويجزم بأنه إذا كان في البحر فروحه وجسمه وماله في قبضة الله تعالى فإذا خرج إلى البر ونظر إلى الثبات الذي للأرض والتمكن الذي له فيها ينسى أمره فذكره وقال: لا فرق بين الحالتين بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وكل من على وجه الأرض فإنه كمن على وجه الماء، ولو أمعن العاقل النظر لكان رسوب الأرض الثقيلة في الماء الذي هي عليه أقرب إلى العقل من رسوب الفلك الخفيفة فيه

    الثاني: أن الضمير عائد إلى الجارية إلا أنه بضرورة ما قبلها كأنه تعالى قال: الجواري ولا شك في أن كل من فيها إلى الفناء أقرب، فكيف يمكنه إنكار كونه في ملك الله تعالى وهو لا يملك لنفسه في تلك الحالة نفعاً ولا ضراً، وقوله تعالى:
    { وَيَبْقَىظ° وَجْهُ رَبّكَ ذُو ظ±لْجَلْـظ°لِ وَظ±لإكْرَامِ }
    [الرحمظ°ن: 27] يدل على أن الصحيح الأول

    وقال السمين

    وقوله: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ }: غَلَّبَ مَنْ يَعْقِلُ على غيره، وجميعُهم مُرادٌ. والضميرُ في " عليها " للأرضِ. قال بعضُهم. " وإنْ لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ كقولِه:
    { حَتَّىظ° تَوَارَتْ بِظ±لْحِجَابِ }
    [ص: 32]. وقد رُدَّ على هذا القائلِ وقالوا: بل تَقَدَّم ذِكْرُها في قولِه:
    { وَظ±لأَرْضَ وَضَعَهَا }
    [الرحمن: 10].

  10. #40
    فضيلة الاستاذ العلامة
    نور المنتدي الاخ أسامة
    كل ما تنقله نور وعلم من تفسير القران
    اطلاع بعد اطلاع علي فهم القران
    جزاك الله خيرا يا من هو نادر في هذا الزمان
    زمان الفسق والفجور ونبح الكلاب بالقران

  11. #41
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    لَّيْسَ بِأَمَـانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً

    الضمير المتصل فى امانيكم علي ماذا يعود؟؟

    قال الطبري فى النساء انظر روعة كلامه وغوصه فى اسرار النظم القرآنى لله در هذه القطب فى عالم التفسير:

    { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ وَلاغ¤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ظ±لْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوغ¤ءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ظ±للَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }

    وقال آخرون عُني به أهل الكتاب خاصة. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال ثنا أبي، عن أبي أسيد، قال سمعت الضحاك يقول { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ }... الآية، قال نزلت في أهل الكتاب حين خالفوا النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال أبو جعفر وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد من أنه عنى بقوله { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } مشركي قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } وإنما جرى ذكر أمانيّ نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله
    { وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءاذَانَ ظ±لأَنْعَـظ°مِ }
    النساء 119 وقوله
    { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }
    النساء 120 فإلحاق معنى قوله { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } بما قد جري ذكره قبل أحقّ وأولى من ادّعاء تأويل فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أجماع من أهل التأويل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذن ليس الأمر بأمانيكم يا معشر أولياء الشيطان وحزبه التي يمنيكموها وليكم عدوّا لله من إنقاذكم ممن أرادكم بسوء، ونصرتكم عليه، وإظفاركم به، ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارا بالله وبحلمه عنهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاء عمله، من يعمل منكم سوء، أو من غيركم يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة. ومما يدلّ أيضاً على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُني بقوله { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } مشركو العرب كما قال مجاهد إن الله وصف وعد الشيطان ما وعد أولياءه، وأخبر بحال وعده، ثم أتبع ذلك بصفة وعده الصادق بقوله
    { وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تِ سَنُدْخِلُهُمْ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ خَـظ°لِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ظ±للَّهِ حَقّاً }
    النساء 122 وقد ذكر جلّ ثناؤه مع وصفه وعد الشيطان أولياءه، وتمنيته إياهم الأماني بقوله
    { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }
    النساء 120 كما ذكر وعده إياهم، فالذي هو أشبه أن يتبع تمنيته إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عدّته إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك صحّ أن قوله { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }... الآية، إنما هو خبر من الله عن أمانيّ أولياء الشيطان وما إليه صائرة أمانيهم مع سيـىء أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمّ جلّ ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ } لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنيهموها بقوله

    { وَلاَضِلَّنَّهُمْ وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ }
    النساء 119

  12. #42
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    الجوهرة الرابعة بعد الستمائة

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } هذا مثل قوله تعالى:
    { وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ظ±لْمُجْرِمُونَ }
    [القصص:78] وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم؛ فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض، وهذا قول عكرمة. وقيل: المعنى لا يسألون إذا ظ±ستقروا في النار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة. رواه العوفي عن ظ±بن عباس. وعن الحسن ومجاهد أيضاً: المعنى لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم؛ دليله ما بعده. وقاله مجاهد عن ظ±بن عباس. وعنه أيضاً في قوله تعالى:
    { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
    [الحجر:92] وقوله: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } وقال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ. وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. وقال قتادة: كانت المسألة قبل؛ ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت الجوارح شاهدة عليهم

    وقال الالوسي

    فَيَوْمَئِذٍ } أي يوم إذ تنشق السماء حسبما ما ذكر { لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } لأنهم يعرفون بسيماهم وهذا في موقف، وما دل على السؤال من نحو قوله تعالى:
    { فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
    [الحجر: 92] في موقف آخر قاله عكرمة وقتادة وموقف السؤال على ما قيل: عند الحساب، وترك السؤال عند الخروج من القبور، وقال ابن عباس: حيث ذكر السؤال فهو سؤال توبيخ وتقرير، وحيث نفي فهو استخبار محض عن الذنب، وقيل: المنفي هو السؤال عن الذنب نفسه والمثبت هو السؤال عن الباعث عليه، وأنت تعلم أن في الآيات ما يدل على السؤال عن نفس الذنب. وحكى الطبرسي عن الرضا رضي الله تعالى عنه أن من اعتقد الحق ثم أذنب ولم يتب عذب في البرزخ ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه، ولعمري إن الرضا لم يقل ذلك، وحمل الآية عليه مما لا يلتفت إليه بعين الرضا كما لا يخفى. وضمير { ذَنبِهِ } للإنس وهو متقدم رتبة لأنه نائب عن الفاعل، وإفراده باعتبار اللفظ، وقيل: لما أن المراد فرد من الإنس كأنه قيل: لا يسأل عن ذنبه إنسي ولا جني.


    الجوهرة الخامسة بعد الستمائة

    قال الماتريدى فى تفسيره

    وقوله: { نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً } قال بعض أهل التأويل: أي: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى: وهي نار الآخرة.

    ويحتمل أن يكون { نَحْنُ جَعَلْنَاهَا } ، أي: هذه النعم الحاضرة تذكرة للنعم الموعودة.

    أو جعلنا هذه الشدائد والبلايا في الدنيا تذكرة لما أوعدنا في الآخرة، والله أعلم.

    الجوهرة السادسة بعد الستمائة

    لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ظ±لْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىظ° شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ظ±للَّهِ وَأَنَّ ظ±لْفَضْلَ بِيَدِ ظ±للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَظ±للَّهُ ذُو ظ±لْفَضْلِ ظ±لْعَظِيمِ }

    قال الرازى

    فيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها. واعلم أن أكثر المفسرين على أن لا ههنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون: هذه الكلمة ليست بزائدة، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه. أما القول المشهور: وهو أن هذه اللفظة زائدة، فاعلم أنه لا بد ههنا من تقديم مقدمة وهي: أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً

    أما القول الثاني: وهو أن لفظة لا غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: { أَلاَّ يَقْدِرُونَ } عائد إلى الرسول وأصحابه، والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه،

    وقال السمين

    قوله: { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ }: هذه اللامُ متعلقةٌ بمعنى الجملة الطلبية المتضمنةِ لمعنى الشرطِ، إذ التقدير: إنْ تتقوا اللَّهَ وآمنتم برسلِه يُؤْتِكم كذا وكذا، لئلا يعلمَ. وفي " لا " هذه وجهان، أحدهما:/ وهو المشهورُ عند النحاةِ والمفسِّرين والمُعْرِبين أنها مزيدةٌ كهي في
    { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ }
    [الأعراف: 12]، و
    { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ }
    [يس: 31] على خِلافٍ في هاتين الآيتين. والتقدير: أَعْلَمَكم اللَّهُ بذلك، ليعلمَ أهلُ الكتابِ عدمَ قدرتِهم على شيءٍ مِنْ فضلِ اللَّهِ وثبوتَ أنَّ الفَضْل بيدِ الله، وهذا واضح بَيَّنٌ، وليس فيه إلاَّ زيادةُ ما ثبتَتْ زيادتُه شائِعاً ذائعاً.

    والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ. والمعنى لئلا يعلمَ أهلُ الكتابِ عَجْزَ المؤمنين، نقل ذلك أبو البقاء وهذا لفظُهُ، وكان قد قال قبلَ ذلك: " لا " زائدة والمعنى: ليعلمَ أهلُ الكتابِ عَجْزَهم " وهذا غيرُ مستقيم؛ لأنَّ المؤمنين عاجزون أيضاً عن شيءٍ مِنْ فضل اللَّهِ وكيف يعملُ هذا القائلُ بقولِه { وَأَنَّ ظ±لْفَضْلَ بِيَدِ ظ±للَّهِ }؛ فإنه معطوفٌ على مفعولِ العِلْمِ المنفيِّ فيصيرُ التقدير: ولئلا يعلمَ أهلُ الكتاب أنَّ الفضلَ بيد الله؟ هذا لا يستقيمُ نَفْيُ العِلْمِ به البتة، فلا جرم كان قولاً مُطَّرحاً ذكَرْتُه تنبيهاً على فسادِه.

    الجوهرة السابعة بعد الستمائة

    { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ظ±للَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ظ±لْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }

    قال السمين

    قوله: { مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ }: يجوزُ في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها مستأنفةٌ لا موضعَ لها من الإِعراب. أخبر عنهم بأنهم ليسوا من المؤمنين الخُلَّصِ. ولا من الكافرين الخلَّصِ، بل كقولِه:
    { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذظ°لِكَ لاَ إِلَىظ° هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ وَلاَ إِلَى هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ }
    [النساء: 143]. فالضميرُ في " ما هم " عائدٌ على الذين تَوَلَّوا، وهم المنافقون. وفي " منهم " عائدٌ على اليهود أي: الكافرين الخُلَّص. والثاني: أنها حالٌ مِنْ فاعل " تَوَلَّوا " والمعنى: على ما تقدَّم أيضاً. والثالث: أنها صفةٌ ثانيةً لـ " قوماً " ، فعلى هذا يكون الضميرُ في " ما هم " عائداً على " قوماً " ، وهم اليهودُ. والضميرُ في " منهم " عائدٌ على الذين تَوَلَّوا يعني: اليهودُ ليسوا منكم أيها المؤمنون، ولا من المنافقين، ومع ذلك تولاَّهم المنافقون، قاله ابن عطية. إلاَّ أنَّ فيه تنافُرَ الضمائرِ؛ فإن الضميرَ في " ويَحْلِفون " عائدٌ على الذين تَوَلَّوْا، فعلى الوجهين الأوَّلَيْن تتحد الضمائرُ لعَوْدِها على الذين تَوَلَّوا، وعلى الثالث تختلفُ كما عَرَفْتَ تحقيقَه

    انتهى

    وقال الالوسي


    وَأَيَّدَهُمْ } أي قواهم { بِرُوحٍ مّنْهُ } أي من عنده عز وجل على أن (من) ابتدائية، والمراد بالروح نور القلب وهو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده تحصل به الطمأنينة والعروج على معارج التحقيق، وتسميته روحاً مجاز مرسل لأنه سبب للحياة الطيبة الأبدية، وجوز كونه استعارة، وقول بعض الأجلة: إن نور القلب ما سماه الأطباء روحاً - وهو الشعاع اللطيف المتكون في القلب وبه الإدراك فالروح على حقيقته ـ ليس بشيء كما لا يخفى، أو المراد به القرآن على الاحتمالين السابقين، واختيرت الاستعارة، أو جبريل عليه السلام وذلك يوم بدر، وإطلاق الروح عليه شائع أقوال.

    وقيل: ضمير { مّنْهُ } للإيمان، والمراد بالروح الإيمان أيضاً، والكلام على التجريد البديعي ـ فمن ـ بيانية أو ابتدائية على الخلاف فيها، وإطلاق الروح على الإيمان على ما مر.

    انتهى

    قال الرازى

    قوله تعالى: { فَأَتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } في الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية وجهان الأول: أن يكون الضمير في قوله: { فَأَتَـظ°هُمُ } عائد إلى اليهود، أي فأتاهم عذاب الله وأخذهم من حيث لم يحتسبوا والثاني: أن يكون عائداً إلى المؤمنين أي فأتاهم نصر الله وتقويته من حيث لم يحتسبوا، ومعنى: لم يحتسبوا، أي لم يظنوا ولم يخطر ببالهم، وذلك بسبب أمرين أحدهما: قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة، وذلك مما أضعف قوتهم، وفتت عضدهم، وقل من شوكتهم والثاني: بما قذف في قلوبهم من الرعب...

    انتهى

    قال السمين

    قوله: { حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ } فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الحاجةَ هنا على بابِها من الاحتياج، إلاَّ أنها واقعةٌ مَوْقعَ المحتاجِ إليه، والمعنَى: ولا يجدون طَلَبَ محتاجٍ إليه ممَّا أُوْتي المهاجرون من الفيء وغيِره، والمُحتاج إليه يُسَمَّى حاجةً تقول: خُذْ منه حاجتَك، وأعطاه مِنْ مالِه حاجتَه، قاله الزمشخري. فعلى هذا يكون الضميرُ الأول للجائين مِنْ بعدِ المهاجرين، وفي " أُوْتوا " للمهاجرين. والثاني: أنَّ الحاجةَ هنا مِنْ الحَسَدِ، قاله بعضُهم، والضميران على ما تقدَّم قبل. وقال أبو البقاء: مَسَّ حاجةٍ، أي: إنه حُذِف المضافُ للعلم به، وعلى هذا فالضميران للذين تبوَّؤوا الدارَ والإِيمان.

    انتهى

    قال الرازى

    قوله تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـظ°نِيَةٌ } فيه مسائل: المسألة الأولى: هذا العرش هو الذي أراده الله بقوله
    { ظ±لَّذِينَ يَحْمِلُونَ ظ±لْعَرْشَ }
    [غافر: 7] وقوله:
    { وَتَرَى ظ±لْمَلَـظ°ئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ظ±لْعَرْشِ }
    [الزمر: 75]. المسألة الثانية: الضمير في قوله: { فَوْقَهُمُ } إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان الأول: وهو الأقرب أن المراد فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش الثاني: قال مقاتل: يعني أن الحملة يحملون العرش فوق رؤوسهم. ومجيء الضمير قبل الذكر جائز كقوله: في بيته يؤتي الحكم...

    انتهى

    قال الرازى

    { يالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ }

    الضمير في { يا ليتها } إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان الأول: إلى الموتة الأولى، وهي وإن لم تكن مذكورة إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة والقاضية القاطعة عن الحياة. وفيها إشارة إلى الإنتهاء والفراغ، قال تعالى:
    { فَإِذَا قُضِيَتِ }
    [الجمعة: 10] ويقال: قضى على فلان، أي مات فالمعنى يا ليت الموتة التي متها كانت القاطعة لأمري، فلم أبعث بعدها، ولم ألق ما وصلت إليه، قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت، وشر من الموت ما يطلب له الموت، قال الشاعر:
    وشر من الموت الذي إن لقيته تمنيت منه الموت والموت أعظم
    والثاني: أنه عائد إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته فتمناه عندها.

    انتهى

    وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ }

    قال الرازى

    الضمير في قوله: { إِنَّهُ } إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان: الأول: أنه عائد إلى القرآن، فكأنه قيل: وإن القرآن لحسرة على الكافرين. إما يوم القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين به، أو في دار الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين والثاني: قال مقاتل: وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم، ودل عليه قوله:
    { وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ }
    [الحاقة: 49]

    انتهى

    قال البقاعى

    ولما كانت العادة جارية فيما يعرف أن الملك يظهر أنواعاً من عظمته يوم عرض الجند، قال معرفاً لنا بنحو ما ألفناه: { والملك } أي هذا النوع الذي يصدق على الواحد فما فوقه، والجمع لا يصدق على ما دون الجمع فهذا أشمل { على أرجائها } أي نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم يتشقق منها، قال الضحاك: يكونون بها حتى يأمرهم الله فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها - انتهى. وقيل: أرجاء الأرض واحدها رجا، مقصور، والاثنان رجوان، فيحيطون بالجن والإنس فيحشرونهم حشر الصيد لإرادة أخذه.

    انتهى

    قال الالوسي

    وَمَن فِي ظ±لأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ }

    { وَمَن فِى ظ±لأَرْضِ جَمِيعاً } من الثقلين الإنس والجن أو الخلائق الشاملة لهم ولغيرهم و(مَنْ) للتغليب { ثُمَّ يُنجِيهِ } عطف على
    { يَفْتَدِي }
    [المعارج: 11] والضمير المرفوع للمصدر الذي في ضمن الفعل أي يود لو يفتدي ثم لو ينجيه الافتداء وجوز أبو حيان عود الضمير إلى المذكور والزمخشري عوده إلى { مَن فِي ظ±لأَرْضِ } و (ثم) لاستبعاد الإنجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك وهيهات. وقرأ الزهري (تؤويه) و(ينجيه) بضم الهائين.

    انتهى


    الجوهرة الثامنة بعد الستمائة

    وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ ظ±لظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً }

    قال الالوسي

    { وَقَدْ أَضَلُّواْ } أي الرؤساء { كَثِيراً } خلقاً كثيراً أي قبل هؤلاء الموصين بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام فهم ليسوا بأول من أضلوهم ويشعر بذلك المضي والاقتران بقد حيث أشعر ذلك بأن الإضلال استمر منهم إلى زمن الإخبار بإضلال الطائفة الأخيرة. وجوز أن يراد بالكثير هؤلاء الموصين وكان الظاهر وقد أضل الرؤساء إياهم أي الموصين المخاطبين بقوله
    { لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ }
    [نوح: 23] فوضع { كَثِيراً } موضع ذلك على سبيل التجريد. وقال الحسن { وَقَدْ أَضَلُّواْ } أي الأصنام فهو كقوله تعالى:
    { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ظ±لنَّاسِ }
    [إبراهيم: 36] وضمير العقلاء لتنزيلها منزلتهم عندهم وعلى زعمهم ويحسنه على ما في «البحر» عود الضمير على أقرب مذكور ولا يخفى أن عوده على الرؤساء أظهر إذ هم المحدث عنهم والمعنى فيهم أمكن. والجملة قيل حالية أو معطوفة على ما قبلها

    انتهى

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير

    وفي قوله تعالى: { فزادوهم رهقاً } قولان.

    أحدهما: أن الإنس زادوا الجن رهقاً لتعوُّذهم بهم، قاله مقاتل. والمعنى: أنهم لما استعاذوا بسادتهم قالت السادة: قد سدنا الجن والإنس.

    والثاني: أن الجن زادوا الإنس رَهَقاً، ذكره الزجاج. قال أبو عبيدة: زادوهم سَفَهَاً وطغياناً. وقال ابن قتيبة: زادوهم ضلالاً. وأصل الرهق: العيب. ومنه يقال: فلان يرهق في دينه....

    انتهى

    { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ظ±للَّهُ أَحَداً }

    قال الالوسي

    { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } أي الإنس { كَمَا ظَنَنتُمْ } أيها الجن على أنه كلام بعضهم لبعض { أَن لَّن يَبْعَثَ ظ±للَّهُ أَحَداً } أي من الرسل إلى أحد من العباد وقيل أن لن يبعث سبحانه أحداً بعد الموت، وأياً ما كان فالمراد وقد أخطؤا وأخطأتم ولعله متعلق الإيمان، وقيل المعنى إن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة أن لن الخ فتكون هذه الآية من جملة الكلام الموحى به معطوفة على قوله تعالى
    { أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ }
    [الجن: 1] وعلى قراءة الكسر تكون استئنافاً من كلامه تعالى وكذا ما قبلها على ما قيل

    انتهى

    نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ }: للناس في هذا كلامٌ كثيرٌ، واستدلالٌ على جوازِ استثناءِ الأكثرِ والنصفِ، واعتراضاتٌ وأجوبةٌ عنها. وها أنا أذكرُ ذلك مُحَرِّراً له بعون اللهِ تعالى.

    اعلم أنَّ في هذه الآيةِ ثمانيةَ أوجهٍ أحدُها: أنَّ " نصفَه " بدلٌ من " الليلَ " بدلُ بعضٍ من كلٍ. و " إلاَّ قليلاً " استثناءٌ من النصفِ كأنه قيل: قُمْ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ. والضميرُ في " مِنْه " و " عليه " عائدٌ على النصفِ.

    والمعنى: التخييرُ بين أمرَيْنِ: بينَ أَنْ يقومَ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ على البَتِّ، وبين أَنْ يَخْتارَ أحدَ الأمرَيْن، وهما: النُّقْصانُ من النصفِ والزيادةُ عليه، قاله الزمخشريُّ: وقد ناقَشَه الشيخ: بأنه يَلْزَمُه تكرارٌ في اللفظِ؛ إذ يَصير التقديرُ: قُم نِصفَ الليلِ إلاَّ قليلاً مِنْ نِصْفِ الليل، أو انقُصْ مِنْ نصفِ الليل. قال: " وهذا تركيبٌ يُنَزَّهُ القرآنُ عنه ". قلت: الوجهُ فيه إشكالٌ، لا من هذه الحيثية فإنَّ الأمرَ فيها سهلٌ، بل لمعنىً آخرَ [سأَذْكرهُ قريباً إنْ شاء الله].

    وقد جعل أبو البقاءِ هذا الوجهَ مرجوحاً فإنه قال: " والثاني هو بدلٌ مِنْ قليلاً ـ يعني النصف ـ قال: " وهو أَشبهُ بظاهرِ الآية لأنه قال: " أو انقُصْ منه أو زِدْ عليه " ، والهاءُ فيهما للنِّصْفِ. فلو كان الاستثناءُ من النصف لصار التقديرُ: قُم نصفَ الليل إلاَّ قليلاً أو انقُصْ منه قليلاً، والقليلُ المستثنى غيرُ مقدَّر، فالنقصانُ منه لا يُعْقَلُ ". قلت: الجوابُ عنه: أنَّ بعضَهم قد عَيَّنَ هذا القليلَ: فعن الكلبيِّ ومقاتلٍ: هو الثلثُ، فلم يكن القليلُ غيرَ مقدَّرٍ. ثم إنَّ في قولِه تناقضاً لأنه قال: " والقليلُ المستثنى غيرُ مقدَّرٍ، فالنقصانُ منه [لا يُعْقَل " ] فأعاد الضميرَ على القليل، وفي الأولِ أعادَه على النصفِ.

    ولقائلٍ أن يقولَ: قد يَنْقَدحُ هذا الوجهُ بإشكالٍ قويٍّ: وهو أنَّه يَلْزَمُ منه تكرارُ المعنى الواحدِ: وذلك أنَّ قولَه: " قُمْ نِصْف الليلِ إلاَّ قليلاً " بمعنى: انقُصْ مِنْ الليل؛ لأنَّ ذلك القليل هو بمعنى النقصانِ، وأنت إذا قلت: قُمْ نصفَ الليلِ إلاَّ القليلَ مِن النصفِ، وقُمْ نصفَ الليل، أو انقُصْ من النصفِ، وجدتَهما بمعنىً. وفيه دقةٌ فتأمَّلْه، ولم يَذْكُرِ الحوفيُّ غيرَ هذا الوجهِ المتقدِّمِ، فقد عَرَفْتَ ما فيه.

    ومِمَّنْ ذَهَبَ إليه أبو إسحاقَ فإنه قال: " نصفَه " بدلٌ من " الليل " و " إلاَّ قليلاً " استثناءٌ من النصفِ. والضميرُ في " منه " و " عليه " عائدٌ للنصف. المعنى: قُمْ نصفَ الليل أو انقُصْ من النصفِ قليلاً إلى الثلثِ، أو زِدْ عليه قليلاً إلى الثلثِ، أو زِد عليه قليلاً إلى الثلثَيْن، فكأنَّه قال: قُمْ ثلثَيْ الليلِ أو نصفَه أو ثلثَه

    قلت: والتقديراتُ التي يُبْرزونها ظاهرةٌ حسنةٌ، إلاَّ أنَّ التركيبَ لا يُساعِدُ عليها، لِما عَرَفْتَ من الإِشكال الذي ذكَرْتُه لك آنفاً.

    الثاني: أَنْ يكونَ " نصفَه " بدلاً مِنْ " قليلاً " ، وإليه ذهب الزمخشريُّ وأبو البقاء وابنُ عطية. قال الزمخشريُّ: " وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " نصفَه " بدلاً مِنْ " قليلاً " ، وكان تخييراً بين ثلاثٍ: بين قيامِ النصفِ بتمامِه، وبين قيامِ الناقصِ منه، وبين قيامِ الزائدِ عليه، وإنما وَصَفَ النصفَ بالقِلَّةِ بالنسبة إلى الكلِّ ". قلت: وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أَشْبَهَ مِنْ جَعْلِه بدلاً من " الليل " كما تقدَّمَ.

    إلاَّ أنَّ الشيخ اعترض هذا فقال: " وإذا كان " نصفَه " بدلاً مِنْ " إلاَّ قليلاً " فالضميرُ في " نصفَه ": إمَّا أَنْ يعودَ على المبدلِ منه أو على المستثنى منه، وهو " الليلَ " ، لا جائِزٌ أَنْ يعودَ على المبدلِ منه؛ لأنه يَصيرُ استثناءَ مجهولٍ مِنْ مجهولٍ؛ إذ التقديرُ: إلاَّ قليلاً نصفَ القليل، وهذا لا يَصِحُّ له معنىً البتةَ، وإن عاد الضميرُ على الليل فلا فائدةَ في الاستثناءِ من " الليل " ، إذ كان يكونُ أَخْصَرَ وأوضحَ وأَبْعَدَ عن الإِلباس: قُمِ الليلَ نصفَه. وقد أَبْطَلْنا قولَ مَنْ قال: " إلاَّ قليلاً " استثناءٌ من البدلِ، وهو " نصفَه " ، وأنَّ التقديرَ: قُم الليلَ نصفَه إلاَّ قليلاً منه، أي: من النصفِ. وأيضاً: ففي دَعْوى أنَّ " نصفَه " بدلٌ مِنْ " إلاَّ قليلاً " والضميرُ في " نِصفَه " عائدٌ على " الليل " ، إطلاقُ القليلِ على النصفِ، ويَلْزَمُ أيضاً أَنْ يصيرَ التقديرُ: إلاَّ نصفَه فلا تَقُمْه/، أو انقُصْ من النصفِ الذي لا تقومه وهذا معنىً لا يَصِحُّ وليس المرادَ من الآيةِ قطعاً ".

    قلت: نقولُ بجواز عَوْدِه على كلٍ منهما، ولا يَلْزَمُ محذورٌ. أمَّا ما ذكره: مِنْ أنه يكونُ استثناءَ مجهولٍ مِنْ مجهولٍ فممنوعٌ، بل هو استثناءُ معلومٍ من معلومٍ، لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ القليل قَدْرٌ معيَّنٌ وهو الثلثُ، والليل، فليس بمجهولٍ. وأيضاً فاستثناءُ المُبْهَمِ قد وَرَدَ. قال تعالى: { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ } [النساء: 66]. وقال تعالى:
    { فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ }
    [البقرة: 249] وكان حقُّه أَنْ يقولَ: لأنه بدلُ مجهولٍ مِن مجهولٍ. وأمَّا ما ذكره مِنْ أَنَّ أَخْصَرَ منه وأَوْضَحَ كيتَ وكيت: أمَّا الأخْصَرُ فمُسَلَّمٌ. وأمَّا أنه مُلْبِس فممنوعٌ، وإنما عَدَلَ عن اللفظِ الذي ذكَرَه لأنه أَبْلَغ.....

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { قم الليل } أي: للصلاة. وكان قيام الليل فرضاً عليه { إلا قليلا نصفَه } هذا بدل من الليل، كما تقول: ضربت زيداً رأسَه. فإنما ذكرت زيداً لتوكيد الكلام، لأنه أوكد من قولك: ضربت رأس زيد. والمعنى: قم من الليل النصف إلا قليلاً { أو انقص منه قليلاً } أي: من النصف { أو زِد عليه } أي: على النصف. قال المفسرون: انقص من النصف إلى الثلث، أو زد عليه إلى الثلثين، فجعل له سَعَة في مدة قيامه، إذ لم تكن محدودة، فكان يقوم ومعه طائفة من المؤمنين، فشق ذلك عليه وعليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلى، وكم بقي من الليل، فكان يقوم الليل كلَّه مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، فنسخ ذلك عنه وعنهم بقوله تعالى: { إِن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل … } الآية، هذا مذهب جماعة من المفسرين. وقالوا: ليس في القرآن سورة نَسَخَ آخِرُها أولَها سوى هذه السورة، وذهب قوم إلى أنه نُسِخَ قيامُ اللَّيْلِ في حقِّه بقوله تعالى
    { ومن الليل فتهجَّدْ به نافلةً لكَ }
    [الإسراء: 79] ونسخ في حق المؤمنين بالصلوات الخمس. وقيل: نسخ عن الأمة، وبقي عليه فرضه أبداً. وقيل: إنما كان مفروضاً عليه دونهم،

    الجوهرة التاسعة بعد الستمائة

  13. #43
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    الجوهرة التاسعة بعد الستمائة

    { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى}

    قال الالوسي

    { فَجَعَلَ مِنْهُ } أي من الإنسان وقيل من المني

    انتهى

    عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }

    قال السمين

    قوله: { عَالِيَهُمْ }: قرأ نافعٌ وحمزةٌ بسكونِ الياءِ وكسرِ الهاء، والباقون بفتح الياءِ وضَمِّ الهاء. لَمَّا سَكَنَتِ الياءُ كُسِرَتْ الهاءُ، ولَمَّا تَحَرَّكَتْ ضُمَّت على ما تَقَرَّرَ في هاءِ الكنايةِ أولَ هذا الموضوعِ. فإمَّا قراءةُ نافعٍ وحمزةَ ففيها أوجهٌ، أظهرُها: أَنْ تكونَ خبراً مقدَّماً. و " ثيابُ " مبتدأٌ مؤخرٌ، والثاني: أنَّ " عالِيْهم " مبتدأ و " ثيابُ " مرفوعٌ على جهةِ الفاعلية، وإنْ لم يعتمد الوصفُ، وهذا قولُ الأخفشِ.

    والثالث: أنَّ " عالِيْهم " منصوبٌ، وإنما سُكِّن تخفيفاً، قاله أبو البقاء. وإذا كان منصوباً فسيأتي فيه أوجهٌ، وهي وارِدَة هنا؛ إلاَّ أنَّ تقديرَ الفتحةِ من المنقوصِ لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ أو شذوذٍ، وهذه القراءةُ متواترةٌ فلا ينبغي أَنْ يُقالَ به فيها.

    وأمَّا قراءةُ مَنْ نَصَبَ ففيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه ظرفٌ خبراً مقدماً، و " ثيابُ " مبتدأٌ مؤخرٌ كأنه قيل: فوقَهم ثيابُ. قال أبو البقاء: " لأنَّ عالِيَهم بمعنى فَوْقَهم. وقال ابن عطية: " ويجوز في النصبِ أَنْ تكونَ على الظرف لأنَّه بمعنى فوقهم ". قال الشيخ: " وعالٍ وعالية اسمُ فاعلٍ، فيحتاج في [إثبات] كونِهما ظرفَيْن إلى أَنْ يكونَ منقولاً مِنْ كلامِ العرب: عالِيَك أو عاليتُك ثوبُ ". قلت: قد وَرَدَتْ ألفاظٌ مِنْ صيغةِ أسماءِ الفاعِلِيْن ظروفاً نحو: خارجَ الدار وداخلَها وباطنَها وظاهرَها. تقول: جلَسْتُ خارج الدارِ، وكذلك البواقي فكذلك هذا.

    الثاني: أنَّه حالٌ من الضمير في
    { عَلَيْهِمْ }
    [الإِنسان: 19]. الثالث: أنه حالٌ مِنْ مفعولِ
    { حَسِبْتَهُمْ }
    [الإِنسان: 19]. الرابع: أنه حالٌ مِنْ مضافٍ مقدرٍ، أي: رَأَيْتَ أهلَ نعيم ومُلكٍ كبير عالَيهم. فـ " عاليَهم " حالٌ مِنْ " أهل " المقدرِ. ذكرَ هذه الأجهَ الثلاثةَ الزمخشريُّ فإنه قال: " وعاليَهم بالنصبِ على أنَّه حالٌ من الضميرِ في " يَطوف عليهم " أو في " حَسِبْتَهم " ، أي: يطوفُ عليهم وِلْدانٌ عالياً للمَطوفِ عليهم ثيابٌ، أو حَسِبْتَهم لؤلؤاً عاليَهم ثيابٌ. ويجوزُ أَنْ يراد: [رأيت] أهلَ نعيم ". قال الشيخ: " أمَّأ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في " حَسِبْتَهم " فإنه لا يعني إلاَّ ضمير المفعول، وهو لا يعودُ إلاَّ على " وِلدانٌ " ولذلك قدَّر " عاليَهم " بقوله: " عالياً لهم " ، أي: للوِلْدان. وهذا لا يَصْلُحُ؛ لأنَّ الضمائر الآتية بعد ذلك تَدُلُّ على أنها للمَطوفِ عليهم مِنْ قوله: " وحُلُّوا " و " سَقاهم " و { إِنَّ هَـظ°ذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً } وفَكُّ الضمائر وَجَعْلُ هذا لذا، وهذا لذا، مع عدمِ الاحتياجِ والاضطرارِ إلى ذلك، لا يجوزُ. وأمَّا جَعْلُه حالاً مِنْ محذوفٍ وتقديرُه: أهلَ نعيم فلا حاجةَ إلى ادِّعاء الحَذْفِ مع صحةِ الكلامِ وبراعتِه دونَ تقديرِ ذلك المحذوفِ ".

    قلت: جَعْلُ أحَدِ الضمائر لشيءٍ والآخرِ لشيءٍ آخرَ لا يمنعُ صحةَ ذلك مع ما يميِّزُ عَوْدَ كلِّ واحدٍ إلى ما يليقُ به، وكذلك تقديرُ المحذوفِ غيرُ ممنوعٍ أيضاً، وإنْ كان الأحسنُ أَنْ تتفقَ الضمائرُ، وأن لا يُقَدَّرَ محذوفٌ، والزمخشريُّ إنما ذَكَرَ ذلك على سبيل التجويزِ، لا على أنَّه أَوْلى أو مساوٍ، فَيُرَدُّ عليه بما ذكره....

  14. #44
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    الجوهرة العاشرة بعد الستمائة
    قال الرازى

    فإن قيل قوله أحقاباً وإن طالت إلا أنها متناهية، وعذاب أهل النار غير متناه، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال وارداً، ونظير هذا السؤال قوله في أهل القبلة: { إلا ما شاء ربك } قلنا: الجواب من وجوه: الأول: أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، وهكذا إلى الأبد

    والثاني: قال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً لا يذوقوق في الأحقاب برداً ولا شراباً، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب. وهو أن لا يذوقوا برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب ....

    إن اخترنا قول الزجاج كان قوله: { لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً } متصلاً بما قبله، والضمير في قوله: { فيها } عائداً إلى الأحقاب، وإن لم نقل به كان هذا كلاماً مستأنفاً مبتدأ، والضمير في قوله عائداً إلى جهنم


    الجوهرة الحادية عشر بعد الستمائة

    قال الرازى فى النبأ


    المسألة الثانية: الضمير في قوله: { ويملكون } إلى من يرجع؟ فيه ثلاثة أقوال: الأول: نقل عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشركين يريد لا يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون يقبل الله ذلك منهم والثاني: قال القاضي: إنه راجع إلى المؤمنين، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون أن يخاطبوا الله في أمر من الأمور، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور، ثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل، وأن الثواب الذي أوصله المؤمنين عدل، وأنه ما يخسر حقهم، فبأي سبب يخاطبونه، وهذا القول أقرب من الأول لأن الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار والثالث: أنه ضمير لأهل السموات والأرض، وهذا هو الصواب، فإن أحداً من المخلوقين لا يملك مخاطبة الله ومكالمته. وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة على هذا الكلام لأنه نفى الملك والذي يحصل بفضله وإحسانه، فهو غير مملوك، فثبت أن هذا السؤال غير لازم، والذي يدل من جهة العقل على أن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاب الله وجوه الأول: وهو أن كل ما سواء فهو مملوكه والمملوك لا يستحق على مالكه شيئاً وثانيها: أن معنى الاستحقاق عليه، هو أنه لو لم يفعل لاستحق الذم. ولو فعله لاستحق المدح، وكل من كان كذلك كان ناقصاً في ذاته، مستكملاً بغيره وتعالى الله عنه وثالثها: أنه عالم بقبح القبيح، عالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح، وكل من امتنع كونه فاعلاً للقبيح، فليس لأحد أن يطالبه بشيء، وأن يقول له لم فعلت. والوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة، والوجه الثالث يتفرع على قول المعتزلة فثبت أن أحداً من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه ويطالب إلهه


    الجوهرة الثانية عشر بعد الستمائة

    { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ }

    قال الرازى

    وفيه قولان: الأول: وهو المشهور أن المراد أن القرآن نزل به جبريل: فإن قيل: ههنا إشكال قوي وهو أنه حلف أنه قول جبريل، فوجب علينا أن نصدقه في ذلك، فإن لم نقطع بوجوب حمل اللفظ على الظاهر، فلا أقل من الاحتمال، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتمل أن يكون كلام جبريل لا كلام الله، وبتقدير أن يكون كلام جبريل يخرج عن كونه معجزاً، لاحتمال أن جبريل ألقاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل الإضلال، ولا يمكن أن يجاب عنه بأن جبريل معصوم لا يفعل الإضلال، لأن العلم بعصمة جبريل، مستفاد من صدق النبي، وصدق النبي مفرع على كون القرآن معجزاً، وكون القرآن معجزاً يتفرع على عصمة جبريل، فيلزم الدور وهو محال والجواب: الذين قالوا: بأن القرآن إنما كان معجزاً للصرفة، إنما ذهبوا إلى ذلك المذهب فراراً من هذا السؤال، لأن الإعجاز على ذلك القول ليس في الفصاحة، بل في سلب تلك العلوم والدواعي عن القلوب، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى

    . القول الثاني: أن هذا الذي أخبركم به محمد من أمر الساعة على ما ذكر في هذه السورة ليس بكهانة ولا ظن ولا افتعال، إنما هو قول جبريل أتاه به وحياً من عند الله تعالى...

    قال ابن عاشور

    وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ }

    عطف على
    { إنه لقول رسول كريم }
    التكوير 19، وهذا رجوع إلى ما أقسم عليه من أن القرآن قول رسول كريم، بعد أن استُطرد بينهما بتلك المستطردات الدالة على زيادة كمال هذا القول بقُدسية مصدره ومكانةِ حامله عند الله وصدقِ متلقيه منه عن رؤية محققة لا تخيل فيها، فكان التخلص إلى العَود لتنزيه القرآن بمناسبة ذكر الغيب في قوله تعالى
    { وما هو على الغيب بضنين }
    التكوير 24. فإن القرآن من أمر الغيب الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفيه كثير من الأخبار عن أمور الغيب الجنة والنار ونحو ذلك. وقد علم أن الضمير عائد إلى القرآن لأنه أخبر عن الضمير بالقول الذي هو من جنس الكلام إذ قال
    { وما هو بقول شيطان رجيم }
    التكوير 25 فكان المخبر عنه من قبيل الأقوال لا محالة، فلا يتوهم أن الضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير { وما هو على الغيب بضنين }. وهذا إبطال لقول المشركين فيه أنه كاهن

    الجوهرة الثالثة عشر بعد الستمائة

    قال ابو حيان فى البحر

    وروي أن علياً وجمعاً معه من المؤمنين مروا بجمع من كفار قريش، فضحكوا منهم واستخفوا بهم عبثاً، فنزلت: { إن الذين أجرموا } ، قبل أن يصل عليّ رضي الله تعالى عنه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكفار مكة هؤلاء قيل هم: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل؛ والمؤمنون: عمار، وصهيب، وخباب، وبلال، وغيرهم من فقراء المؤمنين. والظاهر أن الضمير في { مروا } عائد على { الذين أجرموا } ، إذ في ذلك تناسق الضمائر لواحد. وقيل: للمؤمنين، أي وإذا مرّ المؤمنون بالكافرين يتغامز الكافرون، أي يشيرون بأعينهم. و { فكهين }: أي متلذذين بذكرهم وبالضحك منهم. وقرأ الجمهور: فاكهين بالألف، أي أصحاب فاكهة ومزح وسرور باستخفافهم بأهل الإيمان؛ وأبو رجاء والحسن وعكرمة وأبو جعفر وحفص: بغير ألف، والضمير المرفوع في { رأوهم } عائد على المجرمين، أي إذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال، وهم محقون في نسبتهم إليه.

    انتهى

    قال الرازى

    أما قوله: { ظ±لَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ظ±لْبِلَـظ°دِ } فالضمير في مثلها إلى ماذا يعود؟ فيه وجوه: الأول: { لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي مثل عاد في البلاد في عظم الجثة وشدة القوة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني: لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا، وقرأ ابن الزبير { لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي لم يخلق الله مثلها الثالث: أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم يخلق مثل تلك الأساطين في البلاد، وعلى هذا فالعماد جمع عمد، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى.


    الجوهرة الرابعة عشر بعد الستمائة


    وَلَسَوْفَ يَرْضَىظ° }

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { وَلَسَوْفَ يَرْضَىظ° } جواب قسم مضمر أي وبالله لسوف يرضى والضمير فيه للأتقى المحدث عنه وهو وعد كريم بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه وأجملها إذ به يتحقق الرضا وجوز الإمام كون الضمير للرب تعالى حيث قال بعد أن فسر الجملة على رجوعه للأتقى وفيه عندي وجه آخر وهو أن المراد أنه ما أنفق إلا لطلب رضوان الله تعالى ولسوف يرضى الله تعالى عنه وهذا عندي أعظم من الأول لأن رضا الله سبحانه عن عبده أكمل للعبد من رضاه عن ربه عز وجل وبالجملة فلا بد من حصول الأمرين كما قال سبحانه:
    { رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً }
    [الفجر: 28] انتهى والظاهر هو الأول


    الجوهرة الخامسة عشر بعد الستمائة

    قال ابن الجوزى فى زاده

    وهُمْ } يعني الكفار { لَهُمْ } يعني الأصنام { جُنْدٌ مُحْضَرونَ } وفيه أربعة أقوال:

    أحدها: جُنْدٌ في الدنيا مُحْضَرونَ في النار، قاله الحسن.

    والثاني: مُحْضَرونَ عند الحساب، قاله مجاهد.

    والثالث: المشركون جُنْدٌ للأصنام، يَغضبون لها في الدنيا، وهي لا تسوق إِليهم خيراً ولا تدفع عنهم شرّاً قاله قتادة. وقال مقاتل: الكفار يَغضبون للآلهة ويَحْضُرونها في الدنيا. وقال الزجاج: هم للأصنام ينتصرون، وهي لا تستطيع نصرهم.

    والرابع: هم جُنْدٌ مُحْضَرون عند الأصنام يعبدونها، قاله ابن السائب.

    الجوهرة السادسة عشر بعد الستمائة

    قال الالوسي
    أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى }

    من الولي بمعنى القرب فهو للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء السوء كأنه قيل هلاكاً أولى لك بمعنى أهلكك الله تعالى هلاكاً أقرب لك من كل شر وهلاك وهذا كما غلب بعداً وسحقاً في الهلاك وفي «الصحاح» عن الأصمعي قاربه ما يهلكه أي نزل به وأنشد:
    فعادى بين هاديتين منها وأولى أن نزيد على الثلاث
    أي قارب ثم قال قال ثعلب ولم يقل أحد في (أولى) أحسن مما قاله الأصمعي وعلى هذا أولى فعل مستتر فيه ضمير الهلاك بقرينة السياق واللام مزيدة على ما قيل. وقيل هو فعل ماض دعائي من الولي أيضاً إلا أن الفاعل ضميره تعالى واللام مزيدة أي أولاك الله تعالى ما تكرهه أو غير مزيدة أي أدنى الله تعالى الهلاك لك وهو قريب مما ذكر عن الأصمعي وعن أبـي علي أن (أولى لك) علم للويل مبني على زنة أفعل من لفظ الويل على القلب وأصله أويل وهو غير منصرف للعلمية والوزن فهو مبتدأ و(لك) خبره وفيه أن الويل غير منصرف فيه ومثل يوم أيوم مع أنه غير منقاس لا يفرد عن الموصوف البتة وأن القلب على خلاف الأصل لا يرتكب إلا بدليل وإن علم الجنس شيء خارج عن القياس مشكل التعقل خاصة فيما نحن فيه. وقيل اسم فعل مبني ومعناه وليك شر بعد شر واختار جمع أنه أفعل تفضيل بمعنى الأحسن والأحرى خبر لمبتدأ محذوف بقدر كما يليق بمقامه فالتقدير هنا النار أولى لك أي أنت أحق بها وأهل لها فأولى.


    الجوهرة السابعة عشر بعد الستمائة

    وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا }

    قال السمين

    قوله: { وَلاَ يَخَافُ }: قرأ نافعٌ وابنُ عامر " فلا " بالفاء، والباقون بالواو، ورُسِمَتْ في مصاحفِ المدينة والشام بالفاء وفي غيرِها بالواوِ، فقد قرأ كلُّ بما يوافقُ رَسْمَ مُصْحَفِه. ورُوِيَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأُ " ولم يَخَفْ " وهي مُؤَيَّدَةٌ لقراءةِ الواوِ، ذكره الزمخشري، فالفاءُ تقتضي التعقيبَ، وهو ظاهرٌ. والواوُ يجوزُ أَنْ تكونَ للحالِ، وأنْ تكونَ لاستئنافِ الأخبارِ، وضميرُ الفاعل في " يَخاف " يحتملُ عَوْدُه على الرَّبِّ، وهو الأظهرُ، لكونِه أقربَ مذكورٍ. والثاني: أنه يعودُ على رسولِ الله، أي: ولا يخاف عُقْبىظ° هذه العقوبةِ لإِنذاره إياهم. والثالث: أنه يعودُ على " أشقاها " أي: انبعَثَ لعَقْرها، والحالُ أنه غيرُ خائفٍ عاقبةَ هذه الفَعْلَةِ الشنعاءِ. وعُقبىظ° الشيء خاتمتُه

    الجوهرة الثامنة عشر بعد الستمائة

    قال السمين فى البقرة

    والضميرُ في " وإنْ تخفوها " يعودُ على الصدقاتِ. فقيل: يعودُ عليها لفظاً ومعنىً. وقيل: يعودُ على الصدقاتِ لفظاً لا معنىً، لأنَّ المرادَ بالصدقاتِ المبداةِ الواجبةُ، وبالمُخْفَاةِ: المتطوَّعُ بها، فيكونُ من باب " عندي درهمٌ ونصفُه " ، أي: ونصفُ درهمٍ آخرَ، وكقوله:
    1080 ـ كأنَّ ثيابَ راكبِهِ بريحٍ خَرِيقٌ وهْي ساكنةُ الهُبوبِ
    أي: وريحٌ أخرى ساكنة الهبوب، ولا حاجة إلى هذا في الآية....

    قوله: { وَيُكَفِّرُ } قرأَ الجمهورُ " ويُكَفِّرُ " بالواو، والأعمش بإسقاطِها والياءِ وجَزْم الراء. وفيها تخريجان، أحدُهما: أنه بدلٌ من موضِعِ قوله: { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } لأنه جوابُ الشرط كأنَّ التقدير: وإنْ تخفوها يكنْ خيراً لكم ويكفِّرْ. والثاني: أنه حَذَفَ حرفَ/ العطفِ فتكونُ كالقراءةِ المشهورةِ، والتقديرُ: " ويكفِّرُ " وهذا ضعيف جداً.

    وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بالنونِ ورفعِ الراءِ، وقرأ نافع وحمزةُ والكسائي بالنونِ وجزمِ الراء، وابنُ عامر وحفصٌ عن عاصم: بالياء ورفع الراء، والحسنُ بالياء وجزمِ الراء، ورُوي عن الأعمش أيضاً بالياء ونصب الراء، وابن عباس: " وتُكَفِّرْ " بتاءِ التأنيثِ وجزمِ الراءِ، وعكرمة كذلك إلا أنه فَتَحَ الفاءَ على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وابنُ هرمز بالتاءِ ورفعِ الراء، وشهر ابن حوشب - ورُويت عن عكرمة أيضاً - بالتاءِ ونصبِ الراءِ، وعن الأعمش أيضاً بالنونِ ونَصْبِ الراء، وعَن الأعمش أيضاً بالنونِ ونَصْبِ الراءِ، فهذه إحدى عشرةَ قراءةً، والمشهورُ منها ثلاثٌ.

    فَمَنْ قرأ بالياء ففيه ثلاثة أوجه، أظهرُها: أنه أَضْمَرَ في الفعل ضميرَ اللَّهِ تعالى، لأنه هو المكفِّر حقيقةً، وتَعْضُده قراءةُ النونِ فإنها متعيِّنةٌ له. والثاني: أنه يعودُ على الصرفِ المدلولِ عليه بقوةِ الكلامِ، أي: ويكفِّرْ صَرْف الصدقاتِ. والثالث: أنه يعودَ على الإِخفاءِ المفهومِ من قولِهِ: " وإنْ تُخْفُوها " ، ونُسِبَ التكفيرُ للصرفِ والإِخفاءِ مجازاً، لأنهما سببٌ للتكفير، وكما يجوزُ إسنادُ الفعلِ إلى فاعِلِهِ يجوزُ إسنادُهُ إلى سببه.

    ومَنْ قرأَ بالتاءِ ففي الفعلِ ضميرُ الصدقاتِ ونُسِبَ التكفيرُ إليها مجازاً كما تَقَدَّم. ومَنْ بناه للمفعولِ فالفاعلُ هو اللَّهِ تعالى أو ما تقدَّم. ومَنْ قرأ بالنون فهي نونُ المتكلمِ المعظِّم نفسَهُ. ومَنْ جَزَمَ الراءَ فللعطف على محلِّ الجملةِ الواقعةِ جواباً للشرطِ، ونظيرُهُ قولُه: { مَن يُضْلِلِ ظ±للَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ } في قراءةِ مَنْ جَزَمَ
    { وَيَذَرُهُمْ }
    [الأعراف: 186] ومَنْ رفع فعلى ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ مستأنفاً لا موضعَ له من الإِعرابِ، وتكونُ الواوُ عاطفةً جملةَ كلامٍ على جملةِ كلامٍ آخرَ. والثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ، وذلك المبتدأ: إمَّا ضميرُ اللَّهِ تعالى أو الإِخفاءُ أي: وهو يُكَفِّر فيمَنْ قَرَأَ بالياء أو ونحن نكفِّر فيمن قرأ بالنون أو وهي تُكَفِّر فيمن قرأ بتاءِ التأنيث. والثالث: أنه عطفٌ على محلِّ ما بعد الفاءِ، إذْ لو وقع مضارعُ بعدَهَا لكانَ مرفوعاً كقولِهِ:
    { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ظ±للَّهُ مِنْهُ }
    [المائدة: 95] ونظيرُهُ
    { وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ }
    [الأعراف: 186] في قراءةِ مَنْ رفع.


    الجوهرة التاسعة عشر بعد الستمائة

    قال السمين فى ال عمران

    قوله: { نَفْسَهُ } مفعولٌ ثان لحَذَّر؛ لأنه في الأصل متعدٍّ بنفسه لواحد فازدادَ بالتضعيفَ آخرَ، وقدَّر بعضُهم حَذْفَ مضافٍ أي: عقاب نفسه. وصَرَّح بعضُهم بعدم الاحتياج إليه، كذا نقله أبو البقاء عن بعضهم، وليس بشيء، إذ لا بدَّ من تقديرِ هذا المضافِ لصحة المعنى، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه في نحو قولك: " حَذَّرتك نفس زيد " أنه لا بد من شيء تُحَذِّر منه كالعقاب والسَّطْوة، لأن الذواتِ لا يُتَصَوَّر الحذرُ منها نفسها، إنما يُتَصَوَّر من أفعالِها وما يَصْدُر عنها. وعَبَّر هنا بالنفسِ عن الذات جرياً على عادة العرب، كما قال الأعشى:
    1229ـ يَوْماً بأجودَ نائلاً منه إذا نفسُ الجَبانِ تَجَهَّمَتْ سُؤَّالها
    وقال بعضهم: الهاء في " نفسه " تعود على المصدر المفهوم من قوله: { لاَّ يَتَّخِذِ } أي: ويحذِّرُكم الله نفسَ الاتخاذ، والنفسُ عبارة عن وجود الشيء وذاته.

    انتهى

    قال ابن عاشور فى النساء

    وقوله { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب } عطف على مقدّر من معنى الاستفهام الإنكاري، توجيهاً للإنكار عليهم، أي فلا بدع فيما حسدوه إذ قد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك. وآل إبراهيم أبناؤه وعقبه ونسله، وهو داخل في هذا الحكم لأنّهم إنّما أعطوه لأجل كرامته عند الله ووعد الله إيّاه بذلك. وتعريف الكتاب تعريف الجنس، فيصدق بالمتعدّد، فيشمل صحف إبراهيم، وصحف موسى، وما أنزل بعد ذلك. والحكمة النبوءة، والملك هو ما وعد الله به إبراهيم أن يعطيه ذرّيته وما آتى الله داوود وسليمان وملوكَ إسرائيل. وضمير { منهم } يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير { يحسدون }. وضمير { به } يعود إلى الناس المراد منه محمّد ــــ عليه السلام ــــ أي فمِنَ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب مَن آمن بمحمّد، ومنهم من أعرض. والتفريع في قوله { فمنهم } على هذا التفسير ناشيء على قوله { أم يحسدون الناس }. ويجوز أن يعود ضمير { فمنهم } إلى آل إبراهيم، وضمير { به } إلى إبراهيم، أي فقد آتيناهم ما ذُكر. ومن آله من آمن به، ومنهم من كفر مثل أبيه آزر، وامْرأةِ ابن أخيه لوط، أي فليس تكذيب اليهود محمّدا بأعجب من ذلك،
    { سُنَّة من قد أرسلنا قبلَك من رُسلنا }
    الإسراء 77، ليَكون قد حصل الاحتجاج عليهم في الأمرين في إبطال مستند تكذيبهم بإثباتِ أنّ إتيان النبوءة ليس ببدع، وأن محمّدا من آل إبراهيم، فليس إرساله بأعجب من إرسال موسى. وفي تذكيرهم بأنّ هذه سنّة الأنبياء حتى لا يَعُدّوا تكذيبهم محمّدا صلى الله عليه وسلم ثلمة في نبوءته، إذ لا يعرف رسولا أجمْعَ أهل دعوته على تصديقه

    انتهى

    قال السمين فى النساء

    فعلى هذا يجيء قولُه تعالى: { كَأَن لَّمْ تَكُن } التفاتةً بليغةً واعتراضاً بين القول والمقول بلفظٍ يُظْهِرُ زيادةً في قُبْحِ فِعْلِهم ". وقال الرازي: " هو اعتراض في غاية الحسنِ لأنَّ مَنْ أحبَّ إنساناً فَرِحَ لفرحِه وحزن لحزنه، فإذا قلب القضية فذلك إظهارٌ للعداوةِ، فحكى تعالى سرورَ المنافقِ عند نكبة المسلمين، ثم أراد أن يَحْكِي حُزْنَه عند دَوْلِة المسلمين بسببِ فواتِه الغنيمَةَ، فَقَبْلَ أن يَذْكُرَ الكلامَ بتمامِه ألقى قوله: " كأن لم تكن " والمراد التعجب، كأنه يقول: انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق كَأَنْ لم تَكُنْ بينكم وبينه مودةٌ ولا مخالطةٌ أصلاً، والذي حَسَّن الاعتراضَ بهذه الجملة - وإنْ كان محلُّها التأخيرَ - كونُ ما بعدها فاصلةً وهي ليست بفاصلة " وقال الفارسي: " هذه الجملة من قولِ المنافقين للذين أَقْعدوهم عن الجهادِ وخَرَجوا هم كأن لم تكن بينكم وبينه ـ أي وبين الرسول عليه السلام ـ [مودةٌ] فيُخْرِجَكم معه لتأخذوا من الغنيمة، ليُبْغِضُوا بذلك الرسولَ إليهم " فأعاد الضميرَ في " بينه " على النبيّ عليه السلام.

    وتبع الفارسي في ذلك مقاتلاً، قال مقاتل: " معناه: كأنه ليس من أهل مِلَّتكم ولا مودةَ بينكم " يريد أن المبطئَ قال لِمَنْ تخلَّف عن الغزو من المنافقين وضَعَفَةِ المؤمنين ومَنْ تخلَّف بإذْن: كَأَنْ لم تكن بينكم وبين محمدٍ مودةٌ فَيُخْرِجْكم إلى الجهادِ فتفوزا بما فاز.

    انتهى

    قال السمين فى ال عمران

    قوله: { بِمَا ظ±سْتُحْفِظُواْ } أجاز أبو البقاء فيه ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنَّ " بما " بدلٌ من قوله " بها " بإعادةِ العامل لطول الفصل، قال: " وهو جائزٌ وإنْ لم يَطُلْ " أي: يجوزُ إعادةُ العامل في البدل وإن لم يَطُلْ، قلت: وإنْ لم يُفْصَلْ أيضاً: الثاني: أن يكون متعلقاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: ويحكم الربَّانيون بما استُحْفِظوا، كما قدمته عنه. والثالث: أنه مفعولٌ به أي: يَحْكُمون بالتوارةِ بسبب استحفاظهم ذلك، وهذا الوجهُ الأخير هو الذي نَحَا إليه الزمخشري فإنه قال: " بما استُحْفِظوا بما سألهم أنبياؤهم حِفْظَه من التوراة، أي: بسبب سؤالِ أنبيائِهم إياهم أَنْ يحفَظُوه من التبديلِ والتغيير " وهذا على أن الضميرَ يعودُ على الربانيين والأحبار دون النبيين، فإنه قَدَّر الفاعلَ المحذوف " النبيين " ، وأجازَ أن يعودَ الضميرُ في " استُحْفِظوا " على النبيين والربانيين والأحبار، وقَدَّر الفاعلَ المنوبَ عنه الباري تعالى أي: بما استحفظهم الله، يعني بما كلَّفهم حِفْظَه.

    انتهى

    قال السمين فى الانعام

    قوله: { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } هذه الجملة يجوز أن تكونَ مستأنفة، أخبر عليه السلام بأنه لا يخاف ما تشركون به ربَّه ثقةً به، وكانوا قد خوَّفوه مِنْ ضررٍ يحصُل له بسبب سَبِّ آلهتهم، ويحتمل أن تكون في مَحَلِّ نصبٍ على الحال باعتبارين أحدهما: أن تكونَ ثانيةً عطفاً على الأولى، فتكون الحالان من الياء في " أتحاجونِّي ". والثاني: أنها حال من الياء في " هداني " فتكون جملةً حالية من بعض جملة حالية فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلا أنه لا بد من إضمار مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع، لما تقدَّم من أن الفعل المضارع بـ " لا " حكمُه حكمُ المثبت من حيث إنه لا تباشره الواو.

    و " ما " يجوز فيها الأوجه الثلاثة: أن تكونَ مصدريةً، وعلى هذا فالهاء في " به " لا تعود على " ما " عند الجمهور، بل تعود على الله تعالى، والتقدير: ولا أخاف إشراكَكم بالله، والمفعول محذوف أي: ما تشركون غير الله به، وأن تكون بمعنى الذي، وأن تكون نكرةً موصوفة، والهاء في " به " على هذين الوجهين تعود على " ما " ، والمعنى: ولا أخاف الذي تشركون الله به، فحذف المفعول أيضاً كما حذفه في الوجه الأول، وقدَّر أبو البقاء قبل الضمير مضافاً فقال: " ويجوز أن تكون الهاءُ عائدة على " ما " أي: ولا أخاف الذي تشركون بسببه " ، ولا حاجةَ إلى ذلك.

  15. #45
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,903
    { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { فَتَرَى ظ±لَّذِينَ }: الجمهورُ على " ترى " بتاء الخطاب، و " الذين " مفعول، فإن كانت الرؤيةُ بصريةً أو عُرْفانية - فيما نقله أبو البقاء وفيه نظرٌ - فتكونُ الجملةُ من " يُسارعون " في محلِّ نصبٍ على الحال من الموصول، وإنْ كانت قلبية فيكون " يسارعون " مفعولاً ثانياً. وقرأ النخعي وابن وثاب: " فيَرى " بالياء وفيها تأويلان، أظهرُهما: أنَّ الفاعل ضميرٌ يعودُ على الله تعالى، وقيل: على الرأي من حيثُ هو، و " يُسارعون " بحالتِها، والثاني: أن الفاعل نفسُ الموصول والمفعول هو الجملةُ من قوله: { يُسَارِعُونَ } وذلك على تأويل حَذْفِ " أَنْ " المصدرية، والتقدير: ويرى القمُ الذين في قلوبهم مرض أَنْ يُسارعو، فلمَّا حُذِفَتْ " أَنْ " رُفِع كقوله:
    1742- ألا أيُّهذا الزاجري أَحْضُرُ الوَغى .....................
    أجازَ ذلك ابن عطية إلا أنَّ هذا غيرُ مقيس، إذ لا تُحْذَف " أن " عند البصريين إلا في مواضعَ محفوظة

صفحة 3 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •