صفحة 2 من 7 الأولىالأولى 123456 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 92

الموضوع: جواهر الضمائر فى كتاب الله

  1. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة السادسة عشر بعد الخمسمائة

    اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ*}

    قال الالوسي

    { ظ±للَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء } أن يبسطه له لا غيره { مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } أي يضيق عليه، والضمير / عائد على { مَن يَشَآء } الذي يبسط له الرزق أي عائد عليه مع ملاحظة متعلقه فيكون المعنى أنه تعالى شأنه يوسع على شخص واحد رزقه تارة ويضيقه عليه أخرى، والواو لمطلق الجمع فقد يتقدم التضييق على التوسيع أو عائد على { مَن يَشَآء } بقطع النظر عن متعلقه فالمراد من يشاء آخر غير المذكور فهو نظير عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر، وهذا قريب من الاستخدام، فالمعنى أنه تعالى شأنه يوسع على بعض الناس ويضيق على بعض آخر،....


    الجوهرة السابعة عشر بعد الخمسمائة

    *وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ*}

    قال السمين

    قوله: { مِّن قَبْلِهِ }: فيه وجهان، أحدهما: أنه تكريرٌ لـ " مِنْ قَبلِ " الأولى على سبيلِ التوكيد. والثاني: أَنْ يكونَ غيرَ مكررٍ. وذلك أن يُجعلَ الضميرُ في " قَبْله " للسحاب. وجاز ذلك لأنه اسمُ جنسٍ يجوز تذكيرُه وتأنيثُه، أو للريح، فتتعلَّقُ " مِنْ " الثانيةُ بـ " يُنَزَّل ". وقيل: يجوزُ عَوْدُ الضمير على " كِسَفا " كذا أطلق أبو البقاء. والشيخ قَيَّده بقراءةِ مَنْ سَكَّن السين. وقد تقدَّمَتْ قراءاتُ " كِسَفاً " في " سبحان ". وللناس في هذا الموضعِ كلامٌ كثيرٌ رأيتُ ذِكْرَه لتوضيحِ معناه.

    وقد أبْدى كلٌّ من الشيخَيْن: الزمخشريِّ وابنِ عطية فائدةَ التأكيدِ المذكور. فقال ابن عطية: " أفادَ الإِعلامَ بسرعةِ تَقَلُّب قلوبِ البشر من الإِبلاسِ إلى الاستبشار؛ وذلك أن قولَه { مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } يحتملُ الفُسْحَةَ في الزمانِ، أي: من قبلِ أَنْ يُنَزِّل بكثيرٍ كالأيَّامِ ونحوِه فجاء " مِنْ قبله " ، بمعنى أنَّ ذلك متصلٌ بالمطر فهو تأكيدٌ مفيدٌ ".

    وقال الزمخشري: " ومعنى التوكيد فيه الدلالةُ على أن عَهْدَهم بالمطرِ قد بَعُدَ فاسْتحكم يَأْسُهم وتمادَى إبْلاسُهم، فكان استبشارُهم على قَدْرِ اغتمامهم بذلك ". وهو كلامٌ حسنٌ.

    إلاَّ أنَّ الشيخَ لم يَرْتَضِه منهما فقال: " ما ذكراه من فائدةِ التأكيدِ غيرُ ظاهرٍ، وإنما هو لمجرَّدِ التوكيد ويُفيد رَفْعَ المجازِ فقط ". انتهى. ولا أدري عدمُ الظهورِ لماذا؟ وقال قطرب: " وإن كانوا مِنْ قبلِ التنزيل مِنْ قبل المطَر. وقيل: التقديرُ مِنْ قبلِ إنزالِ المطرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَزْرعوا. ودَلَّ المطرُ على الزرع؛ لأنه يَخْرج بسببِ المطر. ودلَّ على ذلك قولُه " فَرَأَوْه مُصْفَرَّاً " يعني الزرعَ؛ قال الشيخ: " وهذا لا يَسْتقيم؛ لأنَّ { مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ } متعلِّقٌ بـ " مُبْلِسِيْن " ولا يمكن مِنْ قَبْل الزَّرْع أَنْ يتعلَّقَ بمُبْلِسين؛ لأنَّ حرفَيْ جرّ لا يتعلَّقان بعاملٍ واحدٍ إلاَّ بوساطةِ حرفِ العطف أو البدلِ، وليس هنا عطفٌ والبدلُ لا يَجوز؛ إذ إنزالُ الغيثِ ليس هو الزرعَ ولا الزرعُ بعضَه. وقد يُتَخَيَّلُ فيه بدلُ الاشتمالِ بتكلُّفٍ: إمَّا لاشتمالِ الإِنزالِ على الزَّرْع، بمعنى: أنَّ الزرعَ يكون ناشِئاً عن الإِنزال، فكأن الإِنزالَ مُشْتملٌ عليه. وهذا على مذهبِ مَنْ يقول: الأولُ مشتملٌ على الثاني ".

    وقال المبردُ: " الثاني السحابُ؛ لأنهم لَمَّا رَأَوْا السحابَ كانوا راجين المطرَ " انتهى. يريد مِنْ قبل رؤيةِ السحاب. ويحتاج أيضاً إلى حَرْفِ عطفٍ ليصِحَّ تعلُّقُ الحرفين بـ " مُبْلِسين ". وقال الرمَّاني: " من قبلِ الإِرسال ". والكرماني: " من قَبْلِ الاستبشارِ؛ لأنه قَرَنه بالإِبلاس، ولأنه مَنَّ عليهم بالاستبشار ". ويحتاج قولُهما إلى حرفِ العطفِ لِما تقدَّم، وادِّعاءُ حرفِ العطفِ ليس بالسهلِ؛ فإنَّ فيه خلافاً: بعضُهم يَقيسُه، وبعضُهم لا يقيسه. هذا كلُّهُ في المفردات. أمَّا إذا كان في الجمل فلا خلافَ في اقتياسِه.

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير

    وفي هذا التكرير ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنه للتأكيد كقوله:
    { فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون }
    [الحجر:30]، قاله الأخفش في آخرين.

    والثاني: أن «قَبْل» الأولى للتنزيل، والثانية للمطر، قاله قطرب. قال ابن الأنباري: والمعنى: مِنْ قَبْل نزول المطر، مِنْ قَبْل المطر، وهذا مثلما يقول القائل: آتيك من قبل أن تتكلم، من قبل ان تطمئن في مجلسك، فلا تُنكَر الإِعادة، لاختلاف الشيئين.

    والثالث: أن الهاء في قوله: { مِنْ قبْله } ترجع إِلى الهُدى وإِن لم يتقدَّم له ذِكْر، فيكون المعنى: كانوا يقنَطنون من قبل نزول المطر، من قبل الهُدى، فلمَّا جاء الهُّدى والإِسلام زال القُنوط، ذكره ابن الأنباري عن أبي عُمر الدُّوري وأبي جعفر بن قادم. والمبلسون: الآيسون وقد سبق الكلام في هذا [الأنعام:44].

    وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ}

    قال السمين

    قوله: { فَرَأَوْهُ }: أي: فَرَأَوْا النباتَ، لدلالة السياق عليه، أو على الأثر؛ لأنَّ الرحمةَ هي الغيث، وأثرُها هو النبات. وهذا ظاهرٌ على قراءةِ الإِفراد، وأمَّا على قراءة الجمع فيعودُ على المعنى. وقيل: الضمير للسَّحابِ. وقيل: للريح....


    والضميرُ في " مِنْ بعدِه " يعودُ على الاصفرارِ المدلولِ عليه بالصفة كقولِه:3653 ـ إذا نُهِي السَّفيهُ جَرَى إليه***.......................أي: إلى السَّفَهِ لدلالة " السَّفيه " عليه....

  2. #17
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة الثامنة عشر بعد الخمسمائة

    { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ }

    قال السمين فى الدر المصون

    قوله تعالى: { سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } قرأ الأخَوان هذين الفعلين بالغَيْبة، والباقون بالخطاب، والغيبة والخطاب في مثل هذا التركيب واضحانِ كقولِك: " قل لزيد: قم " على الحكاية، وقل لزيد: يقوم، وقد تقدم نحوٌ من هذا في قولِه:
    { لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ظ±للَّهَ }
    [البقرة: 83]. وقال الشيخ في قراءةِ الغَيْبة: " الظاهرُ أنَّ الضميرَ للذين كفروا، وتكونُ الجملةُ إذ ذاك ليست محكيةً بقل، بل محكيةٌ بقول آخر، التقديرُ: قُلْ لهم قَوْلي سَيُغْلَبُون وإخباري أنه ستقعُ عليهم الغَلَبَةُ، كما قال:
    { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ }
    [الأنفال: 38] فبالتاءِ أخبرهم بمعنى ما أُخْبر به من أنهم سَيُغْلبون، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أُخبر به أنهم سَيُغْلبون ".

    وهذا الذي قاله سبقَه إليه الزمخشري فأخَذَه منه، ولكنَّ عبارةَ أبي القاسم أوضحُ فَلْنوردها، قال رحمه الله: " فإنْ قلت: أيُّ فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء ـ أي من فوق ـ الأمرُ بأَنْ يُخْبرهم بما سَيَجْري عليهم من الغَلَبة والحَشْر إلى جهنم، فهو إخبار بمعنى سَتُغْلبون وتُحْشَرون فهو كائن من نفسِ المتوعَّدِ به، وهو الذي يدل عليه اللفظُ، ومعنى القراءةِ بالياء الأمرُ بأَنْ يحكي لهم ما أَخْبره به من وعيدِهم بلفظه كأنَّه قال: أدِّ إليهم هذا القولَ الذي هو قَوْلي لك سَيُغْلبون ويُحْشَرُون ".

    وجَوَّز الفراء وثعلب أن يكونَ الضميرُ في " سَيُغْلبون ويُحْشرون " لكفار قريش، ويرادُ بالذين كفروا اليهودُ، والمعنى: قُلْ لليهود: " سَتُغْلَبُ قريش " ، هذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط. قال مكي: " ويُقَوِّي القراءة بالياء ـ أي: من تحت ـ إجماعُهم على الياء في قوله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوغ¤اْ إِن يَنتَهُواْ } ، قال: " والتاء ـ يعني من فوق ـ أحَبُّ إليَّ لإِجماع الحرميين وعاصم وغيرهم على ذلك " قلت: ومثلُ إجماعهم على قوله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوغ¤اْ إِن يَنتَهُواْ } إجماعُهم على قولِه:
    { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ }
    [النور: 30]
    { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ }
    [الجاثية: 14].

    وقال الفراء: " مَنْ قرأ بالتاء جَعَل اليهود والمشركين داخلين في الخطاب، ثم يجوزُ في هذا المعنى الياءُ والتاءُ، كما تقول في الكلام: " قل لعبد الله: إنه قائم وإنك قائم " ، وفي حرفِ عبد الله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } ، ومَنْ قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبةِ اليهود، وأنَّ الغلبةَ تقع على المشركين، كأنه قيل: قل يا محمد لليهود سَيُغْلَبُ المشركون ويُحْشرون، فليس يجوزُ في هذا المعنى إلا الياءُ لأنَّ المشركين غَيْبٌ.

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة التاسعة عشر بعد الخمسمائة

    *يظ°بُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ أَوْ فِي ظ±لأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ظ±للَّهُ إِنَّ ظ±للَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ*}

    قال الطبري

    اختلف أهل العربـية فـي معنى الهاء والألف اللتـين فـي قوله { إنَّها } فقال بعض نـحويـي البصرة: ذلك كناية عن الـمعصية والـخطيئة. ومعنى الكلام عنده: يا بنـيّ إن الـمعصية إن تك مثقال حبة من خردل، أو إن الـخطيئة. وقال بعض نـحويـي الكوفة: وهذه الهاء عماد. وقال: أنَّث تك، لأنه يراد بها الـحبة، فذهب بـالتأنـيث إلـيها، كما قال الشاعر:
    وَتَشْرَقُ بـالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ كمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ
    وقال صاحب هذه الـمقالة: يجوز نصب الـمثقال ورفعه قال: فمن رفع رفعه بتك، واحتـملت الننكرة أن لا يكون لها فعل فـي كان ولـيس وأخواتها، ومن نصب جعل فـي تكن اسماً مضمراً مـجهولاً مثل الهاء التـي فـي قوله { إنَّها إنْ تَكُ } قال: ومثله قوله:
    { فإنَّها لا تَعْمَى الأَبْصَارُ }
    قال: ولو كان إن يك مثقال حبة كان صوابـاً، وجاز فـيه الوجهان. وأما صاحب الـمقالة الأولـى، فإن نصب مثقال فـي قوله، علـى أنه خبر، وتـمام كان، وقال: رفع بعضهم فجعلها كان التـي لا تـحتاج إلـى خبر.

    وأولـى القولـين بـالصواب عندي، القول الثانـي: لأن الله تعالـى ذكره لـم يعد عبـاده أن يوفـيهم جزاء سيئاتهم دون جزاء حسناتهم، فـيقال: إن الـمعصية إن تك مثقال حبة من خردل يأت الله بها، بل وعد كلا العاملـين أن يوفـيه جزاء أعمالهما. فإذا كان ذلك كذلك، كانت الهاء فـي قوله { إنَّها } بأن تكون عماداً أشبه منها بأن تكون كناية عن الـخطيئة والـمعصية. وأما النصب فـي الـمثقال، فعلـى أن فـي «تك» مـجهولاً، والرفع فـيه علـى أن الـخبر مضمر، كأنه قـيـل: إن تك فـي موضع مثقال حبة، لأن النكرات تضمر أخبـارها، ثم يترجم عن الـمكان الذي فـيه مثقال الـحبة.

    الجوهرة العشرون بعد الخمسمائة

    {*ظ±لَّذِيغ¤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ظ±لإِنْسَانِ مِن طِينٍ}

    قال السمين

    قوله: " خَلَقَه " قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بسكونِ اللام. والباقون بفتحها. فأمَّا الأُولى ففيها أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ " خَلْقَه " بدلاً مِنْ " كلَّ شيء " بدلَ اشتمالٍ مِنْ " كلَّ شيءٍ " ، والضميرُ عائدٌ على كل شيء. وهذا هو المشهورُ المتداوَلُ. الثاني: أنه بدلُ كلٍ مِنْ كل، والضميرُ على هذا عائدٌ على الباري تعالى. ومعنى " أحسن ": /حَسَّن؛ لأنه ما مِنْ شيءٍ خَلَقَه إلاَّ وهو مُرَتَّبٌ على ما تَقْتَضيه الحكمةُ، فالمخلوقاتُ كلُّها حسنةٌ. الثالث: أن يكونَ " كلَّ شيءٍ " مفعولاً أول، و " خَلْقَه " مفعولاً ثانياً على أَنْ يُضَمَّن " أحسَنَ " معنى أَعْطى وأَلْهَمَ. قال مجاهد: " أعطى كلَّ جنسٍ شكله ". والمعنى: خَلَقَ كلَّ شيءٍ على شكلِه الذي خصَّه به. الرابع: أن يكون " كلَّ شيء " مفعولاً ثانياً قُدِّم، و " خَلْقَه " مفعولاً أول أُخِّر، على أَنْ يُضَمَّنَ " أَحْسَنَ " معنى أَلْهَمَ وعَرَّف. قال الفراء: " ألهم كلَّ شيءٍ خَلْقَه فيما يحتاجون إليه فيكونُ أَعْلَمهم ذلك ". قلت: وأبو البقاء ضَمَّن أحسنَ معنى عَرَّف. وأَعْرَبَ على نحوِ ما تقدَّم، إلاَّ أنه لا بُدَّ أن يُجْعَلَ الضميرُ لله تعالى، ويُجعلَ الخَلْقُ بمعنى المَخْلوق أي: عَرَّف مخلوقاتِه كلَّ شيءٍ يحتاجون إليه، فيَؤول المعنى إلى معنى قولِه:
    {*أَعْطَىظ° كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىظ°*}
    [طه: 50].

    الخامس: أن تعودَ الهاء [على الله تعالى] وأَنْ يكون " خَلْقَه " منصوباً على المصدرِ المؤكِّدِ لمضمون الجملةِ كقولِه:
    {*صُنْعَ ظ±للَّهِ*}
    [النمل: 88]، وهو مذهبُ سيبويه أي: خَلَقَه خَلْقاً. ورُجِّحَ على بدلِ الاشتمال: بأنَّ فيه إضافةَ المصدرِ إلى فاعِله، وهو أكثرُ مِنْ إضافتِه إلى المفعول، وبأنه أبلغُ في الامتنانِ لأنه إذا قال: { أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ } كان أبلغَ مِنْ " أَحْسَنَ خَلْقَ كلِّ شيء "؛ لأنه قد يَحْسُنُ الخلقُ - وهو المحاولةُ - ولا يكون الشيء في نفسِه حَسَناً. وإذا قال: أحسنَ كلَّ شيْءٍ اقتضى أنَّ كلَّ شيءٍ خَلَقَه حَسَنٌ، بمعنى أنه وَضَعَ كلَّ شيءٍ في موضعِه.

    وأمَّا القراءةُ الثانية فـ " خَلَقَ " فيها فعلٌ ماضٍ، والجملةُ صفةٌ للمضافِ أو المضافِ إليه، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ أو مجرورتَه



    الجوهرة الواحدة والعشرون بعد الخمسمائة

    أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ظ±لْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ*}

    قال القرطبى

    قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمِيّ وقتادة وأبو زيد عن يعقوب «نَهْدِ لَهُمْ» بالنون؛ فهذه قراءة بيّنة. النحاس: وبالياء فيها إشكال؛ لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل، فأين الفاعل لـ«ـيهد»؟ فتكلم النحويون في هذا؛ فقال الفراء: «كَمْ» في موضع رفع بـ«ـيهْدِ». وهذا نقض لأصول النحوييّن في قولهم: إن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا في «كَمْ» بوجهٍ؛ أعني ما قبلها. ومذهب أبي العباس أن «يهْدِ» يدلّ على الهُدَى؛ والمعنى أولم يَهْد لهم الهدى. وقيل: المعنى أولم يهد الله لهم؛ فيكون معنى الياء والنون واحداً؛ أي أولم نُبَيّن لهم إهلاكنا القرون الكافرة من قبلهم. وقال الزجاج: «كَمْ» في موضع نصب بـ«ـأَهْلَكْنَا». { لِرَجُلٍ } يحتمل الضمير في «يَمْشُونَ» أن يعود على الماشين في مساكن المهلكين؛ أي وهؤلاء يمشون ولا يعتبرون. ويحتمل أن يعود على المهلَكين فيكون حالاً؛ والمعنى: أهلكناهم ماشين في مساكنهم



    الجوهرة الثانية والعشرون بعد الخمسمائة

    {*وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ظ±لْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً*}

    قال الالوسي

    { وَلَوْ دُخِلَتْ } أي البيوت كما هو الظاهر { عَلَيْهِمْ } أي على هؤلاء القائلين، وأسند الدخول إلى بيوتهم وأوقع عليهم لما أن المراد فرض دخولها وهم فيها لا فرض دخولها مطلقاً كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار والمجرور ولا فرض الدخول عليهم مطلقاً كما هو المفهوم لو أسند إلى الجار والمجرور وفاعل الدخول الداخل من أهل الفساد من كان أي لو دخل كل من أراد الدخول من أهل الدعارة والفساد بيوتهم وهم فيها { مّنْ أَقْطَارِهَا } جمع قطر بمعنى الناحية والجانب ويقال قتر بالتاء لغة فيه أي من جميع جوانبها وذلك بأن تكون مختلة بالكلية وهذا داخل في المفروض فلا يخالف قوله تعالى:
    {*وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ*}
    [الأحزاب: 13] { ثُمَّ سُئِلُواْ } أي طلب منهم من جهة طائفة أخرى عند تلك النازلة والرجفة الهائلة { الفتْنَةَ } أي القتال كما قال الضحاك { لاَتَوْهَا } أي لأعطوها أولئك السائلين كأنه شبه الفتنة المطلوب اتباعهم فيها بأمر نفيس يطلب منهم بذله ونزل إطاعتهم واتباعهم بمنزلة بذل ما سئلوه وإعطائه. وقرأ نافع وابن كثير { لأَتَوْهَا } بالقصر أي لفعلوها.

    { وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } أي بالفتنة، والباء للتعدية أي ما لبثوها وما أخروها { إِلاَّ يَسِيراً } أي إلا تلبثاً يسيراً أو إلا زماناً يسير وهو مقدار ما يأخذون فيه سلاحهم على ما قيل، وقيل: مقدار ما يجيبون السؤال فيه، وكلاهما عندي من باب التمثيل، والمراد أنهم لو سألهم غيرك القتال وهم في أشد حال وأعظم بلبال لأسرعوا جداً فضلاً عن التعلل باختلال البيوت مع سلامتها كما فعلوا الآن. والحاصل أن طلبهم الإذن في الرجوع ليس لاختلال بيوتهم بل لنفاقهم وكراهتهم نصرتك، وقال ابن عطية: المعنى ولو دخلت المدينة من أقطارها واشتد الحرب الحقيقي ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلم لطاروا إليها ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيراً قيل قدر ما يأخذون سلاحهم انتهى، فضمير { دَخَلَتْ } عنده عائد على المدينة وباء { بِهَا } للظرفية كما هو ظاهر كلامه، وجوز أن تكون سببية والمعنى على تقدير مضاف أي ولم يتلبثوا بسبب حفظها وقيل: يجوز أن تكون للملابسة أيضاً، والضمير على كل تقدير للبيوت وفيه تفكيك الضمائر.

    وعن الحسن ومجاهد وقتادة { ظ±لْفِتْنِةِ } الشرك. وفي معناه ما قيل: هي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر، وجعل بعضهم ضميري (دخلت ـ وبها) للمدينة وزعم أن المعنى ولو دخلت المدينة عليهم من جميع جوانبها ثم سئلوا الرجوع إلى إظهار الكفر والشرك لفعلوا وما لبثوا بالمدينة بعد إظهار كفرهم إلا يسيراً فإن الله تعالى يهلكهم أو يخرجهم بالمؤمنين، وقيل: ضمير { دخلت } للبيوت أو للمدينة وضمير { بِهَا } للفتنة بمعنى الشرك والباء للتعدية، والمعنى ولو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأشركوا وما أخروه إلا يسيراً، وقريب منه قول قتادة أي لو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأعطوه طيبة به أنفسهم وما تحبسوا به إلا يسيراً، وجوز أن تكون الباء / لغير ذلك، وقيل: فاعل الدخول أولئك العساكر المتحزبة، والوجوه المحتملة في الآية كثيرة كما لا يخفى على من له أدنى تأمل، وما ذكرناه أولاً هو الأظهر فيما أرى.


    الجوهرة الثالثة والعشرون بعد الخمسمائة

    *وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُواْ هَـذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}

    قال السمين:

    قوله: { وَصَدَقَ ظ±للَّهُ وَرَسُولُهُ }: مِنْ تكريرِ الظاهرِ تعظيماً كقوله:3687 ـ لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ***...............................ولأنه لو أعادَهما مُضْمَرَيْنِ لجَمَعَ بين اسمِ الباري تعالى واسمِ رسولِه في لفظةٍ واحدةٍ، فكان يُقال: وصدقا، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد كَرِه ذلك،/ وردَّ على مَنْ قاله حيث قال: " مَنْ يطعِ اللَّهَ ورسولَه فقد رَشَدَ، ومَنْ يَعْصِهما فقد غَوى ". وقال له: " بِئْسَ خطيبُ القومِ أنت. قل: ومن يَعْصِ اللَّهَ ورسولَه " قصداً إلى تعظيمِ اللَّهِ. وقيل: إنما رَدَّ عليه لأنه وقف على " يَعْصِهما ". وعلى الأولِ استشكل بعضُهم قولَه [عليه السلام]:*" حتى يكونَ اللَّهَ ورسولُه أحَبَّ إليه مِمَّا سِواهما "*فقد جَمَعَ بينهما في ضميرٍ واحدٍ. وأُجيبَ: بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعرفُ بقَدْرِ اللَّهِ تعالى مِنَّا فليس لنا أَنْ نقولَ كما يقول.

    قوله: " وما زادَهُمْ " فاعلُ " زادهم " ضميرُ الوَعْدِ أي: وما زادهم وَعْدُ اللَّهِ أو الصدقُ. وقال مكي: " ضميرُ النظر؛ لأنَّ قولَه: " لَمَّا رأى " بمعنى: لَمَّا نظر ". وقال أيضاً: " وقيل: ضمير الرؤية. وإنما ذُكِّر لأن تأنيثها غيرُ حقيقي " ولم يَذْكُرْ غيرَهما. وهذا عجيبٌ منه؛ حيث حَجَّر واسعاً مع الغُنْيَةِ عنه.

    الجوهرة الرابعة والعشرون بعد الخمسمائة

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَظ°وَظ°تِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }

    قال الالوسي ضمن كلام طويل فى حل اشكال الاية


    وقيل العطف على ما سمعت وضمير { عَنْهُ } للغيب فلا إشكال إذ المعنى حينئذ لا يبعد عن غيبه شيء إلا ما كان في اللوح لبروزه من الغيب إلى الشهادة واطلاع الملأ الأعلى عليه.

    وتعقب بأن المعنى لا يساعده لأن الأمر الغيبـي إذا برز إلى الشهادة لم يعزب عنه بل بقي في الغيب على ما كان عليه مع بروزه، ومعناه أن كونه ففي اللوح المحفوظ كناية عن كونه من جملة معلوماته تعالى وهي إما مغيبة وإما ظاهرة وكل مغيب سيظهر وإلا كان معدوماً لا مغيباً وظهوره وقت ظهوره لا يرفع كونه مغيباً فلا يكون استثناء متصلاً، ألا ترى أنك لو قلت علم الساعة مغيب عن الناس إلا علمهم بها حين تقوم ويشاهدونها لم يكن هذا الاستثناء متصلاً كذا قيل فتأمل ولا تغفل. وأنت تعلم أن هذا الوجه على فرض عدم ورود ما ذكر عليه ضعيف لأن الظاهر الذي يقتضيه قوله تعالى:
    { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ظ±لأَرْضِ وَلاَ فِى ظ±لسَّمَاء }
    [يونس: 61] الآية رجوع الضمير إلى الله عز وجل. والذي ذهب إليه أبو حيان أن الكتاب ليس هو اللوح وليس الكلام إلا كناية عن ضبط الشيء والتحفظ به.

    الجوهرة الخامسة والعشرون بعد الخمسمائة


    {*أَوَلَـيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ*}

    قال السمين

    والضميرُ في " مِثْلهم " قيل: عائدٌ على الناسِ؛ لأنهم هم المخاطبونَ. وقيل: على السماواتِ والأرض لتضمُّنِهم مَنْ يَعْقِلُ


    الجوهرة السادسة والعشرون بعد الخمسمائة

    وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ }

    قال السمين

    قوله: " كُلٌّ له " أي: كلٌّ من الجبالِ والطيرِ لداودَ. أي: لأجلِ تسبيحِه مُسَبِّح، فوضَع " أوَّاب " موضعَ مُسَبِّح. وقيل: الضمير للباري تعالى، والمرادُ كلٌّ مِنْ داودَ والجبالِ والطيرِ مُسَبِّح ورَجَّاع لله تعالى

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة السابعة والعشرون بعد الخمسمائة


    {*وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ*}

    قال السمين

    قوله: { وَآخَرُ }: قرأ أبو عمروٍ بضمِّ الهمزةِ على أنه جمع. وارتفاعُه من أوجهٍ، أحدها: أنه مبتدأٌ، و " من شَكْلِه " خبرُه، و " أزواجٌ " فاعلٌ به. الثاني: أنْ يكونَ مبتدأ أيضاً، و " مِنْ شكلِه " خبرٌ مقدَّمٌ، و " أزواج " مبتدأٌ والجملةُ خبرُه، وعلى هذين فيقال: كيف يَصِحُّ مِنْ غير ضميرٍ يعودُ على أُخَر، فإن الضميرَ في " شكله " يعودُ على ما تقدَّم أي: مِنْ شكل المَذُوق؟ والجوابُ: أن الضميرَ عائدٌ على المبتدأ، وإنما أُفْرد وذُكِّر لأنَّ المعنى: مِنْ شكلِ ما ذَكَرْنا. ذكر هذا التأويلَ أبو البقاءِ. وقد منع مكي ذلك لأجل الخُلُوِّ من الضمير، وجوابُه ما ذكرته لك. الثالث: أن يكون " مِنْ شكله " نعتاً لـ أُخَر، وأزواج خبر المبتدأ أي: وأُخر من شكل المذوق أزواج. الرابع: أن يكون " من شكله نعتاً أيضاً، وأزواجٌ فاعل به، والضميرُ عائدٌ على أُخَر بالتأويل المتقدم، وعلى هذا فيرتفعُ " أُخَرُ " على الابتداء، والخبرُ مقدرٌ أي: ولهم أنواعٌ أُخَرُ، استقرَّ مِنْ شكلها أزواجٌ. الخامس: أنْ يكونَ الخبر مقدراً كما تقدَّم أي: ولهم أُخَرُ، ومِنْ شكلِه وأزواج صفتان لـ أُخَر.

    وقرأ العامَّة " مِنْ شَكْلِه " بفتح الشين، وقرأ مجاهد بكسرِها، وهما لغتان بمعنى المِثْل والضرب. تقولُ: هذا على شَكْلِه أي: مِثْله وضَرْبه. وأما الشِّكْلُ بمعنى الغُنْج فالبكسر لا غير، قاله الزمخشري.

    وقرأ الباقون " وآخَرُ " بفتح الهمزة وبعدها ألفٌ بصيغةِ أَفْعَل التفضيل، والإِعرابُ فيه كما تقدَّم. والضمير في أحدِ الأوجه يعودُ عليه مِنْ غيرِ تأويل لأنه مفردٌ. إلاَّ أنَّ في أحد الأوجه يَلْزَمُ الإِخبارُ عن المفردِ بالجمع أو وَصْفُ المفردِ بالجمع؛ لأنَّ مِنْ جملة الأوجهِ المتقدمةِ أنْ يكونَ " أزواج " خبراً عن " آخر " أو نعتاً له كما تقدَّم. وعنه جوابان، أحدُهما: أن التقديرَ: وعذابٌ آخرُ أو مَذُوقٌ، وهو ضُروب ودرجاتٌ فكان في قوةِ الجمع. أو يُجْعَلُ كلُّ جزءٍ من ذلك الآخرِ مثلَ الكلِّ، وسمَّاه باسمِه وهو شائعٌ كثيرٌ نحو: غليظ الحواجب، وشابَتْ مفارِقُه. على أنَّ لقائلٍ أنْ يقولَ: إنَّ أزواجاً صفةٌ لثلاثةِ الأشياءِ المتقدِّمة، أعني الحميم والغَسَّاق وآخرُ مِنْ شكلِه فيُلْغى السؤالُ.


    الجوهرة الثامنة والعشرون بعد الخمسمائة

    ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }

    قال السمين

    والمعنى: هل يَسْتويان فيما يَرْجِعُ إلى الوصفيَّة كما تقول: كفى بهما رجلين ".

    قال الشيخ: " والظاهرُ أنه يعود الضميرُ في " يَسْتَويان " على " رَجُلَيْن ". وأمَّا إذا جَعَلْتَه/ عائداً إلى المِثْلَيْنِ اللذيْن ذَكَرَ أنَّ التقديرَ: مِثْلَ رجلٍ ومِثْلَ رجلٍ؛ فإنَّ التمييزَ يكون إذ ذاك قد فُهِمَ من المميَّز الذي هو الضميرُ؛ إذ يصيرُ التقدير: هل يَسْتوي المِثْلان مِثْلين ". قلت: هذا لا يَضُرُّ؛ إذ التقديرُ: هل يَسْتوي المِثْلان مِثْلَيْن في الوصفيةِ فالمِثْلان الأوَّلان مَعْهودان، والثانيان جنسان مُبْهمان كما تقول: كَفَى بهما رجلَيْن؛ فإنَّ الضميرَ في " بهما " عائدٌ على ما يُراد بالرجلين فلا فَرْقَ بين المسألتين. فما كان جواباً عن " كفَى بهما رجلين " يكونُ جواباً له

    الجوهرة التاسعة والعشرون بعد الخمسمائة

    إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ }

    قال السمين

    قوله: { إِذْ جَآءَتْهُمُ }: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه ظرفٌ لـ " أَنْذَرْتُكم " نحو: لَقِيْتُك إذ كان كذا. الثاني: أنه منصوبٌ بصاعقةٍ لأنَّها بمعنى العذاب أي: أنذرتُكم العذابَ الواقعَ في وقتِ مجيْءِ رسُلِهم. الثالث: أنه صفةٌ لـ " صاعِقَة " الأولى. الرابع: أنه حالٌ من " صاعقة " الثانية، قالهما أبو البقاء وفيهما نظرٌ؛ إذ الظاهرُ أنَّ الصَّاعقةَ جثةٌ وهي قطعةُ نارٍ تَنْزِلُ من السماء فتحرقُ، كما تقدَّمَ في تفسيرِها أولَ هذا التصنيفِ؛ فلا يقعُ الزمانُ صفةً لها ولا حالاً عنها، وتأويلُها بمعنى العذابِ إخراجٌ لها عن مدلولِها مِنْ غيرِ ضرورةٍ، وإنما جعلَها وَصْفاً للأولى لأنها نكرةٌ، وحالاً مِن الثانية لأنها معرفةٌ لإِضافتها إلى عَلَم، ولو جعلها حالاً من الأولى؛ لأنها تخَصَّصَتْ بالإِضافةِ لجاز/ فتعودُ الوجوهُ خمسةً.

    قوله: { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } الظاهرُ أنَّ الضميرَيْن عائدان على عادٍ وثمود. وقيل: الضميرُ في " خَلْفِهم " يعودُ على الرسلِ. واسْتُبْعِد هذا من حيث المعنى؛ إذ يصير التقديرُ: جاءتهم الرسلُ مِنْ خَلْفِ الرسلِ، أي: مِنْ خَلْفِ أنفسِهم. وقد يُجاب عنه: بأنَّه مِنْ باب " دِرْهمٌ ونصفُه " أي: ومن خَلْفِ رسُلٍ آخرين

    قال ابن الجوزى فى تفسير سورة الشورى


    جعل لكم من أنفُسكم } أي: من مِثل خَلْقكم { أزواجاً } نساءً { ومن الأنعام أزواجاً } أصنافاً ذكوراً وإناثاً، والمعنى أنه خلق لكم الذَّكر والأنثى من الحيوان كلِّه { يذرؤكم } فيها ثلاثة أقوال:

    أحدها: يخلُقكم، قاله السدي.

    والثاني: يُعيِّشكم، قاله مقاتل.

    والثالث: يكثِّركم، قاله الفراء. و[في قوله] (فيه) قولان.

    أحدهما: أنها على أصلها، قاله الأكثرون. فعلى هذا في هاء الكناية ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنها ترجع إلى بطون الإناث وقد تقدم ذكر الأزواج، قاله زيد بن أسلم. فعلى هذا يكون المعنى: يخلُقكم في بطون النساء، وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة، فقال: يخلُقكم في الرَّحِم أو في الزَّوج، وقال ابن جرير: يخلُقكم فيما جعل لكم من أزواجكم، ويعيِّشكم فيما جعل لكم من الأنعام.

    والثاني: أنها ترجع إلى الأرض، قاله ابن زيد؛ فعلى هذا يكون المعنى: يذرؤكم فيما خلق من السموات والأرض.

    والثالث: أنها ترجع إلى الجَعْل المذكور؛ ثم في معنى الكلام قولان.

    أحدهما: يعيِّشكم فيما جعل من الأنعام، قاله مقاتل.

    والثاني: يخلُقكم في هذا الوجه الذي ذكر مِنْ جَعْلِ الأزواج قاله الواحدي.

    والقول الثاني: أن " فيه " بمعنى " به "؛ والمعنى يكثرِّكم بما جعل لكم، قاله الفراء والزجاج.

    الجوهرة الثلاثون بعد الخمسمائة

    *وَالَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ*}

    قال السمين

    قوله: { وَظ±لَّذِينَ يُحَآجُّونَ }: مبتدأٌ و " حُجَّتُهم " مبتدأٌ ثانٍ، و " داحِضَةٌ " خبرُ الثاني، والثاني وخبرُه خبرٌ عن الأول. وأعربَ مكيٌّ " حُجَّتُهم " بدلاً/ من الموصول بدلَ اشتمال. والهاءُ في " له " تعودُ على الله أو على الرسول عليه السلام أي: مِنْ بعدِ ما استجاب الناسُ لله تعالى، أو مِنْ بعدِما استجاب اللَّهُ لرسولِه حين دعا على قومِه

    الجوهرة الواحدة والثلاثون بعد الخمسمائة

    {*وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ*}

    قال اللالوسي

    { وَإِنَّهُمْ } أي الشياطين الذين قيض وقدر كل واحد منهم لكل واحد ممن يعشو { لَيَصُدُّونَهُمْ } أي ليصدون قرناءهم وهم الكفار المعبر عنهم بمن يعش. وجمع ضمير الشيطان لأن المراد به الجنس، وجمع ضمير من رعاية لمعنى كما أفرد أولاً رعاية للفظ. وفي «الانتصاف» أن في هذه الآية نكتتين بديعتين الأولى الدلالة على أن النكرة الواقعة في سياق الشرط تفيد العموم وهي مسألة اضطرب فيها الأصوليون وإمامُ الحرمين من القائلين بإفادتها العموم حتى استدرك على الأئمة إطلاقهم القول بأن النكرة في سياق الإثبات تخص، وقال إن الشرط يعم النكرة في سياقه تعم وقد رد عليه الفقيه أبو الحسن / علي الأبياري شارح كتابه رداً عنيفاً، وفي هذه الآية للإمام ومن قال بقوله كفاية، وذلك أن الشيطان ذكر فيها منكراً في سياق شرط ونحن نعلم أنه إنما أريد عموم الشياطين لا واحد لوجهين أحدهما أنه قد ثبت أن لكل أحد شيطاناً فكيف بالعاشي عن ذكر الله تعالى والآخر من الآية وهو أنه أعيد عليه الضمير مجموعاً في قوله تعالى: { وَإِنَّهُمْ } فإنه عائد إلى الشيطان قولاً واحداً ولولا إفادته عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع عليه بلا إشكال، فهذه نكتة تجد عند إسماعها لمخالفي هذا الرأي سكتة.

    والنكتة الثانية أن فيها رداً على من زعم أن العود على معنى من يمنع من العود على لفظها بعد ذلك واحتج لذلك بأنه إجمال بعد تفسير، وهو خلاف المعهود من الفصاحة وقد نقض ذلك الكندي وغيره بآيات، واستخرج جدي من هذه الآية نقض ذلك أيضاً لأنه أعيد الضمير على اللفظ في { يَعْشُ } وَ { لَهُ } وعلى المعنى في { لَيَصُدُّونَهُمْ } ثم على اللفظ في
    {*حَتَّىظ° إِذَا جَاءنَا*}
    [الزخرف: 38] وقد قدمت أن الذي منع قد يكون اقتصر بمنعه على مجيء ذلك في جملة واحدة وأما إذا تعددت الجمل واستقلت كل بنفسها فقد لا يمنع ذلك انتهى.

    وفي كون ضمير { إِنَّهُمْ } عائداً على الشيطان قولاً واحداً نظر، فقد قال أبو حيان: الظاهر أن ضمير النصب في { إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ } عائد على من على المعنى وهو أولى من عود ضمير { إِنَّهُمْ } على الشيطان كما ذهب إليه ابن عطية لتناسق الضمائر في { إِنَّهُمْ } وما بعده فلا تغفل.

    الجوهرة الثانية والثلاثون بعد الخمسمائة

    *وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ }

    قال السمين

    قوله: { وَإِذْ صَرَفْنَآ }: منصوبٌ بـ اذْكُرْ مقدَّراً. وقُرِئ " صَرَّفْنا " بالتشديدِ للتكثيرِ. " من الجنِّ " صفةٌ لـ " نَفَراً " ، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ " صَرَفْنا " ، و " مِنْ " لابتداءِ الغايةِ.

    قوله: " يَسْتَمِعُون " صفةٌ أيضاً لـ " نَفَراً " أو حالٌ لتخصُّصهِ بالصفةِ، إنْ قلنا: إنَّ " مِنَ الجنِّ " صفةٌ له، وراعى معنى النَّفر، فأعاد عليه الضميرَ جمعاً، ولو راعَى لفظَه وقال: " يَسْتمع " لَجاز.

    قوله: " فلَمَّا حَضَرُوْه " يجوزُ أَنْ تكونَ الهاءُ للقرآنِ، وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ للرسولِ عليه السلام، وحينئذٍ يكونُ في الكلام التفاتٌ مِنْ قولِه: " إليك " إلى الغَيْبَةِ في قولِه: " حَضَرُوه ".

    قوله: " قُضِي " العامَّةُ على بنائِه للمفعولِ أي: فَرَغَ [مِنْ] قراءةِ القرآنِ، وهو يُؤَيِّدُ عَوْدَ هاء " حَضَروه " على القرآن. وأبو مجلز. وحبيب بن عبد الله " قَضَى " مبنياً للفاعلِ أي: أتَمَّ الرسولُ قراءتَه، وهي تؤيِّدُ عَوْدَها على الرسولِ عليه السلام

  5. #20
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة الثالثة والثلاثون بعد الخمسمائة

    { وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

    قال السمين

    قوله: { فَأَنفُخُ فِيهِ } في هذا الضميرِ ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه عائدٌ على الكافِ، لأنها اسمٌ عند مَنْ يَرى ذلك أي: أَنفُخ في مثلِ هيئةِ الطيرِ. الثاني: أنه عائدٌ على " هيئةِ " لأنها في معنى الشيءِ المُهَيَّأ، فلذلك عادَ الضميرُ عليها مذكَّراً، وإنْ كانَتْ مؤنثةً، اعتباراً بمعناها دونَ لفظِها، ونظيرُه قولُه تعالى:
    { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ }
    [النساء: 8] ثم قال: { فَظ±رْزُقُوهُمْ مِّنْهُ } فأعادَ الضمير في: " منه " على القسمةِ لمَّا كانَتْ بمعنى المقسومِ. الثالث: أنه عائدٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ أي: فَأَنْفُخُ في ذلك الشيءِ المماثلِ لهيئة الطير.

    الرابع: أنه عائدٌ على ما وَقَعَتِ الدلالةُ عليه في اللفظ وهو " أني أخلقُ " ويكونُ الخَلْقُ بمنزلةِ المخلوق. الخامس: أنه عائدٌ على ما دَلَّت عليه الكافُ مِنْ معنى المِثْل، لأنَّ المعنى: أخلُق من الطين مثلَ هيئةِ الطير، وتكونُ الكافُ في موضعِ نصبٍ على أنه صفةٌ للمصدرِ المرادِ تقديرُه: أني أخلُق لكم خلقاً مثلَ هيئةِ الطيرِ، قاله الفارسي وقد تقَدَّم الكلامُ معه في ذلك. السادس: أنه عائدٌ على الطينِ قاله أبو البقاء. وهذا الوجهُ قد أفسده الواحدي فإنه قال: " ولا يجوزُ أَنْ تعودَ الكناية على الطينِ لأنَّ النفخَ إنما يكونُ في طينٍ مخصوص، وهو ما كانَ مُهَيَّأً منه، والطينُ المتقدِّم ذكرُه عام فلا تعودُ إليه الكناية، ألا ترى أنه لا ينفخ جميعَ الطين، وفي هذا الردِّ نظرٌ، إذ لقائلٍ أن يقولَ: لا نُسَلِّم عمومَ الطينِ المتقدِّم، بل المرادُ بعضُه، ولذلك أدخلَ عليه " مِنْ " التي تقتضي التبعيضَ، وإذا صارَ المعنى: " أني أخلقُ بعض الطين " عاد الضميرُ عليه من غير إشكال، ولكن الواحدي جَعَلَ " مِنْ " في " من الطين " لابتداءِ الغاية وهو الظاهرُ. قال الشيخ: " وقد قرأ بعضُ القراء: " فأنفخُها " أعادَ الضميرَ على الهيئة المحذوفة، إذ يكونُ التقدير: هيئةً كهيئةِ الطيرِ، أو على الكاف على المعنى، إذ هي بمعنى: مماثلةً هيئةَ الطيرِ، فيكونُ التأنيثُ هنا كما هو في آية المائدة في قوله: { فَتَنفُخُ فِيهَا } فتكونُ هذه القراءةُ قد حُذِفَ حرفُ الجرِّ منها كقولِه:
    1297ـ ما شُقَّ جيبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ ولا بَكَتْكَ جيادٌ عند إسْلابِ
    وقول النابغة:
    1298ـ....................... كالهِبْرِقيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الفَحْما
    يريد: ولا قامَتْ عليك، وينفخُ في الفحم، وقال: " وهي قراءةُ شاذة نقلها الفراء " ، وعجبت منه كيف لم يَعْزُها، وقد عَزاها صاحبُ " الكشاف " إلى عبدالله قال: وقرأ عبدالله: " فأنفخُها " وأنشد:
    " كــالهِـبْــــرِقــيِّ تَـنَـــحَّـــــــــى ".....

    فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ }

    قوله تعالى: { فَمَنْ حَآجَّكَ }: يجوز في " مَنْ " وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطيةً وهو الظاهر أي: إنْ حاجَّك أحدٌ فقلْ له: كيتَ وكيتَ، ويجوز أَنْ تكونَ موصولةً بمعنى الذي، وإنما دَخَلَتِ الفاءُ في الخبر لتضمُّنه معنى الشرط. والمُحاجَّة مُفاعلة وهي من اثنين، وكان الأمر كذلك.

    قوله: " فيه " متعلق بحاجَّك أي: جادَلك في شأنه، والهاء فيه وجهان، أظهرهما: عَوْدُها على عيسى عليه السلام. والثاني عَوْدُها على الحق، و قد يتأيَّد هذا بأنه أقربُ مذكورٍ، إلاَّ أنَّ الأول أظهرُ لأن عيسى هو المُحَدَّث عنه وهو صاحب القصة.

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة الرابعة والثلاثون بعد الخمسمائة

    إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ }

    قال السمين

    قوله: " وأَمْلَى " العامَّةُ على " أَمْلَى " مبنياً للفاعل، وهو ضمير الشيطان. وقيل: هو للباري تعالَى. قال أبو البقاء: " على الأول يكونُ معطوفاً على الخبر، وعلى الثاني يكونُ مُسْتأنفاً ". ولا يَلْزَمُ ما قاله بل هو معطوفٌ على الخبر في كلا التقديرَيْن، أخبر عنهم بهذا وبهذا. وقرأ أبو عمروٍ في آخرين " أُمْلِيَ " مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامَ الفاعلِ الجارُّ. وقيل: القائم مَقامَه ضميرُ الشيطان، ذكره أبو البقاء، ولا معنى لذلك. وقرأ يَعْقُوبُ وسلام ومجاهد/ " وأُمْلِيْ " بضمِ الهمزةِ وكسرِ اللام وسكونِ الياءِ. فاحتملَتْ وجهَيْن، أحدُهما: أَنْ يكونَ مضارعاً مُسْنداً لضمير المتكلم أي: وأُمْلِي أنا لهم، وأَنْ يكونَ ماضياً كقراءة أبي عمروٍ سُكِّنَتْ ياؤه تخفيفاً. وقد مضى منه جملةٌ

    الجوهرة الخامسة والثلاثون بعد الخمسمائة

    إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىوَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }

    قال السمين

    قوله: " وكانوا أحَقَّ " الضميرُ يجوزُ أَنْ يعودَ على المؤمنين، وهو الظاهر أي: أحقَّ بكلمةِ التقوى من الكفار. وقيل: يعودُ على الكفار/ أي: كانت قُرَيْشٌ أَحَقَّ بها لولا حِرْمانُهم

    الجوهرة السادسة والثلاثون بعد الخمسمائة

    مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } * { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى}

    قال السمين

    وقوله: { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ }: هذا جوابُ القسم. و " عن الهوى " أي ما يَصْدُرُ عن الهوى نُطْقُه فـ " عن " على بابِها. وقيل: هي بمعنى الباء. وفي فاعِل " يَنْطِق " وجهان، أحدُهما: هو ضميرُ النبيِّ عليه السلام، وهو الظاهرُ. والثاني: أنه ضميرُ القرآنِ كقولِه:
    { هَـظ°ذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِظ±لْحَقِّ }
    [الجاثية: 29].

    الجوهرة السابعة والثلاثون بعد الخمسمائة

    ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى }

    قال السمين

    قوله: { ثُمَّ يُجْزَاهُ }: يجوزُ فيه وجهان، أظهرهما: أنَّ الضميرَ المرفوعَ عائدٌ على الإِنسان، والمنصوبَ عائدٌ على سعيه. والجزاء مصدرٌ مبيِّنٌ للنوع. والثاني: قال الزمخشريُّ: " ويجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ للجزاء، ثم فَسَّره بقولِه " الجزاءَ " ، أو أبدلَه عنه كقولِه:
    { وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ }
    [الأنبياء: 3]. قال الشيخ: " وإذا كان تفسيراً للضميرِ المنصوبِ في " يُجْزاه " فعلى ماذا ينتصِبُ، وأمَّا إذا كان بدلاً فهو مِنْ بدلِ الظاهرِ/ من المضمرِ، وهي مسألةُ خلافٍ والصحيحُ المنعُ ".

    قلت: العجبُ كيف يقولُ: فعلى ماذا ينتصِبُ؟ وانتصابُه من وجهَيْن، أحدُهما: ـ وهو الظاهرُ البيِّن - أنْ يكونَ عطفَ بيانٍ، وعطفُ البيانِ يَصْدُقُ عليه أنه مُفَسِّرٌ، وهي عبارةٌ سائغةٌ شائعةٌ. والثاني: أَنْ ينتصِبَ بإضمار أَعْني، وهي عبارةٌ سائغةٌ أيضاً يُسَمُّون مثلَ ذلك تفسيراً. وقد مَنَعَ أبو البقاء أن ينتصِبَ الجزاء الأَوْفى على المصدرِ، فقال: " الجزاءَ الأوفى هو مفعولُ " يُجْزاه " وليس بمصدرٍ لأنَّه وَصَفَه بالأَوْفى، وذلك مِنْ صفةِ المَجْزِيِّ به لا من صفةِ الفعلِ ". قلت: وهذا لا يَبْعُدُ عن الغلطِ؛ لأنه يلزَمُ أَنْ يتعدَّى يُجْزى إلى ثلاثةِ مفاعيل. بيانه: أنَّ الأولَ قام مقامَ الفاعلِ،

    والثاني: الهاءُ التي هي ضميرُ السعي، والثالث: الجزاءَ الأوفى. وأيضاً فكيف يَنْتَظم المعنى؟ وقد يُجاب عنه: بأنه أراد أنه بدلٌ من الهاءِ كما تقدَّم نَقْلُه عن الزمخشريَّ فيَصِحُّ أَنْ يُقالَ: هو مفعولُ " يُجْزاه " ، فلا يتعدَّى لثلاثةٍ حينئذٍ، إلاَّ أنه بعيدٌ مِنْ غَرَضِه، ومثلُ هذا إلغازٌ. وأمَّا قولُه: " والأوفى ليس من صفات الفعل " ممنوعٌ، بل هو من صفاتِه مجازٌ، كما يُوْصف به المجزيُّ به مجازاً، فإن الحقيقةَ في كليهما منتفيةٌ، وإنما المُتَّصِفُ به حقيقةُ المُجازَى

    الجوهرة الثامنةوالثلاثون بعد الخمسمائة

    مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَظ°بٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ*}

    قال الالوسي

    { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } أي نائبة أيّ نائبة وأصلها في الرمية وهي من أصاب السهم إذا وصل إلى المرمى بالصواب ثم خصت بها. وزعم بعضهم أنها لغة عامة في الشر والخير وعرفاً خاصة بالشر. و { مِنْ } مزيدة للتأكيد، وأصاب جاء في الشر كما هنا، وفي الخير كقوله تعالى:
    {*وَلَئِنْ أَصَـظ°بَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله*}
    [النساء: 73] وذكر بعضهم أنه يستعمل في الخير اعتباراً بالصوب أي بالمطر وفي الشر اعتباراً بإصابة السهم، وكلاهما يرجعان إلى أصل وتذكير الفعل في مثل ذلك جائز كتأنيثه، وعليه قوله تعالى:
    {*مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا*}
    [الحجر: 5] والكلام على العموم لجميع الشرور أي مصيبة أيّ مصيبة { فِى ظ±لأَرْضِ } كجدب وعاهة في الزرع والثمار وزلزلة وغيرها { وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } كمرض وآفة كالجرح والكسر { إِلاَّ فِى كِتَـظ°بٍ } أي إلا مكتوبة مثبتة في اللوح المحفوظ، وقيل: في علم الله عز وجل. { مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } أي نخلقها، والضمير على ما روي عن ابن عباس وقتادة والحسن وجماعة للأنفس، وقيل: للأرض، واستظهر أبو حيان كونه للمصيبة لأنها هي المحدث عنها، وذكر الأرض والأنفس إنما هو على سبيل ذكر محلها، وذكر المهدوي جواز عوده على جميع ما ذكر، وقال جماعة: يعود على المخلوقات وإن لم يجر لها ذكر.



    الجوهرة التاسعة والثلاثون بعد الخمسمائة


    { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـظ°ئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـظ°ئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }

    قال السمين

    قوله: { يُوَآدُّونَ }: هو المفعولُ الثاني لـ " تَجِدُ " ويجُوز أَنْ تكونَ المتعديةَ لواحدٍ بمعنى صادَفَ ولقي، فيكون " يوادُّون ". حالاً أو صفةً لـ " قوماً ". والواوُ في " ولو كانوا " حاليةٌ وتقدم تحريرُه غيرَ مرة. وقدَّم أولاً الآباءَ لأنهم تجبُ طاعتُهم على أبناءِهم، ثم ثّنَّى بالأبناءِ لأنهم أَعْلَقُ بالقلوب وهم حَبَّاتُها:
    4241ـ فإنما أَوْلادُنا بَيْنَا أكبادُنا تَمْشِي على الأرضِ
    الأبياتُ المشهورة في الحماسةِ، ثَلَّثَ بالإِخوان لأنهم هم الناصرُون بمنزلة العَضُدِ من الذِّراع. قال:
    4242ـ أخاك أخاك إنَّ مِنْ لا أخا له كساعٍ إلى الهَيْجا بغيرِ سلاحِ
    وإنَّ ابنَ عمِّ المَرْءِ فاعْلَمْ جناحُه وهل ينهَضُ البازي بغير جَناح؟
    ثم رَبَّع بالعشيرةِ، لأنَّ بها يسْتغاثُ، وعليها يُعْتمد. قال:
    4243ـ لا يَسْألون أخاهم حين يَنْدُبُهُم في النائباتِ على ما قال بُرْهانا
    وقرأ أبو رجاء " عشيراتِهم " بالجمع، كما قرأها أبو بكر في التوبة كذلك. وقرأ العامَّةُ " كَتَبَ " مبنياً للفاعل وهو اللَّهُ تعالى، " الإِيمانَ " نصباً وأبو حيوةَ وعاصمٌ في رواية المفضل " كُتِبَ " مبنياً للمفعول، " الإِيمانُ " رفعٌ به. والضميرُ في " منه " للَّهِ تعالى. وقيل: يعودُ على الإِيمان؛ لأنه رُوحٌ يَحْيا به المؤمنون في الدارَيْنِ


    الجوهرة الاربعون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى سورة الطلاق

    فَسَتُرْضِعُ } قيل: هو خبرٌ في معنى الأَمْر. والضمير في " له " للأبِ كقولِه: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } ، والمفعولُ محذوفٌ للعِلْمِ به، أي: فسترضعُ الولدَ لوالدِه امرأةٌ أخرى. والظاهرُ أنه خبرٌ على بابِه.

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة الواحدة و الاربعون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي فى سورة التحريم

    فَنَفَخْنَا فِيهِ } النافخ رسوله تعالى وهو جبريل عليه السلام فالإسناد مجازي، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي فنفخ رسولنا، وضمير { فِيهِ } للفرج، واشتهر أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج. وروي ذلك عن قتادة، وقال الفراء: ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها وهو محتمل لأن الفرج معناه في اللغة كل فرجة بين الشيئين، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها فهي للنفس أمنع، وفي «مجمع البيان» عن الفراء أن المراد منعت جيب درعها عن جبريل عليه السلام، وكان ذلك على ما قيل: قولها
    {*إِنّى أَعُوذُ بِظ±لرَّحْمَـظ°نِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً*}
    [مريم: 18] وأفاد كلام البعض أن { أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } على ما نقل أولاً عن الفراء كناية عن العفة نحو قولهم: هو نقي الجيب طاهر الذيل. وجوز في ضمير { فِيهِ } رجوعه إلى الحمل، وهو عيسى عليه السلام المشعر به الكلام، وقرأ عبد الله ـ فيها ـ كما في الأنبياء [91] فالضمير لمريم....

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير


    قوله تعالى: { والتي أحصنت فرجها } قد ذكرنا فيه قولين في سورة [الأنبياء:92] فمن قال: هو فرج ثوبها، قال «الهاء» في قوله تعالى: { فنفخنا فيه } يرجع إليه، وذلك أن جبريل مَدَّ جيب درعها، فدخل فيه. ومن قال: هو مخرج الولد، قال: «الهاء» كناية عن غير مذكور، لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها.


    الجوهرة الثانية و الاربعون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي فى سورة الحاقة

    { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ } أي فوق الملائكة الذين على الأرجاء المدلول عليهم بالملك، وقيل فوق العالم كلهم، وقيل الضمير يعود على الملائكة الحاملين أي يحمل عرش ربك فوق ظهورهم أو رؤسهم

    وقال السمين

    قوله: { عَلَىظ° أَرْجَآئِهَآ }: خبرُ المبتدأ. والضميرُ للسماء. وقيل: للأرض


    الجوهرة الثالثة والاربعون بعد الخمسمائة

    قال الطبري

    وقوله: { يُبَصَّرُونَهُمْ } اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالهاء والميم في قوله { يُبَصَّرُونَهُمْ } فقال بعضهم: عُني بذلك الأقرباء أنهم يعرّفون أقربائهم، ويعرّف كلّ إنسان قريبه، فذلك تبصير الله إياهم.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يُبَصَّرُونَهُمْ } قال: يعرَف بعضهم بعضاً، ويتعارفون بينهم، ثم يفرّ بعضهم من بعض، يقول:
    { لكُلّ امْرِىْ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شأْنٌ يُغْنِيِهِ }


    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { يُبَصَّرُونَهُمْ } يعرّفونهم يعلمون، والله ليعرِّفنَّ قوم قوماً، وأناس أناساً.

    وقال آخرون: بل عُنِي بذلك المؤمنون أنهم يبصرون الكفار.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { يُبَصَّرُونَهُمْ } المؤمنون يبصرون الكافرين.

    وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الكفار الذين كانوا أتباعاً لآخرين في الدنيا على الكفر، أنهم يعرفون المتبوعين في النار.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { يُبَصَّرونَهُمْ } قال: يبصرون الذين أضلوهم في الدنيا في النار.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: معنى ذلك: ولا يسأل حميم حميماً عن شأنه، ولكنهم يبصرونهم فيعرفونهم، ثم يفرّ بعضهم من بعض، كما قال جلّ ثناؤه:
    { يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرْىءٍ منهم يَوْمَئِذٍ شأْنٌ يُغْنِيهِ }


    وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالصواب، لأن ذلك أشبهها بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله: { يُبَصَّرُونَهُمْ } تلا قوله: { وَلا يَسألُ حَميمٌ حَميماً } فلأن تكون الهاء والميم من ذكرهم أشبه منها بأن تكون من ذكر غيرهم.

    الجوهرة الرابعة و الاربعون بعد الخمسمائة

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير

    وفي قوله تعالى: { فزادوهم رهقاً } قولان.

    أحدهما: أن الإنس زادوا الجن رهقاً لتعوُّذهم بهم، قاله مقاتل. والمعنى: أنهم لما استعاذوا بسادتهم قالت السادة: قد سدنا الجن والإنس.

    والثاني: أن الجن زادوا الإنس رَهَقاً، ذكره الزجاج. قال أبو عبيدة: زادوهم سَفَهَاً وطغياناً. وقال ابن قتيبة: زادوهم ضلالاً. وأصل الرهق: العيب. ومنه يقال: فلان يرهق في دينه.

    الجوهرة الخامسة و الاربعون بعد الخمسمائة

    {*بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ*}

    قال السمين

    ومفعولُ " يريد " محذوفٌ يَدُلُّ عليه التعليلُ في قوله: " ليَفْجُرَ أمامَه " والتقدير: يريد شَهَواتِه ومعاصِيَه ليمضيَ فيها أبداً دائماً و " أمامَه " منصوبٌ على الظرفِ، وأصلُه مكانٌ فاسْتُعير هذا للزمان. والضميرُ في " أمامَه " الظاهر عَوْدُه على الإِنسان. وقال ابن عباس: " يعودُ على يوم القيامة بمعنى: أنه يريد شهواتِه ليَفْجُرَ في تكذيبِه بالبعث بين يَدَيْ يومِ القيامة*



    الجوهرة السادسة والاربعون بعد الخمسمائة

    *أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى} **{*أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى}

    قال الرازى

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: { أَرَأَيْتَ } خطاب لمن؟ فيه وجهان الأول: أنه خطاب للنبي عليه السلام، والدليل عليه أن الأول وهو قوله: { أَرَأَيْتَ ظ±لَّذِى يَنْهَىظ° * عَبْداً } للنبي صلى الله عليه وسلم والثالث وهو قوله:
    {*أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىظ°*}
    [العلق:13] للنبي عليه الصلاة والسلام فلو جعلنا الوسط لغير النبي لخرج الكلام عن النظم الحسن، يقول الله تعالى يا محمد: أرأيت إن كان هذا الكافر، ولم يقل: لو كان إشارة إلى المستقبل كأنه يقول: أرأيت إن صار على الهدى، واشتغل بأمر نفسه، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة، فلو اختار الدين والهدى والأمر بالتقوى، أما كان ذلك خيراً له من الكفر بالله والنهي عن خدمته وطاعته، كأنه تعالى يقول: تلهف عليه كيف فوت على نفسه المراتب العالية وقنع بالمراتب الدنيئة. القول الثاني: أنه خطاب للكافر، لأن الله تعالى كالمشاهد للظالم والمظلوم، وكالمولى الذي قام بين يديه عبدان، وكالحاكم الذي حضر عنده المدعي، والمدعى عليه فخاطب هذا مرة، وهذا مرة. فلما قال للنبي:
    {*أَرَأَيْتَ ظ±لَّذِى يَنْهَىظ° * عَبْداً إِذَا صَلَّىظ°*}
    [العلق: 9] التفت بعد ذلك إلى الكافر، فقال: أرأيت يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمراً بالتقوى أتنهاه مع ذلك....

    *أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى}

    وفيه قولان. القول الأول: أنه خطاب مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك لأن الدلائل التي ذكرها في أول هذه السورة جلية ظاهرة، وكل أحد يعلم ببديهة عقله، أن منع العبد من خدمة مولاه فعل باطل وسفه ظاهر، فإذن كل من كذب بتلك الدلائل وتولى عن خدمة مولاه بل منع غيره عن خدمة مولاه يعلم بعقله السليم أنه على الباطل، وأنه لا يفعل ذلك إلا عناداً، فلهذا قال تعالى لرسوله: أرأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة، وتولى عن خدمة خالقه، ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة ويعلمها، أفلا يزجره ذلك عن هذه الأعمال القبيحة والثاني: أنه خطاب للكافر، والمعنى إن كان يا كافر محمد كاذباً أو متولياً، ألا يعلم بأن الله يرى حتى ينتهي بل احتاج إلى نهيك

    وقال ابو حيان فى البحر المحيط

    والخطاب في { أرأيت } الظاهر أنه للرسول صلى الله عليه وسلم، وكذا { أرأيت } الثاني، والتناسق في الضمائر هو الذي يقتضيه النظم. وقيل: { أرأيت } خطاب للكافر التفت إلى الكافر فقال: أرأيت يا كافر، إن كانت صلاته هدى ودعاء إلى الله وأمراً بالتقوى، أتنهاه مع ذلك؟ والضمير في { إن كان } ، وفي { إن كذب } عائد على الناهي. قال الزمخشري: ومعناه أخبرني عن من ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله، وكان آمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدّين الصحيح، كما نقول نحن.

    { ألم يعلم بأن الله يرى } ، ويطلع على أحواله من هداة وضلالة، فيجازيه على حسب ذلك، وهذا وعيد، انتهى. وقال ابن عطية: الضمير في { إن كان على الهدى } عائد على المصلي، وقاله الفراء وغيره. قال الفراء: المعنى { أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى } ، وهو على الهدى وأمر بالتقوى، والناهي مكذب متول عن الذكر، أي فما أعجب هذا ألم يعلم أبو جهل بأن الله تعالى يراه ويعلم فعله؟ فهذا تقرير وتوبيخ، انتهى. وقال: من جعل الضمير في { إن كان } عائداً على المصلي، إنما ضم إلى فعل الصلاة الأمر بالتقوى، لأن أبا جهل كان يشق عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن: الصلاة والدعاء إلى الله تعالى، ولأنه كان صلى الله عليه وسلم لا يوجد إلا في أمرين: إصلاح نفسه بفعل الصلاة، وإصلاح غيره بالأمر بالتقوى.

    فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَالهَزْمُ }: أصلُه الكَسْر، ومنه " سِقاء مُتَهَزِّم " و " قَصَبٌ متهزِّمٌ " أي متكسِّر. قوله: " بإذنِ الله " فيه الوجهانِ المتقدِّمان أعني كونَه حالاً أو مفعولاً به. و " مِمَّا يشاء " فاعلٌ " يشاء " ضميرُ الله تعالى. وقيل: ضميرُ داود والاولُ أظهرُ

    {*وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً*}

    قال السمين

    قوله تعالى: { أَذَاعُواْ بِهِ }: جواب إذا، وعَيْنُ أذاع ياء لقولهم: ذاع الشيءَ يذِيع، ويُقال: أذاع الشيء أيضاً بمعنى المجرد، ويكونُ متعدياً بنفسه وبالباء، وعليه الآيةُ الكريمة، وقيل: ضَمَّن " أذاع " معنى " تَحَدَّثَ " فَعدَّاه تعديتَه أي: تحدَّثوا به مذيعين له. والإِذاعة: الإِشاعةُ، قال أبو الأسود:1622- أذاعُوا به في الناسِ حتى كأنه***بِعَلْياءِ نار أُوقِدَتْ بثَقُوبوالضميرُ في " به " يجوزُ أن يعودَ على الأمر، وأن يعودَ على الأمن أو الخوفِ؛ لأنَّ العطفَ بـ " أو " ، والضميرُ في " رَدُّوه " للأمر فقط. والاستنباط: الاستخراج، وكذا الإِنباط قال:1623- نَعَمْ صادقاً والفاعلُ القائلُ الذي***إذا قال قَوْلاً أنبطَ الماءَ في الثَّرى/ ويقال: نَبَطَ الماءُ يَنْبطُ بفتحِ الباءِ وضَمِّها، والنَّبَط: الماءُ الذي يَخْرج من البئرِ أولَ حَفْرِها. والنَّبَط أيضاً " جيلٌ من الناس سُمُّوا بذلك لأنهم يستخرجون المياه والنبات. ويقال في الرجل الذي يكون بعيد العِزِّ والمنعة: " ما يَجِدُ عدوُّه له نَبَطاً " قال كعب:1624- قريبٌ ثَراه ما ينال عدوُّه***له نَبَطاً، آبيْ الهوانِ قَطُوبُو " منهم " حال: إمَّا من الذين، أو من الضمير في " يستنبطونه " فيتعلق بمحذوف. وقرأ أبو السمَّال: " لَعَلْمه " بسكون اللام، قال ابن عطية: " هو كتسكين
    {*فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ*}
    [النساء: 65]. وليس مثله؛ لأن تسكين فَعِل بكسر العين مقيسٌ، وتسكينَ مفتوحِها شاذٌّ، ومثلُ تسكين " لَعَلْمه " قوله:1625- فإنْ تَبْلُه يَضْجَرْ كما ضَجْرَ بازِلٌ***من الأُدْمِ دُبْرَتْ صَفْحَتاه وغارِبُهأي: دَبِرت، فسكَّن.

  8. #23
    استاذي شكرا لك ولعلومك

    {*إِنّى أَعُوذُ بِظ±لرَّحْمَـظ°نِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً*}

    ايها الاستاذ الفاضل هل تفكرتم في تصحيح هذا الخطأ الاملائي اين الباء في كلمة بالرحمن
    هل يرجع هذا الشكل من الخط الي تصميم المنتدي هل هناك طريقة للتصحيح
    انا ايضا اكتب بعض ايات القران الكريم يظهر الخط بهذا الشكل
    اكره ذلك كثيرا كثيرا كثيرا
    وما رايتُ ذلك الا في هذا المنتدي الكريم

  9. #24

    والثالث: أن اليهود قالت: إِن الله تعالى تزوّج إِلى الجن فخرجت من بينهم الملائكة، قاله قتادة، وابن السائب.


    ولماذا تتعرض لهذا الرأي المارق ؟

    أنت تثبت للقارئ من هم الجنة ..فتتعرض للآراء التي يمكن أن يكون بعضها صحيحا ، فأى صحة في كلام اليهود ؟

    وإذا كان قاله قتادة، وابن السائب فليس على سبيل اثبات أنه رأى قد يكون صحيحا وإنما لتعريف القارئ بتخبطهم في دينهم ومروقهم عن الحق

    هداك الله




    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  10. #25
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة السابعة والاربعون بعد الخمسمائة

    { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ }: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب " يأمركم " والباقون بالرفع، وأبو عمرو على أصلِهِ من جواز تسكين الراء والاختلاسِ، وهي قراءة واضحة سهلة التخريج والمعنى، وذلك أنها على القطع والاستئناف، أخبر تعالى بأن ذلك الأمرَ لا يقع. والفاعل فيه احتمالان، أحدهما: هو ضميرُ الله تعالى، والثاني هو ضميرُ " بَشَر " الموصوف بما تقدَّم، والمعنى على عَوْدِهِ على " بَشَر " أنه لا يقع مِنْ بشر موصوفٍ بما وُصِف به أَنْ يَجْعَلَ نفسَه رباً فيُعْبَدَ، ولا يأمر أيضاً أن تُعْبَدَ الملائكة والأنبياءُ من دون الله، فانتقى أن يدعوَ الناس إلى عبادة نفسه وإلى عبادة غيره. والمعنى على عَوْده على الله تعالى أنه أخبر أنه لم يأمر بذلك فانتفى أمر الله وأمر أنبيائه بعبادةِ غيره تعالى.

    وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها [أوجه،] أحدُها:...

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ } «أقررتم» من الإقرار، والإصْر والأَصْر لغتان، وهو العهد. والإصر في اللغة الثِّقْل؛ فَسُمِّي العهد إصراً لأنه مَنْع وتشديد. { قَالَ فَظ±شْهَدُواْ } أي ظ±علموا؛ عن ظ±بن عباس. الزجاج: بيّنوا لأن الشاهد هو الذي يصحّح دعوى المدّعِي. وقيل: المعنى ظ±شهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم. { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ظ±لشَّاهِدِينَ } عليكم وعليهم. وقال سعيد بن المسيّب: قال الله عز وجل للملائكة فاشهدوا عليهم، فتكون كناية عن غير مذكور.

  11. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة الثامنة والاربعون بعد الخمسمائة
    قال السمين فى سورة النساء

    قوله: { فَظ±للَّهُ أَوْلَىظ° بِهِمَا } إذا عُطف بـ " أو " كان الحكمُ في عَوْدِ الضمير والإِخبارِ وغيرِهما لأحدِ الشيئين أو الأشياء، ولا يجوز المطابقةُ تقول: " زيد أو عمرو أكرمته " ولو قلت: أكرمتها لم يَجُزْ، وعلى هذا يقال: كيف ثَنَّى الضميرَ في الآية الكريمة والعطفُ بـ أو؟ لا جرم أن النحويين أختلفوا في الجوابِ عن ذلك على خمسةِ أوجه. أحدها: أنَّ الضميرَ في " بهما " ليس عائداً على الغني والفقير المذكورين أولاً، بل على جنسَيْ الغني والفقير المدلولِ عليهما بالمذكورَيْن، تقديرُه: وإنْ يكنِ المشهودُ عليه غنياً أو فقيراً فليشهد عليه، فاللَّهُ أَوْلى بجنسَي الغني والفقير، ويَدُلُّ على هذا قراءة أُبَيّ: " فالله أوْلَى بهم " أي بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجنس على ما قَرَّرته لك، ويكون قوله: { فَظ±للَّهُ أَوْلَىظ° بِهِمَا } ليس جواباً للشرط، بل جوابُه محذوفٌ كما قد عرفته، وهذا دالٌّ عليه. الثاني: أنَّ " أو " بمعنى الواو، ويُعْزى هذا للأخفش، وكنت قدَّمْتُ أولَ البقرة أنه قولُ الكوفيين وأنه ضعيفٌ. الثالث: أن " أو " للتفصيل أي: لتفصيلِ ما أُبْهم. وقد أوضح ذلك أبو البقاء فقال: " وذلك أنَّ كلَّ واحد من المشهود عليه والمشهود له قد يكون غنياً وقد يكون فقيراً. وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين، وقد يكون أحدهما غنياً والآخر فقيراً. فلما كانتِ الأقسام عند التفصيل على ذلك أُتِي بـ " أو " لتدل على التفصيل، فعلى هذا يكون الضمير في " بهما " عائداً على المشهود له والمشهودِ عليه على أيِّ وصفٍ كانا عليه " انتهى. إلاَّ أنَّ قولَه: " وقد يكون أحدهما غنياً والآخر فقيراً " مكررٌ لأنه يُغْني عنه قولُه " وذلك أنَّ كلَّ واحد " إلى آخره. الرابع: أنَّ الضمير يعود على الخصمين تقديره: إن يكنِ الخصمان غنياً أو فقيراً فالله أَوْلى بذينك الخصمين.

    الخامس: أنَّ الضميرَ يعودُ على الغِنى والفقرِ المدلول عليهما بلفظِ الغني والفقير. والتقديرُ: فاللَّهُ أولى بغِنى الغَني وفَقْر الفقير. وقد أساء ابنُ عصفور العبارةَ هنا بما يُوقَفُ عليه في كلامه. وعلى أربعةِ الأوجهِ الأخيرة يكونُ جوابُ الشرطِ ملفوظاً به وهو قولُه: { فَظ±للَّهُ أَوْلَىظ° بِهِمَا } بخلافِ الأول فإنه محذوفٌ...


    الجوهرة التاسعة والاربعون بعد الخمسمائة

    وَلَقَدْ أَخَذَ ظ±للَّهُ مِيثَاقَ بَنِيغ¤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ظ±ثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ظ±للَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ظ±لصَّلظ°وةَ وَآتَيْتُمُ ظ±لزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ظ±للَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذظ°لِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ظ±لسَّبِيلِ }

    قال الالوسي

    { وَقَالَ ظ±للَّهُ } أي ـ للنقباء ـ عند الربيع، ورجحه السمين للقرب، وعند أكثر المفسرين ـ لبني إسرائيل ـ ورجحه أبو حيان إذ هم المحتاجون إلى ما ذكر من الترغيب والترهيب كما ينبىء عنه الإلتفات مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيد ما يتضمنه الكلام من الوعد { إِنّي مَعَكُمْ } أسمع كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك، وقيل: معكم بالنصرة، وقيل: بالعلم، والتعميم أولى

    الجوهرة الخمسون بعد الخمسمائة

    { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـظ°كِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }

    قال السمين:

    وقوله تعالى: { وَلَوْ كَانُوا }: الظاهرُ أنَّ اسم " كان " وفاعل " اتخذوهم " عائدٌ على " كثيراً " من قوله: { تَرَىظ° كَثِيراً مِّنْهُمْ } والضميرُ المنصوب في " اتِّخذوهم " يعودُ على " الذين كفروا " في قوله: { يَتَوَلَّوْنَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } وأجاز القفال أن يكون اسمُ " كان " يعودُ على " الذين كفروا " وكذلك الضميرُ المنصوبُ في " اتِّخذوهم " والضميرُ المرفوعُ في " اتخذوهم " يعودُ على اليهودِ، والمرادُ بالنبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم، والتقدير: ولو كان الكافرون المُتَوَلِّون مؤمنين بمحمد والقرآن ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياءَ، والأولُ أَوْلى لأن الحديثَ عن كثيرٍ لا عن المتولَّيْن

    الجوهرة الواحدة والخمسون بعد الخمسمائة

    قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ظ±لشَّاهِدِينَ }

    قال السمين

    وقرأ الجمهور: { ونَعْلَمَ }: و " نكون " بنون المتكلم مبنياً للفاعل، و قرأ ابن جبير - فيما نقله عنه ابن عطية - " وتُعْلَم " بضم التاء على أنه مبني للمفعول، والضميرُ عائدٌ على القلوب أي: وتُعْلَمَ قلوبُنا، ونُقل عنه " ونُعْلَم " بالنون مبنياً للمفعول، وقرئ: " يُعْلم " بالياء مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل: " أَنْ قد صدقتنا " أي: ويُعْلَمَ صِدْقُك لنا، ولا يجوز أن يكونَ الفعلُ في هذه القراءةِ مسنداً لضميرِ القلوب لأنه جارٍ مَجْرى المؤنثِ المجازي، ولا يجوزُ تذكيرُ فعلِ ضميرِه. وقرأ الأعمش: و " تَعْلَم " بتاء والفعل مبني للفاعل، وهو ضمير القلوب، ولا يجوزُ أن تكونَ التاءُ للخطاب لفسادِ المعنى، ورُوي: " وتِعْلَم " بكسر حرف المضارعة، والمعنى على ما تقدَّم وقُرئ: و " تَكون " بالتاء والضمير للقلوب.

    الجوهرة الثانية والخمسون بعد الخمسمائة

    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاغ¤ئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ظ±للَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }

    قال الالوسي

    واعتبر الإمام عموم افتراء الكذب على الله تعالى وجعل المعطوف عليه نوعاً من الأشياء التي وصفت بكونها افتراء ثم قال: والفرق بين هذا القول وما قبله أن في الأول: كان يدعي أنه أوحي إليه فيما يكذب به ولم ينكر نزول الوحي على النبـي صلى الله عليه وسلم وفي الثاني: أثبت الوحي لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام فكان جمعاً بين أمرين عظيمين من الكذب إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود انتهى.

    وفيه عدول عن الظاهر حيث جعل ضمير { إِلَيْهِ } راجعاً للنبـي صلى الله عليه وسلم والواو في { وَلَمْ يُوحَ } للعطف والمتعاطفان مقول القول والمنساق للذهن جعل الضمير لمن والواو للحال وما بعدها من كلامه سبحانه وتعالى، وربما يقال لو قطع النظر عن سبب النزول: إن المراد بمن افترى على الله كذباً من أشرك بالله تعالى أحداً يحمل افتراء الكذب على أعظم أفراده، وهو الشرك وكثير من الآيات يصدح بهذا المعنى وبمن قال: { أُوحِىَ إِلَيْ } والحال لم يوح إليه مدعي النبوة كاذباً وبمن قال: { سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ظ±للَّهُ } الطاعن في نبوة النبـي عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل: من أظلم ممن أشرك بالله عز وجل أو ادعى النبوة كاذباً أو طعن في نبوة النبـي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الجملة الاستفهامية فتذكر وتدبر.

    الجوهرة الثالثة والخمسون بعد الخمسمائة

    وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }

    قال الطبري

    وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: عني بقوله: { وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ } مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أوّلاً، فأن يكون ذلك أيضاً خبراً عنهم أشبه من أن يكون خبراً عن اليهود ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلاً، مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً من الكتب وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود. وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلاً من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئَها إلى هذا الموضع خبراً عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله: { وَما قَدَرُوا حَقَّ اللّهَ قَدْرِهِ } موصولاً بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندّعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول إلاَّ بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل ولكني أظنّ أن الذين تأوّلوا ذلك خبراً عن اليهود، وجدوا قوله: «قُلْ مَنْ أنزل الكتابَ الَّذِي جاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى للنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ وَلا آباؤكُمْ» فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم: { تجعلونه قراطِيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلَّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } فجعلوا ابتداء الآية خبراً عنهم، إذ كانت خاتمتها خطاباً لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل، لما وصفت قبل من أن قوله: { وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان، وهو به متصل، فالأولى أن يكون ذلك خبراً عنهم.

    والأصوب من القراءة في قوله: «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً» أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى أن اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً، ويكون الخطاب بقوله: { قُلْ منْ أنزلَ الكتابَ } لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ.

    { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَظ°طِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَظ°دِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ }: هذه الجملة فيها أوجه، أحدهما: أنها مستأنفة قالوا: ولا يجوز أن تكون منسوقةً على ما قبلها، لأن الأولى طلبية وهذه خبرية، وتُسَمَّى هذه الواوُ واوَ الاستئناف. والثاني: أنها منسوقةٌ على ما قبلها ولا يُبالى بتخالفهما وهو مذهب سيبويه، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وقد أَوْرَدْتُ من ذلك شواهد صالحة من شعر وغيره. والثالث: أنها حالية أي: لا تأكلوه والحال أنه فسق. وقد تبجَّح الإِمام الرازي بهذا الوجه على الحنفيَّة حيث قَلَبَ دليلهم عليهم بهذا الوجه، وذلك أنهم يمنعون مِنْ أَكْلِ متروك التسمية، والشافعية لا يمنعون منه، استدلَّ عليهم الحنفية بظاهر هذه الآية فقال الرازي: " هذه الجملة حالية، ولا يجوز أن تكون معطوفة لتخالفهما طلباً وخبراً فتعيَّن أن تكون حالية، وإذا كانت حالية كان المعنى: لا تأكلوه حال كونه فسقاً، ثم هذا الفسق مجمل قد فسَّره الله تعالى في موضع آخر فقال:
    { أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ظ±للَّهِ بِهِ }
    [الأنعام: 145] يعني أنه إذا ذُكر على الذبيحة غيرُ اسم الله فإنه لا يجوز أكلُها لأنه فسقٌ " ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك أنه إذا لم يُذْكَر اسمُ الله ولا اسمُ غيره أن تكون حراماً لأنه ليس بالتفسير الذي ذكرناه. وللنزاع فيه مجال من وجوه، منها: أنها لا نُسَلِّم امتناع عطف الخبر على الطلب والعكس كما قدَّمْتُه عن سيبويه، وإن سُلِّم فالواو للاستئناف كما تقدَّم وما بعدها مستأنف، وإن سُلِّم أيضاً فلا نُسَلِّم أنَّ " فسقاً " في الآية الأخرى مُبَيِّن للفسق في هذه الآية، فإنَّ هذا ليس من باب المجمل والمبيِّن لأن له شروطاً ليست موجودةً هنا.

    وهذا الذي قاله مستمد من كلام الزمخشري فإنه قال " فإن قلت: قد ذهب جماعة من المجتهدين إلى جواز أَكْلِ ما لم يُذْكَرِ اسم الله عليه بنسيانٍ أو عَمْد. قلت: قد تأوَّله هؤلاء بالميتة وبما ذُكر غيرُ اسمِ الله عليه كقوله:
    { أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ظ±للَّهِ بِهِ }
    [الأنعام: 145] فهذا أصل ما ذكره ابن الخطيب وتبجَّح به.

    والضمير في " إنَّه " يحتمل أن يعود على الأكل المدلول عليه بـ " لا تأكلوا " وأن يعود على الموصول، وفيه حينئذ تأويلان: أن تجعل الموصول نفس الفسق مبالغةً أو على حذف مضاف أي: وإن أكله لفسق، أو على الذِّكْرِ المفهوم من قوله " ذُكر ". قال الشيخ: " والضمير في " إنه " يعود على الأكل قاله الزمخشري واقتصر عليه ". قلت: لم يَقْتَصِرْ عليه بل ذكر أنه يجوز أن يعود على الموصول، وذكر التأويلين المتقدمين فقال: " الضمير راجع على مصدر الفعل الداخل عليه حرفُ النهي بمعنى: وإن الأكل منه لفسق، أو على الموصول على أن أكلَه لفِسْق، أو جَعَلَ ما لم يُذكر اسمُ الله عليه [في] نفسه فسقاً انتهى

    قال السمين فى سورة الاعراف

    قوله: { مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ }: " من دونه " يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، والمعنى: لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان. والثاني: أن يتعلق بمحذوف، لأنه كان في الأصل صفةً لأولياء، فلما تقدَّم نُصِبَ حالاً، وإليه يميل تفسيرُ الزمخشري فإنه قال: " أي لا تتولَّوا مِنْ دونِه مِنْ شياطين الإِنس والجن فيحملوكم على الأهواء والبِدَع ". والضمير في " دونِه " يُحْتمل ـ وهو الظاهر ـ أن يعودَ على " ربكم "؛ ولذلك قال الزمخشري: " مِنْ دون الله " ، وأن يعودَ على " ما " الموصولة، وأن يعودَ على الكتاب المنزل، والمعنى: لا تعدلوا عنه إلى الكتبِ المنسوخةِ.

    الجوهرة الرابعة والخمسون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي فى الاعراف

    إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } استئناف مقرر لما قبله واعتذار عما وقع منهم و (إن) نافية وهي للفتنة المعلومة للسياق أي ما الفتنة إلا فتنتك أي محنتك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامك فطمعوا في رؤيتك واتبعوا القياس في غير محله أو أوجدت في العجل خواراً فزاغوا به. أخرج ابن أبـي حاتم عن راشد بن سعد أن الله تعالى لما قال لموسى عليه السلام: إن قومك اتخذوا عجلا جسدا له خوار قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا قال: فأنت أضللتهم يا رب قال: يا رأس النبيين يا أبا الحكماء إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم، ولعل هذا إشارة إلى الاستعداد الأزلي الغير المجعول. وقيل: الضمير راجع على { ظ±لرَّجْفَةُ } أي ما هي إلا تشديدك التعبد والتكلف علينا بالصبر على ما أنزلته بنا، وروي هذا عن الربيع وابن جبير وأبـي العالية، وقيل: الضمير لمسألة الإراءة وإن لم تذكر. انتهى

    قال الالوسي فى التوبة

    وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً } من الأشياء أو شيئاً من الضرر، والضمير لله عز وجل أي لا يقدح تثاقلكم في نصرة دينه أصلاً فإنه سبحانه الغني عن كل شيء وفي كل أمر، وقيل: الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل وعده العصمَة والنصر وكان وعده سبحانه مفعولاً لا محالة، والأول هو المروي عن الحسن وأختاره أبو علي الجبائي وغيره، ويقرب الثاني رجوع الضمير الآتي إليه عليه الصلاة والسلام اتفاقاً انتهي

    قال السمين فى يونس

    قوله: { مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ } قد تقدَّم الكلام على هذه الكلمة ومذاهبِ الناس فيها. وجَوَّز بعضُهم هنا أن تكون " ما " مبتدأً و " ذا " خبره، وهو موصولٌ بعني الذي، و " يستعجل " صلتُه وعائدُه محذوفٌ تقديره: أيُّ شيء الذي يستعجله منه أي من العذاب، أو من الله تعالىظ°. وجوَّز آخرون كمكي وأنظارِه أن يكونَ " ماذا " كلُّه مبتدأً أي: يُجعل الاسمان بمنزلةِ اسمٍ واحد، والجملةُ بعده خبره. وقال أبو علي: " وهو ضعيفٌ لخلوِّ الجملةِ من ضمير يعود على المبتدأ ". وقد أجاب أبو البقاء عن هذا فقال: " ورُدَّ هذا القول بأنَّ الهاء في " منه " تعودُ على المبتدأ كقولك: " زيدٌ أَخَذْتُ منه درهماً ". قلت: ومِثْلُ أبي علي لا يَخْفىظ° عليه مثل ذلك، إلا أنه لا يَرَى عَوْدَ الهاءِ على الموصولِ لأن الظاهرِ عَوْدُها على العذاب. قال الشيخ: " والظاهرُ عَوْدُ الضمير في " منه " على العذاب، وبه يَحْصُل الربطُ لجملةِ الاستفهامِ بمفعول " أرأيتم " المحذوف الذي هو مبتدأٌ في الأصل ". وقال مكي: " وإن شئت جعلت " ما " و " ذا " بمنزلة اسمٍ واحدٍ في موضع رفع بالابتداء، والجملةُ التي بعده الخبر، والهاءُ في " منه " تعود أيضاً على العذاب ". قلت: فقد تُرك المبتدأُ بلا رابطٍ لفظي حيث جَعَل الهاءَ عائدةً على غير المبتدأ فيكون العائدُ عند محذوفاً. لكنه قال بعد ذلك: " فإنْ جعلت الهاء في " منه " تعود على الله ـ جلَّ ذكره ـ و " ما " و " ذا " اسماً واحداً كانت " ما " في موضع نصب بـ " يستعجل " والمعنىظ°: أيَّ شيء يستعجل المجرمون من الله " فقوله هذا يؤذنَ بأن الضميرَ لمَّا عاد على غير المبتدأ جعله مفعولاً مقدماً، وهذا الوجهُ بعينه جائزٌ فيما إذا جُعل الضمير عائداً على العذاب. ووجهُ الرفعِ على الابتداء جائزٌ فيما إذا جُعِل الضمير عائداً على الله تعالىظ° إذ العائدُ الرابطُ مقدرٌ كما تقدم التنبيهُ عليه. انتهى

    قَالَ يظ°قَوْمِ أَرَهْطِيغ¤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ظ±للَّهِ وَظ±تَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَظ±تَّخَذْتُمُوهُ }: يجوز أن تكونَ المتعدية لاثنين، أولهما الهاء، والثاني " ظِهْرِيَّا ". ويجوز أنْ يكونَ الثاني هو الظرف و " ظِهْرِياً " حالٌ، وأن تكونَ المتعدية لواحد، فيكون " ظِهْرِيَّاً " حالاً فقط. ويجوز في " وراءكم " أن يكونَ ظرفاً للاتخاذ، وأن يكونَ حالاً مِنْ " ظهريَّاً " ، والضمير في " اتخذتموه " يعود على اللَّه؛ لأنهم ـ يجهلون صفاتِه، فجعلوه ـ أي: جعلوا أوامره ـ ظِهْريَّاً، أي: منبوذَةً وراء ظهورهم.

    والظِهْرِيُّ: هو المنسوبُ إلى الظَّهِيْر وهو مِنْ تغييرات النسب كما قالوا في أَمْس: إمْسِيّ بكسر الهمزة، وإلى الدَّهْر: دُهْرِيّ بضم الدال.

    وقيل: الضمير يعودُ على العصيان، أي: واتخذتم العصيان عوناً على عداوتي، فالظِّهْرِيُّ على هذا بمعنى المُعِين المُقَوِّي

    وقال الالوسي

    وأياً مّا كان فضمير { ظ±تَّخَذْتُمُوهُ } عائد إلى الله تعالى وهو الذي ذهب إليه جمهور المفسرين، وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما. و ـ الظهري ـ منسوب إلى الظهر، وأصله المرمي وراء الظهر، والكسر من تغييرات النسب كما قالوا في النسبة إلى أمس: أمسي بالكسر وإلى الدهر دهري بالضم، ثم توسعوا فيه فاستعملوه للمنسي المتروك، وذكروا أنه حتمل أن يكون في الكلام استعارة تصريحة وأن يكون استعارة تمثيلية.

    وزعم بعضهم أن الضمير له تعالى، و ـ الظهري ـ العون وما يتقوى به، والجملة في موضع الحال، والمعنى أفضلتم الرهط على الله تعالى ولم تراعوا حقه سبحانه والحال أنكم تتخذونه سند ظهوركم وعماد آمالكم. ونقل ابن عطية هذا المعنى عن جماعة، وقيل: الظهري المنسي، والضمير عائد على الشرع الذي جاء به شعيب عليه السلام وإن لم يذكر صريحاً، وروي عن مجاهد أو على أمر الله، ونقل عن الزجاج، وقيل: الظهري بمعنى المعين، والضمير لله تعالى، وفي الكلام مضاف محذوف أي عصيانه والمعنى على ما قرره أبو حيان واتخذتم عصيانه تعالى عوناً وعدة لدفعي، وقيل: لا حذف والضمير للعصيان وهو الذي يقتضيه كلام المبرد، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الخروج عن الظاهر من غير فائدة، ومما ينظم في سلكها تفسير العزيز بالملك زعماً أنهم كانوا يسمعون الملك عزيزاً على أن من له أدنى ذوق لا يكاد يسلم صحة ذلك فتفطن. ونصب { ظهرياً } على أنه مفعول ثان ـ لاتخذتموه ـ والهاء مفعوله الأول، و { وَرَآئِكُمْ } ظرف له أو حال من { ظِهْرِيّاً }. انتهى

    وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَظ±سْتَفْتَحُواْ }: العامَّةُ على " استفتحوا " فعلاً ماضياً، وفي ضميرِه أقوالٌ، أحدُها: أنه عائدٌ على الرسلِ الكرام، ومعنى الاستفتاحِ: الاستنصارُ:
    { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ظ±لْفَتْحُ }
    [الأنفال: 19]. وقيل: طَلَبُ الحكم من الفُتاحة. الثاني: أن يعودَ على الكفَّار، أي: استفتح أُمَمُ الرسلِ عليهم، كقولِه:
    { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ }
    [الأنفال: 32]. وقيل: عائدٌ على الفريقين لأنَّ كُلاًّ طلبَ النصرَ على صاحبِه. وقيل: يعودُ على قريشٍ لأنهم في سِنِي الجَدْبِ اسْتَمْطَرُوْا فلم يُمْطِروا، وهو على هذا مستأنفٌ، وأمَّا على غيرِه من الأقوال فهو عطفٌ على قولِه { فَأَوْحَىظ° إِلَيْهِمْ }.

    وقرأ ابنُ/ عباسٍ ومجاهدٌ وابنُ محيصن " واسْتَفْتِحوا " على لفظِ الأمر، أمراً للرسل بطلبِ النُّصرة، وهي مقوِّيةٌ لعَوْدَهِ في المشهورةِ على الرسل. والتقدير: قال لهم: لنهلكنَّ وقال لهم: اسْتَفْتِحُوا..

    قوله: { وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } في الضمير وجهان، أظهرُهما: أنه عائدٌ على " كل جبار ". والثاني: أنه عائدٌ على العذابِ المتقدِّمِ.

    الجوهرة الخامسة والخمسون بعد الخمسمائة

    وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ظ±لسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ }

    قال السمين

    و " للناظرين " متعلِّقٌ بـ " زيَّنَاها ". والضميرُ للسماء. وقيل: للبروجِ، وهي الكواكبُ، زَيَّنها بالضوء. والنظر عينيٌّ. وقيل: قلبيٌّ. وحُذِف متعلِّقُه لِيَعُمَّ

    قال الرازى

    قوله تعالى: { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } وفيه بحثان: البحث الأول: أن الضمير في قوله: { وَأَنبَتْنَا فِيهَا } يحتمل أن يكون راجعاً إلى الأرض وأن يكون راجعاً إلى الجبال الرواسي، إلا أن رجوعه إلى الأرض أولى لأن أنواع النبات المنتفع بها إنما تتولد في الأراضي، فأما الفواكه الجبلية فقليلة النفع، ومنهم من قال: رجوع ذلك الضمير إلى الجبال أولى، لأن المعادن إنما تتولد في الجبال، والأشياء الموزونة في العرف والعادة هي المعادن لا النبات.

  12. #27
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة السادسة والخمسون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى ال عمران

    قوله: { فَمَا وَهَنُواْ } الضميرُ في " وَهَنوا " يعودُ على الرِّبِّيين بجملتهم إنْ كان " قُتِل " مسنداً إلى ضمير النبي، وكذا في قراءة " قاتل " سواء كان مسنداً إلى ضمير النبي أو إلى الربِّيِّين، وإنْ كان مسنداً إلى الربيين فالضميرُ يعودُ على بعضِهم، وقد تقدَّم ذلك عند الكلام في ترجيح قراءة " قاتل "....

    قوله: { فَأَثَابَكُمْ } فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوفٌ على " تُصْعِدون " و " تَلْوون " ، ولا يَضُرُّكونُهما مضارعين، لأنهما ماضيان في المعنى، لأنَّ " إذ " المضافة إليهما صَيِّرتهما ماضيين، فكأن المعنى: إذا صَعِدتم وأَلْويتم. والثاني: أنه معطوفٌ على " صَرَفكم ". قال الزمخشري: " فأثابكم " عطفٌ على " صَرَفَكم ". وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصلِ. وفي فاعِله قولان، أحدُهما: أنه الباري تعالى، والثاني: أنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم. قال الزمخشري: " ويجوز أَنْ يكونَ الضميرُ في " فأثابكم " للرسولِ، أي: فآساكم في الاغتمامِ، وكما غَمَّكم ما نَزَل به من كسرِ رباعيته غَمَّه ما نَزَل بكم من فَوْتِ الغنيمة....

  13. #28
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    قال السمين فى ال عمران

    قوله: { يَغْشَىظ° } قرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء من تحت، وخَرَّجوا قراءةَ حمزة والكسائي على أنها صفةُ لـ " أمَنَة " مراعاةً لها. ولا بُدَّ من تفصيلٍ وهو: إنْ أَعْرَبوا " نُعاساً " بدلاً أو عطفَ بيان أَشْكَلَ قولُهم مِنْ وجهين، أحدُهما: أنَّ النحاةَ نَصُّوا على أنه إذا اجتمع الصفةُ والبدلُ أوعطفُ البيان، قُدِّمتِ الصفةُ وأُخِّر غيرُها. وهنا قد قَدَّموا البدلَ أو عطفَ البيانِ عليها. والثاني: أن المعروفَ في لغة العرب أن تُحَدِّث عن البدل لا عن المبدل منه تقول: " هندٌ حسنُها فاتِنٌ " ولا يجوزُ: " فاتنةٌ " إلا قليلاً، فَجَعْلُهم " نُعاساً " بدلاً من " أمنة " يَضْعُفُ بهذا، فإنْ قيل: قد جاءَ مراعاةُ المبدلِ منه في قوله:

    1471ـ فكأنه لَهِقُ السَّراةِ كأنه ما حاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بِسَوادِ
    فقال: " مُعَيَّن " مراعاةً للهاء في " كأنه " ، ولم يراعِ البدلَ وهو " حاجَبْيه " ومثلُه قولُه:
    1472ـ إنَّ السيوفَ غُدُوَّها ورَواحَها تَرَكَتْ هوازنَ مثلَ قَرْن الأعْضَبِ
    فقال: " تَرَكَتْ " مراعاةً للسيوف، ولو راعَى البدلَ لقال: " تركا ". فالجواب: أن هذا ـ وإنْ كان قد قال به بعض النحويين مستنداً إلى هذين البيتين ـ مؤولٌ بأنَّ " مُعَيَّن " خبرٌ عن " حاجبيه " لجريانهما مَجْرى الشيء الواحدِ في كلام العرب، وأنَّ نَصْبَ " غدوها ورواحها " على الظرفِ لا على البدل، وقد تقدَّم لنا شيء من هذا عند قوله:
    { عَلَى ظ±لْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ }
    [البقرة: 102].

    وإنْ أَعربوا " نُعاساً " مفعولاً من أجلِه لَزِم الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بالمفعولِ له، وكذا إنْ أَعْربوا " نعاساً " مفعولاً به، و " أَمَنَةً " حالاً يلزم الفصلُ أيضاً، وفي جوازه نظرٌ. والأحسنُ حينئذٍ أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما حكمُ هذه الأمَنَة؟ فأخبرَ بقوله " تَغْشى " ،

    ومَنْ قرأ بالياء أعاد الضمير على " نُعاساً " وتكون الجملةُ صفةً له. و " منكم " صفة لـ " طائفة " فيتعلق بمحذوف....

    وقوله: { فَمَن ذَا ظ±لَّذِي } قد تقدَّم مثلُه في البقرة وأقوالُ الناس فيه. والهاءُ في " مِنْ بعدِه " فيها وجهان، أحدُهما ـ وهو الأظهر ـ أنها تعودُ على اللهِ تعالى، وفيه احتمالان، أحدُهما: أَنْ يكونَ ذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ بعدِ خِذْلانِه. والثاني: أنه لا يُحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلام: إنكم إذا جَوَّزْتموه إلى غيرِه وقد خَذَلكم فَمَنْ تجاوزون إليه وينصُركم؟ والوجه الثاني: أن تعودَ على الخِذْلان المفهوم من الفعلِ وهو نظيرُ:
    { ظ±عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ }
    [المائدة: 8]....

    الجوهرة السابعة والخمسون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى ال عمران

    قوله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ }: مفعول أول، و " أمواتاً " مفعولٌ ثان، والفاعلُ: إمَّا ضميرُ كل مخاطب أو ضميرُ الرسول عليه السلام كما تقدَّم في نظائره.

    وقرأ حميد بن قيس وهشام ـ بخلاف عنه ـ " يَحْسَبَنَّ " بياء الغيبة. وفي الفاعلِ وجهان، أحدهما: أنه مضمرٌ: إمَّا ضميرُ الرسول، أو ضمير مَنْ يَصْلُح للحُسْبان أَيِّ حاسبٍ. والثاني: ـ قاله الزمخشري ـ وهو أن يكون " الذين قُتِلوا " قالِ: " ويجوزُ أَنْ يكون " الذين قُتِلوا " فاعلاً، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين قتلوا أمواتاً أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فإنْ قلت: كيف جاز حَذْفُ المفعول الأول؟ قلت: هو في الأصل مبتدأ فَحُذِف كما حُذِف المبتدأ في قوله: " بل أحياءٌ " أي: هم أحياءٌ، لدلالة الكلام عليهما.

    ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا التقديرَ يؤدي إلى تقديمِ الضميرِ على مفسَّره، وذلك لا يجوزُ إلا في أبوابٍ محصورةٍ، وعدَّ باب: رُبَّه رجلاً، ونِعْم رجلاً زيدٌ، والتنازع عند إعمال الثاني في رأي سيبويه، والبدلُ على خلاف فيه، وضمير الأمر. قال: " وزاد بعضُ أصحابنا أن يكون [الظاهر] المفسِّر خبراً، وبأنّ حَذْفَ أحد مفعولي " ظن " اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليلٌ جداً، نَصَّ عليه الفارسي، ومَنَعه ابن ملكون البتة ".

    وهذا من تَحَمُّلاته عليه. أمَّا قولُه " يؤدي إلى تقديم المضمر إلى آخره " فالزمخشري لم يقدِّرْه صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لَمَّا أراد أن يُقَدَّر الصناعة النحويةَ قَدَّره بلفظ " أنفسهم " المنصوبةِ وهي المفعول الأول، وأظنُ أنَّ الشيخَ تَوَهَّم أنها مرفوعةٌ تأكيدٌ للضمير في " قُتلوا " ، ولم ينتبه أنه إنما قَدَّرها مفعولاً أولَ منصوبةً. وأمَّا تمشيتُه قولَه على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك، وما عليه من ابنِ مَلْكون؟ وستأتي مواضع يَضْطَرُّ هو وغيرُه إلى حَذْفِ أحد المفعولين كما ستقف عليه قريباً.

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    قال السمين فى ال عمران

    قوله تعالى: { لاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَفْرَحُونَ }: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: " لاتَحْسَبَنَّ ـ فلا يَحْسَبُنَّهم " بالياءِ فيهما ورفع باء " يَحْسَبُنَّهم ". وقرأ الكوفيون بتاء الخطاب وفتحِ الباء فيهما معاً، ونافع وابن عامر بياءِ الغَيْبة في الأولِ، وبالخطاب في الثاني، وفتح الباءِ فيهما. وقرىء شاذاً بتاءِ الخطابِ وضَمِّ الباء فيهما معاً. [وقُرىء فيه أيضاً بياء الغيبة فيهما وفتح الباء فيهما أيضاً، فهذه خمس قراءات].

    فأمَّا قراءةُ ابن كثير وأبي عمرو ففيها خمسة أوجه، وذلك أنه لا يخلو: إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الفعلُ الأولُ مسنداً إلى ضميرِ غائبٍ أو إلى الموصولِ، فإنْ جَعَلْناه مسنداً إلى ضميرِ غائب: إمَّا الرسولِ عليه السلام أو غيرِه ففي المسألة وجهان، أحدُهما: أنَّ/ " الذين " مفعولٌ أولُ، والثاني محذوفٌ لدلالةِ المفعولِ الثاني للفعلِ الذي بعده عليه وهو " بمفازة " ، والتقدير: لا يَحْسَبَنَّ الرسول أو حاسبٌ الذين يفرحون بمفازة، فلا يَحْسَبُنَّهم بمفازة، فأسند الفعلَ الثاني لضميرِ " الذين " ، ومفعولاه: الضميرُ المنصوبُ و " بمفازةٍ ".

    الوجه الثاني: أنَّ " الذين " مفعولٌ أولُ أيضاً، ومفعولهُ الثاني هو " بمفازة " الملفوظِ به بعد الفعل الثاني، ومفعول الفعل الثاني محذوفٌ لدلالةِ مفعولِ الأولِ عليه، والتقديرُ: لا يَحْسَبَنَّ الرسول الذين يفرحون بمفازةٍ فلا يَحْسَبُنَّهم كذلك، والعمل كما تقدم. وهذا بعيدٌ جداً للفصل بين المفعول الثاني للفعل الأول بكلامٍ طويل من غير حاجةٍ. والفاءُ على هذين الوجهين عاطفةٌ، والسببية فيها ظاهرة.

    وإن جعلناه مسنداً إلى الموصولِ ففيه ثلاثة أوجه، أولها: أَنَّ الفعل الأول حُذِف مفعولاه اختصاراً لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما تقديره: لا يَحْسَبَنَّ الفارحون أنفسَهم فائزين فلا يَحْسَبُنَّهم فائزين كقول الآخر:
    1508ـ بأيَّ كتابٍ أم بأيةِ سُنَّةٍ ترى حُبَّهم عاراً علي وتَحْسَبُ
    أي: وتَحْسَبُ حُبَّهم عاراً، فحَذَف مفعولي الفعل الثاني لدلالة مفعولي الأول عليهما، وهو عكسُ الآية الكريمة حيث حُذِف فيها من الفعل الأول.

    الوجه الثاني: أنَّ الفعلَ الأول لم يَحْتَجْ إلى مفعولين هنا. قال أبو علي: " يَحْسَبَنَّ " لم يقع على شيء، و " الذين " رفع به، وقد تجيء هذه الأفعالُ لغواً في حكم الجمل المفيدة كقوله:
    1509ـ وما خِلْتُ أَبْقَى بيننا من مودةٍ عِراضُ المَذَاكي المُسْنِفِاتِ القلائِصا
    وقال الخليل: " العربُ تقول: ما رأيتُ يقول ذلك إلا زيدٌ، وما ظننته يقول ذلك إلا عمرو " يعني أبو علي: أنها في هذه الأماكنِ ملغاة لا مفعولَ لها.

    الثالث: أن يكونَ المفعولُ الأول محذوفاً. الثاني هو نفس " بمفازة " ويكون " فلا يَحْسَبُنَّهم " تأكيداً للفعل الأول. وهذا رأي الزمخشري، فإنه قال بعد ما حكى هذه القراءة: " على أنَّ الفعلَ اللذين يفرحون، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ على معنى: " لا يَحْسَبَنَّهم الذين يفرحون بمفازةٍ " بمعنى: لا يَحْسَبَنَّ أنفسَهم الذين يفرحون فائزين، و " فلا يَحْسَبُنَّهم " تأكيد انتهى.

    قال الشيخ: " وتقدَّم لنا الردُّ على الزمخشري في تقديره: " لا يَحْسَبَنَّهم الذين " في قوله:
    { لاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي }
    [آل عمران: 178] وأن هذا التقدير لا يَصِحُّ ". قلت: قد تقدم ذلك والجواب عنه بكلام طويل، لكن ليس هو في قوله: { لاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي } بل في قوله:
    { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ }
    [آل عمران: 169] في قراءةِ مَنْ قرأه بياء الغيبة، فهناك ردَّ عليه بما قال، وقد أَجَبْتُ عنه والحمد لله، وإنما نَبَّهْتُ على الموضع لئلا يُطْلَبَ هذا البحثُ من المكان الذي ذكره فلم يوجد.

    ويجوز أن يقال في تقرير هذا الوجه الثالث: إنه حَذَف من أحد الفعلين ما أثبتَ نظيرَه في الآخر، وذلك أن " بمفازة " مفعولٌ ثان للفعل الأول حُذِفَتْ من الفعل الثاني، و " هم " في: " فلا يَحْسَبُنَّهم " مفعولٌ أول للفعل الثاني، وهو محذوفٌ من الأول. وإذا عَرَفْتَ ذلك فالفعل الثاني على هذه الأوجه الثلاثة تأكيدٌ للأول.

    وقال مكي: " إن الفعل الثاني بدلٌ من الأول " ، وتسمية مثلِ هذا بدلاً فيه نظر لا يخفى، وكأنه يريد أنَّه في حكم المكرِر، فهو يرجع إلى معنى التأكيد، ولذلك قال بعضُهم: " والثاني معادٌ على طريق البدل مشوباً بمعنى التأكيد " وعلى هذين القولينِ ـ أعني كونَه توكيداً أو بدلاً ـ فالفاءُ زائدةٌ ليسَتْ عاطفةً ولا جواباً.

    وقوله: " فَلاَ يَحْسَبُنَّهُمْ " أصله: يَحْسَبُونَنَّهم بنونين، الأولى نون الرفع والثانية للتأكيد، وتصريفُه لا يَخْفى من القواعد المتقدمة. وتعدَّى هنا فعلُ المضمرِ المنفصلِ إلى ضميرِه المتصل، وهو خاصٌّ بباب الظن وبـ " عَدِمَ وفَقَد دونَ سائر الأفعالِ لو قلت: " أكرمتُني " أي: " أكرمت أنا نفسي " لم يَجُزْ، وموضعُ تقريرِه غير هذا.

    وأما قراءة الكوفيين فالفعلان فيها مسندان إلى ضمير المخاطب: إمَّا الرسولِ عليه السلام، أو كلِّ مَنْ يصلح للخطاب، والكلام في المفعولين للفعلين كالكلام فيهما في قراءة أبي عمرو وابن كثير، على قولنا: إن الفعل الأول مسندٌ لضمير غائب. والفعل الثاني تأكيدٌ للأول أو بدلٌ منه، والفاءُ زائدة كما تقدَّم في توجيه قراءة أبي عمرو وابن كثير على قولنا إن الفعلين مسندان للموصول لأن الفاعل فيها واحد. واستدلوا على أن الفاء زائدة بقوله:
    1510ـ لا تَجْزَعي إنْ مُنْفِساً أهلكتُه وإذا هَلَكْتُ فعند ذلك فاجْزَعي
    ويقول الآخر:
    1511ـ لَمَّا اتَّقى بيدٍ عظيم جِرْمُها فتركْتُ ضاحي كَفِّه يَتَذَبْذَبُ
    أي: تركت. وقولِ الآخر:
    1512ـ حتى تَرَكْتُ العائداتِ يَعُدْنَه فيقلن: لا يَبْعَدْ وقلت له: ابعَدِ
    إلا أن زيادةَ الفاء ليس رأيَ الجمهور، إنما قال به الأخفش.


    وأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر بالغيبة في الأول والخطاب في الثاني فوجْهُها أنهما غايرا بين الفاعلين، والكلام فيها يُؤْخَذُ مِمَّا تقدم، فيؤخذ الكلامُ في الفعل الأول من الكلام على قراءةِ أبي عمرو وابن كثير، وفي الثاني من الكلام على قراءة الكوفيين بما يَليق به، إلا أنه يَمْتنع هنا أن يكونَ الفعلُ الثاني تأكيداً للأول أو بدلاً منه لاختلافِ فاعليهما، فتكون الفاءُ هنا عاطفةً ليس إلا. وقال أبو علي في " الحجة ": " إنَّ الفاء زائدةٌ والثاني بدل من الأول " ، قال: " ليس هذا موضعَ العطفِ لأنَّ الكلامَ لم يتِمَّ، ألا ترى أنَّ المفعول الثاني لم يُذْكَر بعدُ ". وفيه نظر لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما.

    وأمَّا قراءةُ الخطاب فيهما مع ضَمِّ الباء فيهما فالفعلان مسندان لضميرِ المؤمنين المخاطبين، والكلامُ في المفعولين كالكلامِ فيهما في قراءة الكوفيين.

    وأمَّا قراءةُ الغيبة وفتحِ الباء فيهما فالفعلان مسندان إلى ضمير غائب أي: لا يَحْسَبَنَّ الرسولُ أو حاسِبٌ، والكلامُ في المفعولين للفعلين كالكلامِ في القراءة التي قبلها. والثاني من الفعلين تأكيدٌ أو بدلٌ، والفاءُ زائدةٌ على هاتين القراءتين لاتحادِ الفاعل.

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,800
    الجوهرة الثامنة والخمسون بعد الخمسمائة

    قال الالوسي فى النحل

    وَلأَجْرُ ظ±لآخِرَةِ } أي أجر أعمالهم المذكورة في الدار الآخرة { أَكْبَرَ } مما يعجل لهم في الدنيا. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءً يقول له: خذ بارك الله تعالى لك هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا وما أخر لك في الآخرة أفضل ثم يقرأ هذه الآية، وقيل: المراد أكبر من أن يعلمه أحد قبل مشاهدته، ولا يخفى ما في مخالفة أسلوب هذا الوعد لما قبله من المبالغة { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } الضمير للكفرة الظالمين أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين، وقيل: هو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في الاجتهاد ولما تألموا لما أصابهم من المهاجرة وشدائدها ولازدادوا سروراً. وفي " المعالم " لا يجوز ذلك لأن المهاجرين يعلمونه ودفع بأن المراد علم المشاهدة وليس الخبر كالمعاينة أو المراد العلم التفصيلي. وجوز أن يكون الضمير للمتخلفين عن الهجرة يعني لو علم المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم.

    الجوهرة التاسعة والخمسون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى الاسراء:

    وقوله: { لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ } متعلقٌ بهذا الجوابِ المقدرِ. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر " لِيَسُوْءَ " بالياءِ المفتوحةِ وهمزةٍ مفتوحةٍ آخرَ الفعل. والفاعلُ: إمَّا اللهُ تعالى، وإمَّا الوعدُ، وإمَّا البعثُ، وإمَّا النفيرُ. والكسائيُّ " لِنَسُوءَ " بنونِ العظمة، أي: لِنَسُوءَ نحن، وهو موافِقٌ لِما قبلَه مِنْ قولِه " بَعَثْنا عباداً لنا " و " رَدَدْنا " و " أَمْدَدْنا " ، وما بعده من قوله: " عُدْنا " و " جَعَلْنا ".

    وقرأ الباقون: " لِيَسُوْءُوا " مسنداً إلى ضميرِ الجمع العائد على العِباد، أو على النفير؛ لأنه اسمُ جمعٍ، وهو موافِقٌ لِما بعدَه من قوله { وَلِيَدْخُلُواْ ظ±لْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ }. وفي عَوْدِ الضمير على النفير نظرٌ؛ لأنَّ النفيرَ المذكورَ من المخاطبين، فكيف يُوصف ذلك النفيرُ بأنه يَسُوْء وجوهَهم؟ اللهم إلا أنْ يريدَ هذا القائلَ أنه عائدٌ على لفظِه دون معناه، من بابِ " عندي درهمٌ ونصفُه ".

    وقرأ أُبَيٌّ " لِنَسُوْءَنْ " بلامِ الأمرِ ونونِ التوكيدِ الخفيفة ونونِ العظمة، وهذا جوابٌ لـ " إذا " ، ولكن على حَذْفِ الفاء، أي " فَلِنَسُوْءَنْ، ودخلت لامُ الأمرِ على فعلِ المتكلمِ كقولِه تعالى:
    { وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ }
    [العنكبوت: 12].

    وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب " لَيَسُوْءَنَّ " و " وَلَنَسوْءَنَّ " بالياء أو النون التي للعظمةِ، ونونِ التوكيدِ الشديدة، واللامِ التي للقسَمِ. وفي مصحف اُبَيّ " لِيَسُوْءُ " بضمِّ الهمزة من غيرِ واوٍ، وهذه القراءةُ تشبه أَنْ تكونَ على لغةِ مَنْ يَجْتَزِئُ عن الواوِ بالضمة، كقوله:
    3031- فلوْ أنَّ الأطبَّا كانُ حولي .......................
    يريد: " كانوا ". وقولِ الآخر:
    3032- إذا ما الناسُ جاعُ وأَجْدَبُوا ........................
    يريد " جاعُوا " ، فكذا هذه القراءةُ، أي: لِيَسُوْءُوا، كما في القراءةِ الشهيرة، فَحَذَفَ الوَاو.

    وقرئ " لِيَسْيء " بضمِّ الياءِ وكسرِ السينِ وياءٍ بعدها، أي: ليُقَبِّحَ اللهُ وجوهكم، أو ليقبِّح الوعدُ، أو البعثُ.

    الجوهرة الستون بعد الخمسمائة

    قال ابن عطية فى المحرر:

    قضى } في هذه الآية هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول إن المعنى { وقضى ربك } أمره { ألا تعبدوا إلا إياه } وليس في هذه الألفاظ الأمر بالاقتصار على عبادة الله فذلك هو المقضي لا نفس العبادة، وقضى في كلام العرب أتم المقضي محكماً، والمقضي هنا هو الأمر، وفي مصحف ابن مسعود " ووصى ربك " وهي قراءة أصحابه، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون ابن مهران وكذلك عند أبي بن كعب، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى بـ " قضى " حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال إن على قول ابن عباس لنوراً، قال الله تعالى
    { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك }
    [الشورى: 13] ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، والضمير في { تعبدوا } لجميع الخلق، وعلى هذا التأويل مضى السلف والجمهور، وسأل الحسن بن أبي الحسن رجل فقال له: إنه طلق امرأته ثلاثاً فقال له الحسن: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال له الرجل قضي ذلك علي، فقال له الحسن وكان فصيحاً، ما قضى الله أي ما أمر الله، وقرأ هذه الآية، فقال الناس: تكلم الحسن في القدر.

    قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون { قضى } على مشهورها في الكلام، ويكون الضمير في قوله { تعبدوا } للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة

    الجوهرة الواحدة والستون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى الاسراء

    قوله: { كُلُّ أُولـظ°ئِكَ } مبتدأٌ، والجملةُ مِنْ " كان " خبرُه، وفي اسمِ " كان " وجهان، أحدُهما: أنه عائدٌ على " كل " باعتبارِ لفظِها، وكذا الضميرُ في " عنه " ، و " عنه " متعلقٌ بـ " مَسْؤولاً " ، و " مسؤولاً " خبرُها.

    والثاني: أنَّ اسمَها ضميرٌ يعود على القافي، وفي " عنه " يعودُ على " كل " وهو من الالتفاتِ؛ إذ لو جَرَى على ما تقدَّم لقيل: كنتَ عنه مسؤولاً. وقال الزمخشريُّ: و " عنه " في موضع الرفع بالفاعلية/، أي: كلُّ واحدٍ كان مسؤولاً عنه، فمسؤول مسندٌ إلى الجارِّ والمجرور كالمغضوبِ في قوله:
    { غَيْرِ ظ±لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم }
    [الفاتحة: 7]. انتهى. وفي تسميته مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه فاعلاً خلافُ الاصطلاح.

    وقد رَدَّ الشيخ عليه قولَه: بأنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ حكمُه حكمُه، فلا يتقدَّم على رافعِه كأصلِه. وليس لقائلٍ أَنْ يقولَ: يجوزُ على رأيِ الكوفيين فإنَّهم يُجيزون تقديمَ الفاعلِ؛ لأنَّ النحاس حكى الإِجماعَ على عدمِ جوازِ تقديمِ القائمِ مقامَ الفاعل إذا كان جارَّاً ومجروراً، فليس هو نظيرَ قولِه { غَيْرِ ظ±لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } فحينئذٍ يكون القائمُ مقامَ الفاعلِ الضميرَ المستكنَّ العائدَ على " كل " أو على القافي.

    الجوهرة الثانية والستون بعد الخمسمائة


    { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىظ° إِذْ يَقُولُ ظ±لظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً }

    قال السمين

    قوله تعالى: { بِمَا يَسْتَمِعُونَ }: متعلقٌ بـ " أَعْلَمُ ". وما كان من باب العلمِ والجهلِ في أَفْعَلِ التفضيلِ وأفعلَ في التعجب تعدَّى بالباء نحو: أنت أعلمُ به، وما أعلمك به!! وهو أجهلُ به، وما أجهلَه به!! ومن غيرِهما يتعدَّى في البابين باللام نحو: أنت أَكْسَى للفقراء. و " ما " بمعنى الذي، وهي عبارةٌ عن الاستخفاف والإِعراض فكأنه قال: نحن أعلمُ بالاستخفافِ والاستهزاءِ الذي يستمعون به. قاله ابنُ عطية.

    قوله: " به " فيه أوجهٌ، أحدها: أنه حالٌ، فيتعلق بمحذوف. قال الزمخشري: " وبه في موضع الحالِ كما [تقول:] يستمعون بالهُزْء، أي: هازئين ". الثاني: أنها بمعنى اللامِ، أي: بما يستمعون له. الثالث: أنَّهما على بابها، أي: يستمعون بقلوبهم أو بظاهرِ أسماعهم، قالهما أبو البقاء. الرابع: قال الحوفيُّ: " لم يَقُلْ يَسْتعونه ولا يستمعونك؛ لَمَّا كان الغرضُ ليس الإِخبارَ عن الاستماعِ فقط، وكان مُضَمَّناً أنَّ الاستماعَ كان على طريق الهُزْء بأن يقولوا: مجنون أو مسحور جاء الاستماع به وإلى، لِيُعْلَمَ أنَّ الاستماعَ ليس المرادُ به تَفَهُّمَ المسموعِ دون هذا المقصد " ، فعلى هذا أيضاً تتعلق الباء بـ " يستمعون

    الجوهرة الثالثة والستون بعد الخمسمائة

    يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً }

    قال ابو حيان فى البحر

    والظاهر أن الخطاب للكفار إذ الكلام قبل ذلك معهم فالضمير لهم و { بحمده } حال منهم. قال الزمخشري: وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويمتنع ستركبه وأنت حامد شاكر، يعني أنك تحمل عليه وتقسر قسراً حتى أنك تلين لين المسمح الراغب فيه الحامد عليه. وعن سعيد بن جبير ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك انتهى. وذلك لما ظهر لهم من قدرته.

    وقيل: معنى { بحمده } أن الرسول قائل ذلك لا أنهم يكون بحمده حالاً منهم فكأنه قال: عسى أن تكون الساعة قريبة يوم يدعوكم فتقومون بخلاف ما تعتقدون الآن، وذلك بحمد الله على صدق خبري كما تقول لرجل خصمته أو حاورته في علم: قد أخطأت بحمد الله فبحمد الله ليس حالاً من فاعل أخطأت، بل المعنى أخطأت والحمد لله. وهذا معنى متكلف نحا إليه الطبري وكان { بحمده } يكون اعتراضاً إذ معناه والحمد لله. ونظيره قول الشاعر:
    فإني بحمد الله لا ثوبَ فاجرٍ لبست ولا من غدرةٍ أتقنع
    أي فإني والحمد لله فهذا اعتراض بين اسم إن وخبرها، كما أن { بحمده } اعتراض بين المتعاطفين ووقع في لفظ ابن عطية حين قرر هذا المعنى قوله: عسى أن الساعة قريبة وهو تركيب لا يجوز، لا تقول عسى أن زيداً قائم بخلاف عسى أن يقوم زيد، وعلى أن يكون { بحمده } حالاً من ضمير { فتستجيبون }. قال المفسرون: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد. وقال قتادة: معناه بمعرفته وطاعته { وتظنون إن لبثتم إلاّ قليلاً }. قال ابن عباس: بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزال عنهم العذاب في ذلك الوقت، ويدل عليه من بعثنا من مرقدنا هذا فهذا عائد إلى { لبثهم } فيما بين النفختين. وقال الحسن: تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة لم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدة اللبث في الدنيا. وقال الزمخشري: { وتظنون } وترون الهول فعنده تستقصرون مدة لبثكم في الدنيا وتحسبونها يوماً أو بعض يوم، وعن قتادة تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة انتهى. وقيل: استقلوا لبثهم في عرصة القيامة لأنه لما كانت عاقبة أمرهم الدخول إلى النار استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة. وقيل: تم الكلام عند قوله { قل عسى أن يكون قريباً }.

    و { يوم يدعوكم } خطاب مع المؤمنين لا مع الكافرين لأنهم يستجيبون لله { بحمده } يحمدونه على إحسانه إليهم فلا يليق هذا إلاّ بهم. وقيل: يحمده المؤمن اختياراً والكافر اضطراراً، وهذا يدل على أن الخطاب للكافر والمؤمن وهو الذي يدل عليه ما روي عن ابن جبير، وإذا كان الخطاب للكفار وهو الظاهر فيحمل أن يكون الظن على بابه فيكون لما رجعوا إلى حالة الحياة وقع لهم الظن أنهم لم ينفصلوا عن الدنيا إلاّ في زمن قليل إذ كانوا في ظنهم نائمين، ويحتمل أن يكون بمعنى اليقين من حيث علموا أن ذلك منقض متصرم.

    الجوهرة الرابعة والستون بعد الخمسمائة

    قال السمين فى الاسراء

    قوله: { بِمَا كَفَرْتُمْ } يجوز أن تكونَ مصدريةً، وأن تكونَ بمعنى الذي، والباءُ للسببية، أي: بسببِ كفرِكم، أو بسبب الذي كفَرْتم به، ثم اتُّسِع فيه فَحَذِفت الباءُ فوصل الفعلُ إلى الضميرِ، وإنما احتيج إلى ذلك لاختلافِ المتعلق.

    وقرأ أبو جعفرٍ ومجاهد " فَتُغْرِقَكم " بالتاء من فوقُ أُسْند الفعلُ لضمير الريح. وفي كتاب الشيخ " " فتُغْرِقَكم بتاء الخطاب مسنداً إلى " الريح ". والحسنُ وأبو رجاء بياء الغيبة وفتح الغين وشدِّ الراء، عَدَّاه بالتضعيف والمقرئ لأبي جعفر كذلك إلا أنه بتاء الخطاب ". قلت: وهذا: إمَّا سهوٌ، وإمَّا تصحيفٌ من النسَّاخ عليه؛ كيف يَسْتقيم أن يقولَ بتاءِ الخطاب وهو مسندٌ إلى ضمير الريح، وكأنه أراد بتاء التأنيث فسبقه قلمُه أو صَحَّف عليه غيرُه.

    وقرأ العامَّة " الريحِ " بالإِفراد، وأبو جعفر: " الرياح " بالجمع.

    وقال الالوسي

    ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } أي نصيراً كما روى عن ابن عباس أو ثائراً يطلبنا بما فعلنا انتصاراً منا أو دركاً للثأر من جهتنا فهو كقوله تعالى:
    { فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـظ°هَا }
    [الشمس: 14-15] كما روي عن مجاهد. وضمير { بِهِ } قيل للإرسال، وقيل: للإغراق، وقيل: لهما باعتبار ما وقع ونحوه كما أشير إليه وكأنه سبحانه لما جعل الغرق بين الإعادة إلى البحر انتقاماً في مقابلة الكفر عقبه تعالى بنفي وجدان التبيع فكأنه قيل ننتقم من غير أن يقوم لنصركم فهو وعيد على وعيد وجعل ما قبل من شق العذاب كمس الضر في البحر عقبه بنفي وجدان الوكيل فكأنه قيل لا تجدون من تتكلون عليه في دفعه غيره تعالى لقوله سبحانه:
    { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ }
    [الإسراء: 67] وهذا اختيار صاحب «الكشف» فلا تغفل.

صفحة 2 من 7 الأولىالأولى 123456 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •