صفحة 16 من 16 الأولىالأولى ... 61213141516
النتائج 226 إلى 234 من 234

الموضوع: جواهر الضمائر فى كتاب الله

  1. #226
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    قوله تعالى: { فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } في الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية وجهان الأول: أن يكون الضمير في قوله: { فَأَتَـٰهُمُ } عائد إلى اليهود، أي فأتاهم عذاب الله وأخذهم من حيث لم يحتسبوا والثاني: أن يكون عائداً إلى المؤمنين أي فأتاهم نصر الله وتقويته من حيث لم يحتسبوا، ومعنى: لم يحتسبوا، أي لم يظنوا ولم يخطر ببالهم، وذلك بسبب أمرين أحدهما: قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة، وذلك مما أضعف قوتهم، وفتت عضدهم، وقل من شوكتهم والثاني: بما قذف في قلوبهم من الرعب.

    الرازى

  2. #227
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    وقوله { ولعذاب الآخرة أكبر } دال على أن المراد بقوله { كذلك العذاب } عذاب الدنيا. وضمير { لو كانوا يعلمون } عائد إلى ما عاد إليه ضمير الغائب في قوله{ بلوناهم } القلم 17، وهم المشركون فإنهم كانوا ينكرون عذاب الآخرة فهددوا بعذاب الدنيا، ولا يصح عوده إلى{ أصحاب الجنة } القلم 17 لأنهم كانوا مؤمنين بعذاب الآخرة وشدته.

    ابن عاشور

  3. #228
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    وفرع عنه تفصيل ذنبهم المعبر عنه بالخَاطئة فقال { فعصوا رسول ربّهم } وهذا التفريع للتفصيل نظير التفريع في قوله{ كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } القمر 9 في أنه تفريع بيان على المبيَّن. وضمير عصوا يجوز أن يرجع إلى { فرعون } باعتباره رأس قومه، فالضمير عائد إليه وإلى قومه، والقرينة ظاهرة على قراءة الجمهور، وإما على قراءة أبي عمرو والكسائي فالأمر أظهر وعلى هذا الاعتبار في محل ضمير عصوا يكون المراد بـ { رسول ربّهم } موسى عليه السلام. وتعريفه بالإِضافة لما في لفظ المضاف إليه من الإِشارة إلى تخطئتهم في عبادة فرعون وجعلهم إياه إلظ°هاً لهم.

    ويجُوز أن يرجع ضمير عصوا إلى { فرعون ومَن قبله والمؤتفكات }. { ورسول ربّهم } هو الرسول المرسل إلى كل قوم من هؤلاء. فإفراد { رسول } مراد به التوزيع على الجماعات، أي رسول الله لكل جماعة منهم، والقرينة ظاهرة، وهو أجمل نظماً من أن يقال فعصوا رسُل ربّهم، لما في إفراد { رسول } من التفنن في صيغ الكلم من جمع وإفراد تفادياً من تتابع ثلاثة جموع لأن صيغ الجمع لا تخلو من ثقل لقلة استعمالها وعكسه قوله في سورة الفرقان 37{ وقومَ نوح لمّا كذَّبوا الرُسل أغرقناهم } ، وإنما كذبوا رسولاً واحداً، وقوله{ كذبت قوم نوح المرسلين } وما بعده في سورة الشعراء 105، وقد تقدم تأويل ذلك في موضعه.....

    ابن عاشور

  4. #229
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    وَٱلْمَلَكُ } أي الجنس المتعارف بالملك وهو أعم من الملائكة عند الزمخشري وجماعة، وقد ذكره الجوهري أيضاً. وقال أبو حيان: الملك اسم جنس يراد به الملائكة ولا يظهر أنه أعم من الملائكة. وتحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه في «شرح التلخيص» للعلامة الثاني «وحواشيه» فارجع إن أردت إليه { عَلَىٰ أَرْجَائِهَا } أي جوانبها جمع رجى بالقصر وهو من ذوات الواو ولذا برزت في التثنية قال الشاعر:
    كأن لم ترى قبلي أسيراً مقيداً ولا رجلاً يرمي به الرجوان
    والضمير للسماء، والمراد بجوانبها أطرافها التي لم تنشق. أخرج ابن المنذر عن ابن جبير والضحاك قال إنهما قالا { وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا } أي على ما لم ينشق منها ولعل ذلك التجاء منهم للأطراف مما داخلهم من ملاحظة عظمة الله عز وجل أو اجتماع هناك للنزول. وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن الربيع بن أنس قال { وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا } أي الملائكة على شقها ينظرون إلى شق الأرض وما أتاهم من الفزع. والأول أظهر.

    ولعل هذا الانشقاق بعد موت الملائكة عند النفخة الأولى وإحيائهم، وهم يحيون قبل الناس كما تقتضيه الأخبار ويجوز أن يكون ذلك بعد النفخة الثانية والناس في المحشر ففي بعض الآثار ما يشعر بانشقاق كل سماء يومئذ ونزول ملائكتها واليوم متسع كما أشرنا إليه. وقال الإمام يحتمل أنهم يقفون على الأرجاء لحظة ثم يموتون ويحتمل أن يكون المراد بهم الذين استثناهم الله تعالى في قوله سبحانه{ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ } [الزمر: 68] وعلى الوجهين ينحل ما يقال الملائكة يموتون في الصعقة الأولى لقوله تعالى{ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ } [الزمر: 68] فكيف يقال إنهم يقفون على أرجاء السماء وفي «أنوار التنزيل» لعل قوله تعالى:{ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ } [الحاقة: 16] الخ تمثيل لخراب العالم بخراب المبنيات وانضواء أهلها إلى أطرافها وإن كان على ظاهره فلعل موت الملائكة إثر ذلك انتهى وأنا لا أقول باحتمال التمثيل. وفي «البحر» عن ابن جبير والضحاك أن ضمير { أَرْجَائِهَا } للأرض وإن بعد ذكرها قالا إنهم ينزلون إليها يحفظون أطرافها كما روى أن الله تعالى يأمر ملائكة السماء الدنيا فيقفون صفاً على حافات الأرض ثم ملائكة الثانية فيصفون حولهم ثم ملائكة كل سماء فكلما ند أحد من الجن والإنس وجد الأرض أحيط بها ولعل ما نقلناه عنهما أولى بالاعتماد.

    { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ } أي فوق الملائكة الذين على الأرجاء المدلول عليهم بالملك، وقيل فوق العالم كلهم، وقيل الضمير يعود على الملائكة الحاملين أي يحمل عرش ربك فوق ظهورهم أو رؤسهم { يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } والمرجع وإن تأخر لفظاً لكنه متقدم رتبة.

    الوسي

    وقال القرطبي

    وقيل: «فَوْقَهُمْ» أي إن حملة العرش فوق الملائكة الذين في السماء على أرجائها. وقيل: «فَوْقَهُمْ» أي فوق أهل القيامة.

  5. #230
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً }
    { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } أي الإنس { كَمَا ظَنَنتُمْ } أيها الجن على أنه كلام بعضهم لبعض { أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً } أي من الرسل إلى أحد من العباد وقيل أن لن يبعث سبحانه أحداً بعد الموت، وأياً ما كان فالمراد وقد أخطؤا وأخطأتم ولعله متعلق الإيمان، وقيل المعنى إن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة أن لن الخ فتكون هذه الآية من جملة الكلام الموحى به معطوفة على قوله تعالى{ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } [الجن: 1] وعلى قراءة الكسر تكون استئنافاً من كلامه تعالى وكذا ما قبلها على ما قيل.

    وفي «الكشاف» قيل الآيتان يعني هذه وقوله تعالى{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6] الخ من جملة الموحى. وتعقب ذلك في «الكشف» بأن فيه ضعفاً لأن قوله سبحانه{ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ } [الجن: 8] الخ من كلام الجن أو مما صدقوه على القراءتين لا من الموحى إليه فتخلل ما تخلل وليس اعتراضاً غير جائز إلا أن يؤول بأنه يجري مجراه لكونه يؤكد ما حدث عنهم في تماديهم في الكفر أولاً ولا يخفى ما فيه من التكلف انتهى. وأبو السعود اختار في جميع الجمل المصدرة بأنا العطف على { أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } على نحو ما سمعت عن أبـي حاتم وقد سمعت ما فيه آنفاً

    الوسي

    وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً }
    كان الرجل من العرب إذا أمسى في واد قفر وخاف على نفسه نادى بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك يريد الجن وكبيرهم فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الجن والإنس وذلك قوله تعالى: { فَزَادُوهُمْ } أي زاد الرجال العائذون الجن { رَهَقاً } أي تكبراً وعتواً فالضمير المرفوع لرجال الإنس إذ هم المحدث عنهم والمنصوب لرجال الجن وهو قول مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير وجماعة إلا أن منهم من فسر الرهق بالإثم وأنشد الطبري لذلك قول الأعشى:
    لا شيء ينفعني من دون رؤيتها لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقاً
    فإنه أراد ما لم يغش محرماً فالمعنى هنا فزادت الإنس الجن مأثماً لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالاً لمحارم الله تعالى أو فزاد الجن العائذين غياً بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم، فالضميران على عكس ما تقدم وهو قول قتادة وأبـي العالية والربيع وابن زيد. والفاء على الأول للتعقيب وعلى هذا قيل للترتيب الإخباري. وذهب الفراء إلا أن ما بعد الفاء قد يتقدم إذا دل عليه الدليل كقوله تعالى{ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا } [الأعراف: 4] وجمهور النحاة على خلافه. وقيل في الكلام حذف أي فاتبعوهم فزادوهم.

    الوسي

  6. #231
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    { ظ±لسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً }
    والانفطار التشقق الذي يحدث في السماء لنزول الملائكة وصعودهم كما تقدم في قوله تعالى{ تعرج الملائكة والروح إليه } في سورة المعارج 4. وذكر انفطار السماء في ذلك اليوم زيادة في تهويل أحواله لأن ذلك يزيد المهددين رعباً وإن لم يكن انفطار السماء من آثار أعمالهم ولا لَه أثر في زيادة نكالهم. ويجوز أن تجعل جملة السماء منفطر به } مستأنفة معترضة بين جملة { فكيف تتقون } الخ، وجملة { كان وعده مفعولاً } والباء للسببية ويكون الضمير المجرور بالباء عائداً إلى الكفر المأخوذ من فعل { كفرتم }. ويجوز أن يكون الإِخبار بانفطار السماء على طريقة التشبيه البليغ، أي كالمنفطر به فيكون المعنى كقوله تعالى{ وقالوا اتخذ الرحمان ولداً لقد جئتم شيئاً إدَّاً يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً } مريم 88 ــــ 90. ووصف السماء بمنفطر بصيغة التذكير مع أن السماء في اللغة من الأسماء المعتبرة مؤنثة في الشائع. قال الفراء السماء تذكَّر على التأويل بالسقف لأن أصل تسميتها سماءً على التشبيه بالسقف، أي والسقف مُذكر والسماء مؤنث. وتبعه الجوهري وابن برّي. وأنشد الجوهري على ذلك قول الشاعر
    فلو رَفع السماءُ إليه قوماً لحقنا بالسماء مع السحاب
    وأنشد ابن برّي أيضاً في تذكير السماء بمعنى السقف قول الآخر
    وقالت سماءُ البيت فوقَك مُخْلَقٌ ولمَّا تَيَسَّر اجْتِلاَءُ الركَائب
    ولا ندري مقدار صحة هاذين الشاهدين من العربية على أنه قد يكونان من ضرورة الشعر. وقيل إذا كان الاسم غير حقيقي التأنيث جاز إجراء وصفه على التذكير فلا تلحقه هاء التأنيث قياساً على الفعل المسند للمؤنث غير حقيقي التأنيث في جواز اقترانه بتاء التأنيث وتجريده منها، إجراء للوصف مجرى الفعل وهو وجيه. ولعل العدول في الآية عن الاستعمال الشائع في الكلام الفصيح في إجراء السماء على التأنيث، إلى التذكير إيثاراً لتخفيف الوصف لأنه لما جيء به بصيغة منفعل بحرفي زيادة وهما الميم والنون كانت الكلمة معرضة للثقل إذا ألحق بها حرف زائد آخر ثالث، وهو هاء التأنيث فيحصل فيها ثقل يجنَّبه الكلام البالغ غاية الفصاحة ألا ترى أنها لم تجر على التذكير في قوله{ إذا السماء انفطرت } الانفطار 1 إذ ليس في الفعل إلاّ حرف مزيد واحد وهو النون إذ لا اعتداد بهمزة الوصل لأنها ساقطة في حالة الوصل، فجاءت بعدها تاء التأنيث. وجملة { كان وعده مفعولاً } صفة أخرى لـ { يوماً } ، وهذا الوصف إدماج للتصريح بتحقيق وقوع ذلك اليوم بعد الإِنذار به الذي هو مقتض لوقوعه بطريق الكناية استقصاء في إبلاغ ذلك إلى علمهم وفي قطع معذرتهم. وضمير { وعده } عائد إلى { يوماً } الموصوف، وإضافة وعد إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله على التوسع، أي الوعد به، أي بوقوعه.

    ابن عاشور

    كلام يحتاج تأمل من العلامة ابن عاشور

  7. #232
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } أي لا يشفَعون { إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } في الشفاعة { وَقَالَ صَوَاباً } يعني حقًّا قاله الضحاك ومجاهد. وقال أبو صالح: لا إله إلا الله. وروى الضحاك عن ظ±بن عباس قال: يَشفعون لمن قال لا إله إلا الله. وأصل الصواب: السداد من القول والفعل، وهو من أصاب يصيب إصابة كالجواب من أجاب يجيب إجابة. وقيل: «لا يتكلمون» يعني الملائكة والرُّوح الذين قاموا صفاً، لا يتكلمون هيبة وإجلالاً «إِلا من أذِن له الرحمنُ» في الشفاعة وهم قد قالوا صوابا، وأنهم يوحِّدون الله تعالى ويسبحونه. وقال الحسن: إن الرُّوح يقول يوم القيامة: لا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، ولا النار إلا بالعمل. وهو معنى قوله تعالى: { وَقَالَ صَوَاباً }.

    القرطبي

    يوم } متعلق بقوله{ لا يملكون منه خطاباً } النبأ 37، أي لا يتكلم أحد يومئذ إلاّ من أذن له الله. وجملة { لا يتكلمون } مؤكدة لجملة { لا يملكون منه خطاباً } أعيدت بمعناها لتقرير المعنى إذ كان المقام حقيقاً، فالتقرير لقصد التوصل به إلى الدلالة على إبطال زعم المشركين شفاعة أصنامهم لهم عند الله، وهي دلالة بطريق الفحوى فإنه إذا نُفي تكلمهم بدون إذن نفيت شفاعتهم إذ الشفاعة كلام مَن له وجاهة وقبول عند سامعه. وليبنى عليها الاستثناء لبُعد ما بين المستثنَى والمستثنى منه بمتعلقات{ يملكون } النبأ 37 من مجرور ومفعول به، وظرفٍ، وجملةٍ أضيف لها. وضمير { يتكلمون } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { يملكون }.

    ابن عاشور

    { يَوْمَ } ظرف للايملكون و { صَفّاً } حال أي مصطفين قيل هما صفان الروح صف واحد أو متعدد والملائكة صف آخر وقيل صفوف وهو الأوفق لقوله تعالى:{ وَظ±لْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } [الفجر: 22] وقيل: يوم يقوم الروح والملائكة الكل صفاً واحداً وجوز أن يكون ظرفاً لقوله تعالى: { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } وقوله سبحانه: { إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ وَقَالَ صَوَاباً } بدل من ضمير { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } وهو عائد إلى أهل السماوات والأرض الذين من جملتهم الروح والملائكة، وذكر قيامهم مصطفين لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء ربوبيته عز وجل وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار الكلام من مطلع السورة الكريمة إلى مقطعها.

    والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى: { لاَّ يَمْلِكُونَ } الخ ومؤكد له على معنى أن أهل السماوات والأرض إذا لم يقدروا حينئذ أن يتكلموا بشيء من جنس الكلام إلا من أذن الله تعالى له منهم في التكلم مطلقاً وقال ذلك المأذون له بعد الإذن في مطلق التكلم قولاً صواباً أي حقاً من الشفاعة لمن ارتضى فكيف يملكون خطاب رب العزة جل جلاله مع كونه أخص من مطلق الكلام وأعز منه مراماً؟

    وجوز أن يكون ضمير { لاَّ يَمْلِكُونَ } إلى الروح والملائكة والكلام مقرر لمضمون قوله تعالى: { لاَّ يَمْلِكُونَ } الخ أيضاً لكن على معنى أن الروح والملائكة مع كونهم أفضل الخلائق وأقربهم من الله تعالى إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما هو صواب من الشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم؟ وذكره بعض أهل السنة فتعقب بأنه مبني على مذهب الاعتزال من كون الملائكة عليهم السلام أفضل من البشر مطلقاً / وأنت تعلم أن من أهل السنة أيضاً من ذهب إلى هذا كأبـي عبد الله الحليمي والقاضي أبـي بكر الباقلاني والإمام الرازي ونسب إلى القاضي البيضاوي وكلامه في «التفسير» هنا لا يخلو عن إغلاق وتصدى من تصدى لتوجيهه وأطالوا في ذلك على أن الخلاف في أفضليتهم بمعنى كثرة الثواب وما يترتب عليها من كونهم أكرم على الله تعالى وأحبهم إليه سبحانه لا بمعنى قرب المنزلة ودخول حظائر القدس ورفع ستارة الملكوت بالاطلاع على ما غاب عنا والمناسبة في النزاهة وقلة الوسائط ونحو ذلك فإنهم بهذا الاعتبار أفضل بلا خلاف، وكلام ذلك البعض يحتمل أن يكون مبنياً عليه وهذا كما نشاهده من حال خدام الملك وخاصة حرمه فإنهم أقرب إليه من وزرائه والخارجين من أقربائه وليسوا عنده بمرتبة واحدة وإن زادوا في التبسط والدلال عليه.

    وعن ابن عباس أن ضمير { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } للناس وجوز أن يكون { إِلاَّ مَنْ أَذِنَ } الخ منصوباً على أصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون إلا في حق شخص أذن له الرحمن وقال ذلك الشخص في الدنيا صواباً أي حقاً هو التوحيد وقول لا إله إلا الله كما روي عن ابن عباس وعكرمة وعليه قيل يجوز أن يكون { قَالَ صَوَاباً } في موضع الحال مِنْ (مَنْ) بتقدير قد أو بدونه لا عطفاً على { أَذِنَ } ومن الناس من جوز الحالية على الوجه الأول أيضاً لكن من ضمير { يَتَكَلَّمُونَ } باعتبار كل واحد أو باعتبار المجموع وظن أن قول بعضهم المعنى لا يتكلمون بالصواب إلا بإذنه لا يتم بدون ذلك وفيه ما فيه. وقيل جملة { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } حال من الروح والملائكة أو من ضميرهم في { صَفّاً } والجمهور على ما تقدم.

    الوسي

  8. #233
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ }
    قيل: الخطاب للكافر توبيخاً وإلزاماً للحجة. أي إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردّك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال إلى حال فما يحملك على أن تُكَذِّب بالبعث والجزاء، وقد أخبرك محمد صلى الله عليه وسلم به؟ وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي اسْتيقِنْ مع ما جاءك من الله عز وجل، أنه أحكم الحاكمين. رُوِي معناه عن قتادة. وقال قتادة أيضاً والفرّاء: المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين. واختاره الطبريّ. كأنه قال: فمن يقدر على ذلك أي على تكذيبك بالثواب والعقاب، بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان والدِّين والجزاء. قال الشاعر:
    دِنَّا تميماً كما كانتْ أوائلُنا دانَتْ أوائلَهمْ في سالف الزمنِ

    القرطبي

  9. #234
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,852
    { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }
    اشتملت هذه الآية على تنويه عظيم بالقرآن فافتتحت بحرف إنَّ وبالإِخبار عنها بالجملة الفعلية، وكلاهما من طرق التأكيد والتقوّي. ويفيد هذا التقديم قصراً وهو قصر قلب للرد على المشركين الذي نفوا أن يكون القرآن منزلاً من الله تعالى. وفي ضمير العظمة وإسناد الإِنزال إليه تشريف عظيم للقرآن. وفي الإِتيان بضمير القرآن دون الاسم الظاهر إيماء إلى أنه حاضر في أذهان المسلمين لشدة إقبالهم عليه فكون الضمير دون سبق معاد إيماء إلى شهرته بينهم. فيجوز أن يراد به القرآنُ كلُّه فيكون فعل «أنزلنا» مستعملاً في ابتداء الإِنزال لأن الذي أُنزل في تلك الليلة خمسُ الآيات الأوَلُ من سورة العلق ثم فتر الوحي ثم عاد إنزاله منجماً ولم يكمل إنزال القرآن إلا بعد نيف وعشرين سنة، ولكن لما كان جميع القرآن مقرراً في علم الله تعالى مقدارُه وأنه ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجَّماً حتى يتم، كان إنزاله بإنزال الآيات الأُول منه لأن ما ألحق بالشيء يعد بمنزلة أوله فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه " الحديث فاتفق العلماء على أن الصلاة فيما أُلْحق بالمسجد النبوي لها ذلك الفضل، وأن الطواف في زيادات المسجد الحرام يصحّ كلما اتّسع المسجد. ومن تسديد ترتيب المصحف أن وضعت سورة القدر عقب سورة العلق مع أنها أقلّ عدَد آياتٍ من سورة البينة وسُورٍ بعدها، كأنه إماء إلى أن الضمير في { أنزلناه } يعود إلى القرآن الذي ابتدىء نزوله بسورة العلق. ويجوز أن يكون الضمير عائداً على المقدار الذي أنزل في تلك الليلة وهو الآياتُ الخمسُ من سورة العلق فإن كل جزء من القرآن يسمى قرآناً، وعلى كلا الوجهين فالتعبير بالمضي في فعل { أنزلناه } لا مجاز فيه. وقيل أطلق ضمير القرآن على بعضه مجازاً بعلاقة البعضية. والآية صريحة في أن الآيات الأوَل من القرآن نزلت ليلاً وهو الذي يقتضيه حديث بَدْء الوحي في «الصحيحين» لقول عائشة فيه «فكان يتحنث في غار حراء اللياليَ ذواتِ العَدَد» فكان تعبده ليلاً، ويظهر أن يكون الملك قد نزل عليه أثر فراغه من تعبده، وأما قول عائشة «فرجع بها رسول الله يرجف فُؤاده» فمعناه أنه خرج من غار حراء إثر الفجر بعد انقضاء تلقينه الآيات الخمس إذ يكون نزولها عليه في آخر تلك الليلة وذلك أفضل أوقات الليل كما قال تعالى{ والمستغفرين بالأسحار } آل عمران 17

    ابن عاشور

صفحة 16 من 16 الأولىالأولى ... 61213141516

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •