في ضرورة اعاده الاعتبار للهويه والبنية الاشعريه للتدين الشعبي العربي 1
د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد: تهدف الدراسة إلى بيان ضرورة اعاده الاعتبار للهويه والبنية الاشعريه للتدين الشعبي العربي، والمتمثلة في إلغاء التناقض بين المذاهب المعاصرة والهوية والبنية "الاشعريه" للتدين الشعبي العربي ، هذا التناقض الذي افرز العديد من الظواهر ألسالبه التي عوقت التقدم الحضاري لشعوب الامه العربية ، ومنها : فتن: التفرق في الدين والائمه المضلين و الهرج "القتل " و فتنه الرجل في دينه وبيعه الدين بعرض الدنيا، التي تلزم من مذهب التفسير السياسي للدين "الإسلام السياسي "، وبدعه استحلال الدماء المحرمة ، التي تلزم من مذهب الغلو في التكفير،وكلها مذاهب بدعية تتعارض مع الهوية والبنية "السنية – الاشعريه" للتدين الشعبي العربي .
أولا: التدين الشعبي العربى: البنية والهوية "السنيه-الاشعريه- الصوفيه ":
تعريف التدين الشعبي: يجب التمييز بين الدين كوضع الهي ، والتدين ككسب بشرى،فالمقصود بالدين أصوله الثابتة التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،أما التدين فهو معرفه والتزام بشرى بهذه الأصول، بالاضافه إلى الفروع الظنية الورود والدلالة ،أما التدين الشعبي فهو معرفه والتزام شعب معين بالدين، يعرف الدكتور عبد الباسط عبد المعطى التدين الشعبي بأنه (إدراك الناس وفهمهم واستيعابهم لقواعد الدين وأركانه وأوامره ونواهيه في المعاملات بين البشر وفى العبادات.. بإيجاز شديد يعبر التدين الشعبي عن الوعي الشعبي بالدين) (التدين والإبداع: الوعى الشعبي فى مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2001).
تعريف التدين الشعبي العربى: استنادا إلى التعريف السابق فان التدين الشعبي العربي هو معرفه والتزام شعب - شعوب معينه "هي شعوب الامه العربية" بدين معين" هو الدين الاسلامى"
بنيه التدين الشعبي االعربى:
ا/ علاقة الانتماء الاسلاميه للشخصية العربيه: للشخصية العربية كشخصيه حضاريه عامه علاقات انتماء متعددة العلاقة بينها علاقة تكامل وليست علاقة تناقض ، ومنها علاقة الانتماء الاسلاميه بما هي علاقة انتماء ديني إلى الامه الاسلاميه، التي تضم المسلمين في كل إنحاء العالم، والذين ينتمون إلى أمم وشعوب وقبائل ...متعددة. والإسلام دين وحضارة ، لذا فان علاقة الانتماء الاسلاميه ذات مضمون ديني - حضاري ، ويترتب على هذا انه إذا كان الإسلام كدين مقصور على العرب المسلمين ، فانه كحضارة " التي تتضمن العادات والتقاليد.." يشمل العرب المسلمين وغير المسلمين .
ب/ تحديد – وليس إلغاء - الإسلام للوجود الحضاري السابق عليه : والإسلام لم يلغى الوجود الحضاري" الشعوبي ، القبلي.." السابق عليه ، بل حدده كما يحد الكل الجزء فيكمله و يغنيه ولكن لا يلغيه "والدليل على هذا أن العرف مصدر من مصادر التشريع الاسلامى التبعية. ، فالتدين الشعبي العربى إذا هو محصله تحديد – وليس إلغاء- الإسلام للوجود الحضاري الشعوبي والقبلي " المتضمن للمفاهيم والقيم والعادات والتقاليد..الشعوبية والقبلية" السابق عليه، من خلال إلغائه ما يتناقض معه وإبقائه ما يتسق معه. معه.
هوية التدين الشعبي العربى: سني طبقا للمذهب الأشعري"عقديا"والمذهب المالكي"فقهيا" مع اثر صوفي :
ا/ سني"طبقا لمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة": التدين الشعبي العربى سني، فاغلب الشعب العربى مسلم طبقا للمذهب السني الذي ينتمي إليه اغلب الأمم والشعوب المسلمة ( أكثر من تسعين في المائة من المسلمين في العالم ).
من التضبق المذهبي إلى الشمول الشرعي: غير أن تقرير سنيه التدين الشعبي العربى تنطلق من مذهب الشمول الشرعي لمصطلح ” أهل السنة” ، وليس مذهب التضييق المذهبي للمصطلح. فالأخير هو مذهب يقصر دلاله مصطلح ” أهل السنة ” على مذهب معين،وبالتالي يرى انه لا يجوز أن نصف به غيره من المذاهب، ويترتب على هذا انه يخرج من دائرة أهل السنة اغلب المسلمين، لأنهم ينتمون إلى مذاهب ” سنيه ” متعددة ، ووجه الخطأ في هذا المذهب هو انه يفترض أن لمصطلح ” أهل السنة ” دلاله واحده .آما المذهب الصحيح فهو مذهب الشمول الشرعي ، الذي يقوم على أساس أن لمصطلح أهل السنة دلالات متعددة خاصة وعامه. واستنادا إلى هذا فانه يرى ان وصف مذهب معين بهذا المصطلح ” أهل السنة ” على وجه الخصوص، لا يعنى أن هذا المصطلح مقصور عليه، لذا يجوز ان نصف به غيره من المذاهب على وجه العموم، مادامت هذه المذاهب مقيده بضوابط المصطلح الشرعية.
تعريف أهل السنة طبقا لمذهب الشمول الشرعي: وطبقا لمذهب الشمول الشرعي ، فان لمصطلح “أهل السنة” دلالة عامة مضمونها كل مسلم متمسك بالكتاب والسنة ، يقول الإمام ابن تيميه (فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346) ،وتندرج تحت هذه الدلالة العامة المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي…والمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الحنبلي و الظاهري و الماتريدي والطحاوي والاشعرى والتصوف السني الذي يشكل المذهب الأخير” الاشعرى ” أساسه العقدي . يقول الإمام ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221).أما الدلالة الخاصة لمصطلح ” أهل السنة ” ،فتتمثل في وصف مذهب معين من هذه المذاهب بمصطلح ” أهل السنه ” ، وطبقا لهذا التعريف فان العلماء المتقدمين لم يخرجوا من دائرة أهل السنة إلا المذاهب القائمة على بدعه : كالخوارج والشيعة والمرجئة والتصوف القائم على العقائد الاجنبيه، كالحلول والاتحاد ووحده الوجود.
مذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة عند أعلام المذهب الحنبلي: وإذا كان بعض متاخرى الحنابلة ومعاصريهم ، قد قالوا بمذهب التضييق المذهب ، فقصروا مصطلح أهل السنة على المذهب الحنبلي، فان العديد من ائمه المذهب الحنبلي قد قالوا بمذهب الشمول الشرعي ، فلم يرتبوا على وصفهم للمذهب الحنبلي بمصطلح ” أهل السنة ” ، نفى كون غيره من المذاهب هي من مذاهب أهل السنة ، مادمت مقيده بالضوابط الشرعية ، يقول العلامة السفاريني الحنبلي أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل ، والأشعرية، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (لوامع الأنوار البهية 1 / 73) ، ويقول العـلامة ابن الشطيالحنبلي (فائدة: أهل السنة والجماعة ثلاث فرق، الأثرية وإمامهم الإمام أحمد .والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى.والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع على العقيدة السفارينية، الصفحة / 73) ، ويقول العلامة المواهبي الحنبلي : (طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة) (العين والأثر ص/53).
ب/ طبقا للمذهب الاشعرى" عقديا":والتدين الشعبي العربى هو سني طبقا للمذهب الاشعرى عقديا"كلاميا"، فاغلب المسلمين العرب ينتمون إلى أهل السنة طبقا للمذهب الاشعرى ، وهو المذهب الذي ينتمي إليه اغلب المسلمين في العالم ، وقد اقر بهذه الحقيقة حتى من لا تنتسبون إلى هذا المذهب ، ورد عن الاشاعره في موقع كشف الشبهات (انتشر المذهب الأشعري في عهد وزارة نظام الملك الذي كان أشعري العقيدة ، وصاحب الكلمة النافذة في الإمبراطورية السلجوقية ، وكذلك أصبحت العقيدة الأشعرية عقيدة شبه رسمية تتمتع بحماية الدولة ... كما تبنى المذهب وعمل على نشره المهدي بن تومرت مهدي الموحدين ، ونور الدين محمود زنكي ، والسلطان صلاح الدين الأيوبي ، بالإضافة إلى اعتماد جمهرة من العلماء عليه ، وبخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخرين . ولذلك انتشر المذهب في العالم الإسلامي كله ، ولا زال المذهب الأشعري سائداً في أكثر البلاد الإسلامية وله جامعاته ومعاهده المتعددة ) .
أصول المذهب الاشعرى: ومؤسس المذهب هو الإمام أبي الحسن الأشعري ، الذي كان في أول عهده من المعتزلة ، ثم انفصل عنهم ليكون فرقة هي الأشاعرة، لتصبح فيما بعد أكبر فرق أهل السنة والجماعة، ومن أعلامها الجويني والشهرستاني والغزالي. وأصول المذهب هي:
أولا: التنزيه: تنزيه الذات الإلهية ورفض التشبيه ، وفهم الآيات التي يفيد ظاهرها التشابه بين الله تعالى والإنسان ، على معانيها المجازية المشهورة التي يعرفها العربي من غير تأويل، ثانيا: إثبات الصفات غير الذات:إثبات صفات لله تعالى غير ذاته ، ومنها صفات المعاني وهي القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام،ثالثا:الكسب: وقال الإمام الأشعري أن الفعل الإنساني هو محصلة لخلق الله تعالى وكسب الإنسان، لكنه عرف الكسب بأنه مقارنة قدرة الإنسان للفعل الإلهي، رابعا: مرتكب الكبيرة فاسق: وقال الإمام الأشعري أن مرتكب الكبيرة هو مؤمن فاسق، وهو في مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه، وإن شاء أدخله الجنة ، وإن شاء عاقبة بفسقه وأدخله الجنة، خامسا:. الحسن والقبح الشرعيين: أن الفعل لا يكون حسن أو قبيح في ذاته، بل لأن الشرع أمر به ونهى عنه، سادسا: أفعال الله لا تعلل: أن أفعال الله تعالى لا تعلل، لأن ذلك يقيد إرادة الله، لذا أجازوا بفرض عقلي - لا شرعي - أن يعاقب الطائع ويثاب العاصي استناداً إلى تفسيرهم للآية (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)
اثر التفسير الاشعرى للمفاهيم الاسلاميه على مفاهيم التدين الشعبي العربى: هناك بعض المفاهيم الاسلاميه التي اتفقت المذاهب الاسلاميه"السنية" المتعددة على إثباتها، لورود نصوص فى ذلك ، ولكنها اختلفت في تفسيرها ،ولكن ساد تفسير المذهب الاشعرى لهذه المفاهيم فى التدين الشعبي العربى، لان اغلب المسلمين السودانيين ينتمون إلى أهل السنة طبقا للمذهب الاشعرى - كما سبق ذكره- وترك هذا الأمر أثره - الايجابي أو السلبي - على كثير من أنماط تفكير وسلوك الشخصية العربية، لان اى مذهب بما هو اجتهاد بشرى يتضمن أوجه صواب و أوجه خطاْ، كما أن اى شخصيه تتضمن أنماط من التفكير والسلوك الايجابي والسلبى.
ج/ طبقا لاحد المذاهب الاربعه"المالكى/ الشافعى /الحنفي/ الحنبلى "فقهيا": والتدين الشعبي العربى هو سني طبقا لأحد المذاهب الاربعه المالكي/ الشافعي /الحنفي/ الحنبلي"فقهيا"، فاغلب المسلمين العرب ينتمون إلى أهل السنة طبقا لأحد هذه المذاهب .
د/ مع اثر صوفي : وللتصوف"السني" اثر واضح على التدين الشعبي العربى: ساهمت الطرق الصوفية في نشر الإسلام في العديد من الشعوب العربيه، وأصبح التصوف وقيمه المعرفية والسلوكية "موضوعيا" أحد مكونات الشخصية الحضارية العامة العربيه، بصرف النظر عن الموقف "الذاتي"منه ، وهنا نجد أن الكثير من القيم الايجابية التي تميز الشخصية العربيه كالتعايش السلمي مع الأخر التسامح والتضامن مع الآخرين والزهد... مرجعها التصوف ، كما ساهم التصوف في حل مشكلة المعرفة بالإسلام ذاته، نسبه لجهل الناس بدلالات ألفاظ القران والحديث، وعدم فهم كتب التراث الإسلامي؛ نسبه لأسلوب تدوينها المختلف عما تعارف عليه الناس في عصرهم،وهو ما أدى إلى أن يصبحوا غير قادرين على استنباط قواعده ، ويمارسون حياتهم طبقاً لمذاهب فقهيه لم تحط بواقعهم القبلي والشعوبي، ولا تراثهم الحضاري بصوره تامَّة. فأكملوا ما لم يجدوا فيها بقواعد، وطرق، وتقاليد، وآداب سلوك تتفق بصوره عامة مع (روح) الإسلام؛ ولكنها أكثر تفصيلاً وأسهل إدراكاً يتبعها من (يريد) أن يتبعها( كطريقة) للتعامل مع غيره. غير أن واقع تخلف النمو الحضاري للمجتمعات العربىه - نتيجة لعوامل داخليه وخارجية متفاعلة -، أدى إلى اختلاط التصوف ببعض أنماط التفكير البدعى ، متمثلا في شيوع أنماط من الفهم الخاطئ للإسلام فيه؛ والتي تكتسب قدسية نسبتها إلى الدين، وقد دعي كثير من الصوفية أنفسهم - قبل غيرهم - إلى تحرير التصوف من هذه الأنماط الفكرية والسلوكية البدعيه التي اختلطت به.
الموقف الحقيقي لعلماء أهل السنة من التصوف : وهناك افتراض “خاطئ” مضمونه أن موقف علماء أهل السنة ” بمذاهبهم الفقهية والاعتقاديه المتعددة ” من التصوف هو الرفض المطلق للتصوف، دون تمييز بين أقسام التصوف وأصناف المتصوفة. ووجه الخطأ في هذا الافتراض أن الموقف الحقيقي لعلماء أهل السنة من التصوف يتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق ، إلى موقف نقدي – تقويمي- قائم على قبول أقسام التصوف الموافقة للكتاب والسنة “التصوف السني” ، ورفض أقسامه المخالفة لهما ” التصوف البدعى “، واتخاذ موقف ايجابي من المتصوفة الحقيقيين ، وموقف سلبي من أدعياء التصوف .
أولا: الموقف الايجابي للائمه من الصوفية المنتسبون لمذهب أهل السنة: اتخذ ألائمه موقف ايجابي من الصوفية المنتسبون لمذهب أهل السنة بتفريعاته الفقهية والكلامية المتعددة: ينقل عن الإمام مالك (من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن تفقه ولم بتصوف فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق)( شرح عبن العلم وزين الحلم للإمام ملا على القاري: 1/ 33 ، و حاشية العدوى على الزرقانى: 3/ 195) ، وينقل عن الإمام الشافعي(حبب إلى من دنياكم ثلاث : ترك التكلف ، وعشره الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف )(التصوف المفترى عليه ، محمد قاسم الشوم، دار الكتب العلمية ، ص 50) ، ونقل عن الإمام احمد انه كان ينهى ابنه عبد الله عن مجالسه الصوفية ، فلما صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي أصبح يقول له (يا ولدى عليك بمجالسه هؤلاء القوم فأنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة )(تنوير القلوب للشبح أمين الكردي/ ص405 )، كما نقل عنه قوله (لا اعلم أقواما أفضل منهم، قيل إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعهم يفرحوا مع الله ساعة )(غذاء الألباب شرح منظومة الآداب/السفارينى الحنبلي /1/ 120). ويقول سيفان الثوري( لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء)( الطوسي، اللمع، ص42).
ثانيا:تقرير علماء أهل السنة أن الصوفية-المنتسبون لمذهب أهل السنة – طائفة من أهل السنة: كما قرر علماء أهل السنة أن الصوفية-المنتسبون لمذهب أهل السنة بتفريعاته الفقهيعه والكلامية المتعددة – طائفة من أهل السنة : يقول الإمام السبكى ( اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد فيما يجب ويجوز ويستحيل،وان اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك،وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:الأولى: أهل الحديث،ومعتمد مبادئهم الادله السمعية، الكتاب وألسنه والإجماع. الثانية: أهل النظر العقلي : وهم الاشعريه والحنفية، وشيخ الاشعريه أبو الحسن الاشعرى، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدى، وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه.الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية والكشف والإلهام في النهاية )( شرح عقيدة ابن الحاجب ). ويقول عبد القاهر البغدادي (وقد اشتمل كتاب تاريخ الصوفية لأبى عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفية ما فيهم واحد من اهل الأهواء، بل كلهم من أهل السنة سوى ثلاثة)(أصول الدين ، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ، ط1 ، ص315) ، (مجموع الفتاوى (3/375). ويقول(فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346).
اثر المذهب الحنبلي” الحركة السلفية / الوهابية” على التدين الشعبي العربى:
تعريف بالمذهب: أما المذهب الحنبلي فقد أطلق عليه أنصاره أسماء محدثه منها: الحركة – الدعوة- السلفية، ، بينما أطلق عليه غير المنتمين إليه اسم “المذهب الوهابي”وهو الاسم الذي يرفضه أنصار المذهب من اتباع الشيخ / محمد بن عيد الوهاب، ويرون انه من اختلاق أعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب،ولكن بعض أنصاره لا يعترض على المصطلح إذا كان معناه موافق لحقيقة دعوه الشيخ محمد بن عبد الوهاب،و لا بقصد به تشويه هذه الدعوة أو السخرية منها: يقول الشيخ بن باز (لا يوجد مذهب وهابي، إنما هو طاعة الله ورسوله، الوهابية تدعو إلى ما قاله الله ورسوله، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الذي تنسب إليه الوهابية هو رجل قام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، يدعو الناس إلى ما قاله الله ورسوله، يدعو الناس إلى عقيدة السلف الصالح، من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على منهج أصحابه في الأقوال والأعمال، وهو حنبلي المذهب … فليس له مذهب يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، بل هو يدعو إلى مذهب أهل السنة والجماعة فقط، فإذا دعوت أحدا إلى التوحيد ونهيته عن الشرك فقالوا الوهابية، قل نعم أنا وهابي وأنا محمدي أدعوكم إلى طاعة الله وشرعه، أدعوكم إلى توحيد الله، فإذا كان من دعا إلى توحيد الله وهابيا فأنا وهابي(فتاوى نور على الدرب لابن باز: 3/152).وفى كل الأحوال فان المذهب الوهابي ليس مذهب قائم بذاته ومستقل عن غير من المذاهب العقدية والفقهية الاسلاميه، بل هو إحياء للجانب العملي التطبيقي من مذهب الإمام ابن تيميه،والذي هو اجتهاد في إطار المذهب الحنبلي، احد مذاهب أهل السنة ، طبقا لفهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ،يقول الشيخ بن عثيمين (وأما تسمية أهل التوحيد منهم بالوهابيين فهذه التسمية في الواقع اصُطنِعت لتشويه دعوة التوحيد، وإلا فإن الوهابية ليست مذهباً مستقلاً خارجاً عن مذاهب المسلمين، بل إن جميع كتب هؤلاء العلماء من رسائل ومؤلفات كبيرة وصغيرة كلها تدل على أن هؤلاء القوم أخذوا منهجهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،وأنهم لم يخرجوا عن ما كان عليه محققو الحنابلة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما … وإلا فمن نظر إلى هذه الدعوة بعلم وإنصاف تبين له أنها هي حقيقة مذهب الحنابلة وغيرهم من أهل السنة والجماعة وأنها لا تعدوا ما كان عليه المسلمون من سلف هذه الأمة. )( فتاوى نور على الدرب للعثيمين :20/2).
آماكن انتشار المذهب: وتتبنى المملكة العربية السعودية هذا المذهب ، وظلت تنشره فى كل العالم الاسلامى لفترة طويلة.
محدوديه انتشار المذهب واسبابها : ورغم أن المذهب قد حقق بعض الانتشار في بعض أوساط الشعوب العربية خارج المملكة العربية السعودية ، إلا أن انتشاره يظل محدودا مقارنه بانتشار المذاهب الأخرى – المذهب الاشعرى عقديا والمذاهب (المالكي والحنفي والشافعي) فقهيا – ورجع ذلك إلى عده أسباب أهمها:
أولا:اختلاف خصائص المذهب الحنبلي عن خصائص المذاهب المشار إليها أعلاه ، والتي ينتمي إليها اغلب المسلمين .
ثانيا: اتهام علماء المذاهب السنية الأخرى للشيخ /محمد بن عبد الوهاب وإتباعه بالقول بمذهب التضييق المذهبي لمصطلح ” أهل السنة ” وذلك بالقول بان المصطلح مقصور على المذهب الحنبلي أو حتى المذهب الوهابي ، وما يترتب على هذا من تكفير –او تبديع –المذهب للمسلمين على وجه العموم والصوفية على وجه وقد استندوا فى ذلك إلى ما تفيده دلاله بعض النصوص والرسائل التي كتبها الشيخ/بن عبد الوهاب ، فقد اتهمه هؤلاء العلماء بتكفيره للعامة في قوله (وان الذي عليه غالب الناس، من الاعتقادات في الصالحين وفى غيرهم هو الشرك ، الذي قال الله فيه(انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار))(الرسالة التاسعة والعشرون:7/ 196)،)،واتهموه بتكفير الصوفية في رفضه للممارسات بعض المنتسبين إليه (كثير من أتباع إبليس وأتباع المنجمين والسحرة والكهان من من ينتسب إلى الفقر،وكثير ممن ينتسب إلى العلم….ومرادهم آكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله لدرجه أن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعى العلم انه من العلم الموروث من الأنبياء من علم الأسماء وهو من الجبت والطاغوت)(الرسالة السابعة والثلاثون: 7/266). وقد استمرت تهمه التضييق المذهبي لمصطلح أهل السنة رغم أن هناك العديد من النصوص التي كتبها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، و التي تفيد انه يأخذ بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح ” أهل السنة ” –على المستوى الفقهي – حيث يقول مثلا في رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي أحد علماء العراق(أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، مما هو من حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل)، كما استمرت تهمه تكفير المسلمين والصوفية رغم ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفى هذه الاتهامات: حيث يقول عن الشيخ سليمان بن سحيم (… افترى على أمورا لم اقلها ولم يأت أكثرها على بالى فمنها:قوله: انى مبطل كتب المذاهب الاربعه ، واني أقول أن الناس من ستمائة سنه ليسوا على شي، وأنى ادعى الاجتهاد ، وأنى خارج عن التقليد، وأنى اقو ل آن اختلاف العلماء نقمه ، وأنى اكفر من توسل بالصالحين ، انى اكفر البوصيرى لقوله يا أكرم الخلق، واني أقول لو اقدر على هدم قبه الرسول لهدمتها، ولو اقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت ميزاب من خشب، وأنى احرم زيارة قبر النبي ، واني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما واني اكفر من يحلف بغير الله، وأنى اكفر الفارض وابن عربي ،واني احرق دلائل الخيرات ورض الرياحين…..جوابى عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم (الرسالة الأولى:7/12 – الرسائل الشخصية/ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب دراسة وتحقيق صالح بن فوزان و محمد بن صالح العيلقى/ جامعه الإمام محمد بن سعود / الرياض المملكة العربية السعودية).