الحمد لله الحكم العدل القائل فى حديثه القدسى " ..إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا.."
والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين ،صلى الله عليه وسلم وعلى آله أبد الآبدين ودهر الداهرين
وبعد


سألنى أحدهم : لماذا يعذب الله الناس وهو الذى خلقهم وخلق لهم أفعالهم وأقوالهم فما ذنبهم ؟ (أو قال كلاما قريبا من ذلك)

فرددت عليه بكلام كثير ولكنه كان يعود فيضع أمامى قوله أن كل ما يفعله العباد مخلق لهم فلا يجب أن يُسئلوا عنه

وهذا السؤال كثيرا ما يسأله الملحدون ولكن صاحبى هذا لم يكن ملحدا ولكنه كان مسلما مفرطا!!

وقبل أن نجيب على هذا السؤال لابد لنا أن نقر بأننا جميعا مؤمنون أن الله تعالى حكم عدل حرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرما كما جاء بالحديث القدسى الصحيح ومن قال بغير ذلك فقد كفر
ولكن كثيرين تلح عليهم فكرة أن الله تعالى خلق الخلق وقدر لهم أعمالهم فلماذا يحاسبهم عليها ؟!

وقبل الإجابة لابد أن يعلم القارئ أن كل ما سنذكره سيستند إلى القرآن الكريم والسنة الصحيحة وعلى ما جاء بمذهب الأشاعرة ولن أخرج عنه مطلقا وسيتبين ذلك فى حينه
نقول وبالله التوفيق :

أن الله تعالى قد خلق الكون كله بقدرته وبعلمه فأحكمه أحكاما ولا يجهل ذلك إلا جاهل اعمى البصيرة

والله تعالى هو الأصل فى وجود جميع الموجودات فهو تعالى مُبدِؤها ومُنشؤها من العدم إلى الوجود ، أمره فيها نافذ وحكمه فيها ماضٍ وحكمته فيها تامة، ، وما قدره فيها وعليها يكون، لم يستشر بشأنها أحد ولم يعاونه على إيجادها معين ، فليس لأحد حق الاعتراض أو إبداء الرأى فى أمر من أموره فلم يكن هناك شريك او وزير او معين حين أخرج هذا الكون من العدم إلى الوجود فملكيته تعالى لكافة الموجودات ملكية تامة لا يُنازع فيها ، وله التصرف المطلق فيها بغير الرجوع إلى أحد أو إلى شئ .. وهو إذا كان الأمر كذلك فهو يقضى فيه بما يشاء بغير معارضة أو احتجاج أو مدافعه من أحد ، ولا يملك أحد ذرة فيه، وبغير هذا لايستقيم الكون ولا يكون كونا إلا بهذا..وعلى هذا فلا يوصف فعله وأمره فى الكون بالظلم أو الجور فالأمر فيه أمره والحكم فيه حكمه وما يفعله يكون وما يقضى به نافذ على أى وجه كان ولا يكون فعله إلا حكيما مُحكما

وعلى هذا فإن ما يقضى الله به على بنى آدم من نعيم أو عذاب يكون نافذا على الوجه الذى شاءه ولا توصف أحكامه بالظلم أو الجور بل هو العدل المطلق لما سبق أن ذكرنا
والظلم والجور لا يكون إلا فى أمور يكون للغير في حق أو شراكة وهذا ممتنع تماما

وقد يقول قائل : إذا كان الله تعالى حر فيما يفعل فلماذا حكم على الكافرين بالخلود فى النار ،أليس كان من الأرحم بهم العقوبة بالنار ثم الخروج منها ولو بعد الف عام ؟! نقول إذا كنا آمنا أنه تعالى حكم عدل ، فلابد أن نثق فى قضائه ..ثم أن هذا الحكم مرتبط بقدْر الله العظيم ، فهذه العقوبة عظيمة لأن شأن الله تعالى عظيم فتكون العقوبة على قدر عظمة شأنه

وإذا كان الله تعالى قد حكم بالخلود فى النار على من قتل مؤمنا متعمدا وكان هذا جزاؤه على مخلوق مثله ، ألا يكون حق الله تعالى أعظم من حق المؤمن القتيل الذى هو عبد من عباد الله ؟!!

قال تعالى " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما"الآية 93 سورة النساء

إن العقوبة هنا كادت أن تضارع عقوبة الشرك والكفر مع أنه ليس هناك وجه مقارنة بين المخلوق والخالق جل شأنه

أما الأدلة فمن القرآن قوله تعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون" آية 23 الأنبياء ..وقوله تعالى" ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما " الآية 14 سورة الفتح
وقال تعالى" يهدى من يشاء ويضل من يشاء"

وكذلك قوله تعالى" كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء "المدثر من الآية 31

ويقول تعالى ايضا " والله يحكم لا معقب لحكمه.."
وكل ما سبق ذكره من المشيئة التامة فى الكون والعباد هو كما سبق أن ذكرنا لأنه الأصل فى وجود هذا الكون ولملكيته التامة لكل شئ فيه

ويقول الأشاعرة أن لله أن أن يفعل ما يشاء فى ملكه بغير معارضه أو اتهام بظلم ..فله أن يُدخل من شاء النار ولو كان طائعا ..وله أن يُدخل من شاء الجنة ولو كان عاصيا! والمعنى أن له مطلق التصرف فى ملكه بغير أن يكون ذلك ظلما منه تعالى ، لا أن يفعل ذلك فعلا ..وهذا القول يثير حفيظة إخواننا السلفيين أشد الإثارة ويتهمون الأشاعرة بأنهم يتهمون الله تعالى بالظلم وعدم الحكمة وليس كذلك

وينفى تعالى الظلم عن نفسه بقوله تعالى " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" والله تعالى إذا نفى عن نفسه الظلم فقوله حق وصدق والأمر كما قال ،فيكون عذابه للكافرين عدل لا ظلم فيه كما قال ربنا جل شأنه

وهذا الرأي قد يحتاج إلى مزيد من تأمل وتدبر

فإن تعذر فهمه فها هو رأى آخر صائب ..