النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: أفعال العباد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    عمان-الاردن
    المشاركات
    77

    Post أفعال العباد


    بسم الله الرحمن الرحيم

    أفعال العباد عند الاشاعرة جميعها مخلوقة لله تعالى. والمراد بجميعها الإضطرارية والإختيارية على حد سواء. ومع كونها مخلوقة لله تعالى فإن العبد مختار وليس مجبور في أفعاله الإختيارية مما يجعله مكلفاً في الأفعال التي لاختياره مدخل فيها. فقدرة العبد لا تكون مؤثرة في المقدور على سبيل الايجاد. بل إن إرادته إذا تعلقت بأحد المقدورين، خلق الله تعالى حسب العادة الإلهية فيه قدرة تنصرف على سبيل المقارنة الى المقدور الذي رجحته إرادته فيخلق الله تعالى عند ذلك الفعل في محل قدرة العبد. فقدرة العبد توجد مقارنة للفعل أي عنده ولا تتقدم عليه. وهذا ما يسميه الأشاعرة بالكسب.

    واستدل الأشاعرة على ذلك بالعقل والنقل. فقد ثبت بالبرهان العقلي أن الله تعالى إله مريد قادر وأن قدرته عمت جميع الممكنات، فلو خرج أحد الممكنات عن قدرته تعالى للزم أن يكون عاجزاً عنه لدخوله في مقدور الغير، فإذا وجد فعل العبد بأحد القدرتين فيستحيل إيجاده هو عينه بالقدرة الأخرى لأنه تحصيل للحاصل وإيجاد الموجود وهو محال.

    ولزوم العجز في واحد من الممكنات يلزم عنه العجز في جميعها لاستواء جميعها في الإمكان واستواء نسبة جميع الممكنات الى قدرته تعالى، فيلزم أن لايوجد شيء من العالم، وهذا باطل فثبت أن قدرة الله تعالى تعم جميع الممكنات.

    ومن الأدلة السمعية قوله تعالى "الله خالق كل شيء" وقوله "والله خلقكم وما تعملون" سواء كانت ما مصدرية أو موصولة، وقوله تعالى على سبيل التمدح" أفمن يخلق كمن لا يخلق" والآيات القرآنية التي يمكن الإستدلال بها كثيرة.

    وأما الجبرية فإنهم وإن وافقوا الأشاعرة في أن أفعال العباد الاختيارية والاضطرارية مخلوقة لله تعالى إلا أنهم نفوا أن يكون لإرادة العبد مدخلية في أفعاله الإختيارية وأن لافرق بين نوعي أفعاله بل الكل سواء وهو مجبور في جميعها.

    ومذهبهم هذا باطل لضرورة أنا نجد فرقا بين كلا النوعين من الأفعال. فالضرورة تقضي وجود فرق بين حركة البطش وحركة الارتعاش، وأن الأولى يكون العبد فيها مريدا للبطش بينما يكون مضطراً في الثانية.

    والمعتزلة قالوا بأن العبد مؤثر في أفعاله على سبيل الإيجاد لأنه لو لم يكن خالقاً لأفعاله لما صح أن يكون مكلفاً. وقد رد الأشاعرة عليهم دعواهم بأن الكسب هو مصحح التكليف وليس كون العبد خالقاً لفعله. بل يكفي ان يكون العبد مختاراً لفعله ليصح التكليف.

    وأورد على الأشاعرة أن علم الله تعالى وإرادته تعلقا في الأزل بما سيختاره العبد فيما لا يزال وهذا يستلزم الجبر.

    والجواب أن هذا لايستلزم الجبر لأن العلم يكون تابعاً للمعلوم كما هو في نفسه وتعلق العلم تعلق كشف وليس تعلق تأثير. وكون أفعال العباد جميعها مرادة لله تعالى لا يلزم عنه الجبر. وأورد أن الكافر يكون مجبوراً في كفره وكذا الفاسق في فسقه لأن إرادة الله تعالى تعلقت بذلك أزلاً وإرادة الله لا تتخلف. والجواب أن الله تعالى أراد للكافر الكفر وللفاسق الفسق باختيارهما، إذ علمه تعلق أزلاً بمراديهما فتعلقت إرادة الحق تعالى بذلك وفقاً لعلمه. وهذا كله لايلزم عنه الجبر.

    وأورد أيضاً أن تعلق الإرادة بأحد المقدورين لابد أن يكون لمرجح يرجح أحدهما، فهذا المرجح إن كان من الله لزم الجبر أو من العبد لزم استقلاله في خلق بعض أفعاله وإن الإرادة صفة حادثة فحدوثها إن كان بإرادة العبد لزم التسلسل أو بإرادة الله لزم الجبر وكذلك تعلق الإرادة أمر ممكن واالممكنات مستندة الى الواجب تعالى فيلزم الجبر.


    والجواب أن الإرادة صفة حادثة مخلوقة لله تعالى يخلقها في العبد فبها يختار ويخلق الله تعالى عند ذلك قدرة العبد وفعله. والإرادة صفة تخصص لذاتها لئلا يلزم التسلسل ويرد ذلك على الإرادة القديمة. فلا يرد أن الفعل والترك مستويا النسبة الى الإرادة وإذا تعلقت الإرادة بأحد الطرفين فإن ذلك يكون لمرجح خارج عنها. وكل من قامت به صفة الإرادة فهو متصف بها على الحقيقة فالجبر غير لازم من كونها مخلوقة لله تعالى.

    فإرادة العبد صفة حادثة بإرادة الله تعالى وخلقه وهي قائمة بذات العبد فيكون متصفاً بها مختاراً بها على الحقيقة (وليس مختاراً بالمعنى اللغوي كما قد يفهم من كلام البعض من كون الإرادة لما كانت صفة مخلوقة قائمة في العبد فبذلك يسمى مختاراً). ومع ملاحظة أن تعلق الإرادة بالفعل أو الإمتناع أمر اعتباري (أو حال عند من يثبته) فلا يكون إذا للعبد ثأثير في شيء من أفعاله خلقاً إطلاقاً. ويثبت بذلك كونه مريداً لفعله كاسباً له وليس خالقاً ولا مجبوراً.














  2. #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي العزيز محمد جزاك الله خيراً...

    واسمح لي بأن أناقشك...

    قولك: "والجواب أن الله تعالى أراد للكافر الكفر وللفاسق الفسق باختيارهما، إذ علمه تعلق أزلاً بمراديهما فتعلقت إرادة الحق تعالى بذلك وفقاً لعلمه. وهذا كله لايلزم عنه الجبر".

    أقول: إرادة الله تعالى ليست تابعة لعلمه، وإلا لكان الله تعالى مجبوراً على أن يريد ما علم كونه!

    ولو سلَّمنا ذلك فعلم الله تعالى بما يريد زيد تابع لإرادة زيد، وإرادة زيد تابعة لماذا؟

    فإمَّا أن تكون تابعة لشيء أو لا.

    إن تقل: تابعة لشيء، فيلزمك رجوع ذلك إلى الله تعالى بواسطة أو لا.

    فلئن كان كذلك لزم الدَّور، إذ تكون إرادة الله تعالى تابعة لعلمه بإرادة العبد التابعة لإرادة الله تعالى.

    وإن لم يكن كذلك كان هناك ترجيح من غير مرجِّح.

    فإن قلتَ: إرادتي للقيام هو أمر اعتباريٌّ أو حال، فلا يمتنع ترجيحه من غير مرجح.

    أُجبتَ: هذا الأمر بالاعتباريُّ بميلك للقيام أليس في نفسه ممكناً؟

    نعم بالضرورة.

    فحصوله لا بدَّ أن يكون مرجَّحاً.

    فإن قلتَ: صفة الإرادة للعبد كصفة الإرادة لله تعالى، فهي ترجح من غير أمر خارج عنها.

    أُجِبتَ:

    أوَّلاً: إرادتك هذه هي صفة لك وجوديَّة مستمرَّة، فلو وضعت هذه الصفة عينها فيَّ أو في زيد أو عمرو فهل سأختار أو زيد أو عمرو نفس النتيجة؟

    فإن كان كذلك فلستَ أنت المختار!

    وإن لم يكن، أي إنَّه مهما كنتَ موصوفاً بهذه الصفة فسيكون اختيارك واحداً لا يختلف فهذا يعني أنَّ إرادتك مؤثَّرة تماماً بحالك وعلمك ورغبتك...

    فتعود إلى أنَّ إرادتك تابعة لغيرها!

    إلا أن تقول إنَّ إرادتك تختلف لك لو أعيد أمر هكذا وهكذا من غير سبب خارج، فتكون هنا عشوائيَّة!

    فهل حقيقة حرِّيَّة الإرادة هي العشوائيَّة؟!

    .....................

    - "والإرادة صفة تخصص لذاتها لئلا يلزم التسلسل ويرد ذلك على الإرادة القديمة".

    يرد أن يكون الاشتراك بين صفة الله تعالى وصفة العبد مشتركتان معنوياً، ولك أن تجيب بأنَّ الاشتراك باللازم فقط...

    .......................

    - "فإرادة العبد صفة حادثة بإرادة الله تعالى وخلقه وهي قائمة بذات العبد فيكون متصفاً بها مختاراً بها على الحقيقة (وليس مختاراً بالمعنى اللغوي كما قد يفهم من كلام البعض من كون الإرادة لما كانت صفة مخلوقة قائمة في العبد فبذلك يسمى مختاراً)".

    العبد مختار لحصول الاختيار فيه، وليس هذا أمراً لغوياً من غير معنى!!!

    فهل حقيقة الاختيار هي أن يُنشئ المرء اختياره للقيام؟ أو إنَّ حقيقة الاختيار هي اختياره للقيام؟!

    الصحيح هو الثاني، والأوَّل لا يُشترط أصلاً!

    وليس هو مدلولاً أصلاً لقولنا إنَّ زيداً مختار!

    فليس يلزم أن يكون العبد مُنشئاً لاختياره ليكون مختاراً على الحقيقة.

    ......................

    - "ومع ملاحظة أن تعلق الإرادة بالفعل أو الإمتناع أمر اعتباري (أو حال عند من يثبته) فلا يكون إذا للعبد ثأثير في شيء من أفعاله خلقاً إطلاقاً".

    أمَّا القول بالحال فباطل.

    ولو قلتَ إنَّه أمر اعتباريٌّ فالأمر الاعتباريُّ هو ما ثبوته الذهنيُّ بسبب ثبوت أمر في نفسه هو مغاير للاعتبار، فما هذا الأمر الثابت في نفسه؟

    هل هو عين الإرادة؟

    لا.

    هل هو غيرها؟

    فما هو؟؟؟!

    فيرجع الأمر إلى غير نفس الإرادة.

    ..............................

    وهنا قد يُقال إنَّ العبد له هويَّة معيَّنة، ولهذه الهويَّة نظام عاديٌّ، فيُجري الله تعالى إرادة العبد بحسب طبيعته العاديَّة -ما جرت عليه عادته-...

    فهنا تكون إرادة العبد بخلق الله تعالى، لكنَّ السبب العاديَّ خلق الله تعالى هذه الإرادة في العبد الحالة الاعتباريَّة للعبد التي بحسبها هو مائل إلى فعل كذا أو كذا.

    وربما يكون هذا مرجع قولك.

    أرجو أن أكون قد فهمتُ ما تقرِّر، وأرجو ان لا أكون مزعجاً في الكلام!

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    عمان-الاردن
    المشاركات
    77
    سيدي الفاضل محمد أبو غوش:

    قولك "إرادة الله تعالى ليس تابعة لعلمه" غير صحيح. وإذا لم يكن صحيحاً انهدم ما بنيتَ عليه.

    ولنبين ذلك بعجالة فنقول:

    إن كون الإرادة تابعة للعلم مما لا يُتصور فيه خلاف من عاقل متى أثبت صفة الإرادة القديمة لله تعالى على المعنى الذي يقصده أهل السنة والجماعة. بل إنني أكاد أزعم –فيما أعلم- أن إرادته تعالى كذلك بإجماع أهل السنة (وإلا فاذكر لنا من خالف منهم في ذلك).

    وذلك لأن علم الإله تابع للمعلوم على ما هو به. فليس علمه فاعل ومؤثر في المعلوم خلافاً للفلاسفة الذين زعموا أن علمه علم فعلي له تأثير أو لما زعمه بعض أئمة المعتزلة من أن علمه مخصص للممكنات. بل علمه كاشف للمعلوم مبين له ومحيط به على ما هو به غير مؤثر فيه، سواء كان المعلوم موجوداً أو مما يصح أن يوجد أو لا يصح. وليس هو انطباع المعلوم في النفس كما يقول الفلاسفة فيلزم عنه التركيب وقدم المطبوع. بل هو كاشف ومحيط تابع وغير مؤثر كما بينا.


    وما علم الإله تعالى كونه من الممكنات فإنه يستحيل أن لا يكون وما علم أنه لا يكون فإنه يستحيل أن يريد كونه وإلا كان الإله جاهلاً بما هو عالم به. وحيث أنه سيكون موجوداً فإنه لا يخرج عن إرادة الإله. وإرادته لن تكون إلا على وفق علمه التابع للمعلوم على ما هو به. وإلا لجاز أن يريد ما علم خلافه او يعلم ما يريد خلافه. فيكون معارضاً لنفسه. أو يريد ما لا يعلم وهذا محال.


    فمثلاً قوله تعالى في سورة الأنعام "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه" هل يصح القول بجواز إرادة الإله لهم عدم العود مع قيد علمه بأنهم سيعودن؟ هذا الكلام لا يقال لأنه تعالى لا يعارض نفسه فيما قضاه وفق علمه أزلاً. ولذلك نقول إن إرادته تعالى تكون على وفق علمه.

    وما لم يكن معلوماً لله تعالى (أي ما كان عدماً محضاً وليس له ثبوت في علم الإله) فيستحيل أن يقصد فعله.


    ومع ملاحظة أن العالم قد يكون مريداً قادراً وقد لا يكون، وأن المريد القادر لا بد (أي يجب) ان يكون عالماً بما يريد، وأن القصد الى الشيء لا بد أن يكون بعد العلم به (ولو جملياً) على ما هو به في نفس الأمر من غير تأثير لعلمه فيه، فقد ظهر لك أن المريد لا يريد إلا ما علم. وبعبارة أخرى العاقل يتصور عالماً غير مريد لما علم ولكنه لا يتصور مريداً غير عالم بما أراد. ولهذا يقول أهل السنة الإرادة تابعة للعلم التابع للمعلوم على ما هو به. (على المعنى الذي وضحناه سابقاً من غير لزوم كونه مكرها على ما يريد).

    ولهذا قلنا نقلاً عن شرح العقائد " أن الله تعالى أراد للكافر الكفر وللفاسق الفسق باختيارهما" وذكر في غير موضع أن هذا محقق لاختيار العبد وليس نافيا له. ويصح لنا بذلك الاستدلال بقوله تعالى "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون"

    فليس يلزم، سيدي الفاضل، من كون علم الإله تابعاً للمعلوم (وهو هنا إرادة العبد لشيء من الممكنات) أن يكون سبحانه وتعالى مكرهاً على ما يريد أو يلزم الدور الذي تدعيه. بل إن الله علم أن فلاناً لو وجد فيما لا يزال متصفاً بحرية الاختيار فإنه سيختار الإيمان على الكفر أو الكفر على الإيمان. فإن كان الله تعالى مريداً لإيجاده فإن إرادته لا تكون وفقاً لما لا يعلم. لإن هذا محال.

    وليس يلزم أيضاً الترجيح من غير مرجح لأن العبد مريد والمريد من العباد من تعلقت إرادته بأحد طرفي الممكن فيوقع الله تعالى الطرف الذي تعلقت به الإرادة الحادثة لحظة وجودها. نعم إذا تعلقت الإرادة بأحد الطرفين فإن العبد يكون قد ضيع التعلق بالطرف الآخر وعلى هذا يجازى العبد على اختياره، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.


    لذلك نقول إن الله تعالى قد خلق للعبد الإرادة التي من شأنها أن تتعلق بطرفي الممكن فيرجح أحدهما على الآخر وعلم تعالى أزلاً ما ستتعلق به الإرادة الحادثة لحظة وجودها.

    وهذا التعلق ليس وجودياً حتى يرد تساؤلك بأن حقيقة الاختيار هل هي في أن العبد ينشئ اختياره للقيام أم لا؟ فيزداد السؤال تهكما فيقال فإنشاء الاختيار هل هو لاختيار أم لا .وهذا كله وهم. وأما التزامك بالشق الثاني من تساؤلك وهو أن حقيقة الاختيار هي اختياره للقيام، فإنه اشبه بقول من يقول أن حقيقة الإرادة هي الإرادة أو ان حقيقة الاختيار هي الاختيار. وهذا كلام لا طائل تحته.

    وأما قولك بأن العبد مختار لحصول الاختيار فيه إذا كان بمعنى الارادة التي يصح أن تتعلق بطرفي الممكن فهذا ما أفهمه من كلام أهل السنة. وإلا فأي معنى لها؟

    وأخيراً العبد لا يختار دائماً بحسب نظامه العادي وهذا التلازم بين عادة العبد وإرادته ليس ضرورياً. بل كثيراً ما نشاهد أن العبد يختار بخلاف ما يشتهي ويعتاد. والأمثلة على ذلك تفوق الحصر. وإذا جاز أن يختار العبد فعل شيء وهو كاره له فما هي حقيقة اختياره في هذه الحالة؟ فبان بذلك أن حقيقة ارادة العبد هي جواز التعلق الاعتباري بكلا الطرفين بمعزل عن الميل والهوى والشهوة وهذا التعلق غير مخلوق لأنه اعتباري غير موجود، والعبارة تضيق. وهذا يتيح لنا القول بأن إرادة العبد الحادثة هي من شأنها أن تتعلق بأحد طرفي الممكن فيخلقه الله تعالى في محل قدرته. ولا يلزم على ذلك أن يكون التعلق هو عينه إذا وضعت نفس الإرادة (على المعنى الذي ذكرتُ) في زيد وعمرو. وحتى أنه يجوز أن نلزمك بكلامك من حيث أن عادة زيد تختلف عن عادة عمرو فيكون اختيار كل واحد منهما غير اختيار الآخر.

    فإن قلتَ بأن اختلاف الاختيارين إنما هو لأمر في العبد خارج عن الإرادة لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح. كان هذا قولاً بالطبع حتماً وهو محال في الشاهد والغائب. أو قلت بأنه لأمر خارج عن إرادة العبد كان هذا قولاً بالجبر المحض والله تعالى أعلم.

    ..............................................

    هذا ما يفهمه العبد الجاهل الفقير من كلام أهل السنة باستثناء الإمام الرازي رحمه الله تعالى. فإن كان لك فهم آخر لكلام علماء أهل السنة فأرجو التوضيح لنستفيد.
    والسلام عليكم

  4. #4
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    سيدي محمد،

    - "قولك "إرادة الله تعالى ليس تابعة لعلمه" غير صحيح. وإذا لم يكن صحيحاً انهدم ما بنيتَ عليه" .

    أقول: اسمح لي بأن أجيب بجواب مختصر واضح...

    هل الله تعالى مريد لخلق العالم لأنَّه عالم بأنَّه سيخلق العالَم؟

    إن قلتَ: نعم. لزم الدور.

    وإن قلتَ: لا. خرجتَ عن قولك.

    أمَّا لزوم الدور فبأنَّ العلم كاشف تابع لا مؤثِّر.

    .....................

    - أمَّا أنَّ المريد لا يكون مريداً إلا إن كان عالماً فصحيح، لكن لا بأن يكون عالماً بما سيريده! بل بأن يكون عالماً بإمكان حالين لشيء له، فيختار ما يشاء من الحالين، فلا يُتصوَّر اختيار لحال دون آخر بإرادة إلا بالعلم بصحَّة الحالين وإمكانهما.

    وفرق بين العلم بإمكان الشيء والعلم بوقوعه كما تعلم.

    فإن قلنا إنَّ الإرادة تتبع العلم من جهة أن يكون المريد عالماً بإمكان حالين فهضا صحيح، وإن قلتم إنَّ الإرادة تتبع العلم بكون الشيء سيكون فهذا الباطلُ.

    فلا أراني أخالف أهل السُّنَّة في ذلك!

    بل إنَّ الدَّليل المعتمد المعتبر على إثبات الله تعالى عالماً إنَّما هو أنَّه تعالى مريدٌ.

    .........................

    - قولك: "وذلك لأن علم الإله تابع للمعلوم...".

    أقول: صحيح، فالعلم كاشف لا مؤثِّر.

    ...........................

    - "وما علم الإله تعالى كونه من الممكنات فإنه يستحيل أن لا يكون".

    غريب؟!

    بل يمكن أن لا يكون وإن علم الله تعالى أنَّه من الممكنات!

    ......................

    - "وما علم أنه لا يكون فإنه يستحيل أن يريد كونه".

    هذا صحيح، ولا خلاف فيه بحمد الله.

    وربما هو مرادك من الجملة السابقة.

    ..........................

    - "وحيث أنه سيكون موجوداً فإنه لا يخرج عن إرادة الإله. وإرادته لن تكون إلا على وفق علمه التابع للمعلوم على ما هو به. وإلا لجاز أن يريد ما علم خلافه او يعلم ما يريد خلافه، فيكون معارضاً لنفسه".

    أقول: منشأ الخطأ أخي الفاضل هو الخلط بين العلم بإمكان الشيء والعلم بوقوعه.

    ......................

    - "أو يريد ما لا يعلم وهذا محال".

    أسأل: ما لا يعلم أنَّه سيكون؟ أو ما لا يعلم إمكانه؟

    الثاني صحيح، والأوَّل غيرُ لازم عن الثَّاني، وهو الباطل.

    ......................

    - "فمثلاً قوله تعالى في سورة الأنعام "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه" هل يصح القول بجواز إرادة الإله لهم عدم العود مع قيد علمه بأنهم سيعودن"؟

    العلم أخي الكريم تابع لا مؤثِّر، فالله تعالى لم يرد لهم أن يعودوا، وهو عالم بما يريد وبما سيكون.

    .......................

    - "وما لم يكن معلوماً لله تعالى (أي ما كان عدماً محضاً وليس له ثبوت في علم الإله) فيستحيل أن يقصد فعله".

    هذه العبارة مشكلة أخي الفاضل، فالله تعالى عالم بامتناع الممتنعات، فلا شيء يقال عليه بأنذَه شيء –بمعنى المذكور- إلا والله تعالى عالم به.

    ....................

    - "على المعنى الذي وضحناه سابقاً من غير لزوم كونه مكرها على ما يريد".

    بل إن كانت إرادته تعالى تابعة لعلمه بالطريقة التي تقول فهو يمتنع عليه أن يريد خلافه، فلا يكون ممكناً له خلقُ العالم بل يكون واجباً عليه!

    فإنَّه إن علم أنَّ العالم سيكون فإيجاد العالم ليس يمكن له تركه، فيكون مضطرّاً إلى فعله –لا مكرهاً-.

    وهو ظاهر البطلان!

    ........................

    - وما نقلتم عن شرح العقائد صحيح بلا ريب، واختلافنا في فهمه!

    فإنَّ الله تعالى قد أراد أن يخلق للعبد الفعل الموافق لإرادته، ولو شاء الله تعالى لما خلقه، فإرادة الله تعالى ليست تابعة للعلم بما يريد العبد، بل الله تعالى عالم بما سيريد العبد، وهو بمحض اختياره أراد أن يوافق فعل العبد إرادته. لا بأنَّه تعالى أراد أن أرفع يدي لعلمه بأنِّي أريد أن أرفع يدي!

    ليست علة إرادته تعالى لرفع يدي هي إرادتي بتوسط علمه تعالى.

    هذا مهمٌّ جدّاً.

    .......................

    - "وليس يلزم أيضاً الترجيح من غير مرجح لأن العبد مريد والمريد من العباد من تعلقت إرادته بأحد طرفي الممكن".

    أقول: المسألة هنا!

    هل تنكر الترجيح من غير مرجِّح لإرادة العبد بأن يقوم مثلاً؟؟؟

    إذن: إرادته تابعة لشيء آخر!

    .........................

    - "لذلك نقول إن الله تعالى قد خلق للعبد الإرادة التي من شأنها أن تتعلق بطرفي الممكن فيرجح أحدهما على الآخر وعلم تعالى أزلاً ما ستتعلق به الإرادة الحادثة لحظة وجودها".

    سيدي هنا المسألة، هل يمكن عقلاً أن يتَّصف العبد بإرادة تكون هي منشأ الإرادات الجزئيَّة؟

    .......................

    - "وهذا التعلق ليس وجودياً حتى يرد تساؤلك بأن حقيقة الاختيار هل هي في أن العبد ينشئ اختياره للقيام أم لا"؟

    أقول: سيدي هنا فرق بين ما أسأل وما أجبتَ به...

    هل كون المختار مختاراً هو بكونه مختاراً محبّاً مريداً للقيام؟

    أو إنَّ ذلك بكون اختياره هذا مصدره هو؟

    سؤالي واضح سيدي!

    ........................

    - "وأما التزامك بالشق الثاني من تساؤلك وهو أن حقيقة الاختيار هي اختياره للقيام، فإنه اشبه بقول من يقول أن حقيقة الإرادة هي الإرادة أو ان حقيقة الاختيار هي الاختيار. وهذا كلام لا طائل تحته".

    سيكون له طائل عندما يكون هناك من يقول إنَّ المختار هو الذي يكون اختياره ناشئاً منه هو!

    وعلى كلٍّ الذي أقول هو التعريف لحقيقة الاختيار لغة، فله طائل.

    .......................

    - "وأما قولك بأن العبد مختار لحصول الاختيار فيه إذا كان بمعنى الارادة التي يصح أن تتعلق بطرفي الممكن فهذا ما أفهمه من كلام أهل السنة. وإلا فأي معنى لها"؟

    أقول: نعم، هي الإرادة التي يمكن أن تكون لهذا الطَّرف أو ذا، لكنَّها في حقيقتها ليس إلا لواحد من الطرفين.

    هي مخلوقة موجَّهة تُجاه أحدهما.

    ...................

    - "وأخيراً العبد لا يختار دائماً بحسب نظامه العادي وهذا التلازم بين عادة العبد وإرادته ليس ضرورياً".

    سيدي أنا أقصد القانون العاديَّ العامَّ، لا العادة العرفيَّة.

    - "بل كثيراً ما نشاهد أن العبد يختار بخلاف ما يشتهي ويعتاد".

    وكلُّ هذه المشاهدات لها أسباب، فإن غيَّر شخص عادته فلسبب، وهو جريٌ على قانون العادة!

    .............................

    - "وإذا جاز أن يختار العبد فعل شيء وهو كاره له فما هي حقيقة اختياره في هذه الحالة"؟

    من قال إنِّي أقول بهذا؟!

    ..................

    - "ولا يلزم على ذلك أن يكون التعلق هو عينه إذا وضعت نفس الإرادة (على المعنى الذي ذكرتُ) في زيد وعمرو".

    أقول: إذن: اختيار عمرو ليس على نفس إرادته! وكذا زيد!

    - "وحتى أنه يجوز أن نلزمك بكلامك من حيث أن عادة زيد تختلف عن عادة عمرو فيكون اختيار كل واحد منهما غير اختيار الآخر".

    أنا أسلِّم هذا أصلاً.

    .......................

    - "فإن قلتَ بأن اختلاف الاختيارين إنما هو لأمر في العبد خارج عن الإرادة لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح. كان هذا قولاً بالطبع حتماً وهو محال في الشاهد والغائب".

    لِمَ؟

    ......................

    - "أو قلت بأنه لأمر خارج عن إرادة العبد كان هذا قولاً بالجبر المحض".

    فالجبر هو الإكراه، وكون إرادة العبد قد حصلت به بسبب خارجيٍّ لا يكون فيه إكراه...

    فالإكراه هو الفعل بخلاف الإرادة.

    وإنِّي أقول إنَّ فعل العبد موافق لإرادته.

    إذن: الإكراه خارج عن قولي.

    والجبر هو الإكراه.

    إذن: أنا لستُ جبريّاً!

    وإن صحَّحتُ كون إرادة العبد بالاضطرار، فالعبد فاعل بالاختيار مختار بالاضطرار.

    .............................

    وجزاك الله خيراً على متابعة هذا النِّقاش، وأرجو أن نبقى فيه لعلَّنا نستطيع الاتفاق على أمور واضحة.

    وإنَّما أنا أناقشك على ما طرحتَ.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    عمان-الاردن
    المشاركات
    77




    سيدي محمد أبو غوش:

    كون التخصيص الواقع بالارادة القديمة لا يكون إلا على وفق علمه تعالى لا يستلزم الدور. وذلك أنا نقول أن الله تعالى يعلم الممكن أن لوكان كيف كان يكون أي يعلم حاله كيف يكون عند وجوده ويعلم كذلك ما سيختار في حال وهبه الإرادة... ولذلك لو فرضنا أن إرادته تعالى ليست تابعة لعلمه بما سيكون من الممكن حال وجوده فإن ذلك يلزم عليه الجهل في جانب الذات الإلهية تعالت وتقدست إذا نفذت إرادته بأن يريد خلاف ما علم، أو يلزم أن يكون مقهوراً بأنه أراد ما علم أنه لا يقع.

    ولذلك فإن مذهب الإمام الأشعري أن ما علم الله أنه يكون أراده وما علم أنه لايكون لا يريده. وربما مقصوده من كونه لا يريده أنه أراد عدم وقوعه. ويلاحظ أن علمه بأنه كائن لا يلزم منه إلا أنه يقع ولا يلزم منه نفي صحة وقوع النقيض.

    وعلى ذلك نقول هذه العلاقة بين العلم والإرادة، أي التبعية لا تستلزم التأخر في الزمان إذ لا زمان في القدم، ولا تستلزم كذلك القهر لأن الإرادة تابعة للعلم والعكس صحيح. أي إرادته تعالى تخصص على وفق علمه بماهية الممكن فلا بد من سبق العلم، وكذلك علمه يكون على وفق إرادته أي عالم أزلاً بما أراد.

    والآية الكريمة التي ذكرناها تمثل على ذلك. فقوله تعالى (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) يمكن أن يقال فيها أن الله تعالى يعلم منهم في حال وجودهم ما يكون منهم من الكفر والضلال باختيارهم، أي بترجيحهم الكفر على الإيمان وبتوجههم إرادتهم وقصدهم وكذلك قدرتهم الحادثة إلى الكفر فيكونون بذلك قد ضيعوا إرادة الإيمان والقدرة عليه، فيعاقبون على هذا التعلق وذلك التضييع. وليس في ذلك جبر بل هو اختيارهم وترجيحهم. ولا يضر بعد ذلك خلافك معي سيدي الفاضل في كون هذا التوجه أو التعلق أو الأمر الإضافي هل هو وجودي فيلزم أن يكون مخلوقاً لله تعالى أم هو عدمي وليس بمخلوق.

    وبهذه الطريقة فهمتُ كلام الإمام التفتازاني الذي مفاده أن الله أراد للكفار الكفر وللفاسقين الفسق باختيارهم فلا جبر.

    ومع ذلك نقول هذه المشيئة الحادثة تابعة للمشيئة القديمة. قال تعالى (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين). أي شاء الله أن تكون لكم مشيئة حادثة علم أزلاً ما يكون حالها من التوجه فيما لايزال. ولك هنا أن تقول فخلق الله لهم هذا التوجه تحقيقاً لاختيارهم – إن كنت مصراً على أن هذا التوجه وجودي. أو نقول أن هذا التوجه يرجع إلى العبد وهو مدخلية العبد في فعله وهذا لا يضر بالمقصود لأنا نزعم أن هذا التوجه لم يوجده العبد لأنه أمر اعتباري أو أمر إضافي فيتم لنا المراد.

    وقد يساعد في ذلك بعض ما ذكره العلماء في تعريف الكسب أن للعبد قدرة تختلف بها النسب والاضافات فقط كتعيين احد طرفي الفعل والترك وترجيحه ولا يلزم منها وجود امر حقيقي فالامر الاضافي الذي يجب من العبد ولا يجب عنده وجود الاثر هو الكسب. (التعريف من شرح المقاصد)

    وإذا كنا متفقين على أن الصفة الحادثة تتعلق ولا تؤثر كتعلق الإرادة الحادثة بفعل الغير أو تعلق القدرة الحادثة بالمقدور عندنا ظهر لك أن هذا التعلق أو التوجه أو الترجيح ليس بالأمر الوجودي.

    وأما أن الدور ليس بلازم:
    فلأن علم الله تعالى بالممكن ليس متوقفاً على كونه موجوداً، (حتى يلزم أن يكون علمه متأخراً على وجود الممكن ومتوقفاً عليه ثم بعد ذلك تكون إرادته تابعة لعلمه التابع لوجود الحادث التابع لإرادة الله فيلزم الدور)،،، ولكنه عالم بماهيته حال عدمه لم يزل، ثم علمه بحاله كيف يكون عند وجوده فيما لا يزال مستمر أزلاً وفيما لا يزال. ثم التخصيص يكون على وفق علمه تعالى – دون تأخر إذ لا زمان كما لا يخفى- وذلك لئلا يلزم الجهل أو القهر. ثم الله تعالى بعد ذلك كله عالم بمراد نفسه لم يزل. فلا ترتب بالزمان ولكن الترتب بالتعقل... فلا دور ولا محال والله أعلم.



  6. #6
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    سيدي هكذا بهذا التفصيل أنت تخرج عن الدور!

    فالعلم الذي تقصده العلم بماهيات الأشياء أحكامها كالإمكان.

    وينتقل الخلاف إلى مسالة كون الإرادة الجزئيَّة اعتباريَّة أو حالاً.
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  7. بوركت سيدي أبو غوش .. كلامك درر

    "فإنَّ الله تعالى قد أراد أن يخلق للعبد الفعل الموافق لإرادته، ولو شاء الله تعالى لما خلقه، فإرادة الله تعالى ليست تابعة للعلم بما يريد العبد، بل الله تعالى عالم بما سيريد العبد، وهو بمحض اختياره أراد أن يوافق فعل العبد إرادته. لا بأنَّه تعالى أراد أن أرفع يدي لعلمه بأنِّي أريد أن أرفع يدي!

    ليست علة إرادته تعالى لرفع يدي هي إرادتي بتوسط علمه تعالى.

    فالجبر هو الإكراه، وكون إرادة العبد قد حصلت به بسبب خارجيٍّ لا يكون فيه إكراه...

    فالإكراه هو الفعل بخلاف الإرادة.

    وإنِّي أقول إنَّ فعل العبد موافق لإرادته.

    إذن: الإكراه خارج عن قولي.

    والجبر هو الإكراه.

    إذن: أنا لستُ جبريّاً!

    وإن صحَّحتُ كون إرادة العبد بالاضطرار، فالعبد فاعل بالاختيار مختار بالاضطرار."
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •