من طرق الاستدلال عند بعض المتكلمين وغيرهم أنه لو لم يثبت دليل على شيء وجب نفيه.

مثاله قول بعض علمائنا بأنه لم يثبت دليل (قطعي) على اتصاف الله تعالى بما يزيد على ما نعلم من الصفات فوجب نفي الزيادة في العدد.

وهذا الاستدلال متضمن لمغالطة في الاستدلال العقلي، وقد نبه على ذلك الفخر رحمه الله ورضي عنه.

والمغالطة فيه ظاهرة في أن عدم العلم بشيء ليس علما بعدمه، عدم العلم بشيء جهل به، فالانتقال من الجهل بشيء إلى الحكم بعدمه حكم منبن على جهل.

أما في الأدلة النقلية فعدم الدليل على شيء معتبر في الأحكام الوضعية، ليس لمحض عدم ورود الدليل، بل لأن الدليل النقلي للحكم الوضعي إن كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة فلو كان هناك مخصص له لوجب العلم به لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة، ولو فرضنا مخصصا لم يصلنا فلا نكون مكلفين به مؤاخذين عليه أصلا، فيبقى العموم للأصل المخاطب به.

ولذا قال الفخر رحمه الله ورضي عنه في الأربعين إننا بالقرائن نعلم سقوط الاحتمالات العشرة.

ومثال هذا في الأحكام الوضعية أننا نجزم بأن كل مسلم مكلف بالصلاة مكلف بصلاة المغرب ٣ ركعات.

فقد يقال إنه ليس هناك دليل على منع أن للمسافر مثلا أن يصليها ركعتين، فيكون الدليل على وجوب صلاة ٣ ركعات لصلاة المغرب للمسافر محتملا لا مقطوعا.

فنقول إن عدم الدليل يبقي لنا الدليل المقطوع به، فهو الذي نحن به مخاطبون، وقرينة التواتر العملي توكد ذلك. فبعد هذا نجزم ببطلان ذلك الاحتمال.

إذن، الدليل النقلي الدال على الحكم الوضعي خطاب من الله تعالى، ونحن مخاطبون بما يبلغنا عن الله تعالى، وما لم نبلّغ به فلسنا مكلفين به، وما بلغنا ظنا فلسنا مؤاخذين على عدم أخذه قطعا بفضل الله تعالى.

اااا

والحاصل أن الاستدلال على عدم شيء بعدم الدليل عليه لا يصح دليلا في المعقول، وفي الأحكام الوضعية يصح بالقرينة لا لذاته.