صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 31

الموضوع: السر الأفخم

  1. #16
    قال تعالى " ادعوا ربكم تضرعاً وخُفْيَةً إنه لا يحب المعتدين "الأعراف آية 55

    وقالوا عن قوله تعالى (إنه لا يحب المعتدين) فهذا يدل على النهي عن الاعتداء في الدعاء.

    وقد تقاربت أقوال العلماء في بيان معناه هنا - أي الـمـتـعلق بالدعاء - وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى (إنه لا يحب المعتدين) (2).
    منقــــــــول
    وقد ذكروا أنواعا كثيرة بعضا من الإعتداء فى الدعاء منها على سبيل المثال:
    أن يسأل ما لا يصلح له: مثل أن يسأل منازل الأنبياء، أو أن يكون مَلَكاً لا يحتاج إلى طعام ولا شراب، أو أن يُعطى خزائن الأرض، أو يُكشف له عن الغيب، أو غير ذلك مما هو من خصائص الربوبية أو النبوة
    ولكن الرجل سأل الله أعظم مما سبق ذكره من مطالب!
    فعلام استند فى مسائله تلك؟!
    استند رحمه الله على هذا الحديث القدسى :

    " ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى من أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه،
    فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها وفؤاده الذي يعقل به..
    "أخذ رحمه الله بظاهر هذا الحديث
    فإن من كان الله تعالى له سمعا وبصرا ويدا ولسانا..فإنه يكون عبدا إلهيا أو ربانيا ويكون له من الصفات ما ليست لأحد غيره إلا من فعل كفعله ..
    ولكن الحديث يشترط لنوال هذه المنزلة أن يتقرب إلى الله بالنوافل ويحبه الله تعالى : ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه،
    فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ..الحديث
    فهل حقق شرط الحديث ؟ نعم حقق شرط هذا الحديث وصار وليا من أولياء الله بل قطبا من الأقطاب..ولذلك تجرأ وسأل الله تعالى من فضله مستندا إلى وعد الله تعالى كما جاء بالحديث الذى بين أيدينا " وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده "
    ولكنى أرى أن الرحل رحمه الله كان لا يقصد أن تتحقق له هذه المسائل ولا غيرها فماذا كان يقصد ؟


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  2. #17

    واستند فى قوله هذا :

    وأن تمدني يا إلهي بنور من عظمة ذاتك في بصري تجليا لو قدر تجزئه ذلك النور على خمسين مائة ألف ألف ألف ألف ألف جزء
    كل ذلك يا الهى مضروبا فى خمسين مائة ألف ألف ألف ألف ألف مثل من أمثاله إلى مالا نهاية له لو نظرت بجزء واحد من جميع ذلك لجميع العوالم لذابت واحترقت في أقل من لمحه!!ا
    ستند فيه إلى هذه الآية:

    قال تعالى فى سورة الأعراف " .. ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربي أرني انظر اليك، قال لن ترانى، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا، فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين" الآية 143

    وعن أنس قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) قال : وضع الإبهام قريبا من طرف خنصره ، قال : فساخ الجبل
    والحديث يشير إلى أن الجبل لم يحتمل أقل قدر من رؤية الله عز وجل، حيث وضع صلى الله عليه وسلم إبهامه قريبا من طرف خنصره ليبين كيف أن أقل قدر من التجلى الإلهى لم يحتمله الجبل وصار كأن لم يكن
    ولما كانت رؤية الله تعالى لا تتجزأ وكذلك كافة صفاته تعالى ولكن ذلك القياس إنما هو بالنسبة إلى الجبل وليس إلى الله تعالى


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  3. #18

    وكما قلت أن الرجل ليس حريصا تماما على أن يستجاب له، وإنما هو يريد شيئا آخر فما هو ؟!
    الرجل رحمه الله ورضى عنه إنما يريد أن يشيد بعظمة ذات الله تعالى والتى لا تضارعها ولا تماثلها ذات من الذوات، وأن ينبه الأذهان ويفهم العقول والقلوب ماهية عظمته تعالى والتى أخبرت عنها الآية، وبشئ من التفصيل كما جاء بحزبه رحمه الله ــ
    وكان سبيله إلى ذلك هو التوجه إلى الله تعالى والتضرع إليه أن يعطيه من الأنوار كذا فيكون من شأنه كذا..

    فيقول مثلا : وأن تمدني يا إلهي بنور من عظمة ذاتك في بصري تجليا لو قدر تجزئه ذلك النور على خمسين مائة ألف ألف ألف ألف ألف جزء
    كل ذلك يا الهى مضروبا فى خمسين مائة ألف ألف ألف ألف ألف مثل من أمثاله إلى مالا نهاية له لو نظرت بجزء واحد من جميع ذلك لجميع العوالم لذابت واحترقت في أقل من لمحه..!!


    فهو يسأل الله تعالى أن يخلع عليه نورا من نور عظمة ذاته تعالى لو نظر بقدر ضئيل جدا من هذا النور إلى الكون لتلاشى فى أقل من لمحة!!!وهذا الوصف لا يكون إلا لله تعالى
    فهو بهذا يلفت أنظارنا ويوقظ منا عقولنا وقلوبنا إلى عظمة الله تعالى وأنه إذا كان مخلوق قد منحه الله تعالى شيئا من نوره قد فعل هذا بالكون، فكيف بـــالله تعالـــى ؟!!
    وهذا كله قد جاء ضمنا فى قوله تعالى " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرموسى صعقا.." الآية

    وقد سبق أن ذكرنا: عن أنس قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا " قال : وضع الإبهام قريبا من طرف خنصره ، قال : فساخ الجبل
    فالحديث يشير إلى أن الجبل لم يحتمل أقل قدر من رؤية النور الإلهى..وهو ما اعتمد عليه شيخنا رحمه الله فى وصف عظمة الله جل شأنه فى حزبه، بالإضافة إلى الآية

    وقال رحمه الله أيضا :.. وتمدني يا إلهي بمثل ذلك كله نورا مضروبا في كل ذلك خمسين مائة ألف ألف ألف ألف ألف مرة في بصيرتي ثم بمثل ذلك كله نورا في سمعي ثم بمثل ذلك كله نورا في عقلي

    ثم يعدد اعضاءه عضوا عضوا إلى أن يقول :
    ثم بمثل ذلك الجميع نورا مضروبا في الجميع خمسين مائة ألف ألف ألف ألف ألف مرة في ذاتي...لو قدر أن كل ذرة من ذرات أجزاء الوجود لوح أو قرطاس سعته على قدر العالم خمسين مائة ألف ألف ألف ألف ألف مرة
    يُكتب في ذلك حصر عدد نوع واحد من أجزاء ذلك النور لعجزوا ولم يستوفوه بوجه من الوجوه


    وهو هنا، وفيما جاء بعد ذلك، يريد أن يقول لنا أن نور الله تعالى فوق الوصف وفوق الحصر وفوق الإحاطة وهو كلام صحيح تماما
    وقد سبق أن ذكرنا أنه اعتمد فى ذلك على الحديث القدسى : ما تقرب إلىّ عبدي بشيء أحب إلى من أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه،
    فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به..
    " الحديث


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  4. #19

    الحمد لله الولى الناصر الحميد المجيد الفعال لما يريد
    والصلاة والسلام على الهادى البشير الهادى إلى طريق الفلاح وعلى آله وصحبه ما جن ليل وأشرق صباح
    وبعد ..

    فهذه مناظرة رائعة حدثت بين سيدى أحمد بن ادريس وبعد علماء تهامة ببلاد الحجاز، وفيها معلومات وحقائق قيمة
    عند بعض من يلتبس على كثير من الناس أمرها، وفيها أيضا كشف لحقيقة بعض الأعلام الذين أختلف الناس حولهم


    مناظرة سيدى أحمد بن إدريس رحمه الله تعالى

    أطراف المناظرة :
    أحمد بن إدريس: وهو أحد أعلام التصوف في بلاد المغرب
    ولد بميسور (من قرى فاس بالمغرب) سنة (1163هـ - 1750م). تعلم بفاس وقرأ الفقه والتفسير والحديث، وأسس الطريقة الإدريسية المعروفة أيضا بالطريقة الأحمدية، وانتقل إلى مكة سنة (1214 هـ) فأقام نحو ثلاثين سنة، ثم رحل إلى المخلاف السليماني سنة (1246هـ) فعاش ودفن في "صبيا" (اسم بلدة )
    وقد قام أحد مريديه بجمع بعض كلامه وآرائه ومروياته في كتاب سماه "العقد النفيس"، وجمع أيضًا "مجموعة الأحزاب والأوراد

    ومناظروه هم :
    الفقيه عبد الله بن سرور
    وهو ممن حفظ القرآن ، ولم يتفقه إلا بشئ يسير أخذه من بعض علماء تهامة ، ولم يتمكن في العلوم ، حتى يميز بين المعلوم والموهوم ، واتخذ بلاد عسير وطنا له ، ودان بمعتقد الطائفة النجدية أي الذين هم على مذهب محمد بن عبد الوهاب في إطلاق الشرك الأكبر على جميع الأمة المحمدية ، من غير تفريق بين الموحد منهم والمشرك الذي يعتقد النفع والضر في غير الله تعالى

    ناصر الكبيبة وعباس بن محمد الرفيدي: فقيهان

    مقدمة : اسباب المناظرة مع سيدى أحمد بن إدريس ومآخذ مناظريه عليه وعلى أتباعه:

    تلقى الفقيه عبد الله بعض العبارات من بعض أصحاب شيخنا السيد أحمد نفعنا الله به، وعرضها على ما بلغ إليه علمه ، فأعتقد أنها خارجة عن معتقده ، وأنها ليست من العلوم التي دان بها هو وأهل بلده ومازال يراجعني فيما كان يسبح . وأرشده إلى ما يصون عرضه ودينه ، فلم يذعن لنصائحي ، وقد تحقق أني لا أقبل منه طعنة في شيخنا ، رضي الله عنه .
    ومازال يصرح أن السيد أحمد بن إدريس يعتقد مذهب ابن العربي من الاتحاد والحلول ، يعني أن الله تعالى يحل في كل صورة ، ويتحد بها . وهذا كفر ، وهو مذهب النصارى تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وقد كتب نسخة حصر فيها اعتراضاته على شيخنا
    منها اعتقاده بهذه النحلة الكفرية ، وأن أصحابه يبالغون في تعظيمه بما يقرب من عبادة الخالق ، من تقبيل يديه ورجليه ، والخضوع الزائد له وأنهم يحملونه على السرير إلى بيته إذا خرج ، ولا يرضون مشياً على الأرض إكباراً وتعظيماً ، وأن هذا عين الشرك ، لأنه لا يستحق التعظيم بمثل ذلك إلا الله تعالى وإن أصحابه قد أشركوا بمثل هذا الفعل ، وأن إقرارهم عليه خطأ ، وأن اعتقاد مذهب ابن العربي كفر كما كفره بذلك طائفة من العلماء وأن السيد أحمد يفسر القرآن بغير ما تدل عليه اللغة العربية ، مما لا تقتضيه دلالة الكلام ، على اختلاف أنواعه وأنه يؤخر صلاة العصر حتى تصفر الشمس ، ويصلي فريضة المغرب بقرب صلاة العشاء ، بسبب تطويل الركعتين قبل صلاة المغرب وكلا الأمرين منهي عنه
    وأن بعض أصحابه يصحب الأحداث ، ويستحسن مجالسة أهل الصورة الحسنة من المراد ، وربما جرى من بعضهم الفاحشة وان منهم من يختلي بالأجنبية من النساء ، ولا يحترز من المقدمات التي هي رائد الزنا ومنهم من يقدح في علوم الشرع ، وفيما ألفه علماء الإسلام من أصل وفرع وهذه أمور لا يحل لأي أحد السكوت عليها ، ولا يليق ولي الأمر أن يتغافل عنها
    ولما كتب عبد الله بن سرور هذه المسائل في رسالة . بعث بها إلى الأمير على بن مجثل فأرسلها الأمير أولاً إلى الشيخ العلامة إبراهيم بن أحمد الزمزمي ، وهو من العلماء الراسخين في العلم . وبعد إطلاعه عليها أرشد الأمير إلى إعدامها وتمزيقها ، وألا يصغى إلى شئ مما فيها ، ويزجر مؤلفها ويمنعه من التعرض لما لم يبلغ إليه

    فهمه . فلم يصغ الأمير إلى كلامه ، واستحسن رأي (مطاوعته) مثل الفقيه ناصر الكبيبي الذي تولى تقرير ذلك الأمر في الاعتراض واعتقد أن ذلك من نصرة للدين . حتى أدى الحال إلى أن الأمير أرسل كتاباً بخطه إلى السيد محمد بن حسن بن خالد . عامل صبياً يشير عليه بأن من يتبع أقوال السيد أحمد بن إدريس من اصحابه يؤمر

    بالخروج من صبيا . ويسفر إلى البلاد البعيدة . فلم يستحسن ذلك الصنع . بل راجع الأمير هو وبعض علماء الجهة في عدم استحسانه هذا الرأي .
    أما ناصر الكبيبي هذا فذو دعوة عريضة في العلم . وليس هو في الحقيقة كمستواه ، وإنما هو ذو مكر ونفاق . وقد خدع بمكره ونفاقه من لا يدري الحقائق . ولو أنه جلس بين يدي من إلى الصواب لرجع عن تخطئة غيره ورميه بكل مكروه

    فلما نزل الأمير من السراة إلى أبي عريش لجهاد الأتراك الموجودين فيه ، ووصل إلى صبيا أعاد الخوض في هذه المسألة فقام ناصر الكبيبي ؛ وقال للأمير أنا أقوم بمناظرة السيد أحمد بن إدريس ، وأورد عليه المسائل التي نسبها إليه عبد الله بن سرور ، وإلى أصحابه ،

    وبعد استقرار الأمير بصبيا استدعى يجمع من العلماء من أهل المخلاف (المِخْلاَفُ : الكُورَةُ ( وهي كالمديرية أَو المحافظة في الاصطلاح الحديث )معجم المعانى الجامع]الموجودين بصبيا ،

    ومنهم على ابن محمد بن عقيل . وكنت ممن دعى إلى حضور ذلك المجلس فحضرت ولما تم اجتماع من ذكروا كافة بحضرة الأمير علي طلب إحضار فقهائه . فحضر ناصر الكبيبي . وعبد الله بن سرور . وعباس بن محمد الرفيدي وقال الأمير : إني لم أجمعكم إلا لما قد علمتم ما نحن عليه من الدعوة الإسلامية وإنا قائمون في تجديد التوحيد . وهدم الشرك وهذه رسالة كتبها عبد الله بن سرور ، فيها حوادث جارية مما ينافي التوحيد . ويقدم في جانب الإسلام وأهله . والمقصود إطلاعكم عليها . فإنا لا نقول ولا نفعل إلا بقول أهل العلم ،

    فقرأت تلك الرسالة في ذلك المجتمع . وتولى قراءتها الفقيه يحيى كاتب الأمير وبعد أن ألقاها تماماً قال الأمير : ما تقولون ؟ فبادر السيد على بالجواب وقال : هذه الأمور لم تكن صادرة من السيد أحمد . فعارضه ناصر الكبيبي قائلاً : لا تقل السيد أحمد ، فإن السيد هو الله . بل قل الشريف أحمد أو أحمد ابن إدريس .

    فقال له قد قال النبى صلى الله عليه وسلم لسبطه الحسن " إن ابني هذا سيد " وقال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ " قوموا لسيدكم ، ولفظ السيد إطلاقه في الشرع شائع لا محظور فيه فقال الأمير ليس هذا من مقصدنا ،
    إنما القصد أن تتكلم يا علي . فقال على ابن محمد بن عقيل : أنا عرفت السيد أحمد بن إدريس أيام مهاجرته في مكة سنة 1236هـ . وهو من العلماء الأكابر ، ولا نظير له فيما علمنا بالأقطار الإسلامية ، في معارفه في العلوم الشرعية وعلوم الحقائق ، وليس يوزن بأحد من أهل هذا الزمان إلا رجحه . وقد أقر له بكمال العرفان الجهابذة من علماء الشرع الذين هم القدوة لنا فى هذا الزمان ( وذكر مجموعة من العلماء)وأطنب في الثناء عليه ، وأرشد الناس إلى الاستكثار من علومه . فقال إنها حديثة عهد بربها . فيما رأيته في خطاب له إلى السيد عبد الرحمن بن سليمان وكذا السيد الحافظ عبد الله بن محمد الأمير ، وأخوه المحقق قاسم بن محمد وابن أخيه العلامة يوسف بن إبراهيم . فإذا كان مثل هؤلاء العلماء الذي تسنموا غارب الاجتهاد . وما منهم إلا وله مصنف في علوم الإسلام . وهم رضي الله عنهم أئمة نقاد . طأطأوا رؤسهم له أدباً . وأذعنوا له فماذا يكون مثل ناصر الكبيبي !، وعبد الله اليامي(بن سرور) . الذين نسبتهما إليه كنسبة صبيان المكتب إلى الجهابذة من العلماء . فإنكارهما على السيد أحمد مُنكر ولا ينبغي لك أن تساعدهما على ذلك
    فلما سمع الأمير قوله التفت إلى السيد يحيى بن محسن فقال له ما تقول أنت وهؤلاء العلماء . وكل منكم يتكلم بمفرده ، ويبدي رأيه . فهذا دين ما فيه محاباة فقال السيد يحيى : هذا الأستاذ رجل كما وصفه على بن محمد ويزيد على ذلك بأنه في الدرجة مثل السيد الصادق ، والسيد الباقر من أهل البيت ، وأنت قد نشرتم بقدومه إلى بلادكم . والآن بهذا العمل معه تكدرون المشرب فإذا لم تريدوا أن يقيم معكم في البلاد التي تحت حكمكم ، فاطلبوا منه الارتحال عنها ، لأنه قد فارق أشرف البقاع بدون هذا الإزعاج ، وأما فتح باب الاعتراض عليه من أمثالنا ، وأمثال هؤلاء الإخوان الذي تحت خدمتكم وطاعتكم ، فهو أمر لا يليق ، وحيثما توجه هذا السيد الإمام لقي الإكرام وقد سبح في بحر لسنا من الذين يخوضون فيه ، وما هلك من عرف قدر نفسه ، بل يكون ذلك من باب اعتراض من لا يدري على من يدري ، وهذا هو الجهل البسيط ..

    وقال عبد الله السبيعي وكان في طبعه حدة، أنا بحضرتكم الآن وبموافقة هؤلاء الأعلام أناظر لكم ناصر الكبيبي وعبد الله ، وما اسألهما إلا عن بعض مسائل من ظواهر الشرع في باب الطهارة والمواقيت ، فإن أجابا على الصواب عرفت أنهما عالمان ، وحسن إطلاق (لفظ) عالم وفقيه عليهما وإن عجزا عن مناظرتي أيقنت أنهما عاجزان عن مناظرة سيدي أحمد بن إدريس ، حيث إنه البحر الذي لا ينزف وقد صوب كل الحاضرين هذا الرأي ،
    وتكلم كل أحد عن نفسه مستحسناً ما قرره هؤلاء العلماء فغضب عبد الله بن سرور وكان فيه طيش ، وقال للأمير إن هؤلاء الناس قبل أن يصلوا إليك ، تواطأوا على هذا الرأي فيما بينهم ، ثم التفت إلى الجماعة وقال لهم أنتم يا علماء تهامة ، ألا تغضبون لهذه المنكرات الصادرة من أصحاب السيد أحمد ، وعندكم عقائد في الصالحين ، تخافون من السيد أحمد ولا تخافون من الله ؟
    فقال له بعض الحاضرين من العلماء إن هذا الكلام سفه ، فالغضب لله تعالى يكون عند وجود المنكر ، وفعل السيد معروف ، وأنت قد خلطت المعروف بالمنكر ، وأردت أن نساعدك عليه ، وقد برأنا الله سبحانه وتعالى من أن نرضى مخلوقاً فيما يغضب الخالق ، أو نقر باطلاً ، ولكن رأينا أن افتراء المعائب على مثل هذا السيد الإمام مما تعجل عقوبة المفتري عليه ، وأما قولك إننا نخافه فهو في غير محله ، لأنه لم يكن بيده سيف ولا سنان ، بل إن سلاحه الذي يحارب به المعاندين والمكابرين أدلة السنة وقطعيات القرآن ، وسهام الأدعية التي لا تخطئ مستحقاً وقد جاء في الحديث الصحيح " من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) وإذا لم يكن العلماء أولياء لله فما في الدنيا ولي . ومن بارز الله تعالى بالمحاربة فقد هلك..
    فقال الأمير نحن مالنا في جدالكم وخصامكم شئ ، وإنما نلزمكم في هذه الليلة أن تتوجهوا ومعكم ناصر الكبيبي ، وعبد الله بن سرور وتعقدوا مجلس المناظرة بينهما وبين السيد أحمد بن إدريس بوجودكم ، والحق أكبر من كل أحد ، ولا نقر أحداً في بلادنا على الباطل ، وحبل الدين متين ،
    فتفرقوا على هذا الاتفاق من عقد مجلس المناظرة ...


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  5. #20
    بــــــــدء المنــــــــــاظرة :

    ولما جاء وقت الاجتماع عين الأمير طائفة من خواصه من عسير ، ليحضروا وقت المناظرة ، فأقبلوا وهم يحفون بالفقيه ناصر الكبيبي ، والفقيه عبد الله . ولما وصلوا إلى مكان السيد أحمد بن إدريس وجدوه جالساً على سرير وبين يديه من ذكر من علماء تهامة ، وتلاميذه كافة،
    فعند وصولهم صافحوه وحفوا بسريره من كل جانب وجلس ناصر في صدر السرير وبالجانب الشرقي محمد بن حسن بن خالد والسيد علوان بن محمد ، وكثير من سادات المخلاف ، وكبار بني شعبة وبالجانب الغربي عامة الناس ،

    فلما غص المجلس بالحاضرين ، تنحنح ناصر الكبيبي . وابتدأ بخطبة في الوعظ على عادة النجديين (الوهابيين) وثنى بشرح دعوة النجدي . وكان استهلال كلامه إن الناس كانوا في جاهلية يعبدون الأصنام ، ويستحلون المحرمات فتجرد للدعوة محمد بن عبد الوهاب

    فقال السيد أحمد صواب هذا الكلام : فبعث الله رسوله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لأنه هو الذي أنقذ الناس من الجهالة . وتحمل أعباء الرسالة ، وشرع شرائع الإسلام ،
    فقال الكبيبي : محمد بن عبد الوهاب مجدد الإسلام .
    فقال السيد أحمد إنا لا ننكر فضله ، وله مقصده الصالح فيما صنع وقد أزال بدعا وحوادث ، ولكن شاب تلك الدعوة بالغلو ، وكفر من يعتقد في غير الله تعالى من أهل الإسلام واستباح دماءهم وأموالهم بلا حجة
    فقال الكبيبي ، ما فعل إلا ما هو الصواب ،
    فقال السيد أحمد هو عالم من العلماء والعصمة مرتفعة عن غير الأنبياء ، وهو يخطئ ويصيب ، فإن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر ، وهو معفو عنه في خطئه ، ولكن لا يحل لكم أن تقلدوه فيما أخطأ فيه ، لأن ذلك مبلغ علمه ، وما وفق له ، ولم يكلفه الله إلا بذلك ، وأنتم مع هذا بمعزل عن أخذ دليله ، ومعرفة سبيله .

    فقال الكبيبي الشرك الأكبر قد عم الأقطار كلها . والناس كلهم قد رأوه . وضعف الإسلام في المشرق والمغرب . واليمن والشام . ولولا أن الشيخ محمدا جدد الإسلام . لكان الناس قد غرقوا في ظلمة الكفر .
    فقال السيد أحمد معاذ الله تعالى . ما كان هذا مذهب الشيخ محمد . أنا تعرفت في مكة بأولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عبد الله وحسين وسليمان . وكذلك تعرفت بمسعود بن عبد العزيز فرأيته رجلاً عالماً . ومن ذكرتهم لك علماء يعرفون الحجة ويلتزمون اللوازم عند واضح المحجة . ولم يكن اعتقادهم ما أنت عليه . وهم بريئون مما تنسبه إليهم . وإنما أنت نشأت في بلدة أهلها عوام . وما عرفت من يرشدك إلى الصواب . بل حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء . وهذه الأمة المحمدية . الحكم عليها كلها في جميع الأقطار الإسلامية بالشرك الأكبر والضلال العام . يرده صريح الأدلة ، وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أمته نصف أهل الجنة . هذا مع ترادف القرون من لدن آدم صلوات الله عليه . إلى بعثة نبينا في ألوف من السنين ، وهم أمم متكاثرة ، لا يعلمهم إلا رب العالمين ، ومع هذا فهم نصف ، وهذه الأمة المحمدية نصف ، فزن كلامك بميزان الشرع ، لتعرف الخطأ من الصواب،
    فقال ناصر هذه المشاهدة والقباب الموضوعة في اليمن ، ليست إلا الاعتقاد في أهلها ،
    فقال السيد أحمد لاشك أنه وقع من كثير من العامة ، ومن هو قريب منهم من الخاصة شئ من العقائد المفضية إلى الشرك ، وتنوسي الشرع المحمدي بسبب إهمال الملوك لذلك ، وعدم استماعهم لإرشاد أهل العلم ، والدنيا مؤثرة في كل زمان ومكان ، وأما خواص الأمة ، ففيهم طائفة من العلماء وغيرهم ، لا يزالون ما بقيت الدنيا قائمين على الحق ، يحفظ الله بهم الشرع ، فهم منزهون عن الشرك ولا يخلوا قطر من الأقطار منهم ، فلا يصح لكم الحكم بالشرك على الأمة جميعها بسبب من جهل من عوامهم ، ومن لم يتقيد بالشرع من خواصهم ، ومن كفر مسلماً فقد كفر بنص الأحاديث ، وأما القباب والمشاهد ، فهي بدعة منافية للشرع المحمدي ، لم يحدثها على القبور سوى جهالة الملوك ومياسير العوام من غير مشاورة العلماء ، والباطل لا قيد له .
    فوجم ناصر ، وأحصر عن الجواب ، ثم قال يا أحمد إنك لا تعرف الفرق بين الدينين .
    فقال السيد أحمد لا إله إلا الله هي الفرق بين الدينين ، ويا سبحان الله ألمثلى يقال هذا المقال ؟ وإنما أنت رجل محمول على السلامة ، لكونك ساكناً في البادية ، وفي الحديث (من سكن البادية فقد جفا) وقد خاطب جفاة الأعراب سيد الخليقة صلى الله عليه وسلم بما كدر خاطره فصبر ، ولنا به أسوة حسنة
    ثم قال ناصر ، أنت تعتقد نحلة بن العربي ، وهو يقول بوحدة الوجود ويصوب فعل إبليس ، لما ترك السجود لآدم ، وقد جعل العلماء سؤالاً في ذلك وأجاب علماء الإسلام من أهل عصر هو غيرهم بكفره ، وكفر من يعتقد مذهبه،
    فقال السيد أحمد: هذا ابن عربي توفي في سنة 726هـ وبينك وبين زمانه فوق الخمسمائة من السنين ، فهل شافهك بهذه المقالة ، حتى تهتك ما حرم الله عليك من رمي مسلم بالكفر ، ونحن من إسلامه على يقين ؛ فلا ننتقل عنه إلا بمثله فلا تتقول عليه
    ،
    فقال ناصر ، هذا الاعتقاد مذكور في كتبه صريحاً –
    فقال السيد وما يدريك أنه قائله ، لاحتمال أنه مدسوس عليه من البعض ، فاحكم على هذا الكلام إن ضاقت عليك وجوه التأويل أنه كفر ، ولا تحكم على ابن عربي أنه كافر ، لأنه لا يصح لك بأي طريق الجزم بكفره ، ولو عرفت الحقيقة ما خضت في هذا المجال الذي يضيق عنه بكل حال ، ولست من رجال هذه الطائفة ، وأهل كل فن يسلم لهم في فنهم ، وأضرب لك مثلاً يليق بالمقام ؛ رجل دخل السوق وعرف مخازنه ، وما اشتمل عليه من أنواع الفواكه والمعاطر وغيرها ، ورجل لم يدخل ذلك السوق ، فضمهما مجلس ، فاندفع داخل السوق يحدث الناس بما شاهده فيه ، ويصف الذي رآه عياناً ، وذلك الذي لم يدخله يعترض عليه فيما شاهده ، فهل هذا شأن عاقل بل يحكم عليه العقلاء بالجهل والسفه ، لأنه اعتراض بما لا حقيقة له به ، وفي مثل هذا أنشد بعضهم شعراً فإذا كنت في المدرك غرا ثم أبصرت حاذقا لا تمارى وإذا لم تر الهلال فلم لا ناس رواه بالأبصار
    فقال الكبيبي ، وأنت يا أحمد ، الناس يقبلون يديك ورجليك ، ويخضع لك أصحابك خضوعاً لا يليق إلا لله جل وعلا ، وهذا عين الشرك فالتذلل نوع من العبادة ، والعبادة لا تجوز لمخلوق..
    فقال السيد أحمد إن كنت متعبداً بالشرع المحمدي فاسمع ما أقول لك ، قد صح في الحديث أن وفد عبد القيس لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ، قبّلوا يديه ورجليه ، وقد جمع بعض المحدثين جزءاً في جواز تقبيل اليدين والرجلين . وأوراد أحاديث جمة قاضية بجواز تقبيل أيدي أهل البيت وأيدي غيرهم من العلماء ، وأما قولك إن مثل هذا الفعل عبادة . فلو عرفت معنى العبادة ما قلت هذه المقالة ، العبادة في طريق . والتعظيم والأدب في طريق . فتعظيم العلماء واجب ، قال الله تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال صلى الله عليه وسلم (ليس منا من لم يعرف لعالمنا حقه) ومن حقوق العالم التأدب معه بتقبيل يديه ، ومعرفة فضله ، ومن عظم عالماً فقد عظم الله ورسوله ، لأن العالم حامل للشرع الشريف ، فالتعظيم في الحقيقة تعظيم لما هو حامله ذلك العالم ، وقد ثبت حديث (العلماء ورثة الأنبياء) وإذا كانوا ورثة الأنبياء كان للوارث ما للموروث من التعظيم كما أن ما عليه من تبليغ الشرع عليه على أن في الحديث المذكور (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم) الخ ، فإذا كانت الملائكة الذين هم خواص الله من خلقه تفرش أجنحتها لطالب العلم ، فما قولك في غيرهم ، ممن لا يداني شيئاً من علو شأنهم ، وجاء في الحديث القدسي أن النبي قال حاكياً عن الله تعالى (من أراد أن يكرمني فليكرم أحبائي ، قيل يا رب من أحباؤك ؟ فقال العلماء) واعلم أن سادات الناس ثلاثة ، الملائكة والأنبياء والسلاطين وكلهم عظموا العلماء ، فقد عظم الملائكة آدم عليه السلام ، وسيدنا موسى عظم الخضر ، وعظم عزيز مصر سيدنا يوسف ، ومن عظم ما عظم فهو مؤمن ، ومن استهان بذلك فهو خارج عن دائرة الإيمان ، والأعمال بالنيات فمن قصد بذلك التعظيم امتثال أمر الله تعالى ورسوله ، فقد فاز بالحسنى ، ومن أراد معتقداً فاسداً وظهر لنا حاله ؛ وجب إرشاده إلى الصواب ، ولا نقره على معتقده الفاسد ، وأما الترفع عن تعظيم ما يستحقه العلماء ، فهو من أخلاق المتكبرين الذين قال الله فيهم ( فلبئس مثوى المتكبرين) أي جهنم .
    فقال ناصر أما نحن فعندنا مثل هذا شرك ،
    فقال السيد سبحان الله ، أورد لك الأدلة ، كتاباً وسنة ، وتقول هذا شرك ، إن هذا من الضلال البعيد
    فاستشاط ناصر من الغيظ ، وقال :
    أن الشرك تحت هذه العمة يعني عمامة السيد
    فتبسم السيد وقال أن الشرك الذي هو في اعتقادك لا يضرنا نسبته إلينا ، وأما باعتبار ما عند الله تعالى فنحن على قدم راسخ في التوحيد ، وأنتم بارك الله فيكم عرفتم هذه النسخ التي تسمونها الأصول والقواعد ، وظننتم أن علم الكتاب والسنة هو ما اشتملت عليه تلك المختصرات وهذا من الجهل المركب ، وقد تولى الله تعالى حفظ دينه وشرعه الذي أرسل به رسوله ، وهيأ له علماً دونوه في الدفاتر ، وصار الشرع المحمدي بعناية أهل العلم محروساً من الزيادة والنقصان ، ولو اطلعتم على ما اطلع عليه غيركم من العلم الواسع ، لظهرت لكم الحقائق ، ومشيتم على أوضح الطريق ، ولكن ضيقتم على أنفسكم فضاقت عليكم المسالك ، وقَصَرتم دين الإسلام على ما عرفتم . وزعمتم أنكم ناجون وغيركم هالك وهذا من ضيق العطن . وتحجير الواسع . فالله يهدينا وإياكم .
    ثم قال ناصر وأنت يا أحمد تفسر القرآن بغير ما دلت عليه اللغة العربية ، وقد قال تعالى (إنا أنزلناه قرآنا عربياً) وهذا تحريف لكتاب الله تعالى ،
    فقال السيد حاشا لله أن نفسر القرآن بغير مدلوله الظاهر منه ، وهذه تفاسيرنا للآيات معروفة ، وتحمل النصوص على ظواهرها من اللغة العربية ، ونرى أن العناية بالتفسير الظاهر لابد منه ، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر ، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ، ولم يحكم التفسير الظاهر ، فهو كمن ادعى بلوغ صدر البيت قبل أن يتجاوز الباب ، ونحن بحمد الله ممن أحكم التفسير الظاهر ، ولا ننكر أن في طي الآيات القرآنية إشارات خفية ، إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك ، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة ومعرفة ذلك من كمال العرفان ، ومحض الإيمان ، وعلى ذلك دل ما جاء في الحديث ( إن لكل آية ظهراً وبطناً ، ولكل حرف حدا ، ولكل حد مطلعاً ) قال أبو الدرداء رضي الله عنه : لا يفقه الرجل كل الفقه ، حتى يجعل للقرآن وجوها ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لا يفقه الرجل كل الفقه ، حتى يجعل للقرآن وجوها ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد علم الأولين والآخرين فليثر القرآن ، وقال باب مدينة علم المصطفى على بن أبي طالب كرم الله وجهه (لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من أم القرآن لفعلت) وهذا لا يحصل بمجرد الجمود على ظاهر تفسير الآيات وليس فيما نقول من تفسير الآية إحالة الظاهر عن ظاهره ، ولكن ظاهر الآية مفهومه منه ما جاءت الآية له . ودلت عليه في عرف اللسان العربي ، وثم إفهام باطنة يفهمها من الآيات القرآنية من فتح الله تعالى قلبه ، ومن اتقى الله علمه ما لم يعلم
    فسكت الكبيبي ، ولم يهتد لجواب . ثم قال يا أحمد أنت تميت صلاة العصر بتأخيرها عن وقتها وهذا لا يصح ..


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  6. #21
    فقال السيد أحمد ، هذا لا نتعمده ، ولا نقصده حتى يكون من إماتة الصلاة ، ولا ندخل في الصلاة إلا في وقتها المضروب لها ، لكن يقع التطويل فيها ، كما كان عليه رسول الله ، من أنه كان يذهب الذاهب إلى قباء ، وهي على نحو ميلين من المدينة ، ويلحقه اللاحق وهو في أول ركعة من صلاة الظهر والعصر على النصف من ذلك وقد صلى أبو بكر رضي الله عنه صلاة الفجر بسورة البقرة ، ولما سلم من الصلاة قال له بعض الصحابة كادت الشمس أن تشرق فقال لو أشرقت لم تجدنا غافلين ونحن لو غربت علينا الشمس لم تجدنا غافلين ولم نشتغل عن الصلاة بمال ولا بينين من أمور الدنيا بل هذا شأننا ومن لم يعرف هدى المصطفى في الصلاة يعترض لمثل هذا
    فقال الكبيبي قد قال النبي من أم بالناس فليخفف
    فقال السيد هذا من وضع الدليل في غير محله لأن من قال هذا كان يصلي المغرب بالأعراف وهي مائتان وست آيات والأحاديث لا تناقض فيها والتخفيف أمر نسبي يختلف باختلاف حال المصلين والمؤتمين ولكل حال مقام وكان المصطفى يدخل في الصلاة والمؤتمين ولكل حال مقام وكان المصطفى يدخل في الصلاة وهو يريد التطويل فيسمع بكاء الصبي فيقصرها لئلا تفتن أمه وأصحابنا كلهم عزاب على قدم التجرد ولا شغل لهم غير التفرغ للعبادة فنحن نطيل بهم الصلاة وهم لا يرضون منا بغير ذلك ولا مشقة عليهم في هذا العمل لأن الصلاة راحة كل مؤمن كما قال سيد المؤمنين وإمامهم أرحنا بها يا بلال أي بالصلاة وقد قال الله تعالى (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) فهي لا تكبر عليهم وليس بمعنى أنها صغيرة في صدورهم ولا يستثقلونها فهم لا يرونها إلا راحتهم العظمى لأنها مناجاة بين العبد وربه تعالى وقد جاء في صفة المنافق الأدبار عنها وينقرها نقر الديك
    ثم قال الكبيبي ويقع منكم التأخير لصلاة المغرب إلى قرب العشاء وهذا بدعة وفي الاشتغال بالركعتين قبل المغرب وتطويلهما مخالفة للسنة
    فقال السيد نحن نطيلهما عملاً بالسنة فقد كان يقرأ فيهما بالطور ويقرأ فيهما بكثير من طوال السور كما هو معروف في محله وما علينا لو دخل علينا العشاء فإنا في طاعة وأما الركعتان قبل المغرب فهما سنة هجرها الناس اجتمع فيها أنواع السنن الثلاث ، من فعله وقوله وتقريره ، فنحن نراهما من السنن ، لا نتركهما ، ومجرد ترك الناس لهما لا يلزمنا الترك ، لأنا لم نقل إنهما واجبتان ليكون الإخلال بهما معصية ، بل هما سنة ، فالإنكار متجه على المنكر لسنتيهما ، لا على من فعلها فأعرف ما تقول
    فسكت الكبيبي فقال له عبد الله بن سرور أنسيت ما عليه أصحابه وكانت بيده نسخة ، فقال نعم يا أحمد ؛ أصحابك يقترفون المنكرات وأخذ يعددها
    وكان السيد مسنداً ظهره على الكرسي الذي هو جالس عليه فقعد في بحبوحته ، وقال اسمع يا أيها الرجل ، وخذ مني جواب هذه الأمور مجملاً ومفصلاً ، تنتفع به في هذه الموارد ، وتستضئ به لأنك للمعارف العلمية فاقد .
    فقال ناصر ، هات ،
    فقال السيد أخبرني أصحابي خير أم أصحاب رسول ، وهم خير القرون ؟، فقال السيد هل قرأت القرآن ، فقال قرأته فقال هل مر بك قوله تعالى (الزانية والزاني ) (والسارق والسارقة)( ومن يعصي الله ورسوله) . (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (ولا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة) ، (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)
    (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) قال نعم، فقال السيد ، هذه أمهات الكبائر من المآثم ، هل نزلت عن أسباب أم مجردة عن ذلك ،
    فقال ناصر عن أسباب،
    فقال السيد العصمة مرتفعة عن غير الأنبياء عليهم السلام ، وكل بني آدم خطاءون ، كما ورد في الحديث، فعلى فرض صحة ما تدعيه لا يلزمنا التجسس بل نقول كما قال معلم الشريعة من أتى شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ، ومن أدى لنا صفحته أقمنا عليه حد الله تعالى ، وقد جاء رجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه ، وقال له ههنا شربة الخمر مغلقين على أنفسهم الباب، فقال له، يا هذا نهينا عن التجسس ، ثم إن التكلم بهذا ونسخه في رسالة ، وعده من المعائب علينا ، إثمه عليكم أكبر ، لأن التكلم به معصية ، وفي هذا الكلام ما هو قذف ، وقد علمت أن الله تعالى يقول (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) فمن روي شيئاً مما رقم في هذه النسخة ، بغير تمام النصاب الشرعي نقول له أنت كاذب كما قال الله تعالى ، وإن كان صادقاً فيما قال ، لأن صدقه وحده في هذا كذب عند الله ، فالقائل منكم أو من غيركم لهذا من غير إقامة نصاب الشهادة كاذب بنص الكتاب العزيز –
    وأما الجواب التفصيلي فاصغ له بقلب حاضر ، أعلم أن الله تبارك وتعالى له الخلق والأمر ، خلق عباده ليعبدوه ، وقدر مقادير عنده في اللوح المحفوظ ، قبل أن يخلق الخلق بألفي عام وعلم مآل عباده ، مؤمنهم وكافرهم وطائعهم وعاصيهم وسعيدهم وشقيهم واتصف بصفات عَليّة، الرحمن الرحيم . الغفور . الغفار . الستار . العفو الجبار المنتقم . وغير ذلك من اسمائه الحسنى الجمالية والجلالية ، وخلق مع ذلك دارين داراً لمن أطاعه وداراً لمن عصاه ، فوجود العاصي والمعاصي في الأرض محقق وثابت وقوعه أزلا كما قالت الملائكة عند خلق أبي البشر (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون) فقطع الحق جل جلاله بهذا الجواب لسان الاعتراض ؛ فمحال أن لا توجد معصية من المكلفين فمن لم يعصمه الله تعالى من تكليف مالا يطاق ، لأنه لو عدم العصاة من الأرض ما تبين فضل الطائعين ، ولولا طرق الأسقام ، ما عُرف فضل العافية ، ولولا مس الجوع والظمأ ما عُرف فضل الشبع والري ولولا وقوع الخوف ما عرف فضل الأمن . وعلى هذا التعداد وبضدها تتميز الأشياء ، ومع ذلك لو كان الناس كلهم مطيعين لله تعالى ، لا يوجد منهم عاص ، لتعطلت أكثر أسمائه الحسنى من المغفرة والرحمة والستر ، فأنها مظاهر آثار الذنوب ، ولكان خلق النار عبثاً : فقد اقتضت الحكمة الربانية وقوع المعاصي من المكلفين لا محالة ، لأنهم لا يستطيعون أن يقدروا الله حق قدره ، وليس في قدره المخلوق هداية الخلق أجمعين ، فقد قال الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) هذا سر القدر الكوني الذي من اطلع عليه من أفضل العلماء وأكابر الأولياء استراح وهو لا ينافي ما كلفنا به شرعاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل يلزم كل مسلم الإرشاد ، لما أوجب الله تعالى على عباده ، والغضب في مخالفة أمره ونهيه ، والهداية بيد خالقها وقد علم المهتدي من الضال . ثم تكلم السيد هنا بكلام على طريق الإرشاد يلين له الجماد ويهتز له من كان حاضر اللب والفؤاد بما يضيق عنه قلم التعبير ، وربما كان إيراده فتنة لمن لا يعرف الغوص في ذلك البحر الغزير
    مالي وللبحر وأهواله **** أسترزق الله من الساحل


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  7. #22
    ثم قال السيد : ولا يحسن منكم عد ذنوب غيرنا قدحاً فينا ، وتجعلونه من المعائب علينا ، وكل نفس بما كسبت رهينة ، ولو أُطلعنا على شئ مما تنسبونه إلى أصحابنا لما سكتنا عنهم ، ولنقمنا عليهم غضباً لله تعالى ، وأرشدناهم إلى التوبة، ولكن ما علمنا ذلك، ولا نخوض فيه ولا يلزمنا الجواب عن هذه الأمور ، والكاملون نظرهم إلى محاسب الأعمال ، والناقصون نظرهم مقصور على معائب الرجال.
    فأطرق الكبيبي عند ذلك وغرق في بحر لا يحسن السبح فيه ، ولم يبلغ فهمه إلى تلقي هذه المعارف ، فحظه منه السماع لا الفهم لتلك اللطائف ، وقال بقيت مسألة واحدة ؛ أنت وأصحابك تقولون إن علوم الشرع هذه رسوم ، وقشر لا لباب فيه،
    فقال السيد هذا أول مجلس ضمنا وإياك ، فهل سمعت ذلك مني أو روي لك به ذو ثقة عني ، ومع هذا لا يصح لك الحكم بما لم تسمع مني فقال ناصر يقول الناس فقال السيد إن الشيطان يلقى على من لم يتقيد بالقيود الشرعية ليرمي الناس بما هم منه بريئون منه بهذه الكلمة يقول الناس يقول الناس فقال الكبيبي يا أحمد أصحابك يصرحون بهذا .
    فقال السيد لا نكثر الهمهمة ، قطع الكلام ، إن العلم عندنا ، قال الله وقال رسوله ، وما هما غير الكتاب والسنة من لا يعرفها ، إن القرآن نزل بلغة العرب وما كان من علوم الفروع فهو مستنبط منها ولا حق بها وحاصل الكلام أن ما دل عليه صريح الكتاب والسنة بطريق الدلالات المعتبرة في الشرع من حكم أصلي أو فرعي ، وجب العمل به وإرشاد الناس إليه ، وما خالف الكتاب والسنة من أي عمل كما هو المشاهد من كتب الرأي المحض ، وما عليه الفلاسفة من تحكيم عقولهم ؛ ومن دان بدينهم بما لا يطابقه عقل ولا يوافقه شرع فهو من الرسوم التي لا يحل لمؤمن أن يدين الله بها والعصبية ، في اتباع المذاهب ، وتحزب أهلها أحزاباً وتضليل بعضهم بعضاً ، حتى صاروا كأنهم ملل مختلفة ، كما يعرف ذلك من عرف أيام الناس ، واطلع على مؤلفاتهم ، فهذا لا نرضاه وننهي كل مسلم عنه لأنهم أمة واحدة ، خير أمة ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد ، وقبلتهم واحدة ، فأنى يكون التفرق والتعصب ، ولم نزل ننهي الناس عن ذلك في بلاد الحرمين وغيرهما ، والحمد لله ما من حاثة تقع في الدنيا إلا ولها منزع من كتاب الله تعالى (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) والسنة هي شرح القرآن عرف ذلك من عرف ، وجهل من جهل ولا يستطيع أحد أن يرد علينا صحة هذا القول ، ولكن أكثر الناس قد آثروا الخلق على الحق ، وظهر آثار ذلك في الكون باختلاف الأحوال ، ووقع التعادي بينهم (وما ربك بغافل عما يعملون) ولكنه يمهل ولا يهمل ، فسكنت شقاشق الكبيبي ، ولم يدر ما يقول ، وقال دنت الشمس للغروب ، وبقي في النفس أشياء –
    فقال له السيد الطيب : ابن أخي سيدي أحمد بن إدريس إن غربت أتينا بالفوانيس والسرج ، وتمم اعتراضاتك ، فلم يصغ لذلك وقام من المجلس فأنشد بعض الحاضرين


    وابن اللبون إذا ما لز في القرن **** لم يستطع صولة البزل القناعيس


    وتفرق الجميع ، وقد أذن المؤذن لصلاة المغرب ، فتقدم السيد رضي الله عنه وصلى بالناس ، وبعد انقضاء الصلاة دخل بيته ، واستدعى بالسيد على ابن محمد والسيد موسى بن حسن والشيخ عبد الله والسيد الطيب وأنا معهم ولما جلسنا بين يديه، قال لنا :

    ظهور الجهل من أشراط الساعة ، انظروا ما وقع من هذه الأمور التي ما كنت أحبها ، والتي لم يوجبها إلا جهلهم وضعفهم ، وهم مساكين قد جمدوا على ظواهر من الشرع ، وعرفوا جزئيات من العلم وضالوا من خالفهم بها ، وليتهم إذا لم يعلموا وعلموا فهموا ، وإذا ضلوا وأرشدوا قبلوا ، ولكنهم مجبولون على المكابرة والعناد ، وذلك شأن الجاهلين وقد ذكر الحكايات التي جرت له من المناظرة بينه وبين علماء المغرب عند خروجه من بلده من مدينة فاس ، بجامع القرويين ، وأيام إقامته بمكة ، وشكر نعمة الله عليه ، إذ ما من معترض أو مجادل إلا فلقه بالحق الواضح ، وأسكته بالحجة
    ، وفي صباح اليوم التالي وصلنا إلى جنابه على جاري عادتنا ، وبعد شروق الشمس وجلوسنا للدرس ، لم نشعر إلا والأمير على ابن مجثل وثلة من حاشيته قد وصلوا المقابلة السيد ، وعند وصولهم صافحوه ، فاستدعى بسرير للأمير على بن مجثل ، فجئ به ، واجلس عليه ، فابتدأ يلاطف سيدي أحمد بالكلام الطيب، والسيد يسرد له الأحاديث التي فيها القوارع والزواجر ويملي عليه أنواع الوعظ للترغيب تارة والترهيب أخرى ، ويخوفه بخطر المقام الذي هو فيه ، إن لم يحصل منه السير على المنهج النبوي ، والتحكيم للشرع الشريف في الأقوال والأفعال ، واتباع سنة الخلفاء الراشدين حالاً ومقالاً ، فقام كاتب الأمير المسمى على بن يحيى وكلم سيدي أحمد سراً بأن الأمير يريد أن يختلي معه ببيته خاصة ، ويكلمه فقام السيد ، واستدعى الأمير ، وقد دخلنا ضمن من دخلوا ثم اندفع الأمير يعتذر مما حصل من توابعه وفقهائه ، ومن سوء أدبهم مع جناب السيد ، وإنما كان قصده غير هذا وهو لم يرض بذلك وإنما هم غلبوه على رأيه ، ولم يستطيع مخالفتهم ، لأنه ولا هم إلا حكام ، فقال السيد أنت في هذا المقام لا ينبغي لك أن تطاوع من لا يعرف من العلم إلا اسمه والتجرأ على العلماء ، وقد جاء في الحديث ما من خليفة أو أمير إلا له بطانتان ، بطانة تأمره بالخير وتحثه عليه ، فعلامة بطانة الخير أن ينقل إلى أميره محاسن الناس ويتقرب إليه بما ينفعه عند الله ، وعلامة بطانة الشر أن ينقل إلى أميره معائب الناس ، ويتتبع عورات المسلمين ، ومن الواجب على مثلك أن يسند أموره إلى عالم قد أخذ العلم عن أهله ، وتربى بين يدي المشايخ ، وشهد له العلماء بالسبق في المعارف ، وهم موجودون بحمد الله تعالى . وفي الحاضرين بمجلسنا من هو بهذه الصفة ، ولو سألت لعثرت على المطلوب فمنهم أخونا فلان ، وأخونا فلان ؛ وعدد جماعة ، وأما هؤلاء (المطاوعة) فهم يخبطون خبط عشواء ، ولا يحل لك أن تقلدهم الأمور الشرعية فإنهم يوردون الفتاوى والأحكام ، عن غير خطام ، ولا زمام ، فسكت الأمير ، وقال نحن يا سيدي أحمد على عزم لجهاد هذه الطائفة من الترك في أبي عريش ، فقال له السيد ، أن أبا عريش فيه طائفة من أهل البيت النبوي ، ابوهم رسول الله الذي تدعو الناس إلى القيام بشرعه ، وفيهم العلماء ورثة الأنبياء ، وأناس فضلاء ، ومالا يحصون من المتصفين بالإسلام حقاً ، وهؤلاء الذين معهم من الترك إنما هم بعض عساكر والبلاد أمرها لصاحب مصر ، فكيف تقاتلهم على هذا الوجه ، والله سبحانه وتعالى قد منع خير خلقه عليه صلى الله عليه وسلم، من دخول مكة ، عام الحديبية ، ومن أن يطوف بالبيت الحرام ، نظراً لمن فيها من المؤمنين قال الله تعالى (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما) فانظر كيف منع الله رسوله من دخول مكة ، وأهلها كفار لأجل من فيها من المؤمنين خشبة أن تصيبهم المعرة ؛ أي المشقة ، فكيف لا يراعي الكثير ممن بهذه الصفة والإيمان والمطلوبون لكم ، هم قلة يسيرة ، فقال الأمير لابد أن نشعرهم(نُعلمهم) فمن خرج من بينهم سالمناه ، ومن تأخر معهم قاتلناه وقام الأمير من المجلس

    فهذا حاصل ما وقع كتبناه ثم قرأناه على سيدي أحمد رضي الله عنه وحيث طلبتم نقله نقلناه لكم وذكرنا لكم الأسباب التي أوجبت هذه المناظرة وتفضلوا فأعرضوه على حضرة والدكم شيخنا وكافة أهل الحضرة ؛ والسلام عليكم ورحمة الله

    كتبه الفقير لمولاه حسن بن أحمد بن عبد الله بن عاكش في جمادى الثانية سنة 1245هـ وبعد كتابة ما تقدم من المناظرة ، عثرنا على أجوبة لم يوجد أصول أسئلتها ، إلا أننا رأينا الحاقها بالمناظرة ، لشدة ما بينهما من الارتباط ، بحيث تصح أن تكون إيضاحاً لبعض نقط منها وذلك إتماماً للفائدة

    (منقـــــــول بتصرف يسير)


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  8. #23
    تعليـــــق

    بدأت المناظرة بكلام من االفقيه ناصر الكبيبى يمتدح فيه عميد الوهابية محمد بن عبد الوهاب قائلا :

    إن الناس كانوا في جاهلية يعبدون الأصنام ، ويستحلون المحرمات فتجرد للدعوة محمد بن عبد الوهاب !!

    فصحح له العارف بالله أحمد بن إدريس قائلا : صواب هذا الكلام : فبعث الله رسوله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لأنه هو الذي أنقذ الناس من الجهالة . وتحمل أعباء الرسالة ، وشرع شرائع الإسلام ،

    فرد الكبيبي : محمد بن عبد الوهاب مجدد الإسلام ..وكان يجب عليه أن يسكت ويعترف بخطئه فى حق نبيه ولكنه استمر فى جداله

    ولكن رده هذا ينبئ بما هم عليه من اعتنقهم لمبدأ تكفير المسلمين وهذا ماض فيهم حتى اليوم

    فرد عليه ابن ادريس رحمه الله ملتمسا لابن عبد الوهاب العذر فيما فعل أنه اجتهد فيما فعل وللمجتهد أجر واحد إذا أخطأ، وأنه أزال بعض المنكرات البدع ولكنه غالى فى أفعاله وهو هنا رحمه الله يشير إلى ما كان منه من سفك للدماء

    وانتهاك للحرمات فى سبيل نشر دعوته وأنه إذا كان قد فعل ذلك فليس لأحد أن يسلك مسلكه ويقتفى آثاره بغير أن يعلم دليله فى ذلك حتى لا يقع فيما وقع فيه من أخطاء

    ويقول رحمه الله : ولكنكم لا تفعلون ذلك وتسلكون طريقه بغير تبصر وهذا معنى كلام سيدى أحمد

    ونقول حقا للمجتهد فى الأحكام أجره إذا أصاب وله أجره الأقل إذا أخطأ..ولكن هل الاجتهاد مخول لكل إنسان ؟!

    بالطبع لا ..ولكن الذى يحق له الاجتهاد هو من على قدر كبير من العلم الشرعى ..

    فهل كان ابن عبد الوهاب كذلك ؟ أفعاله وما توصل إليه من أحكام فى مسائل الشرك كانت خاطئة بقول كثير ممن عارضوه من العلماء فى عصره وحتى اليوم

    ولنقل أنه ظن ذلك بنفسه وعلى هذا الأساس مضى فى دعوته، فإذا وجد من يقف فى وجهه ويبصره بخطئه وببشاعة ما يفعل فهل يظل معذورا بعد ذلك..

    لقد وقف فى وجه ابن عبد الوهاب جمع من العلماء، ومن أهمهم أخوه سليمان ابن عبد الوهاب رحمه الله والذى ألف كتابا فى الرد على أخيه محمد اتخذ اسماءً عدة

    ولكن له لم يستمع له ولا لأحد ومضى فى نشر دعوته غير مبالٍ بشئ

    ويبدو من رد شيخنا على الكبيبى أنه موافق على بعض من آراء ابن عبد الوهاب ولكن اعتراضه كان على مسلكه العنيف فى نشر دعوته

    ولكنه لم يوافق مناظره حينما قال أن الشرك الأكبر قد عم بلاد المسلمين !!فالرجل بكلامه هذا يرى أن الأمة قد ارتدت إلا قليلا!!

    ولكن الشيخ رد عليه ردا حاسما كما رأينا..


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  9. #24
    وظهر لنا من خلال المناظرة أن أحمد بن إدريس لا يوافق على الأضرحة وما عليها من قباب ..

    ويعتبره جهل وقع من بعض العوام وبعض الخاصة من الناس ..

    والشيخ رضى الله عنه ليس له ضريح فعلا
    وقد رد على الكبيبى عن هذه المسألة فقال : وأما القباب والمشاهد ، فهي بدعة منافية للشرع المحمدي ،
    لم يحدثها على القبور سوى جهالة الملوك ومياسير العوام من غير مشاورة العلماء ، والباطل لا قيد له

    وهو بذلك يكون قد خرج عن خط أهل التصوف فى ذلك

    ودافع رحمه الله عن العارف بالله محيى الدين بن عربى وحمل كلامه الذى يُكفر من أجله على التأويل بغير ما يدل عليه من الكفر أو أنه مدسوس عليه من أعدائه

    وانتقد الكبيبى شدة تعظيم أصحابه له وتقبيلهم ليديه ورجليه وأنهم يخضعون له خضوعا لا يكون إلا لله تعالى ..!

    فرد عليه الشيخ بما أفحمه

    وسأل الكبيبى الشيخ بعد ذلك عن مسائل شتى منها تفسره القرآن بغير ما دلت عليه اللغة العربية، وعن تأخيره لصلاة العصر عن وقتها وإطالة صلاة المغرب
    والركعتين قبلها وانتقد بعض أفعال أصحابه فرد الشيخ عليه بما أسكته

    واتهم الكبيبى الشيخ ومريديه بأنهم يقولون أن علوم الشرع هذه رسوم ، وقشر لا لباب فيه،

    فنفى الشيخ ذلك عن نفسه وسأله هل سمع منه ذلك بنفسه؟ وقال له إن العلم عندنا ، قال الله وقال رسوله..
    وفى معرض رده عن ذلك انتقد الشيخ رضى الله عنه علم الكلام والفلاسفة ..


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  10. #25
    انتقد الشيخ رحمه الله علم الكلام فقال : ، وما خالف الكتاب والسنة من أي عمل كما هو المشاهد من كتب الرأي المحض،
    وما عليه الفلاسفة من تحكيم عقولهم ومن دان بدينهم بما لا يطابقه عقل ولا يوافقه شرع فهو من الرسوم التي لا يحل لمؤمن أن يدين الله بها..

    ومن يقرأ ذلك يظن أن الشيخ على مذهب السلف ..

    ولكن باستقراء كتاباته فى حزبه وثنائه على ربه يجد أنه منزه للهه تعالى تماما

    فهو رضى الله عنه يقول : سبحانك جل ثناؤك وتعاظم مجدك وتعالى جَدٌّك وتقدست ذاتك أن يَحُط مخلوق رحل علمه حول سرادق كنهك أو يتصف بغير العجز عن إدراك ما هية وصفك
    وهيهات هيهات هيهات للحادث (أى المخلوق) وإن جَلّت رُتبته وعلت فى أقصى غاية المشاهد الإلهية القُربية أن يدرك الكُنه الذاتى الإلهى على ما هو فى نفسه

    فها هنا تنزيه تام لله تعالى عن أن يدرك كنه ذاته كائن..

    ويقول : تاهت الأوهام بالحيرة فى أسرار عجائب صنعك عن التحقق بمعرفة كنه ذاتك وكيف يتحقق بمعرفة كنه ذاتك وأنت اللـه العظيم النور..

    ويقول : وأسألك اللهم بنور عظمة ذاتك الذى لا يحتمل ظهوره أحد غيرك ،الذى صار العرش العظيم فما وراءه وما دونه من جميع مخلوقاتك
    حقيرا صغيرا متلاشيا فى عظمته حتى صار كل ذلك فى عظمة نور ذاتك كلا شئ فى كل شيء..
    ولا يقول هذا الكلام إلا منزه لربه عن مشابهة مخلوقاته، فمذهب السلفيين عن ربهم أنه محدود .. فهو عندهم محدود يجلس على العرش ويتبقى منه قدر ..تعالى الله

    ويقول : وأسألك بكلامك الإلهى المنزه عن الإنتهاء..

    ويقول عن كلامه تعالى : الذى لا يقوى لسماعه منك بلا واسطة إلا من اصطفيته بعنايك الأزلية من خواص مملكتك ولا يقوى لسماعه منك من حيث الكُنه أحد من خليقتك،
    فلو تجليت بعزه كُنه الكلام وأسمعته الخلق لطارت عقولهم وتصدعت قلوبهم ، وتفتتت أكبادهم وتقطعت أوصالهم، وتمزقت أجسامهم وذابت أجزاؤهم وذهبت أثارهم وصاروا غبارا ماثورا
    وهباءً منثورا وعدما محضا ، وصاروا كأن من لم يكونوا في اقل من طرفه


    وكلام الشيخ رضى الله عنه كله تنزيه لله تعالى عن مشابهة الحوادث ولكننا اخترنا ما هو واضح تماما فى التنزيه
    وهو أيضا لم يأت بذكر للعين ولا لليد كما يقول السلفية عن ربهم

    وإذا كان الشيخ منزها لله كمذهب أهل السنة والجماعة فلماذا خالفهم فى علم الكلام؟


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  11. #26
    خالف الشيخ رحمه الله تعالى أهل السنة فى اعتمادهم علم الكلام فى نشر مذهبهم فى تنزيه الله تعالى عن مشابهته لمخلوقاته

    ويبدو من رأى الشيخ أنه يرفض هذه الطريقة من تعليم الناس العلم بالله وما يتعلق بأسمائه تعالى وصفاته وعلوم التوحيد عموما

    وهذا رأيه رحمه الله تعالى، ولكنه على علم بعلوم الكلام من غير دراسة، ويبدو أن ذلك من فتوحات الله عليه وعلى أمثاله من الأولياء

    فليس هناك ولى لله تعالى إلا هو منزه له تعالى، فلا تجد بينهم مجسم ولا مشبه بينهم ابدا، ويبدو ذلك جيدا من ثناءاتهم على الله

    والله تعالى أعلم وبالله التوفيق


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  12. #27
    ومن أحسن ما أعجبنى من سيرة الرجل هو نصيحته للأمير وتوجيهه للحكم بما يرضى الله ورسوله وأن يسير فى رعيته سيرة حسنة،

    ولم تمنعه ملاطفة الأمير له أن يكون هو خشنا معه، كما فهمنا من السيرة، فهو قد أخذ ( يسرد له الأحاديث التي فيها القوارع والزواجر ويملي عليه أنواع الوعظ للترغيب تارة والترهيب أخرى ،
    ويخوفه بخطر المقام الذي هو فيه ، إن لم يحصل منه السير على المنهج النبوي ، والتحكيم للشرع الشريف في الأقوال والأفعال ، واتباع سنة الخلفاء الراشدين حالاً ومقالاً
    )

    وهذه هى وظيفة العلماء، من الصوفية وغيرهم، فى كل عصر وحين، لا تأخذهم فى الله لومة لائم ولا يخشون انتقام سلطان مهما كانت قوته وسطوته

    فرحم الله الشيخ وجعله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا..

    وبالله التوفيق


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  13. #28
    وهذه هى وظيفة العلماء، من الصوفية وغيرهم، فى كل عصر وحين، لا تأخذهم فى الله لومة لائم ولا يخشون انتقام سلطان مهما كانت قوته وسطوته


    أعتذر عن هذا الخطأ وأصححه فأقول : كان ذلك فيما سبق..!!


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  14. #29
    أعتذر عن هذا الخطأ وأصححه فأقول : كان ذلك فيما سبق..!!

    حقا ..كان ذلك فيما سبق..

    إلا ما كان من الشيخ الطيب شيخ الأزهر ..


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

  15. #30
    وإلا ما كان من د عباس شومان وكيل الأزهر السابق، بدفاعه عن الحجاب أمام محاربيه..


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •