النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: العلاقة بين المنفصلة الحقيقية والتناقض

  1. #1

    العلاقة بين المنفصلة الحقيقية والتناقض

    القضيَّة الشَّرطيَّة المنفصلة الحقيقيَّة (مانعة الجمع والخلوِّ معاً) هي التي يكون فيها المقدَّم ‏والتَّالي ممتنعي الاجتماع معاً والارتفاع معا، فيمتنع اجتماع الطَّرفين معاً ويمتنع انتفاؤهما ‏معا.‏
    كأن نقول: (زيد إمَّا جائع أو شبعان)، فإنَّه يمتنع أن يكون جائعاً شبعان معاً، ويمتنع أن ‏يكون غير جائع وغير شبعان معاً.‏
    وكأن نقول: (الإنسان إما موجود أو معدوم).‏
    وكأن نقول: (النار إمَّا موقدة أو منطفئة).‏
    والتَّناقض هو اختلاف قضيَّتين بالإيجاب والسَّلب بحيث يقتضي لذاته أن يكون إحداهما ‏صادقة والأخرى كاذبة. ‏
    كالتَّناقض بين القضيَّتين: (كل إنسان متنفس) و (ليس بعض الإنسان متنفساً).‏
    والتناقض بين القضيَّتين: (زيد مؤمن) و (ليس زيد مؤمناً).‏

    فيلاحظ هنا أنَّ التَّناقض له صورة معيَّنة في كون الحكم بإيقاع نسبة المحمول إلى ‏الموضوع أو رفع نسبة المحمول نفسه إلى الموضوع.‏

    وعلى هذا فإنَّما يكون أحد النَّقيضين سلباً للآخر في صورته، ولهذا فإنَّ التَّناقض عائد في ‏حقيقة وأصله إلى الدَّوران بين إثبات ونفي، وما لم يكن التقابل بين أمرين عائداً في حقيقته ‏إلى إثبات ونفي فلا يكون تناقضاً.‏

    ولذلك فإنَّ الصورة بين النَّقيضين ستكون (أ) (لا أ)، أو أن تكون (أ) (ب) بحيث يكون ‏‏(ب) لفظاً مدلوله ليس إلا (لا أ).‏

    ااااا

    سيقال: لماذا تلزموننا بتلك الصُّورة التي اصطلح عليها المنطقيُّون في النَّقيضين؟

    والجواب بأنَّه إن لم يكن أحد الطَّرفين محض سلب الثَّاني فإنَّه يصحُّ أن نفرض نفيهما معاً ‏في نفس الأمر لمفروض ما.‏

    وإذا صحَّ نفيهما معاً لشيء فلا بدَّ أنَّهما لا يكونان نقيضين، لأنَّ النَّقيضين لذاتهما يلزم ‏التَّنافي بينهما. ‏

    ااااااا

    وعلى هذا...‏
    إن عبَّرنا بعبارتين: (زيد نائم) و (زيد مستيقظ). كان بين القضيَّتين تكذيب متبادل، فلا ‏يجتمعان معاً ولا ينتفيان معاً...‏
    وذلك لأنَّ نفي النَّوم في حقِّ زيد يُسمَّى يقظة.‏

    لكن هل يصحُّ من هذا أن النَّوم واليقظة نقيضان؟

    الجواب عن هذا واضح، يُنبَّه عليه في أن نحلِّل مفهومي النَّوم واليقظة تقريبيّاً...‏

    النَّوم حالة غيبة عن الحسِّ الخارجيِّ ممَّا له حسٌّ خارجيٌّ، واليقظة حالة حضور الحسِّ ‏الخارجيِّ لمن له حسٌّ خارجيٌّ (هذان تعريفان تقريبيان).‏

    وعلى هذا فإنَّ النَّوم بحسب تعريفه وصف مقيَّد بشيء له حسٌّ، واليقظة بحسب تعريفها ‏كذلك مقيَّدة بشيء له حسٌّ.‏

    وعلى هذا فثبوت هذا التَّقابل مشروط بهذا القيد، ومن غير هذا القيد لا معنى للوصف بالنَّوم ‏ولا اليقظة.‏

    ولذلك يصحُّ أن يكون هناك شيء ليس نائماً ولا مستيقظاً كالحجر.‏

    ولذا فليس النَّوم واليقظة نقيضين أصلاً، لصحَّة أن يخلو شيء من كليهما معاً.‏

    وليظهر الأمر أكثر (مع ظهوره) فإنَّنا لو قلنا (مستيقظ) وقلنا (غير نائم) فإنَّ (مستيقظ) ‏أخصُّ من (غير نائم)، لأنَّ (مستيقظ) خاصٌّ بما يحسُّ، و(غير نائم) يصدق على كلِّ ما ‏ليس نائماً، كان مستيقظاً كالقطِّ أو غير مستيقظ كالحجر.‏

    تنبيه: لاحظ أنَّ لفظ (مستيقظ) دالٌّ على حيٍّ غير نائم، وليس دالاً على مطلق نفي النَّوم. ‏‏((لكن لو فرضنا)) أنَّه دالٌّ على مطلق نفي النَّوم بغير أيّ قيد آخر بأن يكون معنى ‏‏(مستيقظ) هو (لا نائم) فسيكون بين النَّوم واليقظة تناقض.‏

    اااااااا

    إذن: المنفصلة الحقيقيَّة قد تصدق مع عدم لزوم أن يكون التَّنافي بين الطَّرفين ذاتيّاً، أي لا ‏بأن يدورا على إثبات ونفي فقط، أن لا يكون أحدهما محض تكذيب للثاني.‏

    فـ (مستيقظ) ليس محض تكذيب لـ (نائم)، بل هو تكذيب للنوم لموصوف محسٍّ.‏

    وعلى هذا يتبيَّن الفرق بين العلاقة بين الطرفين في المنفصلة الحقيقيَّة والعلاقة بين ‏النَّقيضين، في أنَّ العلاقة بين طرفي المنفصلة الحقيقيَّة أعمُّ مطلقاً من العلاقة بين النَّقيضين.‏

    ااااااا

    إذا ما عرفتَ هذا فاعلم أنَّ ابن تيمية في الرسالة التدمرية قد لبَّس في التَّناقض وشاغب ‏على المنطقيين في دلالة اللغة، في أنَّه قال إنَّ قولنا (غير بصير) وقولنا (أعمى) سواء، ‏فهل حقّاً هذا اللفظ (غير بصير) مدلوله عين مدلول (أعمى)؟! هذا تلبيس ظاهر.‏

    فلماذا يلبِّس ابن تيميَّة في هذا؟

    لأنَّه يريد أن يقول إنَّ التَّناقض يحصل هنا، متغافلاً عن أنَّ لفظ (أعمى) ليس فقط نفي ‏البصر، بل هو نفي البصر بقيد كون الموصوف قابلاً للبصر.‏

    ولذلك لا معنى للقول (الجماد أعمى) في اللغة.‏

    نعم، لو فرضنا أنَّ العمى لغة ليس إلا محض نفي البصر (لا بقيد) كان بين البصر والعمى ‏تناقض، لكن ابن تيميَّة لا يريد هذا المعنى، لأنَّه يريد انتقالاً تلبيسياً...‏

    والحاصل أنَّ ابن تيميَّة يقول ما حاصله أنَّ كل ما تصدق فيهما منفصلة حقيقيَّة فهما ‏نقيضان.‏

    سيقال: هذا اصطلاح اختاره ابن تيميَّة، وهو مقتنع أنَّه يصحُّ له أن يقترح معنى جديداً ‏لمصطلح (التَّناقض).‏

    فيجاب: ليس الأمر في التَّسمية، فلو كانت مخالفة ابن تيميَّة في التَّسمية فقط لكان الخطب ‏هيِّناً...‏

    الأمر أنَّنا لو سلَّمنا (اصطلاح) ابن تيميَّة هنا للزم صحَّة خلوِّ شيء عن النَّقيضين، فإنَّنا لو ‏جرينا على المعنى الذي أراد في مثل الجوع والشِّبع –إذ يصحُّ أن يقال: (زيد إمَّا جائع أو ‏شبعان)- وقلنا إنَّ الجوع والشِّبع نقيضان (مع الاحتفاظ بالمعنى اللغويِّ المعروف ومن ‏غير عبث فيه) لصحَّ لنا أن نقول مثلاً إنَّ الحجر في حال كونه جماداً غير جائع ولا ‏شبعان، فيصحُّ على هذا التَّعبير أن يخلو شيء عن النَّقيضين.‏
    وكذلك في مثال اتِّقاد النَّار وانطفائها، فيصحُّ أن نقول: (النَّار إمَّا متَّقدة أو منطفئة)، ولو ‏جرينا على مراد ابن تيميَّة لصحَّ أن يكون بين الاتقاد والانطفاء تناقض، فيصحُّ خلوُّ شيء ‏عن النَّقيضين.‏

    وعلى فلنسلِّم أنَّ الدخول والخروج كلاهما نقيضان على مجرى كلام ابن تيميَّة، لكنَّ هذا لا ‏يمنع أن يخلو شيء عنهما.‏

    هل يوافق ابن تيميَّة على هذا؟

    لا، لأنَّه بعد تمويهه على معنى التناقض وتعميمه في كلِّ طرفي منفصلة حقيقيَّة يرجع إلى ‏لازم قولنا بالتَّناقض المقرَّر منطقيّاً في أنَّه لا يخلو شيء عن النَّقيضين...‏

    فالعبث الذي ارتكب ابن تيمية أنَّه عمَّم مفهوم النَّقيضين في كلَّ منفصلين انفصالاً حقيقيّاً، ‏ولم يلتزم بلازم التَّعميم وهو صحَّة الخلِّو عن الطَّرفين لغير المحكوم عليه بالانفصال.‏

    ولذلك فإنَّ ابن تيمية يقول إنَّ الدُّخول والخروج نقيضان، ثمَّ يوهم أنَّ اللازم من هذا هو ‏اللازم من علاقة التناقض المنطقيَّة من امتناع الخلوِّ مطلقاً.‏

    وهذا خداع لمن لا يحقِّق.‏

    اااااا

    الصورة المرفقة من كتاب [نقض التدمرية] للشيخ سعيد فودة حفظه الله، يبيِّن فيه أنَّ ابن ‏تيميَّة فعلاً يشاغب في معنى التَّناقض ويجعله أوسع من المدلول المنطقيِّ المعروف، ويُلزم ‏النَّاس بلازم التناقض المنطقيِّ.‏

    فالذي فعله الشيخ سعيد حفظه الله في كتاب [نقض التدمرية] هو أن ناقش دعوى ابن تيميَّة ‏في زعمه التناقض بين الدخول والخروج على المعنى المعروف.‏

    ثمَّ بيَّن أنَّ ابن تيميَّة إنَّما قال بامتناع الخلوِّ عن الدخول والخروج معاً في حقِّ الله تعالى ‏لكونه مشبِّهاً مجسِّماً.‏

    ثمَّ بيَّن أنَّ (اصطلاح) ابن تيميَّة في معنى النقيضين من تلبيساته التي إنَّما تجري على من ‏يقلِّدونه بلا تفكُّر فيما يقول.‏
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  2. #2
    أحاول إضافة الصورة ولا ينفع!
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    الدولة
    المنيعة - الجزائر
    المشاركات
    786
    مقالات المدونة
    19

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •