النتائج 1 إلى 11 من 11

الموضوع: فوائد وتعليقات من دروس "شرح السنوسية" للأستاذ سعيد فودة

  1. #1

    فوائد وتعليقات من دروس "شرح السنوسية" للأستاذ سعيد فودة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::



    تعليقات وفوائد من دروس "شرح العقيدة الصغرى"
    للإمام أبي عبد الله السنوسي
    رضي الله تعالى عنه وعن سائر علماء المسلمين
    ألقى الدروس فضيلة الأستاذ المتكلّم سعيد عبد اللطيف فودة حفظه الله تعالى



    الدرس الأول
    1. قوله (عين الوجود): أي حقيقة الوجود، أي أحق شيء بالوجود، وأحق شيء بالوجود: لأنه أكمل الموجودات، وليس كما يفهمه بعضهم: أن سيدنا محمداً هو الحقيقة الوحيدة في الوجود، لا.
    2. بعض الناس يقولون: لماذا تبالغون في نسبة الفضائل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هل الرسول بلغ فعلاً هذا القدر الذي تنسبونه إليه؟ هذه إحدى المسائل التي سوف نتكلم فيها بعون الله تعالى.
    3. زمان الإمام السنوسي كان من أصعب الأزمنة كما نص عليه كثير من العلماء، لما عم فيه من الجهل وزيادة المبتدعة من شتى الفرق، وصار التحقيق في علم العقائد، خصوصاً على طريقة أهل السنة صعباً، لأن غيرهم من أهل الفرق الأخرى ازدادوا وتقوّوا وصاروا يدعون إلى مذهبهم، مما دفع الإمام السنوسي رحمة الله تعالى عليه إلى الاجتهاد في توكيد مسائل الاعتقاد على طريقة أهل السنة والجماعة، لذلك تميز الإمام السنوسي من بين سائر العلماء بأن كتبه صارت ممثلة لأهل السنة في ذلك الزمان وما تبعه، حتى إن كثيراً من العلماء الذي تلوا الإمام السنوسي في الزمان صاروا يستدلون بمجرد أقواله على حقية القول.
    ولا ننفي أن الإمام السنوسي قد خالفه كثير من العلماء في مسائل معدودة، لأنه تبنى في بعض المسائل بعض الأقوال الضعيفة، كما سنرى في هذا الكتاب أيضاً.
    4. ميزة لأهل السنة: كل عالم من علماء أهل السنة: يوقره العلماء الآخرون على ما توصل إليه من حق، وعلى ما بينه من الهدى، ويخالفونه في الأمور التي أخطأ فيها، وإن كان أكبر أكابرهم، دون أن يبدعوه، بخلاف الفرق الأخرى التي قد يكفر بعضهم بعضاً، كما كفر المعتزلة النظّام.
    5. عندما نتكلم عن ابن تيمية: أولاً نحن لا نتكلم عليه من ناحية شخصية، بل من حيث هو عالم، ثانياً: لا يهمنا أن نتكلم عن نوايا ابن تيمية، ولا نستطيع أن نتكلم عن نوايا ابن تيمية، ليس لنا شأن بهذا ولا علاقة، ولكن لنا علاقة بأقواله، أو على الأقل بما نسب إليه من أقوال.
    6. الإمام الأشعري لم ينتقل من مذهب الاعتزال إلى مذهب أهل السنة بين يوم وليلة، كما يفهم كثير من الناس، بل اللائق بحال الإمام كما ورد في سيرته والمناسب لما جرت عليه أحوال بني آدم عامة هو التكامل التدريجي الذي لا بد أن يمر به كل إنسان يحاول الوصول إلى الحق.
    7. رؤيا الرسول عليه الصلاة والسلام عادة ما تأتي تبشيراً وإكراماً وتثبيتاً.
    8. كلام للإمام القاضي عياض في ترجمة الإمام الأشعري، مع تعليقات الشيخ الأستاذ: (وناظر المعتزلة، وكان يقصدهم بنفسه للمناظرة، وكُلّم في ذلك، وقيل له: كيف تخالط أهل البدع وقد أمرت بهجرهم)، الظاهر أن القائل من أهل السنة، والأقرب أن يكونوا من أهل الحديث، والله تعالى أعلم، (وكان أمرهم في ذلك الوقت شائعاً)، الخلفاء كانوا معتزلة، وكانوا لا يوظفون قاضياً إلا معتزلياً، (وكلمتهم غالبة، فقال: هم أهل الرياسة، وفيهم الوالي والقاضي، فهم لرياستهم لا ينزلون إليّ، فإن لم نسر إليهم فكيف يظهر الحق ويعلم أن لأهله ناصراً بالحجة؟)، لاحظ قوة كلامه.
    9. البربهاري تلميذ الساجي، والساجي تلميذ أحمد بن حنبل، والبربهاري والساجي كانا من المجسمة. والبربهاري كان ينسب للأشعري أموراً لم يقل بها، ورد عليه الإمام ابن عساكر في كتاب "تبيين كذب المفتري".
    10. بعض العلماء المحققين قالوا: سبب تشنيع الإمام ابن حزم على الإمام الأشعري أنه لم يقرأ كتبه، بل وردت إليه أخبار بالسماع فقط من النقلة.
    وكانا في زمان متقارب، وإلا فابن حزم حقيقة لا يخالف الأشاعرة في كثير من أصول العقائد. لذلك أتباع ابن تيمية يقولون عن ابن حزم: جهمي جلد، لأنه مخالف لهم.
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  2. #2
    الدرس الثاني

    11. تقي الدين النبهاني: حكمه على المتكلمين، على فرق الإسلام عموماً سواء الشيعة، المعتزلة، غلط، لا نوافقه عليه مطلقاً، لا يختلف لا من قليل ولا من كثير عن ابن تيمية في النتيجة.
    12. قال ابن تيمية في رده على تأسيس التقديس: [كونه فوق العرش] أي الله تعالى، [ثبت بالشرع المتواتر وإجماع سلف الأمة، مع دلالة العقل ضرورة ونظراً]:
    أي شرع متواتر الذي ثبت فيه أن الله فوق العرش؟! هل ورد آية من القرآن أو حديث نبوي شريف صحيح أو حسن أو ضعيف بهذا اللفظ: الله فوق العرش؟ لم يثبت.
    إجماع سلف الأمة: أين الإجماع؟
    إذا كانت هذه القضية ثابتة فعلاً بالشرع المتواتر وإجماع سلف الأمة وبالبداهة العقلية وبالنظر، لماذا العلماء الكبار كانوا يخالفون فيها؟
    نتابع كلام ابن تيمية: [فلا يخلو مع ذلك إما أن يلزم أن يكون مماساً أو مبايناً، أو لا يلزم، فإن لزم أحدها كان ذلك لازماً للحق، وليس في مماسته للعرش ونحوه محذور كما في مماسته لكل مخلوق من النجاسات والشياطين وغير ذلك، فإن تنزيهه عن ذلك] أي عن مماسة النجاسات والشياطين، يناقش من يمنع المماسة، [إنما أثبتناه لوجوب بعد هذه الأشياء عنه، وكونها ملعونة مطرودة، لم نثبته لاستحالة المماسة عليه]، فالله يمكن أن يمس النجاسات، لكنه هو لعنها وطردها، هو منع نفسه منها، [وتلك الأدلة] التي أوجبت انتفاء مماسته للنجاسات والشياطين بالفعل، [منتفية]، يعني لا يوجد مانع من مماسة الله للعرش ونحوه، [كما روي في مس آدم وغيره]، أين روي؟ هل نحن نتكلم في مسألة فرعية أم عقائدية؟ عقائدية، أصلية أم غير أصلية؟ أصلية، هذا الذي روي في مس آدم حديث متواتر كما قال قبل قليل: الشرع المتواتر؟ ليس متواتراً ولا صحيحاً ولا حسناً، لم يثبت في المماسة إلا حديث أقرب إلى الوضع، رواه شيخ ابن تيمية الدرامي، روى أن الله مس آدم بيديه مسيساً، وابن تيمية ذكر أن مس الله تعالى لآدم متواتر عن السلف، قاله في نفس الكتاب، في موضع آخر.
    [وهذا هو جواب جمهور أهل الحديث]، أي أهل حديث؟ هل هذا الكلام صدق أم كذب؟ هل عندما نقول: ابن تيمية يكذب ويفتري على علماء الأمة، هل نحن نسبه أو نتهمه لا من شيء؟؟
    وليس فقط جمهور أهل الحديث، بل [وكثير من أهل الكلام]، لا أحد من أهل الكلام يقول بهذا إلا فرقة اسمها الكرّامية، والكرامية انقسموا إلى طائفتين: طائفة منعت إطلاق لفظ المماسة على الله تعالى، وطائفة جوّزت إطلاق لفظ المماسة على الله، فيكون الذين قالوا بالمماسة هم بعض الكرامية من هؤلاء المتكلمين، فهل يقال عنهم: "كثير من أهل الكلام"؟ الكرامية من أقل فرق الإسلام انتشاراً، حتى لو قلنا: جمهور الحنابلة مجسمة: انتشار الحنابلة لم يكن في يوم من الأيام يقارن بانتشار الأحناف والشافعية والمالكية، فلو أضفنا جمهور الحنابلة إلى جمهور الكرامية، لا يجوز لك أن تقول: كثير من أهل الكلام.
    عندما يقول ابن تيمية: "جواب جمهور أهل الحديث": هذا يعني أنه جوابه هو، لأنه لا يخالف جمهور أهل الحديث.
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  3. #3
    الدرس الثالث

    13. ابن تيمية لم يخالف في أن هناك أشياء واجبة لله تعالى وهناك أشياء مستحيلة وهناك أشياء جائزة، ولكنه خالفنا في التفريعات، دون الأصل الكلّي، فالمستحيلات عندنا مثلاً ليست مستحيلات عنده.
    14. نصَّ أهل السنة، وكبار علمائهم على أنه لا يوجد أي تعارض بين العقل وبين الشرع، لأن العقل والشرع كل منهما من عند الله تعالى، الله تعالى أنعم على الإنسان بالعقل كما أنعم عليه بالشرع.
    15. الذي يعرف الحق ولا يلتزم به لا يقال عنه عاقل، يقال عنه مميز، ميز الحق، العقل ملازم للإيمان، أما العلم فلا، والله تعالى لم ينف عن الكفار صفة العلم، ونفى عنهم العقل، فالعقل لا يمكن أن ينسب مطلقاً إلى كافر، لأن العقل في الاصطلاح القرآني معناه حق واتباع لهذا الحق، والاتباع لا يكون إلا بالعلم.
    16. الإمام السُّهيلي (من كبار علماء اللغة ومن المحققين) حقق أن الصلاة ليس لها إلا معنى واحد، هو الحنوّ والعطف، أرجعَ جميع المعاني التي ذكرها العلماء إلى معنى واحد في أصل اللغة وهو العطف، فصلاة الله على عباده عطف يليق به تعالى، وصلاتنا لله تعالى عطف، معناه انعطاف وميلان نحو الله كما يليق بنا، والذي يليق بنا في حق الله تعالى هو الدعاء، لأننا لا نستطيع تجاه الله تعالى إلا أن ندعوه تعالى ليغفر لنا.
    17. طريقة الإمام السهيلي نفس طريقة الإمام ابن فارس، وهذه طريقة يتميز بها خاصةً العلماء على مذهب البصريين في النحو، يتميزون بمحاولة إرجاع مختلف المعاني التي تستخدم للفظ واحد في اللغة إلى أصل واحد، أو أقل عدد من الأصول.
    وابن فارس رتب كتابه "المقاييس" كله على هذه الطريقة، وهو من أعظم الكتب.
    18. الدكتور محمد البنا قال: كثيراً ما سمعنا باسم الإمام السهيلي يكثر وروده في كتاب بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية، فأحببت أن أتعرف على هذا الإمام، وأن أجد بعض مؤلفات هذا الإمام، فبحث في المخطوطات، ووجد كتاب الإمام السهيلي "نتائج الفكر"، فلما قارن كتاب نتائج الفكر بكتاب بدائع الفوائد، قال: فرأيت جميع التحقيقات والفوائد النحوية التي نسبها ابن قيم الجوزية إلى نفسه ما هي إلا كتاب نتائج الفكر للإمام السهيلي، ولم يزد شيئاً إلا تقديماً وتأخيراً في بعض المواضع، وإلا حذفه لمقدمة الإمام السهيلي في بعض المواضع.
    19. من كتاب "بدائع الفوائد" لابن قيم الجوزية:
    قال: [فائدة: قولهم "الصلاة من الله بمعنى الرحمة" باطل من ثلاثة أوجه: أحدهما أن الله تعالى غاير بينهما في قوله: ((عليهم صلوات من ربهم ورحمة))]، الرد: نحن نسلم أنه يوجد تغاير بين الرحمة وبين الصلاة، لأننا نقول: الصلاة هي رحمة مقرونة بتعظيم، فهنا حصل مغايرة بين معنى الرحمة ومعنى الصلاة، فلا تعارض مع الآية، فلا يجوز الاحتجاج علينا بها لأنا نتماشى معها ونسايرها.
    [الثاني: أن سؤال الرحمة يشرع لكل مسلم، والصلاة تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي حق له ولآله، ولهذا منع كثير من العلماء من الصلاة على معيّن غيره، ولم يمنع أحد من الترحم على معين]، الرد: كيف تقول: إنه يمنع من الصلاة على معيّن غير النبي صلى الله عليه وسلم وقد ورد ذلك في السنة، في الصلوات الإبراهيمية؟
    وفي صحيح البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل في جماعة تضاعف على صلاته في بيته ...، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه)).
    [الثالث: أن رحمة الله عامة وسعت كل شيء، وصلاته خاصة بخواص عباده]، الجواب: الرد على هذا الوجه هو الرد على الوجه الثاني.
    20. المكان هو الفراغ الموهوم الذي يشغله الجسم وتنفذ فيه أبعاده، الموهوم: لأنه في الحقيقة ليس هناك فراغ، أي هذا الفراغ الذي نتصوره عند تصور انعدام الجسم، هذا هو ما يدعوه العلماء بالمكان، فالمكان إذاً ليس موجوداً في ذاته، بل هو لازم من لوازم الأجسام، أي لازم يلزم عن وجود الأجسام في الخارج، بينما في الوهم: يمكن أن نتصور الفراغ اللامتناهي من دون وجود أي جسم، لكن في الخارج لا يجوز لإنسان أن يقول: هناك مكان عدمي.
    21. ثبوت الحيز للجسم واجب، كيف نعرف أنه واجب؟ افرض أنك صدقت بوجود القلم، هل يمكن أن تصدق بوجود القلم في حال تكذيبك بوجود حيز للقلم؟ لا يمكن التصديق بوجود القلم إلا بشرط التصديق بوجود حيز لهذا القلم، إذا نفينا الحيز للجسم انتفى الجسم.
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  4. #4
    [SIZE=5]
    الدرس الرابع


    22. قال العلماء: وحدانية الأفعال معناها الوحدانية في صدور الفعل لا في نسبته، فالفعل ينسب لغير الله تعالى، وهذا وارد في القرآن والسنة كثيراً.
    23. نسبة الفعل إلى الإنسان تقتضي اكتساب الإنسان لهذا الفعل، أما نسبة الصدور إلى الإنسان، تقتضي أن يكون الإنسان خالقاً للفعل، وهذا هو المنفي.
    24. قوله: (نفي الكثرة في ذاته تعالى، ويسمى الكم المتصل): الكم من حيث إنه كمية، أي يُعَدّ، والمتصل من حيث إنه يوجد حد مشترِك.
    25. المخالف لنا في الكم المتصل هم المجسمة فقط (الكرامية ومن اعتقد التجسيم من الحنابلة)، الشيعة والخوارج والإباضية والمعتزلة وسائر فرق الإسلام تنفي عن الله تعالى الكم المنفصل.
    26. قوله: (بلا واسطة): نفي القوة المودعة، نفي وجود العلل في الكون.
    (ولا معالجة): بلا مماسة.
    27. الآيات التي ذكرها الإمام السنوسي في الوحدانية: ((إنا كل شيء خلقناه بقدر))، ((ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه)): هذه نصوص ظاهرها أن الله تعالى خالق لكل شيء، ولا يوجد معارض لهذا الظاهر يقتضي تخصيصه، وعند بعض العلماء: هذه الآيات نصوص في أن الله تعالى خالق لكل شيء، ولكن لوجود الخلاف في أن "كل" هل تقتضي العموم المطلق، أم تقتضي عموماً يحتمل التخصيص، اقتصرنا على الأقل، وقلنا: ظاهر هذه الآيات تقتضي أن الله تعالى خالق لكل شيء، ولكن نحن نحتج بها في العقائد لأنه لا يوجد لها معارض، ولا يوجد لها مخصص، خصوصاً إذا دعهما الدليل العقلي، كما سنرى في دليل الوحدانية، فالعموم صار مطلقاً، بما أنه لم يخصص ولا دليل على التخصيص، فيبقى على الظاهر.
    28. الآية المشهورة التي يحتج بها أهل السنة على أن الله خالق لأفعال العباد: ((والله خلقكم وما تعملون))، وجه الدلالة: "ما" هنا إما أن تكون موصولة، أو مصدرية.
    إذا كانت موصولة يكون معنى الآية: والله خلقكم والذي تعملونه، إذا كانت مصدرية، يسبك منها ومن الفعل الذي بعدها مصدر، أي اسم، فيصير معنى الآية: والله خلقكم وعملكم، أو وأعمالكم، وبناء على أن "ما" مصدرية، تكون دلالة الآية على أن الله تعالى خالق لأفعال العباد دلالة واضحة جداً. الترجيح: الآية نازلة في الذين كانوا يصنعون الأصنام، فالله تعالى قال: ((والله خلقكم وما تعملون))، فعلى تأويل: والذي تعملون: فالذي تعملون يعود على الأصنام، والأصنام عبارة عن أحجار، فالمعنى: والله خلقكم وخلق هذه الحجارة، ولا خلاف أصلاً بيننا وبين المعتزلة في أن الله تعالى هو خالق الأحجار، والحجارة لا تنسب إلينا عملاً، بل الذي ينسب إلينا هو الفعل الذي صدر منا، وهو تشكيل الحجارة، فالذي عملناه هو التشكيل لا نفس الحجارة، فتعود دلالة الآية لنا: والله خلقكم وخلق أعمالكم، وليس المقصود: وخلق هذه الحجارة. وهذا الاحتمال ليس وارداً بناء على أن ما مصدرية.
    السؤال: هنا يوجد احتمالان، الأول أن "ما" مصدرية، تصبح دلالة الآية واضحة على أن الله تعالى خلق عملنا، والثاني إذا اعتبرنا "ما" موصولة، تصبح الآية ظاهرة أو محتملة لعدم وجود أي دلالة من الآية على أن الله تعالى خلق عملنا، كيف نستطيع أن نهدم وننفي هذا الاحتمال؟؟
    نستطيع أن ننفي هذا الاحتمال بترجيح كون "ما" هنا مصدرية، كيف نرجح أن "ما" هنا مصدرية من حيث اللغة؟؟
    بناء على أن "ما" موصولة يكون المعنى: والله خلقكم والذي تعملونه، كلمة "الذي" اسم موصول، فهو يحتاج لصلة الموصول، وصلة الموصول محذوفة هنا، فيجب علينا تقدير صلة الموصول، أما في حال كون "ما" مصدرية فلا يحتاج لتقدير شيء، والقاعدة النحوية: عدم التقدير أولى.
    والمعتزلة على القول بأن "ما" موصولة يحتاجون لتقدير "وما تعملون فيه"، ليتم لهم التوصل إلى أن الله تعالى خلق هذه الحجارة، فلا يتم لهم بيان مذهبهم إذا قدروا أن صلة الموصول هي "تعملونه"، بل إذا قدروا صلة الموصول "تعملون فيه"، لا "تعملونه"، لأن "الذي تعملونه" هو فعلنا، فتصبح المشكلة أعمق، لأن الأصل أنه إذا العائد في صلة الموصول مجروراً لا يجوز حذفه.
    29. قوله: (حقيقة الصفة النفسية هي الحال الواجبة للذات ما دامت الذات): هنا ينتهي التعريف، وكلمة (غيرَ معللة بعلة) حال للحال المذكورة في التعريف، يعني: الحال غير معللة بعلة، وهذه الحال واجبة للذات ما دامت الذات، أي ما دامت موجودة. فالصفة النفسية حقيقتها أنك لا تستطيع أن تنفيها عن الذات ما دامت الذات موجودة، أو كما وضحنا سابقاً: إذا أردت أن تفهم الذات يجب أن تفهمها، ليست لازمة عن فهمك للذات، بل هي جزء من حقيقة الذات.
    (غير معللة بعلة): لا يوجد سبب لوصف الذات بهذه الصفة، لأنه لو كان هناك سبب لوصف الذات بهذه الصفة لانتفى كونها صفة نفسية، لأنه يمكنك تصور الذات من دون تصور هذا السبب، بالتالي لا تكون هذه الصفة نفسية، مثل العلم، أنت تقول: الله تعالى موجود، ثم تسأل بعد ذلك: هل هو عالم؟ نعم هو عالم، إذاً أنت آمنت بأن الله موجود ثم سألت عن علمه، ولكن إذا غفلت عن كونه موجوداً هل يمكن أن تسأل بعد ذلك عن شيء؟ لا يمكن، لهذا نقول: الوجود صفة نفسية، لا يمكن الكلام على الذات إلا بها، أما القدرة والإرادة فقد حصل فيها خلاف، الفلاسفة قالوا لا يوجد إرادة، لا يوجد علم تفصيلي، فتصورا الذات وخالفوا في الصفات، ولكنهم لم يخالفوا في أصل الوجود.
    كون الله عالماً يقتضي أن له علماً، إذاً فكونه عالماً معلل على الأقل بعلة لغوية، لا منطقية، لذلك نقول: العلم والقدرة والإرادة صفات وجودية، أي لها وجود في حقيقة ذاتها، بخلاف قولنا: الله تعالى قديم، كونه قديماً ليس لها وجود بذاتها، لأن كونه قديماً معناه أنه ليس لوجدوه مفتتح.
    30. قوله: (كالتحيز للجرم مثلاً، فإنه واجب للجرم ما دام الجرم، وليس ثبوته له معللاً بعلة): تصورُنا لوجود جسم جزءٌ منه تصورنا لكون هذا الجسم له حيز، ولكن لنفرض أنا تصورنا جسماً متحركاً، ألا يدفعنا العقل بعد ذلك لأن نسأل: هذا الجسم ما سبب حركته؟ إذاً لأن الحركة ليست من الصفات النفسية للجرم، فلا بد إذا كان الجرم متحركاً أن يكون لحركته سبب، وهذا السبب ليس هو عين الجرم، لأنه لو كانت الحركة سببها هو عين الجرم لصارت كل الأجسام متحركة، لكنا نجد في أنفسنا أنه يوجد داع للسؤال السابق، فالحركة منفكة عن الجرم في التعقل.
    31. معنى أن الأحوال المعنوية معللة بقيام المعاني: أنها ملازمة لها، لا أن المعاني مؤثرة، أو أن المعنوية ناتجة عن أثر ما، فقولك: الله تعالى عالم، ملازم لقولك: إن الله تعالى له علم.
    وفسرنا التعليل بمعنى الملازمة دون معنى العلة الحقيقة لأنه لو كانت بمعنى العلة التي هي مؤثرة للزم أن صفة أوجدت صفة، وتصبح صفة أسبق من صفة، وهذا باطل.
    32. جمهور العلماء من أهل السنة على نفي الحال، وبعضهم قسّم: الأمر إما أن يكون موجوداً أو معدوماً أو حالاً بينهما، أي لا موجوداً ولا معدوماً في نفسه.
    هذا الخلاف يؤول إلى خلاف شبه لفظي، لأن من أثبت الحال قال: الصفات أربعة أقسام، هي: النفسية، السلبية، المعاني، المعنوية، المعاني: ثبوت العلم لله، المعاني: كون الله عالماً، الذي ينفي الحال يقول: الصفات: نفسية وهي الوجود، سلبية وهي الخمسة التي لا خلاف فيها، ثم قال: ثبوت العلم لله، وثبوت العلم لله ملازم لكونه عالماً. فالحاصل واحد عندهم.
    33. قوله في المتن: (ثم يجب له تعالى سبع صفات تسمى صفات المعاني): "ثم" هنا لا تفيد الترتيب بمعنى أن الله تعالى بعد أن اتصف بالوجود والصفات السلبية، اتصف بعد ذلك بوقت بالعلم والإرادة، بل الترتيب هنا ترتيب تعليمي، وليس ترتيباً في حق الله تعالى.
    34. الثابت في نفس الأمر إذا ثبت في الخارج يسمى موجوداً.
    35. كون الله عالماً حال معنوية، والوجود حال نفسية، يعني: حال للنفس، حال للذات.
    36. ما في الذهن، وما في نفس الأمر، وما في الخارج، هذه مراتب ثلاث.
    يمكن أن يكون الشيء ثابتاً في الذهن من حيث إنه اعتبار ذهني محض، ليس ثابتاً في نفسه، مثل الجهات الإضافية، هذه ثابتة في الذهن وليست ثابتة في نفسها، ويمكن أن يكون الشيء ثابتاً في نفسه وليس ثابتاً في الخارج، مثل الحال، ويمكن أن يكون الشيء ثابتاً في نفسه وثابتاً في الذهن وثابتاً في الخارج، مثل الأجسام، مثل وجود الله تعالى.
    37. إذا الواحد انفتحت عنده هذه المباحث سوف يزداد ثباتاً في نفسه ويثبّت غيره، بتوفيق الله سبحانه وتعالى، ولو فهم الإنسان مليون مسألة فقهية، أو حفظ الفقه كله عن ظهر قلب، وحفظ كل الأحاديث عن ظهر قلب من دون أن يفهم أصل الدين وأصوله التي هي العقائد، سوف يبقى متخلخلاً، وهذا دواء مجرب، العقائد تثبت الإنسان، لذلك الرسول عليه الصلاة والسلام اهتم في أول الأمر بالعقائد، ما طالبهم بشيء من العبادات. [
    /SIZE]
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  5. #5
    الدرس الخامس
    38. التفريق بين القديم والأزلي أدق. الأزلي أعم من القديم، لأن الأزلي يطلق على الموجود وعلى المعدوم، أما القديم فعلى الموجود فقط.
    39. قوله: (فالقدرة صفة تؤثر في إيجاد الممكن): الأصل أن يقول: وجود الممكن، لأن الإيجاد هو نفس فعل الله تعالى، والقدرة لا تؤثر في الإيجاد، لأن الإيجاد صادر عن الله.
    40. الإرادة تسبق القدرة، لا زماناً، بل ترتباً، أي ترتباً عقلياً، بمعنى: لا يمكن أن تدرك وتفهم وتتعقل معنى القدرة إلا بسبق فهمك لمعنى الإرادة، كذلك الإرادة مترتبة على العلم.
    لذلك نقول: النار لا توصف بالقدرة، لأن الذي يوصف بالقدرة لا بد أن يوصف بالقدرة على الترك أيضاً لا على الفعل فقط، فلا يمكن أن تتعقل قادراً إلا أن يكون مريداً، ولا يمكن أن تتعقل مريداً إلا أن يكون عالماً.
    41. العلم عند أهل السنة ليس صفة مؤثرة، خلافاً للفلاسفة، لذلك استعاض الفلاسفة عن القدرة والإرادة بالعلم الإجمالي، وهذا باطل. العلم ليس علة فاعلة، بل هو شرط للفعل عند أهل السنة.
    42. قوله عن المعتزلة: (لا يريد الله تعالى إلا ما أمر به من الإيمان والطاعة، سواء وقع ذلك أم لا): هذا في الحقيقة راجع إلى أن المعتزلة يعتبرون الإرادة بمعنى الرضا.
    نبه علماء آخرون إلى أن الخلاف بيننا وبين المعتزلة في هذه المسألة راجع إلى خلاف شبه لفظي، هو ليس خلافاً لفظياً حقيقياً، لكنْ جزء منه لفظي، لأن المعتزلة يقولون: الإرادة بمعنى الرضا، فإذا كانت الإرادة بمعنى الرضا فهي قطعاً تابعة للأمر.
    43. الإرادة والمشيئة بنفس المعنى، وبعضهم فرق بينهما، لكنها تفرقة غير معتمدة.
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  6. #6
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد سليمان الحريري مشاهدة المشاركة
    الدرس الخامس
    38. التفريق بين القديم والأزلي أدق. الأزلي أعم من القديم، لأن الأزلي يطلق على الموجود و على المعدوم، أما القديم فعلى الموجود فقط.
    ... ... ... ...
    40. الإرادة تسبق القدرة، لا زماناً، بل ترتباً، أي ترتباً عقلياً، بمعنى: لا يمكن أن تدرك وتفهم وتتعقل معنى القدرة إلا بسبق فهمك لمعنى الإرادة، كذلك الإرادة مترتبة على العلم.
    لذلك نقول: النار لا توصف بالقدرة، لأن الذي يوصف بالقدرة لا بد أن يوصف بالقدرة على الترك أيضاً لا على الفعل فقط، فلا يمكن أن تتعقل قادراً إلا أن يكون مريداً، ولا يمكن أن تتعقل مريداً إلا أن يكون عالماً. ... ... ... ...

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    ولدي العزيز ، السيد محمد سليمان حفظه الله تعالى .. الحمد لله على وجودكم بخير .
    لقد فاجأتَ عَمَّتَكَ الأمة الضعيفة بجعلِكَ الفرق بين الأزَلِيّ و القديم في العدَمِيَّة و الوُجود .. إِذِ المَعدوم لا يُقالُ لَهُ لَم يَزَلْ موجوداً ، بل لا وُجُودَ لَهُ ... هذه مُغالطة فظيعة ...
    1- قولُ حضرتِكَ :" الأزلي أعم من القديم " هذا عكسٌ للصحيح من حيث الإستعمال غالباً ، فإِنَّ القديمَ في الإصطلاح و اللغة يُطْلَقُ على الأزَلِيّ الذي لَمْ يَزَلْ موجوداً بِلا بِداية وَ هُوَ اللهُ وَحدَهُ ، عزَّ وَ جَلَّ ، لا يُشـارِكُهُ في ذلِكَ غَيْرُهُ ، أو تقُولُ هو الذي وُجُودُهُ مُتَقَدِّمٌ على وُجُودِ كُلِّ مَنْ سِـواهُ ، سُــبْحانَهُ وَ تعالى عَمّا يُشْرِكُون .. وَ هذا المعنى هُوَ الذي يَجيئُ في مُقابَلَةِ الحادِث ( وَ هُوَ الحَدَث أو المُحْدَث) ، أيْ القِدَمُ إِذا أُرِيدَ بِهِ التقَدُّسُ عن البِداية فليس هذا الوصفُ لإحَدٍ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شَـرِيكَ لهُ ، و لا يكونُ مُؤْمِناً مَنْ وَصَفَ بهِ أحداً غيرَ اللهِ عزَّ وَ جَلَ .
    أمّا على غير هذا المعنى الذي تفَرَّدَ بهِ مولانا البارئُ الجليلُ تبارَكَ و تعالى ، فَـيُـطْلَقُ القَدِيمُ على غير الأزلِيّ مِمّا تَقادَمَ عَهْدُ حُدُوثِهِ مهْما بَعُدَ ، فإِنَّ كُلّ مَنْ سِـوى الباري تعالى ، لَهُ بِداية (بإِحداثِ الله لَهُ ) مهما قَدُمَ ...
    و الحاصل أنَّ الأزَلِيّ في أصل التعبير مَنْ لَمْ يَزَلْ موجوُداً بلا ابتداء ، فلا يَعُمُّ ، و لا يشرك اللهَ تعالى فيهِ أحَدٌ ..
    وَ أمّا القديم :
    1- فإِذا أُريد بِه المولى الباري الكريم عزَّ وَ جلَّ فمعناهُ يرجِعُ إلى التَقَدُّم المُطلَق أي تَقَدُّمِ وُ جُودِهِ تعالى على وُجُودِ جميع من سواهُ ، وَ هُوَ الأَوَّلُ الذي لَمْ يَزَلْ موجوداً بلا بِداية ، أي هُوَ مَوجودٌ قَبْلَ كُلِّ شَـيْءٍ ، بِلا بِدايةٍ لِوُجُودِهِ سبحانهُ و تعالى ، غَيْرَ مسبُوقٍ بعدَمٍ و لا وُجَودِ أحَدٍ غيرِهِ وَ لا مُشارَكٍ بِوُجُودِ أحَدٍ غيرِهِ مَعَهُ في أزَلِيَّتِهِ ... (فإِنَّ تَقَدُّمَ العَدَم مُطلَقاً مُسْتَحيلٌ ، إِذْ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يُعطِيَ اللاشَيْءُ شَـيْئاً ، فلَوْ ادَّعى أحَدُ الملاحِدَةِ أنَّ هذا العالَمَ مسبُوقٌ بالعدَمِ المُطلَق [يعني أنَّهُ لا يوجَدُ قبْلَهُ خالق لَهُ] لما صحَّ لهُ مُدَّعاهُ لأنَّ اللاشيء لا يُتَصَوَّرُ أنْ يُعطِيَ شَـيئاً ، أي لما صحَّ أنْ يُوجَدَ العالَمُ و لا شيْءٌ منهُ ، وَ هذا العالَمُ موجُودٌ مُشـاهَدٌ ... وَ أزَلِيَّةُ العالَمِ مُستحيلَةٌ لأنَّهُ مُتَغَيِّرالأحوال ، وَ الأزَلِيَّةَ تُنافِي مسْـبُوقِيَّةً بالغيرِ ، فالمُتَّصِفُ بالتغَيُّرِ أوْ قابِلِيَّةِ التَغَيُّرِ لا يكونُ أزَلِيّاً ... فلا بُدَّ من تَقَدُّمِ أزَلِيٍّ مَوجُودٍ بِذاتِهِ لا بِدايَةَ لِوُجُودِهِ أبدَعَ هذا العالَمَ الذي يَـشهَدُ تغَيُّرُ أحوالِهِ على حُدُوثِهِ بقابِلِيَّتِهِ للتَغَيُّرات و التَطَوُّرات) ...
    2- وَ إذا أُريدَ بِــ : " القديم " قديمُ الحُدُوث فَيُطلَقُ على غيرِهِ تعالى كالماء الأوَّل الذي جعلَهُ اللهُ تعالى أصلاً للعرشِ و القَلَمِ الأعلى و اللوحِ المحفُوظِ وَ ما بَعدَها من المخلوقات على اختلافِ تقادُمِ عَهْدِ حُدُوثِها و تقديم الله لوُجودِ بعضها على بَعض ...
    وَ كُلّاً مِنَ المَعنَيَيْنِ جاءَتْ بِهِ النُصُوص الشرعِيَّة .. فَيُرجى التَنَبُّهُ لِلفَرْق ... فلا يَقُولُ عاقِلٌ بأزَلِيَّةِ القمَرِ أو شَـيْءٍ مِنَ النخْلِ ، وَ قد قال اللهُ تعالى { وَ القَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حتّى عادَ كالعُرجُونِ القَدِيمِ } ...
    - ثُمَّ قُلْتَ : " ... الإرادة تسبق القدرة، لا زماناً، بل تَرَتُّباً، أي ترتباً عقلياً [زِدْتُ أنا : "الأقرَب : تَرتيباً تَعَقُّلِيّاً في الذِهْنِ لا في الخارج " (على ما فيه)]، بمعنى: لا يمكن أن تدرك و تفهم وتتعقل معنى القدرة [زِدْتُ أنا: "الصواب : معنى الفِعْل"] إلا بسبق فهمك لمعنى الإرادة، كذلك الإرادة مترتبة على العلم. " إهــ . فأقُولُ ههنا مُغالطة شبْهُ خَفِيَّة بسبب التسَـرُّع ، إِذْ كِلانا مُتّفقانِ أنَّهُ يَسْـتحيلُ أنْ يَتَقَدَّمَ شَـيْءٌ على الأزَلِيّ لأنَّ الأزلِيَّ هو الذي لَمْ يَزَلْ موجوداً بلا ابتداء .. وَ عِلْمُ اللهِ تعالى وَ إٍرادَتُهُ وَ قُدرتُهُ و سائِرُ صِفاتِهِ أزلِيّة بأزلِيَّةِ الذات الأقدس ... و سبب المُغالطة (في التعبير ) انتقال الذهن مِنَ الفِعْل إلى القُدرة الأزلِيَّةِ التي يحصل بها الفعل .. (و لا أُريد ههنا الخوض في تفاصيل بحث الفرق بين الفعل عندنا معشر الأشاعرة و صفة التكوين الأزلِيَّة عند إخواننا السادة الماتريديّة ، إِذِ المآلُ واحِدٌ عندَ التحقيق ... و الخوض فيما وراء ذلك خوض في الذاتِ الإلهيّ الأقدَس لا مطمَعَ فيه ، و لا نتيجة منهُ سِـوى حيرة الأبَد .. و ما دُمْتَ مُسَـلِّماً بوجودِ الإختيارِ الإلهِيّ بالإرادةِ الأزِلِيَّةِ مع القُدرَةِ على خلْقِ المُتضادّاتِ و أنواعِ المُختَلِفاتِ فأنتَ سـالِمٌ مِنَ القولِ بالطبْعِ أو بالعِلَّةِ على مذهب ملاحدة الفلاسِفة ) ...
    و المقصود أنّهُ لا يَجوزُ أنْ يُقال أنَّ القُدرَةَ مُترَتِّبة على الإِرادة و الإِرادة مترتِّبة على العِلْم ، بَلِ اللهُ تعالى بِذاتِهِ الأجَلّ الأقْدَس وَ صِفاتِهِ العَلِيَّة أزَلِيٌّ بلا ابتداء أبدِيٌ بلا انتهاء .
    بل الأنسب أنْ يُقالَ أنَّ ما عَلِمَ اللهُ تعالى في الأزَل أنَّهُ سَــيَحدُثُ في حينٍ من الأحيان فَقَدْ أرادَ في الأزَلِ أنْ يَكُونَ ذلكَ الشَـيْءُ في حينِهِ ، فيُحدِثُهُ اللهُ تعالى بِقُدرَتِهِ الأزَلِيَّةِ في حينِهِ المُرادِ لهُ الذي عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ فيه .. أيْ أنَّهُ يَحدُثُ في ذلك الوقت المُرادِ المعلوم بالقُدرَةِ الأزَلِيًّة وفقَ العلم الأزلِيّ و الإٍرادة الأزَلِيَّة ... ( و لا يزالُ اللهُ تعالى عالِماً مُريداً قادِراً ... ) .
    - وَ قُلتَ :" ... ... لأن الذي يوصف بالقدرة [ز : على الفعل] لا بد أن يوصف بالقدرة على الترك أيضاً لا على الفعل فقط ... " إهــ . أقُولُ : هذا تعَلُّقُهُ بِمسـائل رَدِّ قولِ القائلين بالطبع و العلّة و نحو ذلك ، أشـبَهُ ... ثُمَّ حصلَ بعدها ، بسبب طريقة الإختصارِ هنا ، إِخلالٌ بتقريب المقصود على المُبتدِئ غير المُتَمَرِّس ، مع أنَّ مقصود هذا الإختصار تقريب المسائل للمبتدئين ، و اللهُ أعلَم .
    و الحمْدُ لله .
    وَ جزاكم اللهُ خيراً ...

    .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  7. #7

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
    حياكم الله عمتنا الفاضلة إنصاف، وبارك الله فيك.. وأشكرك على الاهتمام، وأسأل الله أن تكوني في عافية وخير...
    قول حضرتك:
    لقد فاجأتَ عَمَّتَكَ الأمة الضعيفة بجعلِكَ الفرق بين الأزَلِيّ و القديم في العدَمِيَّة و الوُجود .. إِذِ المَعدوم لا يُقالُ لَهُ لَم يَزَلْ موجوداً ، بل لا وُجُودَ لَهُ ... هذه مُغالطة فظيعة ...
    لا يفهم من كلامي أبداً أن العدمي يقال فيه "لم يزل موجوداً".


    قولُ حضرتِكَ :" الأزلي أعم من القديم " هذا عكسٌ للصحيح من حيث الإستعمال غالباً
    قال العلامة البيجوري: واعلم أن لهم في القديم والأزلي ثلاثة أقوال:
    الأول: أن القديم هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، والأزلي ما لا أول له، عدمياً أو وجودياً، فكل قديم أزلي ولا عكس.
    الثاني: أن القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده، والأزلي ما لا أول له، عدمياً أو وجودياً، قائماً بنفسه أو بغيره، وهذا هو الذي يفهم من كلام السعد.
    الثالث: أن كلاً منهما ما لا أول له، عدمياً أو وجودياً، قائماً بنفسه أو لا، وعل هذا فهما مترادفان. انتهى من "تحفة المريد".

    و المقصود أنّهُ لا يَجوزُ أنْ يُقال أنَّ القُدرَةَ مُترَتِّبة على الإِرادة و الإِرادة مترتِّبة على العِلْم ، بَلِ اللهُ تعالى بِذاتِهِ الأجَلّ الأقْدَس وَ صِفاتِهِ العَلِيَّة أزَلِيٌّ بلا ابتداء أبدِيٌ بلا انتهاء
    لا يسلم، بل يجوز هذا القول بشرط تقييده بالترتب العقلي، فنقول: القدرة مترتبة على الإرادة في التعقل، والإرادة على العلم، وهذا كلام سليم لا إشكال فيه.
    وجزاكم الله خيراً..
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  8. #8
    الدرس السادس
    44. الحاكم في الشرع ليس إلا الله، هذه قاعدة من قواعد علم الأصول ثابتة عند جميع أهل السنة، لم يعارض فيها معارض. أما مطلق الحكم، فيؤخذ إما من الشرع أو من التجربة (العادة) أو من العقل.
    45. لا يستطيع أحد أن يقول: أنا لا آخذ الأحكام إلا من الشرع. أنا رأيت أحمد: ما الدليل الشرعي على أني رأيت أحمد؟! من يقول ذلك لا كلام معه.
    46. الحكم إذا عرف من ملاحظته مرة واحدة فهو عقلي، وإذا احتجت لمعرفته إلى أكثر من مرة فيكون عادياً، هذا الضابط بين الحكم العقلي والحكم العادي (التجريبي).
    47. قوله: (كصلاة الفجر): الأقرب أنها الضحى، وقد تكون سنة الفجر.
    48. تمثيل الإمام بالإيمان والشرك للأحكام الشرعية: ليدل على أن الحكم على شخص ما بأنه أشرك أو آمن: هذا الحكم لا يجوز إلا في الشرع، أي اعتبار هذا الأمر عقيدة لا يجوز إلا بالشرع، كما نص عليه علماء الأشاعرة. حتى وإن استطعنا إدراكه بالعقل، لا يجوز اعتباره عقيدة إلا بالشرع. لأنا لو اعتبرناه عقيدة لترتب العقاب والثواب على فعله وتركه، والحكم بالعقاب والثواب لا يجوز إلا بدليل شرعي.
    وهذا لا يعني أن العلم بأن الشرك مستحيل أو باطل، لا يأتي إلا بالشرع، بل المعنى أن الحكم بحرمة الشرك، بتحريم الشرك هو حكم شرعي.
    فالعقل هنا ليس بحاكم، العقل كاشف عن الواقع، تستطيع أن تثبت بالعقل وجود الإله، وتستطيع أن تنفي بالعقل وجود شريك لله، ولكن لا يجوز أن تثبت بالعقل أن الموحد يثاب، بل هذا يجب أن تستند فيه إلى الشرع: هل يوجد دليل من الكتاب والسنة على أن المشرك يعاقب أو لا؟ هذا هو مذهب الأشاعرة.
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  9. #9
    الدرس السابع
    49. الفرق بين الحكم العقلي والحكم العادي أصل عقائدي عظيم جداً.
    50. المذهب الوضعي الفلسفي يقول بأن التقارن بين الأشياء عبارة عن تقارن حسي، فقط، وليس ناشئاً عن قوى مؤثرة.
    51. الحاكم لا يكون حاكماً إلا إذا تصور في عقله النفي والإثبات، ثم بعد ذلك يرجح أحدهما على الآخر، أي لا بد أولاً أن يوجد طرفا الحكم عند الحاكم.
    52. العقل لا يوجد فيه صور حسية للأمور أصلاً، العقل فيه أحكام، والصور الحسية موجودة في الخيال، الوهم، القوة المخيّلة.
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  10. #10
    الدرس الثامن
    53. التحقيق أن المعتزلة ليسوا كفاراً، وإن قال بعض العلماء من أهل السنة بتكفيرهم، وإنما هم مبتدعة، أي خالفوا أهل السنة.
    54. ابن تيمية في منهاج السنة كفّر الذي ينفي الحد عن الله تعالى.
    55. المجسم تجسيماً صريحاً، الذي يلتزم كل لوازم الجسمية، أجمع أهل السنة على تكفيره.
    56. كل جسم مركَّب، وكل مركب يحتاج إلى مركِّب، فلا بد لكل مركب من محدث، وكل ما لا بد له من محدث حادثٌ.
    57. بعض السلفيين يشنعون على الأشاعرة بقولهم: انظروا كيف يقول الأشاعرة إن الكفر والإيمان مستويان.
    نحن عرفنا أن الأمرين مستويان من ناحية معينة، من ناحية أن الكفر لا يترتب عليه بذاته العقاب، وأن الإيمان لا يترتب عليه بذاته الثواب، وإنما يترتب الثواب والعقاب عليهما بإرادة الله تعالى، هذا الذي يقوله الأشاعرة، أي أن الأشاعرة يسوّون بين الكفر والإيمان في عدم ترتب الثواب والعقاب عليهما لذاتهما.
    58. عند الأشاعرة: العقل يدرك قبح الكفر في ذاته وحسن الإيمان في ذاته، ولا يدرك ترتب الثواب والعقاب عليهما.
    59. قوله: (ويجب على كل مكلف شرعاً أن يعرف ..إلخ): هذا من مقدمات علم التوحيد، وفيه بيان أهمية تعلم علم التوحيد، وعلى أي صورة وأي كيفية يجب على الإنسان أن يتعلم هذا العلم.
    60. ليس موضوع علم التوحيد البحث في ذات الله تعالى، لأن هذا الأمر مستحيل، ونحن لا نملك مقومات هذا البحث.
    والذي نستطيع أن نعرفه هو بعض الأحكام المتعلقة بذات الله سبحانه وتعالى، لا نستطيع حتى أن نعلم جميع الأحكام، جميع ما يجب في حق الله تعالى، لأنا لا نستطيع أن نحيط لقصر عقولنا بعظمة الخالق تعالى.
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!




  11. جزااااااك الله خيرا
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •