نحو تصوف استخلافي : دراسة في الربط ببن التصوف "السني" ومفهوم الاستخلاف0
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد(ملخص الدراسة) : هذه الدراسة هي محاوله للربط بين مفهوم الاستخلاف القرانى، بأبعاده الحكمية(الفلسفية) "الاستخلاف كحكمه " فلسفه " إسلاميه"، والمعرفية "الاستخلاف كنظريه معرفة إسلاميه " ، والمنهجية "الاستخلاف كمنهج معرفه اسلامى" ، والتصوف الاسلامى " السني" ، القائم على الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي . هذا الربط يؤسس لما أطلقنا عليه اسم " التصوف الاستخلافى"، الذي يلزم منه تدعيم الاستخلاف بأبعاده المتعددة "السياسية ، الاجتماعية ، ألاقتصاديه..". لأنه يثبت الوجود الانسانى بأبعاده المتعددة- ومن ثم يثبت فاعليته. وهو نقيض لنمط أخر من أنماط التصوف ، يلزم منه تكريس الاستضعاف بإلغائه للوجود الانسانى – بإلغائه لبعض أبعاده – ومن ثم إلغاء فاعليته "– لذا يمكن أن نطلق عليه اسم التصوف الاستضعافى- ومن ثم بفتح الطريق إمام الخضوع للاستكبار بإشكاله المتعددة " الخارجي والداخلي: السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي... وهذا النمط من أنماط التصوف يستند إلى التصوف البدعى " الذي يطلق عليه - خطا - اسم التصوف الفلسفي"، والمستند إلى مفاهيم أجنبيه "كالحلول والاتحاد ووحده الوجود"، والذي لا يلتزم بالضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي . كما تقرر الدراسة أن التصوف الاستخلافى يقوم على الضبط الشرعي لمفهوم" الأحوال والمقامات - الذي أشار إليه أعلام التصوف الاسلامى - من خلال: أولا: اعتبار أن الأحوال والمقامات هي درجات “مراحل” الترقي الروحي للإنسان استنادا إلى تقرير القرآن أن الوجود الإنساني ينبغي أن يكون في صعود دائم عبر درجات كما في قوله تعالى ﴿ يرفع الله الدين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، وأوجه الاختلاف بين الأحوال والمقامات، أن الاولى تمثل الدرجات الذاتية لهذا الترقي الروحي ، متمثله في الأنماط الانفعالية والمعرفية ، التي تجئ كمحصله لالتزام الإنسان بمجموعه من القواعد التي تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه وجدانه وتفكيره. بينما الثانيه تمثل درجات هذا الترقي الروحي الموضوعية، متمثله في الأنماط السلوكية، التي تجئ كمحصله لالتزام الإنسان بمجموعه القواعد ، التي تحدد له ما ينبغي أن يكون عليه سلوكه. ثانيا: رفض تصور التصوف البدعى للأحوال والمقامات ، والقائم على أن لهذا الترقي الروحي نهاية هي الوصول إلى الله تعالى “بالحلول أو الاتحاد او الوحدة “) ، وان كل درجه من درجات هذا الترقي الروحي تنعدم بالانتقال إلى درجه اعلي ، لأنه يتعارض مع العقيدة الاسلاميه . والاخذ بتصور للأحوال والمقامات - يقارب تصور التصوف السني لها – مضمونه انه ليس للترقي الروحي للإنسان نهاية ، وان كل درجه من درجات هذا الترقي الروحي لا تنعدم بالانتقال إلى درجه اعلي ، وهنا يمكن الاستئناس بقول الإمام ابن القيم (اعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل منه إلى التالي بعده ، كمنازل السير الحسي، وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرط المصاحب له )( مدارج السالكين: 1/ 108 -109 ). وتقدم الدراسة نموذجا للضبط الشرعي للأحوال والمقامات عند الإمام ابن القيم . كما تقرر الدراسة أن التصوف الاستخلافى يستند إلى مذهب الإثبات المقيد لمراتب الولاية ودرجاتها- والتي عبر عنها الصوفية بمصطلحات: كالأقطاب والإبدال والأوتاد والنقباء والنجباء - و الذي يتجاوز موقفي الإثبات والنفي المطلقين لها ، ويلتزم بموقف قائم على إثبات هذه المراتب والدرجات ، في حال اتساقها – أو عدم تعارضها- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ، ونفى هذه المراتب والدرجات في حال تعارضها مع هذه المفاهيم والقيم والقواعد ، فهذا الموقف يتجاوز مذهب الإجمال اى المذهب الذي يضع حكما كليا بالرفض أو القبول لهذه المراتب والدرجات، إلى المذهب التفصيل اى المذهب الذي يميز بين الكيفيات المتعددة لهذه المراتب والدرجات: فهناك الكيفية التي تستند إلى مفاهيم ونظريات ذات مصدر أجنبي ، تتعارض مع الإسلام كدين “كالحلول والاتحاد ووحده الوجود”، وهذه الكيفية مرفوضة ، ،وهناك الكيفية التي تستند إلى المفاهيم والقيم والقواعد الكلية للدين ، والفهم الصحيح للدين ، كما قرره السلف الصالح وعلماء أهل السنة ، وهذه الكيفية مقبولة . ويمكن الاستئناس هنا بإقرار بعض السلف وبعض علماء أهل السنة بمراتب ودرجات الولاية ، لكن بكيفية تتسق مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية.
تعريف وأقسام ومستويات الاستخلاف :
1- تعريف الاستخلاف لغة واصطلاحا : الاستخلاف لغة النيابة والوكالة (الفخر الرازي ، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،ج26، ص199). والوكالة نوعان:عامه وهى نيابة شامله، وخاصة وهى نيابة مقصورة على موضوع معين، وقد ورد مصطلح الاستخلاف في القران بما يقابل هذين النوعين ، فقد ورد بمعنى الوكالة العامة “ الشاملة ” ، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ، وهو هنا يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني “الاجتماعي”، كما ورد بمعنى الوكالة الخاصة ” المقصورة على موضوع معين “، وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران الوجود بمملكه ملكها الله تعالى والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض، تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف التكليفى ، يقول الراغب الاصفهانى ( الخلافة النيابة عن الغير إما لغيبه المنوب عنه…وإما لتشريف المستخلف )( المفردات في غريب القران ، ص156).
2- أقسام الاستخلاف:
أولا:الاستخلاف الخاص(المعين): وهو استخلاف فرد معين، وهو مقصور على الأنبياء والرسل (عليهم السلام)،ومثال له قوله تعالى:﴿ يا داؤد إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق﴾،وبختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف .
ثانيا:الاستخلاف العام(المجرد) : وهو استخلاف الجماعة، ولا ينفرد به إي فرد أو فئة و أدلته، ومثال له قوله تعالى ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾، وفي السنة النبوية قوله (صلى الله عليه وسلم)(إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون) ( مسلم: ذكر, 99, الترمذي فتن36).
ا- الاستخلاف التكويني : ومضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان( من حيث هو إنسان) إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض ، وذلك بتوافر امكانيه معرفه والتزام السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود، وفي القرآن العديد من الآيات تشير إلى هذا النوع من الاستخلاف كقوله تعالى ﴿ ثم
ب-الاستخلاف ألتكليفي : و مضمونه إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى وإلوهيته في الأرض، بالعبودية والعبادة ، على المستوى الصفاتى، يقول الإمام الماتريدى(وجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه)( تأويلات أهل السنة، ج1) ، ويقول الالوسى( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي) (روح المعاني،ص223)، وهذا النوع من أنواع الاستخلاف مقصور على الذين يلتزمون بالوحي ، فهو يحد النوع السابق ولا يلغيه فيكمله ، وقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الاستخلاف أيضا كما في قوله تعالى ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾.ومن أدله هذا النوع من أنواع الاستخلاف – الذي طبقا له يكون الإنسان الملتزم بالوحي”سواء كان فردا أو جماعه ” خليفة الله في الأرض- في السيرة: : قول الصحابي للرسول (صلى الله عليه وسلم)( تأذن لي يا خليفة الله أضرب عنقه) ( أبي داؤد, حدود,3ك). وعن السلف الصالح: قال المغيرة لعمر: (يا خليفة الله فقال ذاك نبي الله داؤد)( التاج في أخلاق الملوك, بيروت, 1955 هامش ص162) . وقال علي أبن أبي طالب (… أؤلئك خلفاء الله في أرضه بما استلا نوه مما استرعاه المترفون, وانسوا مما استوحش منه الجاهلون)( ابن القيم مفتاح السعادة, دار العهد الجديد, مصر ص 123). وعن علماء أهل السنة قال ابن الجوزي( فكلما جد العباد صاح بهم لسان الحال عبادتكم لا يتعداكم نفعها, وإنما يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض)( أبن الجوزي ، صيد الخاطر، ج 2 ، ص 151).وقد قال البعض أن ابن تيميه أنكر جواز استخدام مصطلح “خليفة الله “مطلقا، استنادا إلى نفيه قول الشيعة أن الإمام هو خليفة الله في أرضه (منهاج السنة النبوية، ج1، ص136-137)، والصواب هو أن ابن تيميه أنكر جواز استخدام مصطلح” خليفة الله ” على وجه يفيد أن استخلاف الإمام هو شكل من أشكال الاستخلاف الخاص ، والذي مضمونه استخلاف فرد معين، لأنه مقصور على الأنبياء والرسل، وبختم النبوة بوفاة الرسول انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف ، وهذا القول يلزم منه المساواة بين الإمام والنبي في الدرجة ، كما أنكر استخدام مصطلح “خليفة الله ” على وجه يفيد غيبه المستخلف ” الله تعالى ” ، ولكنه لم ينكر استخدام مصطلح “خليفة الله ” بإطلاق ، بدليل استخدامه له في سياق أخر حيث يقول ( … وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو خليفة الله على الأرض قد وكل أعوانًا يمنعون الداخل من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض…) ( الفتاوى/ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور/حكم وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وتقبيل الأرض).
3- مستويات الاستخلاف العام :
ا- مستوى اجتماعي:وهو مستواه الاصلى، لان الجماعة هي المستخلفة عن الله أصلا.
ب- مستوى فردى: وهو مستوى تبعى، فالفرد مستخلف عن الله بالتبعية، فالمستوى الاجتماعي للاستخلاف "العام" يحد مستواه الفردي كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه .وهو استخلاف للفرد بدون انفراد ، وبدون تعيين (كما في الاستخلاف الخاص).
البعد الحكمي ” الفلسفي” لمفهوم الاستخلاف: يتمثل البعد الحكمي “الفلسفي” لمفهوم الاستخلاف ، في الاستخلاف كحكمه ” فلسفه ” إسلاميه، تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف” الله تعالى” والمستخلف”الإنسان” والمستخلف فيه “الكون”- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف – وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الحكمية”الفلسفية” لهذه المفاهيم الكلية، متخذه من اجتهادات أهل السنة – بمذاهبهم العقدية “الكلامية ” المتعددة- نقطه بداية- وليس نقطه نهايه – لهذا الاجتهاد.
الحكمة والمفهوم الاسلامى للفلسفة: والدراسة تنطلق في تحديدها للاستخلاف كفلسفة ”حكمه” إسلاميه من المفهوم الاسلامى للفلسفة سواء استخدمت مصطلح” الحكمة ” أو مصطلح “الفلسفة” فالدلالة الأصلية لمصطلح فلسفة يرجع إلى لفظ يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة، و إذا كان القدماء اليونانيين قد اكتفوا بوصف الإنسان بأنه محب للحكمة ، فان القران الكريم قد جمع بين وصف الله تعالى بالحكمة، كما في قوله تعالى(والله عزيز حكيم) (المائدة: 38)، ووصف الإنسان بالحكمة، كما في قوله تعالى( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..)، مع وجوب أن نضع في الاعتبار أن الحكمة إلهيه مطلقه ، والحكمة الانسانيه محدودة ، بناء على هذا فإننا نرى إن مصطلح (حكمة ) هو المصطلح القرآني المقابل لمصطلح (فلسفة) في الفكر الغربي ، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول ( ابن كثير، تفسير القرآن العظيم. زبده التفسير من فتح القدير، ص540.) غير أننا نرى انه لا حرج من استخدام مصطلح الفلسفه ، ما دام هذا الاستخدام للفظ ذو دلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، وهنا نستأنس بتقرير العلماء لقاعدة (لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني)( المستصفى: 1/23 ) ، وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أنه ليس في القرآن ” كلام مركب من ألفاظ أعجمية ” يعطي معنى من هذا التركيب ،فأنهم قد اجمعوا أيضا على أن في القرآن ” أسماء أعلام أعجمية … يقول القرطبي في مقدمة تفسيره ( لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن في القرآن أسماء أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط ) (تفسير القرطبي : 1 / 68 ) ، كما العديد من علماء الإسلام قد استخدموا مصطلح الفلسفة ، يقول أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (البيهقي ، معرفة السنن والآثار (1/118 ). وابن عساكر ، تاريخ دمشق 51/350).
المفاهيم الكلية: وينطلق الاستخلاف كحكمه ” فلسفه " إسلاميه من ثلاثة مفاهيم قرانيه كليه هي:
ا/ مفهوم التوحيد : ومضمونه إفراد الربوبية والالوهيه لله تعالى ، فهو بالتالي ينقسم إلى توحيد الربوبية الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق(الدائم كونه فاعلا فتعبير ابن تيميه ) ، يقول الإمام ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام ( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض،1/98.)، أما مضمون توحيد الإلوهية فهو أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة( الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه)، يقول ابن تيمية ( …. ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ….. ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره).. الظهور الصفاتى والذاتي للربوبية : وللفعل المطلق الذي عبر عنه القران الكريم بمصطلح “الربوبية”، ظهور صفاتي وظهور ذاتي :
ا/الظهور الصفاتى : ومضمونه أن عالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية ” اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى”، يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر ، مظهر الأسماء والصفات ، فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها)، ولهذا الظهور شكلين: الأول تكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته ، يقول ابن تيميه(المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الايه والقياس إن الايه تدل على عين المطلوب الذي هو أيه وعلامة عليه)( ابن تيميه، مجموع الفتاوى،1/48)، والثاني تكليفي :يتمثل في الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته) ، ولهذا الوجود الشهادى درجتان هما: الوجود التسخيرى (الطبيعي) والوجود الاستخلافى (الانسانى.
ب/ مفهوم التسخير: ومضمونه أن الأشياء والكائنات التي لها درجه التسخير تظهر صفات ربوبية والوهيه الله تعالى ، على وجه الإجبار ، فهي دائما آيات داله على وجوده المطلق يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها). ويترتب على مفهوم التسخير قاعدتان هما:
أولا. الموضوعية: وتنقسم إلى قسمين هما : الموضوعية التكوينية (تتمثل في الوجود الموضوعي للكون)، والموضوعية التكلفية (وتتمثل في الوحي كوضع الهي مطلق). ثانيا: السببية: وطبقا لها فان مضمون السنن الالهيه “الكلية والنوعية “التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، هو تحقق المسبب بتوافر السبب وتخلفه بتخلف السبب. ويترتب على قاعدة السببية تقرير أن الضرورة ( ممثلة في انضباط حركة الوجود الشهادي بسنن إلهية لا تتبدل) هي شرط – وليس إلغاء – للوجود الانسانى ، أي أن تحقق الوجود الإنساني يتوقف على معرفة والتزام حتمية هذه السنن الإلهية.
ج/ مفهوم الاستخلاف : ومضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيته الله تعالى في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار ، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة ، كما سبق الاشاره عند الحديث عن الاستخلاف التكليفى .
ب/ الظهور الذاتي ( الحياة الاخره): ومضمونه ظهور ذات الفعل المطلق ، وقد عبر عنه القران بمصطلح التجلي كما في قوله تعالى (…فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف: 143)، ولهذا الظهور الذاتي شكلين:الأول :مقيد: ويتم في الحياة الدنيا وله شكل تكويني يتمثل في معجزات الأنبياء، وشكل تكليفي يتمثل في نزول الوحي على الأنبياء.والثاني : مطلق: ويتم في الاخره ، فالحياة الاخره هي درجه من درجات الوجود قائمه على الظهور الذاتي (التجلي) ، قال تعالى(وأشرقت الأرض بنور ربها)، هذا التجلي يترتب عليه تغيير الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان ،والقائم على الظهور الصفاتى، بوجود غيبي، قائم على الظهور الذاتى قال تعالى (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا ) ،وقال تعالى(يوم يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات)، غير أن هذا الظهور الذاتي أو التجلي( بالنسبة إلي الناس) ليس شاملا لجميعهم، بل هو مقصور على المؤمنين، وهو ما عبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة،استنادا إلى العديد من النصوص كقوله تعالى (وجوهٌ يومئذٍ ناضرة، إلى ربِّها ناظرة).