الاستخلاف العام الثاني للامه في المنظور التنبؤي الاسلامى1
د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
ملخص شامل للدراسة: تربط الدراسة بين الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف بأممها وشعوبها التكوينية المتعددة ، والذي أشار إليه القران الكريم في قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، وغيرها من تنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى .
غير أن هذا الربط يقوم على التمييز بين الأشكال المتعددة للاستخلاف المتضمنة في الايه، والتي تفصلها الدراسة ، والأنماط المتعددة لتنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى، فتربط بين الاستخلاف العام الثاني للامه، المتصل بحاضر الامه ، ببعض تنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى - ترتبط بالاستخلاف كعلاقة نقيضه لعلاقة طرفيها الاستكبار و الاستضعاف - وهى، أولا: مرحله معينه من مراحل الاستكبار اليهودي عبر التاريخ التي أشار إليها القران الكريم - على وجه الإجمال - وهى مرحله العود الثاني ، وهو الإفساد الرابع لليهود بقيام دوله إسرائيل 1948 ، وينتهي بتحرير فلسطين عند الالتزام بشروط العود الالهى، أما مرحله العود الأخير وهو الإفساد الأخير لليهود آخر الزمان، والذي ينتهي بانتصار المهدي الأكبر ونزول عيسى (عليه السلام) فتربطه الدراسة بالاستخلاف العام الأخير للامه. ثانيا: ظهور الائمه المضلين الذين وصفهم الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بأنهم الاخوف على الامه من الدجال، وهم كل متبوع بلا دليل شرعي، وهذا الإتباع بلا دليل يلزم منه الضلال والإطلاق البدعى، ومن نماذجه : الإطلاق البدعى للقتال ، الذي يخرج القنال من دائرة الجهاد، ويدخله في دائرة الهرج ، وأصحابه هم الذين يخرج في بقيتهم الدجال ، ويتمثل في ماضي الامه في مذهب الخوارج ، وفي حاضر الامه في مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة، ثم الإطلاق البدعى للامامه (السلطة)، ويتمثل في ماضي الامه في مذهب الشيعة ،كما يتمثل في حاضر الامه مذهب التفسير السياسي للدين ، والذي يطلق عليه البعض - خطاْ - اسم "الإسلام السياسي"، ثم الإطلاق البدعى للإرجاء ويتمثل في ماضي الامه في مذهب الإرجاء، وفى حاضر الامه في مذهب الطاعة المطلقة للحاكم . ثالثا: التدمير الالهى لأماره المترفين، كشكل من أشكال الاستكبار الاقتصادي السياسي ، ومن أشكالها النظام الاقتصادي الراسمالى. رابعا: تحقق إمامه المستضعفين . خامسا: استمرار التجديد "على المستويين النظري والعملي " من خلال استمرار ظهور المجددين ، وهنا تقرر الدراسة أن التجديد يتضمن معرفه والتزام شروط الاستخلاف الاجتهادية المتغيرة . سادسا: استمرار ظهور الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، والتي تتمثل في أهل السنة بمذاهبهم المتعددة، اى جماعه المسلمين في كل زمان ومكان . سابعا: افتراق الامه باختلافها العقدي على مستوى الأصول . وهنا تشير الدراسة إلى أن مصطلح "الإسلاميين" - من ناحية لفظيه - مصطلح محدث وطارئ في تاريخ الامه ، حيث لم يرد لفظ “اسلامى" أو "إسلاميين" كصيغه نسب لمفرد أو جماعه من البشر في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين ،وان الدلالة البدعيه لهذا المصطلح تقابل مصطلح "الشيع" في القران الكريم ،والذي يدل على الاختلاف " التعدد" على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص يقينيه الورود قطعيه الدلالة، وهو مضمون التفرق في الدين المنهي عنه ، قال تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية 104). ثامنا : وراثة الامه الأرض، والتي تتضمن انتشار الدعوة الاسلاميه في كل إرجاء العالم .
كما تربط الدراسة الاستخلاف العام الثاني للامه في حاضرها باشراط الساعة الصغرى، والظهور الأصغر لبعض اشراط الساعة قبل آخر الزمان، والمرتبط بهذه الاشراط ، فتربطه بهزيمة الدجال الأصغر، والذي أشارت إليه النصوص في معرض تقريرها ظهور دجالون قبل الدجال الأكبر، ومنها: قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد : 5 /61)، وهو قد يكون شخص كما في الحديث ، كما قد يكون وصف " يمكن أن ينطبق على اى منهج أو نظام ... "، يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود محدود (فعلا وغاية )، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار ، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالحاكميه والتشريع والملكية ... لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية( اى تحويله إلى غاية مطلقه زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت)، وهنا تستأنس الدراسة بتفسير العلماء للطاغوت كقول ابن جرير ( والصواب عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه ... إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا من كان من شئ) ،وتقدم الدراسة كمثال له المنهج الليبرالي الذي يقوم على محاوله تحويل الوجود الانسانى "الفردي "- إلى وجود مطلق ، ويسند إليه كثير من صفات الربوبية كالملكية و ألحاكميه والتشريع... كما تربط الدراسة الاستخلاف العام الثاني للامه بهزيمة ياجوج وماجوج الصغرى ، اى النسل الحضاري لياجوج و ماجوج ،وهم كل المفسدون في الأرض على وجه العموم ، وكل قبيلة أو شعب تتميز أو يتميز بحضارة وحشية، على وجوه الخصوص ، وهنا تستأنس الدراسة بقول الشيخ/ الشعراوى في تفسيره ( ... وياجوج وماجوج هم أهل الفساد في كل زمان ومكان) ، وتقدم الدراسة مثال لها الاستعمار بأشكاله المتعددة" الاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري،والاستعمار الاستيطاني "الصهيوني" والاستعمار الجديد " الامبريالي "، والذي يمثل الوجه المتوحش للحضارة الغربية ذات الفلسفة والمنهج الليبرالي ، والنظام الاقتصادي الراسمالى . ثم تشير الدراسة إلى انه قد مضت فترة من الزمان كان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية حليفان – موضوعيا- في قهر الشعوب، إلى أن انسحب الاتحاد السوفيتي من حلبة المنافسة، فشل الذراع الأيسر لقهر الأمم والشعوب .فلما شل الذراع الأيسر ضعف الذراع الأيمن الولايات المتحدة الأمريكية: ومؤشرات ذلك : أولا :المشكلة القومية ومن مظاهرها تصاعد وثيرة الصراع العرقي في أمريكا ،ثانيا:الإرهاب " الحرب العالمية الثالثة " ، ثالثا:الأزمات الاقتصادية المتعاقبة ، رابعا: فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد "الامبريالي الصهيوني" وضعف قبضه أمريكا على المنطقة العربية، ثم تشير الدراسة إلى انه ورغم وضوح مؤشرات ضعف الذراع الأيمن لقهر الشعوب للشعوب، إلا إنها خافيه على النظم السياسية ، وانه يجب على هذه النظم عدم الوقوف في وجه التوجه الشعبي المعارض للسياسات الامبريالية لأمريكا في كل إنحاء العالم ، والذي سيكون له دور فاعل في الانتقال من مرحله التعطيل الجزئي للذراع الأيمن لقهر الشعوب " ضعف قبضتها" ، إلى مرحله التعطيل النهائي لها " القضاء على السياسات الامبريالية للولايات المتحدة"، وهنا تشير الدراسة إلى تشبيه الدكتور عصمت سيف ألدوله للنظم السياسية العربية في عدم إدراكها لحقيقة ضعف قبضه أمريكا ، بالجن الذين لم يعلموا بموت سليمان (عليه السلام)، إلا بعد أن أكلت الدابة مِنْسَأَتَهُ كما في الايه . كما تربط الدراسة الاستخلاف العام الثاني للامه في حاضرها بالمهدية الصغرى ، والتي أشار إليها العلماء في معرض تقريرهم – استنادا إلى النصوص - ظهور مهديون قبل المهدي الأكبر الذي سيظهر آخر الزمان كقول ابن القيم (فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون)(المنار المنيف،ج1،ص 298)، وتأخذ شكل الالتزام بشروط الاهتداء التكوينية والتكليفيه، ومن ضمنها تحقيق المفاهيم والقيم والقواعد الكلية الاسلاميه كالعدل والمساواة والشورى... وإسناد ألحاكميه والملكية والتشريع لله تعالى"استنادا إلى مفهوم التوحيد"،واستخلاف الجماعة في إظهارها الأرض، بإسناد السلطة و الانتفاع بالمال وحق الاجتهاد إليها "استنادا إلى مفهوم الاستخلاف"، وأن يكون الحاكم نائب ووكيل عن الجماعة ،لها حق تعيينه ومراقبته وعزله "استنادا إلى تقرير العلماء أن البيعة عقد مرضاه واختيار".
أما الاستخلاف العام الأخير للامه المتصل بمستقبل الامه، فتربطه الدراسة باشراط الساعة الكبرى" العظمى" ، والظهور الأكبر لبعض اشراط الساعة آخر الزمان، والمرتبط بهذه الاشراط . فتربطه بهزيمة الدجال الأكبر الذي أشارت النصوص إلى أن ظهوره آخر الزمان من اشراط الساعة الكبرى . كما تربطه بظهور يأجوج وماجوج الكبرى التي أشارت إليها النصوص وربطته بدك السد الذي بناه ذي القرنين. كما تربطه الدراسة بالمهدية الكبرى ، اى المهدي الأكبر الذي أشارت النصوص إلى أن ظهوره من الاشراط الكبرى الارضيه للساعة. ثم تبين الدراسة انه قد وردت الاشاره إلى الاستخلاف العام الثاني للامه في أحاديث "ألائمه الاثنا عشر" طبقا للتفسير السني – وليس الشيعي- لها ، ومنها الحديث الذي رواه مسلم والترمذي وأبو داود الذي لفظه في روايتة “ لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة ”، فترفض تعيين الشيعة الاماميه لهم بأنهم على وذريته إلى حفيده محمد ابن الحسن، وترجح مذهب جمهور أهل السنة القائم على أن المقصود بهم الخلفاء الراشدون الاربعه وعمر بن عبد العزيز عند بعض العلماء (الاستخلاف الراشدي)، وسبعه حكام “خلفاء”، تجتمع عليهم الامه ، ويكون الإسلام في عهدهم عزيزا ، ولا يكون ظهورهم على التتابع، بل يتوزع عبر تاريخ الامه ، منذ عهد عمر بن عبد العزيز والى قيام الساعة ،وأخرهم المهدي الأكبر الذي سيظهر آخر الزمان، ( الاستخلاف العام الثاني للامه في حاضرها والأخير في مستقبلها) ، وهنا تستأنس الدراسة بقول ابن كثير( ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا ، يقيم الحق ويعدل فيهم ، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم ، بل قد وجد منهم أربعة على نَسَق ، وهم الخلفاء الأربعة .. ومنهم عمر بن عبد العزيز ... وبعض بني العباس ... والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره ) (تفسير القرآن العظيم: 3/65).
كما تقرر الدراسة أن الاستخلاف يستند إلى المنظور القيمى الاسلامى، الذي يجمع بين الجزاء الدنيوي والاخروى ، بعد تقرير أن الأصل في الدنيا أنها دار عمل ، والأصل في الاخره أنها دار حساب- اتساقا مع الفلسفة الاسلاميه في التوازن بين الدنيا والاخره، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا).اتساقا مع هذا فان الدراسة تقرر انه يمكن اعتبار الاستخلاف هو جزاء دنيوي ايجابي "ثواب دنيوي" على الايمان والعمل الصالح "شروط الاستخلاف النصية الذاتية والموضوعية"- بجانب جزاء ايجابي اخروى "الثواب الاخروى" والمتضمن للجنة-كما يمكن اعتبار العلاقة التي طرفيها الاستكبار- الاستضعاف جزاء دنيوي سلبي على عدم الالتزام بهذه الشروط - بجانب جزاء اخروى سلبي "العقاب الاخروى ".بناءا على هذا تربط الدراسة بين الاستخلاف وأنماط أخرى للجزاء الايجابي الدنيوي الموضوعي :كالأكل من فوق ومن تحت الأرجل و فتح البركات من السماء والأرض و الحياة الطيبة ، والذاتي كاطمئنان القلوب... قررتها النصوص ، وكذلك تربط بين الاستخلاف ومتاع الدنيا الذي أشارت إليه العديد من النصوص (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) . اتساقا مع ما سبق تربط الدراسة بين الاستخلاف ومفهوم "جنه الدنيا "، الذي أشار إليه بعض علماء أهل السنة كابن تيميه وابن القيم ، في معرض تقريرهم أن هناك جنه في الدنيا بجانب جنه الاخره - مع ملاحظه أن المعنى هنا مجازى أما المعنى الحقيقي فمقصور على الاخيره - ينقل ابن القيم عن الإمام ابن تيميه (سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول" إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة") (الوابل الصيب: ص 67 )...ويقول ابن القيم (...فله جنتان، لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى.) .ومن سياق هذه الأقوال وغيرها نفهم أن مفهوم جنه الدنيا يتضمن معاني متضمنة في الظهور الصفاتى ذو الصلة الوثيقة بالاستخلاف ، وبناء على هذا تقرر الدراسة أن المفهوم مرتبط بالاستخلاف بمستواه الفردي- الذاتي- الذي أشار إليه هؤلاء العلماء- ومستواه الاجتماعي – الموضوعي .


- للاطلاع على المتن التفصيلي للدراسة يمكن زيارة الموقع التالى:
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com