الفلسفة:تعريفها و أهميتها والرد على دعاوى معارضيها
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
أولا: تعريف الفلسفة: تعددت تعريفات الفلسفة طبقاً لتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في تعريفها. (فهي بحث في طبيعة الوجود في المدرسة الطبيعية قبل سقراط ،وهي المعرفة عند أرسطو، و هي منهج في التحليل المنطقي للغة المستخدمة في العلوم في الوضعية المنطقية، وهى منهج يصف الوجود الذاتي في الوجودية . أما التعريف الذي نرجحه فهو تعريفها بأنها: فاعليه أو نشاط معرفي ، يهدف إلى محاوله حل ذات المشاكل التي يطرحها واقع معين، لكن على مستوى معين، يتصف بالكلية والتجريد،(خصائص قضايا الفلسفة) ،وهى تهدف هنا إلى معرفه(نظريه المعرفة) الوجود: كما هو كائن(نظريه الوجود)، وكما ينبغي ان يكون (نظريه القيم)(فروع الفلسفة الاساسيه)، ومن خلال منهج استدلالي مضمونه الانتقال من مقدمات عقليه إلى نتائج عقليه، و يتصف بالعقلانية والمنطقية والنقدية والشك المنهجي (خصائص المنهج الفلسفي)، وهى تشكل بذلك نمط تفكير معين(هو نمط التفكير العقلاني) العلاقة بينه وبين أنماط التفكير الأخرى(كنمط التفكير الديني ونمط التفكير العلمي) هي علاقة تحديد وتكامل لا إلغاء وتناقض..
ثانيا: الرد على دعاوى معارضي الفلسفة:
أولا: الرد على دعوى أن الفلسفة مصطلح اجنبى : إن الدلالة الأصلية – التاريخية - لمصطلح فلسفة يرجع إلى لفظ يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة، وهناك من يرى أن هذا اللفظ قال به فيثاغورس الذي رأى أن الإله وحده الحكيم أما الإنسان فيجب أن يكتفي بمحبة الحكمة ، وهناك من يرى أن سقراط هو أول من استخدمها، وعلى أي حال استخدمها أفلاطون ليميز بين حب الحكمة عند سقراط وادعاء الحكمة عند السفسطائيين. غير أنه لا حرج من استخدام مصطلح "الفلسفة" ، ما دام هذا الاستخدام للفظ ذو دلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، وهنا نستأنس بتقرير العلماء لقاعدة (لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني)( المستصفى: 1/23 ) ، وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أنه ليس في القرآن " كلام مركب على أساليب غير عربيه " يعطي معنى من هذا التركيب ،فأنهم قد اجمعوا أيضا على أن في القرآن " أسماء أعلام أعجمية " مثل : نوح ، وإسرائيل ، وجبريل... يقول القرطبي في مقدمة تفسيره ( لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن في القرآن أسماء أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط ) (تفسير القرطبي : 1 / 68 ) ، كما العديد من علماء الإسلام قد استخدموا مصطلح الفلسفة ، يقول أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (البيهقي ، معرفة السنن والآثار (1/118 ). وابن عساكر ، تاريخ دمشق 51/350
مصطلح الحكمة هو المصطلح القرانى المقابل لمصطلح الفلسفة : و إذا كان القدماء اليونانيين قد اكتفوا بوصف الإنسان بأنه محب للحكمة ، فان القران الكريم قد جمع بين وصف الله تعالى بالحكمة، كما في قوله تعالى(والله عزيز حكيم) (المائدة: 38)، ووصف الإنسان بالحكمة، كما في قوله تعالى( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..)، مع وجوب أن نضع في الاعتبار أن الحكمه إلهيه مطلقه ،والحكمة الانسانيه محدودة ، بناء على هذا فإننا نرى إن مصطلح (حكمة ) هو المصطلح القرآني المقابل لمصطلح (فلسفة) في الفكر الغربي ، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول ( ابن كثير، تفسير القرآن العظيم. زبده التفسير من فتح القدير، ص540.)
ثانيا: الرد على دعوى أن الفلسفة تهدم الأخلاق:
ا/ الأصل في الأخلاق أنها نشاط عملي سلوكي، ورغم تعدد معاييرها إلا أن معيارها الاساسى هو الاراده التي تتشكل بصوره أساسيه بفعل التربية ، وليست قضيه نظريه فلسفيه ، وإنما تدرسها الفلسفة دراسة نظريه في بعض فروعها كفلسفة الأخلاق، باعتبار ان الفلسفة محاوله لتقديم تفسير كلى نظري للنشاط الانسانى في جميع مجالاته .
ب/ على النقيض من هذه الحجة فان الفلسفة يمكن أن تدعم السلوك الاخلاقى- على المستوى النظري- من خلال تقديم الحجج والبراهين العقلية التي تدعم السلوك الاخلاقى ..
ثالثا: الرد على دعوى أن الفلسفة تؤثر سلبا على التفكير السليم:على النقيض من هذه الحجة، فان الفلسفة هي نمط من أنماط التفكير العقلاني المنطقي، الذي هو احد شروط التفكير السليم .
رابعا: الرد على دعوى أن الفلسفة تؤدى إلى الجنون:
ا/ هذا القول يخلط بين المفهوم الدارج للجنون، اى كل نمط تفكير يخالف نمط التفكير السائد ،بصرف النظر عن كونه صحيح أو خاطئ، والمفهوم العلمي للجنون، اى خلل في بنيه ووظيفة الدماغ ، يؤدى إلى اختلال في النشاط العقلي "كالتذكر أو الإدراك او التصور"، والمقدرة على التمييز والتحكم في السلوك ،ويرجع إلى أسباب فسيولوجية أو وراثيه أو بيئيه.
ب/ رغم أن بعض الفلاسفة كانوا مجانين- ومرجع جنونهم أسباب لا صله لها بالفلسفة - إلا انه من الثابت تاريخيا أن اغلب لم يكونوا مجانين، فضلا عن أن الجنون عله تصيب العاملين في كل المجالات المعرفية والحياتية.
رابعا: الرد على دعوى أن الفلسفة تؤدى إلى الشك: الشك الذي من خصائص التفكير الفلسفي هو الشك النسبي – المنهجي، الذي يبدا بالشك ليصل إلى اليقين، استنادا إلى الدليل أو البرهان العقلي،وهو شك ايجابي لان مداره الدليل والبرهان ،ورغم أن كمنهج المعرفة الاسلامى يعتبر أن غاية المعرفة هي اليقين ، إلا انه لم يلغى الشك المنهجي ، فنجد نموذجاً لهذا النوع من الشك في القرآن الكريم كما فى قوله تعالى على لسان إبراهيم (عليه السلام)(فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين).والشك المنهجي هو تجاوز لكل من الشك المذهبي والنزعة القطعية. فالشك المذهبي - المطلق هو الذي يبدأ بالشك وينتهي بالشك،فهو لا يعتد بالدليل، وهو من خصائص التفكير الاسطورى ، وقد عبر القرآن هذا الشك المرفوض بالريب (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا).أما النزعة القطعية فتقوم الوصول فتبدأ باليقين، فهى لا تعتد أيضا بالبرهان والدليل، وقد وجه القرآن الذم لهذه النزعة في عدة مواضع كما في قوله تعالى: (قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباؤنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون). أما الشك السيكولوجي " النفسي " فلا علاقة له بالفلسفة، ويتصل بالشخصية والعوامل التي ساهمت في تكوينها.
خامسا: الرد على دعوى أن الفلسفة تفكير نظري مجرد و شديد التعقيد:
ا/ لكل إنسان مقدره على درجه من درجات التفكير النظري المجرد ،وبالتالي فان لكل إنسان فلسفه – لكنها غير مرتبه منطقيا- كما أن التفكير النظري – (الحل النظري للمشكلة)، شرط سابق لاى تطبيق العملي (تنفيذ الحل في الواقع بالعمل).
ب/ أما قضيه التعقيد فترجع إلى سببين أساسيين: الأول: أن الفلسفة دراسة تجريديه نظريه (لذا يمكن تعريفها بأنها علم الأفكار النظرية - الكلية)،و هو ما يمكن تجاوزه بالاستعانة بالامثله"العينية" في شرح المفاهيم الفلسفية ، السبب الثاني: أن اغلب مصطلحات الفلسفة ذات أصول أجنبيه، و هو ما يمكن تجاوزه بتقديم شرح مبسط لهذه المصطلحات قبل استخدامها.
سادسا: الرد على دعوى أن الفلسفة تدعو إلى الإلحاد:
ا/ الإلحاد اعتقاد ذاتي مصدره عوامل داخليه وخارجية متعددة ، وليس موقف فلسفي – عقلاني- فهو ليس من خصائص التفكير الفلسفي أو التفكير العقلاني.
ب/ فالإلحاد هو أجابه "خاطئة من منظور الدين"على اسئله يطرحها الدين وليس الفلسفة (كيف بدء الوجود، كيفي ينتهي ، ما هي القوه التي أوجدته)،والاجابه على هذه الاسئله بالإيجاب أو السلب لا يغير من طبيعتها الميتافيزيقية "كما تقرر الوضعية المنطقية في معرض نقدها للماركسية"
ج/ والفلسفة هي عمليه الانتقال من المقدمات العقلية إلى النتيجة العقلية أيضا "الاستدلال"، أما ما يسبق هذه العملية فلا صله له بالفلسفة ومنهجها الاستدلالى،ومصدره الاعتقاد ذو الطابع الديني او الميتافيزيقي, لذا فان اى مذهب فلسفي هو مذهب ميتافيزيقى- حتى لو كان صاحبه مناهضا للميتافيزيقا- لأنه ينطلق من مجموعه من المفاهيم التي يسلم صاحب المذهب الفلسفي بصحتها "يعتقد بها" ، دون أن تكون خاضعة الاستدلال العقلي،لأنها سابقه عليه.
د/ وموضوع الفلسفة هو المفاهيم النظرية - الكلية ، وهى غير قابله للتحقق من صحتها بالتجربة والاختبار العلميين ، وبالتالي تعبر الفلسفة شكل من أشكال التفكير الميتافيزيقي.
ه/ والقول بوجود فلاسفة ملحدون يكاد يكون مقصور على الفلسفة الغربية ، مع ملاحظه وجود الكثير من الفلاسفة الغربيين المؤمنين، إما في الفلسفة الاسلاميه فلا يمكن القول بوجود فيسلوف ملحد- بالمعنى الحقيقي للمصطلح -لأنها تنطلق من أساس ديني.
و/ كما أن الإلحاد غير مقصور على مجال الفلسفة، فهناك ملحدون- كما أن هناك مؤمنون- في كل المجالات المعرفية (الفن /العلم...)
ل / والربط بين الفلسفة والإلحاد يخدم الإلحاد والملحدين، لان الفلسفة هي نمط من أنماط التفكير العقلاني، وبالتالي فان هذا الربط يعنى أن الإلحاد يتسق مع التفكير العقلاني، والإيمان يتناقض معه وهو قول خاطئ
ك / محاربه الإلحاد لا تكون ناجحة إلا باستخدام الحجج العقلية اى بالتفكير الفلسفي – العقلاني.
سابعا: الرد على دعوى إجماع علماء أهل السنة ” بمذاهبهم الفقهية والاعتقاديه المتعددة ” على تحريم الفلسفة بكل دلالاتها: أن علماء أهل السنة لم يتخذوا موقف واحد من الفلسفة ، بل اتخذوا موقفين منها هما :الموقف الأول هو تحريم الفلسفة ، اى الرفض المطلق لها . وهذا الموقف قائم على افتراض مضمونه أن هناك تعارض مطلق بين الدين الإسلامي والفلسفة ، غير أن هذا الافتراض غير صحيح ، لأنه قائم على افتراض- آخر – مضمونه أن الفلسفة تأخذ موقفاً موحداً من جميع القضايا ، وأن هذا الموقف مناقض لموقف الدين منها ، وهى افتراض غير صحيح كما قرر الإمام ابن تيمية. كما ان هؤلاء الفقهاء لم يقولوا بتحريم الفلسفة بكل دلالاتها، بل قالوا بتحريم الفلسفة طبقا لدلاله معينه لها ، شاعت في عصرهم ،ومضمونها البحث في الغيبيات ، لذا اختلطت بمعارف- مماثله لها في الخوص في الغيبيات – كالسحر والكهانة والشعوذة . ويدل على هذا ربط هؤلاء الفقهاء بين الفلسفة وهذه المعارف المحرمة ( التي تمثل أنماط من التفكير الأسطوري والخرافي، التي تتناقض مع نمط التفكير الفلسفي والعلمي فضلاً عن الدين) . أما الموقف الثاني فهو الموقف القائم على افتراض مضمونه أنه ليس هناك تعارض مطلق” دائم” بين الإسلام كدين والفلسفة ، بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، وفي حالة الاختلاف يكون الرد و الرفض– كاتفاقهم على تحريم الأخذ بالإلهيات ” الميتافيزيقا ” اليونانية “لأنها تتضمن مفاهيم مخالفه للعقيدة الاسلاميه، وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول - كقول الإمام ابن تيميه بوجوب الأخذ بالرياضيات لأنها ضرورية لعلوم الفرائض وقسمه التركة “. وهذا الموقف هو الموقف الحقيقي، للعديد من أعلام علماء أهل السنة ، طبقا لمذاهبهم المتعددة : الفقهية والاعتقاديه :
الإمام ابن تيمية(المذهب الحنبلي ) : فابن تيمية مثلاً لا يأخذ موقف موحد من الفلسفة (المقصود هنا الفلسفة اليونانية) سواء بالرفض أو القبول بل يقسمها إلى ثلاثة أقسام:
1) الإلهيات (الميتافيزيقا): وهو يرفضه، وأغلب رفضه للفلسفة ينصب على هذا القسم منها.
2) الطبيعيات: ويرى جواز الأخذ به مع عدم ربطه بالإلهيات (الميتافيزيقا) اليونانية، ويعتبره (غالبه كلام جيد ،وهو كلام كثير واسع ، ولهم عقول عرفوا بها، وهم يقصدون به الحق لا يظهر عليهم فيه العناد، ولكنهم جهال بالعلم الإلهي).
الرياضيات: ويرى وجوب الأخذ به وبتعبيره (ضرورية لعلوم الفرائض وقسمة التركة وغيرها)( ابن تيمية، الرد على المنطقيين، طبعة بيروت دار المعرفة)
وبناءاً على هذا لا يلغي صفة الإسلامية عن الإنتاج الفكري للفلاسفة المسلمين المتأثرين بلفلسفة اليونانية ، بل يقرر (أنه كان في كل من هؤلاء من الإلحاد التحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة ولهم من الصواب والحكمة ما وافقوا فيه ذلك)( ابن تيمية، منهاج السنة، ص252)
الإمام الغزالي(المذهب الاشعرى): بعد دراسة الفلسفة يتخذ الإمام الغزالي منها موقفا نقديا مضمونه تجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين ، إلى موقف يتناولها من حيث اتفاقها أو اختلافها مع أصول الدين ، ففي الحالة الأولى يكون الرد والرفض، وفي الحالة الثانية يكون الأخذ والقبول ،ويتضح لنا هذا الموقف النقدي من خلال تقسيمه للفلسفة وتصنيفه للفلاسفة ،حيث يقسم الإمام الغزالي الفلسفة ( يقصد بها الفلسفة اليونانية ) إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول :هو القسم الذي يتناقض مع أصول الدين شكلاً و مضموناً (اى لفظا ومعنى) ، ويتضمن هذا القسم ثلاثة قضايا هي القول بقدم العالم وإنكار بعث الأجساد وإنكار علم الله بالجزئيات، وموقفه من هذا القسم هو التحريم . القسم الثاني : وهو القسم الذي يتناقض مع هذه الأصول شكلاً (لفظا)،ويتضمن سبع عشر قضية، وموقفه من هذا القسم هو التبديع.القسم الثالث: وهو القسم الذي لا يتناقض مع هذه الأصول شكلاً ومضموناً ( لفظا ومعنى )، ويتضمن هذا القسم باقي القضايا الفلسفية ، وموقفه من هذا القسم هو الأخذ والقبول.
الإمام ابن حزم (مذهب أهل الظاهر) :يرى أن الفلسفة والشريعة يتفقان فى الغرض "إصلاح النفس" حيث يقول (ان الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها والغرض المقصود نحوه ليس شيئاً غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤيدة إلى سلامتها في المعاد وحسن سياستها للمنزل والرعية وهذه نفسه لا غيره هو غرض الشريعة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء بالفلسفة ولا بين أحد من العلماء بالشريعة) ( ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، ج1، طبعة القاهرة، 1317هـ.)
ثامنا: الرد على دعوى أن الفلسفة تتعارض مع العلم والدين : لكل مجال من هذه المجالات مشاكل خاصة يحاول أن يضع لها حلول، ومنهج خاص لحلها. لكن يجب ملاحظة أن يكون لكل مجال مشاكل خاصة لا يعني أنها قائمة بذاتها ومستقلة عن المشاكل التي يطرحها واقع الناس المعين في الزمان والمكان، بل يعني أن هذه المشاكل ما هي إلا محصلة لتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى معين (أي منظور إليها من جهة معينة).(أ) مجال الفلسفة: فالمشاكل الفلسفية ما هي إلا محصلة تناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين ، لكن على مستوى كلي- مجرد، هذه المشاكل الخاصة تقتضي منهج خاص لتناولها هو المنهج الفلسفي الذى يتصف بخصائص معينة هي العقلانية، المنطقية، الشك المنهجي، والنقدية.(ب) مجال العلم: المشاكل العلمية ما هي إلا محصلة لتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى جزئي- عيني، وهذه المشاكل الخاصة تقتضي منهج خاص في تناولها هو المنهج العلمي والذي يتصف بخصائص أو مراحل معينة هي(1) الملاحظة (2) الافتراض (3) التحقق.(ج) مجال الدين: الدين يتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين ولكن على مستوى المطلق - غيبي ، هذه المشاكل الخاصة تقتضي منهج خاص لتناولها هو المنهج الديني المستند إلى الإيمان بالوحي . ولا يمكن أن يحدث تناقض بين المجالات الثلاثة إلا في حاله الخلط بينها من جهة الموضوع أو المنهج .
تاسعا:الرد على دعوى أن الفلسفة نخبوية: هذه الدعوى تركز على الفلسفة الاكاديميه وتتجاهل الفلسفة الشعبية ، حيث أن للفلسفة نمطين
النمط الأول" الفلسفة الاكاديميه" : وهى المفاهيم والنظريات والمذاهب الفلسفية التي وضعها الفلاسفة،، و تدرس في المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات، والتي تتصف بالتنسيق المنطقي، وتمايزها عن المجالات المعرفية التي لا تنتمي إلى المجال الفلسفي.
النمط الثاني"الفلسفة الشعبية": وهى مظاهر التفكير الفلسفي وأشكاله في الوعي الشعبي بأشكاله المختلفة كالحكم الشعبية والتدين الشعبي والآداب الشعبية...وهى فلسفه غير منسقه منطقيا ، ومختلطة - غير متمايزة – عن المجالات المعرفية لا تنتمي إلى المجال الفلسفي (كالمجال الديني أو الاخلاقى أو الادبى...)
عاشرا: الرد على دعوى أن الفلسفة أداه هدم وليست أداه بناء : هذه الدعوى تخلط بين النقد بمعنى بيان الايجابيات والسلبيات ، بهدف اخذ الأولى ورد الثانية ،والنقض والذي يعنى إبراز السلبيات وتجاهل الايجابيات ،الأول أداه بناء والثاني أداه هدم ، وفضلا عن كون هذا الموقف النقدي من خصائص التفكير الفلسفي ن فانه يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه،وقد أشارت اليه الكثير من النصوص : قال تعالى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ )الزمر:17-18) وقال الرسول ( ) (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام منمن كثير من المفاهيم والمجالات المعرفية ، كموقف الإمام ابن تيمية الذي يقول فيتقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه،تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت “الصوفية والتصوف” وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة … وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفيهذه الأمور ذميم. ..) .
حادي عشر :الرد على دعوى أن الفلسفة مجال مقصور على الرجال: هناك العديد من النساء الفيلسوفات : أولا في الفلسفة اليونانية:فيلسوفه اليونان الأولى (أرستوكلي) / الفيلسوفات الفيثاغوريات (ثيانو و أريجنوت و مييا ) / الفيلسوفة( إسبيشيا الملطية) / الفيلسوفة (أريتا القورينائية ) / الفيلسوفة الافلاطونيه المحدثة ( هبيشا الإسكندرانية): ثانيا: الفلسفة الاوربيه المسيحية:الفيلسوفة المسيحية (ماكرينا). ثالثا: الفلسفة الاوربيه الحديثة: ألفيلسوفه الماركسية (روزا لوكسمبورج ). رابعا: الفلسفة الغربية المعاصرة:.حنَّه آرنت / ألفيلسوفه الوجودية سيمون دي بوفوار/ ألفيلسوفه الرمزية سوزان لانجر.
ثاني عشر: الرد على دعوى الانفصال "المطلق" للعلوم عن الفلسفة والاستغناء بالعلم عن الفلسفه:إن انفصال العلوم عن الفلسفة ليس انفصال مطلق " ، بحيث انقطعت كل صله للعلم بالفلسفة، إنما هو انفصال نسبى ، مضمونه أن أصبح لكل منهما موضوع ومنهج خاص،مع استمرار الارتباط بينهما في شكل أخر ،مضمونه أن أصبحت الفلسفة هي المدخل "النظري الكلى" لكل علم عيني / جزئي" اى أصبح لكل علم فلسفته .وبالتالي لا مجال للقول بان المجتمعات المعاصرة استغنت بالعلم عن الفلسفة.
ثالث عشر : الرد على مقوله" موت الفلسفة " في الغرب:هذه المقولة لم تقل بها كل المذاهب الفلسفية الغربية ألمعاصره، بل قالت بها بعض هذه المذاهب "كالتفكيكيه"،وما هو صواب فيها هو انه لم يظهر في الفلسفة الغربية المعاصرة مذاهب"أنساق" فلسفية شامله، تحاول تفسير كافه مجالات المعرفة ، كالتي ظهرت في الفلسفة الاوربيه الحديثة كالهيجليه والماركسية...مع ملاحظه أن الليبراليه هي فلسفه ومنهج معرفه ومذهب شامل ذو أركان أربعه هي: العلمانية في الموقف من الدين ، الفردية في الموقف من المجتمع ، الراسماليه في الموقف من الاقتصاد ،والديموقراطيه "الليبرالية" في الموقف من السياسة .مطبق في الواقع الغربي دون أن يعترض أنصار هذا المقولة عليها. فالمقصود بموت الفلسفة في الغرب إذا موت الفلسفة كمذهب ، لكنها مستمرة هناك كمنهج،مع ملاحظه أن الشرق لم يشهد ظهور مذاهب فلسفيه شامله معاصره بصوره واضحة كما في الغرب.

ثالثا: أهميه الفلسفة : هناك الكثير من الآثار الايجابية للفلسفة على الفرد والمجتمع في الكثير من المجالات:
فى المجالات التعليمية: تدريس الفلسفة يساهم في تفعيل التفكير العقلاني عند الطلاب،وهو ما يؤثر إيجابا على مجمل العملية التعليمية ، كما يساهم في تدعيم الفهم الصحيح للطلاب للعلوم المختلفة، باعتبار أن الفلسفة – حاليا- هي المدخل( الكلى المجرد" النظري") لكل العلوم (الجزئية – العينية )- وتأكيدا لذلك أصبح لكل علم فلسفته رغم انفصال العلوم عن الفلسفة - وباعتبار أن الفلسفة – تاريخيا – هي أم العلوم اى حاضنتها التاريخية، لذا فان كل دكتوراه في اى مجال معرفي يطلق عليها اسم "دكتوراه الفلسفة".
في المجالات المعرفية : ، الفلسفة تساهم في تفعيل التفكير العقلاني/ المنطقي،عند الفرد ، وهو ما يترتب عليه تفعيل مقدرته على حل المشاكل التي يواجهها.
المجالات الحضارية:
ا/المساهمة في تنظيم اطلاع الشباب على الحضارات وأساليب الحياة الاجنبيه وفلسفاتها –وهو الأمر الذي أضحى واقعا معاشا ، بفعل التطور المذهل في وسائل الاتصال فى عصرنا ، وذلك بتدعيم اتخاذ الشباب موقفا نقديا من هذه الحضارات وفلسفاتها "فالموقف النقدي هو من خصائص التفكير الفلسفي "، هذا الموقف يأخذ الايجابيات ويرفض السلبيات ،والتالي يضمن عدم الانزلاق إلى موقف تغريبي يقوم على القبول المطلق و محاوله اجتثاث الجذور، أو الركون إلى موقف تقليدي، يقوم على الرفض المطلق ، ومحاوله العزلة عن المجتمعات المعاصرة " المستحيلة في عصرنا"
ب/تدعيم الشخصية "الهوية" الحضارية للمجتمع، بتدعيم فلسفته حيث أن للفلسفة – بالاضافه إلى بعدها النقدي- بعد اثباتى "دفاعي "، يحاول إثبات أو الدفاع عن القيم الحضارية للفيلسوف المعين- سواء بصوره شعورية -واعية أو غير شعورية غير واعية
فى المجالات الاجتماعية: تساهم الفلسفة في مواجهه المجتمع للأشكال المختلفة للانغلاق الاجتماعي(كالطائفية و القبلية ..) وغيرها من مظاهر تخلف النمو الاجتماعي ، والتي تستند- معرفيا –إلى أنماط من التفكير الخرافي والاسطورى كأساطير: النقاء العرقي والتفوق العنصري...
فى المجالات الدينية:
ا/يمكن أن تساهم الفلسفة في تدعيم الفهم الصحيح للدين ، والذي يضبط ولا يلغى التفكير العقلاني السليم.
ب/ يمكن أن تساهم الفلسفة في محاربه التفكير البدعى،و الذي يضفى قدسيه الدين على أنماط من التفكير والسلوك السلبي، والذي يتعارض – في حقيقة الأمر- مع جوهر الدين.
ج/ يمكن أن تساهم الفلسفة في مواجهه التطرف التدينى والغلو في الدين كظاهرة لا تمت بصله إلى الدين، وترتد إلى أسباب سياسيه اجتماعيه تربويه... متفاعلة، وتستند إلى نمط التفكير الاسطورى وخصائصه ، ومنها القبول المطلق لفكره ،والرفض الطلق لفكره أخرى.
د/ يمكن أن تساهم الفلسفة في تقديم ردود عقلانيه على النزعات الشكيه والالحاديه التي شاعت في عصرنا.
ه/ يمكن استخدام الفلسفة في الدفاع عن العقيدة بادله عقليه ، وهى الوظيفة التي اطلع بها في الماضي علم الكلام الاسلامى، باعتباره قطاع أصيل من قطاعات الفلسفة الاسلاميه بمفهومها الشامل.