تفاضل وليس أفضليه : المراه من التراتيبيه الجاهلية إلى التراتيبيه ألقرانيه
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
تمهيد: تهدف هذه الدراسة إلى بيان أن النص القرانى ألغى التراتيبيه الجاهلية للمراه، والمستندة إلى معيار الافضليه ، والذي يعنى أن الرجال أفضل من النساء في جميع المجالات على النساء" فالافضليه هنا مطلقه"، وجاء بتراتيبيه جديدة، تستند إلى معيار التفاضل ، الذي يعنى أن الرجال أفضل من النساء في بعض المجالات ، بينما النساء أفضل من الرجال في مجالات أخرى" فهو يقر بنوع من الافضليه ولكنها مقيده "، وهو ما يستفاد من التعبير القرانى" بما فضل الله بعضكم- أو بعضهم - على بعض" ، ثم تورد الدراسة المجالات التي قررت النصوص الافضليه فيها للمراه على الرجل.
تفاضل وليس أفضليه : تقرر النصوص أن العلاقة بين الرجل والمراه هي علاقة تفاضل وليست علاقة أفضليه، فهي تستخدم تعبير" فضل الله بعضكم أو بعضهم" ، ولم تستخدم تعبير "فضل الله الرجال على النساء "، قال تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء : 32 )، وقال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ )، والفارق بين المصطلحين أن الأول " التفاضل " يعنى أن الرجل أفضل من المراه في بعض المجالات ، بينما المراه أفضل من الرجل في مجالات أخرى، بينما الثاني يعنى أن الرجل أفضل من المراه في جميع المجالات، فالافضليه هنا مطلقه وليست مقيده بمجالات معينه ، وتأكيدا لعدم وجود أفضليه مطلقه للرجل على المراه في الإسلام ، فان العلماء الذين قرروا أن جنس الرجل أفضل من جنس المراه ، اقروا أن هذه الافضليه لا تشمل الأشخاص ، يقول الإمام ابن تيمية (فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص)، وتأكيدا لذلك تقرر النصوص أن معيار الافضليه ليس ألذكوره أو الانوثه بل التقوى ، قال تعالى (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
ارتباط التفاضل بمفهوم ألدرجيه: ويرتبط هذا التفاضل بمفهوم ألدرجيه القرانى ، الذي مضمونه تفاوت الناس في المقدرات والإمكانيات الذاتية ، دون أن يلغى ذلك المساواة بينهم، والذي أشارت إليه العديد من الآيات كقوله تعالى (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً)،وهو سنه إلهيه تشمل الناس جميعا ، وغير مقصور على علاقة الرجال بالنساء، غير أن مضمونه في تناوله للعلاقة الاخيره يعنى إقرار اختلاف التكوين الجسدي والنفسي للمراه عن الرجل ، وبالتالي تفاوتهم في المقدرات والإمكانيات الذاتية، وطبقا له فان الرفع الهي درجات غير مقصور على الرجال، بل يشمل الرجال والنساء، فالله تعالى يرفع الرجال والنساء درجات، وبالتالي فان للرجال درجات وللنساء أيضا درجات.
درجه الرجال لا تلغى المساواة فى الحقوق والواجبات: اتساقا مع ما سبق فان تقرير النص أن للرجال درجه على النساء كما في قوله تعالى(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ)، لا يترتب عليه إلغاء المساواة- القانونية/ المقيده- بينهم ، لان الله تعالى يرفع النساء كما الرجال درجات ، فالرجال درجات وللنساء أيضا درجات ،فضلا عن أن نص الايه يقرر المساواة بين الرجل والمراه في الحقوق والواجبات قبل تقريره هذه الدرجة للرجال ، كما في قوله تعالى"ولهن مثل الذي عليهن"، وقد تعددت تفاسير هذه الدرجة، فقيل أنها درجة الميراث والجهاد، وقيل أنها درجة الإنفاق، وقيل أنها الطلاق والمراجعة، وقيل أنها القوامه...وفسره ابن عباس بأنه أداء الرجل كل واجب عليه للمراه، مع إغضاؤه عن بعض واجب المراه تجاهه... ورد في تفسير الطبري (وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن الدرجة التي ذكر الله تعالى في هذا الموضع: الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه)،وكل هذه التفاسير لا تلغى المساواة بين الرجل و المراه في الحقوق والواجبات...
إلغاء النص للتراتيبيه الجاهلية وتأسيسه لتراتيبيه جديدة : وباستناد النص القرانى لمعيار التفاضل ، فانه يؤسس لتراتيبيه جديدة للمراه، ويلغى التراتيبيه الجاهلية ألقائمه على معيار الافضليه " اى الأفضلية المطلقة للرجال على النساء" ،ومن مظاهر هذا الإلغاء:
أولا: الانجاب و تقديم الإناث على الذكور: فإذا كانت التراتيبيه الجاهلية تؤخر الإناث على الذكور، فان النص القران قدم الإناث على الذكور في الذكر عند الحديث عن الإنجاب وكونه هبه من الله تعالى ، قال تعالى( لَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ)( الشورى 49)، اتساقا مع هذه التراتيبيه ألقرانيه الجديدة قال غير واحد من السلف (من يمن المرأة وبركتها أن تبدأ بما بدأ به الله)، ورد في موقع إسلام ويب (أما تقديم الإناث في الآية الكريمة فقد ذكروا له حكما منها: أنه توصية بهن والاهتمام برعايتهن لضعفهن, ومنها: إلغاء الأفكار التي كانت سائدة عندهم عن البنات في الجاهلية، ولذلك جاءت السنة بالوصية بهن, وقيل: قدمن في الذكر لأنهن أكثر لتكثير النسل...)، كما ورد في(ملتقى أهل التفسير) (بدأ سبحانه بذكر الإناث فقدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدوهن، فقال الله هذا النوع المؤخر عندكم مقدم عندي عند الذكر . وتأمل كيف نكر سبحانه الإناث وعرف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم ، وجبر نقص التأخير للذكور بالتعريف فإن التعريف تنويه، والله أعلم بالمراد من ذلك )
الايه" اصطفى البنات على البنين" لا تدل على أفضليه البنين على البنات: اما الايه "اصطفى البنات على البنين" فهي تدل على أن عرب الجاهلية كانوا يفضلون الذكر على الأنثى، ومع هذا التفضيل فإنهم نسبوا الملائكة إلى الله، وجعلوا الملائكة بنات الله، فالله عز وجل عاتبهم، فأنتم تنسبون إلى ربكم الشيء المفضول "عندكم " ، وهذا فيه إنكار وليس فيه إقرار( طريق الإسلام ).
ثانيا: الرفض القاطع للموقف الجاهلي السلبي من المراه: كما كان النص القرانى قاطعا في رفض الموقف الجاهلي السلبي من المراه بمظاهره المختلفة – وهو الموقف الذي يلزم من التراتيبيه الجاهلية للمراه- قال تعالى﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾، وتأكيدا لذلك قال عمرَ بن الخطَّاب "رضي الله عنه "(والله إنْ كنَّا في الجاهلية ما نعدُّ للنساء أمرًا، حتى أنزل الله فيهنَّ ما أنزل، وقسم لهنَّ ما قسم).
مجالات أفضليه المراه فى النصوص: اتساقا مع معيار التفاضل القرانى ،الذي أسس لتراتيبيه جديدة للمراه ،أشارت النصوص إلى العديد من المجالات التي تكون فيها الافضليه فيها للمراه على الرجل ، ومن هذه المجالات:......................................... ..
يلزم من النصوص تقديم بعض النساء على كثير من الرجال:كما يلزم من النصوص تقديم بعض النساء على كثير من الرجال ، فمريم بن عمران- بنص القران- اصطفاها الله تعالى على نساء العالَمين، ويلزم من ذلك أنها أفضل من سائر الرجال الذين لم يصطفيهم الله لا على الرجال أولا على النساء، وهناك أربعه النساء كمل إيمانهم بنص الحديث ، و يلزم من ذلك أنهن أفضل من سائر الرجال الذين لم يكمل إيمانهم ، وأهل بيت الرسول (صلى الله عله وسلم ) من زوجاته وبناته أفضل من سائر المسلمين رجالا ونساء يقول الإمام ابن حزم عند تفسيره لحديث ناقصات عقل ودين (...هذا النقصان لا يوجب نقصان الفضل، فنساء النبي وبناته أفضل ديناً ومنزلة عند الله من كل تابعي، ومن كل رجل يأتي من بعدهم إلى يوم القيامة)،والصحابيات (رضي الله عنهم) أفضل من التابعين،والتابعيات افصل من سائر المسلمين "رجالا ونساءا.
تقديم المراه "الأم" على الرجل "الأب " في حسن الصحبة: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم ) فقال: يا رسولَ اللهِ، مَنْ أحقُّ الناسِ بحُسنِ صَحابتي ؟ قال: أُمُّك، قال: ثم مَن ؟ قال: ثم أُمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: ثم أُمُّك، قال: ثم مَن ؟ قال: ثم أبوك )، وعن طلحة بن معاوية السلمي قال: (أتيتُ النبيَّ " صلى الله عليه وسلم"، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إني أريدُ الجهادَ في سبيلِ اللهِ تعالى، فقال: أُمُّكَ حَيَّةٌ ؟ فقلتُ: نعمْ، فقال: الزم رِجْلَها فثمَّ الجنَّة ).
التوصية النبوية بالنساء: فقد أوصى الرسول "صلى الله عليه وسلم" بالنساء على وجه العموم فقال (استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عَوَان )، وقال أيضا ( خياركم خياركم لنسائهم، خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، كما أوصى بالمراه الزوجة فقال "صلى الله عليه وسلم" (.. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله)، والمراه الابنه فقال (من عَالَ جاريتيْن حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضمَّ بين أصابعه )، والمراه الارمله فقال ( السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ أَو الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ) .
التمييز الايجابي للمراه:
ا/تعريفه: التمييز الايجابي (Positive Discrimination) هو تمييز لفئة معينه من فئات المجتمع ، تختلف عن باقي فئاته في العرق(الأقليات العرقية)،أو الدين(الأقليات الدينية)، أو الجنس(المراْه)، أو المقدرات الذاتية (ذوى الاحتياجات الخاصة) ..، من خلال اتخاذ جمله من الإجراءات التفضيلية ، التي تعطى أفراد هذه الفئة الاولويه في المجالات المختلفة للحياة العامة كالتعليم وتوظيف والتمثيل التشريعي.. بهدف إلغاء التمييز (السلبي) الذي مورس ضدها في السابق، وتحقيق المساواة (الفعلية) بينها وبين باقي فئات المجتمع . من خلال منحها حقوقها التي سلبت منها في الماضي، بناءا على هذا التعريف فان مفهوم التمييز الايجابي يتناقض مع مفهوم التمييز السلبي ، ولكنه يتسق مع مفهوم المساواة,
ب/ في التشريع الاسلامى: وقد اقر التشريع الاسلامى التمييز الايجابي للمراه وطبقه في العديد من الأحكام الشرعية ومنها: إسقاط الصلاة والصيام أثناء الحيض والنفاس ،إسقاط عدد من الفرائض على سبيل الوجوب ومنها: النفقة ، حضور الجمع والجماعات ، الجهاد ...
نزول سورة باسم النساء "سورة النساء": فقد نزلت سوره باسم النساء، تضمنت تشريعات الخاصة بالنساء، فضلا عن نزول سوره باسم احد النساء "مريم".
النساء محل للمحبة وليس الكراهية: وعلى النقيض من كون المراه كانت محل كراهية عند عرب الجاهلية ، فقد جعل الرسول "صلى الله عليه وسلم" النساء محل للمحبة ، فقال "صلى الله عليه وسلم"(حبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة )(رواه النسائي " 3939 "من حديث أنس بن مالك" رضي الله عنه" .وصححه الحاكم " 2 / 174 " ووافقه الذهبي ، وصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري " 3 /15 " و " 11 / 345 ").
تبرئه النص القرانى لحواء من انفرادها بمسئوليه الخروج من الجنة: كما برء النص القرانى حواء من تهمه إغراء آدم بإتباع الشيطان بالأكل من الشجرة المحرمة ، كما ورد في بعض الأديان المحرفة السابقة على الإسلام،حيث يقرر النص القرانى أن الوسوسة كانت لكليهما، والإغراء كان لكليهما، والقسم بالنصح من الشيطان كان لكليهم (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ . وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ . فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) ( الأعراف: 20:2). ................................خلق حواء من ضلع ادم تكريم للمراه: كما قرر النص القرانى وحده الأصل الانسانى، وما يترتب عليه من تقرير أن المراه مساوية للرجل في الانسانيه ، قال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1)، قال جمهور المفسرين : النفس الواحدة: هي آدم، وخلق من هذه النفس زوجها، وهي حواء، فإنّها أخرجت من آدم، أي من ضلعه، كما يقتضيه ظاهر الآية في كلمة "مِنْهَا". وفى ذات الوقت فان النص القرانى يقرر ثنائيه الوجود الانسانى، وان له بعدين : روحي و مادي، من خلال تقريره أن خلق ادم يجمع بين الأصل الترابي ونفح الروح فيه، وهنا يدل خلق حواء من ضلع ادم أنها تشترك معه في الأصل الترابي ، ولكن بصوره غير مباشره، تأكيدا لذلك نجد بعض المفسرين يقررون أن سبب تسمية حواء بهذا الاسم أنها خلقت من حيّ، وبمثله سميت مرأة ؛ لأنها خلقت من المرء، وهذا يفسر لنا أن المراه تتعامل - بصوره أساسيه - مع الوجود الانسانى " الزوج، الابن ، الحفيد.." " لان وظيفتها الاساسيه هي رعاية الأسره، خلافا للرجل الذي يتعامل بصوره أساسيه مع الوجود الطبيعي، لان موضوع عمل الرجل في اغلبه يتصل بالطبيعة وتسخيرها ، قال ابن عباس (خلقت المرأة من الرجل، فجعل نهمتها في الرجل، وخلق الرجل من أرض، فجعل نهمته في الأرض...) .كما أن خلق حواء من ضلع ادم فيه اشاره إلى أن الأصل في العلاقة بين الرجل والمراه هي علاقة مشاركه لا صراع. كما وردت الاشاره إلى أن النساء خلقن من ضلع في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحة عن أبي هريرة "رضي الله عنه" عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه وسلّم) قال(من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر، فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنّساء خيرًا، فإنّهنّ خلقن من ضلعٍ، وإنّ أعوج شيءٍ في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنّساء خيرًا) (صحيح البخاري: 51885) ، ولم يرد في الحديث – لفظا وعلى وجه الاتصال والتتابع اللفظي - "أن النساء خلقن من ضلع اعوج" ، إنما ورد " أنهن خلقن من ضلع " ، ثم وصف هذا الضلع بان "اعوج شيء فيه أعلاه "، وانه " إن تركته لم يزل اعوج". ووصف الضلع بالعوج في الحديث لم يرد من باب الحط من مكانه المراه كما فهم البعض خطا، إنما ورد على سبيل التشبيه ، لبيان أن المعاملة المثلى للمراه ينبغي أن تقوم على التوازن ، المستند إلى معيار الوسطية ، بدون إفراط" عنف يؤدى إلى الطلاق" (اعوج شيء فيه أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته)، أو تفريط " تهاون يؤدى إلى ضياع الحقوق"( إن تركته لم يزل اعوج)، وقريب من هذا المعنى قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) (إن أمرنا هذا لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها ، وباللين الذي لا وهن فيه ".)، ورد في موقع إسلام ويب (وهذا الإخبار النبوي يأتي في سياق وصية الرجال بالنساء أن يستوصوا بهن خيرًا, وأن يعاملوهن بالمعروف, وأن يصبروا عليهن).
حصر الرسالة في الرجال لا يتعارض مع التراتيبيه ألقرانيه : حصر القران الكريم الرسالة في الرجال فقال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم ) (الأنبياء: 7 )، غير أن هذا الحصر لا يتعارض مع التراتبيه ألقرانيه المستندة إلى معيار التفاضل، اى لا يترتب عليه تقرير الافضليه المطلقة للرجال على النساء ،ومن أدله ذلك : أولا: أن عله الحصر ليس تقرير الافضليه المطلقة للرجال على النساء، بل علل أخرى أشار إليها العديد من العلماء ومنها:أولا: أنّ الرسالة يلزم منها أمور لا تتناسب مع طبيعة المراه ومنها: مواجهه المكذبين ، والتي قد تتضمن أعمال حربيه ، وتحمل الأذى والتعذيب الذي قد يلاقيه الرسل منهم ،والتنقل من مكان إلى أخر مع انعدام الأمان في تلك العهود.. ثانيا: أن الرسالة تقتضى الإتباع والطاعة ، وهو ما قد يستنكف الرجال عنه، في حال كون الرسول أمراه ، خاصة في تلك الازمنه ...ثانيا: ويؤكد ما سبق انه مع إجماع العلماء على حضر الرسالة في الرجال ، فان هذا الإجماع لم ينعقد في حال ألنبوه، فقال بعض العلماء أن في النساء نبيات - رغم نفى الجمهور كما نقل العديد من العلماء منهم القاضي عياض - : فنقل عن الأشعري أن في النساء عدة نبيات، وحصرهن ابن حزم في ست، حواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسية ومريم‏،‏ وأسقط القرطبي سارة وهاجر، ونقله في ‏"‏ التمهيد ‏"‏ عن أكثر الفقهاء‏.، وقال القرطبي‏:‏ الصحيح أن مريم نبية‏،وقد استدل هؤلاء العلماء بالعديد من الادله منها: ما جاء من آيات فيها بيان وحي الله تعالى لأم موسى ، وما جاء من خطاب الملائكة لمريم عليها السلام ، وأيضاً باصطفاء الله تعالى لها على نساء العالَمين...والفارق بين النبوة والرسالة - كما قرر الجمهور من العلماء- أن الأولى إنباء بالوحي ، بينما الثانية إنباء بالوحي مع الأمر بتبليغه للناس...ثالثا: أن النص القرانى نسب إلى بعض النساء معجزات كما في قوله تعالى عن مريم (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ )، كما نسب الى بعض النساء وحى – تكوينى وليس تكليفى - كما فى قوله تعالى عن ام موسى ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ )(القصص: 7) ، وبهذا فقد اشترك هؤلاء النساء مع الأنبياء والرسل في بعض خصائصهم ، ونالوا بهذا درجه ألصديقيه – وان لم ينالوا درجتي الرسالة أو النبوة – وهو ما قرره النص القرانى، كما في قوله تعالى (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ ...)
نحو فهم صحيح لحديث (لن يفلح قوم ولوا امرهم امرأة) : أن حديث (لن يفلح قوم ولوا آمرهم امرأة) لا يتعارض مع التراتيبيه ألقرانيه للمراه، المستندة إلى معيار التفاضل للاتي:
أولا: أن الافضليه للرجال على النساء هنا غير شامله ، بل مقصورة على منصب ألخلافه العظمى- والتي لن تعد موجودة منذ سقوط الخلافة العثمانية ،يقول الإمام ابن حزم ( جائز أن تلي المرأة الحكم- اى القضاء- وهو قول أبي حنيفة- وقد روي عن عمر أنه ولى «الشِّفَاءَ»- امرأة من قومه- محتسبة في السوق ، فإن قيل: قد قال رسول الله : «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» قلنا: إنما قال ذلك رسول الله في الأمر العام الذي هو الخلافة، برهان ذلك قوله: «المرأة راعية على مال زوجها وهي المسئولة عن رعيتها» وقد أجاز المالكية أن تكون وصية ووكيلة، ولم يأت نص في منعها أن تلي بعض الأمور).
ثانيا: أن الحديث ورد في سياق تنبؤ الرسول(صلى الله عليه سلم) بهزيمة الجيش الفارسي ، استنادا إلى معطيات"أحداث" تاريخيه - واقعيه" سياسيه / عسكريه..ز"، هي تولى الحكم بوران دخت بنت كسرى أبرويز – كما تقول اغلب المصادر التاريخية الاسلاميه – مع عدم امتلاكها لاى خبره عسكريه، فهو تنبؤ من الرسول (صلى الله عليه وسلم) باعتبار إمامته ، المتضمنة لقيادته للجيوش ، وما لزم من ذلك من خبره حربية، والدليل على هذا أن الحديث ورد في رواية البخاري كالاتى: (لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى) قال (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) .
ثالثا: يرى بعض العلماء المعاصرين أن الحديث يشير إلى سياق تاريخي معين ، هو أن نموذج الدولة السائدة في الماضي، هي الدولة المركزية، التي تتركز كل السلطات فيها في يد الحاكم- خلافا لنموذج الدولة السائدة في عصرنا " دوله المؤسسات"- فضلا عن انه كان محتوما عليها أن تكون مقاتلة غزوا و دفاعا "لأنها تستند إلى حق الفتح"- خلافا لاستناد نموذج الدولة السائدة في عصرنا الى حق الشعوب فى تقرير مصيرها - بالتالي فان القيادة القوية ذات الخبرة العسكرية ضرورية لبقاء الدولة، فإذا تولى القيادة من لا يمتلك اى خبره عسكريه "كالمراه" أدي ذلك إلى توقف الدولة عن القتال، وبالتالي الفتك بها وتمزقها ، وقريب من هذا المعنى يرى الشيخ محمد الغزالي في كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) أن الحديث لا يفيد النهى العام عن تولى المرأة رئاسة الدولة، بل هو واقعة عين لا عموم لها ، فيقول(... وقد تأملت في الحديث المروى في الموضوع، مع أنه صحيح سندا ومتنا، ولكن ما معناه؟: عندما كانت فارس تتهاوى تحت مطارق الفتح الإسلامي، كانت تحكمها ملكية مستبدة مشئومة... وكان في الإمكان وقد انهزمت الجيوش الفارسية، وأخذت مساحة الدولة تتقلص، أن يتولى الأمر قائد عسكري يوقف سيل الهزائم، ولكن الوثنية السياسية جعلت الأمة والدولة ميراثا لفتاة لا تدرى شيئا، فكان ذلك إيذانا بأن الدولة كلها إلى ذهاب… في التعليق على هذا كله قال النبي الحكيم كلمته الصادقة، فكانت وصفا للأوضاع كلها.).
رابعا: أشار القرآن الكريم إلى قصة قوم ملكتهم امرأة ،و أنها نجحت في أداره شئون الحكم ، وهي ملكة اليمن "بلقيس"، قال تعالى على لسان الهدهد وهو يخاطب سليمان (عليه السلام) (وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) .