داعش:المحطة الاخيره في طريق الإسلام السياسي المسدود 1
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد(ملخص الدراسة): تهدف هذه الدراسة إلى بيان أن تنظيم الدولة الاسلاميه في العراق والشام " داعش "، ليس مجرد تنظيم متطرف معزول عن سياقه الفكري والسياسي، وان تطور الأحداث على الأرض، باتجاه بداية نهاية التنظيم ليس مجرد تسلسل تاريخي للأحداث خالي من الدلالات ، فهذا التنظيم- الذي يشهد بداية نهايته - يمثل المحطة الاخيره - التي سبقتها محطات كثيرة - في طريق مذهب التفسير السياسي للدين " الذي يطلق عليه خطا اسم الإسلام السياسي" المسدود، وهذا يعنى - على المستوى النظري- أن اى فرد أو جماعه يصل إلى هذه المحطة من محطات طريق الإسلام السياسي ، سيمارس ذات الممارسات الوحشية لهذا التنظيم، والتي لا تمت إلى الإسلام كدين بصله ، والتي تشوه صوره الإسلام، وتخرب الواقع العربي بكافه مستوياته " السياسية ، الاجتماعية ، الاقتصادية.." ، ولكن هذه الامكانيه النظرية – اى الامكانيه النظرية لتكرار التجربة - غير قابله للتحقق في الواقع العملي، نسبه لانكشاف هذه الممارسات الوحشية للعالم، وتبرؤ كل من له صله - معلنه أو خفيه مباشره أو غير مباشره- بالتنظيم وممارساته الوحشية منها. فمذهب التفسير السياسي للدين" الإسلام السياسي"هو طريق ذو مسارين: المسار الأول هو مسار فكرى مذهبي ، مضمونه الانتقال من السنة إلى البدعة ، ومن البدعة إلى الفتنه.لان هذا المذهب- الذي يجعل الدين مجرد وسيله لتحقيق غاية أخرى هي السلطة ، فيختزل بذلك الدين في بعده السياسي- هو بدعه في ذاته وفيما يلزم منه من مفاهيم ،وهو باعتبار بدعتيه يلزم منه الكثير من الفتن كالتفرق في الدين، وبيع الدين بالدنيا والائمه المضلين والهرج"القتل"...فطريق الإسلام السياسي طبقا لمساره المذهبي يسير في اتجاه نقيض تماما لمذهب أهل السنة،بفرقه الكلامية والفقهية المتعددة ، الذي يمثل الفهم الصحيح للدين، والذي أصبح جزء من البنية الحضارية للامه العربية المسلمة.أما المسار الثاني لطريق الإسلام السياسي فهو مسار سياسي يلزم منه موضوعيا – وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصاره - محاوله إلغاء الاراده الشعبية العربية،وبالتالي لا يخدم إلا المشاريع التي تهدف إلى ذلك ، كمشروع الشرق الأوسط الجديد "الامبريالي الصهيوني"، فطريق " الإسلام السياسي " يسير في اتجاه نقيض تماما لأهداف الاراده الشعبية العربية في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية والجمع بين الاصاله والمعاصرة "التجديد".
تعريف بتنظيم الدولة الاسلاميه "داعش ": ظهر التنظيم لأول مرة تحت اسم جماعة التوحيد والجهاد في شهر سبتمبر 2003م، وتحت قيادة أبو مصعب ألزرقاوي. وفي أكتوبر 2004م، أعلن الزرقاوي البيعة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ،وقام بتغيير اسم جماعته لتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين. وفي يناير 2006، اندمج التنظيم مع مجموعة من التنظيمات الأخرى وشكلوا مجلس شورى المجاهدين في العراق. وفي 12 أكتوبر 2006 اندمج التنظيم مع عدة تنظيمات أخرى، ليصبح اسمه الجديد دولة العراق الإسلامية . في 8 أبريل 2013، توسَّع التنظيم إلى سوريا، وتبنى اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأُطلق عليه اسم " داعش" اختصارًا من أولى حروف اسمه، ولكن رفض التنظيم هذا الاسم، وأعلن انه سيعاقب بالجلد كل من يستخدم هذا الاسم في المناطق التي يسيطر عليها. وفى 29 يونيو 2014 أعلن التنظيم عن قيام الخلافة الإسلامية في الاراضى الخاضعة لسيطرته ، ومبايعة أبي بكر البغدادي خليفة المسلمين. وقال الناطق الرسمي التنظيم أنه تم إلغاء اسمي العراق والشام من مسمى الدولة،ليصبح اسم التنظيم "تنظيم الدولة الإسلامية" فقط.
الممارسات الوحشية لداعش وبراءة الإسلام منها: قام تنظيم الدولة الاسلاميه في العراق والشام "داعش" بممارسات وحشية ، لا تمت إلى الإسلام كدين وحضارة بصله، شوهت صوره الإسلام، وخربت الواقع العربي بكافه مستوياته " السياسية ، الاجتماعية ، الاقتصادية،الحضارية.." ، ومن هذه الممارسات : تعذيب وقتل أسرى الحرب، بما يخالف الضوابط الاخلاقيه والانسانيه التي قررتها سابقا الشريعة الاسلاميه ، ولاحقا المعاهدات والمواثيق الدوليه المتصلة بمعمله اسري الحرب"اتفاقيه جنيف" . واستهداف المدنيين وهو ما يتعارض مع تقرير الضوابط الشرعية للقتال عدم جواز قتل النساء والرجال والأطفال ورجال الدين.. . وتطبيق التنظيم للعقوبات الشرعية بنفسه ، مع عدم التزامه بشروط تطبيق العقوبة في الفقه الجنائي الاسلامى ، وهو ما يتعارض مع تقرير الفقه الجنائي الاسلامى أن الإمام"الحاكم الشرعي "هو المختص وحده بتطبيقها،فضلا عن نهى الرسول(صلى الله عليه وسلم) عن القطع وقت الغزو. وتفنن التنظيم في تعذيب الخصوم وهو ما تعارض مع تحريم الإسلام لتعذيب الحيوان ناهيك عن الإنسان. واضطهاد الأقليات الدينية كالسريان/الكلدان/الآشوريين والأرمن المسيحيين واليزيديين والمندائيين، وهو ما يتعارض مع تقرير الإسلام كدين حرية الاعتقاد وحرية ممارسه الشعائر الدينية للأقليات الدينية، وإقراره لحقوقها الدينية والسياسية،وإيجابه حمايتها من اى اعتداء داخلي أو خارجي. وتدمير وتخريب الآثار التاريخية بحجه أنها أصنام ، - مع بيع بعضها سرا في تناقض واضح- في حين أنها ظلت موجودة منذ الفتح الاسلامى ، دون أن يفتى العلماء المسلمين – بما فيهم ألصحابه والتابعين الذين زاروا هذه البلدان- منذ ذلك العهد وحتى الان- إلا آحاد منهم- بتدميرها لأنه لا احد يعبدها الان، وهى محل للعظة والعبرة. و تدمير المساجد الاسلاميه "بيوت الله تعالى"بحجه وجود اضرحه بداخلها، وهى جريمة لم يقدم عليها حتى أعدى أعداء الإسلام .واضطهاد النساء بالأسر والاغتصاب والاستعباد الجنسي والبيع،بحجه إن الإسلام أباح سبى النساء" الجواري أو ما ملكت أيمانكم"، وهو ما يخالف تكريم الإسلام للمراه، وكون الإسلام لم يشرع للرق"اى لم يقرر أن الرق ظاهره ايجابيه"، لأنه كان موجود قبله ،بل شرع للتحرر من الرق بصوره تدريجية، من خلال تقريره لجمله من المبادئ كالحرية والمساواة ، وجمله من القواعد ومنها قاعدة تضييق مدخل الرق ،بحصر أسباب الرق، وتوسيع مخرجه بوضعه للكثير من التشريعات كاعتبار تحرير الرق كفاره لبعض الذنوب،وبالتالي فان التشريعات العالمية الداعية لإلغاء الرق ، تتسق مع غاية التشريع الاسلامى في مسالة الرق.
الاستناد إلى مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة : وتنظيم الدولة الاسلاميه في العراق والشام" داعش" هو احد التنظيمات التي تستند إلى مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة ، فهو يشترك في الأساس المذهبي مع تنظيمات أخرى كالتنظيمات القطبية " التكفيرية " في مصر في السابق " كتنظيم الجهاد، والجماعة الاسلاميه، وجماعه المسلمين "التكفير والهجرة..."، وكالتنظيمات التي تطلق على نفسها اسم السلفية الجهادية(كتنظيم القاعدة وحركه طالبان وتنظيم وأنصار الشريعة وبوكوحرام...) في الحاضر، وهو اسم خاطئ لان مفهوم الجهاد طبقا لفهم السلف الصالح يقوم على الضبط الشرعي لمفهوم القتال ، بينما هذا المذهب يقوم على الإطلاق البدعى لمفهوم القتال ،من خلال عدم الالتزام بضوابطه الشرعيه، وترجع جذوره إلى مذهب الخوارج البدعى الضال، ولا صله له بمذهب أهل السنة- ولا يفترق عن هذه التنظيمات إلا في انه وصل بالمذهب إلى نتائجه العمليه النهائية . و يقوم مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة على بدعيتين بينهما علاقة تلازم، البدعة الأولى هي الغلو في التكفير ، ويلزم منها البدعة الثانية وهى استحلال الدماء المحرمة " كدماء المسلمين وأهل الذمة والمعاهدين وغير المقاتلين من الكفار.."، فهو مذهب يقوم على الإطلاق البدعى لمفهومي التكفير والقتال ، من خلال عدم الالتزام بضوابطهما الشرعية ، وهو مذهب يفارق مذهب أهل السنة ، لأنه يقوم على الضبط الشرعي لهذين المفهومين ، من خلال الالتزام بضوابطهما الشرعية . كما أن هذا المذهب يتعارض مع قاعدة تحريم الخروج بالسيف، اى التغيير باستخدام القوه المسلحة ، والتي اجمع عليها علماء أهل ألسنه يقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقه ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق)(شرح مسلم12/432-433) . وقد اجمع علماء أهل السنة ،على كون مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة – الذي مثله في عصرهم الخوارج – مذهب بدعي ضال ، وانه يجب قتال أصحابه في حال تطبيقهم لمذهبهم في استحلال الدماء المعصومة ، يقول الإمام ابن تيمية (َإِنَّ ْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ … ) ( الفتاوى : 28/518 ).
احد صيغ مذهب التفسير السياسي للدين "الإسلام السياسي": وكما ذكرنا أعلاه فقد مثل مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة في ماضي الامه الخوارج ، أما في حاضر الامه فان هذا المذهب هو احد صيغ مذهب التفسير السياسي للدين"الإسلام السياسي" ، حيث يلتقي معه - فيما يتصل بمشكله العلاقة بين الدين والدولة - في بدعه التطرف في إثبات العلاقة بن الدين والدولة، إلى درجه جعلها علاقة تطابق وخلط وليست علاقة ارتباط ووحده (وليس خلط كما في الثيوقراطيه ) من جهة ، وتمييز( وليس فصل كما في العلمانية ) ، ولا يختلف عن صيغه الأخرى إلا في أنه يقول بتكفير المخالف له في المذهب صراحة وعلنا - لا ضمنا وسرا كما هذه الصيغ الأخرى –التي تستخدم مفهوم التقية ذي الأصول الشيعية- إذ أن تكفير المخالف هو من لوازم مذهب التفسير السياسي للدين البدعى .فضلا عن تطبيقه لما يلزم – عمليا – من تكفير المخالف في المذهب، وهو استحلال الدماء المحرمة-
تعريف بمذهب التفسير السياسي للدين " الإسلام السياسي ": وهو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط. فهذا المذهب لا يتسق مع المنظور السياسي الاسلامى ، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط " وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه "، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة.... .وعلاقة تمييز"وليست علاقة فصل كما في العلمانية" ، لان الإسلام- ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل” الغاية” والسياسة هي الفرع” الوسيلة” ، وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج). ومرجع التطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالدولة.
بدعية مذهب التفسير السياسي للدين : وهذا المذهب هو بدعه في ذاته " اى يستند إلى مفاهيم بدعية "، ومن أهم هذه المفاهيم هو القول بان الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه "بمعنى السلطه"هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله كما قرر علماء أهل السنة، يقول الامام الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ... ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363). كما أن هذا المذهب بدعه فيما يلزم منه اى يلزم منه مفاهيم بدعية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أولا: تكفير المخالف فى المذهب، وهو يخالف مذهب أهل السنة، القائم على اباحه الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186)، ثانيا:اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104)..
الفتن التي تلزم من المذهب: و يلزم من مذهب التفسير السياسي للدين – باعتبار بدعيته – العديد من الفتن ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر : أولا: فتنه التفرق: يقول ابن تيمية (وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا)، ثانيا: فتنه الرجل في دينه وبيعه الدين بعرض الدنيا:قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ). ثالثا: فتنه الائمه المضلين: و هم كل متبوع بلا دليل شرعي ، وهذا الإتباع بلا دليل يلزم منه الضلال والإطلاق البدعى، ومفارقه الهدايه والضبط الشرع، وقد أشارت النصوص إلى أنهم أخوف على الامه من الدجال ، فقد ورد من حديث عمر بن الخطاب و أبي الدرداء و أبي ذر الغفاري و ثوبان مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) و شداد بن أوس و علي ابن أبي طالب . كنت مخاصر النبي (صلى الله عليه وسلم) يوما إلى منزله فسمعته يقول : غير الدجال أخوف على أمتى من الدجال . فلما خشيت أن يدخل قلت : يا رسول الله أي شيء أخوف على أمتك من الدجال ؟ قال : الأئمة المضلين)(الراوي : أبو ذر الغفاري/ المحدث : الألباني / المصدر : السلسلة الصحيحة – الصفحة أو الرقم ( 4/110 ) . رابعا: فتنه الهرج :ومضمونها الإطلاق البدعى لمفهوم القتال ، بعدم الالتزام بضوابطه الشرعية ، والتي بها يصبح جهادا، وقد وردت الاشاره إليها في كثير من النصوص ،منها قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ( يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا: وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : القتل )( متفق عليه).خامسا: فتنه الشبهات:وقد أشار إليها ابن القيم في قوله ( الفتنـة نوعـان فتنة الشبهات وهي أعظم الفتنتين وفتنة الشهوات وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما…وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال).
المسار المذهبي لطريق الاسلام السياسي والانتقال من السنة إلى البدعة ومن البدعة إلى الفتنه: إن العرض السابق لمذهب التفسير السياسي للدين "الإسلام السياسي" والذي يمثل مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة، الذي يستند إليه تنظيم " داعش" احد صيغه ،وكونه بدعه في ذاته وفيما يلزم منه من مفاهيم، وكونه يلزم منه باعتبار بدعيته لكثير من الفتن ، يبين لنا ان تنظيم داعش يمثل المحطة الاخيره في المسار المذهبي لطريق الاسلام السياسي الذي مضمونه الانتقال من السنة إلى البدعة ، ومن البدعة إلى الفتنه
محطات في المسارالمذهبى لطريق الإسلام السياسي:
تعدد دلالات المفاهيم السياسية لجماعه الإخوان المسلمين عند الإمام المؤسس: وضع الإمام حسن البنا ، مؤسس جماعه الأخوان المسلمين ، المفاهيم السياسية الاساسيه ، وقد اتصفت هذه المفاهيم بالتجريد، اى ذات معاني عامة مجردة ، لا تشير إلى مضمونها الخاص العيني، ويرجع هذا التجريد إلى أسباب متعددة منها أن الإمام حسن ألبنا كان يسعى- أساسا – لتأسيس مدرسه فكريه جامعه، وليس وضع نظريه سياسيه محدده. وهذا التجريد لزم منه – من الناحية النظرية – أن أصبح لهذه المفاهيم دلالات متعددة، يمكن إجمالها في دلالتين :
الدلالة الأولى (عدم التناقض الاجمالى مع التفسير الديني الشرعي للسياسة: وهى الدلالة التي قصدها الإمام حسن البنا عند وضعه لهذه المفاهيم ، وهذه الدلالة ليست نصيه، بل هي دلاله اجتهادية ، فهي اجتهاد يتضمن تفسير- فهم- معين للنصوص، يحتمل الصواب والخطأ ، لذا فان بعض مكونات هذه الدلالة محل اتفاق وقبول ، كما أن بعض مكونات هذه الدلالة محل خلاف ، وهذه الدلالة تتصف بدم التناقض ” الاجمالى” مع التفسير الديني"الشرعي" للسياسة – الذي عبر عنه العلماء بمصطلح السياسة الشرعية – ومذهب أهل ألسنه في الامامه .
الدلالة الثانية(مذهب التفسير السياسي للدين )"الإسلام السياسي": وهى دلاله لم يقصدها الإمام حسن البنا عند وضعه لهذه المفاهيم ، بل نقدها وتبرا منها حين ظهور بداياتها في حياته ، ورغم ذلك فان هذه الدلالة شكلت بعد وفاه الإمام المؤسس حسن البنا تيار فكرى داخل جماعه الإخوان المسلمين ، وشكلت الأساس النظري للكثير من الجماعات والحركات والأحزاب السياسية المستقلة – تنظيميا- عن الجماعة ،وكان ابرز منظري هذه الدلالة – أو بالأحرى احد صيغها – سيد قطب في مرحلته الفكرية المتاخره “التكفيرية ” ، وهذه الدلالة تعبر في مجملها عن مذهب التفسير السياسي للدين – الذي يعبر عنه البعض- خطا- بمصطلح ” الإسلام السياسي” –
نقد الأمام المؤسس لمذهب التفسير السياسي للدين :وقد تعرض الإمام حسن البنا بالنقد لمذهب التفسير السياسي للدين فى بدايات ظهوره في آخر ايامه ،فقد نقل عنه الشيخ الغزالي قوله ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لرجعت بالجماعة إلى أيام المأثورات) اى أيام التربية الروحية . كما نقل الشيخ الغزالي قول الإمام حسن البنا ( إن انحراف الإخوان المسلمين إلى الاشتغال بالسياسة كان خطأ كبيرا، وإنه كان أحرى بهم أن يتجنبوها، وأن يصونوا أنفسهم عن الانزلاق في معمعانها، وأن يقصروا رسالتهم على خدمة الدين، ويصرفوا جهودهم في الدعوة إلى مكارم الأخلاق والهداية إلى آداب الإسلام، وهو الأصل في تكوين الجماعة).
نماذج للدلالتين: وفيما يلي نعرض لنماذج للدلالتين المشار إليهم أعلاه ، لبعض المفاهيم السياسية لجماعه الإخوان المسلمين – التي تحولت إلى شعارات لها – المستنبطة من تقرير الإمام المؤسس أن (الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف).
شعار ” الإسلام دين ودوله” :رفعت جماعه الإخوان المسلمين في عهد الإمام المؤسس شعار " الإسلام دين ودولة ، فهو لغة محدث ، ولم يرد بلفظه في القران الكريم أو السنة النبوية أو أقوال السلف أو علماء أهل السنة. أما اصطلاحا فان للشعار دلالتين:
الدلالة الأولى: علاقة ارتباط وتمييز: وهى الدلالة التي قصدها الإمام المؤسس، وتجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط " وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه "، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة.... .وعلاقة تمييز"وليست علاقة فصل كما في العلمانية" ، لان الإسلام- ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير.
الدلالة الثانية :علاقة خلط: وهذه الدلالة هي من لوازم مذهب التفسير السياسي للدين وتطرفه في إثبات العلاقة بين الدين والدولة ،وتجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط كما في الثيوقراطيه.
قضيه التكفير بين الإمام المؤسس ومذهب التفسير السياسي للدين: وقد التزم الإمام المؤسس بمذهب أهل ألسنه في التكفير ،والقائم على عدم تكفير المخالف فى المذهب ، والالتزام بضوابط التكفير الشرعية ، ورد فى رسالة التعاليم ( لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض – برأي أو معصية – إلا ان أقر بكلمة الكفر ، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة ، أو كذب صريح القرآن ، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال ، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر )،اما مذهب التفسير السياسي للدين فيلزم منه تكفير المخالف في المذهب ضمنا أو صراحة
شعار” الإسلام مصحف وسيف" : كما رفعت جماعه الإخوان المسلمين في عهد الإمام المؤسس شعار ” الإسلام مصحف وسيف "،فهو من ناحية اللفظ حادث في تاريخ الامه، فلم يرد في القران أو السنة او أقوال السلف الصالح أو علماء أهل السنة. أما اصطلاحا فله دلالتين :
الدلالة الأولى عند الامام المؤسس (الربط بين الدعوة والجهاد ): الدلالة الأولى هي الدلالة التي قصدها الامام المؤسس حسن البنا لهذا المفهوم عند وضعه له، وتقوم – في مجال تحديد العلاقة بين الدعوة والجهاد – على الربط بين الدعوة والجهاد ، وجعل العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض ، كما تقوم هذه الدلالة – في مجال ضوابط القتال -على الضبط الشرعي لمفهوم القتال ، من خلال الالتزام بالضوابط الشرعية للقتال التي أشار إليها علماء أهل السنة استنادا إلى النصوص.
الدلالة الثانية :الفصل بين الدعوة والجهاد : أما الدلالة الثانية لهذا المفهوم فتقوم – في مجال تحديد العلاقة بين الدعوة والجهاد – على الفصل بين الدعوة ” المعبر عنها هنا بالمصحف ” ، والجهاد ” المعبر عنه هنا بالسيف، وهو ما يعنى أنها تضمر جعل العلاقة بينهما هي علاقة تناقض ، بالتالي فان التزام بأحدهما يلزم منه إلغاء الالتزام بالأخر،اى الاقتصار على احدهما ، والقصور عن الأخر ،والاستغناء به عنه، في حين أن كلاهما فرض شرعي. كما تقوم هذه الدلالة – في مجال ضوابط القتال -على الإطلاق البدعى لمفهوم القتال من خلال عدم الالتزام بالضوابط الشرعية للقتال التي أشار إليها علماء أهل السنة استنادا إلى النصوص .
نقد الإمام المؤسس لهذه الدلالة:وقد نقد الإمام المؤسس حسن البنا هذه الدلالة في معرض نقده لكثير من ممارسات “النظام الخاص ” الذي أنشاه بهدف محاربه الاستعمار ، الا انه انحرف عن غايته،وقام بسلسلة من الأعمال الارهابيه والاغتيالات السياسية ، وقد استنكر الإمام حسن البنا هذه الممارسات في مقال بعنوان [بيان للناس] قال فيه ( لقد كان هدف دعوتنا حين نشأت، العمل لخير الوطن وإعزاز الدين، ومقاومة دعوات الإلحاد والإباحية... فما كانت الجريمة ولا الإرهاب ولا العنف من وسائلها، لأنها تأخذ عن الإسلام وتنهج نهجه وتلتزم حدوده...ولقد وقعت أحداث نسبت إلى بعض من دخلوا هذه الجماعة دون أن يتشربوا روحها...ولما كانت طبيعة دعوة الإسلام تتنافي مع العنف، بل تنكره، وتمقت الجريمة مهما يكن نوعها، وتسخط على مرتكبيها، فنحن نبرأ إلى الله من الجرائم ومرتكبيها. ..). وبعد يومين من صدور “بيان للناس” قبض على أحد أفراد النظام الخاص ، واسمه شفيق أنس وهو يحاول نسف محكمة استئناف مصر ،وكان التخطيط والأمر بالتنفيذ هذه المرة من سيد فايز المسئول عن النظام الخاص وقتها …فكتب الامام بيان ثان تبرأ فيه ممن قاموا بهذا الفعل عنوانه [ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين]. قال فيه وقع هذا الحادث الجديد، حادث محاولة نسف مكتب سعادة النائب العام، وذكرت الجرائد أن مرتكبه كان من الإخوان المسلمين…. فشعرت بأن من الواجب أن أعلن أن مرتكب هذا الجرم الفظيع وأمثاله من الجرائم لا يمكن أن يكون من الإخوان ولا من المسلمين ...)
سيد قطب و رياده مذهب التفسير السياسي للدين”الإسلام السياسي”: يعتبر سيد قطب في مرحلته الفكرية الاخيره ، من رواد مذهب التفسير السياسي للدين"الإسلام السياسي" في صيغته التكفيرية المعلنة ، وهو الأمر الذي يتضح في مؤلفاته التي وضعها في هذه المرحلة، وأهمها كتاب” في ظلال القران” في صيغته الاخيره ، وكتاب “معالم في الطريق” .