انتصارات الاراده الشعبية العربية في عصر الانكسار العربي الرسمي 1
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
الانكسار العربي الرسمي(مرحله التعطيل الارتدادي للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي) : شكلت الفترة الممتدة من عام 1970 (عام وفاه الزعيم جمال عبد الناصر"رحمه الله تعالى"، وتولى الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات السلطة في مصر خلفا له ) والى الآن ، مرحله التعطيل الارتدادي للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي ، وهى المرحلة التي بدأت بمحاوله الرئيس السادات الارتداد "السياسي "عن مجمل سياسيات الزعيم الراحل- المتسقة مع أهداف الاراده الشعبية العربية في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية - بدعم من الغرب بقياده حكومة الولايات المتحدة الامريكيه - بالانتقال من مناهضه الاستعمار القديم والجديد"الامبريالي" والاستيطاني"الصهيوني"، إلى التبعية للولايات المتحدة الامريكيه، وتوقيع اتفاقيه سلام مع الكيان الصهيوني"كامب ديفيد"، من أقامه تنميه مستقلة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى، تحت شعار الانفتاح الاقتصادي ، ومن التضامن العربي إلى قطع العلاقات مع الدول العربية، ثم سير عدد من الانظمه العربية في نفس هذا الخط ، ووصلت هذه المرحلة إلى تردى النظام السياسي العربي من التجزئة" الشعوبية" إلى مزيد من التجزئة" التفتيت" الطائفي "، إلى درجه تزيد من احتمال انزلاقه نحو الفوضى، والتي بدأت بالفعل في بعض أجزائه ،التي تتصف بضعف الروابط الوطنية والقومية ، لشيوع الطائفية أو القبلية أو العشائرية فيها. ومن مظاهر هذا التردي الخلافات التي تتفجر – بصوره شبه دوريه- بين الدول العربية بين الفينة والأخرى.
ذات مرحله" ظهور" الاراده الشعبية العربية على المستوى الشعبي: غير أن مرحله التعطيل "الارتدادي" للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي ، هي ذات مرحله مرحله" ظهور" الاراده الشعبية العربية على مستوى آخر هو المستوى الشعبي ، ذلك أن التعطيل "الارتدادي" للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي في هذه المرحلة لم يؤدى إلى إلغاء الاراده الشعبية العربية ( اى تعطيلها على كل المستويات)، بل أدى إلى تعطيلها على مستوى معين" المستوى الرسمي" وليس على كل المستويات. كما أن هذا التعطيل للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي- قد فتح المجال أمام مرحله جديدة من مراحل تفعيلها – على المستوى الشعبي - هي مرحله" ظهور" الاراده الشعبية العربية ( اى وضوح اثر فاعليته للرائي) ، بعد أن كانت"مختفية "(اى لم يكن اثر فاعليتها واضحا للرائي) في مرحله تفعيلها السابقة
مرحلتي ظهور الاراده ألشعبيه العربية: وتشمل مرحله ظهور الاراده ألشعبيه العربية مرحلتين من مراحل تفعيل الاراده الشعبية العربية - على المستوى الشعبي –
أولا:مرحله التفعيل التلقائي: المرحلة الأولى هي مرحله التفعيل التلقائي ، والتي أخذت شكل رد الفعل العاطفي الانفعالي ، ضد مظاهر تردى النظام السياسي العربي ، وهذه المرحلة - على وجه الإجمال- بمثابة مؤشر لبداية عصر "ظهور" الاراده الشعبية العربية،
انتصارات الاراده الشعبية العربية في مرحله التفعيل التلقائي: وقد حققت الاراده الشعبية العربية في هذه المرحلة الكثير من الانتصارات ، بدون أن يمثلها أو يعبر عنها أو يسعى لتحقيق أهدافها اى نظام سياسي معين ، ويمكن اعتبار هذه الانتصارات– على وجه التفصيل - بمثابة مؤشرات- تفصيلية- لبداية عصر ظهور الاراده الشعبية العربية. وفيما يلي نعرض لبعض هذه الانتصارات:
1-المظاهرات الشعبية الرافضة لتنحى الزعيم جمال عبد الناصر: المظاهرات الشعبية التي اجتاحت كافه إرجاء الامه العربية ، في أعقاب خطاب التنحي بعد هزيمة يونيو 1967، والمطالبة ببقاء الزعيم جمال عبد الناصر في السلطة ، واستمراره في قياده حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار، ودرء أثار النكسة ، واعاده بناء الجيوش العربية... وأثمرت - على المستوى الرسمي : بدء حرب الاستنزاف- واعاده بناء الجيش المصري، الذي مهد الطرق أمام نصر أكتوبر 1973، ومؤتمر الخرطوم وشعاراته "لا صلح لا اعتراف لا تفاوض".
2-المظاهرات الشعبيه المطالبة بانتهاء حاله" اللا حرب ولا سلم" : المظاهرات الشعبية المصرية ألمطالبه بانتهاء حاله" اللا حرب ولا سلم" –، قبل حرب أكتوبر 1973.والتي اعتبرها البعض مماطلة من قبل الرئيس السادات في خوص الحرب
3-الانتفاضات الشعبية ضد تطبيق النظام الراسمالى : الانتفاضات والثورات الشعبية السلمية ، ضد تطبيق العديد من انظمه العربية النظام الاقتصادي الراسمالى، تحت شعارات "الخصخصة والتحرير والانفتاح والإصلاح الاقتصادي،والتي تظهر كل فتره في هذه الانظمه حتى الآن ، ومن أشهر هذه الانتفاضات والثورات:
ا/ الانتفاضة الشعبية المصرية ضد سياسة الانفتاح الاقتصادي 1977، والتي أطلق عليها نظام السادات اسم "انتفاضه الحراميه " بغرض تشويه صورتها ، و لم يتمكن نظام السادات من إيقافها إلا بعد إنزال الجيش للشارع.
ب/الانتفاضة الشعبية السودانية ابريل 1985، ضد سياسات نظام الرئيس جعفر محمد نميرى في مرحلته الاخيره - بعد انقلابه على سياسات مرحلته الأولى ، المتاثره بالخطاب الشعبي الناصري ، والتي نال خلالها قدرا كبيرا من التأييد و القبول الشعبي- والقائمة على تطبيق السياسات الاقتصادية الراسماليه لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي أفقرت الشعب السوداني ، ورهن الاراده السياسية لأمريكا، وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني – سرا - والذي بلغ مرحله الخيانة القومية بترحيل اليهود الفلاشا " ، وأدت إلى تأكل شعبيه النظام و انتهت بإسقاطه .
4- المقاطعة الشعبية العربية للكيان الصهيوني ومناهضه التطبيع معه: تنامي المقاطعة الشعبية العربية للكيان الصهيوني ومناهضه التطبيع معه،والتي أضرت بالاقتصاد الاسرائيلى، وساهمت في الضغط - الاقتصادي - على الكيان الصهيوني، وتقديم دعم –معنوي- للشعب الفلسطيني .
5- تنامي مظاهر التدين الشعبي الرافض للتغريب : تنامي مظاهر التدين الشعبي ، وهى - في جوهرها - ظاهره ايجابيه ، لأنها تعبير "ديني" عن رفض الاراده الشعبية العربية لمظاهر التغريب والتخريب القيمى والاخلاقى، والتمرد على القيم الحضارية والدينية ، التي تلازم تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى. ولان بنيه التدين الشعبي العربي ، السائد لدى الشعوب العربية ، انه سني "طبقا لمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة" ، طبقا لأحد مذاهب أهل ألسنه الكلامية، مع غلبه للمذهب الاشعرى"عقديا"- وطبقا لأحد مذاهب أهل السنة الفقهية الاربعه (المالكي ،الشافعي، الحنفي، الحنبلي ) "فقهيا"، مع اثر عملي صوفي واضح عليه ، وهذه بنيه تعنى أن التدين الشعبي العربي يتسم بالاعتدال والوسطية والبعد عن الغلو والتطرف لأنه يستند إلى مذهب أهل السنة القائم على الضبط الشرعي لمفاهيم التكفير والقتال . والمطلوب هو الارتقاء بظاهرة تنامي التدين الشعبي امن مرحله رد الفعل العاطفي التلقائي إلى مرحلة الفعل العقلاني ، وترقيه الوعي الشعبي الديني، وتقديم الفهم الصحيح للدين،ومحاربه أنماط التفكير البدعى .. - وليس إلغائها كما يرى بعض أنصار التيار التغريبي- أما بعض المظاهر السلبية كالتدين الشكلي"المظهري والتظاهري "، والاتجار بالدين ،والتوظيف السياسي للدين كما في "مذهب التفسير السياسي للدين "الإسلام السياسي"...التي تزامنت في الظهور معها، فلا تعبر عن هذه الظاهرة وجوهرها ، بل هي محاولات لتوظيفها واستغلالها، لتحقيق أهداف شخصيه أو حزبيه ضيقه.
6-الاحتجاجات الشعبية الرافضة للاسائه إلى الرموز الدينية الاسلاميه :الاحتجاجات الشعبية السلمية ، الرافضة للاسائه إلى الرموز الدينية الاسلاميه - وأهمها الرسول "صلى الله عليه وسلم"، والتي مارستها بعض الجهات والدوائر الاعلاميه والثقافية الغربية،المرتبطة باليمين العنصري والديني الاوربى المتنامي،والجهات الخاضعة للصهونيه ... لتحقيق أهداف متعددة من أهمها محاوله إلغاء علاقة الانتماء الاسلاميه، ذات المضمون الديني – الحضاري، للشخصية الحضارية العربية وغيرها من شخصيات حضاريه إسلاميه.
7- استمرار المقاومة الشعبية الفلسطينية للكيان الصهيوني: استمرار المقاومة الشعبية الفلسطينية لهضم الكيان الصهيوني لحقوق الشعب الفلسطيني ، ممثله في الانتفاضات الشعبية الفلسطينية الثلاثة: انتفاضة أطفال الحجارة عام 1987 والتي أجبرت الكيان الصهيوني على الاعتراف بالسلطة الفلسطينية . ثم انتفاضة الأقصى عام 2000, والتي أدت إلى تعاطف العالم مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وهو ما اثمر اعتراف العديد من الدول بالسلطة الفلسطينية . ثم ثوره السكاكين 2015, والتي أربكت الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل الكيان الإسرائيلي. ثم أخيرا الإضراب العام في الاراضى الفلسطينية، المؤيد لمطالب الاسرى المضربين عن الطعام في المعتقلات الاسرائيليه، والذي انتهى - حتى ألان- برضوخ سلطه الكيان الصهيوني لمطالبهم .
8- دحر المقاومة الوطنية اللبنانية للاعتداء الصهيوني على لبنان: دحر المقاومة الوطنية اللبنانية للاعتداء الصهيوني على لبنان، والتي شملت أفراد وشخصيات و مؤسسات وكيانات وأحزاب وقوى ... لبنانيه متعددة التوجهات الفكرية والسياسية والاجتماعية، و نجحت في طرد الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان عام 2002.
9- المقاومة الوطنية للاحتلال الامريكى للعراق: المظاهرات الشعبية الرافضة للاحتلال الامريكى للعراق ، والهادف إلى الاستيلاء على احتياطي النفط الضخم في العراق، والقضاء على القوه العسكرية المتنامية للعراق.. ونجاح المقاومة الوطنية العراقية ، في توجيه ضربات قاضمه له ، أدت إلى انسحاب الجيش الامريكى لاحقا- مع بقاء السلطة السياسية"الفعلية" للاحتلال الامريكى ، من خلال إبقاء الكيانات السياسية الطائفية المتعاونة معه في السلطة - قبل أن تعمل أمريكا وحلفائها في المنطقة، على تحويل الصراع من صراع بين محتل ومقاوم ، إلى صراع طائفي بين السنه والشيعة (تنظيم الدولة الاسلاميه في العراق والشام "داعش" وغيره من مليشيات مسلحه سنيه من جهة، ،والمليشيات الشيعية المسلحة من جهة أخرى).
10- ثوره الشباب العربي قبل تحويل مسارها السلمى: ثوره الشباب العربي التي نجحت في إسقاط عدد من الانظمه العربية الاستبدادية سلميا وبأساليب التغيير السياسي اليموقراطى"تونس ، مصر"، قبل أن تنجح القوى والنظم ذات المصالح المتعارضة مع أهداف الاراده الشعبية العربية ، في تحويل مسارها في بعض الدول العربية ،من المسار الجماهيري السلمي ،إلى مسار طائفي مسلح "دموى"، من خلال تسليحها لتنظيمات تستند- فكريا - إلى مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة "سوريا، ليبيا،اليمن"، بهدف تشويه صوره هذه الثورة الشعبية السلمية، ومن ثم منع انتقالها إلى دول أخرى .
11- تنامي الوعي الشعبي العربي : تنامي الوعي الشعبي العربي عامه،والوعي الشعبي الديني خاصة،بفضل جهود علماء مشهود لهم بالعلم ، بينوا الفهم الصحيح للدين، وابرزوا وسطيه الإسلام وبعده عن الغلو والتطرف ، وظهور العديد من الاجتهادات في إطار الفكر الاسلامى المعاصر،والتي أكدت على عدم تناقض الإسلام كدين مع التفكير العلمي والعقلاني والتقدم والتطور الاجتماعي ، وضحت جوانب الاستنارة في التراث الفكري للعلماء المسلمين .. وقد ساهم في تنامي هذا الوعي الشعبي تطور وسائل الاتصال والإعلام في عصرنا.
12- فشل محاولات إلغاء الاراده الشعبية العربية : ومن انتصارات الاراده الشعبية العربية ، أن المشاريع التي تهدف إلى إلغائها ، والمذاهب التي يلزم منها ذلك موضوعيا – وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصارها - قد انتهت إلى الفشل في إلغائها - وان نجحت في تعطيلها- وفيما يلي نعرض نماذج لهذه المشاريع والمذاهب:
أولا: المشاريع التي تهدف إلى إلغاء الاراده الشعبية العربية :
مشروع الشرق الأوسط الجديد" الامبريالي – الصهيوني": ويهدف إلى الارتداد بالنظام السياسي العربي من مرحله التجزئة على أساس شعوبي " الدول الوطنية العربية "، بعد اتفاقيه "سيكس بيكو"، بين قوى الاستعمار القديم (بريطانيا وفرنسا) ، إلى مرحله التفتيت على أساس طائفي / قبلي – عشائري"الدويلات الطائفية "، مع بقاء إسرائيل كحارس لهذا التفتيت في هذه المرحلة ، كما كانت حارسه للتجزئة في المرحلة السابقة.وقد كانت بدايته بعد وفاه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر 1970 وتولى الرئيس السادات السلطة، وارتداده عن جمله سياسات الزعيم الراحل التي تجسد الاراده الشعبية العربية، وقد فشل هذا المشروع في إلغاء الاراده الشعبية العربية، رغم نجاحه في تعطيلها. فقد نجح في الارتداد بالنظام السياسي العربي خطوات تجاه التفتيت على أساس طائفي، لكنه فشل في التحكم في هذا الارتداد ، فافرز عدد من الظواهر،التي تجاوز تأثيرها السلبي النظام السياسي العربي، إلى الدول والقوى "العالمية والاقليميه والمحلية" التي تقف خلف هذا المشروع ، من هذه الظواهر : ا/ تنامي ظاهره الإرهاب ، إلى الحد الذي خرج عن سيطرة هذه الدول التي ساهمت في نشوء هذه الظاهرة عن قصد أحيانا و بدون قصد أحيانا أخرى ، وتضررها منها . ب/ تدفق اللاجئين على الغرب، مما أدى إلى تنامي الحركات السياسية اليمينية والعنصرية والمتطرفة في الغرب،الرافضة لاى تغيير في ألتركيبه الديموغرافيه"السكانية" للمجتمعات الغربية،والذي قد يترتب عليه تغيير في الهوية الحضارية والدينية "المسيحية". ج/الفوضى السياسية الناتجة من إسقاط الولايات المتحدة لبعض النظم العربية "كإسقاط صدام حسين في العراق"، ومحاولتها تحويل ثوره الشباب العربي من مسارها الجماهيري السلمي ،إلى مسار طائفي مسلح في بعض الدول العربية ، مما اضعف مقدره الولايات المتحدة ذاتها على فرض إرادتها السياسية على النظم السياسية العربية التالية لإسقاط أو سقوط هذه النظم. و رغم نجاح الكيان الصهيوني في التردي بالواقع السياسي العربي إلى مزيد من التجزئة ، بدعمه للحركات الانفصالية "الشعوبية والقبلية والطائفية .."، و الهاء النظم والقوى العربية ... إلا انه فشل في إلغاء الانتماء القومي والديني ومناهضته للصهيونية ، أو إلغاء المقاطعة الشعبية العربية للكيان الصهيوني ومناهضه التطبيع معه ، أو إلغاء الانتماء الوطني والقومي والديني الفلسطيني، فاندلعت الانتفاضات الفلسطينية المتتالية (انتفاضه الحجارة ، انتفاضه الأقصى،ثوره السكاكين،الإضراب العام المساندة لمطالب الاسرى ). وأخيرا فقد فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد في إلغاء الروابط الموضوعية "التاريخية ، الحضارية ، الدينية ، الجغرافية .." التي تربط أجزاء الامه العربية وتشدها إلى بعض, اى فشل في إلغاء الوحدة العربية على المستوى الشعبي- رغم نجاحه في تحقيق مزيد من التجزئة على المستوى الرسمي"السياسي".