الردة : نحو فهم صحيح لمفهومها وأقسامها وضوابطها وأسس مشروعيتها 1
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
مفهوم الردة" تعريفها ": الردة لغة الرجوع عن الشيء إلى غيره، وفي الاصطلاح الشرعي: رجوع المسلم البالغ العاقل عن الإسلام للكفر دون إكراه.
أقسام الردة : وللردة تقسيمات متعددة تستند إلى معايير متعددة، وأهم هذه التقسيمات هو تقسيمها استنادا إلى معيار تجردها من الفعل أو اقترانها به إلى قسمين: القسم الأول: الردة المجردة: وهى إشهار(إعلان) الارتداد عن الدين ، مجرد من الفعل . القسم الثاني:الردة المغلظة :وهى الارتداد عن الدين المقترن بفعل ، هو محاوله تقويض النظام القانوني الاسلامى، الذي تتوافر فيه الشرعية ألتكليفيه " اى كون هذا النظام القانوني اسلامى" ، والتكوينية " اى أن تكون السلطة فيه نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها" بالقوة. وقد أشار الإمام ابن تيميه إلى هذين القسمين في قوله (الردة على قسمين: ردة مجردة، وردة مغلظة شرع القتل على خصوصها، وكلتاهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها؛ والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعمّ القسمين، بل إنما تدل على القسم الأول – اى الـــــردة المجردة - كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الـثـاني – اى الردة المغلظة- وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نص ولا إجماع بسـقــــــوط القتل عنه، والقياس متعذر مع وجود الفرق الجلي، فانقطع الإلحاق؛ والذي يحقق هــذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه، بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرّق بين أنواع المرتدين) ( الصارم المسلول: 3/696).
ضوابط وشروط الردة:وهناك شروط وضوابط لابد من توافرها للحكم بصحة الردة ومنها:
أولا: شروط الاهليه:لابد أن تتوافر في المرتد الشروط التالية : أ‌- البلوغ . ب‌- العقل . ج- الاختيار وعدم الإكراه.
ثانيا:شروط الإثبات: وإثبات الردة لا يكون إلا بإحدى الوسيلتين: أ‌- الإقرار : وهو أن يقر الشخص على نفسه بأنه مرتد مع إنتفاء عيوب الأهلية .ب‌- الشهادة : وهنا يشترط شهادة أثنين عدول.
ثالثا: شرط التوبة"الاستتابة": فقد اتفق جمهور الفقهاء على استتابه المرتد، وان اختلفوا في إمهاله بعد استتابته ومده الإمهال، فمذهب الحنابلة وعند الشافعي في ظهر الأقوال يجب استتابة المرتد في الحال ولا يمهل. ويرى مالك ان يمهل ثلاثة أيام، ويروى عن التابعي إبراهيم النخعي أن المرتد يستتاب أبدا، وقد رواه عنه سفيان الثوري وقال: “هذا الذي نأخذ به)” المصنف، جـ10 ص 166(،وقد فسر بعض العلماء قول النخعى بمعنى انه يرى ان لا يقتل المرتد يقول ابن حجر: ( وأخرج ابن أبي شيبة عن حفص عن عبيدة عن إبراهيم: لا يقتل. والأول أقوى فإن عبيدة ضعيف، وقد اختلف نقله عن إبراهيم)،كما فسره البعض بمعنى تكرار استتابه المرتد كلما تكررت منه يقول ابن حجر في فتح الباري ( وعن النخعي يستتاب أبداً كذا نقل عنه مطلقاً، والتحقيق أنه في من تكررت منه الردة).
رابعا: اختصاص الإمام بتطبيق عقوبة الردة: وتطبيق عقوبة الردة بقسميها – مثله مثل تطبيق سائر العقوبات الشرعية"الحدية والقصاص والعزيريه"- من اختصاص الحاكم أو من ينوب عنه، لذا قرر الفقهاء انه من طبق عقوبة الردة بدون إذن الإمام ونائبه عذر (اى طبقت عليه عقوبة تعزيريه " يحددها الحاكم " ، لتعديه على اختصاص الحاكم أو نائبه ، إلا أن يلحق المرتد بدار حرب.
خامسا: قاعدة(درء الحدود بدافعها الشرعية ): وضمان التطبيق الصحيح للعقوبات الحدية – بما فيها عقوبة الردة – المغلظة- يتحقق من خلال الالتزام بقاعدة(درء الحدود بدافعها الشرعية ) وتعريفها" دفع العقوبة الحدية، قدر الاستطاعة ،بمدفعها الشرعي"، ومن أدله هذه القاعدة: ما رواه ابن ماجه عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا)، وحديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود قال ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم )( رواه ابن حزم عن عمر موقوفا عليه ، قال الحافظ : وإسناده صحيح )، والحديث (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)، وعن عمر ، قال : لأن أخطئ في الحدود بالشبهات ، أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات ). سادسا:الالتزام بضوابط تطبيق النظام القانوني الاسلامى وأهمها توفير الشروط الموضوعية : والتطبيق السليم لعقوبة الردة بقسميها لا يتحقق إلا بالالتزام بضوابط تطبيق النظام القانوني الاسلامى ، التي قررها العلماء استنادا إلى النصوص ، ومن أهم هذه الضوابط وجوب سعى المجتمع لتوفير الشروط الموضوعية اللازمة لتطبيق النظام القانوني الإسلامي، وهى تتضمن شروط سياسية كالشورى ، واقتصادية كالعدل الاجتماعي، واجتماعيه كالاستقرار الاجتماعي.....هذه الشروط يتوافر بعضها (كالشورى والعدل...) في الدلالة الاصليه لمصطلح الحدود " القواعد الامره"، كما تستند بعضها (كالاستقرار الاجتماعي) إلى شروط إيقاع العقوبة العامة والخاصة ،التي حددها القانون الجنائي الاسلامى ، فمن الشروط العامة اللازمة لإيقاع العقوبة النهى عن اقامه الحد وقت الغزو وهو ما يستنبط من ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم الرسول حدا قط في غزو، بدليل ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو،و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ،و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء(محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 ).
سابعا:الالتزام بالضوابط الشرعية للتكفير:
ا/ لا تكفير إلا بإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة: لا يجوز تكفير احد إلا في حاله إنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، والمقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة النص يقيني الورود ( من الله تعالى أو الرسول"صلى الله عليه وسلم") ، القطعي الدلالة (لا يحتمل التأويل) ، يقول الاما الشوكاني ( اعلم أن الحكم على المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار ). .
ب/ التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع: جواز التكفير على العموم، بمعنى جواز القول بان المذهب المعين أو القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه، والدليل على ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعن شارب الخمر على العموم، ولما جلد رجلاً شرب الخمر قام رجل فلعنه فقال (صلى الله عليه وسلم) (لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) (رواه البخاري)، فوجد الرسول(صلى الله عليه وسلم) مانع من اللعن العام وهو محبته لله والرسول .يقول ابن تيمية ( إن التكفير العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافراً أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه) (ابن تيمية، الفتاوى، الفتاوى ،مجلد 12، ص22.)
ج/ التمييز بين الكفر الأكبر" الاعتقادى" والكفر الأصغر" العملي" : التمييز بين الكفر الأكبر"الاعتقادى" وهو إنكار أصل من أصول الدين ، والكفر الأصغر" العملي" وهو المعصية، كقوله ( صلى الله عليه وسلم) (لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن) ، فالأول يوجب الخروج من الملة ، والثاني لا يوجب ذلك. يقول بن عباس (رضي الله عنه ) في تفسير قوله تعالى( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)( كفر دون كفر ) و يقول ابن القيم (فأما الكفر فنوعان :كفر اكبر وكفر اصغر..فالكفر الأكبر :هو الموجب للخلود في النار.والأصغر:موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود) (مدارج السالكين :1/364 ). .
د/العذر بالجهل : عدم تكفير من جهل ان قوله هو كفر، ودليل ذلك في السنة قوله (صلى الله عليه وسلم) (اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون). نقل الذهبي في الموقظة عن ابن تيمية (كنت أقول للجهنمية من الحلولية والنفاه ، الذين نفوا أن الله فوق العرش لما وقعت محنتهم ، أنا لو وافقتكم كنت كافراً لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال) وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.
أسس مشروعيه عقوبة الردة: أما أسس مشروعيه وضع عقوبة للردة بقسميها فتتمثل في الاتى:
ا/ مخالفه قواعد النظام العام الاسلامى: لا يمكن أن يوجد فرد بدون مجتمع ، ولا يمكن اى يوجد مجتمع بدون نظام قانوني، ولا يمكن وجود نظام قانوني بدون مجموعة من القواعد القانونية ، تسمى قواعد النظام العام ، لها ذات خصائص القواعد الأخرى "عامة ، ملزمة ،مجردة "، إنما تتميز عن غيرها من القواعد انه لا يباح مخالفتها ، أو الاتفاق على مخالفتها ، وبالتالي تصلح مميز للنظام عن غيره ،ويحمل كل نظام اسم مصدره الفكري أو العقدي أو الفلسفي " نظام ليبرالي، ديموقراطى ، ماركسي..." ، بمعنى أن تلك المذاهب أو العقائد هي مصدر تلك القواعد " الحدود"، وعلة ذلك أنها الحل الوحيد للتناقض بين وحدة المجتمع التي تتطلب وحده النظام ، وتعدد الناس فيه، الذي يتطلب اختيار النظام الذي يرتضونه ،اى يتطلب تعدد النظم (د. عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ، ص164). بناء على ما سبق فان من أسس مشروعيه وضع عقوبة للردة بقسميها كونها مخالفه - قوليه للردة المجردة " لان مضمونها إشهار/ إعلان الارتداد عن الدين" ،وفعليه للردة المغلظة" لأنها مقترنة بفعل المحاربة- لقواعد النظام العام الاسلامى ،التي لا يباح مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها ، وبالتالي فهي بقسميها أشكال مختلفة لمناهضه النظام القانوني الاسلامى، وتهديد لوحده المجتمع المسلم .
ب/التعارض مع القبول العام للنظام القانوني الاسلامى في المجتمع المسلم : والقبول العام هو مصدر مشروعيه كل النظم القانونية المشروعة ، أما قبول الناس لنظام "قانوني" معين لأنهم يؤمنون بقدسيته ، فهو باعث على القبول وليس بديل عنه – فهو إذا لا يتعارض معه - وهو من طبائع البشر، كل إنسان يقبل نظاما ،لان قواعده تصوغ العلاقات بين الأشخاص صيغه تتفق وفكره أو فلسفه أو عقيدة يؤمن هذا الشخص ، فالنظم الليبرالية تقبل فتعتبر مشروعه ، مع أن الباعث على قبولها إيمان راسخ بالحرية الفردية، التي منحها للإنسان القانون الطبيعي الازلى الخالد، الذي لا يجوز إنكار وجوده أو تكذيب وعوده...ثم أن الإيمان بالمصدر العقائدي للنظام هو دليل قطعي على قبول الناس له قبول حر لا أكراه فيه) (د. عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ص148). بناء على ما سبق فان كون النظام القانوني لاى مجتمع مسلم هو النظام القانوني الاسلامى ، فهو يعنى انه يحظى بالقبول العام. فالردة -المجردة والمغلظة- إذا تتعارض- قوليا أو فعليا- مع – ولا تعبر باى حال عن - القبول العام للنظام القانوني الاسلامى في المجتمعات المسلمة ،والذي باعثه الإيمان بمصدره العقائدي.
ج/شرط جزائي لعقد الإسلام:تنطلق الفلسفة الاجتماعية الاسلاميه من كون اى فعل للإنسان ليس مجرد فعل " كما في الفلسفة الاجتماعية الليبرالية "، بل هو عقد ملزم لأطرافه ، والمجتمع هو سلسله من العقود الملزمة ، استنادا إلى هذا فان الإسلام ليس مجرد فعل، بل هو عقد ملزم لأطرافه " المسلم والمجتمع المسلم" ، وبناء على هذا فان من أسس مشروعيه عقوبة الردة - المجردة والمغلظة - أنها بمثابة شرط جزائي ، يضمن الإلزام في عقد، بعدم الإخلال القولى "الردة المجردة"، أو الفعلي " الردة المغلظة "بعقد الإسلام.
د/ حماية المصالح:ومن أسس مشروعيه العقوبة الحدية للردة المغلظة-وسائر العقوبات الحدية حماية مصالح الجماعة الاساسيه"الدين والمال والنسل والعقل والنفس"، بفرض عقوبات حديه على الردة المغلظة ،والسرقة التي بلغت النصاب، والزنا بعد إحصان وشرب الخمر و قتل النفس بغير نفس أو فساد"،فهذه العقوبات هدفها حماية الأبعاد المتعددة للوجود الانسانى" الروحي والاقتصادي والذرى "النسلى" والعقلي والوجودي "الحياتي".
إقرار الإسلام لحرية الاعتقاد المقيده وليست مطلقه :الإسلام كدين يقرر حرية الاعتقاد ، ولكنه في ذات الوقت يقرر أنها مقيده" تكوينيا بالسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ،وتكليفيا بمفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية"،وليست مطلقه ، فهو يلتقي مع كل النظم القانونية – بما فيها النظام القانوني الليبرالي-في كون حرية الاعتقاد مقيده بقواعد النظام العام- وان اختلف مع بعض المذاهب -على المستوى النظري وليس التطبيقي – كالمذهب الليبرالي، الذي يفترض – نظريا- أن حرية الاعتقاد مطلقه، وتتأسس حرية الاعتقاد المقيده في الإسلام على فلسفه معينه للوجود الانسانى"الاستخلاف"، مضمونها أن الوجود الانسانى هو درجه من درجات الوجود المقيد "المخلوق"، تتميز عن الدرجات السابقة بالوعي وحرية الاراده - لذا جعل الإسلام شرطي التكليف العقل والاختيار- وهنا يقرر الإسلام حرية الاعتقاد في الكثير من النصوص كقوله تعالى ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)( الكهف 29 )، وقوله تعالى(لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ.)(البقرة 256 )، وقال تعالى( أو أنت تُكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين)(يونس 99)،ولكن الإسلام في ذات الوقت يقرر أن حرية الاعتقاد مقيده- شان الوجود الانسانى ذاته- في الدنيا بمصلحه الجماعة، وفى الاخره بالجزاء الاخروى على الإيمان بالخالق ذو الوجود المطلق أو الكفر به ، فالمنظور الاسلامى لحرية الاعتقاد قائم على أساس أن الاعتقاد "ذاتي(فالإيمان اعتقاد ذاتي ايجابي، اى يثبت وجود الله تعالى ، والكفر اعتقاد ذاتي سلبي،أي ينفى وجود الله تعالى )، يعنى انه إذا كان الكفر و الإيمان نقيضان من الناحية العقدية/القيميه ، فان كلاهما ذاتي من الناحية الوجودية، فلا يتوقف وجودهما على الظهور أو التعبير، وتأكيدا لذلك عرف علماء أهل السنة الإيمان بأنه ما وقر في القلب وصدقه العمل ، قال الحسن البصري( ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل )، وهنا يقرر المنظور الاسلامى لحرية الاعتقاد أن الجزاء على الكفر أو الإيمان اخروى، وهو ما قررته الكثير من النصوص كقوله تعالى( فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) بالاضافه إلى مفهوم ألحاكميه الالهيه الذى مضمونه ان الله تعالى هو الذي يحدد العقيدة الصحيحة من الباطلة يوم القيامة ( اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )، ويترتب على هذا أن الإسلام يحرم أن يسال الكافر عن كفره أو يعاقب عليه مادام هذا الكفر اعتقاد" ذاتي "، ولم يتحول إلى قول أو فعل موضوعي مناهض لمصلحه الجماعة "المسلمة"، وهذا ما يتضح من قاعدة "الحكم بالظاهر" التي قررتها العديد من النصوص كقوله تعالى (... وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ...) النساء: ٩٤، قال القرطبي في “تفسيره” (والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له، جاز له قتله، فإن قال: لا إله إلاّ الله لم يجز قتله، لأنّه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله، فإن قتله بعد ذلك قُتِلَ بِهِ.)، وكقوله (صلى الله عليه وسلم ) لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه (يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!) قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا [إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاَحِ] [أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟!] فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ،لذا يتعارض الإسلام كدين مع مفهوم "محاكم التفتيش" ، الذي ساد في أوربا المسيحية في العصور الوسطى،والقائم على اباحه تعذيب المحاكم الكنسية للناس، للحصول على اعتراف منهم ، بما في قلوبهم من كفر أو إيمان. والاسلام لا يجرم ويفرض عقوبة - حديه أو تعزيريه- على الكفر الطارئ (الردة بقسميها) إلا في حال تحوله إلى قول أو فعل موضوعي مناهض لمصلحه الجماعة "المسلمة"، والدليل على ذلك أن من شروط صحة الردة المجاهرة، أما عله مناهضه الردة المجردة لمصلحه الجماعة المسلمة أن (الكفر المعلن نقيض الإسلام المعلن أو بمعنى أدق نقيض معلن للناس بانعدام القوة الملزمة اجتماعيا للقواعد الآمرة والناهية التي جاءت في كتاب الله، من حيث انه نقيض مصدرها: الله. )(د. عصمت سيف الدولة ، رسالة في الكفر والإيمان)، أما عله مناهضه الردة المغلظة لمصلحه الجماعة المسلمة أنها مقترنة بفعل المحاربة، اى محاوله تقويض النظام القانوني الاسلامى بالقوة .أما موقف الإسلام من الكفر الاصلى فان الإسلام لا يبيح قتال غير المسلمين إلا في حالتين: الحالة الأولى هي إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنتهم عنه قال تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والحالة الثانية هي إخراج المسلمين من ديارهم قال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).