صفحة 1 من 33 1234511 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 490

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695

    القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والحمد لله رب العالمين

    والصلاة والسلام علي أشرف الانبياء والمرسلين

    أما بعد

    فلايخفي علي طلاب العلم ان القرآن الكريم هو منبع الجقائق الالهية فى شتى العلوم

    ومن أهم العلوم التى قامت علي تفسير كتاب الله هو علم الكلام او علم التوحيد

    ولاشك ان الخلاف العقائدى بين الفرق الاسلامية كان له أثر كبير علي فهم كتاب الله وتفسيره

    وخصوصا بين المعتزلة واهل السنة

    فكل يستدل علي عقيدته بفهمه لكتاب الله

    ولما كان علم التوحيد لايذاق الا بالغوص فى علم التفسير والتبحر فى كلام الله

    رأيت ان أقوم ببحث عن أثر الخلاف العقائدى بين الفرق الاسلامية علي علم التفسير

    وكيف يستدل كل فريق علي عقيدته من القرآن الكريم

    وان شاء الله سوف يكون البحث شامل للقرآن كله من أوله الي أخره

    اعلم ان الموضوع شاق وعسير ولكن علي الله التوكل والاعتماد

    واعلم اخى الحبيب واريد ان انبه علي امر هام

    تجد الكثير من طلاب العلم لايتلفت او يهتم باستنباط الادلة من كتاب الله او سنة نبيه وهذا أمر جلل وخطير

    فيجب علي كل طالب الربط بين مسائل علم الكلام والقرآن الكريم

    فمثلا لو قلت لطالب علم اعطنى دليل علي هذه المسألة من الكتاب والسنة قال لك لا اعلم او انه لم يهتم بالربط بين علم الكلام وعلم التفسير

    ويظن ان علم الكلام فقط مباحث عقليه

    وهو لايعلم ان اساس علم الكلام كتاب الله وسنة رسوله

    فلا يذوق المسلم حلاوة علم التوحيد الا اذا تبحر فى علم التفسير وذاق حلاوة الايات

    وفى الحقيقة لا اعلم ان هناك من تصدر لتأليف كتاب فى هذا الشأن وهو ربط علم الكلام بعلم التفسير من بداية كتاب الله الي ختامه

    فارجو من الله ان يصلح نياتنا وان يجعله عملا متقبلا لوجهه الكريم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    خلق القران واقوال الفرق فيه

    قال الامام الالوسي فى مقدمة تفسيرهمقدمة الالوسي للمتعمق فى امهات كتب التوحيد وليست لطلاب العلم المبتدئين لذا وجب التنبيه)

    الفائدة الرابعة)

    في تحقيق معنى أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، (اعلم) أن هذه المسألة من أمهات المسائل الدينية، والمباحث الكلامية، كم زلت فيها أقدام، وضلت عن الحق بها أقوام، وهي وإن كانت مشروحة في كتب المتقدمين، مبسوطة في زبر المتأخرين، لكني بحول من عز حوله، وفضل من غمرنا فضله أوردها في هذا الكتاب، ليتذكر أولو الألباب، بأسلوب عجيب، وتحقيق غريب، لا أظنك شنفت سمعك بمثل لآليه، ولا نورت بصرك بشبه بدر لياليه، فماء ولا كصدى، ومرعى ولا كالسعدان.

    وما كل زهر ينبت الروض طيب ولا كل كحل للنواظر أثمد

    فأقول: إن الإنسان له كلام بمعنى التكلم الذي هو مصدر، وكلام بمعنى المتكلم به الذي هو الحاصل بالمصدر، ولفظ الكلام موضوع لغة للثاني، قليلا كان أو كثيرا، حقيقة كان أو حكما، وقد يستعمل استعمال المصدر، كما ذكره الرضي، وكل من المعنيين إما لفظي أو نفسي، فالأول من اللفظي فعل الإنسان باللسان، وما يساعده من المخارج، والثاني منه كيفية في الصوت المحسوس، والأول من النفسي فعل قلب الإنسان، ونفسه الذي لم يبرز إلى الجوارح، والثاني كيفية في النفس إذ لا صوت محسوسا عادة فيها، وإنما هو صوت معنوي مخيل،

    أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق، وأما النفسي فمعناه الأول تكلم الإنسان بكلمات ذهنية، وألفاظ مخيلة يرتبها في الذهن على وجه إذا تلفظ بها بصوت محسوس كانت عين كلماته اللفظية، ومعناه الثاني هو هذه الكلمات الذهنية، والألفاظ المخيلة المرتبة ترتيبا ذهنيا منطبقا عليه الترتيب الخارجي.

    والدليل على أن للنفس كلاما بالمعنيين الكتاب والسنة فمن الآيات قوله تعالى : فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا فإن (قال) بدل من (أسر)، أو استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في ذلك الإسرار؟ فقيل: قال أنتم شر مكانا ، وعلى التقديرين، فالآية دالة على أن للنفس كلاما بالمعنى المصدري، وقولا بالمعنى الحاصل بالمصدر، وذلك من (أسر) والجملة بعدها، وقوله تعالى : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى وفسر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما أسره ابن آدم في نفسه، وقوله تعالى : واذكر ربك في نفسك وقوله تعالى : يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا أي: يقولون في أنفسهم كما هو الأسرع انسياقا إلى الذهن، والآيات في ذلك كثيرة، ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد سأله رجل فقال : (إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجرى، فقال: لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن)، فسمى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الشيء المحدث به كلاما مع أنه كلمات ذهنية، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا صارف عنها، وقوله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) الحديث، وفيه دليل على أن للعبد كلاما نفسيا بالمعنيين، وللرب أيضا كلاما نفسيا كذلك، ولكن أين التراب من رب الأرباب

    فالمعنى الأول للحق تعالى شأنه صفة أزلية منافية للآفة الباطنية التي هي بمنزلة الخرس في التكلم الإنساني اللفظي، ليس من جنس الحروف والألفاظ أصلا، وهي واحدة بالذات تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به، وحاصل الحديث من تعلق تكلمه بذكر اسمي تعلق تكلمي بذكر اسمه، والتعلق من الأمور النسبية التي لا يضر تجددها، وحدوث المتعلق إنما يلزم في التعلق التنجيزي ولا ننكره، وأما التعلق المعنوي التقديري، ومتعلقه فأزليان، ومنه ينكشف وجه صحة نسبة السكوت عن أشياء رحمة غير نسيان، كما في الحديث، إذ معناه أن تكلمه الأزلي لم يتعلق ببيانها مع تحقق اتصافه أزلا بالتكلم النفسي، وعدم هذا التعلق الخاص لا يستدعي انتفاء الكلام الأزلي كما لا يخفى.

    (والمعنى الثاني) له تعالى شأنه كلمات غيبية، وهي ألفاظ حكمية مجردة عن المواد مطلقا نسبية كانت أو خيالية أو روحانية، وتلك الكلمات أزلية مترتبة من غير تعاقب في الوضع الغيبي العلمي لا في الزمان، إذ لا زمان، والتعاقب بين الأشياء من توابع كونها زمانية، ويقربه من بعض الوجوه وقوع البصر على سطور الصفحة المشتملة على كلمات مرتبة في الوضع الكتابي دفعة، فهي مع كونها مترتبة لا تعاقب في ظهورها، فجميع معلومات الله الذي هو نور السماوات والأرض مكشوفة له أزلا، كما هي مكشوفة له فيما لا يزال، ثم تلك الكلمات الغيبية المترتبة ترتبا وضعيا أزليا يقدر بينها التعاقب فيما لا يزال، والقرآن كلام الله تعالى المنزل بهذا المعنى، فهو كلمات غيبية مجردة عن المواد، مترتبة في علمه أزلا، غير متعاقبة تحقيقا، بل تقديرا، عند تلاوة الألسنة الكونية الزمانية، ومعنى تنزيلها إظهار صورها في المواد الروحانية والخيالية والحسية من الألفاظ المسموعة والذهنية، والمكتوبة، ومن هنا

    قال السنيون: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن مسموع بالآذان، غير حال في شيء منها، وهو في جميع هذه المراتب قرآن حقيقة شرعية معلوم من الدين بالضرورة، فقولهم: (غير حال) إشارة إلى مرتبته النفسية الأزلية، فإنه من الشؤون الذاتية، ولم تفارق الذات، ولا تفارقها أبدا، ولكن الله تعالى أظهر صورها في الخيال والحس، فصارت كلمات مخيلة، وملفوظة مسموعة ومكتوبة مرئية، فظهر في تلك المظاهر من غير حلول، إذ هو فرع الانفصال، وليس فليس، فالقرآن كلامه تعالى غير مخلوق، وإن تنزل في هذه المراتب الحادثة، ولم يخرج عن كونه منسوبا إليه، أما في مرتبة الخيال فلقوله صلى الله عليه وسلم : (أغنى الناس حملة القرآن، من جعله الله تعالى في جوفه)، وأما في مرتبة اللفظ فلقوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن وأما في مرتبة الكتابة فلقوله تعالى : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ وقول الإمام أحمد : (لم يزل الله متكلما كيف شاء، وإذا شاء بلا كيف)، إشارة إلى مرتبتين، فالأول إلى كلامه في مرتبة التجلي والتنزل إلى مظهر له كقوله صلى الله عليه وسلم : (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان) الحديث، والثاني إلى مرتبة الكلام النفسي، إذ الكيف من توابع مراتب التنزلات، والكلام النفسي في مرتبة الذات مجرد عن المادة، فارتفع الكيف بارتفاعها، (فالحاصل) لم يزل الله تعالى متكلما، وموصوفا بالكلام من حيث تجلى، ومن حيث لا، فمن حيث تجليه في مظهر لكلامه كيف وإذا شاء لم يتكلم بما اقتضاه مظهر تجليه، فيكون متكلما بلا كيف كما كان، ولم يزل، والأشعري إذا حققت الحال وجدته قائلا بأن لله تعالى كلاما بمعنى التكلم، وكلاما بمعنى المتكلم به، وأنه بالمعنى الثاني لم يزل متصفا بكونه أمرا ونهيا وخبرا، فإنها أقسام المتكلم به، وأن الكلام النفسي بالمعنى الثاني حروفه غير عارضة للصوت في الحق، والخلق، غير أنها في الحق كلمات غيبية مجردة عن المواد أصلا، إذ كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره، وفي الخلق كلمات مخيلة ذهنية فهي في مادة خيالية، فكلمات الكلام النفسي في جنابه تعالى كلمات حقيقية، لكنها ألفاظ حكمية، ولا يشترط اللفظ الحقيقي في كون الكلمة حقيقية إذ قد أطلق الفاروق الكلمة على أجزاء مقالته المخيلة في خبر يوم السقيفة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالأجزاء كلمات حقيقية لغوية مع أنها ليست ألفاظا كذلك، إذ ليست حروفها عارضة لصوت، واللفظ الحقيقي ما كانت حروفه عارضة، وهو لكونه صورة اللفظ النفسي الحكمي دال عليه وهو دال في النفس على معناه بلا شبهة، وانفكاك، فيصدق على اللفظ النفسي بمعناه أنه مدلول اللفظ الحقيقي ومعناه، فتفسير المعنى النفسي المشهور عن الأشعري بمدلول اللفظ وحده كما نقله صاحب المواقف عن الجمهور لا ينافي تفسيره بمجموع اللفظ والمعنى، كما فسره هو أيضا، وذلك بأن يحمل اللفظ في قوله على النفسي، وفي قول الجمهور على الحقيقي، ولا شك حينئذ أن مجموع النفسي ومعناه من حيث المجموع يصدق عليه أنه مدلول اللفظ الحقيقي وحده، لأن اللفظ الحقيقي لكونه صورة النفسي في مرتبة تنزله دال عليه، ويدل على أن المراد المجموع قول إمام الحرمين في الإرشاد: ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس، وهو القول، أي المقول الذي يدور في الخلد، وهو اللفظ النفسي الدال على معناه بلا انفكاك، نعم، عبارة صاحب المواقف غير واضحة في المقصود وله مقالة مفردة في ذلك.

    ومحصولها كما قال السيد قدس سره: أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ لما قال الكلام النفسي هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده، وأما العبارات فإنما تسمى كلاما مجازا لدلالته على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ خاصة حادثة على مذهبه أيضا، لكنها ليست كلامه حقيقة، وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة، وكعدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمرا شاملا للفظ والمعنى جميعا، قائما بذات الله تعالى، وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير الكتابة، والقراءة، والحفظ، الحادثة، (وما يقال) من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة، فجوابه أن ذلك الترتب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفظ حادث، والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعا بين الأدلة، وهذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفا لما عليه متأخرو أصحابنا إلا أنه بعد التأمل يعرف حقيقته انتهى،

    (واعتراضه) الدواني بوجوه، قال: (أما أولا) فلأن مذهب الشيخ أن كلامه تعالى واحد، وليس بأمر ولا نهي، ولا خبر، وإنما يصير أحد هذه الأمور بحسب التعلق، وهذه الأوصاف لا تنطبق على الكلام اللفظي، وإنما يصح تطبيقه على المعنى المقابل للفظ بضرب من التكلف، (وأما ثانيا) فلأن كون الحروف والألفاظ قائمة بذاته تعالى من غير ترتب يفضي إلى كون الأصوات مع كونها أعراضا سيالة موجودة بوجود لا تكون فيه سيالة، وهو سفسطة من قبيل أن يقال: الحركة توجد في بعض الموضوعات من غير ترتب، وتعاقب بين أجزائها، (وأما ثالثا) فلأنه يؤدي إلى أن يكون الفرق بين ما يقوم بالقارئ من الألفاظ وبين ما يقوم بذاته تعالى باجتماع الأجزاء وعدم اجتماعها بسبب قصور الآلة، فنقول: هذا الفرق إن أوجب اختلاف الحقيقة فلا يكون القائم بذاته من جنس الألفاظ، وإن لم يوجب، وكان ما يقوم بالقارئ وما يقوم بذاته تعالى حقيقة واحدة، والتفاوت بينهما إنما يكون باجتماعه وعدمه اللذين هما من عوارض الحقيقة الواحدة، كان بعض صفاته الحقيقية مجانسا لصفات المخلوقات.

    (وأما رابعا) فلأن لزوم ما ذكره من المفاسد وهم، فإن تكفير من أنكر كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى إنما هو إذا اعتقد أنه من مخترعات البشر، أما إذا اعتقد أنه ليس كلام الله بمعنى أنه ليس بالحقيقة صفة قائمة بذاته بل هو دال على الصفة القائمة بذاته، لا يجوز تكفيره أصلا كيف وهو مذهب أكثر الأشاعرة ما خلا المصنف وموافقيه، وما علم من الدين من كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى حقيقة إنما هو بمعنى كونه دالا على ما هو كلام الله تعالى حقيقة لا على أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وكيف يدعي أنه من ضروريات الدين مع أنه خلاف ما نقله عن الأصحاب، وكيف يزعم أن هذا الجم الغفير من الأشاعرة أنكروا ما هو من ضروريات الدين حتى يلزم تكفيرهم حاشاهم عن ذلك، (وأما خامسا) فلأن الأدلة الدالة على النسخ لا يمكن حملها على التلفظ بل ترجع إلى الملفوظ، كيف وبعضها مما لا يتعلق النسخ بالتلفظ به كما نسخ حكمه وبقي تلاوته انتهى،

    (والجواب) أما عن الأول فهو أن الحق عز اسمه له كلام بمعنى التكلم، وكلام بمعنى المتكلم به، وما هو أمر واحد، المعنى الأول وهو صفة واحدة تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به من الكتب، والكلمات، وأنها ليست من جنس الحروف والألفاظ أصلا، لا الحقيقية ولا الحكمية، وما ذكر في الاعتراض ينطبق عليه بلا كلفة، (والدليل) على أن المنعوت بهذه الأوصاف عند الشيخ هو المعنى الأول، نقل الإمام أن الكلام الأزلي لم يزل متصفا بكونه أمرا نهيا خبرا، ولا شك أن هذه أقسام المتكلم به، وكل من كان قائلا بانقسام الثاني كان المنعوت بالوحدة ذاتا، والتعدد تعلقا، المعنى الأول عنده جمعا بين الكلامين،

    (وأما) عن الثاني فهو أن ذلك إنما يلزم إذا أريد من اللفظ الحقيقي، وأما إذا أريد النفسي الحكمي فلا ورود له، لأن الألفاظ النفسية كلها مجتمعة الأجزاء في الوجود العلمي مع كونها مترتبة كما ذكره هو نفسه، وكلام صاحب المواقف محتمل للتأويل كما تقدم، فليحمل عليه سعيا بالإصلاح مهما أمكن،

    (وأما) الثالث فهو أن الإيراد مبني على ظن أن المراد باللفظ الحقيقي مع أنه محتمل لأن يراد النفسي كما يقتضيه ظاهر تشبيهه بالقائم بنفس الحافظ،

    (وأما) الرابع فهو أن الكلام النفسي عند أهل الحق هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى، ولكن ظاهر كلام صاحب المواقف يدل على أنه فهم من ظاهر كلام بعض الأصحاب أن مرادهم بالمعنى هو المقابل للفظ مجردا عن اللفظ مطلقا، وقد سمعهم يقولون: إن الكلام اللفظي ليس كلامه تعالى حقيقة بل مجازا، فإذا انضم قولهم بنفي كونه كلاما حقيقة شرعية إلى قولهم في ظنه أن النفسي هو المعنى المقابل للفظ لزم من هذا ما هو في معنى القول بكون اللفظي من مخترعات البشر، ولا يخفى استلزامه للمفاسد، ولكن لم يريدوا بالمجاز الشرعي، فإن إطلاق كلام الله تعالى المسموع متواتر، فلا يتأتى نفيه لأحد، بل المراد أن الكلام إنما يتبادر منه ما هو وصف للمتكلم، وقائم به قياما يقتضيه حقيقة الكلام، وذات المتكلم في الحق، والخلق على الوجه اللائق بكل، وأما ما يتلى فهو حروف عارضة للصوت الحادث، ولا شك أنه ليس قائما بذاته سبحانه من حيث هو هو، بل هو صورة من صور كلامه القديم القائم به تعالى، ومظهر تنزلاته، فهو دال على الحقيقي القائم فسمي كلاما حقيقة شرعية لذلك وفيه إطلاق لاسم الحقيقة على الصورة، فيكون مجازا من هذا الوجه، وإلى هذا يشير كلام التفتازاني فلا يلزم شيء من المفاسد، واعتراض صاحب المواقف مبني على ظنه،

    (وأما الخامس) فهو أن كلام صاحب المواقف ليس نصافي أن الضمير راجع إلى التلفظ، بل يحتمل أن يكون راجعا إلى الملفوظ، وذلك أنه قال المعنى الذي في النفس لا ترتب فيه كما هو قائم بنفس الحافظ، ولا ترتب فيه، وقد مر أن المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى كما يقتضيه ظاهر التشبيه بالقائم بنفس الحافظ، ولا شك أنه لا ترتب فيه أي لا تعاقب فيه في الوجود العلمي، وحينئذ فقولهم: نعم، الترتب إنما يحصل في التلفظ معناه أن الترتب في المعنى النفسي الذي هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى إنما يحصل في التلفظ الخارجي لضرورة عدم مساعدة الآلة، فقوله : وهو الذي هو حادث أي الملفوظ بالتلفظ الخارجي الذي هو الصورة حادث لا اللفظ النفسي، وتحمل الأدلة التي تدل على الحدوث على حدوثه أي الملفوظ بالتلفظ الخارجي، وعلى هذا لا ورود للاعتراض أصلا، (ومنهم) من اعترض أيضا بأنهم اشتركوا في المعجزة أن تكون فعل الله تعالى، أو ما يقوم مقامه، كالنزول فلا يكون القرآن اللفظي الذي هو معجزة قديما صفة له تعالى، ولا يخفى أن المعجزة هو القرآن في مرتبة تنزله إلى الألفاظ الحقيقية العربية، فكونه لفظا حقيقيا عربيا مجعول بالنص فيكون معجزة بلا شبهة، والقديم على ما حقق هو القرآن اللفظي النفسي الذي هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى، وهذا واضح لمن ساعدته العناية، وقد شنع على الشيخ الأشعري في هذا المقام أقوام تشابهت قلوبهم، واتحدت أغراضهم، وإن اختلفت أساليبهم، وها أنا بحوله تعالى راد لاعتراضاتهم بعد نقلها غير هياب، ولا وكل، وإن اتسع علم أهلها، فالبعوضة قد تدمي مقلة الأسد، وفضل الله تعالى ليس مقصورا على أحد.

    (فأقول): قال تلميذ مولانا الدواني عفيف الدين الإيجي ما حاصله أن هذا الذي تدعيه الأشاعرة من أن للكلام معنى آخر يسمى النفسي باطل، فإنا إذا قلنا: زيد قائم، فهناك أربعة أشياء: (الأول) العبارة الصادرة عنه، (والثاني) مدلول هذه العبارة وما وضع له هذه الألفاظ من المعاني المقصودة بها، (الثالث) علمه بثبوت تلك النسبة وانتفائها، (الرابع) ثبوت تلك النسبة وانتفاؤها في الواقع، والأخيران ليسا كلاما اتفاقا، والأول لا يمكن أن يكون كلام الله حقيقة على مذهبهم، فبقي الثاني، وكذا نقول في الأمر والنهي ههنا ثلاثة أمور، (الأول) الإرادة والكراهة الحقيقية، (الثاني) اللفظ الصادر عنه، (الثالث) مفهوم لفظه ومعناه، والأول ليس كلاما اتفاقا، والثاني كذلك على مذهبهم، فبقي الثالث وبه صرح أكثر محققيهم، وكونه كلاما نفسيا ثابتا لله تعالى شأنه محكوما عليه بأحكام مختلفة باطل من وجوه، (الأول) أنه مخالف للعرف، واللغة، فإن الكلام فيهما ليس إلا المركب من الحروف، (الثاني) أنه لا يوافق الشرع إذ قد ورد فيما لا يحصى كتابا وسنة أن الله تعالى ينادي عباده، ولا ريب أن النداء لا يكون إلا بصوت، بل قد صرح به في الأخبار الصحيحة، وباب المجاز وإن لم يغلق بعد إلا أن حمل ما يزيد على نحو مائة ألف من الصرائح على خلاف معناه مما لا يقبله العقل السليم، (الثالث) أن ما قالوه من كون هذا المعنى النفسي واحدا يخالف العقل، فإنه لا شك أن مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي، ومدلول الخبر يخالف مدلول الإنشاء، بل مدلول أمر مخصوص غير مدلول أمر آخر، وكذا في الخبر، ولا يرتاب عاقل أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن، وسائر الكتب السماوية، فيلزم أن يكون كل واحد مشتملا على ما اشتمل عليه الآخر، وليس كذلك، وكيف يكون معنى واحد خبرا وإنشاء محتملا للتصديق والتكذيب، وغير محتمل، وهو جمع بين النفي والإثبات انتهى.

    ولا يخفى أن مبنى جميع اعتراضاته على فهمه أن مرادهم بالمعنى النفسي هو مدلول اللفظ وحده، أي المعنى المجرد عن مقارنة اللفظ مطلقا، ولو حكميا، وقد عرفت أنه ليس كذلك، بل المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى، وهو الذي يدور في الخلد، وتدل عليه العبارات كما صرح به إمام الحرمين، وعليه إذا قال القائل: زيد قائم، فهناك أربعة أشياء كما ذكر المعترض، وشيء خامس تركه، وهو المراد، وهي هذه الجملة بشرط وجودها في الذهن بألفاظ مخيلة ذهنية دالة على معانيها في النفس، وهذا يعنونه بالكلام النفسي، فلا محذور، ونقول على سبيل التفصيل

    (أما الأول) فجوابه أنه إنما تتم المخالفة إذا لم يكن عندهم مجموع اللفظ النفسي والمعنى، فحيث كان لا مخالفة لأن الكلام حينئذ مركب من الحروف إلا أنها نفسية غيبية في الحق خيالية في الخلق،

    (وأما الثاني) فجوابه أن هذا الذي لا يحصى ليس فيه سوى أن الحق سبحانه وتعالى متكلم بكلام حروفه عارضة للصوت لا أنه لا يتكلم إلا به، فلا ينتهض ما ذكر حجة على الشيخ، بل إذا أمعنت النظر رأيت ذلك حجة له، حيث بين أن الله تعالى لا يتكلم بالوحي لفظا حقيقيا إلا على طبق ما في علمه، وكلما كان كذلك كان الكلام اللفظي صورة من صور الكلام النفسي، ودليلا من أدلة ثبوتها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

    (وأما الثالث) فجوابه أن المنعوت بأنه واحد بالذات تتعدد تعلقاته هو الكلام بمعنى صفة المتكلم، ووحدته مما لا شك لعاقل فيها، وأما الكلام النفسي بمعنى المتكلم به، فليس عنده واحدا بل نص في الإبانة على انقسامه إلى الخبر والأمر والنهي في الأزل، فلا اعتراض،

    ملحوظة

    اعتراضات الدوانى التى نقلها الالوسي ذكرها فى شرح العضدية

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    نستكمل ماقاله الالوسي:

    وقال النجم سليمان الطوفي: إنما كان الكلام حقيقة في العبارة مجازا في مدلولها لوجهين: (أحدهما) أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام إنما هو العبارة، والمبادرة دليل الحقيقة، (الثاني) أن الكلام مشتق من الكلم لتأثيره في نفس السامع، والمؤثر فيها إنما هو العبارات لا المعاني النفسية بالفعل، نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل، فكانت أولى بأن تكون حقيقة، والأخرى مجازا، وقال المخالفون : استعمل لغة في النفسي والعبارة، (قلنا): نعم، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه، وبالمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع، قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة، قلنا: والأصل عدم الاشتراك، ثم أن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات، والكثرة دليل الحقيقة، وأما قوله تعالى : " يقولون في أنفسهم " فمجاز دل على المعنى النفسي بقرينة (في أنفسهم)، ولو أطلق لما فهم إلا العبارة، وأما قوله تعالى : وأسروا قولكم الآية، فلا حجة فيه، لأن الإسرار خلاف الجهر، وكلاهما عبارة عن أن يكون أرفع صوتا من الآخر، وأما بيت الأخطل، فالمشهور أن البيان، وبتقدير أن يكون الكلام، فهو مجاز عن مادته، وهو التصورات المصححة له، إذ من لم يتصور ما يقول لا يوجد كلاما، ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان، انتهى، وفيه ما لا يخفى.

    (أما أولا) فلأن ما ادعاه من التبادر إنما هو لكثرة استعماله في اللفظي لمسيس الحاجة إليه، لا لكونه الموضوع له خاصة بدليل استعماله لغة وعرفا في النفسي، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وقوله: والأصل عدم الاشتراك، قلنا : نعم، إن أردت به الاشتراك اللفظي، ونحن لا ندعيه، وإنما ندعي الاشتراك المعنوي، وذلك أن الكلام في اللغة بنقل النحويين ما يتكلم به قليلا كان أو كثيرا حقيقة أو حكما، (وأما ثانيا) فلأن ما ادعاه من أن المؤثر في نفس السامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية، الأمر فيه بالعكس، بدليل أن الإنسان إذا سمع كلاما لا يفهم معناه لا تؤثر ألفاظه في نفسه شيئا، وقد يتذكر الإنسان في حالة سروره كلاما يحزنه، وفي حالة حزنه كلاما يسره، فيتأثر بهما، ولا صوت، ولا حرف هناك، وإنما هي حروف وكلمات مخيلة نفسية، وهو الذي عناه الشيخ بالكلام النفسي، وعلى هذا فالسامع في قولهم: لتأثيره في نفس السامع، ليس بقيد، والتأثير في النفس مطلقا معتبر في وجه التسمية، (وأما ثالثا) فلأن ما قاله في قوله تعالى : " يقولون في أنفسهم " من أنه مجاز دل على المعنى النفسي فيه بقرينة " في أنفسهم " ولو أطلق لما فهم إلا العبارة، يرده قوله تعالى: يقولون بأفواههم وفي آية بألسنتهم ما ليس في قلوبهم إذ لو كان مجرد ذكر " في أنفسهم " قرينة على كون القول مجازا في النفسي لكان ذكر بأفواههم و بألسنتهم قرينة على كونه مجازا في العبارة، واللازم باطل فكذا الملزوم، نعم التقييد دليل على أن القول مشترك معنى بين النفسي واللفظي، وعين به المراد من فرديه فهو لنا لا علينا،

    (وأما رابعا) فلأن ما ذكره في قوله تعالى : " وأسروا " الآية تحكم بحت لأن السر كما قال الزمخشري : ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، ويساعده الكتاب والأثر واللغة، كما لا يخفى على المتتبع،

    (وأما خامسا) فلأن ما ذكره في بيت الأخطل خطل من وجوه، (أما أولا) فعلى تقدير أن يكون المشهور البيان بدل الكلام يكفينا في البيان لأنه إما اسم مصدر بمعنى ما يبين به، أو مصدر بمعنى التبيين، وعلى الأول هو بمعنى الكلام، ولا فرق بينهما إلا في اللفظ، وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي بمعنى المتكلم به، إن كان المراد به التبيين القلبي، أعني ترتيب القلب للكلمات الذهنية على وجه إذا عبر عنها باللسان فهم غيره ما قصده منها، (وأما ثانيا) فلأن قوله - وبتقدير أن يكون إلخ - إقرار بالكلام النفسي من غير شعور.

    (وأما ثالثا) فلأن دعوى المجاز تحكم مع كون الأصل في الإطلاق الحقيقة، (وأما رابعا) فلأن دعوى أن ذلك مبالغة من هذا الشاعر خلاف الواقع، بل هو تحقيق من غير مبالغة كما يفهم مما سلف، فما ذكره هذا الشاعر كلمة حكمة سواء نطق بها على بينة من الأمر، أو كانت منه رمية من غير رام، فإن معناه موجود في حديث أبي سعيد: (العينان دليلان والأذنان قمعان، واللسان ترجمان) إلى أن قال: (والقلب ملك فإذا صلح)، الحديث، وفي حديث أبي هريرة : (القلب ملك وله جنود) إلى أن قال: (واللسان ترجمان) الحديث، فما قيل: إن هذا الشاعر نصراني عدو الله تعالى ورسوله فيجب إطراح كلام الله تعالى ورسوله تصحيحا لكلامه، أو حمله على المجاز صيانة لكلمة هذا الشاعر عنه، وأيضا يحتاجون إلى إثبات هذا الشعر، والشهرة غير كافية، فقد فتش ابن الخشاب دواوين الأخطل العتيقة فلم يجد فيها البيت انتهى كلام أوهن وأوهى من بيت العنكبوت، وأنه لأوهن البيوت، (أما أولا) فلأن كلام هذا العدو موافق لكلام الحبيب حتى لكلام المنكرين للكلام النفسي، حيث اعترفوا به في عين إنكارهم، (وأما ثانيا) فلأنا أغنانا الله تعالى ورسوله من فضله عن إثبات هذا الشعر، (وأما ثالثا) فلأن عدم وجدان ابن الخشاب لا يدل على انتفائه بالكلية كما لا يخفى، والحاصل أن الناس أكثروا القال والقيل في حق هذا الشيخ الجليل، وكل ذلك من باب:

    وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
    نعم، البحث دقيق لا يرشد إليه إلا توفيق، كم أسهر أناسا، وأكثر وسواسا وأثار فتنة، وأورث محنة، وسجن أقواما، وأم إماما:

    مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد
    ولكن بفضل الله تعالى قد أتينا فيه بلب اللباب، وخلاصة ما ذكره الأصحاب، وقد اندفع به كثير مما أشكل على الأقوام، وخفي على أفهام ذوي الأفهام، ولا حاجة معه إلى ما قاله المولى المرحوم غنى زاده في التخلص عن هاتيك الشبه مما نصه: ثم اعلم أني بعد ما حررت البحث بعثني فرط الإنصاف إلى أنه ينبغي لذي الفطرة السليمة أن يدعي قدم اللفظ لاحتياجه إلى هذه التكلفات، وكذا كون الكلام عبارة عن المعنى القديم لركاكة توصيف الذات به، كيف ومعنى قصة نوح مثلا ليس بشيء يمكن اتصاف الذات به إلا بتمحل بعيد، فالحق الذي لا محيد عنه هو أن المعاني كلها موجودة في العلم الأزلي بوجود علمي قديم، لكن لما كان في ماهية بعضها داعية البروز في الخارج بوجود لفظي حادث حسبما يستدعيه حدوث فيما لا يزال اقتضى الذات اقتضاء أزليا إبراز ذلك البعض في الخارج بذلك الوجود الحادث، فيما لا يزال، فهذا الاقتضاء صفة للذات هو بها في الأزل، مسماة بالكلام النفسي وأثره الذي هو ظهور المعنى القديم باللفظ الحادث، إنما يكون فيما لا يزال، والمغايرة بينه وبين صفة العلم ظاهرة، وهذا هو غاية الغايات في هذا الباب، والحمد لله على ما خصني بفهمه من بين أرباب الألباب انتهى.

    وفيه أنه غاية الغايات في الجسارة على رب الأرباب، وإحداث صفة قديمة ما أنزل الله تعالى بها من كتاب، إذ لم يرد في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا روي عن صحابي ولا تابعي تسمية ذلك الاقتضاء كلاما، بل لا يقتضيه عقل، ولا نقل على أنه لا يحتاج إليه عند من أخذت العناية بيديه، هذا وإذا سمعت ما تلوناه ووعيت ما حققناه، فاسمع الآن تحقيق الحق في كيفية سماع موسى عليه السلام كلام الحق، (فأقول): الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي، والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغا لا ينبغي معه تأويل ولا يناسب في مقابلته قال وقيل، فقد قال تعالى : وناديناه من جانب الطور الأيمن ، وإذ نادى ربك موسى ، نودي من شاطئ الواد الأيمن ، إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ، نودي أن بورك من في النار ومن حولها ، واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسر النداء بالصوت بل قد ورد إثبات الصوت لله تعالى شأنه في أحاديث لا تحصى وأخبار لا تستقصى.

    روى البخاري في الصحيح: (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك أنا الديان)، ومن علم أن لله تعالى الحكيم أن يتجلى بما شاء وكيف شاء، وأنه منزه في تجليه قريب في تعاليه، لا تقيده المظاهر عند أرباب الأذواق إذ له الإطلاق الحقيقي حتى عن قيد الإطلاق، زالت عنه إشكالات واتضحت لديه متشابهات.

    ومما يدل على ثبوت التجلي في المظهر لله تعالى قول ابن عباس ترجمان القرآن في قوله تعالى : أن بورك من في النار كما في الدر المنثور يعني تبارك وتعالى نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة، وفي رواية عنه: كان الله في النور، ونودي من النور، وفي صحيح مسلم: (حجابه النور)، وفي رواية له: (حجابه النار)، ودفع الله سبحانه توهم التقييد بما ينافي التنزيه بقوله : (وسبحان الله) أي عن التقييد بالصورة والمكان والجهة، وإن ناداك منها لكونه موصوفا بصفة رب العالمين، فلا يكون ظهوره مقيدا له بل هو المنزه عن التقييد حين الظهور يا موسى إنه أي المنادي المتجلي أنا الله العزيز فلا أتقيد لعزتي، ولكني الحكيم فاقتضت حكمتي الظهور والتجلي في صورة مطلوبك، فالمسموع على هذا صوت وحرف سمعهما موسى عليه السلام من الله تعالى المتجلي بنوره في مظهر النار، لما اقتضته الحكمة، فهو عليه السلام كليم الله تعالى بلا واسطة، لكن من وراء حجاب مظهر النار، وهو عين تجلي الحق تعالى له، وأما ما شاع عن الأشعري من القول بسماع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى، فهو من باب التجويز والإمكان لا أن موسى عليه السلام سمع ذلك بالفعل إذ هو خلاف البرهان، ومما يدل على جواز سماع الكلام النفسي بطريق خرق العادة قوله تعالى في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) الحديث، ومن الواضح أن الله تبارك وتعالى إذا كان بتجليه النوري المتعلق بالحروف غيبية كانت أو خيالية أو حسية سمع العبد على الوجه اللائق المجامع لـ ليس كمثله شيء عند من يتحقق معنى الإطلاق الحقيقي صح أن يتعلق سمع العبد بكلام ليس حروفه عارضة لصوت لأنه بالله يسمع إذ ذاك، والله سبحانه يسمع السر والنجوى.

    والإمام الماتريدي أيضا يجوز سماع ما ليس بصوت على وجه خرق العادة كما يدل عليه كلام صاحب التبصرة في كتاب التوحيد، فما نقله ابن الهمام عنه من القول بالاستحالة فمراده الاستحالة العادية فلا خلاف بين الشيخين عند التحقيق، ومعنى قول الأشعري أن كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تال، وقراءة كل قارئ أن المسموع أولا وبالذات عند التلاوة إنما هو الكلام اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت القارئ بلا شك، لكن الكلمات اللفظية صور الكلمات الغيبية القائمة بذات الحق، فالكلام النفسي مسموع بعين سماع الكلام اللفظي لأنه صورته لا من حيث الكلمات الغيبية، فإنها لا تسمع إلا على طريق خرق العادة، (وقول) الباقلاني: إنما تسمع التلاوة دون المتلو، والقراءة دون المقروء، يمكن حمله على أنه أراد إنما يسمع أولا، وبالذات التلاوة أي المتلو اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت التالي لا النفسي الذي حروفه غيبية مجردة عن المواد الحسية والخيالية فلا نزاع في التحقيق أيضا.

    والفرق بين سماع موسى عليه السلام كلام الله تعالى، وسماعنا له على هذا أن موسى عليه السلام سمع من الله عز وجل بلا واسطة، لكن من وراء حجاب، ونحن إنما نسمعه من العبد التالي بعين سماع الكلام اللفظي المتلو بلسانه العارض حروفه لصوته، لا من الله تعالى من وراء حجاب العبد، فلا يكون سماعا من الله تعالى بلا واسطة، وهذا واضح عند من له قدم راسخة في العرفان، وظاهر عند من قال بالمظاهر مع تنزيه الملك الديان، وأنت إذا أمعنت النظر في قول أهل السنة : القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق، وهو مقروء بألسنتنا، مسموع بآذاننا، محفوظ في صدورنا، مكتوب في مصاحفنا، غير حال في شيء منها، رأيته قولا بالمظاهر، ودالا على أن تنزل القرآن القديم القائم بذات الله تعالى فيها غير قادح في قدمه لكونه غير حال في شيء منها، مع كون كل منها قرآنا حقيقة شرعية بلا شبهة، وهذا عين الدليل على أن تجلي القديم في مظهر حادث لا ينافي قدمه وتنزيهه، وليس من باب الحلول ولا التجسيم، ولا قيام الحوادث بالقديم، ولا ما يشاكل ذاك من شبهات تعرض لمن لا رسوخ له في هاتيك المسالك، وعنه يظهر معنى ظهور القرآن في صورة الرجل الشاحب يلقى صاحبه حين ينشق عنه القبر، وظهوره خصما لمن حمله فخالف أمره، وخصما دون من حمله فحفظ الأمر، بل من أحاط خبرا بأطراف ما ذكرناه، وطاف فكره المتجرد عن مخبط الهوى في كعبة حرم ما حققناه، اندفع عنه كل إشكال في هذا الباب، ورأى أن تشنيع ابن تيمية، وابن القيم، وابن قدامة، وابن قاضي الجبل، والطوفي، وأبي نصر وأمثالهم صرير باب، أو طنين ذباب، وهم وإن كانوا فضلاء محققين، وأجلاء مدققين لكنهم كثيرا ما انحرفت أفكارهم، واختلطت أنظارهم، فوقعوا في علماء الأمة، وأكابر الأئمة، وبالغوا في التعنيف، والتشنيع، وتجاوزوا في التسخيف، والتفظيع، ولولا الخروج عن الصدد لوفيتهم الكيل صاعا بصاع، ولتقدمت إليهم بما قدموا باعا بباع، ولعلمتهم كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء، ولعرفتهم إلام ينتهي المراء بلا مراء.

    فلي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
    فمن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج
    على أن العفو أقرب للتقوى، والإغضاء مبنى الفتوة، وعليه الفتوى، والسادة الذين تكلم فيهم هؤلاء إذا مروا باللغو مروا كراما، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وحيث تحرر الكلام في الكلام على مذهب أهل السنة، واندفع عنه بفضل الله تعالى كل محنة ومهنة، فلا بأس بأن نحكي بعض الأقوال كما حكى الله تعالى كثيرا من أقوال ذوي الضلال، وبعد أن رسخ الحق في قلبك، وتغلغل في سويدائه كلام ربك لا أخشى عليك من سماع باطل لا يزيدك إلا حقا، وكاذب لا يورثك إلا صدقا، (فنقول): أما المعتزلة فاتفقوا كافة على أن معنى كونه تعالى متكلما أنه خالق الكلام على وجه لا يعود إليه منه صفة حقيقية كما لا يعود إليه من خلق الأجسام وغيرها صفة حقيقية، واتفقوا أيضا على أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات، وأنه محدث مخلوق، ثم اختلفوا، فذهب الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أنه حادث في محل، ثم زعم الجبائي أن الله تعالى يحدث عند قراءة كل قارئ كلاما لنفسه في محل القراءة، وخالفه الباقون، وذهب أبو الهذيل بن العلاف وأصحابه إلى أن بعضه في محل وهو قوله: كن، وبعضه لا في محل كالأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، وذهب الحسن بن محمد النجار إلى أن كلام الباري إذا قرئ فهو عرض، وإذا كتب فهو جسم، وذهبت الإمامية، والخوارج والحشوية إلى أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات، ثم اختلف هؤلاء، فذهب الحشوية إلى أنه قديم، أزلي قائم بذات الرب تعالى، لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام البشر، وبعضهم قال: لا بل الحرف حرفان، والصوت صوتان، قديم وحادث، والقديم منهما ليس من جنس الحادث، وأما الكرامية فقالوا: إن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم، وقد يطلق على الأقوال والعبارات، وعلى كلا التقديرين فهو قائم بذات الله تعالى، لكن إن كان بالاعتبار الأول فهو قديم متحد لا كثرة فيه، وإن كان بالاعتبار الثاني فهو حادث متكثر، وأما الواقفية فقد أجمعوا على أن كلام الرب تعالى كائن بعد أن لم يكن، لكن منهم من توقف في إطلاق اسم القديم والمخلوق عليه، ومنهم من توقف في إطلاق اسم المخلوق، وأطلق اسم الحادث، ومن القائلين بالحدوث من قال: ليس جوهرا، ولا عرضا، وذهب بعض المعترفين بالصانع إلى أنه لا يوصف بكونه متكلما لا بكلام، ولا بغير كلام، والذي أوقع الناس في حيص بيص أنهم رأوا قياسين متعارضي النتيجة، وهما كلام الله تعالى صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم، فكلام الله تعالى قديم، وكلام الله تعالى مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما هو كذلك فهو حادث، فكلام الله تعالى حادث، فقوم ذهبوا إلى أن كلامه تعالى حروف وأصوات، وهي قديمة، ومنعوا أن كل ما هو مؤلف من حروف وأصوات فهو حادث، ونسب إليهم أشياء هم برآء منها، وآخرون قالوا بحدوث كلامه تعالى، وأنه مؤلف من أصوات وحروف، وهو قائم بغيره، ومعنى كونه متكلما عندهم أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في جسم كاللوح، أو ملك كجبريل، أو غير ذلك فهم منعوا أن المؤلف من الحروف والأصوات صفة الله تعالى، وأناس لما رأوا مخالفة الأولين للضرورة الظاهرة التي هي أشنع من مخالفة الدليل، ومخالفة الآخرين فيما ذهبوا إليه للعرف واللغة، ذهبوا إلى أن كلامه تعالى صفة له، مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى، فهم منعوا أن كل ما هو صفة له تعالى فهو قديم، وجمع قالوا : كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته تعالى، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات، وكثر في حقهم القال والقيل والنزاع الطويل، وبعضهم تحير، فوقف وحبس ذهنه في مسجد الدهشة، واعتكف، وعندي القياسان صحيحان والنتيجتان صادقتان، ولكل مقام مقال، ولكل كلام أحوال، ولا أظنك تحوجني إلى التفصيل بعد ما وعاه فكرك الجميل، بل ولا تكلفني رد هذه الأقوال الشنيعة التي هي لديك، إذا أخذت العناية بيديك كسراب بقيعة، فليطر شحرور القلم إلى روضة أخرى، وليغرد بها بفائدة لعلها أولى من الإطالة وأحرى، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب، لا رب غيره.

    ملحوظة

    سيضح مذهب اهل السنة اكثر عند رحلتنا مع التفسير ولكن نقلت ماذكره الالوسي كمقدمة للرحلة مع كتاب الله وان كان بعض ماذكره الالوسي يحتاج لمناقشات طويلة وعميقة يدركها المتعمق فى امهات كتب اهل السنة الاشاعرة

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    سورة الفاتحة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال الرازى

    المسألة الأولى : قالت الحشوية والكرامية والأشعرية : الاسم نفس المسمى وغير التسمية وقالت المعتزلة : الاسم غير المسمى ونفس التسمية ، والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية . ...

    المسألة الثالثة : في ذكر الدلائل الدالة على أن الاسم لا يجوز أن يكون هو المسمى ، وفيه وجوه :

    الأول : أن الاسم قد يكون موجودا مع كون المسمى معدوما ، فإن قولنا " المعدوم منفي " معناه سلب لا ثبوت له ، والألفاظ موجودة مع أن المسمى بها عدم محض ونفي صرف ، وأيضا قد يكون المسمى موجودا والاسم معدوما مثل الحقائق التي ما وضعوا لها أسماء معينة ، وبالجملة فثبوت كل واحد منهما حال عدم الآخر معلوم مقرر وذلك يوجب المغايرة .

    الثاني : أن الأسماء تكون كثيرة مع كون المسمى واحدا كالأسماء المترادفة ، وقد يكون الاسم واحدا والمسميات كثيرة كالأسماء المشتركة ، وذلك أيضا يوجب المغايرة .

    الثالث : أن كون الاسم اسما للمسمى وكون المسمى بالاسم من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية ، وأحد المضافين مغاير للآخر ولقائل أن يقول : يشكل هذا بكون الشيء عالما بنفسه .

    الرابع : الاسم أصوات مقطعة وضعت لتعريف المسميات ، وتلك الأصوات أعراض غير باقية ، والمسمى قد يكون باقيا ، بل يكون واجب الوجود لذاته .

    الخامس : أنا إذا تلفظنا بالنار والثلج فهذان اللفظان موجودان في ألسنتنا ، فلو كان الاسم نفس المسمى لزم أن يحصل في ألسنتنا النار والثلج ، وذلك لا يقوله عاقل .

    السادس : قوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) [ الأعراف : 180 ] وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما " فههنا الأسماء كثيرة والمسمى واحد ، وهو الله عز وجل .

    السابع : أن قوله تعالى : " بسم الله " وقوله : ( تبارك اسم ربك ) [ الرحمن : 78 ] ففي هذه الآيات يقتضي إضافة الاسم إلى الله تعالى وإضافة الشيء إلى نفسه محال .

    الثامن : أنا ندرك تفرقة ضرورية بين قولنا اسم الله ، وبين قولنا اسم الاسم وبين قولنا الله الله ، وهذا يدل على أن الاسم غير المسمى .

    التاسع : أنا نصف الأسماء بكونها عربية وفارسية فنقول : الله اسم عربي ، وخداي اسم فارسي ، وأما ذات الله تعالى فمنزه عن كونه كذلك .

    العاشر : قال الله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) [ الأعراف : 180 ] أمرنا بأن ندعو الله بأسمائه فالاسم آلة الدعاء ، والمدعو هو الله تعالى ، والمغايرة بين ذات المدعو وبين اللفظ الذي يحصل به الدعاء معلوم بالضرورة .

    واحتج من قال : الاسم هو المسمى بالنص ، والحكم ، أما النص فقوله تعالى : ( تبارك اسم ربك ) [ الرحمن : 78 ] والمتبارك المتعالي هو الله تعالى لا الصوت ولا الحرف ، وأما الحكم فهو أن الرجل إذا قال : زينب طالق ، وكان زينب اسما لامرأته وقع عليها الطلاق ، ولو كان الاسم غير المسمى لكان قد أوقع الطلاق على غير تلك المرأة ، فكان يجب أن لا يقع الطلاق عليها .

    والجواب عن الأول أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : كما أنه يجب علينا أن نعتقد كونه تعالى منزها عن النقائص والآفات ، فكذلك يجب علينا تنزيه الألفاظ الموضوعة لتعريف ذات الله تعالى وصفاته عن العبث والرفث وسوء الأدب .

    وعن الثاني أن قولنا : زينب طالق معناه أن الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق ، فلهذا السبب وقع الطلاق عليها .

    المسألة الرابعة : التسمية عندنا غير الاسم والدليل عليه أن التسمية عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة ، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته ، وأما الاسم فهو عبارة عن تلك اللفظة المعينة . والفرق بينهما معلوم بالضرورة .

    ملحوظة

    هناك ايات فى الاستدلال لم يذكرها الرازى نذكرها عندما نأتى اليها باذن الله

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    مازلنا مع البسملة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    هل الرحمة صفة ذات ام فعل؟

    انظر الصورة

    حاشية الشنوانى

    Screenshot_2017-04-28-18-50-29.png

    الصاوى

    20170428_191809.png

    وقال الحلبي:

    الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة، وقيل: الرحمنُ ليس مشتقاً لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم:
    { وَمَا ظ±لرَّحْمَـظ°نُ }
    [الفرقان: 60] وأجاب ابن العربي عنه بأنهم جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ الرحمن؟ وقد تَبِعا موصوفَهما في/ الأربعةِ من العشرة المذكورة.

    وذهب الأعلمُ الشنتمريُّ إلى أن " الرحمن " بدلٌ من اسمِ الله لا نعتٌ له، وذلك مبنيٌّ على مذهبه من أنَّ الرحمن عنده عَلَمٌ بالغلَبة. واستدَلَّ على ذلك بأنه قد جاء غيرَ تابعٍ لموصوفٍ، كقوله تعالى:
    { ظ±لرَّحْمَـظ°نُ عَلَّمَ ظ±لْقُرْآنَ }
    [الرحمن: 1-2]
    { ظ±لرَّحْمَـظ°نُ عَلَى ظ±لْعَرْشِ ظ±سْتَوَىظ° }
    [طه: 5]. وقد رَدَّ عليه السُّهيلي بأنه لو كان بدلاً لكان مبيَّناً لِما قبله، وما قبله - وهو الجلالة - لا يفتقرُ إلى تبيين لأنها أعرفُ الأعلامِ، ألا تراهم قالوا:
    { وَمَا ظ±لرَّحْمَـظ°نُ }
    [الفرقان: 60] ولم يقولوا: وما اللهُ. انتهى. أمَّا قوله: " جاء غيرَ تابع " فذلك لا يمنعُ كونَه صفةً، لأنه إذا عُلم الموصوفُ جاز حَذْفُه وبقاءُ صفتِه، كقولِه تعالى:
    { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ وَظ±لدَّوَآبِّ وَظ±لأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ }
    [فاطر: 28] أي نوع مختلف، وكقول الشاعر:
    30ـ كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوْهِنَها فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ
    أي: كوعلٍ ناطح، وهو كثير.

    والرحمة لغةً: الرقةُ والانعطافُ، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي الابطنُ لانعطافِها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفُه تعالى بالرحمة مجازاً عن إنعامِه على عبادِه كالمَلِك إذا عَطَف على رعيَّته أصابَهم خيرُه. هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري. ويكونُ على هذا التقدير صفةَ فعلٍ لا صفةَ ذاتٍ، وقيل: الرحمة إرادةُ الخيرِ لمَنْْ أرادَ اللهُ به ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةٌ، وهي حينئذ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ.

    وقيل: الرحمة رِقَّةٌ تقتضي الإِحسانَ إلى المرحومِ، وقد تُستعملُ تارةً في الرقة المجردة وتارةً في الإِحسان المجرَّد، وإذا وُصِف به الباري تعالى فليس يُراد به إلا الإِحسانُ المجردُ دونَ الرقةِ، وعلى هذا رُوي: " الرحمةُ من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميين رقةٌ وتعطُّف ".

    [وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " وهما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر أي: أكثرُ رحمة ". قال الخطَّابي: وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الرقة] لا مَدْخَلَ لها في صفاتهِ. وقال الحسين بن الفضل: " هذا وَهْمٌ من الراوي، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أَرْفَقُ من الآخر والرفق من صفاته " وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعْطي على العنف " ، ويؤيِّده الحديثُ، وأمَّا الرحيمُ فالرفيق بالمؤمنين خاصة.

    واختلف أهلُ العلمِ في " الرحمن الرحيم " بالنسبة إلى كونِهما بمعنىً واحدٍ أو مختلفين.

    ملحوظة

    هناك بعض الايات ترجح كونها صفة ذات ام فعل نذكرها حين نأتى اليها باذن الله

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    { مَـظ°لِكِ يَوْمِ ظ±لدِّينِ }

    قال الماتريدى

    وفي الآية دلالة وصف الرب بملكِ ما ليس بموجود لوقت الوصفِ بملكه، وهو يوم القيامة.

    ثبت أن الله بجميع ما يستحق الوصف به يستحقه بنفسه لا بغيره.

    ولذلك قلنا نحن: هو خالق لم يزل، ورحيم لم يزل، وجواد لم يزل، وسميع لم يزل - وإن كان ما عليه وقع ذلك لم يكن - وكذلك نقول: هو رب كل شيء، وإله كل شيء في الأزل - وإن كانت الأَشياء حادثة - كما قال: { مَـظ°لِكِ يَوْمِ ظ±لدِّينِ } وإن كان اليومُ بعدُ غير حادثٍ. وبالله التوفيق.

    ملحوظة

    اعلم اخى الحبيب ان صفات الافعال قديمة عند الماتريدية لانها راجعة ومن تعلقات صفة التكوين القديمة وجعلوا تعلقات القدرة الحادثة عند الاشاعرة التى هى صفات الافعال راجعة لصفة التكوين لا القدرة فالقدرة عند الماتريدية لتهيئة الممكن لا ايجاده او بمعنى اخر

    الماتريدية جعلوا للقدرة تعلق واحد هو الصلوحى وهى للتهيئة لا الايجاد اما التعلق التنجيزى فارجعوه لصفة التكوين فالايجاد عندهم بصفة التكوين القديمة لا القدرة فصفات الافعال عندهم راجعة لصفة التكوين

    ومن هنا افهم قولهم له صفة الخلق ولا مخلوق كما ذكر الطحاوى فى عقيدته المشهورة لان صفات الافعال عندهم راجعة لصفة التكوين القديمة

    اما صفات الافعال عند الاشاعرة فهى حادثة لانها تعلقات تنجيزية حادثة لصفة القدرة القديمة فالايجاد عندهم بصفة القدرة فلا فرق بين التهيئة والايجاد عندهم كما قال الماتريدية فالتكوين غير المكون عند الماتريدية وهو نفسه عند الاشاعرة لذلك قالوا بحدوث صفات الافعال

    قال الرازى فى مباحث البسملة


    وهي أن التكوين هل هو نفس المكون أم لا ؟ قالت*المعتزلةوالأشعرية*: التكوين نفس المكون ، وقال آخرون إنه غيره ، واحتج النفاة بوجوه : -

    الحجة الأولى : أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة أو على سبيل الوجوب ، فإن كان الأول فتلك الصفة هي القدرة لا غير ، وإن كان الثاني لزم كونه تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار .

    الحجة الثانية : أن تلك الصفة المسماة بالتكوين إن كانت قديمة لزم من قدمها الآثار وإن كانت محدثة افتقر تكوينها إلى تكوين آخر ولزم التسلسل .

    الحجة الثالثة : أن الصفة المسماة بالقدرة إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة أو ليس لها هذه الصلاحية ، فإن كان الأول فحينئذ تكون القدرة كافية في خروج الأثر من العدم إلى الوجود ، وإلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إثبات صفة أخرى ، وإن كان الثاني فحينئذ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير ، فوجب أن لا تكون القدرة قدرة ، وذلك يوجب التناقض .

    واحتج مثبتو قدم الصفة بأن القادر على الفعل قد يوجده وقد لا يوجده ، ألا ترى أن الله تعالى قادر على خلق ألف شمس وقمر على هذه السماء إلا أنه ما أوجده ، وصحة هذا النفي والإثبات يدل على أن المعقول من كونه موجدا مغاير للمعقول من كونه قادرا ، ثم نقول : كونه موجدا إما أن يكون معناه دخول الأثر في الوجود أو يكون أمرا زائدا ، والأول باطل لأنا نعلل دخول هذا الأثر في الوجود بكون الفاعل موجدا له ، ألا ترى أنه إذا قيل : لم وجد العالم ؟ قلنا : لأجل أن الله أوجده ، فلو كان كون الموجد موجدا له معناه نفس هذا الأثر لكان تعليل وجود الأثر بالموجدية يقتضي تعليل وجوده نفسه ، ولو كان معللا بنفسه لامتنع إسناده إلى الغير ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر يقتضي نفي الموجدية ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر كلام باطل ، فوجب أن يكون كون الموجد موجدا أمرا مغايرا لكون الفاعل قادرا لوجود الأثر ، فثبت أن التكوين غير المكون .

    إذا عرفت هذا الأصل فنقول : القائلون بأن التكوين نفس المكون قالوا : معنى كونه تعالى خالقا رازقا محييا مميتا ضارا نافعا عبارة عن نسبة مخصوصة وإضافة مخصوصة ، وهي تأثير قدرة الله تعالى في حصول هذه الأشياء ، وأما القائلون بأن التكوين غير المكون ، فقالوا معنى كونه خالقا رازقا ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط ، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية ....انتهى

    والنقاش فى مسألة التكوين طويل وعميق اخى الحبيب عند الماتريدية ليس هنا محل بسطه فعليك بكتب المتكلمين

    وسيأتى لها بسط باذن الله فى ايات اخرى

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } * { ظ±هْدِنَا ظ±لصِّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ }

    قال القرطبي

    الحادية والثلاثون: في هذه الآية ردّ على القَدَرية والمعتزلة والإمامية، لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعةً كانت أو معصيةً؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه؛ وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم؛ فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة؛ وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه؛ وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا: { صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ظ±لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ظ±لضَّآلِّينَ }.

    فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألاّ يُضلّهم، وكذلك يدعون فيقولون:
    { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }
    [آل عمران: 8] الآية.


    قال الماتريدى

    ويحتمل أن يكون هو على أثر الفزع إلى الله بقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } على طلب التوفيقِ لما أَمر به، والعصمة عما حذَّره عنه، وكذلك الأَمر البيّن في الخلق من طلب التوفيق، والمعونة من الله، والعصمةِ عن المنهي عنه جرت به سنة الأَخيار. والله الموفق.

    ثم لا يصلح هذا على قول المعتزلة؛ لأن تلك المعونةَ على أَداءِ ما كلف قد أَعطى؛ إذ هو على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفاً قد بقي شيء - مما به أَداءُ ما كلف - عند الله، وطلبُ ما أُعْطِي كتمانُ العطيةِ، وكتمانُ العطيةِ كفرانٌ؛ فيصير كأَنَّ الله أَمر أَن يَكْفُر نعمَهُ ويكتمها ويطلبها منه تعنتاً.

    وظنُّ مثله بالله كفرٌ.

    ثم لا يخلو من أَن يكون عند الله ما يُطْلب لم يُعطه التمام إذاً، أَوْ ليس عندهُ فيكون طلبه استهزاءً به، إذ مَنْ طَلَب إلى آخَرَ مَا يَعْلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف، مع ما كان الذي يُطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف فيبطل قولهم؛ إذ لا يجوز أَن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطى، أَوْ ليس له أَلا يعطى فكأَنه قال: اللهم لا تَجُرْ.

    وَمَنْ هذا عِلْمهُ بربه فالإسلام أَولى به، وهذا مع ما كان لا يدعو الله أَحدٌ بالمعونة إلا ويطمئن قلبهُ أَنه لا يذل عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثلهُ يملك الله عند المعتزلة. ولا قوة إلا بالله.

    وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خبر القسمة: " الله يقول: هذا بَيْني وبينَ عبْدي نِصْفين ".

    وذلك يحتمل: أن يكون كل حرف من ذلك بما فيها جميعاً الفزعُ إلى الله بالعبادة، والاستعانة ورفع الحاجة إليه، وإظهار غناه - جل وعلا - عنه؛ فيتضمن ذلك الثناء عليه، وطلب الحاجة إليه.

    ويحتمل: أن يكون الحرفُ الأَول لله بما فيه عبادتُه وتوحيدهُ، والثاني للعبد بما فيه طلبُ معونته وقضاءُ حاجته.

    ويؤيد ذلك بقية السورة أنه أُخرج على الدعاء فقال الله - عز وجل -: " هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل ".

    وقوله: { ظ±هْدِنَا }.

    قال ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: أرْشِدْنا.

    والإرشاد، والهداية واحد، بل الهدايةُ في حق التوفيق أقربُ إلى فهم الخلق من الإرشاد بما هي أعم في تعارفهم.

    ثم القول بالهداية يُخرَّج على وجوهٍ ثلاثة:

    أحدها: البيانُ. ومعلومٌ أن البيانَ قد تقدم من الله لا أحد يريد به ذلك لمضى ما به البيان من كتابٍ وسنةٍ، وإلى هذا تذهب المعتزلة.

    والثاني: التوفيقُ له، والعصمةُ عن زيغة. وذلك معنى قوله: " اللهمَّ اهْدِنَا فيمَنْ هَدَيْتَ " ، وقوله: { ظ±هْدِنَا ظ±لصِّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ } وصَفَهم إلى آخر السورة، ولو كان على البيان على ما قالت المعتزلة فهو والمغضوب عليهم في ذلك سواء، فثبت أَنه على ما قلنا دون ما ذهبوا إليه.

    والثالث: أَن يكون على طلب خلق الهداية لنا؛ إذ نسب إليه من جهة الفعل، وكل ما يفعله خلق؛ كأَنه قال: اخلُق لنا هدايتنا، وهو الاهتداءُ منا. وبالله التوفيق.

    ثم تأويل طلب الهداية، ممن قد هداه الله يتوجه وجهين:

    أحدهما: طلب الثبات على ما هداه الله، وعلى هذا معنى زيادات الإيمان، أنها بمعنى الثبات عليه، وذلك كرجلين ينظران إلى شيء فيرفع أَحدهما بصره عنه، جائز القول بازدياد نظر الآخر.

    ووجه آخر: على أن في كل حال يخاف على المرءِ ضد الهدى، فيهديه مكانه أبداً فيكون له حكم الاهتداءِ؛ إذْ في كل وقت إيمانٌ منه دفع به ضده.

    وعلى ذلك قوله:
    { يَا أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِظ±للَّهِ... }
    الآية [النساء: 136] ونحو ذلك من الآيات.

    ملحوظة

    سيأتى الحديث ان شاء الله عن الهداية وانواعها فى الايات التى تخصها واستدلالات اهل السنة والمعتزلة

    وقال الطبري

    وفـي أمر الله جل ثناؤه عبـاده أن يقولوا: { إيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } بـمعنى مسألتهم إياه الـمعونة علـى العبـادة أدل الدلـيـل علـى فساد قول القائلـين بـالتفويض من أهل القدر، الذين أحلوا أن يأمر الله أحداً من عبـيده بأمر أو يكلفه فرض عمل إلا بعد إعطائه الـمعونة علـى فعله وعلـى تركه.

    ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا لبطلت الرغبة إلـى الله فـي الـمعونة علـى طاعته، إذ كان علـى قولهم مع وجود الأمر والنهي والتكلـيف حقاً واجبـاً علـى الله للعبد إعطاؤه الـمعونة علـيه، سأله عبده ذلك أو ترك مسألة ذلك بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور. ولو كان الأمر فـي ذلك علـى ما قالوا، لكن القائل: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ } إنـما يسأل ربه أن لا يجور. وفـي إجماع أهل الإسلام جميعاً علـى تصويب قول القائل: اللهم إنا نستعينك وتـخطئتهم قول القائل: اللهم لا تـجر علـينا، دلـيـل واضح علـى خطأ ما قال الذين وصفت قولهم، إذْ كان تأويـل قول القائل عندهم: اللهم إنا نستعينك، اللهم لا تترك معونتنا التـي تَرْكُهَا جور منك....

    وفـي فساد وجه مسألة العبد ربه ذلك ما يوضح عن أن معنى: { ظ±هْدِنَا ظ±لصِّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ } غير معنى بـين لنا فرائضك وحدودك، أو يكون ظن أنه أمر بـمسألة ربه الزيادة فـي الـمعونة والتوفـيق. فإن كان ذلك كذلك، فلن تـخـلو مسألته تلك الزيادة من أن تكون مسألة للزيادة فـي الـمعونة علـى ما قد مضى من عمله، أو علـى ما يحدث. وفـي ارتفـاع حاجة العبد إلـى الـمعونة علـى ما قد تَقَضَّى من عمله ما يعلـم أن معنى مسألة تلك الزيادة إنـما هو مسألته الزيادة لـما يحدث من عمله. وإذا كان ذلك كذلك صار الأمر إلـى ما وصفنا وقلنا فـي ذلك من أنه مسألة العبد ربه التوفـيق لأداء ما كلف من فرائضه فـيـما يستقبل من عمره. وفـي صحة ذلك فساد قول أهل القدر الزاعمين أن كل مأمور بأمر أو مكلف فرضاً، فقد أعطي من الـمعونة علـيه ما قد ارتفعت معه فـي ذلك الفرض حاجته إلـى ربه لأنه لو كان الأمر علـى ما قالوا فـي ذلك لبطل معنى قول الله جل ثناؤه: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ظ±هْدِنَا ظ±لصِّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ } وفـي صحة معنى ذلك علـى ما بـينا فسادُ قولهم.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    { صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ظ±لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ظ±لضَّآلِّينَ }

    قال القرطبي

    ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات، وإرادة الله تعالى من صفات ذاته؛ أو نفس العقوبة، ومنه الحديث: " إن الصدقة لتطفىء غضب الرب " فهو صفة فعل.

    وقال الطبري

    وقد ظن بعض أهل الغبـاء من القدرية أن فـي وصف الله جل ثناؤه النصارى بـالضلال بقوله: { وَلا الضالِّـين } وإضافته الضلال إلـيهم دون إضافة إضلالهم إلـى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم الـمضللون كالذي وصف به الـيهود أنهم الـمغضوب علـيهم، دلالةً علـى صحة ما قاله إخوانه من جَهَلَةِ القدرية جهلاً منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه


    ولو كان الأمر علـى ما ظنه الغبـيّ الذي وصفنا شأنه لوجب أن يكون شأن كل موصوف بصفة أو مضاف إلـيه فعل لا يجوز أن يكون فـيه سبب لغيره، وأن يكون كل ما كان فـيه من ذلك لغيره سبب فـالـحق فـيه أن يكون مضافـاً إلـى مسببه، ولو وجب ذلك لوجب أن يكون خطأ قول القائل: «تـحركت الشجرةُ» إذا حركتها الرياح، و«اضطربت الأرضُ» إذا حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب.

    وفـي قول الله جل ثناؤه:
    { حَتَّىظ° إِذَا كُنتُمْ فِي ظ±لْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }
    [يونس: 22] بإضافته الـجري إلـى الفلك، وإن كان جَرْيُها بإجراء غيرها إياها، ما يدل علـى خطأ التأويـل الذي تأوله من وصفنا قوله فـي قوله: { وَلاَ ظ±لضَّآلِّينَ } ، وادعائه أن فـي نسبة الله جل ثناؤه الضلالةَ إلـى من نسبها إلـيه من النصارى تصحيحاً لـما ادعى الـمنكرون أن يكون لله جل ثناؤه فـي أفعال خـلقه سببٌ من أجله وُجدت أفعالهم، مع إبـانة الله عز ذكره نصّاً فـي آي كثـيرة من تنزيـله أنه الـمضلّ الهادي فمن ذلك قوله جل ثناؤه:
    { أَفَرَأَيْتَ مَنِ ظ±تَّخَذَ إِلَـظ°هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ظ±للَّهُ عَلَىظ° عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىظ° سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىظ° بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ظ±للَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }
    [الجاثية: 23] فأنبأ جل ذكره أنه الـمضلّ الهادي دون غيره.

    ولكن القرآن نزل بلسان العرب، علـى ما قد قدمنا البـيان عنه فـي أول الكتاب. ومن شأن العرب إضافة الفعل إلـى من وُجد منه، وإن كان مسببه غير الذي وجد منه أحياناً، وأحياناً إلـى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيرُه. فكيف بـالفعل الذي يكتسبه العبد كسبـاً ويوجده الله جل ثناؤه عينا مُنْشأةً؟ بل ذلك أحرى أن يضاف إلـى مكتسبه كسبـاً له بـالقوة منه علـيه والاختـيار منه له، وإلـى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبـيراً.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    مناظرة بين اهل السنة والمعتزلة فى الاستعاذة

    اعلم اخى الحبيب ان المعتزلة لم يتركوا أيه فى كتاب الله يمكن ان يستدلوا بها علي مذهبهم الا وتكلموا فيها وفى الحقيقة رغم بدعتهم فتحوا لاهل السنة افاق واسعة فى التفكر فى الايات والرد عليهم فادى ذلك الي تعمق اكثر من اهل السنة فى فهم كتاب الله

    قال الرازى فى مقدمة تفسيره

    مذهب الجبرية في الاستعاذة

    المسألة الثالثة في أن الاستعاذة كيف تصح على مذهب أهل الجبر ومذهب القدرية

    قالت المعتزلة قوله أعوذ بالله يبطل القول بالجبر من وجوه ـ

    الأول أن قوله أعوذ بالله اعتراف بكون العبد فاعلاً لتلك الاستعاذة، ولو كان خالق الأعمال هو الله تعالى لامتنع كون العبد فاعلاً لأن تحصيل الحاصل محال، وأيضاً فإذا خلقه الله في العبد امتنع دفعه، وإذا لم يخلقه الله فيه امتنع تحصيله. فثبت أن قوله أعوذ بالله اعتراف بكون العبد موجداً لأفعال نفسه.

    والثاني أن الاستعاذة إنما تحسن من الله تعالى إذا لم يكن الله تعالى خالقاً للأمور التي منها يستعاذ.

    أما إذا كان الفاعل لها هو الله تعالى امتنع أن يستعاذ بالله منها لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد استعاذ بالله من الله في عين ما يفعله الله.

    والثالث أن الاستعاذة بالله من المعاصي، تدل على أن العبد غير راضٍ بها، ولو كانت المعاصي تحصل بتخليق الله تعالى وقضائه وحكمه وجب على العبد كونه راضياً بها لما ثبت بالإجماع / أن الرضا بقضاء الله واجب.

    والرابع أن الاستعاذة بالله من الشيطان إنما تعقل وتحسن لو كانت تلك الوسوسة فعلاً للشيطان، أما إذا كانت فعلاً لله ولم يكن للشيطان في وجودها أثر البتة فكيف يستعاذ من شر الشيطان، بل الواجب أن يستعاذ على هذا التقدير من شر الله تعالى، لأنه لا شر إلا من قبله.

    الخامس أن الشيطان يقول إذا كنت ما فعلت شيئاً أصلاً وأنت يا إله الخلق علمت صدور الوسوسة عني ولا قدرة لي على مخالفة قدرتك وحكمت بها عليّ ولا قدر لي على مخالفة حكمك ثم قلت
    { لاَ يُكَلّفُ ظ±للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }
    البقرة 286 وقلت
    { يُرِيدُ ظ±للَّهُ بِكُمُ ظ±لْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ظ±لْعُسْرَ }
    البقرة 185 وقلت
    { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ظ±لدّينِ مِنْ حَرَجٍ }
    الحج 78 فمع هذه الأعذار الظاهرة والأسباب القوية كيف يجوز في حكمتك ورحمتك أن تذمني وتلعنني؟.

    السادس جعلتني مرجوماً ملعوناً بسبب جرم صدر مني أو لا بسبب جرم صدر مني؟ فإن كان الأول فقد بطل الجبر، وإن كان الثاني فهذا محض الظلم، وأنت قلت
    { وَمَا ظ±للَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ }
    غافر 31 فكيف يليق هذا بك؟.

    فإن قال قائل هذه لإشكالات إنما تلزم على قول من يقول بالجبر، وأنا لا أقول بالجبر، ولا بالقدر، بل أقول الحق حالة متوسطة بين الجبر والقدر، وهو الكسب. فنقول هذا ضعيف، لأنه إما أن يكون لقدرة العبد أثر في الفعل على سبيل الاستقلال أو لا يكون، فإن كان الأول فهو تمام القول بالاعتزال، وإن كان الثاني فهو الجبر المحض، والسؤالات المذكورة واردة على هذا القول، فكيف يعقل حصول الواسطة.

    قال أهل السنّة والجماعة أما الإشكالات التي ألزمتموها علينا فهي بأسرها واردة عليكم من وجهين ـ الأول أن قدرة العبد إما أن تكون معينة لأحد الطرفين، أو كانت صالحة للطرفين معاً، فإن كان الأول فالجبر لازم، وإن كان الثاني فرجحان أحد الطرفين على الآخر إما أن يتوقف على المرجح، أو لا يتوقف فإن كان الأول ففاعل ذلك المرجح إن كان هو العبد عاد التقسيم الأول فيه، وإن كان هو الله تعالى فعندما يفعل ذلك المرجح يصير الفعل واجب الوقوع، وعندما لا يفعله يصير الفعل ممتنع الوقوع، وحينئذٍ يلزمكم كل ما ذكرتموه،

    وأما الثاني وهو أن يقال إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يتوقف على مرجح فهذا باطل لوجهين الأول أنه لو جاز ذلك لبطل الاستدلال بترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر على وجود المرجح، والثاني أن على هذا التقدير يكون ذلك الرجحان واقعاً على سبيل الاتفاق، ولا يكون صادراً عن العبد، وإذا كان الأمر كذلك فقد عاد الجبر المحض، فثبت بهذا البيان أن كل ما أوردتموه علينا فهو وارد عليكم.

    الوجه الثاني في السؤال أنكم سلمتم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، ووقوع الشي على خلاف علمه يقتضي انقلاب علمه جهلاً، وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال، فكان كل ما أوردتموه علينا في القضاء والقدر لازماً عليكم في العلم لزوماً لا جواب عنه.

    الاستعاذة تبطل قول القدرية ثم قال أهل السنّة والجماعة قوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يبطل القول بالقدر من وجوه ـ

    الأول أن المطلوب من قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إما أن يكون هو أن يمنع الله الشيطان من عمل الوسوسة منعاً بالنهي والتحذير، أو على سبيل القهر والجبر، أما الأول فقد فعله، ولما فعله كان طلبه من الله محالاً، لأن تحصيل الحاصل محال، وأما الثاني فهو غير جائز لأن الإلجاء ينافي كون الشياطين مكلفين، وقد ثبت كونهم مكلفين، أجابت المعتزلة عنه فقالوا المطلوب بالاستعاذة فعل الألطاف التي تدعو المكلف إلى فعل الحسن وترك القبيح، لا يقال فتلك الألطاف فعل الله بأسرها فما الفائدة في الطلب، لأنا نقول إن من الألطاف ما لا يحسن فعله إلا عند هذا الدعاء، فلو لم يتقدم هذا الدعاء لم يحسن فعله.

    أجاب أهل السنّة عن هذا السؤال بأن فعل تلك الألطاف إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، أو لا أثر فيه، فإن كان الأول فعند حصول الترجيح يصير الفعل واجب الوقوع، والدليل عليه أن عند حصول رجحان جانب الوجود لو حصل العدم فحينئذٍ يلزم أن يحصل عند رجحان جانب الوجود رجحان جانب العدم، وهو جمع بين النقيضين، وهو محال، فثبت أن عند حصول الرجحان يحصل الوجوب. وذلك يبطل القول بالاعتزال، وأما أن لم يحصل بحسب فعل تلك الألطاف رجحان طرف الوجود لم يكن لفعلها ألبتة أثر، فيكون فعلها عبثاً محضاً. وذلك في حق الله تعالى محال.

    الوجه الثاني أن يقال إن الله تعالى إما أن يكون مريداً لصلاح حال العبد، أو لا يكون، فإن كان الحق هو الأول فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد، أو لا يتوقع، فإن توقع منه إفساد العبد مع أن الله تعالى مريد إصلاح حال العبد فلم خلقه ولم سلطه على العبد؟ وأما إن كان لا يتوقع من الشيطان إفساد العبد فأي حاجة للعبد إلى الاستعاذة منه؟ وأما إذا قيل إن الله تعالى لا يريد ما هو صلاح حال العبد فالاستعاذة بالله كيف تفيد الاعتصام من شر الشيطان.

    الوجه الثالث أن الشيطان إما أن يكون مجبوراً على فعل الشر، أو يكون قادراً على فعل الشر والخير معاً، فإن كان الأول فقد أجبره الله على الشر، وذلك يقدح في قولهم إنه تعالى لا يريد إلا الصلاح والخير، وإن كان الثاني ـ وهو أنه قادر على فعل الشر والخير ـ فهنا يمتنع أن يترجح فعل الخير على فعل الشر إلا بمرجح، وذلك المرجح يكون من الله تعالى، وإذا كان كذلك فأي فائدة في الاستعاذة. الوجه الرابع هب أن البشر إنما وقعوا في المعاصي بسبب وسوسة الشيطان، فالشيطان كيف وقع في المعاصي؟ فإن قلنا إنه وقع فيها بوسوسة شيطان آخر لزم التسلسل، وإن قلنا وقع الشيطان في المعاصي لا لأجل شيطان آخر فلم لا يجوز مثله في البشر؟ وعلى هذا التقدير فلا فائدة في الاستعاذة من الشيطان، وإن قلنا إنه تعالى سلط الشيطان على البشر ولم يسلط على الشيطان شيطاناً آخر فهذا حيف على البشر، وتخصيص له بمزيد الثقل والأَضرار وذلك ينافي كون الإله رحيماً ناصر لعباده. الوجه الخامس أن الفعل المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع، فلا فائدة في الاستعاذة منه. وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع، فلا فائدة في الاستعاذة منه.

    واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله أعوذ بالله إلا أن ينكشف للعبد أن الكل من الله وبالله، وحاصل الكلام فيه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم " أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من غضبك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " المستعاذ به الركن الثاني المستعاذ به واعلم أن هذا ورد في القرآن والأخبار على وجهين أحدهما أن يقال أعوذ بالله والثاني أن يقال أعوذ بكلمات الله أما قوله أعوذ بالله فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة الله وسيأتي ذلك في تفسير بسم الله وأما قوله أعوذ بكلمات الله التامات فاعلم أن المراد بكلمات الله هو قوله تعالى
    { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    النحل 40 والمراد من قوله «كن» نفاذ قدرته في الممكنات، وسريان مشيئته في الكائنات، بحيث يمتنع أن يعرض له عائق ومانع، ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة بالله إلا لكونه موصوفاً بتلك القدرة القاهرة والمشيئة النافذة، وأيضاً فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على سبيل الحركة، والخروج من القوة إلى الفعل يسيراً يسيراً، وأما الروحانيات فإنما يحصل تكونها وخروجها إلى الفعل دفعة، ومتى كان الأمر كذلك كان حدوثها شبيهاً بحدوث الحرف الذي لا يوجد إلا في الآن الذي لا ينقسم، فلهذه المشابهة سميت نفاذ قدرته بالكلمة، وأيضاً ثبت في علم المعقولات أن عالم الأرواح مستولٍ على عالم الأجسام، وإنما هي المدبرات لأمور هذا العالم كما قال تعالى

    { فَظ±لْمُدَبّرظ°تِ أَمْراً }
    النازعات 5 فقوله أعوذ بكلمات الله التامات استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة الطاهرة الطيبة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة، فالمراد بكلمات الله التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة. ثم ههنا دقيقة، وهي أن قوله أعوذ بكلمات الله التامات إنما يحسن ذكره إذا كان قد بقي في نظره التفات إلى غير الله، وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد، وتوغل في قعر الحقائق وصار بحيث لا يرى في الوجود أحداً إلا الله تعالى لم يستعذ إلا بالله، ولم يلتجىء إلا إلى الله، ولم يعول إلا على الله، فلا جرم يقول أعوذ بالله و أعوذ من الله بالله كما قال عليه السلام " وأعوذ بك منك " واعلم أن في هذا المقام يكون العبد مشتغلاً أيضاً بغير الله لأن الاستعاذة لا بدّ وأن تكون لطلب أو لهرب، وذلك اشتغال بغير الله تعالى، فإذا ترقى العبد عن هذا المقام وفني عن نفسه وفني أيضاً عن فنائه عن نفسه فههنا يترقى عن مقام قوله أعوذ بالله ويصير مستغرقاً في نور قوله بسم الله ألا ترى أنه عليه السلام لما قال " وأعوذ بك منك " ترقى عن هذا المقام فقال " أنت كما أثنيت على نفسك

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    قال الرازى

    الفرع الثالث اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر أم لا؟ فقال بعض أصحابنا ليس لله تعالى على الكافر نعمة، وقالت المعتزلة لله على الكافر نعمة دينية، ونعمة دنيوية واحتج الأصحاب على صحة قولهم بالقرآن والمعقول أما القرآن فآيات. إحداها قوله تعالى { صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمة لكانوا داخلين تحت قوله تعالى { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولو كان كذلك لكان قوله { ظ±هْدِنَا ظ±لصّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } طلباً لصراط الكفار، وذلك باطل، فثبت بهذه الآية أنه ليس لله نعمة على الكفار، فإن قالوا إن قوله الصراط يدفع ذلك، قلنا إن قولنا { صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من قوله { ظ±لصّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ } فكان التقدير إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، وحينئذٍ يعود المحذور المذكور. والآية الثانية قوله تعالى
    { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌلأِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }
    آل عمران 178 وأما المعقول فهو أن نعم الدنيا في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام قليلة كالقطرة في البحر، ومثل هذا لا يكون نعمة، بدليل أن من جعل السم في الحلواء لم يعد النفع الحاصل منه نعمة لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضرر الكثير، فكذا ههنا. وأما الذين قالوا إن لله على الكافر نعماً كثيرة فقد احتجوا بآيات إحداها قوله تعالى
    { يَـظ°أَيُّهَا ظ±لنَّاسُ ظ±عْبُدُواْ رَبَّكُمُ ظ±لَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ظ±لَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ظ±لأرْضَ فِرَاشاً وَظ±لسَّمَاء بِنَاء }
    البقرة 21، 22 فنبه على أنه يجب على الكل طاعة الله لمكان هذه النعم العظيمة. وثانيها قوله
    { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوظ°تًا فَأَحْيَـظ°كُمْ }
    البقرة 28 ذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم. وثالثها قوله تعالى
    { يَـظ°بَنِى إِسْرظ°ءيلَ ظ±ذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ظ±لَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }
    البقرة40 ورابعها قوله تعالى
    { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ظ±لشَّكُورُ }
    سبأ 13 وقول إبليس
    { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـظ°كِرِينَ }
    الأعراف 17 ولو لم تحصل النعم لم يلزم الشكر.


    ولم يلزم من عدم إقدامهم على الشكر محذور لأن الشكر لا يمكن إلا عند حصول النعمة

    قوله { ظ±هْدِنَا ظ±لصّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه لأنا ذكرنا أن تقدير الآية إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم فقال
    { فَأُوْلَـظ°ئِكَ مَعَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمَ ظ±للَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ظ±لنَّبِيّينَ وَظ±لصّدّيقِينَ }
    النساء 69 الآية ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين، ولو كان أبو بكر ظالماً لما جاز الاقتداء به، فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه. الفائدة الثالثة قوله { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يتناول كل من كان لله عليه نعمة، وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا أو نعمة الدين، ولما بطل الأول ثبت أن المراد منه نعمة الدين، فنقول كل نعمة دينية سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان، وأما النعمة التي هي الإيمان فيمكن حصولها خالياً عن سائر النعم الدينية، وهذا يدل على أن المراد من قوله { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } هو نعمة الإيمان، فرجع حاصل القول في قوله إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أنه طلب لنعمة الإيمان، وإذا ثبت هذا الأصل فنقول يتفرع عليه أحكام الحكم الأول أنه لما ثبت أن المراد من هذه النعمة نعمة الإيمان، ولفظ الآية صريح في أن الله تعالى هو المنعم بهذه النعمة ثبت أن خالق الإيمان والمعطي للإيمان هو الله تعالى، وذلك يدل على فساد قول المعتزلة، ولأن الإيمان أعظم النعم، فلو كان فاعله هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله، ولو كان كذلك لما حسن من الله أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم. الحكم الثاني يجب أن لا يبقى المؤمن مخلداً في النار، لأن قوله { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } مذكور في معرض التعظيم لهذا الإنعام، ولو لم يكن له أثر في دفع العقاب المؤبد لكان قليل الفائدة فما كان يحسن من الله تعالى ذكره في معرض التعظيم. الحكم الثالث دلت الآية على أنه لا يجب على الله رعاية الصلاح والأصلح في الدين، لأنه لو كان الإرشاد واجباً على الله لم يكن ذلك إنعاماً لأن أداء الواجب لا يكون إنعاماً، وحيث سماه الله تعالى إنعاماً علمنا أنه غير واجب. الحكم الرابع لا يجوز أن يكون المراد بالإنعام هو أن الله تعالى أقدر المكلف عليه وأرشده إليه وأزاح أعذاره وعلله عنه لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار، فلما خص الله تعالى بعض المكلفين بهذا الإنعام مع أن هذا الأقدار وإزاحة العلل عام في حق الكل علمنا أن المراد من الأنعام ليس هو الأقدار عليه وإزاحة الموانع عنه...


    الفائدة الرابعة الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام، واعلم أن هذا على الله تعالى محال، لكن ههنا قاعدة كلية، وهي أن جميع الأعراض النفسانية ـ أعني الرحمة، والفرح، والسرور، والغضب، والحياء، والغيرة، والمكر والخداع، والتكبر، والاستهزاء ـ لها أوائل، ولها غايات، ومثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه، فلفظ الغضب في حق الله تعالى لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب، بل على غايته الذي هو إرادة الأضرار، وأيضاً، الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس، وله غرض وهو ترك الفعل، فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب...

    الفائدة الخامسة قالت المعتزلة غضب الله عليهم يدل على كونهم فاعلين للقبائح باختيارهم وإلا لكان الغضب عليهم ظلماً من الله تعالى، وقال أصحابنا لما ذكر غضب الله عليهم وأتبعه بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله عليهم علة لكونهم ضالين، وحينئذٍ تكون صفة الله مؤثرة في صفة العبد، أما لو قلنا إن كونهم ضالين يوجب غضب الله عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى، وذلك محال.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    سورة البقرة

    { ذَلِكَ ظ±لْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }

    قال الرازى

    قوله تعالى { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } فيه مسائل المسألة الأولى في حقيقة الهدى الهدى عبارة عن الدلالة، وقال صاحب الكشاف الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية، وقال آخرون الهدى هو الاهتداء والعلم. والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبراً في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهدتاء محال، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى
    { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـظ°هُمْ فَظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْعَمَىظ° عَلَى ظ±لْهُدَىظ° }
    فصلت 17 أثبت الهدى مع عدم الاهتداء، ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال هديته فلم يهتد، وذلك يدل على قولنا، واحتج صاحب الكشاف بأمور ثلاثة أولها وقوع الضلالة في مقابلة الهدى، قال تعالى
    { أُوْلَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ ظ±شْتَرَوُاْ ظ±لضَّلَـظ°لَةَ بِظ±لْهُدَىظ° }
    البقرة 16 وقال
    { لَعَلَىظ° هُدًى أوفِى ضَلَـظ°لٍ مُّبِينٍ }
    سبأ 24 وثانيها يقول مهدي في موضع المدح كمهتدي، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهدياً مدحاً لاحتمال أنه هدى فلم يهتد وثالثها أن اهتدى مطاوع هدى يقال هديته فاهتدى، كما يقال كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع فكما أن الإنكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى. والجواب عن الأول أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع، وعن الثاني أن المنتفع بالهدى سمي مهدياً، وغير منتفع به لا يسمى مهدياً ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم.

    وعن الثالث أن الائتمار مطاوع الأمر يقال أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمراً حصول الائتمار، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضياً إلى الاهتداء، على أنه معارض بقوله هديته فلم يهتد، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم...

    وقال الالوسي

    وفي «الكشاف» هي الدلالة الموصلة إلى البغية واستدل عليه بثلاثة وجوه، الأول: وقوع الضلال في مقابله كما في قوله تعالى:
    { لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ }
    [سبأ: 24] والضلال عبارة عن الخيبة وعدم الوصول إلى البغية فلو لم يعتبر الوصول في مفهوم الهدى لم يتقابلا لجواز الاجتماع بينهما، والثاني: أنه يقال مهدي في موضع المدح كمهتد ومن حصل له الدلالة من غير الاهتداء لا يقال له ذلك فعلم أن الايصال معتبر في مفهومه، والثالث: أن اهتدى مطاوع هدى ولن يكون المطاوع في خلاف معنى أصله ألا ترى إلى نحو كسره فانكسر وفيه بحث أما أولاً: فلأن المذكور في مقابلة الضلالة هو الهدى اللازم بمعنى الاهتداء مجازاً أو اشتراكاً وكلامنا في المتعدي ومقابلة الاضلال ولا استدلال به إذ ربما يفسر بالدلالة على ما لا يوصل ولا يجعله ضالاً على أنه لو فسرت الهداية بمطلق الدلالة على ما من شأنه الإيصال أوصل أم لا، وفسر الضلال المقابل لها ـ وتقابل الإيجاب والسلب ـ بعدم تلك الدلالة المطلقة لزم منه عدم الوصول لأن سلب الدلالة المطلقة سلب للمقيدة إذ سلب الأعم يستلزم سلب الأخص فليس في هذا التقابل ما يرجح المدعي، وأما ثانياً: فلأنا لا نسلم أن الضلالة عبارة عن الخيبة/ الخ بل هو العدول عن الطريق الموصل إلى البغية فيكون الهدى عبارة عن الدلالة على الطريق الموصل، نعم إن عدم الوصول إلى البغية لازم للضلالة ويجوز أن يكون اللازم أعم، وأما ثالثاً: فلأنه لا يلزم من عدم إطلاق المهدي إلا على المهتدي أن يكون الوصول معتبراً في مفهوم الهدى لجواز غلبة المشتق في فرد من مفهوم المشتق منه، وأما رابعاً: فلأنا لا نسلم أن اهتدى مطاوع هدى بل هو من قبيل أمره فأتمر من ترتب فعل يغاير الأول فإن معنى هداه فاهتدى دله على الطريق الموصل فسلكه بدليل أنه يقال هداه فلم يهتد على أن جمعا يعتد بهم قالوا: لا يلزم من وجود الفعل وجود مطاوعه مطلقاً ففي المختار لا يجب أن يوافق المطاوع أصله ويجب في غيره ويؤيده قوله تعالى:

    { وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا }
    [الإسراء: 59] مع قوله سبحانه:
    { وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا }
    [الإسراء: 60] فقد وجد التخويف بدون الخوف ولا يقال كسرته فما انكسر والفرق بينهما مفصل في «عروس الأفراح»، وأما خامساً: فلأن ما ذكره معارض بما فيه الهداية وليس فيه وصول إلى البغية وقد مر بعضه ولهذا اختلفوا هل هي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في غيرها أو بالعكس أو هي مشتركة بينهما أو موضوعة لقدر مشترك؟ وإلى كل ذهب طائفة، وقيل والمذكور في كلام الأشاعرة أن المختار عندهم ما ذكر في «الكشاف» وعند المعتزلة ما ذكرناه والمشهور هو العكس ـ والتوفيق بأن كلام الأشاعرة في المعنى الشرعي والمشهور مبني على المعنى اللغوي أو العرفي ـ يخدشه اختيار صاحب «الكشاف» مع تصلبه في الاعتزال ما اختاره مع أن الظاهر في القرآن المعنى الشرعي فالأظهر للموفق عكس هذا التوفيق، والحق عند أهل الحق أن الهداية مشتركة بين المعنيين المذكورين وعدم الإهلاك وبه يندفع كثير من القال والقيل....

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }

    مفهوم الايمان واختلاف الفرق فيه

    قال الامام الالوسي

    وأوضح المذاهب أنه التصديق ولذا قال يعسوب المؤمنين عليّ كرم الله تعالى وجهه إن الإيمان معرفة والمعرفة تسليم والتسليم تصديق،

    ويؤيد هذا المذهب قوله تعالى:
    { أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ }
    [المجادله: 22]

    وقوله تعالى:
    { وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ }
    [الحجرات: 14]

    وقوله تعالى:
    { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ }
    [النحل: 106] وقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم ثبت قلبـي على دينك " حيث نسبه فيها وفي نظائرها الغير المحصورة إلى القلب فدل ذلك على أنه فعل القلب وليس سوى التصديق إذ لم يبين في الشرع بمعنى آخر فلا نقل وإلا لكان الخطاب بالإيمان خطاباً بما لا يفهم ولأنه خلاف الأصل فلا يصار إليه بلا دليل واحتمال أن يراد بالنصوص الإيمان اللغوي فهو الذي محله القلب لا الإيمان الشرعي فيجوز أن يكون الإقرار أو غيره جزءاً من معناه يدفعه أن الإيمان من المنقولات الشرعية بحسب خصوص المتعلق ولذا بين صلى الله عليه وسلم متعلق دون معناه فقال:

    أن تؤمن بالله وملائكته " الحديث/ فهو في المعنى اللغوي مجاز في كلام الشارع والأصل في الإطلاق الحقيقة،

    وأيضاً ورد في عطف الأعمال على الإيمان كقوله تعالى:
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ }
    [البقرة: 277] والجزء لا يعطف على كله
    { تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ }
    [القدر: 4] على أحد الوجهين بتأويل الخروج لاعتبار خطابـي وتخصيصها بالنوافل بناء على خروجها خلاف الظاهر وكفى بالظاهر حجة،

    وأيضاً جعل الإيمان شرط صحة الأعمال كقوله تعالى:
    { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ }
    [ طه: 112] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء لنفسه إذ جزء الشرط شرط،

    وأيضاً ورد إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى:
    { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ }
    [الحجرات: 9] مع أنه لا يتحقق للشيء بدون ركنه، وأيضاً ما ذكرناه أقرب إلى الأصل إذ لا فرق بينهما إلا باعتبار خصوص المتعلق كما لا يخفى.

    وقد أورد الخصم وجوهاً في الالزام، الأول: أن الإيمان لو كان عبارة عن التصديق لما اختلف مع أن إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشبهه إيمان العوام بل ولا الخواص،

    الثاني: أن الفسوق يناقض الإيمان ولا يجامعه، بنص
    { وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ }
    [الحجرات: 7] ولو كان بمعنى التصديق لما امتنع مجامعته،

    الثالث: أن فعل الكبيرة مما ينافيه لقوله تعالى:
    { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }
    [الأحزاب: 43] مع قوله تعالى في المرتكب:
    { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ }
    [النور: 2] ولو كان بمعنى التصديق ما نافاه،

    الرابع: أن المؤمن غير مخزي لقوله تعالى:
    { يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ }
    [التحريم: 8] وقال سبحانه في قطاع الطريق:
    { ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }
    [المائدة: 33] فهم ليسوا بمؤمنين مع أنهم مصدقون.

    الخامس: مستطيع الحج إذا تركه من غير عذر كافر لقوله تعالى:
    { وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }
    [آل عمران: 97] مع أنه مصدق،

    السادس: من لم يحكم بما أنزل الله مصدق مع أنه كافر بنص
    { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ }
    [المائدة: 44]

    السابع: أن الزاني كذلك بنص قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني وهو مؤمن " وكذا تارك الصلاة عمداً من غير عذر وأمثال ذلك،

    الثامن: أن المستخف بنبـي مثلاً مصدق مع أنه كافر بالإجماع.

    التاسع: أن فعل الواجبات هو الدين لقوله تعالى:

    { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ }
    [البينه: 5] والدين هو الإسلام لقوله تعالى:
    { إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ }
    [آل عمران: 19] والإسلام هو الإيمان لأنه لو كان غير لما قبل من مبتغيه لقوله سبحانه:
    { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }
    [آل عمران: 85]

    العاشر: أنه لو كان هو التصديق لما صح وصف المكلف به حقيقة إلا وقت صدوره منه كما في سائر الأفعال مع أن النائم والغافل يوصفان به إجماعاً مع أن التصديق غير باق فيهما،

    الحادي عشر: أنه يلزم أن يقال لمن صدق بآلهية غير الله سبحانه مؤمن وهو خلاف الإجماع،

    الثاني عشر: أن الله تعالى وصف بعض المؤمنين به عز وجل بكونه مشركاً فقال:
    { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ }
    [يوسف: 106] ولو كان هو التصديق لامتنع مجامعته للشرك، سلمنا أنه هو ولكن ما المانع أن يكون هو التصديق باللسان كما قاله الكرامية كيف وأهل اللغة لا يفهمون من التصديق غير التصديق باللسان؟.

    نستكمل فى المنشور القادم

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    نستكمل مع الالوسي الرد علي الاقوال السابقة



    وأجيب عن الأول بأن التصديق الواحد وإن سلمنا عدم الزيادة والنقصان فيه من النبـي والواحد منا إلا أنه لا يمتنع التفاوت بين الإيمانين بسبب تخلل الفعلة والقوة بين أعداد الإيمان المتجددة وقلة تخللها أو بسبب عروض الشبه والتشكيكات وعدم عروضها، وللنبـي الأكمل الأكمل صلى الله عليه وسلم.
    وللزنبور والبازي جميعا لدى الطيران أجنحة وخفق
    ولكن بين ما يصطاد باز وما يصطاده الزنبور فرق


    وعن الثاني بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن الفسوق لا يجامع الإيمان فإنه لو قيل حبب إليكم العلم وكره إليكم/ الفسوق لم يدل على المناقضة بين العلم والفسوق وكون الكفر مقابلاً للايمان لم يستفد من الآية بل من خارج ولئن سلمنا دلالة الآية على ما ذكرتم إلا أن ذلك معارض بما يدل على عدمه كقوله تعالى:
    { ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـظ°نَهُمْ بِظُلْمٍ }
    [الأنعام: 82] فإنه يدل على مقارنة الظلم للايمان في بعض،

    وعن الثالث بأنا لا نسلم أن فعل الكبيرة مناف للايمان
    { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ظ±للَّهِ }
    [النور: 2] على معنى لا تحملنكم الشفقة على إسقاط حدود الله تعالى بعد وجوبها،

    وعن الرابع بأن ما ذكر من الآيتين ليس فيه دلالة لأن آية نفي الخزي إنما دلت على نفيه في الآخرة عن المؤمنين مطلقاً أو أصحابه صلى الله عليه وسلم وآية القاطع دالة على الخزي في الدنيا ولا يلزم من منافاة الخزي يوم القيامة للايمان منافاته للايمان في الدنيا،

    وعن الخامس بأنا لا نسلم كفر من ترك الحج من غير عذر
    { وَمَن كَفَرَ }
    [آل عمران: 97] ابتداء كلام أو المراد من لم يصدق بمناسك الحج وجحدها ولا يتصور مع ذلك التصديق،

    وعن السادس بأن معنى:

    { وَمَن لَّمْ يَحْكُم }
    [المائدة: 44] الآية من لم يصدق أو من لم يحكم بشيء مما نزل الله أو المراد بذلك التوراة بقرينة السابق،

    وعن السابع بأنه يمكن أن يقال معنى: «لا يزني الزاني وهو مؤمن» أي آمن من عذاب الله أي إن زنى والعياذ بالله فليخف عذابه سبحانه وتعالى ولا يأمن مكره أو المراد لا يزني مستحلاً لزناه وهو مؤمن أو لا يزني وهو على صفات المؤمن من اجتناب المحظورات، وهذا التأويل أولى من مخالفة الأوضاع اللغوية لكثرته دونها وكذا يقال في نظائر هذا،

    وعن الثامن بأنا لا ننكر مجامعة الكبائر للايمان عقلاً غير أن الأمة مجمعة على إكفار المستخف فعلمنا انتفاء التصديق عند وجود الاستخفاف مثلاً سمعاً والجمع بين العمل بوضع اللغة وإجماع الأمة على الإكفار أولى من إبطال أحدهما،

    وعن التاسع بأن الآية قد فرقت بين الدين وفعل الواجبات للعطف وهو ظاهراً دليل المغايرة، سلمنا أن الدين فعل الواجبات وأن الدين هو الإسلام لكن لا نسلم أن الإسلام هو الإيمان وليس المراد بغير الإسلام في الآية ما هو مغاير له بحسب المفهوم وإلا يلزم أن لا تقبل الصلاة والزكاة مثلاً بل المغاير له بحسب الصدق فحينئذ يحتمل أن يكون الإسلام أعم وهذا كما إذا قلت من يبتغ غير العلم الشرعي فقد سها فإنك لا تحكم بسهو من ابتغى الكلام، وظاهر أن ذم غير الأعم لا يستلزم ذم الأخص فإن قولك غير الحيوان مذموم لا يستلزم أن يكون الإنسان مذموماً،

    وعن العاشر بأنه مشترك الإلزام فما هو جوابكم فهو جوابنا على أنا نقول التصديق في حالة النوم والغفلة باق في القلب والذهول إنما هو عن حصوله والنوم ضد لإدراك الأشياء ابتداء لا أنه مناف لبقاء الإدراك الحاصل حالة اليقظة، سلمنا إلا أن الشارع جعل المحقق الذي لا يطرأ عليه ما يضاده في حكم الباقي حتى كان المؤمن اسماً لمن آمن في الحال أو في الماضي ولم يطرأ عليه ما هو علامة التكذيب،

    وعن الحادي عشر بأن عدم تسمية من صدق بآلهية غير الله مؤمناً إنما هو لخصوصية متعلق الإيمان شرعاً فتسميته مؤمناً يصح نظراً إلى الوضع اللغوي ولا يصح نظراً إلى الاستعمال الشرعي،

    وعن الثاني عشر بأن الإيمان ضد الشرك بالاجماع وما ذكروه لازم على كل مذهب ونحن نقول إن الإيمان هناك لغوي إذ في الشرعي يعتبر التصديق بجميع ما علم مجيئه به صلى الله عليه وسلم كما تقدم فالمشرك المصدق ببعض لا يكون مؤمناً إلا بحسب اللغة دون الشرع لإخلاله بالتوحيد والآية إشارة إليه. وقولهم أهل اللغة لا يفهمون الخ مجرد دعوى لا يساعدها البرهان نعم لا شك أن المقر باللسان وحده يسمى مؤمناً لغة لقيام دليل الإيمان الذي هو التصديق القلبـي فيه كما يطلق الغضبان والفرحان على سبيل الحقيقة لقيام الدلائل الدالة عليها من الآثار اللازمة للغضب والفرح ويجري عليه أحكام الإيمان ظاهراً ولا نزاع في ذلك وإنما النزاع في كونه مؤمناً عند الله تعالى والنبـي صلى الله عليه وسلم ومن بعده كما كانوا يحكمون بإيمان من تكلم بالشهادتين كانوا يحكمون بكفر المنافق فدل على أنه لا يكفي في الإيمان فعل اللسان/ وهذا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان وكأنه لهذا اشترط الرقاشي والقطان مواطأة القلب مع المعرفة عند الأول والتصديق المكتسب بالاختيار عند الثاني،

    وقال الكرامية: من أضمر الإنكار وأظهر الإذعان وإن كان مؤمناً لغة وشرعاً لتحقق اللفظ الدال الذي وضع لفظ الإيمان بإزائه إلا أنه يستحق ذلك الشخص الخلود في النار لعدم تحقق مدلول ذلك اللفظ الذي هو مقصود من اعتبار دلالته.

    هذا وبعد سبر الأقوال في هذا المقام لم يظهر لي بأس فيما ذهب إليه السلف الصالح وهو أن لفظ الإيمان موضوع للقدر المشترك بين التصديق وبين الأعمال فيكون إطلاقه على التصديق فقط وعلى مجموع التصديق والأعمال حقيقة كما أن المعتبر في الشجرة المعينة ـ بحسب العرف ـ القدر المشترك بين ساقها ومجموع ساقها مع الشعب والأوراق فلا يطلق الانعدام عليها ما بقي الساق فالتصديق بمنزلة أصل الشجرة والأعمال بمنزلة فروعها وأغصانها فما دام الأصل باقياً يكون الإيمان باقياً وقد ورد في الصحيح " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " وقريب من هذا قول من قال إن الأعمال آثار خارجة عن الإيمان مسببة له ويطلق عليها لفظ الإيمان مجازاً ولا مخالفة بين القولين إلا بأن إطلاق اللفظ عليها حقيقة على الأول مجاز على الثاني وهو بحث لفظي والمتبادر من الإيمان هظ°هنا التصديق كما لا يخفى

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    مازلنا مع الاية ومفهوم الايمان ثم ننتقل الي هل الحرام رزق وادلة المعتزلة؟


    وقال الرازى:

    اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع.

    الفرقة الأولى الذين قالوا الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية، وأهل الحديث،

    أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنّة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً. فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر،

    وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق، ولذلك يقال فلان آمن بالله وبرسوله، ويكون المراد التصديق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام، بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى لله، فالإيمان المُعدَّى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة، أما إذا ذكر مطلقاً غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي ـ الذي هو التصديق ـ إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه أحدها أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد.

    وثانيها أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم. وثالثها أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله كل من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد، وهو قول النظام، ومن أصحابه من قال شرط كونه مؤمناً عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها.

    وأما أهل الحديث فذكروا وجهين الأول أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب. الثاني زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه، ومنهم من قال الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.

    الفرقة الثانية الذين قالوا الإيمان بالقلب واللسان معاً، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء،

    ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين. أحدهما اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم ـ سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو كان علماً صادراً عن الدليل ـ وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال. وثانيهما اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟ قال بعض المتكلمين هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم أنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف.

    وقال أهل الإنصاف المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم أو عالماً لذاته وبكونه مرئياً أو غيره لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان.

    القول الثاني أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً، وهو قول بشر بن غِياث المريسي، وأبي الحسن الأشعري، والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس. القول الثالث قول طائفة من الصوفية الإيمان إقرار باللسان، وإخلاص بالقلب.

    الفرقة الثالثة الذين قالوا الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين أحدهما أن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان. أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان. وحكى الكعبي عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم. وثانيهما أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي. الفرقة

    الرابعة الذين قالوا الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم فريقان الأول أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولاً لغيلان

    . الثاني أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع،

    والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ونفتقر ههنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفاً بالحدوث، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثاً، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص، واختلاف الصيغ والعبارات مع كون الحكم الذهني أمراً واحداً يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير العلم، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني، بقي ههنا بحث لفظي وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهين أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد ذكرناه في أصول الفقه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع الاعتقاد فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة.

    القيد الأول أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه الأول أنه كان في أصل اللغة للتصديق، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلماً بغير كلام العرب، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربياً.

    الثاني أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع.

    الثالث أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدى كذلك.

    الرابع أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال
    { مِنَ ظ±لَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوظ°هِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ }
    البقرة 41 وقوله
    { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِظ±لإِيمَـظ°نِ }
    النحل 106
    { كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ظ±لإيمَـظ°نَ }
    المجادلة 22
    { وَلَـظ°كِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ظ±لإيمَـظ°نُ فِى قُلُوبِكُمْ }
    الحجرات 14

    الخامس أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل الصالح داخلاً في الإيمان لكان ذلك تكراراً.

    السادس أنه تعالى كثيراً ذكر الإيمان وقرنه وبالمعاصي، قال
    { ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـظ°نَهُمْ بِظُلْمٍ }
    الأنعام 82
    { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ ظ±قْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىظ° ظ±لأُخْرَىظ° فَقَـظ°تِلُواْ ظ±لَّتِى تَبْغِى حَتَّىظ° تَفِىء إِلَىظ° أَمْر الله }
    الحجرات 9 واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى
    { يـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ظ±لْقِصَاصُ فِي ظ±لْقَتْلَى }
    البقرة 178 من ثلاثة أوجه أحدهما أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله { يا أيها الذين آمنوا } فدل على أنه مؤمن. وثانيها قوله
    { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }
    البقرة 178 وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان، لقوله تعالى
    { إِنَّمَا ظ±لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }
    الحجرات 10 وثالثها قوله
    { ذظ°لِكَ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ }
    البقرة 178 وهذا لا يليق إلا بالمؤمن، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى
    { وَظ±لَّذِينَ آمنوا ولم يهاجروا }
    الأنفال 72 هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى
    { ظ±لَّذِينَ تَتَوَفَّـظ°هُمُ ظ±لْمَلَـظ°ئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ }
    النحل 28 وقوله
    { مَالَكُمْ مّن وَلـظ°يَتِهِم مّن شَىْء حَتَّىظ° يُهَاجِرُواْ }
    الأنفال 72 ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل أيضاً عليه قوله تعالى
    { يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء }
    الممتحنة 1 وقال
    { يأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ظ±للَّهَ وَظ±لرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـظ°نَـظ°تِكُمْ }
    الأنفال 27 وقوله تعالى
    { يـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ظ±للَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً }
    التحريم 8 والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله

    { وَتُوبُواْ إِلَى ظ±للَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ظ±لْمُؤْمِنُونَ }
    النور 31 لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنباً وليس كذلك قولنا هب أنه خص فيما عدا المذنب فبقي فيهم حجة.

    القيد الثاني أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني، والدليل عليه قوله تعالى
    { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }
    البقرة 8 نفي كونهم مؤمنين، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي.

    القيد الثالث أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً. القيد الرابع ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عزّ وجلّ لأن الرسول عليه السلام كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالماً لذاته أو بالعلم، ولو كان هذا القيد وأمثاله شرطاً معتبراً في تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا.

    فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان، فإن قال قائل ها هنا صورتان الصورة الأولى من عرف الله تعالى بالدليل والبرهان ولما تم العرفان مات ولم يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة. فههنا إن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق الإيمان، وهو خرق للإجماع، وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل لقوله عليه السلام " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " وهذا قلب طافح بالإيمان، فكيف لا يكون مؤمناً؟ الصورة الثانية من عرف الله تعالى بالدليل ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ولكنه لم يتلفظ بها فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع، وإن قلتم ليس بمؤمن فهو باطل لقوله عليه السلام " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان " ولا ينتقي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق. والجواب أن الغزالي منع من هذا الإجماع في الصورتين، وحكم بكونهما مؤمنين، وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان...

    هل الحرام رزق؟

    قال الرازى

    المسألة الثامنة الرزق في كلام العرب هو الحظ قال تعالى
    { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ }
    الواقعة 82 أي حظكم من هذا الأمر، والحظ هو نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره ثم قال بعضهم الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل، وهو باطل، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال
    { وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـظ°كُمْ }
    الرعد 22 فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه. وقال آخرون الرزق هو ما يملك وهو أيضاً باطل، لأن الإنسان قد يقول اللهم ارزقني ولداً صالحاً أو زوجة صالحة وهو لا يملك الولد ولا الزوجة، ويقول اللهم ارزقني عقلاً أعيش به وليس العقل بمملوك، وأيضاً البهيمة يكون لها رزق ولا يكون لها ملك. وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصري الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا قد رزقنا الله تعالى الأموال، فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، وإذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالاً فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص، وإذا سألناه أن يرزق البهيمة فإنا نقصد بذلك أن يجعلها به أخص، وإنما تكون به أخص إذا مكنها من الانتفاع به، ولم يكن لأحد أن يمنعها من الانتفاع به،

    واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا الحرام لا يكون رزقاً. وقال أصحابنا الحرام قد يكون رزقاً،

    فحجة الأصحاب من وجهين الأول أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظاً ونصيباً، فوجب أن يكون رزقاً له الثاني أنه تعالى قال

    { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ظ±لأرْضِ إِلاَّ عَلَى ظ±للَّهِ رِزْقُهَا }
    هود 6 وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال أنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئاً.

    أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة والمعنى أما الكتاب فوجوه أحدها قوله تعالى { وَمِمَّا رَزَقْنَـظ°هُمْ يُنفِقُونَ } مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى، فلو كان الحرام رزقاً لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وذلك باطل بالاتفاق. وثانيها لو كان الحرام رزقاً لجاز أن ينفق الغاصب منه، لقوله تعالى
    { وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـظ°كُمْ }
    البقرة 254 وأجمع المسلون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقاً. وثالثها قوله تعالى
    { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ظ±للَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءآللَّهِ أَذِنَ لَكُمْ }
    يونس 59 فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله، فثبت أن الحرام لا يكون رزقاً، وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب الغرر بإسناده عن صفوان بن أمية قال. كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه عمرو بن قرة فقال له يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأئذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال عليه السلام " لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله رزقاً طيباً فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئاً ضربتك ضرباً وجيعا " وأما المعنى فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام وأمر غيره بمنعه منه والانتفاع به، من منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال. إن السلطان قد رزق جنده مالاً قد منعهم من أخذه، وإنما يقال إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه،

    أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان لكل من الله، لكنه كما يقال يا خالق المحدثات والعرش والكرسي، ولا يقال يا خالق الكلاب والخنازير، وقال
    { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ظ±للَّهِ }
    الإنسان 6 فخص اسم العباد بالمتقين، وإن كان الكفار أيضاً من العباد، وكذلك ها هنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقاً أيضاً، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا، لأن قوله عليه السلام

    " فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه " صريح في أن الرزق قد يكون حراماً وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض للغة وهو أن الحرام هل يسمى رزقاً أم لا؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ والله أعلم

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,695
    اتماما للفائدة اذكر ماقاله الرازى فى معالم اصول الدين

    الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة الْإِيمَان عبارَة عَن الِاعْتِقَاد وَالْقَوْل سَبَب لظُهُوره والأعمال خَارِجَة عَن مُسَمّى الْإِيمَان وَالدَّلِيل عَلَيْهِ وُجُوه

    الأول أَنه تَعَالَى جعل مَحل الْإِيمَان هُوَ الْقلب لقَوْله تَعَالَى {إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان}

    وَقَالَ تَعَالَى وَلما يدْخل الْإِيمَان فِيقُلُوبكُمْ)

    وَقَالَ تَعَالَى {أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان} وَمَعْلُوم أَن الْقلب مَحل الِاعْتِقَاد


    الثَّانِي أَنه كلما ذكر الْإِيمَان عطف الْأَعْمَال الصَّالِحَة عَلَيْهِ والعطف يُوجب التغاير ظَاهرا
    الثَّالِث أَنه أثبت الْإِيمَان مَعَ الْكَبَائِر فَقَالَ تَعَالَى {الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم} وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى} الْآيَة فَسُمي قَاتل النَّفس عمدا عُدْوانًا بِالْمُؤمنِ وَقَالَ تَعَالَى وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَسُمي الْبَاغِي مُؤمنا


    وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن قَالَ الْأَعْمَال مُسَمَّاة بِالدّينِ لقَوْله تَعَالَى {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دين الْقيمَة} وَقَوله ذَلِك عَائِد إِلَى كل مَا تقدم ذكره فَوَجَبَ أَن تكون كلهَا مُسَمّى بِالدّينِ وَالدّين هُوَ الْإِسْلَام لقَوْله تَعَالَى {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} وَالْإِسْلَام عين الْإِيمَان لِأَن الْإِيمَان لَو كَانَ غير الْإِسْلَام لما كَانَ مَقْبُولًا لقَوْله تَعَالَى {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ} وبالإجماع الْإِيمَان مَقْبُول فَثَبت أَن الْأَعْمَال دين وَالدّين الْإِسْلَام وَالْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان فَوَجَبَ كَون الْأَعْمَال دَاخِلَة تَحت اسْم الْإِيمَان


    وَالْجَوَاب يجب التَّوْفِيق بَين هَذِه الدَّلَائِل بِقدر الْإِمْكَان فَنَقُول الْإِيمَان لَهُ أصل وَله ثَمَرَات وَالْأَصْل هُوَ الِاعْتِقَاد وَأما هَذِه الْأَعْمَال فقد يُطلق لفظ الْإِيمَان عَلَيْهَا كَمَا يُطلق اسْم أصل الشَّيْء على ثمراتهالأخيرة


    الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة الْقَائِلُونَ بِأَن الْأَعْمَال دَاخِلَة تَحت اسْم الْإِيمَان اخْتلفُوا

    فَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ الْفَاسِق لَا يخرج عَن الْإِيمَان وَهَذَا فِي غَايَة الصعوبة لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْإِيمَان اسْما لمجموع أُمُور فَعِنْدَ فَوَات بَعْضهَا فقد فَاتَ ذَلِك الْمَجْمُوع فَوَجَبَ أَن لَا يبْقى الْإِيمَان


    فَأَما الْمُعْتَزلَة والخوارج فقد طردوا الْقيَاس وَقَالُوا الْفَاسِق يخرج عَن الْإِيمَان ثمَّ اخْتلف الْقَائِلُونَ بِهَذَا فَقَالَت الْمُعْتَزلَة إِنَّه يخرج عَن الْإِيمَان وَلَا يدْخل فِي الْكفْر وَهُوَ منزلَة بَين المنزلتين
    وَقَالَت الْخَوَارِج إِنَّه يدْخل فِي الْكفْر وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ} وَهُوَ فِي غَايَة الْبعد


    الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة كَانَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ يَقُول أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَتَبعهُ جمع من عُظَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رَضِي الله عَنْهُم وَهُوَ قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَأنْكرهُ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه رَحِمهم الله تَعَالَى

    قَالَت الشَّافِعِيَّة لنا وُجُوه
    الأول أَنا لَا نحمل هَذَا على الشَّك فِي الْإِيمَان بل على التَّبَرُّك كَقَوْل الله تَعَالَى {لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين} وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الشَّك لِأَنَّهُ على الله تَعَالَى محَال بل لأجل التَّبَرُّك والتعظيم
    وَالثَّانِي أَن يحمل على الشَّك لَكِن لَا فِي الْحَال بل فِي الْعَاقِبَة لِأَن الْإِيمَان المنتفع بِهِ هُوَ الْبَاقِي عِنْد الْمَوْت وكل أحد يشك فِي ذَلِك فنسأل الله تَعَالَى إبقاءنا على تِلْكَ الْحَالة
    وَالثَّالِث أَن الْإِيمَان لما كَانَ عِنْد الشَّافِعِي هُوَ مَجْمُوع الْأُمُور الثَّلَاثَةالأخيرة
    وَهِي القَوْل وَالْعَمَل والاعتقاد وَكَانَ حُصُول الشَّك فِي الْعَمَل يَقْتَضِي حُصُول الشَّك فِي أحد أَجزَاء هَذِه الْمَاهِيّة فَيصح الشَّك فِي حُصُول الْإِيمَان


    وَأما عِنْد أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ فَلَمَّا كَانَ الْإِيمَان عبارَة عَن الِاعْتِقَاد الْمُجَرّد لم يكن الشَّك فِي الْعَمَل مُوجبا لوُقُوع الشَّك فِي الْإِيمَان فَظهر أَنه لَيْسَ بَين الْإِمَامَيْنِ رَضِي الله عَنْهُمَا مُخَالفَة فِي الْمَعْنى

    ملحوظة

    اتقن الامام البيجورى فى حاشيته علي الجوهرة فى شرح كون الاعمال شرط ام شطر للايمان وهل شرط صحة ام كمال

    تجدها فى الصور

    Screenshot_2017-04-29-12-54-19.png

    Screenshot_2017-04-29-12-54-06.png

    Screenshot_2017-04-29-12-54-31.png

    Screenshot_2017-04-29-12-54-25.png

صفحة 1 من 33 1234511 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •