صفحة 50 من 51 الأولىالأولى ... 40464748495051 الأخيرةالأخيرة
النتائج 736 إلى 750 من 763

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #736
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة الفجر

    قال الرازى

    واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال: { كَلاَّ } وهو ردع للإنسان عن تلك المقالة، قال ابن عباس: المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل، وإما على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه...

    وَجَاء رَبُّكَ وَظ±لْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }. واعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله تعالى محال، لأن كل ما كان كذلك كان جسماً والجسم يستحيل أن يكون أزلياً فلا بد فيه من التأويل، وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ثم ذلك المضاف ما هو؟ فيه وجوه أحدها: وجاء أمر ربك بالمحاسبة والمجازاة وثانيها: وجاء قهر ربك كما يقال جاءتنا بنو أمية أي قهرهم وثالثها: وجاء جلائل آيات ربك لأن هذا يكون يوم القيامة، وفي ذلك اليوم تظهر العظائم وجلائل الآيات، فجعل مجيئها مجيئاً له تفخيماً لشأن تلك الآيات ورابعها: وجاء ظهور ربك، وذلك لأن معرفة الله تصير في ذلك اليوم ضرورية فصار ذلك كظهوره وتجليه للخلق، فقيل: { وَجَاء رَبُّكَ } أي زالت الشبهة وارتفعت الشكوك خامسها: أن هذا تمثيل لظهور آيات الله وتبيين آثار قهره وسلطانه، مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه، فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة مالا يظهر بحضور عساكره كلها وسادسها: أن الرب هو المربى، ولعل ملكاً هو أعظم الملائكة هو مربي للنبي صلى الله عليه وسلم جاء فكان هو المراد من قوله: { وَجَاء رَبُّكَ }....

    رسول مبين واعلم أن بين قوله: { يَتَذَكَّرُ } وبين قوله: { وَأَنَّىظ° لَهُ ظ±لذّكْرَىظ° } تناقضاً فلا بد من إضمار المضاف والمعنى ومن أين له منفعة الذكرى. ويتفرع على هذه الآية مسألة أصوليه، وهي أن قبول التوبة عندنا غير واجب على الله عقلاً، وقالت المعتزلة: هو واجب فنقول: الدليل على قولنا أن الآية دلت ههنا على أن الإنسان يعلم في الآخرة أن الذي يعمله في الدنيا لم يكن أصلح له وإن الذي تركه كان أصلح له، ومهما عرف ذلك لا بد وأن يندم عليه، وإذا حصل الندم فقد حصلت التوبة، ثم إنه تعالى نفى كون تلك التوبة نافعة بقوله: { وَأَنَّىظ° لَهُ ظ±لذّكْرَىظ° } فعلمنا أن التوبة لا يجب عقلاً قبولها، فإن قيل القوم: إنما ندموا على أفعالهم لا لوجه قبحها بل لترتب العقاب عليها، فلا جرم ما كانت التوبة صحيحة؟ قلنا: القوم لما علموا أن الندم على القبيح لا بد وأن يكون لوجه قبحه حتى يكون نافعاً وجب أن يكون ندمهم واقعاً على هذا الوجه، فحينئذ يكونون آتين بالتوبة الصحيحة مع عدم القبول فصح قولنا...

    ملحوظة

    قال ابن كثير فى البداية والنهاية

    روى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو ابن السمّاك عن حنبل أنَّ أحمد بن حنبل تأوّلَ قوله تعالى: وَجَاءَ رَبّكَ أنَّه جاء ثوابه ، ثمَّ قال البيهقي : وهذا إسناد لا غبار عليه. ......

    ملحوظة

    مذهب السلف معروف فى الصفات تفويض معنى ونفى كيف

    قال الرازى

    وإنما قال: { لِحَيَاتِى } ولم يقل: لهذه الحياة على معنى أن الحياة كأنها ليست إلا الحياة في الدار الآخرة، قال تعالى:
    { وَإِنَّ ظ±لدَّارَ ظ±لاْخِرَةَ لَهِىَ ظ±لْحَيَوَانُ }
    [العنكبوت: 64] أي لهي الحياة. وثانيها: أنه تعالى قال في حق الكافر:
    { وَيَأْتِيهِ ظ±لْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ }
    [إبراهيم: 17] وقال:
    { فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىظ° }
    [طه: 74] وقال:
    { وَيَتَجَنَّبُهَا ظ±لأَشْقَى * ظ±لَّذِى يَصْلَى ظ±لنَّارَ ظ±لْكُبْرَىظ° * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىظ° }
    [الأعلى: 11 - 13] فهذه الآية دلت على أن أهل النار في الآخرة كأنه لا حياة لهم، والمعنى فياليتني قدمت عملاً يوجب نجاتي من النار حتى أكون من الأحياء. وثالثها: أن يكون المعنى: فياليتني قدمت وقت حياتي في الدنيا، كقولك جئته لعشر ليال خلون من رجب. المسألة الثانية: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقاً بقصدهم وإرادتهم وأنهم ما كانوا محجوبين عن الطاعات مجترئين على المعاصي وجوابه: أن فعلهم كان معلقاً بقصدهم، فقصدهم إن كان معلقاً بقصد آخر لزم التسلسل، وإن كان معلقاً بقصد الله فقد بطل الاعتزال...

    المسألة الرابعة: من القدماء من زعم أن النفوس أزلية، واحتجوا بهذه الآية وهي قوله: { ظ±رْجِعِى إِلَىظ° رَبّكِ } فإن هذا إنما يقال: لما كان موجوداً قبل هذا البدن. واعلم أن هذا الكلام يتفرع على أن هذا الخطاب متى يوجد؟ وفيه وجهان الأول: أنه إنما يوجد عند الموت، وههنا تقوى حجة القائلين بتقدم الأرواح على الأجساد، إلا أنه لا يلزم من تقدمها عليها قدمها الثاني: أنه إنما يوجد عند البعث والقيامة، والمعنى: ارجعي إلى ثواب ربك، فادخلي في عبادي، أي ادخلي في الجسد الذي خرجت منه. المسألة الخامسة: المجسمة تمسكوا بقوله: { إِلَىظ° رَبّكَ } وكلمة إلى لانتهاء الغاية وجوابه: إلى حكم ربك، أو إلى ثواب ربك أو إلى إحسان ربك والجواب: الحقيقي المفرع على القاعدة العقلية التي قررناها، أن القوة العقلية بسيرها العقلي تترقى من موجود إلى موجود آخر، ومن سبب إلى سبب حتى تنتهي إلى حضرة واجب الوجود، فهناك انتهاء الغايات وانقطاع الحركات...

    وقال الماتريدى

    ثم لم ينصرف وهم أحد في قوله - تعالى -: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِظ±لْمِرْصَادِ } إلى إتيان مكان، فما بال بعض الناس انصرف وهمهم في قوله:
    { ظ±لرَّحْمَـظ°نُ عَلَى ظ±لْعَرْشِ ظ±سْتَوَىظ° }
    [طه: 5] على: جعل العرش مكانا له....

    ومما يدل على أنه لا يفهم بالمجيء معنى واحد، بل يقتضي معاني: أن المجيء إذا أضيف إلى الأعراض، فهم به غير الذي يفهم به إذا أضيف إلى الأجسام؛ فإنه إذا أضيف إلى الأعراض أريد به الظهور؛ قال الله تعالى:
    { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ظ±للَّهِ }
    [النصر: 1] ومعناه: إذا ظهر نصره، ولم يرد به الانتقال، ولو كان مضافا إلى الجسم، فهم منه الانتقال من موضع إلى موضع.

    وقال الله تعالى:
    { وَقُلْ جَآءَ ظ±لْحَقُّ وَزَهَقَ ظ±لْبَاطِلُ }
    [الإسراء: 81]، ومعناه: ظهر الحق، واضمحل الباطل، لا أن يكون الحق في مكان، فنقل عنه إلى غيره؛ فثبت أن المجيء إذا أضيف إلى شيء وجب أن يوصل به ما يليق به؛ لا أن يفهم به كله معنى واحد.

    وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - حكاية عن الله تعالى -: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، ومن أتاني ساعيا أتيته هرولة "

    ولم يفهم من هذا التقرب ما يفهم منه إذا أضيف إلى الخلق، وكان معناه: من تقرب إلي بالطاعة والعبادة تقربت إليه بالتوفيق والنصر أو بالإحسان والإنعام.

    وقال موسى - عليه السلام -: " يا رب أقريب أنت فأناجيك أو بعيد فأناديك؟! " ، ولم يرد به المكان؛ وإنما أراد بقوله: أراض أنت عني فأناجيك، أو ساخط علي فأناديك في أن أعلن بالبكاء والتضرع؟!

    ثم الأصل في المجيء المضاف إلى الله - تعالى - أن يتوقف فيه؛ ولا يقطع الحكم على شيء؛ لما ذكرنا أن المجيء ليس يراد به وجه واحد؛ لأنه إذا أضيف إلى الأعراض أريد به غير الذي يراد به إذا أضيف إلى الأجسام والأشخاص، [والله أعلم].

    والله تعالى لا يوصف بالجسمية حتى يفهم من مجيئه ما يفهم من مجيء الأجسام، ولا يوصف بالعرض؛ ليراد به ما يراد من مجيء الأعراض؛ فحقه الوقف في تفسيره مع اعتقاد ما ثبت بالتنزيل من غير تشبيه، والله أعلم....

  2. #737
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة البلد

    قال الماتريدى

    ومعنى قوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا ظ±لإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } عندنا: لقد خلقنا الإنسان لما له يكابد، فإن كانت مكابدته في طاعة الله تعالى، وكان مؤثرا لها - فقد خلق للجنة، وإن كانت مكابدته في أمر الشيطان، فهو للنار خلق، وعلى هذا يخرج قوله - تعالى -:
    { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ظ±لْجِنِّ وَظ±لإِنْسِ }
    [الأعراف: 179]، أي: ذرأ من يعلم أنه يؤثر طاعة الشيطان وعصيان الرحمن لجهنم، وذرأ من يعلم أنه يعبد الله ويوحده للعبادة بقوله:
    { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
    [الذاريات: 56]. والأصل: أن الحكيم أبدا يقصد بفعله العاقبة إلا الذي ليست له معرفة بالعاقبة، فأما من عرف العاقبة فابتداء فعله يقع لتلك العاقبة، فإن كانت عاقبته النار؛ فابتداء الخلق من الله - تعالى - يقع لذلك الوجه، وإن كانت عاقبته الجنة فهو لذلك الوجه ما خلق؛ فعلى هذا يخرج تأويل قوله - عليه السلام -: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " وهو لا يوصف بالسعادة والشقاوة في ذلك الوقت؛ ولكن معناه أنه: إذا آثر الشقاوة في حالة الامتحان خلق كذلك، وإذا آثر السعادة فكذلك أيضا.

    وقال نوح - عليه السلام -:
    { وَلاَ يَلِدُوغ¤اْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً }
    [نوح: 27]، وهم في وقت ما ولدوا غير موصوفين بواحد من الوصفين، بل يصيرون كذلك؛ فيتبين أنهم خلقوا لذلك؛ فموقع القسم على ما له يكابد، ليس على المكابدة نفسها؛ لأن المكابدة من الإنسان ظاهرة لا يحتاج إلى تأكيدها بالقسم.

    وقولنا: إن المقصود من ابتداء الفعل العاقبة قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أردت أمرا فدبر عاقبته، فإن كانت رشدا فأمضه، وإن كانت غيا فانته ".

    وزعمت المعتزلة أن الله - تعالى - لم يخلق أحدا من البشر إلا ليعبده، ولو كان الأمر على ما زعموا وظنوا، لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، أو وجب أن يكون الفعل خارجا مخرج الخطأ؛ لأن كل من صنع أمرا يريد غير الذي يكون جاهلا بالعواقب، أو عابثا بالفعل؛ لأن من يبني لشيء يعلم أنه لا يكون، عد ذلك منه عبثا، ولو كان غير الذي يريده، وهو أن يبني ليسكن [فيه]، ثم ينقض قبل أن يسكن، كان الذي حمله على البناء جهله بالعواقب. وجل الله - تعالى - من أن يلحقه خطأ في التدبير أو جهل بالعواقب؛ فثبت بما ذكرنا أن الله - تعالى - شاء لكل فريق ما علم الذي يكون منهم، وخلقهم لذلك الوجه دون أن يكون خلق الجملة للعبادة، والله أعلم....

    وقوله: { وَهَدَيْنَاهُ ظ±لنَّجْدَينِ }.

    أي: بينا له ما عليه، وما له، وما يحمد عليه، وما يذم، وما يقبح ويجمل، والنجد: الطريق، فبين [للخلق] الطريقين جميعا: طريق الخير والشر، ومكنهم من الفعلين جميعا.

    وقال بعضهم: النجدان: الثديان، أي: هديناه الثديين في حالة الإرضاع.

    ولكن التبيين والهداية لم ينصرف إلى هذا خصوصا، بل هذا من بعض ما هداه وبينه، فقد بين له غيره من الأمور، ولا قيد في اللفظ؛ فيحمل على الإطلاق والعموم....

  3. #738
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة الشمس

    قال الرازى

    وَظ±لسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا }

    فيه سؤالات: السؤال الأول: أن الذي ذكره صاحب «الكشاف» من أن { مَا } ههنا لو كانت مصدرية لكان عطف { فَأَلْهَمَهَا } عليه يوجب فساد النظم حق، والذي ذكره القاضي من أنه لو كان هذا قسماً بخالق السماء، لما كان يجوز تأخيره عن ذكر الشمس، فهو إشكال جيد، والذي يخطر ببالي في الجواب عنه: أن أعظم المحسوسات هو الشمس، فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها، ثم ذكر ذاته المقدسة بعد ذلك ووصفها بصفات ثلاثة وهي تدبيره سبحانه للسماء والأرض وللمركبات، ونبه على المركبات بذكر أشرفها وهي النفس، والغرض من هذا الترتيب هو أن يتوافق العقل والحس على عظمة جرم الشمس ثم يحتج العقل الساذج بالشمس، بل بجميع السماويات والأرضيات والمركبات على إثبات مبدىء لها، فحينئذ يحظى العقل ههنا بإدراك جلال الله وعظمته على ما يليق به، والحس لا ينازعه فيه. فكان ذلك كالطريق إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات إلى يفاع عالم الربوبية، وبيداء كبرياء الصمدية، فسبحان من عظمت حكمته وكملت كلمته. السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله: { وَظ±لسَّمَاء وَمَا بَنَـظ°هَا }؟ الجواب: أنه سبحانه لما وصف الشمس بالصفات الأربعة الدالة على عظمتها، أتبعه ببيان ما يدل على حدوثها وحدوث جميع الأجرام السماوية، فنبه بهذه الآية على تلك الدلالة، وذلك لأن الشمس والسماء متناهية، وكل متناه فإنه مختص بمقدار معين. مع أنه كان يجوز في العقل وجود ما هو أعظم منه، وما هو أصغر منه، فاختصاص الشمس وسائر السماويات بالمقدار المعين، لا بد وأن يكون لتقدير مقدر وتدبير مدبر، وكما أن باني البيت يبنيه بحسب مشيئته، فكذا مدبر الشمس وسائر السماويات قدرها بحسب مشيئته، فقوله: { وَمَا بَنَـظ°هَا } كالتنبيه على هذه الدقيقة الدالة على حدوث الشمس وسائر السماويات. السؤال الثالث: لم قال: { وَمَا بَنَـظ°هَا } ولم يقل: ومن بناها؟ الجواب: من وجهين الأول: أن المراد هو الإشارة إلى الوصفية، كأنه قيل: والسماء وذلك الشيء العظيم القادر الذي بناها، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها والثاني: أن ما تستعمل في موضع من كقوله:
    { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ظ±لنّسَاء }
    [النساء: 22] والاعتماد على الأول. السؤال الرابع: لم ذكر في تعريف ذات الله تعالى هذه الأشياء الثلاثة وهي السماء والأرض والنفس؟ والجواب: لأن الاستدلال على الغائب لا يمكن إلا بالشاهد، والشاهد ليس إلا العالم الجسماني وهو قسمان بسيط ومركب، والبسيط قسمان: العلوية وإليه الإشارة بقوله: { وَظ±لسَّمَاء } والسفلية وإليه الإشارة بقوله:
    { وظ±لأَرْضِ }
    [الشمس: 6] والمركب هو أقسام، وأشرفها ذوات الأنفس وإليه الإشارة بقوله:
    { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا }
    [الشمس: 7]....

    فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }

    فالمعنى المحصل فيه وجهان الأول: أن إلهام الفجور والتقوى، إفهامها وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح وتمكينه من اختيار ما شاء منهما، وهو كقوله:
    { وَهَدَيْنَـظ°هُ ظ±لنَّجْدَينِ }
    [البلد: 10] وهذا تأويل مطابق لمذاهب المعتزلة، قالوا: ويدل عليه قوله بعد ذلك:
    { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـظ°هَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـظ°هَا }
    [الشمس: 109] وهذا الوجه مروى عن ابن عباس وعن جمع من أكابر المفسرين والوجه الثاني: أنه تعالى ألهم المؤمن المتقي تقواه وألهم الكافر فجوره، قال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها، وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها بالفجور، واختار الزجاج والواحدي ذلك، قال الواحدي: التعليم والتعريف والتبيين، غير والإلهام غير،فإن الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه شيئاً فقد ألزمه إياه. وأصل معنى الإلهام من قولهم: لهم الشيء، والتهمه إذا ابتلعه، وألهمته ذلك الشيء أي أبلغته، وهذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد، لأنه كالإبلاغ، فالتفسير الموافق لهذا الأصل قول ابن زيد، وهو صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره، وأما التمسك بقوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـظ°هَا } فضعيف لأن المروي عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي أن المعنى قد أفلحت وسعدت نفس زكاها الله تعالى وأصلحها وطهرها، والمعنى وفقها للطاعة، هذا آخر كلام الواحدي وهو تام. وأقول قد ذكرنا أن الآيات الثلاثة ذكرت للدلالة على كونه سبحانه مدبراً للأجسام العلوية والسفلية البسيطة والمركبة، فههنا لم يبق شيء مما في عالم المحسوسات إلا وقد ثبت بمقتضى ذلك التنبيه أنه واقع بتخليقه وتدبيره، بقي شيء واحد يختلج في القلب أنه هل هو بقضائه وقدره وهو الأفعال الحيوانية الاختيارية، فنبه سبحانه بقوله: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } على أن ذلك أيضاً منه وبه وبقضائه وقدره، وحينئذ ثبت أن كل ما سوى الله فهو واقع بقضائه وقدره. وداخل تحت إيجاده وتصرفه. ثم الذي يدل عقلاً على أن المراد من قوله: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } هو الخذلان والتوفيق ما ذكرنا مراراً أن الأفعال الاختيارية موقوفة على حصول الاختيارات، فحصولها إن كان لا عن فاعل فقد استغنى المحدث عن الفاعل، وفيه نفي الصانع، وإن كان عن فاعل هو العبد لزم التسلسل، وإن كان عن الله فهو المقصود، وأيضاً فليجرب العاقل نفسه. فإنه ربما كان الإنسان غافلاً عن شيء فتقع صورته في قلبه دفعة، ويترتب على وقوع تلك الصورة في القلب ميل إليه، ويترتب على ذلك الميل حركة الأعضاء وصدور الفعل، وذلك يفيد القطع بأن المراد من قوله: { فَأَلْهَمَهَا } ما ذكرناه لا ما ذكره المعتزلة

    { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا }

    فاعلم أن التزكية عبارة عن التطهير أو عن الإنماء، وفي الآية قولان أحدهما: أنه قد أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ومجانبة المعصية والثاني: قد أفلح من زكاها الله، وقبل القاضي هذا التأويل، وقال المراد منه أن الله حكم بتزكيتها وسماها بذلك، كما يقال في العرف: إن فلاناً يزكي فلاناً، ثم قال: والأول أقرب، لأن ذكر النفس قد تقدم ظاهراً، فرد الضمير عليه أولى من رده على ما هو في حكم المذكور لا أنه مذكور. واعلم أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد، بألهمها ما ذكرناه فوجب حمل اللفظ عليه. وأما قوله بأن هذا محمول على الحكم والتسمية فهو ضعيف، لأن بناء التفعيلات على التكوين، ثم إن سلمنا ذلك لكن ما حكم الله به يمتنع تغيره، لأن تغير المحكوم به يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب، وتغير العلم إلى الجهل وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال. أما قوله ذكر النفس قد تقدم، قلنا: هذا بالعكس أولى، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود الضمير إلى الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد، وقوله: { فَأَلْهَمَهَا } أقرب إلى قوله: { مَا } منه إلى قوله: { وَنَفْسٍ } فكان الترجيح لما ذكرناه، ومما يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدي في البسيط عن سعيد بن أبي هلال أنه عليه السلام كان إذا قرأ: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـظ°هَا } وقف وقال: " اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها وأنت مولاها، وزكها أنت خير من زكاها ...

    قال سيدى وحبيبي الحافظ ابن كثير

    وقوله تعالى { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـظ°هَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـظ°هَا } يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى نفسه، أي بطاعة الله، كما قال قتادة وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل، ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، وكقوله تعالى
    { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىظ° وَذَكَرَ ظ±سْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىظ° }
    الأعلى 14 ــــ 15 { وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـظ°هَا } أي دسسها، أي أخملها، ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي، وترك طاعة الله عز وجل، وقد يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي وأبو زرعة قالا حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك، يعني عمرو بن الحارث عن عمرو ابن هشام عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قول الله عز وجل { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـظ°هَا } قال النبي صلى الله عليه وسلم

    أفلحت نفس زكاها الله عز وجل " ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي مالك به، وجويبر هذا هو ابن سعيد، متروك الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس، وقال الطبراني حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهذه الآية { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } وقف ثم قال " اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها ". حديث آخر قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن عبدالله الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } ، قال " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " لم يخرجوه من هذا الوجه، وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمر عن صالح بن سعيد عن عائشة أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول " رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " تفرد به. حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث عن زيد بن أرقم، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر. اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها " قال زيد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمناهن ونحن نعلمكموهن، رواه مسلم من حديث أبي معاوية عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث وأبي عثمان النهدي عن زيد بن أرقم به....

    وقال الزمخشري المعتزلي

    وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكّى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى (من) لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون على الله قدراً هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه

    قلت انا اسامة محمد خيري

    يازمخشري هذا قول نبيك وليس قول اهل السنة فقط

    قال الرازى

    وأما أصحابنا فقالوا: المعنى خابت وخسرت نفس أضلها الله تعالى وأغواها وأفجرها وأبطلها وأهلكها

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }:

    هذا يحتمل أوجها:

    أحدها: أي: بين لها فجورها وتقواها وعلمها، فمن زعم أن المعارف ضرورية خلقة، يحتج بهذه الآية، فيقول: أخبر - تعالى - أنه علمها فجورها وتقواها، وأنه وضع في نفسه ما يعرف به قبح كل قبيح، وحسن [كل حسن].

    والأصل فيه عندنا: أنه يعرف حسن الأشياء وقبحها جملة ببداية العقول، ولكن العقول لا تعرف حسن كل شيء على الإشارة إليه، ولا قبح كل قبيح على الإشارة إليه؛ وإنما تعرف ذلك إما بخبر يرد على ألسن الرسل عليهم السلام، أو باستعمال الفكر؛ ألا ترى أنك تجد النفس من طبعها أنها تألف الملاذ والمنافع، وتنفر عن المكاره والآلام، ولكنها لا تعرف معرفة كل منتفع على الإشارة إليه ولا ضرارة أعين الأشياء؛ وإنما تعرف ذلك بالذوق.

    وكذلك العين تدرك الألوان، لكنها لا تعرف حسنه وقبحه؛ بل العقل هو الذي يفصل بينهما، فعلى ذلك قد جعل في طبع العقل قبح القبائح جملة وحسن الحسن، ولكن لا يفصل بينهما على الإشارة إلى كل في نفسه إلا بما ذكرنا؛ فيكون قوله: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } ، أي: جعل في نفسها ما يبين القبيح من الحسن، والخبيث من الطيب، ويبين قبح الفجور وحسن التقوى، ويلزمه المحنة والكلفة بذلك، ثم يصل إلى معرفة ذلك إما بالرسل، وإما باستعمال الفكر.

    ويحتمل وجها آخر، وهو أن يلهمها تقواها إذا وفى بما لله تعالى عليه من الاستقامة على الطريقة والمجاهدة؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -:
    { وَظ±لَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }
    [العنكبوت: 69]، فوعد الهداية بالجهاد، وقال - تعالى -:
    { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ظ±لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }
    [البقرة: 186]، ثم كانت الإجابة مضمنة شريطة، وهي أن يستجيب له الداعي فيما دعاه إليه؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -:
    { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }
    [البقرة: 186]، وقال - تعالى -:
    { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيغ¤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }
    [البقرة: 40]، وقال:
    { إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ظ±لصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ظ±لزَّكَاةَ... }
    الآية [المائدة: 12]؛ فثبت أن الذي يلهم التقوى هو الذي يقوم بوفاء ما عليه، فإذا قام به ألهمه التقوى، وبين له سبيل الفجور.

    وقال أبو بكر الأصم في قوله: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } ، أي: ألزمها فجورها وتقواها؛ فتكون تقواها لها، وفجورها عليها، لا يؤخذ أحد بفجور أحد، وفي هذا دليل على أن التقوى إذا ذكر مفردا انصرف إلى الخيرات أجمع، وإذا قرن به البر والإعطاء، انصرف إلى الاتقاء عن المحارم، كقوله - تعالى -
    { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىظ° وَظ±تَّقَىظ° * وَصَدَّقَ... }
    [الليل: 5-6]، وإذا قيل: بر، واتقى، أريد به: أنه بر بكل ما يحمد عليه، واتقى عن كل ما يذم عليه فاعله.

  4. #739
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة الليل

    قال الرازى

    استدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق والخذلان، فقالوا: إن قوله تعالى: { فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىظ° } يدل على أنه تعالى خص المؤمن بهذا التوفيق، وهو أنه جعل الطاعة بالنسبة إليه أرجح من المعصية، وقوله: { فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىظ° } يدل على أنه خص الكافر بهذا الخذلان، وهو أنه جعل المعصية بالنسبة إليه أرجح من الطاعة، وإذا دلت الآية على حصول الرجحان لزم القوم بالوجوب لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومعلوم أن حال الاستواء يمتنع الرجحان، فحال المرجوحية أولى بالامتناع، وإذا امتنع أحد الطرفين وجب حصول الطرف الآخر ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض.

    أجاب القفال رحمه الله عن وجه التمسك بالآية من وجوه أحدها: أن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور، قال تعالى:
    { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }
    [الشورى: 40] وقال:
    { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
    [الإنشقاق: 24] فلما سمى الله فعل الألطاف الداعية إلى الطاعات تيسيراً لليسرى، سمى ترك هذه الألطاف تيسيراً للعسرى وثانيها: أن يكون ذلك على جهة إضافة الفعل إلى المسبب له دون الفاعل. كما قيل في الأصنام:
    { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ظ±لنَّاسِ }
    [إبراهيم: 36] وثالثها: أن يكون ذلك على سبيل الحكم به والإخبار عنه والجواب: عن الكل أنه عدول عن الظاهر، وذلك غير جائز، لاسيما أنا بينا أن الظاهر من جانبنا متأكد بالدليل العقلي القاطع، ثم إن أصحابنا أكدوا ظاهر هذه الآية بما روى عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من نفس منفوسة إلا وقد علم الله مكانها من الجنة والنار، قلنا: أفلا نتكل؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له " أجاب القفال عنه بأن الناس كلهم خلقوا ليعبدوا الله، كما قال:
    { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
    [الذاريات: 56] واعلم أن هذا ضعيف لأنه عليه السلام إنما ذكر هذا جواباً عن سؤالهم، يعني اعملوا فكل ميسر لما وافق معلوم الله، وهذا يدل على قولنا: أن ما قدره الله على العبد وعلمه منه فإنه ممتنع التغيير، والله أعلم.

    وقال الزمخشري

    فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىظ° } فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدّه، من قوله:
    { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ظ±لسَّمَاء }

    قال الرازى

    فاعلم أنه تعالى لما عرفهم أن سعيهم شتى في العواقب وبين ما للمحسن من اليسرى وللمسيء من العسرى، أخبرهم أنه قد قضى ما عليه من البيان والدلالة والترغيب والترهيب والإرشاد والهداية فقال: { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىظ° } أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد وشرح ما يكون المتعبد به مطيعاً مما يكون به عاصياً، إذ كنا إنما خلقناهم لننفعهم ونرحمهم ونعرضهم للنعيم المقيم، فقد فعلنا ما كان فعله واجباً علينا في الحكمة، والمعتزل احتجوا بهذه الآية على صحة مذهبهم في مسائل إحداها: أنه تعالى أباح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في وسعه وطاقته، فثبت أنه تعالى لا يكلف بما لا يطاق وثانيها: أن كلمة على للوجوب، فتدل على أنه قد يجب للعبد على الله شيء وثالثها: أنه لو لم يكن العبد مستقلاً بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة، وأجوبة أصحابنا عن مثل هذه الوجوه مشهورة، وذكر الواحدي وجهاً آخر نقله عن الفراء فقال المعنى: إن علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كما قال:
    { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ظ±لْحَرَّ }
    [النحل: 81] وهي تقي الحر والبرد، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي فذكر معنى الإضلال، قالت المعتزلة: هذا التأويل ساقط لقوله تعالى:
    { وَعَلَى ظ±للَّهِ قَصْدُ ظ±لسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ }
    [النحل: 9] فبين أن قصد السبيل على الله، وأما جور السبيل فبين أنه ليس على الله ولا منه، واعلم أن الاستقصاء قد سبق في تلك الآية...

    ملحوظة

    قال الرازى فى النحل

    قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار، لأنه تعالى قال: { وَعَلَى ظ±للَّهِ قَصْدُ ظ±لسَّبِيلِ } وكلمة «على» للوجوب قال تعالى:
    { وَللَّهِ عَلَى ظ±لنَّاسِ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ }
    [آل عمران: 97] ودلت الآية أيضاً على أنه تعالى لا يضل أحداً ولا يغويه ولا يصده عنه، وذلك لأنه تعالى لو كان فاعلاً للضلال لقال: { وَعَلَى ظ±للَّهِ قَصْدُ ظ±لسَّبِيلِ } وعليه جائرها أو قال: وعليه الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه عليه، ولم يقل في جور السبيل أنه عليه بل قال { وَمِنْهَا جَائِرٌ } دل على أنه تعالى لا يضل عن الدين أحداً. أجاب أصحابنا أن المراد على الله بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح فإما أن يبين كيفية الاغواء والإضلال فذلك غير واجب فهذا هو المراد، والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } يدل على أنه تعالى ما شاء هداية الكفار، وما أراد منهم الإيمان، لأن كلمة لو تفيد انتفاء شيء لانتفاء شيء غيره قوله { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ } معناه: لو شاء هدايتكم لهداكم، وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم، وذلك يدل على المقصود. وأجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم، وهذا يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل. وأجاب الجبائي بأن المعنى: ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل الثواب لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه، ولم يرد به الهدى إلى الإيمان، لأنه مقدور جميع المكلفين. وأجاب بعضهم فقال المراد: ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل التفضل، إلا أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبين، فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب، والله أعلم. واعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مراراً وأطواراً مع الجواب فلا فائدة في الإعادة.

  5. #740
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    قال الرازى

    لاَ يَصْلَـظ°هَا إِلاَّ ظ±لأَشْقَى } قال ابن عباس: نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذبوا محمداً والأنبياء قبله، وقيل: إن الأشقى بمعنى الشقي كما يقال: لست فيها بأوحد أي بواحد، فالمعنى لا يدخلها إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات الله، وتولى أي أعرض عن طاعة الله. واعلم أن المرجئة يتمسكون بهذه الآية في أنه لا وعيد إلا على الكفار، قال القاضي: ولا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها، ويدل على ذلك ثلاثة أوجه أحدها: أنه يقتضي أن لا يدخل النار إلا الأَشقى الذي كذب وتولى فوجب في الكافر الذي لم يكذب ولم يتول أن لا يدخل النار وثانيها: أن هذا إغراء بالمعاصي، لأنه بمنزلة أن يقول الله تعالى: لمن صدق بالله ورسوله ولم يكذب ولم يتول: أي معصية أقدمت عليها، فلن تضرك، وهذا يتجاوز حد الإغراء إلى أن تصير كالإباحة، وتعالى الله عن ذلك وثالثها: أن قوله تعالى: من بعد
    { وَسَيُجَنَّبُهَا ظ±لأَتْقَى }
    [الليل: 17] يدل على ترك هذا الظاهر لأنه معلوم من حال الفاسق، أنه ليس بأتقى، لأن ذلك مبالغة في التقوى، ومن يرتكب عظائم الكبائر لا يوصف بأنه أتقى، فإن كان الأول يدل على أن الفاسق لا يدخل النار، فهذا الثاني يدل على أن الفاسق لا يجنب النار، وكل مكلف لا يجنب النار، فلا بد وأن يكون من أهلها، ولما ثبت أنه لا بد من التأويل، فنقول: فيه وجهان الأول: أن يكون المراد بقوله: { نَاراً تَلَظَّىظ° } ناراً مخصوصة من النيران، لأنها دركات لقوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ فِى ظ±لدَّرْكِ ظ±لأَسْفَلِ مِنَ ظ±لنَّارِ }
    [النساء: 145] فالآية تدل على أن تلك النار المخصوصة لا يصلاها سوى هذا الأشقى، ولا تدل على أن الفاسق وغير من هذا صفته من الكفار لا يدخل سائر النيران الثاني: أن المراد بقوله: { نَاراً تَلَظَّىظ° } النيران أجمع، ويكون المراد بقوله: { لاَ يَصْلَـظ°هَا إِلاَّ ظ±لأَشْقَى } أي هذا الأشقى به أحق، وثبوت هذه الزيادة في الاستحقاق غير حاصل إلا لهذا الأشقى. واعلم أن وجوه القاضي ضعيفة. أما قوله أولاً: يلزم في غير هذا الكافر أن لا يدخل النار فجوابه: أن كل كافر لا بد وأن يكون مكذباً للنبي في دعواه، ويكون متولياً عن النظر في دلالة صدق ذلك النبي، فيصدق عليه أنه أشقى من سائر العصاة، وأنه كذب وتولى وإذا كان كل كافر داخلاً في الآية سقط ما قاله القاضي. وأما قوله ثانياً: إن هذا إغراء بالمعصية فضعيف أيضاً، لأنه يكفي في الزجر عن المعصية حصول الذم في العاجل وحصول غضب الله بمعنى أنه لا يكرمه ولا يعظمه ولا يعطيه الثواب، ولعله يعذبه بطريق آخر، فلم يدل دليل على انحصار طريق التعذيب في إدخال النار.

    وأما قوله ثالثاً: { وَسَيُجَنَّبُهَا ظ±لأَتْقَى } فهذا لا يدل على حال غير الأتقى إلا على سبيل المفهوم، والتمسك بدليل الخطاب وهو ينكر ذلك فكيف تمسك به؟ والذي يؤكد هذا أن هذا يقتضي فيمن ليس بأتقى دخول النار، فيلزم في الصبيان والمجانين أن يدخلوا النار وذلك باطل. وأما قوله رابعاً: المراد منه نار مخصوصة، وهي النار التي تتلظى فضعيف أيضاً، لأن قوله: { نَاراً تَلَظَّىظ° } يحتمل أن يكون ذلك صفة لكل النيران، وأن يكون صفة لنار مخصوصة، لكنه تعالى وصف كل نار جهنم بهذا الوصف في آية أخرى، فقال:
    { كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىظ° نَزَّاعَةً لّلشَّوَىظ° }
    [المعارج: 15]. وأما قوله: المراد إن هذا الأشقى أحق به فضعيف لأنه ترك للظاهر من غير دليل، فثبت ضعف الوجوه التي ذكرها القاضي، فإن قيل: فما الجواب عنه على قولكم، فإنكم لا تقطعون بعدم وعيد الفساق؟ الجواب: من وجهين: الأول: ما ذكره الواحدي وهو أن معنى: { لاَ يَصْلَـظ°هَا } لا يلزمها في حقيقة اللغة، يقال: صلى الكافر النار إذا لزمها مقاسياً شدتها وحرها، وعندنا أن هذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر، أما الفاسق فإما أن لا يدخلها أو إن دخلها تخلص منها الثاني: أن يخص عموم هذا الظاهر بالآيات الدالة على وعيد الفساق، والله أعلم.

    ملحوظة

    كل فرقة تستدل علي عقيدتها بتفسير للقرآن والمتشابه عند قوم محكم عند قوم

    قال الالوسي

    وَسَيُجَنَّبُهَا } أي سيبعد عنها { ظ±لأَتْقَى } المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي فلا يحوم حولها. واستشكل بأن صلى النار دخولها أو مقاساة حرها وهو لازم دخولها على المشهور فالحصر السابق يقتضي أن لا يصلى المؤمن العاصي النار لأنه ليس داخلاً في عموم الأشقى الموصوف بما ذكر وأن { وَسَيُجَنَّبُهَا ظ±لأَتْقَى } يقتضي بمفهومه أن غير الأتقى أعني التقى في الجملة وهو المؤمن العاصي لا يجنبها بل يصلاها فبين الحصرين مخالفة.

    وأجيب بأن الصلي ليس مطلق دخول النار ولا مطلق مقاساة حرها بل هو مقاساته على وجه الأشدية فقد نقل ابن المنير عن أئمة اللغة أن الصلي أن يحفروا حفيرة فيجمعوا فيها جمراً كثيراً ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه فالمعنى لا يعذب بين أطباقها ولا يقاسي حرها على وجه الأشدية إلا الأشقى وسيبعد عنها الأتقى فلا يدخلها فضلاً عن مقاساة ذلك فيلزم من الأول أن غير الأشقى وهو المؤمن العاصي لا يعذب بين أطباقها ولا يقاسي حرها على وجه الأشدية ولا يلزم منه أن لا يدخلها ولا يعذب بها أصلاً فيجوز أن يدخلها ويعذب بها على وجهها عذاباً دون ذلك العذاب ويلزم من الثاني أن غير الأتقى لا يجنبها ولا يلزم منه أن غيره أعني التقي في الجملة وهو المؤمن العاصي يصلاها ويعذب بين أطباقها أشد العذاب بل غايته أنه لا يجنبها فيجوز أن يدخلها ويعذب بها على وجهها عذاباً ليس بالأشد فلا مخالفة بين الحصرين. واعتبر بعضهم في الصلي الأشدية لما ذكر واللزوم هنا لمقابلته بقوله تعالى { وَسَيُجَنَّبُهَا } كذا قيل واستحسن جعل السين للتأكيد ليكون المعنى يجنبها الأتقى ولا بد فيفيد على القول بالمفهوم أن غيره وهو المؤمن العاصي / لا يجنبها ولا بد على معنى أنه يجوز أن يجنبها ويجوز أن لا يجنبها بل يدخلها غير صال بها.

    وقرر الزمخشري الاستشكال بأنه قد علم أن كل شقي بصلاها وكل تقي يجنبها لا يختص الصلي بأشقى الأشقياء ولا التجنب والنجاة بأتقى الأتقياء وظاهر الجملتين ذلك وأجاب بما حاصله أن الحصر حيث كانت الآية واردة للموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين ادعائي مبالغة لا حقيقي كأن غير هذا الأشقى غير صال وغير هذا الأتقى غير مجنب بالكلية واستحسنه في «الكشف» فقال هو معنى حسن وأنت تعلم أن مبنى ما قاله على الاعتزال وتخليد العصاة في النار.

    وقال القاضي إن قوله تعالى
    { لاَ يَصْلاَهَآ }
    [الليل: 15] لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر كما يقول المرجئة وذلك لأنه تعالى نكر النار فيها فالمراد أن ناراً من النيران لا يصلاها إلا من هذه حاله والنار دركات على ما علم من الآيات فمن أين عرف أن هذه النار لا يصلاها قوم آخرون؟ وتعقبه الزمخشري بأنه ما يصنع عليه بقوله تعالى { وَسَيُجَنَّبُهَا ظ±لأَتْقَى } فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة لا الأتقى منهم خاصة وأجيب بأنه لعل هذا القائل لا يقول بمفهوم الصفة ونحوها فلا تفيد الآية المذكورة عنده الحصر ويكون تمييز هذا الأتقى عنده بمجموع التجنب وما سيذكر بعد ولعل كل من لا يقول بالمفهوم لا يشكل عليه الأمر إلا أمر الحصر في { لاَ يَصْلاَهَآ } الخ فإنه كالنص في بادىء النظر فيما يدعيه المرجئة لحملهم الصلي فيه على مطلق الدخول وأيدوه بما أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وابن مردويه عن أبـي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

    لا يدخل النار إلا من شقى قيل ومن الشقي قال الذي لا يعمل لله تعالى طاعة ولا يترك لله تعالى معصية " وهذا الخبر ونحوه من الأخبار مما يستندون إليه في تحقيق دعواهم وأهل السنة يؤولون ما صح من ذلك للنصوص الدالة على تعذيب بعض ممن ارتكب الكبيرة على ما بين في موضعه.

    وقيل في الجواب أن المراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي وشاع أفعل في مثل ذلك ومنه قول طرفة:
    تمنى رجال أن أموت فإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
    فإنه أراد بواحد. واعترض بأنه لا يحسم مادة الإشكال إذ ذلك الشقي في الآية ليس إلا الكافر فيلزم الحصر أن لا يدخل النار أو لا يعذب بها غيره مع أنه خلاف المذهب الحق وأيضاً إن ذلك التقي فيها قد وصف بما وصف فعلى القول بالمفهوم يلزم أن لا يجنبها التقي الغير الموصوف بذلك كالتقي الذي لا مال له وكغير المكلفين من الأطفال والمجانين مع أن الحق أنهم يجنبونها وقيل غير ذلك ولعلك بعد الاطلاع عليه وتدقيق النظر في جميع ما قيل واستحضار ما عليه الجماعة في أهل الجمع تستحسن إن قلت بالمفهوم ما استحسنه صاحب «الكشف» مما مر عن الزمخشري وإن لم تكن ممن يقول بتخليد أهل الكبائر من المؤمنين فتأمل.

    وجنب يتعدى إلى مفعولين فالضمير هظ°هنا المفعول الثاني والأتقى المفعول الأول وهو النائب عن الفاعل ويقال جنب فلان خيراً وجنب شراً وإذا أطلق فقيل جنب فلان فمعناه على ما قال الراغب أبعد عن الخير وأصل جنبته كما قيل جعلته على جانب منه وكثيراً ما يراد منه التبعيد ومنه ما هنا ولذا قلنا أي سيبعد عنها الأتقى.


    قال الرازى

    وَسَيُجَنَّبُهَا ظ±لأَتْقَى } * { ظ±لَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىظ° } * { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىظ° }

    معنى سيجنبها أي سيبعدها ويجعل منها على جانب يقال: جنبته الشيء أي بعدته وجنبته عنه، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أجمع المفسرون منا على أن المراد منه أبو بكر رضي الله تعالى عنه. واعلم أن الشيعة بأسرهم ينكرون هذه الرواية، ويقولون: إنها نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام والدليل عليه قوله تعالى:
    { وَيُؤْتُونَ ظ±لزَّكَوظ°ةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ }
    [المائدة: 55] فقوله: { ظ±لأَتْقَى * ظ±لَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىظ° } إشارة إلى ما في الآية من قوله: { يُؤْتُونَ ظ±لزَّكَوظ°ةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } ولما ذكر ذلك بعضهم في محضري قلت: أقيم الدلالة العقلية على أن المراد من هذه الآية أبو بكر وتقريرها: أن المراد من هذا الأتقى هو أفضل الخلق، فإذا كان كذلك، وجب أن يكون المراد هو أبو بكر، فهاتان المقدمتان متى صحتا صح المقصود، إنما قلنا: إن المراد من هذا الأتقى أفضل الخلق لقوله تعالى:
    { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ظ±للَّهِ أَتْقَـظ°كُمْ }
    [الحجرات: 13] والأكرم هو الأفضل، فدل على أن كل من كان أتقى وجب أن يكون أفضل، فإن قيل: الآية دلت على أن كل من كان أكرم كان أتقى، وذلك لا يقتضي أن كل من كان أتقى كان أكرم، قلنا وصف كون الإنسان أتقى معلوم مشاهد، ووصف كونه أفضل غير معلوم ولا مشاهد، والإخبار عن المعلوم بغير المعلوم هو الطريق الحسن، أما عكسه فغير مفيد، فتقدير الآية كأنه وقعت الشبهة في أن الأكرم عند الله من هو؟ فقيل: هو الأتقى، وإذا كان كذلك كان التقدير أتقاكم أكرمكم عند الله، فثبت أن الأتقى المذكور ههنا لا بد وأن يكون أفضل الخلق عند الله، فنقول: لا بد وأن يكون المراد به أبا بكر لأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله، إما أبو بكر أو علي، ولا يمكن حمل هذه الآية على علي بن أبي طالب، فتعين حملها على أبي بكر، وإنما قلنا: إنه لا يمكن حملها على علي بن أبي طالب لأنه قال في صفة هذا الأتقى: { وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىظ° } وهذا الوصف لا يصدق على علي بن أبي طالب، لأنه كان في تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه، ويكسوه، ويربيه، وكان الرسول منعماً عليه نعمة يجب جزاؤها، أما أبو بكر فلم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام عليه دنيوية، بل أبو بكر كان ينفق على الرسول عليه السلام بل كان للرسول عليه السلام عليه نعمة الهداية والإرشاد إلى الدين، إلا أن هذا لا يجزى، لقوله تعالى:
    { مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ }
    [الفرقان: 57] والمذكور ههنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى، فعلمنا أن هذه الآية لا تصلح لعلي بن أبي طالب، وإذا ثبت أن المراد بهذه الآية من كان أفضل الخلق وثبت أن ذلك الأفضل من الأمة، إما أبو بكر أو علي، وثبت أن الآية غير صالحة لعلي، تعين حملها على أبي بكر رضي الله عنه، وثبت دلالة الآية أيضاً على أن أبا بكر أفضل الأمة، وأما الرواية فهي أنه كان بلال عبداً لعبد الله بن جدعان، فسلح على الأصنام فشكا إليه المشركون فعله، فوهبه لهم، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء وهو يقول: أحد، أحد، فمر به رسول الله، وقال: ينجيك أحد، أحد.

    " ثم أخبر رسول الله أبا بكر أن بلالاً يعذب في الله: " فحمل أبو بكر رطلاً من ذهب فابتاعه به، فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده، فنزل: { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىظ° * إِلاَّ ظ±بْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ظ±لأَعْلَىظ° } وقال ابن الزبير وهو على المنبر: كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد. فنزلت هذه الآية....

    المجسمة تمسكوا بلفظة الوجه والملحدة تمسكوا بلفظة { رَبّهِ ظ±لاْعْلَىظ° } وإن ذلك يقضي وجود رب آخر، وقد تقدم الكلام على كل ذلك. المسألة الرابعة: ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب " الإمامة " ، فقال: الآية الواردة في حق علي عليه السلام:
    { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ظ±للَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً }
    [الإنسان: 109] والآية الواردة في حق أبي بكر: { إِلاَّ ظ±بْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ظ±لأَعْلَىظ° * وَلَسَوْفَ يَرْضَىظ° } فدلت الآيتان على أن كل واحد منهما إنما فعل ما فعل لوجه الله إلا أن آية علي تدل على أنه فعل ما فعل لوجه الله، وللخوف من يوم القيامة على ما قال: { إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } وأما آية أبي بكر فإنها دلت على أنه فعل ما فعل لمحض وجه الله من غير أن يشوبه طمع فيما يرجع إلى رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب، فكان مقام أبي بكر أعلى وأجل

    قال الطبطبائي الشيعى فى تفسيره

    وقد ورد من طرق أهل السنة أن السورة نزلت في أبي بكر قال الرازي في التفسير الكبير أجمع المفسرون منا على أن المراد منه - يعني من الأتقى - أبو بكر، واعلم أن الشيعة بأسرهم ينكرون هذه الرواية، ويقولون إنما نزلت في حق علي بن أبي طالب والدليل عليه قوله تعالى { ويؤتون الزكاة وهم راكعون } فقوله { الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى } إشارة إلى ما في تلك الآية من قوله { ويؤتون الزكاة وهم راكعون } ثم أخذ الأتقى بمعنى أفضل الخلق أي أتقى الناس جميعاً وقد تقدم الكلام فيه. أما ما نسب إلى الشيعة بأسرهم من القول فالمعتمد عليه من طرقهم صحيح الحميري المتقدم وما في معناه من الروايات الدالة على نزولها في أبي الدحداح الأنصاري. نعم ورد في رواية ضعيفة عن البرقي عن اسماعيل بن مهران عن أيمن بن محرز عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها، وأما قوله { وسيجنبها الأتقى } قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعه، و { الذي يؤتي ماله يتزكى } قال ذاك أمير المؤمنين عليه السلام وهو قوله { ويؤتون الزكاة وهم راكعون } وقوله { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } فهو رسول الله الذي ليس لأحد عنده من نعمة تجزى ونعمته جارية على جميع الخلق صلوات الله عليه. والرواية على ضعف سندها من قبيل الجري والتطبيق دون التفسير ومن واضح الدليل عليه تطبيقه الموصوف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والوصف على علي عليه السلام ثم الآية التالية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو كانت من التفسير لفسد بذك النظم قطعاً. هذا لو كانت الواو في قوله { الذي يؤتي ماله يتزكى } من الرواية ولو فرضت من الآية كانت الرواية من روايات التحريف المردودة. وعن الحميري عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال، قلت قول الله تبارك وتعالى { إن علينا للهدى } قال إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. فقلت له أصلحك الله إن قوماً من أصحابنا يزعمون أن المعرفة مكتسبة وأنهم إن ينظروا من وجه النظر أدركوه. فأنكر ذلك وقال ما لهؤلاء القوم لا يكتسبون الخير لأنفسهم؟ ليس أحد من الناس إلا ويجب أن يكون خيراً ممن هو خير منه هؤلاء بنو هاشم موضعهم موضعهم وقرابتهم قرابتهم وهم أحق بهذا الأمر منكم أفترى أنهم لا ينظرون لأنفسهم؟ وقد عرفتم ولم يعرفوا. قال أبو جعفر لو استطاع الناس لأحبُّونا. أقول أما الهداية - والمراد بها الإِيصال إلى المطلوب - فهي لله تعالى لأنها من شؤون الربوبية، وأما الإِضلال والمراد به الإِضلال على سبيل المجازاة دون الإِضلال الابتدائي الذي لا يضاف إليه تعالى فهو الله أيضاً لكونه إمساكاً عن إنزال الرحمة وعدماً للهداية وإذا كانت الهداية له فالإِمساك عنه أيضاً منسوب إليه تعالى.

    وقال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { لاَ يَصْلَظ°هَآ إِلاَّ ظ±لأَشْقَى * ظ±لَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىظ° }.

    قالت المعتزلة: هذا ليس على حقيقة التكذيب؛ ولكن على التقصير والتفريط في أمر الله تعالى، والوقوع في مناهيه؛ فيصرفون الآية إلى أصحاب الكبائر بارتكابهم الكبيرة يصيرون مكذبين ومتولين؛ لأنهم في ابتداء اعتقادهم التوحيد والإيمان اعتقدوا وفاء كل ما وقع به الأمر، ووفاء كل ما يليق به، والانتهاء عن جميع ما لا يليق به، فإذا ترك ذلك صار مكذبا لما اعتقد في الأصل وفاء ذلك.

    لكن عندنا لا يصير بترك الوفاء مكذبا؛ لكن يصير مخالفا لما وعد واعتقد.

    واستدلت المرجئة الذين لا يرون العذاب إلا لأهل الشرك والكفر بهذه الآية يقولون: إنه لا يصلاها إلا الذي كذب وتولى، والمسلم وإن ارتكب الكبيرة أو الصغيرة فهو ليس بمكذب ولا متولٍّ.

    ولكن تأويل الآية عندنا في الكفرة، ليست في أهل التوحيد والإيمان.

    ثم يحتمل قوله: { لاَ يَصْلَظ°هَآ إِلاَّ ظ±لأَشْقَى * ظ±لَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىظ° } في باب ودرك دون درك وباب، فإن لكل فريق دركا، قال الله - تعالى -:
    { إِنَّ ظ±لْمُنَافِقِينَ فِي ظ±لدَّرْكِ ظ±لأَسْفَلِ مِنَ ظ±لنَّارِ }
    [النساء: 145]، وهذا كما قال:
    { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ }
    [الغاشية: 6]، وقال في آية أخرى:
    { إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ }
    [الحاقة: 36]؛ فيكون الضريع الذي ذكر في باب ودرك منها، والغسلين في باب آخر، فجائز على هذا ألا يصلى ذلك الدرك إلا الأشقى. فأما يجوز أن يكون لصاحب الكبيرة درك خاص.

    وأما ما ذكروا أن أصحاب الكبائر قد أوعدوا وخوفوا بمواعيد شديدة، فلسنا ننكر المواعيد لهم، وأنهم يعذبون، ولكن نقول: لا يكونون في الدركات التي فيها الكفار إن أدخلوا في النار.

    وجائز - أيضا - أن يعذبوا بعذاب سوى العذاب الذي ذكر بالنار والتلظي.

    وعندنا: هم في مشيئة الله - تعالى - إن شاء عذبهم وإن شاء تجاوز عنهم، وخلى عنهم سبيلهم، وأما النار التي ذكر بصفة التلظي فهي للكفار، والله الموفق.

  6. #741
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة الضحى

    وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىظ° }


    قال الرازى

    ودلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه كل ما يرتضيه. علمنا أن هذه الآية دالة على الشفاعة في حق المذنبين والثاني: وهو أن مقدمة الآية مناسبة لذلك كأنه تعالى يقول لا أودعك ولا أبغضك بل لا أغضب على أحد من أصحابك وأتباعك وأشياعك طلباً لمرضاتك وتطييباً لقلبك، فهذا التفسير أوفق لمقدمة الآية والثالث: الأحاديث الكثيرة الواردة في الشفاعة دالة على أن رضا الرسول عليه الصلاة والسلام في العفو عن المذنبين، وهذه الآية دلت على أنه تعالى يفعل كل ما يرضاه الرسول فتحصل من مجموع الآية والخبر حصول الشفاعة، وعن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: رضاء جدي أن لا يدخل النار موحد، وعن الباقر، أهل القرآن يقولون: أرجى آية قوله:
    { يظ°عِبَادِىَ ظ±لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ }
    [الزمر: 53] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية قوله: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىظ° } والله إنها الشفاعة ليعطاها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول رضيت، هذا كله إذا حملنا الآية على أحوال الآخرة، أما لو حملنا هذا الوعد على أحوال الدنيا فهو إشارة إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجاً، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وما هدم بأيديهم من ممالك الجبابرة، وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في أهل الشرق والغرب من الرعب وتهييب الإسلام وفشو الدعوة، واعلم أن الأولى حمل الآية على خيرات الدنيا والآخرة،..

    { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىظ° }

    فاعلم أن بعض الناس ذهب إلى أنه كان كافراً في أول الأمر، ثم هداه الله وجعله نبياً، قال الكلبي: { وجدك ضالاً } يعني كافراً في قوم ضلال فهداك للتوحيد، وقال السدي: كان على دين قومه أربعين سنة، وقال مجاهد: وجدك ضالاًّ عن الهدى لدينه واحتجوا على ذلك بآيات أخر منها قوله:
    { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ظ±لْكِتَـظ°بُ وَلاَ ظ±لإِيمَـظ°نُ }
    [الشورى: 52] وقوله:
    { وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ظ±لْغَـظ°فِلِينَ }
    [يوسف: 3] وقوله:
    { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }
    [الزمر: 65] فهذا يقتضي صحة ذلك منه، وإذا دلت هذه الآية على الصحة وجب حمل قوله: { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ } عليه، وأما الجمهور من العلماء فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما كفر بالله لحظة واحدة، ثم قالت المعتزلة: هذا غير جائز عقلاً لما فيه من التنفير، وعند أصحابنا هذا غير ممتنع عقلاً لأنه جائز في العقول أن يكون الشخص كافراً فيرزقه الله الإيمان ويكرمه بالنبوة، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع وهو قوله تعالى:
    { مَا ضَلَّ صَـظ°حِبُكُمْ وَمَا غَوَىظ° }
    [النجم: 2] ثم ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً كثيرة أحدها: ما روي عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب: ووجدك ضالاًّ عن معالم النعمة وأحكام الشريعة غافلاً عنها فهداك إليها، وهو المراد من قوله:
    { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ظ±لْكِتَـظ°بُ وَلاَ ظ±لإِيمَـظ°نُ }
    [الشورى: 52] وقوله:
    { وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ظ±لْغَـظ°فِلِينَ }
    [يوسف: 3] وثانيها: ضل عن مرضعته حليمة حين أرادت أن ترده إلى جده حتى دخلت إلى هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام، وسمعت صوتاً يقول: إنما هلاكنا بيد هذا الصبي، وفيه حكاية طويلة وثالثها: ما روي مرفوعاً أنه عليه الصلاة والسلام قال: " ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع، كاد الجوع يقتلني، فهداني الله " ذكره الضحاك، وذكر تعلقه بأستار الكعبة، وقوله:
    يا رب رد ولدي محمدا اردده ربي واصطنع عندي يداً
    فما زال يردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة وبين يديه محمد وهو يقول: لا ندري ماذا نرى من ابنك، فقال عبد المطلب ولم؟ قال: إني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت الناقة، كأن الناقة تقول: يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدى‍! وقال ابن عباس: رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه ورابعها: أنه عليه السلام لما خرج مع غلام خديجة ميسرة أخذ كافر بزمام بعيره حتى ضل، فأنزل الله تعالى جبريل عليه السلام في صورة آدمي، فهداه إلى القافلة، وقيل: إن أبا طالب خرج به إلى الشأم فضل عن الطريق فهداه الله تعالى وخامسها: يقال: ضل الماء في الليل إذا صار مغموراً، فمعنى الآية كنت مغموراً بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه وسادسها: العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة، كأنه تعالى يقول: كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت، فأنت، شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالاً فهديت بك الخلق، ونظيره قوله عليه السلام:

    الحكمة ضالة المؤمن " وسابعها: ووجدك ضالاً عن معرفة الله تعالى حين كنت طفلاً صبياً، كما قال:
    { وَظ±للَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـظ°تِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا }
    [النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، والمراد من الضال الخالي عن العلم لا الموصوف بالاعتقاد الخطأ وثامنها: كنت ضالاً عن النبوة ما كنت تطمع في ذلك ولا خطر شيء من ذلك في قلبك، فإن اليهود والنصارى كانوا يزعمون أن النبوة في بني إسرائيل فهديتك إلى النبوة التي ما كنت تطمع فيها ألبتة وتاسعها: أنه قد يخاطب السيد، ويكون المراد قومه فقوله: { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ } أي وجد قومك ضلالاً، فهداهم بك وبشرعك وعاشرها: وجدك ضالاًّ عن الضالين منفرداً عنهم مجانباً لدينهم، فكلما كان بعدك عنهم أشد كان ضلالهم أشد، فهداك إلى أن اختلطت بهم ودعوتهم إلى الدين المبين الحادي عشر: وجدك ضالاً عن الهجرة، متحيراً في يد قريش متمنياً فراقهم وكان لا يمكنك الخروج بدون إذنه تعالى، فلما أذن له ووافقه الصديق عليه وهداه إلى خيمة أم معبد، وكان ما كان من حديث سراقه، وظهور القوة في الدين كان ذلك المراد بقوله: { فَهَدَىظ° } ، الثاني عشر: ضالاًّ عن القبلة، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا، فهداه الله بقوله:
    { فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا }
    [البقرة: 144] فكأنه سمى ذلك التحير بالضلال الثالث عشر: أنه حين ظهرها له جبريل عليه السلام في أول أمره ما كان يعرف أهو جبريل أم لا، وكان يخافه خوفاً شديداً، وربما أراد أن يلقي نفسه من الجبل فهداه الله حتى عرف أنه جبريل عليه السلام الرابع عشر: الضلال بمعنى المحبة كما في قوله:
    { إِنَّكَ لَفِى ضَلَـظ°لِكَ ظ±لْقَدِيمِ }
    [يوسف: 95] أي محبتك، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك الخامس عشر: ضالاًّ عن أمور الدنيا لا تعرف التجارة ونحوها، ثم هديتك حتى ربحت تجارتك، وعظم ربحت حتى رغبت خديجة فيك، والمعنى أنه ما كان لك وقوف على الدنيا، وما كنت تعرف سوى الدين، فهديتك إلى مصالح الدنيا بعد ذلك السادس عشر: { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ } أي ضائعاً في قومك كانوا يؤذونك، ولا يرضون بك رعية، فقوي أمرك وهداك إلى أن صرت آمراً والياً عليهم السابع عشر: كنت ضالاً ما كنت تهتدي على طريق السموات فهديتك إذ عرجت بك إلى السموات ليلة المعراج الثامن عشر: ووجدك ضالاًّ أي ناسياً لقوله تعالى:
    أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا }
    [البقرة: 282] فهديتك أي ذكرتك، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال: " لا أحصي ثناء عليك " التاسع عشر: أنه وإن كان عارفاً بالله بقلبه إلا أنه كان في الظاهر لا يظهر لهم خلافاً، فعبر عن ذلك بالضلال العشرون: روى علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته، فإني قلت ليلة لغلام من قريش، كان يرعى معي بأعلى مكة، لو حفظت لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر بها كما يسمر الشبان، فخرجت أريد ذلك حتى أتيت أول دار من دور مكة، فسمعت عزفاً بالدفوف والمزامير، فقالوا فلان ابن فلان يزوج بفلانة، فجلست أنظر إليهم وضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس،قال فجئت صاحبي، فقال ما فعلت؟ فقلت ما صنعت شيئاً، ثم أخبرته الخبر، قال: ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله تعالى برسالته ".

    وقال القرطبي

    وقيل: ووجدك محِباً للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة. ومنه قوله تعالى:
    { قَالُواْ تَظ±للَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ظ±لْقَدِيمِ }
    [يوسف: 95] أي في محبتك. قال الشاعر:
    هذا الضلالُ أشاب مني المفرِقا والعارِضَيْنِ ولم أكن متحققا
    عجباً لعزةَ في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا

  7. #742
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة الشرح

    { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }


    قال الالوسي

    ووقع أيضاً مرة أخرى تواترت بها الروايات خلافاً لمن أنكرها ليلة الإسراء به صلى الله عليه وسلم روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا قال قتادة قلت يعني لأنس ما تعني قال: إلى أسفل بطني قال فاستخرج قلبـي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي إيماناً وحكمة ثم أتى بدابة دون البغل وفوق الحمار البراق فانطلقت مع جبريل عليه السلام حتى أتينا السماء الدنيا " الحديث.

    وطعن القاضي عبد الجبار في ذلك بما حاصله أنه يلزم على وقوعه في الصغر وقبل النبوة تقدم المعجزة على النبوة وهو لا يجوز ووقوعه بعد النبوة وإن لم يلزم عليه ما ذكر إلا أن ما ذكر معه من حديث الغسل وإدخال الرأفة والرحمة وحشو الإيمان والحكمة يرد عليه أن الغسل مما لا أثر له في التكميل الروحاني وإنما هو لإزالة أمر جسماني وإنه لا يصح إدخال ما ذكر وحشوه فإنما هو شيء يخلقه الله تعالى في القلب وليس بشيء فإن تقدم الخارق على النبوة جائز عندنا ونسميه إرهاصاً والأخبار كثيرة في وقوعه له عليه الصلاة والسلام قبل النبوة والغسل بالماء كان لإزالة أمر جسماني ولا يبعد أن يكون إزالته وغسل المحل بماء مخصوص - كماء زمزم على ما صح في بعض الروايات ولذا قال البلقيني: إنه أفضل من ماء الكوثر - موجباً لتبديل المزاج وهو مما له دخل في التكميل الروحاني ولذا يأمر المشايخ السالكين لديهم بالرياضة التي يحصل بها تبديل المزاج ويرشد إلى ذلك تغير أحوال النفس وأخلاقها صبا وكهولة وشيخوخة والمراد من إدخال الرأفة وحشو الإيمان مثلاً إدخال ما به يحصل كمال ذلك وكثيراً ما يسمى المسبب باسم السبب مجازاً ويحتمل أن يكون على حقيقته وتجسم المعاني جائز.

    وقال العارف بن أبـي جمرة كما في «المواهب اللدنية» للعسقلاني ما حاصله: إن ما دل كلام النبـي صلى الله عليه وسلم على جوهريته وجسميته من أعيان المخلوقات التي ليس للحواس إلى إدراكها سبيل هو كما دل عليه كلامه عليه الصلاة والسلام في نفس الأمر وأن الحكم من المتكلم أو نحوه عليها بالعرضية إنما هو باعتبار ما ظهر له بعقله وللعقل حد يقف عنده والحقيقة في الحقيقة ما دل عليه خبر الشارع المؤيد بالوحي الإلظ°هي والنور القدسي المحلق بجناحيهما في جو الحقائق إلى حيث لا يسمع لنحلة العقل دندنة ولا للرواة عنه عنعنة فالإيمان والحكمة ونحوهما مما دل عليه كلام النبـي صلى الله عليه وسلم على / جوهريتها جواهر محسوسة لا معان وإن حسبها من حسبها كذلك انتهى والأمر فيه اعتقاداً وإنكاراً إليك ولا ألزمك الاعتقاد فما أريد أن أشق عليك....

    قال الرازى

    وأما قوله: { أَنقَضَ ظَهْرَكَ } فقال علماء اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقل الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي، وهو صوت المحامل والرحال والأضلاع، أو البعير إذا أثقله الحمل فهو مثل لما كان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوزاره. المسألة الرابعة: احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء عليهم السلام والجواب: عنه من وجهين الأول: أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء عليهم السلام حملوا هذه الآية عليها، لا يقال: إن قوله: { ظ±لَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ } يدل على كونه عظيماً. فكيف يليق ذلك بالصغائر، لأنا نقول: إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه منه وتحسره مع ندمه عليه، وأما إنما وصفه بذلك لأن تأثيره فيما يزول به من الثواب عظيم، فيجوز لذلك ما ذكره الله تعالى. هذا تقرير الكلام على قول المعتزلة وفيه إشكال، وهو أن العفو عن الصغيرة واجب على الله تعالى عند القاضي، والله تعالى ذكر هذه الآية في معرض الامتنان، ومن المعلوم أن الامتنان بفعل الواجب غير جائز الوجه الثاني: أن يحمل ذلك على غير الذنب، وفيه وجوه أحدها: قال قتادة: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب سلفت منه في الجاهلية قبل النبوة، وقد أثقلته فغفرها له وثانيها: أن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها وحفظ موجباتها والمحافظة على حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له وثالثها: الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل. وكان لا يقدر على منعهم إلى أن قواه الله، وقال له:
    { أَنِ ظ±تَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرظ°هِيمَ }
    [النحل: 123]. ورابعها: أنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه، ماذا يصنع في حقهم إلى أن قال:
    { وَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ }
    [الأنفال:33] فأمنه من العذاب في العاجل، ووعد له الشفاعة في الآجل وخامسها: معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلاً، فسمى العصمة وضعاً مجازاً، فمن ذلك ما روي أنه حضر وليمة فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع، فضرب الله على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد وسادسها: الوزر ما أصابه من الهيبة والفزع في أول ملاقاة جبريل عليه السلام، حين أخذته الرعدة، وكاد يرمي نفسه من الجبل، ثم تقوى حتى ألفه وصار بحالة كاد يرمي بنفسه من الجبل لشدة اشتياقه وسابعها: الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقض ظهره وتأخذه الرعدة، ثم قواه الله تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه، وهو يقول:اللهم اهد قومي " وثامنها: لئن كان نزول السورة بعد موت أبي طالب وخديجة، فلقد كان فراقهما عليه وزراً عظيماً، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياة فارتفع له الذكر، فلذلك قال: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } وتاسعها: أن المراد من الوزر والثقل الحيرة التي كانت له قبل البعثة، وذلك أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة والعقل وأنواع النعم، ثقل عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياء، لأنه عليه السلام كان يرى أن نعم الله عليه لا تنقطع، وما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه، فلما جاءته النبوة والتكليف وعرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه، فحينئذ قل حياؤه وسهلت عليه تلك الأحوال، فإن اللئيم لا يستحي من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة، والإنسان الكريم النفس إذا كثر الإنعام عليه وهو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة، فإنه يثقل ذلك عليه جداً، بحيث يميته الحياء، فإذا كلفه المنعم بنوع خدمة سهل ذلك عليه وطاب قلبه

    وقال الالوسي

    وقرأ أبو السمال (فرغت) بكسر الراء وهي لغة قال الزمخشري ليست بفصيحة وقرأ قوم (فانصبَّ) بشد الباء مفتوحة من الانصباب والمراد فتوجه إلى عبادة أخرى كل التوجه ونسب إلى بعض الإمامية أنه قرأ (فانصب) بكسر الصاد فقيل أي فإذا فرغت من النبوة فانصب علياً للإمامة وليس في الآية دليل على خصوصية المفعول فللسنى أن يقدره أبا بكر رضي الله تعالى عنه فإن احتج الإمامي بما وقع في غدير خم منع السني دلالته على ما ثبت عنده على النصب وصحته على ما يرويه الإمامي واحتج لما قدره بقوله صلى الله عليه وسلم

    " مروا أبا بكر فليصل بالناس " وقال إنه أوفق بإذا فرغت لما أنه صدر منه عليه الصلاة والسلام في مرض وفاته قيل وفاته صلى الله عليه وسلم بخلاف ما كان في الغدير فإنه لا يظهر أن زمانه زمان فراغ من النبوة ظهور كون زمان الأمر كذلك وإن رجع وقال المراد فإذا فرغت من الحج فانصب علياً ورد عليه أمر مكية السورة مع ما لا يخفى. وقال في «الكشاف» ((لو صح ذلك للرافضي لصح للناصبـي أن يقرأ هكذا ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي كرم الله تعالى وجهه وعداوته)) وفيه نظر. ومن الناس من قدر المفعول خليفة والأمر فيه هين وقال ابن عطية إن هذه القراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم. وقرأ زيد بن علي وابن أبـي عبلة (فرغِّب) أمر من رغِّب بشد الغين أي فرغب الناس إلى طلب ما عنده عز وجل....

    وقال الماتريدى

    وقوله - تعالى -: { وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ظ±لَّذِيغ¤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ }:

    قال عامة أهل التأويل: على تحقيق الوزر له والإثم؛ كقوله:
    { لِّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ... }
    [الفتح: 2]، وقوله:
    { وَظ±سْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَاتِ }
    [محمد: 19]، يقولون: أثبت له الذنب والوزر، فوضع ذلك عنه، ولكن هذا وحش من القول، لكنا نقول: إن قوله: { وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ }: الوزر هو الحمل والثقل؛ كأنه يقول: قد خففنا [عليك] ما حمل عليك من أمر النبوة والرسالة والأحمال التي حملت عليك؛ كأنه يقول: قد خفف ذلك عليك، ما لو لم يكن تخفيفنا إياها عليك لأنقض ظهرك، أي: أثقل، والله أعلم.

    والثاني: جائز أن يكون [قوله]: { وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } ابتداء وضع الوزر، أي: عصمك وحفظك، ما لو لم يكن عصمته إياك لكانت لك أوزار وآثام، كقوله:
    { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىظ° }
    [الضحى: 7]، أي: لو لم يهدك لوجدك ضالا؛ لأنه كان بين قوم ضلال، ولكن هداه فلم يجده ضالا؛ فعلى ذلك ما ذكر من وضع وزره ابتداء، وهو كقوله:
    { لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ظ±لظُّلُمَاتِ إِلَى ظ±لنُّورِ }
    [الأحزاب: 43]، أي: عصمكم عن أن تدخلوا فيها، [لا] أن كانوا فيها، ثم أخرجهم، ولكن ابتداء إخراج، [فعلى ذلك] ما ذكر من وضع وزره.

    وقوله: { أَنقَضَ ظَهْرَكَ } ، أي: أثقل ظهرك.

  8. #743
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة التين

    { أَلَيْسَ ظ±للَّهُ بِأَحْكَمِ ظ±لْحَاكِمِينَ }


    قال الرازى

    قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، فإنه لو كان الفاعل لأفعال العباد هو الله تعالى لكان كل سفه وكل أمر بسفه وكل ترغيب في سفه فهو من الله تعالى ومن كان كذلك فهو أسفه السفهاء، كما أنه لا حكمة ولا أمر بالحكمة ولا ترغيب في الحكمة إلا من الله تعالى، ومن كان كذلك فهو أحكم الحكماء، ولما ثبت في حقه تعالى الأمران لم يكن وصفه بأنه أحكم الحكماء أولى من وصفه بأنه أسفه السفهاء. ولما امتنع هذا الوصف في حقه تعالى علمنا أنه ليس خالقاً لأفعال العباد والجواب: المعارضة بالعلم والداعي، ثم نقول: السفيه من قامت السفاهة به لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك والساكن من قامت الحركة والسكون به لا من خلقهما، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب

    سورة العلق

    قال الرازى

    أما قوله تعالى: { ظ±لَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ظ±لإِنسَـظ°نَ مِنْ عَلَقٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه الآية ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون قوله: { ظ±لَّذِى خَلَقَ } لا يقدر له مفعول، ويكون المعنى أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه والثاني: أن يقدر له مفعول ويكون المعنى أنه الذي خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس حمله على البعض أولى من حمله على الباقي، كقولنا: الله أكبر، أي من كل شيء، ثم قوله بعد ذلك: { خَلَقَ ظ±لإِنسَـظ°نَ مِنْ عَلَقٍ } تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات، إما لأن التنزيل إليه أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض والثالث: أن يكون قوله: { ظ±قْرَأْ بِظ±سْمِ رَبّكَ ظ±لَّذِى خَلَقَ } مبهماً ثم فسره بقوله: { خَلَقَ ظ±لإِنسَـظ°نَ مِنْ عَلَقٍ } تفخيماً لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته. المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أنه لا خالق غير الله تعالى، قالوا: لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات الله تعالى عن سائر الذوات، وكل صفة هذا شأنها فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، قالوا: وبهذا الطريق عرفنا أن خاصية الإلهية هي القدرة على الاختراع ومما يؤكد ذلك أن فرعون لما طلب حقيقة الإله، فقال:
    { وَمَا رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ }
    [الشعراء: 23] قال موسى:
    { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ظ±لأَوَّلِينَ }
    [الشعراء: 26] والربوبية إشارة إلى الخالقية التي ذكرها ههنا، وكل ذلك يدل على قولنا. المسألة الثالثة: اتفق المتكلمون على أن أول الواجبات معرفة الله تعالى، أو النظر في معرفة الله أو القصد إلى ذلك النظر على الاختلاف المشهور فيما بينهم، ثم إن الحكيم سبحانه لما أراد أن يبعثه رسولاً إلى المشركين، لو قال له: اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له، لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، لكنه تعالى قدم ذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به كما يحكى إن زفر لما بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه، فلما ذكر أبو حنيفة زيفوه ولم يلتفتوا إليه، فرجع إلى أبي حنيفة. وأخبره بذلك، فقال إنك لم تعرف طريق التبليغ، لكن ارجع إليهم، واذكر في المسألة أقاويل أئمتهم ثم بين ضعفها، ثم قل بعد ذلك: ههنا قول آخر، واذكر قولي وحجتي، فإذا تمكن ذلك في قلبهم، فقل: هذا قول أبي حنيفة لأنهم حينئذ يستحيون فلا يردون، فكذا ههنا أن الحق سبحانه يقول: إن هؤلاء عباد الأوثان، فلو أثنيت علي وأعرضت عن الأوثان لأبوا ذلك، لكن اذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فبهذا التدريج يقرون بأني أنا المستحق للثناء دون الأوثان، كما قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ظ±للَّهُ }
    [الزخرف: 87] ثم لما صارت الإلهية موقوفة على الخالقية وحصل القطع بأن من لم يخلق لم يكن إلهاً، فلهذا قال تعالى:
    { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ }
    [النحل: 17] ودلت الآية على أن القول بالطبع باطل، لأن المؤثر فيه إن كان حادثاً افتقر إلى مؤثر آخر، وإن كان قديماً فإما أن يكون موجباً أو قادراً، فإن كان موجباً لزم أن يقارنه الأثر فلم يبق إلا أنه مختار وهو عالم لأن التغير حصل على الترتيب الموافق للمصلحة.....

    قوله: { بِظ±سْمِ رَبّكَ ظ±لَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ظ±لإِنسَـظ°نَ مِنْ عَلَقٍ } إشارة إلى الدلالة العقلية الدالة على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة، وقوله: { ظ±لَّذِى عَلَّمَّ بِظ±لْقَلَمِ } إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية والثاني إلى النبوة، وقدم الأول على الثاني تنبيهاً على أن معرفة الربوبية غنية عن النبوة، وأما النبوة فإنها محتاجة إلى معرفة الربوبية.....

    { كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَظ±سْجُدْ وَظ±قْتَرِب }

    اخى الحبيب فى الحديث اقرب مايكون العبد من ربه وهو ساجد فدل علي ان القرب من الله ليس بقطع المسافات

    قال الماتريدى

    ثم على التأويل الظاهر الآية حجة لنا على أهل التشبيه؛ فإنه لم يفهم من قوله: { وَظ±قْتَرِب }: القرب من حيث المكان، وقرب الذات، ولكنْ قرب المنزلة والقدر، وكذلك ما ذكر في بعض الأخبار:
    { ومن تقرَّب إليَّ شبرا، تقربت إليه ذراعا }
    ، ونحو ذلك، لا يفهم منه قرب الذات، ولكن قرب المنزلة والقدر بالإجابة، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القرب: قرب المنزلة والقدر.....

  9. #744
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة القدر

    قال الالوسي

    والمراد بإنزاله فيها إنزاله كله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا فقد صح عن ابن عباس أنه قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله تعالى ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض وفي رواية بدل وكان بمواقع الخ ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة وفي رواية أخرى عنه أيضاً أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم وفي أخرى أنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام. وكون النزول بعد في عشرين سنة قول لهم وقال بعضهم وهو الأشهر في ثلاث وعشرين وقال آخر في خمس وعشرين وهذا للخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعث. وقال الشعبـي المراد ابتدأنا بإنزاله فيها. والمشهور أن أول ما نزل من الآيات
    { ظ±قْرَأْ }
    [العلق: 1] وأنه كان نزولها بحراء نهاراً نعم في «البحر» روي أن نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان فإن صح وكان المراد كان ليلاً فذاك وإلا فظاهر كلام الشعبـي غير مستقيم اللهم إلا أن يقال إنه أراد ابتداء إنزاله إلى السماء الدنيا فيها ولا يلزم أن يتحد ذلك وابتداء إنزاله عليه صلى الله عليه وسلم في الزمان ثم إن في { أَنزَلْنَاهُ } على ما ذكر تجوزاً في الإسناد لأنه أسند فيه ما للجزء إلى الكل، أو مجازاً الطرف أو تضميناً.

    وقيل المراد إنزاله من اللوح إلى السماء الدنيا مفرقاً في ليالي قدر على أن المراد بليلة الجنس فقد قيل إن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين وكان ينزل في كل ليلة ما يقدر الله تعالى إنزاله في كل السنة ثم ينزله سبحانه منجماً في جميع السنة وهذا القول ذكره الإمام احتمالاً ونقله القرطبـي كما قال ابن كثير عن مقاتل لكنه مما لا يعول عليه والصحيح المعتمد عليه كما قال / ابن حجر في «شرح البخاري» أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا بل حكى بعضهم الإجماع عليه نعم لا يبعد القول بأن السفرة هناك نجموه لجبريل عليه السلام في الليالي المذكورة.

    وأجاب السيد عيسى الصفوي بأنه لا محذور في ذلك بناء على جواز مثل أتكلم مخبراً به عن التكلم بقولك أتكلم وفي ذلك اختلاف بين الدواني وغيره ذكره في «رسالته التي ألفها في الجواب عن مسألة الحذر الأصم» أو يقال يرجع الضمير للقرآن باعتبار جملته وقطع النظر عن أجزائه فيخبر عن الجملة بإنا أنزلناه وإن كان من جملته { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ } المندرج في جملته من غير نظير له بخصوصه وقد ذكروا أن الجزء من حيث هو مستقل مغاير له من حيث هو في ضمن الكل. وفي «الإتقان» عن أبـي شامة فإن قلت { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ } إن لم يكن من جملة القرآن الذي نزل جملة فما نزل جملة وإن كان من الجملة فما وجه هذه العبارة؟ قلت لها وجهان أحدهما أن يكون المعنى إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر وقضينا به وقدرناه في الأزل والثاني أن لفظ { أَنزَلْنَاهُ } ماض ومعناه على الاستقبال أي تنزله جملة في ليلة القدر انتهى ولم يظهر لي في كلا وجهيه رحمه الله تعالى شامة حُسْن فَأَجِلْ في ذلك نظراً فلعلك ترى.

    وقيل المعنى إنا أنزلناه في فضل ليلة القدر أو في شأنها وحقها فالكلام على تقدير مضاف أو الظرفية مجازية كما في قول عمر رضي الله تعالى عنه «خشيت أن ينزل فيَّ قرآن» وقول عائشة رضي الله تعالى عنها «لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل فيَّ قرآن» وجعل بعضهم (في) في ذلك للسببية والضمير قيل للقرآن بالمعنى الدائر بين الكل والجزء وقيل بمعنى السورة ولا يأباه كون { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ } فيها لما مر آنفاً فلا حاجة إلى أن يقال المراد بها ما عدا { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ظ±لْقَدْرِ } وقيل يجوز أن يراد به المجموع لاشتماله على ذلك وأياً ما كان فحمل الآية على هذا المعنى غير معول عليه وإنما المعول عليه ما تقدم. والمراد بالإنزال إظهار القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة أو إثباته لدى السفرة هناك أو نحو ذلك مما لا يشكل نسبته إلى القرآن.

    ملحوظة

    كيف تلقي سيدنا جبريل القرآن سؤال يحتاج تدبر

    { سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىظ° مَطْلَعِ ظ±لْفَجْرِ }


    عجبت ممن قرأ الاية وانكر سلام الملائكة علي الاولياء

  10. #745
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة البينة

    قال الرازى

    وَمَا تَفَرَّقَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ظ±لْبَيّنَةُ } ففيه مسائل. المسألة الأولى: في هذه الآية سؤال، وهو أنه تعالى ذكر في أول السورة، أهل الكتاب والمشركين، وههنا ذكر أهل الكتاب فقط، فما السبب فيه؟ وجوابه: من وجوه أحدها: أن المشركين لم يقروا على دينهم فمن آمن فهو المراد ومن لم يؤمن قتل، بخلاف أهل الكتاب الذين يقرون على كفرهم ببذل الجزية وثانيها: أن أهل الكتاب كانوا عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب أنهم وجدوها في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق مع العلم كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. المسألة الثانية: قال الجبائي: هذه الآية تبطل قول القدرية الذين قالوا: إن الناس تفرقوا في الشقاوة والسعادة في أصلاب الآباء قبل أن تأتيهم البينة والجواب: أن هذا ركيك لأن المراد منه أن علم الله بذلك وإرادته له حاصل في الأزل، أما ظهروه من المكلف فإنما وقع بعد الحالة المخصوصة.

    المسألة الثالثة: قالوا: هذه الآية دالة على أن الكفر والتفرق فعلمهم لا أنه مقدر عليهم لأنه قال: { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ظ±لْبَيّنَةُ } ، ثم قال: { أوتوا ظ±لْكِتَـظ°بِ } أي أن الله وملائكته آتاهم ذلك فالخير والتوفيق مضاف إلى الله، والشر والتفرق والكفر مضاف إليهم...

    المسألة الثانية: في قوله: { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ظ±للَّهَ } دقيقة وهي أن هذه اللام لام الغرض، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلاً لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض، فلو فعل الله فعلاً لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بالغير وهو محال، لأن ذلك الغرض إن كان قديماً لزم من قدمه قدم الفعل، وإن كان محدثاً افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل وهو محال ولأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز، وإن كان قادراً عليه كان توسيط تلك الواسطة عبثاً، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلا بد فيه من التأويل. ثم قال الفراء: العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيراً، من ذلك قوله تعالى:
    { يُرِيدُ ظ±للَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ }
    [النساء: 26]
    { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ }
    [الصف: 8] وقال في الأمر:
    { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ }
    [الأنعام: 71] وهي في قراءة عبد الله: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ أن يعبدوا ظ±للَّهِ } فثبت أن المراد: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين. والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منوباً، ثم قالت الشافعية: الوضوء مأمور به في قوله تعالى:
    { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وجوهكم }
    [المائدة: 6] ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منوياً، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منوياً، وأما المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض، لا جرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية: وما أمروا بشيء إلا لأجل أن يعبدوا الله، والإستدلال على هذا القول أيضاً قوي، لأن التقدير وما أمروا بشيء إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين في ذلك الشيء، وهذا أيضاً يقتضي اعتبار النية في جميع المأمورات.

    فإن قيل: النظر في معرفة الله مأمور به ويستحيل اعتبار النية فيه. لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا بعد المعرفة، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه. قلنا: هب أنه خص عموم الآية في هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة.....

    المسألة الرابعة: اللام في قوله: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ظ±للَّهَ } تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة، أو إلى البعد عن عقاب النار، بل لأجل أنك عبد وهو رب، فلو لم يحصل في الدين ثواب ولا عقاب ألبتة، ثم أمرك بالعبادة. وجبت لمحض العبودية، وفيها أيضاً إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب، والحق واسطة، ونعم ما قيل: من آثر العرفان للعرفان فقد قال: بالثاني ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف، فقد خاض لجة الوصول. ...

    احتج من قال: الإيمان عبادة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل بهذه الآية، فقال: مجموع القول والفعل والعمل هو الدين والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان فإذاً مجموع القول والفعل والعمل هو الإيمان، لأنه تعالى ذكر في هذه الآية مجموع الثلاثة. ثم قال: { وَذَلِكَ دِينُ ظ±لقَيّمَةِ } أي وذلك المذكور هو دين القيمة وإنما قلنا: إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى:
    { إِنَّ الدّينَ عِندَ ظ±للَّهِ ظ±لإِسْلَـظ°مُ }
    [آل عمران: 19] وإنما قلنا: إن الإسلام هو الإيمان لوجهين الأول: أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً عند الله تعالى لقوله تعالى:
    { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ظ±لإسْلَـظ°مِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }
    [آل عمران: 85] لكن الإيمان بالإجماع مقبول عند الله، فهو إذاً عين الإسلام والثاني: قوله تعالى:
    { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ظ±لْمُسْلِمِينَ }
    [الذاريات: 35، 36] فاستثناء المسلم من المؤمن، يدل على أن الإسلام يصدق عليه، وإذا ثبتت هذه المقدمات، ظهر أن مجموع هذه الثلاثة أعني القول والفعل والعمل هو الإيمان، وحينئذ يبطل قول من قال: الإيمان اسم لمجرد المعرفة، أو لمجرد الإقرار أولهما معاً والجواب: لم لا يجوز أن تكون الإشارة بقوله: { وَذَلِكَ } إلى الإخلاص فقط؟ والدليل عليه أنا على هذا التقدير لا نحتاج إلى الإضمار أولى، وأنتم تحتاجون إلى الإضمار، فتقولون: المراد وذلك المذكور، ولا شك أن عدم الإضمار أولى، سلمنا أن قوله: { وَذَلِكَ } إشارة إلى مجموع ما تقدم لكنه يدل على أن ذلك المجموع هو الدين القيم، فلم قلتم: إن ذلك المجموع هو الدين، وذلك لأن الدين غير، والدين القيم، فالدين هو الدين الكامل المستقبل بنفسه، وذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلاً، وكانت آثاره ونتائجه معه حاصلة أيضاً، وهي الصلاة والزكاة، وإذا لم يوجد هذا المجموع، لم يكن الدين القيم حاصلاً، لكن لم قلتم: إن أصل الدين لا يكون حاصلاً والنزاع ما وقع إلا فيه؟ والله أعلم...

    احتج من قال: إن الطاعات ليست داخلة في مسمى الإيمان بأن الأعمال الصالحة معطوفة في هذه الآية على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه...

    احتج بعضهم بهذه الآية في تفضيل البشر على الملك، قالوا: روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: " أتعجبون من منزلة الملائكة من الله تعالى! والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك، واقرؤا إن شئتم: { أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } " واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لوجوه: أحدها: ما روى عن يزيد النحوي أن البرية بنو آدم من البرا وهو التراب فلا يدخل الملك فيه البتة وثانيها: أن قوله: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تِ } غير مختص بالبشر بل يدخل فيه الملك وثالثها: أن الملك خرج عن النص بسائر الدلائل، قالوا: وذلك لأن الفضيلة إما مكتسبة أو موهوبة، فإن نظرت إلى الموهوبة فأصلهم من نور وأصلك من حمأ مسنون، ومسكنهم دار لم يترك فيها أبوك مع الزلة ومسكنكم أرض هي مسكن الشياطين، وايضاً فمصالحنا منتظمة بهم ورزقنا في يد البعض وروحنا في يد البعض، ثم هم العلماء ونحن المتعلمون، ثم انظر إلى عظيم همتهم لا يميلون إلى محقرات الذنوب، ومن ذلك فإن الله تعالى لم يحك عنهم سوى دعوى الإلهية حين قال:
    { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـظ°هٌ مّن دُونِهِ }
    [الأنبياء: 29] أي لو أقدموا على ذنب فهمتهم بلغت غاية لا يليق بها إلا دعوى الربوبية، وأنت أبداً عبد البطن والفرج، وأما العبادة فهم أكثر عبادة من النبي لأنه تعالى مدح النبي بإحياء ثلثي الليل وقال فيهم:
    { يُسَبّحُونَ ظ±لْلَّيْلَ وَظ±لنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ }
    [الأنبياء: 20] ومرة:
    { لاَ يَسْـئَمُونَ }
    [قصلت: 38] وتمام القول في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة...

    المسألة الثانية: قال: { جَزَآؤُهُمْ } فأضاف الجزاء إليهم، والإضافة المطلقة تدل على الملكية فكيف الجمع بينه وبين قوله:{ ظ±لَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ظ±لْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ }
    [فاطر: 35] والجواب: أما أهل السنة فإنهم يقولون: إنه لو قال الملك الكريم: من حرك أصبعه أعطيته ألف دينار، فهذا شرط وجزاء بحسب اللغة وبحسب الوضع لا بحسب الاستحقاق الذاتي، فقوله: { جَزَآؤُهُمْ } يكفي في صدقه هذا المعنى وأما المعتزلة فإنهم قالوا: في قوله تعالى: { ظ±لَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ظ±لْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } إن كلمة من لابتداء الغاية، فالمعنى أن استحقاق هذه الجنان، إنما حصل بسبب فضلك السابق فإنك لولا أنك خلقتنا وأعطيتنا القدرة والعقل وأزلت الأعذار وأعطيت الألطاف وإلا لما وصلنا إلى هذه الدرجة. فإن قيل: فإذا كان لا حق لأحد عليه في مذهبكم، فما السبب في التزام مثل هذا الإنعام؟ قلنا: أتسأل عن إنعامه الأمسى حال عدمنا؟ أو عن إنعامه اليومي حال التكليف؟ أو عن إنعامه في غد القيامة؟ فإن سألت عن الأمسي فكأنه يقول: أنا منزه عن الانتفاع والمائدة مملوءة من المنافع فلو لم أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع، فكما أن من له مال ولا عيال له فإنه يشتري العبيد والجواري لينتفعوا بماله، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا الخلق لينتفعوا بملكه، كما روى: «الخلق عيال الله» وأما اليومي فالنعمان يوجب الإتمام بعد الشروع. فالرحمن أولى. وأما الغد فأنا مديونهم بحكم الوعد والإخبار فكيف لا أفي بذلك....

    ثم إنه قدم رضى الله عنهم على قوله: { وَرَضُواْ عَنْهُ } لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث، والمحدث لا يؤثر في الأزلي.

  11. #746
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة الزلزلة

    قال الرازى

    أما قوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا } فاعلم أن ابن مسعود قرأ: { تنبيء أَخْبَارَهَا } وسعيد بن جبير تنبيء ثم فيه سؤالات: الأول: أين مفعولا { تحدث }؟ الجواب: قد حذف أولهما والثاني أخبارها وأصله تحدث الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً. السؤال الثاني: ما معنى تحديث الأرض؟ قلنا فيه وجوه: أحدها: وهو قول أبي مسلم يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله فكأنها حدثت بذلك، كقولك الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت وأن الآخرة قد أقبلت والثاني: وهو قول الجمهور: أن الله تعالى يجعل الأرض حيواناً عاقلاً ناطقاً ويعرفها جميع ما عمل أهلها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصي، قال عليه السلام: " أن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها " ثم تلا هذه الآية وهذا على مذهبنا غير بعيد لأن البنية عندنا ليست شرطاً لقبول الحياة، فالأرض مع بقائها على شكلها ويبسها وقشفها يخلق الله فيها الحياة والنطق، والمقصود كأن الأرض تشكو من العصاة وتشكر من أطاع الله، فنقول: إن فلاناً صلى وزكى وصام وحج في، وإن فلاناً كفر وزنى وسرق وجار، حتى يود الكافر أن يساق إلى النار، وكان علي عليه السلام: إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول: لتشهدن أني ملأتك بحق وفرغتك بحق والقول الثالث: وهو قول المعتزلة: أن الكلام يجوز خلقه في الجماد، فلا يبعد أن يخلق الله تعالى في الأرض حال كونها جماداً أصواتاً مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على هذا التقدير هو الله تعالى...

    ثم قال تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: { مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أي زنة ذرة قال الكلبي: الذرة أصغر النمل، وقال ابن عباس: إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب مثقال ذرة فليس من عبد عمل خيراً أو شراً قليلاً أو كثيراً إلا أراه الله تعالى إياه. المسألة الثانية: في رواية عن عاصم: { يَرَهُ } برفع الياء وقرأ الباقون: { يَرَهُ } بفتحها وقرأ بعضهم: { يَرَهُ } بالجزم.

    المسألة الثالثة: في الآية إشكال وهو أن حسنات الكافر محبطة بكفره وسيئات المؤمن مغفورة، إما ابتداء وإما بسبب اجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرة من الخير والشر؟. واعلم أن المفسرين أجابوا عنه من وجوه: أحدها: قال أحمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا حتى يلقى الآخرة، وليس له فيها شيء، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي أنه عليه السلام قال لأبي بكر: " يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة " وثانيها: قال ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شراً إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته وثالثها: أن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفره ولكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر فلا يكون ذلك قادحاً في عموم الآية ورابعها: أن تخصص عموم قوله: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } ونقول: المراد فمن يعمل من السعداء مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل من الأشقياء مثقال ذرة شراً يره. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إذا كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟ والجواب: هذا هو الكرم، لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف، والكريم لا يحتمله وفي الطاعة تعظيم، وإن قل فالكريم لا يضيعه، وكأن الله سبحانه يقول لا تحسب مثقال الذرة من الخير صغيراً، فإنك مع لؤمك وضعفك لم تضيع مني الذرة، بل اعتبرتها ونظرت فيها، واستدللت بها على ذاتي وصفاتي واتخذتها مركباً به وصلت إلي، فإذا لم تضيع ذرتي أفأضيع ذرتك! ثم التحقيق أن المقصود هو النية والقصد، فإذا كان العمل قليلاً لكن النية خالصة فقد حصل المطلوب، وإن كان العمل كثيراً والنية دائرة فالمقصود فائت، ومن ذلك ما روى عن كعب: لا تحقروا شيئاً من المعروف، فإن رجلاً دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة.

    وقال الالوسي

    والظاهر أن (مَنْ) في الموضعين عامة للمؤمن والكافر وأن المراد من رؤية ما يعادل مثقال ذرة من خير أو شر مشاهدة جزائه بأن يحصل له ذلك. واستشكل بأن ذلك يقتضي إثابة الكافر بحسناته وما يفعله من الخير مع أنهم قالوا أعمال الكفرة محبطة وادعى في «شرح المقاصد» الإجماع على ذلك كيف وقد قال سبحانه
    { وَقَدِمْنَآ إِلَىظ° مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }
    [الفرقان: 23] وقال عز وجل:
    { أُوْلَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ظ±لأَخِرَةِ إِلاَّ ظ±لنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
    [هود: 16] وقال تعالى:
    { مَّثَلُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ }
    [إبراهيم: 18] الآية وكون خيرهم الذي يرونه تخفيف العذاب يدفعه قوله تعالى:
    { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ظ±لْعَذَابُ }
    [البقرة: 86] وقوله سبحانه:
    { زِدْنَـظ°هُمْ عَذَابًا فَوْقَ ظ±لْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ }
    [النحل: 88] ويقتضي أيضاً عقاب المؤمن بصغائره إذا اجتنب الكبائر مع أنهم قالوا إنها مكفرة حينئذٍ لقوله تعالى:
    { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ }
    [النساء: 31] وقول ابن المنير: ((إن الاجتناب لا يوجب التكفير عند الجماعة بل التوبة أو مشيئة الله تعالى)) ليس بشيء لأن التوبة والاجتناب سواء في حكم النص ومشيئة الله تعالى هي السبب الأصيل فالتزم بعضهم كون المراد بمَنْ الأولى السعداء وبمَنْ الثانية الأشقياء بناءً على أن { فَمَن يَعْمَلْ } الخ تفصيل ليصدر الناس أشتاتاً وكان مفسراً بما حاصله فريق في الجنة وفريق في السعير فالمناسب أن يرجع كل فقرة إلى فرقة لتطابق المفصل المجمل ولأن الظاهر قوله سبحانه: { فَمَن يَعْمَلْ } و { مَن يَعْمَلْ } بتكرير أداة الشرط يقتضي التغاير بين العاملين.

    وقال آخرون بالعموم إلا أن منهم من قال في الكلام قيد مقدر ترك لظهوره والعلم به من آيات أخر فالتقدير فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره إن لم يحبط ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره إن لم يكفر ومنهم من جعل الرؤية أعم مما تكون في الدنيا وما تكون في الآخرة فالكافر يرى جزاء خيره في الدنيا وجزاء شره في الآخرة والمؤمن يرى جزاء شره في الدنيا وجزاء خيره في الآخرة فقد روى البغوي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: فمن يعمل مثال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله حتى يبلغ الآخرة وليس له فيها خير ومن يعمل مثقال ذرة من شر وهو مؤمن كوفىء ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله حتى يبلغ الآخرة وليس عليه فيها شر.

    وأخرج الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «الشعب» وابن أبـي حاتم وجماعة عن أنس قال " بينما أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يأكل مع النبـي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } الآية فرفع أبو بكر يده وقال يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر فقال عليه الصلاة والسلام يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة " وفي رواية ابن مردويه " عن أبـي أيوب أنه صلى الله عليه وسلم قال له إذ رفع يده من عمل منكم خيراً فجزاؤه في الآخرة ومن عمل منكم شراً يره في الدنيا مصيبات وأمراضاً ومن يكن فيه مثقال ذرة من خير دخل الجنة "

    ومنهم من قال المراد من رؤية ما يعادل ذلك من الخير والشر مشاهدة نفسه عن غير أن يعتبر معه الجزاء ولا عدمه بل يفوض كل منهما إلى سائر الدلائل الناطقة بعفو صغائر المؤمن المجتنب عن الكبائر وإثابته بجميع حسناته وبحبوط حسنات الكافر ومعاقبته بجميع معاصيه وبه يشعر ما أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في «البعث» عن ابن عباس من قوله في الآية ليس مؤمن ولا كافر عمل خيراً وشراً في / الدنيا إلا أراه الله تعالى إياه فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر له من سيئاته ويثيبه بحسناته وأما الكافر فيريه حسناته وسيئاته فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته، واختار هذا الطيبـي فقال إنه يساعده النظم والمعنى والأسلوب أما النظم فإن قوله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ } الخ تفصيل لما عقب به من قوله سبحانه:
    { يَصْدُرُ ظ±لنَّاسُ أَشْتَاتاً لّيُرَوْاْ أَعْمَـظ°لَهُمْ }
    [الزلزلة: 6] فيجب التوافق والأعمال جمع مضاف يفيد الشمول والاستغراق و { يَصْدُرُ ظ±لنَّاسُ } مفيد بقول عز وجل: { أَشْتَاتاً } فيفيد أنهم على طرائق شتى للنزول في منازلهم من الجنة والنار بحسب أعمالهم المختلفة ومن ثم كانت الجنة ذات درجات والنار ذات دركات وأما المعنى فإنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها كقوله تعالى:
    { وَنَضَعُ ظ±لْمَوظ°زِينَ ظ±لْقِسْطَ لِيَوْمِ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىظ° بِنَا حَاسِبِينَ }
    [الأنبياء: 47] وأما الأسلوب فإنها من الجوامع الحاوية لفوائد الدين أصلاً وفرعاً روينا عن البخاري ومسلم عن أبـي هريرة

    سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر - أي عن صدقتها - قال لم ينزل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة " أي المتفردة في معناها فتلاها عليه الصلاة والسلام وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فقال حسبـي لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها انتهى.

    وأقول الظاهر عموم (مَنْ) وكون المراد رؤية الجزاء كما تقدم وكذا الظاهر كون ذلك في الآخرة ولا إشكال وذلك لأن الفقرة الأولى وعد والثانية وعيد ومذهبنا أن الوعد لازم الوقوع تفضلاً وكرماً والوعيد ليس كذلك فيفوض أمر الشر في الثانية على الدلائل وهي ناطقة بأنه إن كان كفراً لا يغفر وإن كان صغيرة من مؤمن مجتنب الكبائر يكفر وإن كان كبيرة من مؤمن أو صغيرة منه وهو غير مجتنب الكبائر فَتَحْتَ المشيئة وخبرا أنس وأبـي أيوب السابقان لا يأبيان ذلك بعد التأمل ولا يبعد فيما أرى أن يكون ما عدا الكفر من الكافر كذلك وأما أمر الخير فباق على ما يقتضيه الظاهر وهو بالنسبة إلى المؤمن ظاهر وأما بالنسبة إلى الكافر فتخفيف العذاب للأحاديث الصحيحة فقد ورد أن حاتماً يخفف الله تعالى عنه لكرمه وأن أبا لهب كذلك لسروره بولادة النبـي صلى الله عليه وسلم وإعتاقه لجاريته ثويبة حين بشرته بذلك والحديث في تخفيف عذاب أبـي طالب مشهور وما يدل على عدم تخفيف العذاب فالعذاب فيه محمول على عذاب الكفر بحسب مراتبه فهو الذي لا يخفف والعذاب الذي دلت الأخبار على تخفيفه غير ذلك ومعنى إحباط أعمال الكفار أنها لا تنجيهم من العذاب المخلد كأعمال غيرهم وهو معنى كونها سراباً وهباءً ودعوى الإجماع على إحباطها بالكلية غير تامة كيف وهم مخاطبون بالتكاليف في المعاملات والجنايات اتفاقاً والخلاف إنما هو في خطابهم في غيرها من الفروع ولا شك أنه لا معنى للخطاب بها إلا عقاب تاركها وثواب فاعلها وأقله التخفيف وإلى هذا ذهب العلامة شهاب الدين الخفاجي عليه الرحمة ثم قال ((وما في «التبصرة» و«شرح المشارق» و«تفسير الثعلبـي» من أن أعمال الكفرة الحسنة التي لا يشترط فيها الإيمان كإنجاء الغريق وإطفاء الحريق وإطعام ابن السبيل يجزون عليها في الدنيا ولا تدخر لهم في الآخرة كالمؤمنين بالإجماع للتصريح به في الأحاديث فإن عمل أحدهم في كفره حسنات ثم أسلم اختلف فيه هل يثاب عليها في الآخرة أم لا؟ بناءً على أن اشتراط الإيمان في الاعتداد بالأعمال وعدم إحباطها هل هو بمعنى وجود الإيمان عند العمل أو وجوده ولو بعد لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث " أسلمت على ما سلف لك من خير "

    غير مسلم ودعوى الإجماع فيه غير صحيحة لأن كون وقوع جزائهم في الدنيا دون الآخرة كالمؤمنين مذهب لبعضهم وذهب آخرون إلى الجزاء بالتخفيف وقال الكرماني: إن التخفيف واقع لكنه ليس بسبب عملهم بل لأمر آخر كشفاعة النبـي صلى الله عليه وسلم ورجائه ومنه ما يكون / لأبـي لهب كما قال الزركشي)) انتهى ولقائل أن يقول إن الشفاعة من آثار عمل المشفوع الخير أيضاً فتأمل.

    قال القرطبي

    قال الشيخ أبو مَدْين في قوله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } قال: في الحال قبل المآل. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يسمي هذه الآية الآية الجامعة الفاذة؛ كما في الصحيح لما سئل عن الحُمُر وسكت عن البغال، والجواب فيهما واحد؛ لأن البغل والحمار لا كَرّ فيهما ولا فرّ؛ فلما ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من الأجر الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحُمُر، لأنهم لم يكن عندهم يومئذٍ بَغْل، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبيّ صلى الله عليه وسلم «الدُّلْدُل»، التي أهداها له المقوقِس، فأفتاه في الحَمِير بعموم الآية، وإن في الحمار مثاقيل ذرّ كثيرة؛ قاله ابن العربيّ. وفي الموطأ: أن مِسْكيناً استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عِنَب؛ فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها. فجعل ينظر إليها ويعجب؛ فقالت: أتعجب! كم ترى في هذه الحبَة من مثقال ذرّة. وروي عن سعد بن أبي وَقَّاص: أنه تصدق بتمرتين، فقبض السائل يده، فقال للسائل: ويقبل الله منا مثاقيل الذرّ، وفي التمرتين مثاقيل ذرّ كثيرة. وروى المُطَّلب بن حَنْطَب: " أن أعرابياً سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقرأُها فقال: يا رسول الله، أمثقالُ ذرّة! قال: «نعم» فقال الأعرابيّ: واسَوْأَتَاه! مِراراً: ثم قام وهو يقولها؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لقد دَخَلَ قلبَ الأَعْرابيّ الإيمانُ» " وقال الحسن: قَدِم صعصعة عَمّ الفرزدق على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما سمع { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } الآيات؛ قال: لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها، حَسْبي، فقد انتهت الموعظة؛ ذكره الثعلبي. ولفظ الماوردِيّ: ورُوي أن صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية؛ فقال صعصعة: حسبي حسبي؛ إن عَمِلتُ مِثقالَ ذرَّةٍ شَرًّا رأيتُه. ورَوى مَعمر عن زيد بن أسلم: " أن رجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: عَلِّمني مما علمك الله. فدفعه إلى رجل يعلمه؛ فعلمه { إِذَا زُلْزِلَتِ } ـ حتى إذا بلغ ـ { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } قال: حسبي. فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «دَعُوهُ فإنَّهُ قد فَقُه» " ...

    سورةالعاديات

    { إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ }

    قال الرازى

    اعلم أن فيه سؤالات: الأول: أنه يوهم أن علمه بهم في ذلك اليوم إنما حصل بسبب الخبرة، وذلك يقتضي سبق الجهل وهو على الله تعالى محال: الجواب من وجهين أحدهما: كأنه تعالى يقول: إن من لم يكن عالماً، فإنه يصير بسبب الاختبار عالماً، فمن كان لم يزل عالماً أن يكون خبيراً بأحوالك! وثانيهما: أن فائدة تخصيص ذلك الوقت في قوله: { يَوْمَئِذٍ } مع كونه عالماً لم يزل أنه وقت الجزاء، وتقريره لمن الملك كأنه يقول: لا حاكم يروج حكمه ولا عالم تروج فتواه يومئذ إلا هو، وكم عالم لا يعرف الجواب وقت الواقعة ثم يتذكره بعد ذلك، فكأنه تعالى يقول: لست كذلك..

    هذه الآية تدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات الزمانيات، لأنه تعالى نص على كونه عالماً بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم فيكون منكره كافراً.

  12. #747
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة القارعة

    قال الالوسي


    { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ }

    إلى آخره بيان إجمالي لتحزب الناس حزبين وتنبيه على كيفية الأحوال الخاصة بكل منهما إثر بيان الأحوال الشاملة للكل وهذا إشارة إلى وزن الأعمال - وهو مما يجب الإيمان به حقيقة ولا يكفر منكره ويكون بعد تطاير الصحف وأخذها بالأيمان والشمائل وبعد السؤال والحساب كما ذكره الواحدي وغيره وجزم به صاحب «كنز الأسرار» - بميزان له لسان وكفتان كأطباق السمظ°وات والأرض والله تعالى أعلم بماهيته وقد روى القول به عن ابن عباس والحسن البصري وعزاه في «شرح المقاصد» لكثير من المفسرين ومكانه بين الجنة والنار كما في «نوادر الأصول» وذكر يتقبل به العرش يأخذ جبريل عليه السلام بعموده ناظراً إلى لسانه وميكائيل عليه السلام أمين عليه والأشهر الأصح أنه ميزان واحد كما ذكرنا لجميع الأمم ولجميع الأعمال فقوله تعالى { مَوَازِينُهُ } - وهو جمع ميزان وأصله موزان بالواو لكن قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها - قيل للتعظيم كالجمع في قوله تعالى:
    { كذبتْ عَادٌ ظ±لْمُرْسَلِينَ }
    [الشعراء: 123] في وجه أو باعتبار أجزائه نحو شابت مفارقة أو باعتبار تعدد الأفراد للتغاير الاعتباري كما قيل في قوله:
    لمعان برق أو شعاع شموس
    وزعم الرازي على ما نقل عنه أن فيه حديثاً مرفوعاً وقال آخرون يوزن نفس الأعمال فتصور الصالحة بصور حسنة نوارنية ثم تطرح في كفة النور وهي اليمنى المعدة للحسنات فتثقل بفضل الله تعالى وتصور الأعمال السيئة بصور قبيحة ظلمانية ثم تطرح في كفة الظلمة وهي الشمال فتخف بعدل الله تعالى وامتناع قلب الحقائق في مقام خرق العادات ممنوع أو مقيد ببقاء آثار الحقيقة الأولى وقد ذهب بعضهم إلى أن الله تعالى يخلق أجساماً على عدد تلك الأعمال من غير قلب لها وادعى أن فيه أثراً والظاهر أن الثقل والخفة مثلهما في الدنيا فما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرتفع إلى عليين وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين وبه صرح القرطبـي وقال بعض المتأخرين هما على خلاف ما في الدنيا وإن عمل المؤمن إذا رجح صعد وثقلت سيآته وإن الكافر تثقل كفته لخلو الأخرى من الحسنات ثم تلا
    { وَظ±لْعَمَلُ ظ±لصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }
    [فاطر: 10] وفي كونه دليلاً نظر وذكر بعضهم أن صفة الوزن أن يجعل جميع أعمال العباد في الميزان مرة واحدة الحسنات في كفة النور عن يمين العرش جهة الجنة والسيآت في كفة الظلمة جهة النار ويخلق الله تعالى لكل إنسان علماً ضرورياً يدرك به خفة أعماله وثقلها وقيل نحوه إلا أن علامة الرجحان عمود من نور يثور من كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيآت وعلامة الخفة عمود ظلمة يثور من كفة السيآت حتى يكسو كفة الحسنات فالكيفيات أربع وستظهر حقيقة الحال بالعيان وهو قال القرطبـي لا يكون في حق كل أحد لما في الحديث الصحيح

    فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن " الحديث وأحرى الأنبياء عليهم السلام وقوله سبحانه:
    { يُعْرَفُ ظ±لْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِظ±لنَّوَاصِي وَظ±لأَقْدَامِ }
    [الرحمن: 41] وإنما يبقى الوزن لمن شاء الله تعالى من الفريقين وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن أهل الصبر لا توزن أعمالهم وإنما يصب لهم / الأجر صباً والظاهر أنه يدرج المنافق في الكافر والحق أن أعمالهم مطلقاً توزن لظواهر الآيات والأحاديث الكثيرة والمراد في الآية وزناً نافعاً والصحيح أن الجن مؤمنهم وكافرهم كالإنس في هذا الشأن كما قرر في محله والتقسيم فيما نحن فيه على ما سمعت عن القرطبـي بالنسبة إلى من توزن أعماله لا بالنسبة إلى الناس مطلقاً وأنكر المعتزلة الوزن حقيقة وجماعة من أهل السنة والجماعة منهم مجاهد والضحاك والأعمش قالوا إن الأعمال أعراض إن أمكن بقاؤها لا يمكن وزنها فالوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل وجوزوا فيما هنا أن تكون الموازين جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى وأن معنى ثقلها رجحانها وروي هذا عن الفراء أي فمن ترجحت مقادير حسناته ورتبها.....

    سورة التكاثر

    قال الالوسي

    { ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ }

    تكرير للتأكيد و { ثُمَّ } للدلالة على أن الثاني أبلغ، كما يقول العظيم لعبده أقول لك ثم أقول لك لا تفعل قيل ولكونه أبلغ نزل منزلة المغايرة فعطف وإلا فالمؤكد لا يعطف على المؤكد لما بينهما من شدة الاتصال وأنت تعلم أن المنع هو رأي اللغويين وقد صرح المفسرون والنحاة بخلافه. وقال علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه الأول في القبور والثاني في النشور فلا تكرير والتراخي على ظاهره ولا كلام في العطف وقال الضحاك الزجر الأول ووعيده / للكافرين وما بعد للمؤمنين وهو خلاف الظاهر

    ملحوظة

    دليل علي عذاب القبر ونعيمه

  13. #748
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة العصر

    قال الرازى

    وَظ±لْعَصْرِ } اعلم أنهم ذكروا في تفسير العصر أقوالاً. الأول: أنه الدهر، واحتج هذا القائل بوجوه أحدها: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقسم بالدهر، وكان عليه السلام يقرأ: والعصر ونوائب الدهر إلا أنا نقول: هذا مفسد للصلاة، فلا نقول: إنه قرأه قرآناً بل تفسيراً، ولعله تعالى لم يذكر الدهر لعلمه بأن الملحد مولع بذكره وتعظيمه ومن ذلك ذكره في:
    { هَلْ أَتَىظ° }
    [الإنسان: 1] رداً على فساد قولهم: بالطبع والدهر وثانيها: أن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم، فإنه مجزأ مقسم بالسنة، والشهر، واليوم، والساعة، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة، وكونه ماضياً ومستقبلاً، فكيف يكون معدوماً؟ ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة والماضي والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟ وثالثها: أن بقية عمر المرء لا قيمة له، فلو ضيعت ألف سنة، ثم تبث في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف، وإليه الإشارة بقوله:
    { وَهُوَ ظ±لَّذِى جَعَلَ ظ±لَّيْلَ وَظ±لنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً }
    [الفرقان: 62] ورابعها: وهو أن قوله تعالى في سورة الأنعام [12]:
    { قُل لّمَن مَّا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ قُلِ ظ±للَّهُ }
    إشارة إلى المكان والمكانيات، ثم قال:
    { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ظ±لَّيْلِ وَظ±لنَّهَارِ }
    [13] وهو إشارة إلى الزمان والزمانيات، وقد بينا هناك أن الزمان أعلم وأشرف من المكان، فلما كان كذلك كان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته وخامسها: أنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان وسادسها: أنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عن الخسران، ولذلك قال: { لَفِى خُسْرٍ } ومنه قول القائل:
    إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى نقص من الأجل
    فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر .....


    قوله تعالى: { إِلاَّ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تِ }. اعلم أن الإيمان والأعمال الصالحة قد تقدم تفسيرهما مراراً، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال: العمل غير داخل في مسمى الإيمان، بأن الله تعالى عطف عمل الصالحات على الإيمان، ولو كان عمل الصالحات داخلاً في مسمى الإيمان لكان ذلك تكريراً ولا يمكن أن يقال: هذا التكرير واقع في القرآن، كقوله تعالى:
    { وَإِذَا أَخَذْنَا مِنَ ظ±لنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ }
    [الأحزاب:7] وقوله:
    { وَمَلَـئِكَتُهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـظ°لَ }
    [البفرة:98] أنا نقول هناك: إنما حسن، لأن إعادته تدل على كونه أشرف أنواع ذلك الكلي، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الأمور المسماة بالإيمان، فبطل هذا التأويل. قال الحليمي: هذا التكرير واقع لا محالة، لأن الإيمان وإن لم يشتمل على عمل الصالحات، لكن قوله: { وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَاتِ } يشتمل على الإيمان، فيكون قوله: { وعملواا لصالحات } مغنياً عن ذكر قوله: { ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } وأيضاً فقوله: { وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَاتِ } يشتمل على قوله: { وَتَوَاصَوْاْ بِظ±لْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِظ±لصَّبْرِ } فوجب أن يكون ذلك تكراراً، أجاب الأولون وقالوا: إنا لا نمنع ورود التكرير لأجل التأكيد، لكن الأصل عدمه، وهذا القدر يكفي في الاستدلال. المسألة الثانية: احتج القاطعون بوعيد الفساق بهذه الآية، قالوا: الآية دلت على أن الإنسان في الخسارة مطلقاً، ثم استثنى: { ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَاتِ } والمعلق على الشرطين مفقود عند فقد أحدهما، فعلمنا أن من لم يحصل له الإيمان والأعمال الصالحة، لا بد وأن يكون في الخسار في الدنيا وفي الآخرة، ولما كان المستجمع لهاتين الخصلتين في غاية القلة، وكان الخسار لازماً لمن لم يكن مستجمعاً لهما كان الناجي أقل من الهالك، ثم لو كان الناجي أكثر كان الخوف عظيماً حتى لا تكون أنت من القليل، كيف والناجي أقل؟ أفلا ينبغي أن يكون الخوف أشد!. المسألة الثالثة: أن هذا الاستثناء فيه أمور ثلاثة أحدها: أنه تسلية للمؤمن من فوت عمره وشبابه، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه وثانيها: أنه تنبيه على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن الله بغيره فهو الفساد وثالثها: قالت المعتزلة: تسمية الأعمال بالصالحات تنبيه على أن وجه حسنها ليس هو الأمر على ما يقوله الأشعرية، لكن الأمر إنما ورد لكونها في أنفسها مشتملة على وجوه الصلاح، وأجابت الأشعرية بأن الله تعالى وصفها بكونها صالحة، ولم يبين أنها صالحة بسبب وجوه عائدة إليها أو بسبب الأمر. ....

    وقال الماتريدى

    ثم [في] ظاهر قوله - تعالى -: { وَظ±لْعَصْرِ * إِنَّ ظ±لإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ... } الآية - ما يوجب أن من لم يجمع بين هذه الأشياء التي ذكرها { لَفِى خُسْرٍ }؛ فيكون ظاهره حجة للخوارج والمعتزلة، إلا أن الانفصال عن هذا - والله أعلم -: أن الله تعالى وعد الجنة لمن جمع هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية، وذكر الإيمان مفردا في آية أخرى، ووعد عليه الجنة؛ فلا يخلو وعده الجنة عن الإيمان المفرد في تلك الآية من أحد وجهين:

    إما أن يكون ذكر الإيمان مفردا، وأراد به الاكتفاء عن ذكر الجملة؛ فيكون في ذكر طرف منه ذكر لجملته.

    أو يكون في إيجاب الجنة له على مفرد الإيمان، فالحال فيه موقوفة.

    ولأن الله - تعالى - أوجب الجنة، ولم ينف إيمانه عمن ينقص عن ذلك، فالحال فيه موقوفة على كليته، وإذا كان كذلك لم يقطع القول على إيجاب الجنة لمن أتى بالإيمان مفردا، أو على إيجاب النار؛ فيكون السبيل فيه على الرجاء؛ لأنه لو لم يذكر كان يقع [فيه اليأس]، وأصل كل عبادة في الدنيا إنما بنيت على الرجاء والخوف؛ فلذلك كان الأمر على ما وصفنا.

    أو نقول بأن الله - تعالى - أوجب النار على من أتى بجميع السيئات، ولم يكن فيه دليل على أن من أتى بالكفر وحده لا يستوجب به نارا، فكذلك الله - سبحانه وتعالى - وإن أوجب الجنة لمن جمع بين هذه الأعمال؛ فلا يدل على أن من أتى بالإيمان وحده، لا يستوجب به الجنة.

    وعلى أنه يجوز أن يكون استثناء كل من أتى بشيء من هذه الأعمال بالانفراد؛ فيكون فيه استثناء كل طائفة من ذلك على حدة، كأنه قال: إلا الذين آمنوا وإلا الذين عملوا الصالحات، وإلا الذين تواصوا بالحق. وإذا كان كذلك لا يكون حجة لهم، وإذا أريد به الجمع يكون حجة؛ فجاء التعارض والاحتمال؛ فوجب التوقف.

    ويحتمل أن يراد به الاعتقاد، أي: إن الإنسان لفي خسر، إلا من آمن، واعتقد هذه الأعمال الصالحة؛ كقوله - تعالى -:
    { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ظ±لصَّلَظ°وةَ وَءَاتَوُاْ ظ±لزَّكَظ°وةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ... }
    الآية [التوبة: 5]، والله أعلم.

  14. #749
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة الهمزة

    قال القرطبي فى الرد علي المعتزلة واستدلالهم بأية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فى سورة النساء

    والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى:
    { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ظ±لْخُلْدَ }
    [الأنبياء: 34] الآية. وقال تعالى:
    { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ }
    [الهمزة: 3]. وقال زهير:
    ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا
    وهذا كله يدل على أن الخُلْد يطلق على غير معنى التأبيد؛ فإن هذا يزول بزوال الدنيا. وكذلك العرب تقول: لأخلدنّ فلاناً في السجن؛ والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون. ومثله قولهم في الدعاء: خلّد الله ملكه وأبّد أيامه. وقد تقدّم هذا كله لفظاً ومعنىً. والحمدلله.....

    سورة الفيل

    قال الرازى

    لم قال: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } ولم يقل: ألم تر ما فعل ربك؟ الجواب: لأن الأشياء لها ذوات، ولها كيفيات باعتبارها يدل على مداومتها وهذه الكيفية هي التي يسميها المتكلمون وجه الدليل، واستحقاق المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات ولهذا قال:
    { أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ظ±لسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـظ°هَا }
    [ق:6] ولا شك أن هذه الواقعة كانت دالة على قدرة الصانع وعلمه وحكمته، وكانت دالة على شرف محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن مذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيساً لنبوتهم وإرهاصاً لها، ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، وعند المعتزلة أن ذلك لا يجوز، فلا جرم زعموا أنه لا بد وأن يقال: كان في ذلك الزمان نبي أو خطيب كخالد بن سنان أو قس بن ساعدة، ثم قالوا: ولا يجب أن يشتهر وجودهما، ويبلغ إلى حد التواتر، لاحتمال أنه كان مبعوثاً إلى جمع قليلين، فلا جرم لم يشتهر خبره. واعلم أن قصة الفيل واقعة على الملحدين جداً، لأنهم ذكروا في الزلازل والرياح والصواعق وسائر الأشياء التي عذب الله تعالى بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة فلا تجري فيها تلك الأعذار، لأنها ليس في شيء من الطبائع والحيل أن يقبل طير معها حجارة، فتقصد قوماً دون قوم فتقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة لأنه لم يكن بين عام الفيل ومبعث الرسول إلا نيف وأربعون سنة ويوم تلا الرسول هذه السورة كان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة، ولو كان النقل ضعيفاً لشافهوه بالتكذيب، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا سبب للطعن فيه...

    { أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ }

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الكيد هو إرادة مضرة بالغير على الخفية، إن قيل: فلم سماه كيداً وأمره كان ظاهراً، فإنه كان يصرح أنه يهدم البيت؟ قلنا: نعم، لكن الذي كان في قلبه شر مما أظهر، لأنه كان يضمر الحسد للعرب، وكان يريد صرف الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة منهم ومن بلدهم إلى نفسه وإلى بلدته. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه تعالى لا يرضى بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته، كقوله: الصوم لي والجواب: أنه ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، فلم لا يكفي في حسن هذه الإضافة وقوعه مطابقاً لإرادتهم واختيارهم...

    قال بعضهم: إن الحجاج خرب الكعبة، ولم يحدث شيء من ذلك، فدل على أن قصة الفيل ما كانت على هذا الوجه وإن كانت هكذا إلا أن السبب لتلك الواقعة أمر آخر سوى تعظيم الكعبة والجواب: أنا بينا أن ذلك وقع إرهاصاً لأمر محمد صلى الله عليه وسلم، والإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه، أما بعد قدومه وتأكد نبوته بالدلائل القاطعة فلا حاجة إلى شيء من ذلك،...

    سورة قريش

    قال الماتريدى

    وأصله أن الله - تعالى - لما كان من حكمته وإرادته جعل الرسالة في قريش وإبقاؤها إلى الوقت الذي أراد أن يبقى؛ جعل لهم من الأمن في ذلك المكان والأرزاق التي تجبى إليهم، وما يتعيشون به في ذلك؛ ليبقوا إلى الوقت الذي أراد بقاءهم إليه؛ فيكون ما أراد على ما أراد، فكما أنشأ هذا العالم للبقاء إلى الوقت الذي أراد أن يبقوا فيه جعل لهم من الأرزاق ما يبقون إلى الوقت الذي أراد؛ ليكون ما أراد؛ فعلى ذلك الأول.

  15. #750
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,707
    سورة الماعون

    قال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ظ±لَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ }: إن كان هذا في أهل النفاق، فأهل النفاق كذلك كانوا لا يفعلون شيئا من الطاعات إلا وكانوا عنها لاهين ساهين، وإذا فعلوا شيئا منها، فعلوا مراءاة؛ كقوله - تعالى -:
    { يُرَآءُونَ ظ±لنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ظ±للَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }
    [النساء: 142]، وقوله:
    { وَلاَ يَأْتُونَ ظ±لصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىظ° وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ }

    التوبة: 54]، فذكر كسلهم وبخلهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ... } إلى آخر ما ذكر في المنافقين على ما ذكرنا من نعتهم.

    وجائز أن يكون في أهل الكفر، وأهل الكفر كانوا يصلون، كقوله:
    { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ظ±لْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً... }
    [الأنفال: 35]، أخبر أن صلاتهم في الحقيقة ليست بصلاة؛ فجائز أن تكون على صورة [الصلاة الحقيقية]، وقد ذكر أنهم كانوا يصلون مستقبلين نحو أصنامهم، يرون الناس كثرة اجتهادهم في طاعة الأصنام، حتى إذا رآهم من نأى عنهم ظن [أن ذلك] حق، فيكون في ذلك صد عن إجابة الرسول، ودفع وجوه القوم عنه، وذلك قوله:
    { إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً }
    [الأنفال: 35].

    ويحتمل أن يكون كناية عن الخضوع والتذلل؛ فيكون معناه: ويل للذين لا يخضعون ولا يخشعون.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •