صفحة 5 من 30 الأولىالأولى 12345678915 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 75 من 442

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    لطيفة من ابن الزغونى بخصوص الاية فى فاء التعقيب

    Screenshot_2017-05-07-11-38-41.png

    { وَإِذِ ظ±بْتَلَىظ° إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّالِمِينَ }

    قال الرازى

    وقال هشام ابن الحكم إنه كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، قال إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى
    { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىظ° نَعْلَمَ ظ±لْمُجَـظ°هِدِينَ مِنكُمْ وَظ±لصَّـظ°بِرِينَ }
    محمد31 وقال
    { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }
    هود7 وقال في هذه السورة بعد ذلك
    { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ظ±لْخَوفْ وَظ±لْجُوعِ }
    البقرة 155 وذكر أيضاً ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله
    { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىظ° }
    طه 44 وكلمة { لَعَلَّ } للترجي وقال
    { يَـظ°أَيُّهَا ظ±لنَّاسُ ظ±عْبُدُواْ رَبَّكُمُ ظ±لَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
    البقرة 21 فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها، أما العقل فدل على وجوه. أحدها أنه تعالى لو كان عالماً بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين محال، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالاً لعين هذه الدلالة، فلو كان الباري تعالى عالماً بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع، ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادراً إذ لو كان موجباً لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه، وأما في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجداناً ضرورياً كوننا متمكنين من الفعل والترك، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك، فلو كان أحدهما واجباً والآخر ممتنعاً لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة.


    وثانيها أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر، ولو كان التعلقان تعلقاً واحداً لاستحال ذلك، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوماً مذهولاً عنه، وإذا ثبت هذا فنقول لو كان تعالى عالماً بجميع هذه الجزئيات، لكان له تعالى علوم غير متناهية، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه، فالناقص متناه، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة، والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهياً، فإذاً وجود أمور غير متناهية محال، فإن قيل الموجود هو العلم، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان، قلنا العلم إنما يكون علماً لو كان متعلقاً بالمعلوم، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلاً في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علماً في نفس الأمر وذلك محال. وثالثها أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم، فإن علم عددها فهي متناهية، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالماً بها على سبيل التفصيل، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي. ورابعها أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه فهو متناه، فإذن كل معلوم فهو متناه، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً. وخامسها أن الشيء إنما يكون معلوماً لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصاً البتة، فاستحال كونه متعلق العلم، فإن قيل يبطل هذا بالمحالات والمركبات دخولها في الوجود، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة، قلنا هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا، وليس جواباً عن كلامنا، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة، قال هشام فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها، واعلم أن هشاماً كان رئيس الرافضة، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها، والوقوع يدل على الإمكان، وإنما قلنا أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص، وذلك محال، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلاً وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب.

    أما الشبهة الأولى فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للقدرة، فالتابع لا ينافي المتبوع، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة. وأما الشبهة الثانية فالجواب عنها أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها. وأما الشبهة الثالثة فالجواب عنها أن الله تعالى لا يعلم عددها، ولا يلزم منه إثبات الجهل، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد، لم يلزم من قولنا أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل. وأما الشبهة الرابعة فالجواب عنها أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها. وأما الشبهة الخامسة فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه، وإذا انتقضت الشبهة سقطت، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالماً عن المعارض، وبالله التوفيق. ..

    المسألة الثالثة القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا إنه تعالى بين أنه إنما صار إماماً بسبب التنصيص على إمامته ونظيره قوله تعالى
    { إِنّي جَاعِلٌ فِى ظ±لأَرْضِ خَلِيفَةً }
    البقرة 30 فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة إلا بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة ههنا النبوة، ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي ولا بالإثبات...

    المسألة الخامسة قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم لا؟ واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين. الأول ما بينا أن قوله { لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّـظ°لِمِينَ } جواب لقوله { وَمِن ذُرّيَتِى } وقوله { وَمِن ذُرّيَتِى } طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، فإن قيل ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة، قلنا أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً، وأما نحن فنقول مقتضى الآية ذلك، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة، فإن قيل أليس أن يونس عليه السلام قال
    { سُبْحَـظ°نَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ }
    الأنبياء 87 وقال آدم
    { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا }
    الأعراف 23 قلنا المذكور في الآية هو الظلم المطلق، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام. الوجه الثاني أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله تعالى
    { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ظ±لشَّيطَـظ°نَ }
    يغ¤س 60 يعني ألم آمركم بهذا، وقال الله تعالى
    { قَالُواْ إِنَّ ظ±للَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا }
    آل عمران 183 يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول لا يخلو قوله { لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّـظ°لِمِينَ } من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق...

    ملحوظة

    هذه الاية احدى عمد الشيعة الامامية فى العصمة والامامة قال الطوسي فى التبيان

    واستدل اصحابنا بهذه الآية على ان الامام لا يكون إلا معصوما من القبائح، لأن الله تعالى نفى ان ينال عهده ـ الذي هو الامامة ـ ظالم، ومن ليس بمعصوم فهو ظالم: إما لنفسه، أو لغيره. فان قيل: انما نفى ان يناله ظالم ـ في حال كونه كذلك ـ: فاما اذا تاب وأناب، فلا يسمى ظالماً، فلا يمتنع أن ينال. قلنا: اذا تاب لا يخرج من أن تكون الآية تناولته ـ في حال كونه ظالما ـ فاذا نفي ان يناله، فقد حكم عليه بانه لا ينالها، ولم يفد انه لا ينالها في هذه الحال دون غيرها، فيجب ان تحمل الآية على عموم الاوقات في ذلك، ولا ينالها وإن تاب فيما بعد. واستدلوا بها ايضا على أن منزلة الامامة منفصلة من النبوة، لان الله خاطب ابراهيم (ع) وهو نبي، فقال له: انه سيجعله إماما جزاء له على اتمامه ما ابتلاه الله به من الكلمات، ولو كان إماما في الحال، لما كان للكلام معنى، فدل ذلك على ان منزلة الامامة منفصلة من النبوة. وانما أراد الله أن يجعلها لابراهيم (ع) وقد أملينا رسالة مقررة في الفرق بين النبي، والامام، وان النبي قد لا يكون إماما على بعض الوجوه، فاما الامام فلا شك انه يكون غير نبي. واوضحنا القول في ذلك، من أراده وقف عليه من هناك وابراهيم، وابراهم لغتان، واصله ابراهام فحذفت الالف استخفافا. قال الشاعر:
    عذت بما عاذبه إبراهم
    وقال امية: مع ابراهم التقي وموسى

    انتهى

    والرد علي الشيعة فى مطولات كتب الكلام وافضل رد عليهم
    فى ابكار الافكار للامدى

    قال الالوسي

    فليس في الآية دلالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر قبل البعثة ولا على أن الفاسق لا يصلح للخلافة، نعم فيها قطع إطماع الكفرة الذين كانوا يتمنون النبوة، وسد أبواب آمالهم الفارغة عن نيلها.

    واستدل بها بعض الشيعة على نفي إمامة الصديق وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم حيث إنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك و
    { إِنَّ ظ±لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
    [لقمان: 13] والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة، وأجيب بأن غاية ما يلزم أن الظالم في حالة الظلم لا تناله، والإمامة إنما نالتهم رضي الله تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم.

    واعترض بأن { مِنْ } تبعيضية فسؤال إبراهيم عليه السلام الإمامة إما للبعض العادل من ذريته مدة عمره أو الظالم حال الإمامة سواء كان عادلاً في باق العمر أم لا، أو العادل في البعض الظالم في البعض الآخر أو الأعم، فعلى الأول: يلزم عدم مطابقة الجواب، وعلى الثاني: جهل الخليل، وحاشاه وعلى الثالث: المطلوب، وحياه، وعلى الرابع: إما المطلوب أو الفساد وأنت خبير بأن مبنى الاستدلال حمل العهد على الأعم من النبوة والإمامة التي يدعونها ـ ودون إثباته خرط القتاد ـ وتصريح البعض كالجصاص لا يبنى عليه إلزام الكل، وعلى تقدير التنزل يجاب بأنا نختار أن سؤال الإمامة بالمعنى الأعم للبعض المبهم من غير إحضار الاتصاف بالعدالة والظلم حال السؤال، والآية إجابة لدعائه مع زيادة على ما أشرنا إليه، وكذا إذا اختير الشق الأول بل الزيادة عليه زيادة، ويمكن الجواب باختيار الشق الثالث أيضاً بأن نقول: هو على قسمين، أحدهما: من يكون ظالماً قبل الإمامة ومتصفاً بالعدالة وقتها اتصافاً مطلقاً بأن صار تائباً من المظالم السابقة فيكون حال الإمامة متصفاً بالعدالة المطلقة، والثاني من يكون ظالماً قبل الإمامة ومحترزاً عن الظلم حالها لكن غير متصف بالعدالة المطلقة لعدم التوبة، ويجوز أن يكون السؤال شاملاً لهذا القسم ولا بأس به إذا أمن الرعية من الفساد الذي هو المطلوب يحصل به؛ فالجواب بنفي حصول الإمامة لهذا القسم، والشيخان وعثمان رضي الله تعالى عنهم ليسوا منه بل هم في أعلى مراتب القسم الأول متصفون بالتوبة الصادقة، والعدالة المطلقة، والإيمان الراسخ، والإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة كذلك، ومن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم في لغة وعرف وشرع إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة، وفي غيره مجاز، ولا يكون المجاز أيضاً مطرداً بل حيث يكون متعارفاً وإلا لجاز صبـي لشيخ ونائم لمستيقظ، وغني لفقير، وجائع لشبعان، وحي لميت وبالعكس، وأيضاً لو اطرد ذلك يلزم من حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة أن يحنث ولا قائل به.

    هذا ومن أصحابنا من جعل الآية دليلاً على عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل البعثة وأن الفاسق لا يصح للخلافة، ومبنى ذلك حمل العهد على الإمامة وجعلها شاملة للنبوة والخلافة، وحمل الظالم على من ارتكب معصية مسقطة للعدالة/ بناء على أن الظلم خلاف العدل، ووجه الاستدلال حينئذ أن الآية دلت على أن نيل الإمامة لا يجامع الظلم السابق فإذا تحقق النيل كما في الأنبياء علم عدم اتصافهم حال النيل بالظلم السابق وذلك إما بأن لا يصدر منهم ما يوجب ذلك أو بزواله بعد حصوله بالتوبة ولا قائل بالثاني إذ الخلاف إنما هو في أن صدور الكبيرة هل يجوز قبل البعثة أم لا؟ فيتعين الثاني وهو العصمة، أو المراد بها هظ°هنا عدم صدور الذنب لا الملكة وكذا إذا تحقق الاتصاف بالظلم كما في الفاسق على عدم حصول الإمامة بعد ما دام اتصافه بذلك واستفادة عدم صلاحية الفاسق للإمامة على ما قررنا من منطوق الآية وجعلها من دلالة النص أو القياس المحوج إلى القول بالمساواة ولا أقل، أو التزام جامع وهما مناط العيوق إنما يدعو إليه حمل الإمامة على النبوة، وقد علمت أن المبنى الحمل على الأعم وكان الظاهر أن الظلم الطارىء والفسق العارض يمنع عن الإمامة بقاءاً كما منع عنها ابتداءاً لأن المنافاة بين الوصفين متحققة في كل آن ـ وبه قال بعض السلف ـ إلا أن الجمهور على خلافه مدعين أن المنافاة في الابتداء لا تقتضي المنافاة في البقاء لأن الدفع أسهل من الرفع، واستشهدوا له بأنه لو قال لامرأة مجهولة النسب يولد مثلها لمثله: هذه بنتي لم يجز له نكاحها ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاح لكن إن أصر عليه يفرق القاضي بينهما وهذا الذين قالوه إنما يسلم فيما إذا لم يصل الظلم إلى حد الكفر أما إذا وصل إليه فإنه ينافي الإمامة بقاءاً أيضاً بلا ريب وينعزل به الخليفة قطعاً.

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وَإِذْ جَعَلْنَا ظ±لْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَظ±تَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَىظ° إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَظ±لْعَاكِفِينَ وَظ±لرُّكَّعِ ظ±لسُّجُودِ }

    قال الرازى

    فإن قيل كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى، فما معنى قوله { وَإِذْ جَعَلْنَا ظ±لْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ } قلنا أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضاً فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله تعالى، وإظهار العبودية له، والمواظبة على العمرة والطواف، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه، يستوجب بذلك ثواباً عظيماً عند الله تعالى....

    { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَظ°هِيمُ ظ±لْقَوَاعِدَ مِنَ ظ±لْبَيْتِ وَإِسْمَظ°عِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لسَّمِيعُ ظ±لْعَلِيمُ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجباً على الله تعالى، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول يا إلهي اجعل النار حارة والجمد بارداً بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال باردة، والجمد حال بقائه على صورته في الإنجماد والبياض حاراً ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلاً والله أعلم

    { رَبَّنَا وَظ±جْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لتَّوَّابُ ظ±لرَّحِيمُ }

    قال الرازى

    احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله { رَبَّنَا وَظ±جْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد، أو الاستسلام والانقياد، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما، فإن الجعل عبارة عن الخلق، قال الله تعالى

    { وَجَعَلَ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ وَظ±لنُّورَ }
    الأنعام 1 فدل هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى، فإن قيل هذه الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير مسلمين، إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل وإنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين، ولأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح إلا بعد أن كانا مسلمين، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق والإيجاد، بل له معانٍ أخر سوى الخلق. أحدها جعل بمعنى صير، قال الله تعالى
    { هُوَ ظ±لَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ظ±لَّيْلَ لِبَاساً وَظ±لنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ظ±لنَّهَارَ نُشُوراً }
    الفرقان 47. وثانيها جعل بمعنى وهب، نقول جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس. وثالثها جعل بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى
    { وَجَعَلُواْ ظ±لْمَلَـظ°ئِكَةَ ظ±لَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ إِنَـظ°ثاً }
    الزخرف 19، وقال
    { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ظ±لْجِنَّ }
    الأنعام 10. ورابعها جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى
    { وَجَعَلْنَـظ°هُمْ أَئِمَّةً }
    الأنبياء 73 يعني أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال
    { إِنّى جَـظ°عِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا }
    البقرة 124 فهو بالأمر. وخامسها أن يجعله بمعنى التعليم كقوله جعلته كاتباً وشاعراً إذا علمته ذلك. وسادسها البيان والدلالة تقول جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك، إذا ثبت ذلك فنقول لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام والحكم لهما بذلك كما يقال جعلني فلان لصاً وجعلني فاضلاً أديباً إذا وصفه بذلك، سلمنا أن المراد من الجعل الخلق، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله مسلماً له، ومثاله من يؤدب ابنه حتى يصير أديباً فيجوز أن يقال صيرتك أديباً وجعلتك أديباً، وفي خلاف ذلك يقال جعل ابنه لصاً محتالاً، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقاً للإسلام، لكنه على خلاف الدلائل العقلية فوجب ترك القول به، وإنما قلنا أنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما استحق العبد به مدحاً ولا ذماً، ولا ثواباً ولا عقاباً، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد. والجواب قوله الآية متروكة الظاهر، قلنا لا نسلم وبيانه من وجوه. الأول أن الإسلام عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله { وَظ±جْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } أي اخلق هذا العرض فينافي الزمان المستقبل دائماً، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال.

    الثاني أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله
    { لِيَزْدَادُواْ إِيمَـظ°ناً مَّعَ إِيمَـظ°نِهِمْ }
    الفتح 4،
    { وَظ±لَّذِينَ ظ±هْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى }
    محمد 17 وقال إبراهيم
    { وَلَـظ°كِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى }
    البقرة 26 فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال. الثالث أن الإسلام إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله { مُسْلِمَيْنِ لَكَ } فالمراد الاستسلام له والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال، فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر، قوله يحمل الجعل على الحكم بذلك، قلنا هذا مدفوع من وجوه أحدها أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة، ولا يقال وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح وهو مرغوب فيه، قلنا نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به والحكم به، فكان حمله على الأول أولى. وثانيها أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلاً وأي فائدة في طلبه بالدعاء. وثالثها أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال جعله مسلماً، أما قوله يحمل ذلك على فعل الألطاف، قلنا هذا أيضاً مدفوع من وجوه. أحدها أن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر. وثانيها أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز. وثالثها أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون، فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً وإن كان لها أثر في الترجيح فنقول متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما أن يجب الفعل أو يمتنع أو لا يجب ولا يمتنع، فإن وجب فهو المطلوب، وإن امتنع فهو مانع لا مرجح، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً وقد فرضناه كذلك هذا خلف، وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول، قوله الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم، قلنا إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم تقريره مراراً وأطواراً والله أعلم.

    واعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف طلبا الاسلام؟ قد أدرجناه في هذه المسألة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية والحمد لله على ذلك، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا؟ فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين، وإن كانت صالحة لتركه فهو باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلان الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ولأنه عدم باق والباقي لا يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر، فإذن لا قدرة إلا على الوجود، فالقدرة غير صالحة إلا للوجود، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود والعدم فالمقصود حاصل، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح، ويجب انتهاء المرجحات إلى فعل الله تعالى قطعاً للتسلسل، وعند حصول المرجح من الله تعالى يجب وقوع الفعل، فثبت أن قوله { رَبَّنَا وَظ±جْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية...

    أما قوله { وَتُبْ عَلَيْنَا } ففيه مسائل المسألة الأولى احتج من جوز الذنب على الأنبياء بهذه الآية قال لأن التوبة مشروطة بتقدم الذنب، فلولا تقدم الذنب وإلا لكان طلب التوبة طلباً للمحال، وأما المعتزلة فقالوا إنا نجوز الصغيرة على الأنبياء فكانت هذه التوبة توبة من الصغيرة، ولقائل أن يقول إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب فاعلها وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها محال، لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل محال.


    وههنا أجوبة أخر تصلح لمن جوز الصغائر ولمن لم يجوزها، وهي من وجوه. أولها يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشدداً في الإنصراف عن المعصية، لأن من تصور نفسه بصورة النادم العازم على التحرز الشديد، كان أقرب إلى ترك المعاصي، فيكون ذلك لطفاً داعياً إلى ترك المعاصي، وثانيها أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لاينفك عن التقصير من بعض الوجوه إما على سبيل السهو، أو على سبيل ترك الأولى، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك. وثالثها أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته من يكون ظالماً عاصياً، لا جرم سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة فقال { وَتُبْ عَلَيْنَا } أي على المذنبين من ذريتنا، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه فقد يقول أجرمت وعصيت وأذنبت فاقبل عذري ويكون مراده إن ولدي أذنب فاقبل عذره، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، والذي يقوي هذا التأويل وجوه. الأول ما حكى الله تعالى في سورة إبراهيم أنه قال
    { وَظ±جْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ظ±لأًصْنَامَ رَّبّ إِنَّهُمْ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ظ±لنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
    إبراهيم 35، 36 فيحتمل أن يكون المعنى ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب، وتغفر له ما سلف من ذنوبه. الثاني ذكر أن في قراءة عبد الله وأرهم مناسكهم وتب عليهم. الثالث أنه قال عطفاً على هذا { رَبَّنَا وَظ±بْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ }. الرابع تأولوا قوله تعالى
    { وَلَقَدْ خَلَقْنَـظ°كُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـظ°كُمْ }
    الأعراف 11 بجعل خلقه إياه خلقاً لهم إذ كانوا منه، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله { أَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أي أر ذريتنا. المسألة الثانية احتج الأصحاب بقوله { وَتُبْ عَلَيْنَا } على أن فعل العبد خلق لله تعالى، قالوا لأنه عليه السلام طلب من الله تعالى أن يتوب عليه، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد، لكان طلبها من الله تعالى محالاً وجهلاً، قالت المعتزلة هذا معارض بما أن الله تعالى طلب التوبة منا. فقال
    { يأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ظ±للَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً }
    التحريم 8 ولو كانت فعلاً لله تعالى، لكان طلبها من العبد محالاً وجهلاً، وإذا ثبت ذلك حمل قوله { وَتُبْ عَلَيْنَا } على التوفيق وفعل الألطاف أو على قبول التوبة من العبد، قال الأصحاب الترجيح معنا لأن دليل العقل يعضد قولنا من وجوه.

    أولها أنه متى لم يخلق الله تعالى داعية موجبة للتوبة استحال حصول التوبة، فكانت التوبة من الله تعالى لا من العبد، وتقرير دليل الداعي قد تقدم غير مرة. وثانيها أن التوبة على ما لخصه الشيخ الغزالي رحمه الله عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مرتبة علم وحال وعمل، فالعلم أول والحال ثانٍ وهو موجب العلم والعمل ثالث وهو موجب الحال، أما العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب، يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوت المنفعة وحصول المضرة، وهذا التألم هو المسمى بالندم ثم يتولد من هذا الندم صفة تسمى إرادة ولها تعلق بالحال والماضي والمستقبل، أما تعلقه بالحال فهو الترك للذنب الذي كان ملابساً له، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، وأما في الماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب، ثم إن هذا اليقين مهما استولى على القلب اشتعل نار الندم فيتألم به القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان، أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فيتولد من تلك الحالة إرادته للانتهاض للتدارك إذا عرفت هذا فنقول إن ترتب الفعل على الإرادة ضروري لأن الإرادة الجازمة الخالية عن المعارض لا بد وأن يترتب عليها الفعل وترتب الإرادة على تألم القلب أيضاً ضروري، فإن من تألم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه لا بد وأن يحصل في قلبه إرادة الدفع وترتب ذلك الألم على العلم بكون ذلك الشيء جالباً للمضار، ودفعاً للمنافع أيضاً أمر ضروري، فكل هذه المراتب ضرورية فكيف تحصل تحت الاختبار والتكلف. بقي أن يقال الداخل تحت التكليف هو العلم، إلا أن فيه أيضاً إشكالاً، لأن ذلك العلم إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، فإن كان ضرورياً لم يكن داخلاً تحت الاختبار والتكليف أيضاً، وإن كان نظرياً فهو مستنتج عن العلوم الضرورية. فمجموع تلك العلوم الضرورية المنتجة للعلم النظري الأول، إما أن يكون كافياً في ذلك الانتاج أو غيره كاف، فإن كان كافياً كان ترتب ذلك العلم النظري المستنتج أولاً على تلك العلوم الضرورية واجباً، والذي يجب ترتبه على ما يكون خارجاً عن الاختيار، كان أيضاً خارجاً عن الاختيار، وإن لم يكن كافياً فلا بد من شيء آخر، فذلك الآخر إن كان من العلوم الضرورية فهو إن كان حاصلاً فالذي فرضناه غير كاف، وقد كان كافياً، هذا خلف، وإن كان من العلوم النظرية افتقر أول العلوم النظرية إلى علم نظري آخر قبله فلم يكن أول العلوم النظرية أولاً للعلوم النظرية، وهذا خلف.

    ثم الكلام في ذلك الأول كما فيما قبله فيلزم التسلسل وهو محال، فثبت بما ذكرنا آخراً أن قوله تعالى { وَتُبْ عَلَيْنَا } محمول على ظاهره، وهو الحق المطابق للدلائل العقلية وأن سائر الآيات المعارضة لهذه الآية أولى بالتأويل.

    { رَبَّنَا وَظ±بْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَظ°تِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ظ±لْكِتَظ°بَ وَظ±لْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لعَزِيزُ ظ±لحَكِيمُ }

    قال الرازى

    واعلم أن العزيز من صفات الذات إذا أريد اقتداره على الأشياء وامتناعه من الهضم والذلة، لأنه إذا كان منزهاً عن الحاجات لم تلحقه ذلة المحتاج، ولا يجوز أن يمنع من مراده حتى يلحقه اهتضام، فهو عزيز لا محالة، وأما الحكيم فإذا أريد به معنى العليم فهو من صفات الذات، فإذا أريد بالعزة كمال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذات بل من صفات الفعل والفرق بين هذين النوعين من الصفات وجوه. أحدها أن صفات الذات أزلية، وصفات الفعل ليست كذلك. وثانيها أن صفات الذات لا يمكن أن تصدق نقائضها في شيء من الأوقات، وصفات الفعل ليست كذلك. وثالثها أن صفات الفعل أمور نسبية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفاعل، وصفات الذات ليست كذلك، واحتج النظام على أنه تعالى غير قادر على القبيح بأن قال الإله يجب أن يكون حكيماً لذاته، وإذا كان حكيماً لذاته لم يكن القبيح مقدوراً، والحكمة لذاتها تنافي فعل القبيح، فالإله يستحيل منه فعل القبيح، وما كان محال لم يكن مقدوراً، إنما قلنا الإله يجب أن يكون حكيماً لأنه لو لم يجب ذلك لجاز تبدله بنقيضه، فحينئذ يلزم أن يكون الإله إلهاً مع عدم الحكمة وذلك بالاتفاق محال، وأما أن الحكمة تنافي فعل السفه فذلك أيضاً معلوم بالبديهة، وأما أن مستلزم المنافي مناف فمعلوم بالبديهة، فإذن الإلهية لا يمكن تقريرها مع فعل السفه، وأما أن المحال غير مقدور فبين، فثبت أن الإله لا يقدر على فعل القبيح. والجواب عنه أما على مذهبنا فليس شيء من الأفعال سفهاً منه فزال السؤال، والله أعلم.

    قال الماتريدى

    فإن قال لنا قائل ممن ينتحل مذهب الاعتزال: أَليس الله - عز وجل - أَضاف التزكية والهداية إلى رسوله، ولم يكن منه - حقيقة - فعل التزكية والهداية، ولا خلق ذلك منه - كيف لا قلتم أيضاً - فيما أَضاف ذلك إلى نفسه: أَن ليس فيه منه خلق ذلك، ولا حقيقة سوى الدعاء والبيان، على ما لم يكن في إضافة ذلك إلى رسول الله سوى الدعاء والبيان؟!

    قيل: كذلك على ما قلتم: أَنه أَضاف ذلك إلى رسوله بقوله:
    { وَتُزَكِّيهِمْ }
    [التوبة: 103]، وبقوله:
    { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيغ¤ إِلَىظ° صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
    [الشورى: 52]، وقوله:
    { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }
    [الرعد: 7]، غير أَنه جعل إلى نفسه فضْلَ هدايةٍ، لم يجعل ذلك لرسوله صلى الله عليه وسلم وأَثبت زيادة تزكيةٍ، لم يثبت ذلك لرسوله عليه السلام؛ كقوله:
    { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـظ°كِنَّ ظ±للَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }
    [القصص: 56]، وكقوله:
    { وَلَوْلاَ فَضْلُ ظ±للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىظ° مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـظ°كِنَّ ظ±للَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ }
    [النور: 21].

    فدل إضافة تلك الزيادة إلى نفسه على: أَنَّ له فضلَ فعلٍ، ليس ذلك لرسوله، وهو خلق فعل الاهتداء، وفعل التزكية، وبالله التوفيق.

    وبعد: فإن الرسول لا يحتمل أَن يملك قدرة فعل أَحد يُقدره عليه لو أَراده بما أَقدرهم الله على الفعل، حتى قدَروا؛ فجاز أَن يكون له عليه قدرة.

    وفي تحقيقها جواز خلق ذلك له، ومثله في رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتمل، ولا قوة إلا بالله.

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ظ±لْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـظ°هَكَ وَإِلَـظ°هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـظ°هاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } * { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }

    قال الرازى

    أما قوله { قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـظ°هَكَ وَإِلَـظ°هَ آبَائِكَ إِبْرظ°هِيمَ وَإِسْمَـظ°عِيلَ وَإِسْحَـظ°قَ } ففيه مسائل المسألة الأولى هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل. الأول المقلدة قالوا إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف. الثاني التعليمية. قالوا لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية، فإنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم. والجواب كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي، فليس فيها أيضاً دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلاً على سبيل الاستدلال، أقصى ما في الباب أن يقال فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال.

    والجواب عنه من وجوه، أولها أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله. وثانيها أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له. وثالثها لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله
    { يَـظ°أَيُّهَا ظ±لنَّاسُ ظ±عْبُدُواْ رَبَّكُمُ ظ±لَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِكُم }
    البقرة 21 وههنا مرادهم بقولهم { نَعْبُدُ إِلَـظ°هَكَ وَإِلَـظ°هَ آبَائِكَ } أي نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد....

    المسألة الخامسة الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب. أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسباً دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود، ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات. أحدها وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى، كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب. وثانيها أن ذات الفعل توجد بقدرة الله تعالى، ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة أو معصية وهذه الصفة حاصلة بالقدرة الحادثة. وهو قول أبي بكر الباقلاني. وثالثها أن القدرة الحادثة والقدرة القديمة، إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما، وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله، فهذا هو الكسب وهذا يعزى إلى أبي إسحاق الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين. أما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة، فهم فريقان. الأول الذين يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل، فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة، والداعية القائمتان به، وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا يصرح به. الفريق الثاني من المعتزلة وهم الذين يقولون القدرة مع الداعي لا توجب الفعل، بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهذا الفعل والكسب، قالت المعتزلة للأشعري إذا كان مقدور العبد واقعاً بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف في ذلك الوقت بذلك الفعل، وإذا لم يخلقه فيه استحال منه في ذلك الوقت أن يتصف به

    وإذا كان كذلك لم يكن ألبتة متمكناً من الفعل والترك، ولا معنى للقادر إلا ذلك، فالعبد ألبتة غير قادر، وأيضاً فهذا الذي هو مكتسب العبد. إما أن يكون واقعاً بقدرة الله، أو لم يقع ألبتة بقدرة الله، أو وقع بالقدرتين معاً، فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثراً فكيف يكون مكتسباً له؟ وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب. وإن وقع بالقدرتين معاً فهذا محال، لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع، فعند تعلق قدرة الله تعالى به، فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر، وأما قول الباقلاني فضعيف، لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه، وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب، وأما قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير، فلا يبقى لقدرة العبد معها أثر ألبتة، قال أهل السنة كون العبد مستقلاً بالإيجاد والخلق محال لوجوه. أولها أن العبد لو كان موجداً لأفعاله، لكان عالماً بتفاصيل فعله، وهو غير عالم بتلك التفاصيل، فهو غير موجد لها. وثانيها لو كان العبد موجداً لفعل نفسه لما وقع إلا ما أراده العبد، وليس كذلك، لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل. وثانيها لو كان العبد موجداً لفعل نفسه لكان كونه موجداً لذلك الفعل زائداً على ذات ذلك الفعل، وذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات القدرة مع الذهول عن كون العبد موجداً له، والمعقول غير المغفول عنه، ثم تلك الموجدية حادثة، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى، ولزم التسلسل وهو محال، وإن كان الله تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى، ولا يلزمنا ذلك في موجدية الله تعالى لأنه قديم، فكانت موجديته قديمة، فلا يلزم افتقار تلك الموجودية إلى موجودية أخرى. هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقين في الألفاظ والمعاني كثيرة والله الهادي.

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ظ±هْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ظ±للَّهُ وَهُوَ ظ±لسَّمِيعُ ظ±لْعَلِيمُ }

    قال الرازى

    واحتج الأصحاب بقوله { وَهُوَ ظ±لسَّمِيعُ ظ±لْعَلِيمُ } على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله { عَلِيمٌ } بناء مبالغة فيتناول كونه عالماً بجميع المعلومات، فلو كان كونه سميعاً عبارة عن علمه بالمسموعات لزم التكرار وأنه غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعاً أمراً زائداً على وصفه بكونه عليماً والله أعلم بالصواب.

    وقال الطبري

    وقد روي عن ابن عبـاس فـي ذلك قراءة جاءت مصاحف الـمسلـمين بخلافها، وأجمعت قرّاء القرآن علـى تركها. وذلك ما:

    حدثنا به مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي حمزة، قال: قال ابن عبـاس: لا تقولوا: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا } فإنه لـيس لله مثل، ولكن قولوا: «فإن آمنوا بـالذين آمنتـم به فقد اهتدوا»، أو قال: «فإن آمنوا بـما آمنتـم به». فكأن ابن عبـاس فـي هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه يوجه تأويـل قراءة من قرأ: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ }: فإن آمنوا بـمثل الله، وبـمثل ما أنزل علـى إبراهيـم وإسماعيـل وذلك إذا صرف إلـى هذا الوجه شرك لا شكّ بـالله العظيـم، لأنه لا مثل لله تعالـى ذكره، فنؤمن أو نكفر به. ولكن تأويـل ذلك علـى غير الـمعنى الذي وجه إلـيه تأويـله، وإنـما معناه ما وصفنا، وهو: فإن صدّقوا مثل تصديقكم بـما صدقتـم به من جميع ما عددنا علـيكم من كتب الله وأنبـيائه، فقد اهتدوا. فـالتشبـيه إنـما وقع بـين التصديقـين والإقرارين اللذين هما إيـمان هؤلاء وإيـمان هؤلاء، كقول القائل: مرّ عمرو بأخيك مثل ما مررت به، يعنـي بذلك مرّ عمرو بأخيك مثل مروري به، والتـمثـيـل إنـما دخـل تـمثـيلاً بـين الـمروريـين، لا بـين عمرو وبـين الـمتكلـم فكذلك قوله: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ } إنـما وقع التـمثـيـل بـين الإيـمانـين لا بـين الـمُؤْمنَ به.

    ملحوظة

    سيأتى الحديث علي رفع اشكال المثلية لله عز وجل لغويا فى قوله تعالي ليس كمثله شيء باذن الله

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { صِبْغَةَ ظ±للَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ظ±للَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ }

    قال ابن عاشور

    وإطلاق اسم الصبغة على المعمودية يحتمل أن يكون من مبتكرات القرآن ويحتمل أن يكون نصارى العرب سموا ذلك الغسل صبغة، ولم أقف على ما يثبت ذلك من كلامهم في الجاهلية، وظاهر كلام الراغب أنه إطلاق قديم عند النصارى إذ قال: «وكانت النصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السابع في ماء معمودية يزعمون أن ذلك صبغة لهم».

    أما وجه تسمية المعمودية (صبغة) فهو خفي إذ ليس لماء المعمودية لون فيطلق على التلطخ به مادة ص ب غ وفي «دائرة المعارف الإسلامية» أن أصل الكلمة من العبرية ص ب ع أي غطس، فيقتضي أنه لما عرب أبدلوا العين المهملة غيناً معجمة لعله لندرة مادة صبع بالعين المهملة في المشتقات وأياً ما كان فإطلاق الصبغة على ماء المعمودية أو على الاغتسال به استعارة مبنية على تشبيه وجهه تخييلي إذ تخيلوا أن التعميد يكسب المعمد به صفة النصرانية ويلونه بلونها كما يلون الصبغ ثوباً مصبوغاً وقريب منه إطلاق الصبغ على عادة القوم وخلقهم وأنشدوا لبعض ملوك همدان:
    وكل أناس لهم صبغة وصبغة همْدانَ خيرُ الصِّبَغ
    صَبغْنا على ذلكَ أبناءنا فأكرم بصبغتنا في الصبغ
    وقد جعل النصارى في كنائسهم أحواضاً صغيرة فيها ماء يزعمون أنه مخلوط ببقايا الماء الذي أهرق على عيسى حين عمده يحيى وإنما تقاطر منه جمع وصب في ماء كثير ومن ذلك الماء تؤخذ مقادير تعتبر مباركة لأنها لا تخلوعن جزء من الماء الذي تقاطر من اغتسال عيسى حين تعميده كما ذلك في أوائل الأناجيل الأربعة.

    فقوله: { صبغة الله } رد على اليهود والنصارى معاً أما اليهود فلأن الصبغة نشأت فيهم وأما النصارى فلأنها سنة مستمرة فيهم، ولما كانت المعمودية مشروعة لهم لغلبة تأثير المحسوسات على عقائدهم رد عليهم بأن صبغة الإسلام الاعتقاد والعمل المشار إليهما بقوله:
    { قولوا آمنا بالله }
    [البقرة: 136] إلى قوله:
    { ونحن له مسلمون }
    [البقرة: 136] أي إن كان إيمانكم حاصلاً بصبغة القسيس فإيماننا بصبغ الله وتلوينه أي تكييفه الإيمان في الفطرة مع إرشاده إليه، فإطلاق الصبغة على الإيمان استعارة علاقتها المشابهة وهي مشابهة خفية حسنها قصد المشاكلة

    ملحوظة

    المعمودية احد اسرار الكنيسة السبعة مثل الميرون والافخارستيا سر التناول وسر التوبة و......

    لكن الملفت للنظر ان اصل كلمة معمودية هى صبغة المذكورة فى كتاب الله

    انظر الصورة من اشهر كتب الاعتقاد عند النصارى

    Screenshot_2017-05-12-14-59-17.png

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }

    قال الرازى

    أما قوله تعالى { قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك الشبهة، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكاً وملكاً، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى، فإن قيل ما الحكمة أولاً في تعيين القبلة؟ ثم ما الحكمة في تحويل القبلة من جهة إلى جهة؟ قلنا

    أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة، أما أهل السنة فإنهم يقولون لا يجب تعليل أحكام الله تعالى ألبتة، واحتجوا عليه بوجوه.

    أحدها أن كل من فعل فعلاً لغرض، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده، وإما أن لا يكون كذلك، بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان، فإن كان الأول، كان ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره، وذلك على الله محال، وإن كان الثاني استحال أن يكون غرضاً ومقصوداً ومرجحاً فإن قيل إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية إلا أن وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه، فالحكيم يفعله ليعود النفع إلى الغير قلنا عود النفع إلى الغير ولا عوده إليه، هل هما بالنسبة إلى الله تعالى على السواء، أو ليس الأمر كذلك، وحينئذ يعود التقسيم. وثانيها أن كل من فعل فعلاً لغرض فإما أن يكون قادراً على تحصيل ذلك الغرض من دون تلك الواسطة، أو لا يكون قادراً عليه. فإن كان الأول كان توسط تلك الواسطة عبثاً، وإن كان الثاني كان عجزاً وهو على الله محال. وثالثها أنه تعالى إن فعل فعلاً لغرض فذلك الغرض وإن كان قديماً لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال، وإن كان محدثاً توقف إحداثه على غرض آخر، ولزم الدور أو التسلسل وهو محال. ورابعها أن تخصيص إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده إن كان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في ذلك الوقت دون سائر الأوقات كطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات، فإن استغنى أحدهما عن المرجح فكذا الآخر، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل توقيف فاعلية الله على الحكمة والغرض. وخامسها ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات من الخير والشر، والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته، وذلك يبطل القول بالغرض، لأنه يستحيل أن يكون لله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر فيه وتعذيبه عليه أبد الآباد. وسادسها أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بإيجاد الفعل المعين في الأزل، إما أن يكون جائزاً أو واجباً، فإن كان جائزاً افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل، ولأنه يلزم صحة العدم على القديم، وإن كان واجباً فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه أن تعليل أفعال الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال، وإذا كان كذلك كانت فاعليته بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى { قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } فإنه علل جواز النسخ بكونه مالكاً للمشرق والمغرب، والملك يرجع حاصله إلى القدرة، ولم يعلل ذلك بالحكمة على ما تقوله المعتزلة، فثبت أن هذه الآية دالة بصريحها على قولنا ومذهبنا

    أما المعتزلة فقد قالوا لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم، والحكيم لا يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض، علمنا أن له سبحانه في كل أفعاله وأحكامه حكماً وأغراضاً، ثم إنها تارة تكون ظاهرة جلية لنا، وتارة مستورة خفية عنا، وتحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى يمكن أن يكون لمصالح خفية وأسرار مطوية عنا، وإذا كان الأمر كذلك استحال الطعن بهذا التحويل في دين الإسلام.

    أما قوله { يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فالهداية قد تقدم القول فيها، قالت المعتزلة إنما هي الدلالة الموصلة، والمعنى أنه تعالى يدل على ما هو للعبادة أصلح، والصراط المستقيم هو الذي يؤديهم إذا تمسكوا به إلى الجنة، قال أصحابنا هذه الهداية إما أن يكون المراد منها الدعوة أو الدلالة أو تحصيل العلم فيه، والأولان باطلان، لأنهما عامان لجميع المكلفين فوجب حمله على الوجه الثالث وذلك يقتضي بأن الهداية والإضلال من الله تعالى.

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ظ±لنَّاسِ وَيَكُونَ ظ±لرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا ظ±لْقِبْلَةَ ظ±لَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ظ±لرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىظ° عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ظ±لَّذِينَ هَدَى ظ±للَّهُ وَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ظ±للَّهَ بِظ±لنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }

    قال الرازى

    المسألة الثالثة احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيريتهم بجعل الله وخلقه وهذا صريح في المذهب، قالت المعتزلة المراد من هذا الجعل فعل الألطاف التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة اختاروا عندها الصواب في القول والعمل، أجاب الأصحاب عنه من وجوه. الأول أن هذا ترك للظاهر وذلك مما لا يصار إليه إلا عند قيام الدلائل على أنه لا يمكن حمل الآية على ظاهرها، لكنا قد بينا أن الدلائل العقلية الباهرة ليست إلا معنا، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسك بفصل المدح والذم والثواب والعقاب، وقد بينا مراراً كثيرة أن هذه الطريقة منتقضة على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي، والكلام المنقوض لا التفات إليه ألبتة. الوجه الثاني أنه تعالى قال قبل هذه الآية
    { يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىظ° صِرظ°طٍ مُّسْتَقِيمٍ }
    البقرة 142 وقد بينا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه تعالى يخص البعض بالهداية دون البعض، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منهما مؤكدة لمضمون الأخرى.

    الوجه الثالث أن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف في حق الكل فقد فعله، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة. الوجه الرابع وهو أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الامتنان على هذه الأمة وفعل اللطف واجب والواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان.

    المسألة الرابعة احتج جمهور الأصحاب وجمهور المعتزلة بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة فقالوا أخبر الله تعالى عن عدالة هذه الأمة وعن خيريتهم فلو أقاموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة، فإن قيل الآية متروكة الظاهر، لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، فلا بد من حملها على البعض فنحن نحملها على الأئمة المعصومين، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهرة لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء خياره والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين. الأول أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات واجتناب المحرمات وهذا من فعل العبد وقد أخبر الله تعالى أن جعلهم وسطاً فاقتضى ذلك أن كونهم وسطاً من فعل الله تعالى، وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطاً غير كونهم عدولاً وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال. الثاني أن الوسط اسم لما يكون متوسطاً بين شيئين، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك وهو خلاف الأصل، سلمنا اتصافهم بالخيرية ولكن لم لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكد هذا الاحتمال أنه تعالى حكم بكونهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة، سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ولكن الله تعالى بين أن اتصافهم بذلك إنما كان لكونهم شهداء على الناس معلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمل، وذلك لا نزاع فيه، لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة فلم قلت إنهم في الدنيا كذلك؟ سلمنا وجوب كونهم عدولاً في الدنيا لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية لأن الخطاب مع من لم يوجد محال وإذا كان كذلك فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ولا تقتضي عدالة غيرهم، فهذه الآية تدل على أن إجماع أولئك حق فيجب أن لا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه لكن ذلك لا يمكن إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم وعلمنا بقاء كل واحد منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع ولما كان ذلك كالمتعذر امتنع التمسك بالإجماع.

    والجواب عن قوله الآية متروكة الظاهر قلنا لا نسلم فإن قوله { وَكَذظ°لِكَ جَعَلْنَـظ°كُمْ أُمَّةً وَسَطًا } يقتضي أنه تعالى جعل كل واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه الصفة، وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه فإن كل واحد منهم يكون عدلاً في ذلك الأمر، بل إذا اختلفوا فعند ذلك قد يفعلون القبيح، وإنما قلنا إن هذا خطاب معهم حال الاجتماع، لأن قوله { جَعَلْنَـظ°كُمْ } خطاب لمجموعهم لا لكل واحد منهم وحده، على أن وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل واحد منهم عدلاً لكنا نقول ترك العمل به في حق البعض لدليل قام عليه فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الباقي وهذا معنى ما قال العلماء ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة، فإذا كنا لا نعلم بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماع جماعتهم على القول والفعل، لكي يدخل المعتبرون في جملتهم، مثاله أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال إن واحداً من أولاد فلان لا بد وإن يكون مصيباً في الرأي والتدبير فإذا لم نعلمه بعينه ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقاً لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك المحق، فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم نحكم بكونه حقاً لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد الذي خالف، ولهذا قال كثير من العلماء إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيباً عمن كان مخطئاً كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة بقول المخطىء قوله لو كان المراد من كونهم وسطاً هو المراد من عدالتهم، لزم أن يكون فعل العبد خلقاً لله تعالى قلنا هذا مذهبنا على ما تقدم بيانه، قوله لم قلتم أن إخبار الله تعالى عن عدالتهم وخيريتهم يقتضي اجتنابهم عن الصغائر؟ قلنا خبر الله تعالى صدق، والخبر الصدق يقتضي حصول المخبر عنه، وفعل الصغيرة ليس بخير، فالجمع بينهما متناقض، ولقائل أن يقول الإخبار عن الشخص بأنه خير أعم من الإخبار عنه بأنه خير في جميع الأمور، أو في بعض الأمور، ولذلك فإنه يصح تقسيمه إلى هذين القسمين فيقال الخير إما أن يكون خيراً في بعض الأمور دون البعض أو في كل الأمور، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فمن كان خيراً من بعض الوجوه دون البعض، يصدق عليه أنه خير، فإذن إخبار الله تعالى عن خيرية الأمة لا يقتضي إخباره تعالى عن خيريتهم في كل الأمور، فثبت أن هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلاً عن الصغائر، وكنا قد نصرنا هذه الدلالة في أصول الفقه إلا أن هذا السؤال وارد عليها، أما السؤال الآخر فقد أجيب عنه بأن قوله { وَكَذظ°لِكَ جَعَلْنَـظ°كُمْ أُمَّةً وَسَطًا } خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها، من كان منهم موجوداً وقت نزول هذه الآية ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة، كما أن قوله


    { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ظ±لْقِصَاصُ }
    البقرة 178،
    { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ظ±لصّيَامُ }
    البقرة 183 يتناول الكل، ولا يختص بالموجودين في ذلك الوقت، وكذلك سائر تكاليف الله تعالى وأوامره وزواجره خطاب لجميع الأمة فإن قيل لو كان الأمر كذلك لكان هذا خطاباً لجميع من يوجد إلى قيام الساعة، فإنما حكم لجماعتهم بالعدالة فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى جعلتهم حجة على من بعدهم؟ قلنا لأنه تعالى لما جعلهم شهداء على الناس، فلو اعتبرنا أول الأمة وآخرها بمجموعها في كونها حجة على غيرها لزالت الفائدة إذ لم يبق بعد انقضائها من تكون الأمة حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة، فإن الأمة اسم للجماعة التي تؤم جهة واحدة، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك ولأنه تعالى قال { أُمَّةً وَسَطًا } فعبر عنهم بلفظ النكرة ولا شك أن هذا يتناول أهل كل عصر...

    أما قوله { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ظ±لرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىظ° عَقِبَيْهِ } ففيه مسائل المسألة الأولى اللام في قوله { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } لام الغرض والكلام في أنه هل يصح الغرض على الله أو لا يصح وبتقدير أن لا يصح فكيف تأويل هذا الكلام فقد تقدم. المسألة الثانية وما جعلنا كذا وكذا إلا لنعلم كذا يوهم أن العلم بذلك الشيء لم يكن حاصلاً فهو فعل ذلك الفعل ليحصل له ذلك العلم وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يعلم تلك الأشياء قبل وقوعها، ونظيره في الإشكال قوله
    { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىظ° نَعْلَمَ ظ±لْمُجَـظ°هِدِينَ مِنكُمْ وَظ±لصَّـظ°بِرِينَ }
    محمد 31 وقوله
    { ظ±لئَـظ°نَ خَفَّفَ ظ±للَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً }
    الأنفال 66 وقوله
    { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىظ° }
    طه 44 وقوله
    { فَلَيَعْلَمَنَّ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ صَدَقُواْ }
    العنكبوت 3 وقوله
    { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ظ±لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ جَـظ°هَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ظ±لصَّـظ°بِرِينَ }


    آل عمران 142 وقوله
    { وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سُلْطَـظ°نٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِظ±لأَخِرَةِ }
    سبأ 21 والكلام في هذه المسألة أمر مستقصى في قوله { وَإِذِ ظ±بْتَلَىظ° } والمفسرون أجابوا عنه من وجوه. أحدها أن قوله { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما يقول الملك فتحنا البلدة الفلانية بمعنى فتحها أولياؤنا، ومنه يقال فتح عمر السواد، ومنه قول عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه " استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر " وفي الحديث " من أهان لي ولياً فقد أهانني ". وثانيها معناه ليحصل المعدوم فيصير موجوداً، فقوله { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه إلا لنعلمه موجوداً، فإن قيل فهذا يقتضي حدوث العلم، قلنا اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد الخلاف فيه مشهور. وثالثها إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون، فسمي التمييز علماً، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته. ورابعها { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه إلا لنرى، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم كقوله
    { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ }
    الفجر 6 الفيل 1 إبراهيم 19 ورأيت، وعلمت، وشهدت، ألفاظ متعاقبة. وخامسها ما ذهب إليه الفراء وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين، ومثاله أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا، فيقول الجاهل الحطب يحرق النار، ويقول العاقل بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه لنعلم أينا الجاهل، فكذلك قوله { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام الاستمالة والرفق في الخطاب، كقوله
    { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىظ° هُدًى }
    سبأ 24 فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاً للخطاب ورفقاً بالمخاطب، فكذا قوله { إِلاَّ لِنَعْلَمَ }. وسادسها نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم، إذ العدل يوجب ذلك. وسابعها أن العلم صلة زائدة، فقوله { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ظ±لرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىظ° عَقِبَيْهِ } معناه إلا ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب المنقلبين، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى أنه لو كان لعلمه الله.

    أما قوله { إِلاَّ عَلَى ظ±لَّذِينَ هَدَى ظ±للَّهُ } فاحتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة خلق الأعمال فقالوا المراد من الهداية إما الدعوة أو وضع الدلالة أو خلق المعرفة، والوجهان الأولان ههنا باطلان، وذلك لأنه تعالى حكم بكونها ثقيلة على الكل إلا على الذين هدى الله فوجب أن يقال إن الذي هداه الله لا يثقل ذلك عليه، والهداية بمعنى الدعوة، ووضع الدلائل عامة في حق الكل، فوجب أن لا يثقل ذلك على أحد من الكفار، فلما ثقل عليهم علمنا أن المراد من الهداية ههنا خلق المعرفة والعلم وهو المطلوب، قالت المعتزلة الجواب عنه من ثلاثة أوجه، أحدها أن الله تعالى ذكرهم على طريق المدح فخصهم بذلك. وثانيها أراد به الاهتداء. وثالثها أنهم الذين انتفعوا بهدى الله فغيرهم كأنه لم يعتد بهم. والجواب عن الكل أنه ترك للظاهر فيكون على خلاف الأصل والله أعلم

    المسألة الثالثة استدلت المعتزلة بقوله { وَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـظ°نَكُمْ } على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات فإنه تعالى أراد بالإيمان ههنا الصلاة. والجواب لا نسلم أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة، بل المراد منه التصديق والإقرار فكأنه تعالى قال أنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة سلمنا أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة ولكن الصلاة أعظم الإيمان وأشرف نتائجه وفوائده فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الإستعارة من هذه الجهة.

    المسألة الرابعة استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد قالوا لأنه تعالى بين أنه بالناس لرؤف رحيم، والكفار من الناس فوجب أن يكون رؤفاً رحيماً بهم، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرهم إلى العقاب الدائم والعذاب السرمدي، ولو لم يكلفهم ما لا يطيقون فإنه تعالى لو كان مع مثل هذا الإضرار رؤفاً رحيماً فعلى أي طريق يتصور أن لا يكون رؤفاً رحيماً واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً والله أعلم.

    ملحوظة

    بمناسبة مسألة نفى حدوث العلم يجب تقرير مسألة وقاعدة هامة

    لايوجد صفة حادثة فى ذات الله عز وجل

    ومن هنا تعلم سر عدم تعلق الارادة بالذات عند اهل السنة لانها مشيئة لمتجدد ولاتجدد لحدوث صفة فى ذات الله

    وفرق بين قيام الصفة بالذات وتعلقات الصفة فتأمل

    التعلق امر زائد تطلبه الصفة زائد علي قيامها بمحلها

    ومن هنا تعلم خطأ من اوقف صفة الكلام علي المشيئة او الارادة الالهية

    فصفة الكلام عند اهل السنة لايجوز ان تقول يتكلم كيفما شاء ويسكت كيفما شاء والموضوع عميق

    { وَلَئِنْ أَتَيْتَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ظ±تَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ظ±لْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ظ±لظَّالِمِينَ }

    قال الرازى

    المسألة الثالثة احتج أبو مسلم بهذه الآية على أن علم الله تعالى في عباده وما يفعلونه ليس بحجة لهم فيما يرتكبون، فإنهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الذي أمروا به ويتركوا ضده الذي نهوا عنه، واحتج أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق وهو أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يتبعون قبلته، فلو اتبعوا قبلته لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهلاً وهو محال، ومستلزم المحال محال، فكان ذلك محالاً وقد أمروا به فقد أمروا بالمحال وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    البقرة 6.

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { إِلاَّ ظ±لَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

    قال الرازى

    قالت المعتزلة الآية تدل على أن التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصح، لأن قوله { وَأَصْلَحُواْ } عام في الكل. والجواب عنه أن اللفظ المطلق يكفي في صدقه حصول فرد واحد من أفراده. قال أصحابنا تدل الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، لأنه تعالى ذكر ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه ولو كان كذلك واجباً لما حسن هذا المدح ومعنى { أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } أقبل توبتهم وقبول التوبة يتضمن إزالة عقاب ما تاب منها فإن قيل هلا قلتم أن معنى { فَأُوْلَـظ°ئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } هو قبول التوبة بمعنى المجازاة والثواب كما تقولون في قبول الطاعة قلنا الطاعة إنما أفاد قبولها استحقاق الثواب، لأنه لا يستحق بها سواه وهو الغرض بفعلها وليس كذلك التوبة لأنها موضوعة لاسقاط العقاب، وهو الغرض بفعلها، وإن كان لا بد من أن يستحق بها الثواب إذا لم يكن مخطئاً، ومعنى قوله { وَأَنَا ظ±لتَّوَّابُ } القابل لتوبة كل ذي توبة فهو مبالغة في هذا الباب، ومعنى الرحيم عقيب ذلك التنبيه على أنه لرحمته بالمكلفين من عباده، يقبل توبتهم بعد التفريط العظيم منهم.

    { إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ظ±للَّهِ وَظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ وَظ±لنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

    قال الرازى

    المسألة السادسة القائلون بأن الكفر من الأسماء الشرعية، وما بقي على الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى { وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } والله تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية، لا يبقى فيهم حال الموت، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم.

    { وَإِلَـظ°هُكُمْ إِلَـظ°هٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ ظ±لرَّحِيمُ }

    قال الرازى

    المسألة الخامسة قال الجُبائي يوصف الله تعالى بأنه واحد من وجوه أربعة لأنه ليس بذي أبعاض، ولا بذي أجزاء، ولأنه منفرد بالقدم، ولأنه منفرد بالإلهية، ولأنه منفرد بصفات ذاته نحو كونه عالماً بنفسه، وقادراً بنفسه، وأبو هاشم يقتصر على ثلاثة أوجه فجعل تفرده بالقدم، وبصفات الذات وجهاً واحداً، قال القاضي وفي هذه الآية المراد تفرده بالإلهية فقط، لأنه أضاف التوحيد إلى ذلك، ولذلك عقبه بقوله { لاَ إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ }

    وقال أصحابنا إنه سبحانه وتعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، أما أنه واحد في ذاته فلأن تلك الذات المخصوصة التي هي المشارإليها بقولنا هو الحق سبحانه وتعالى إما أن تكون حاصلة في شخص آخر سواه، أو لا تكون، فإن كان الأول كان امتياز ذاته المعينة عن المعنى الآخر، لا بد وأن يكون بقيد زائد، فيكون هو في نفسه مركباً بما به الإشتراك وما به الإمتياز، فيكون ممكناً معلولاً مفتقراً وذلك محال، وإن لم يكن فقد ثبت أنه سبحانه واحد في ذاته لا قسيم له، وأما أنه واحد في صفاته فلأن موصوفيته سبحانه بصفات متميزة عن موصوفية غيره بصفات من وجوه. أحدها أن كل ما عداه فانٍ، لأن حصول صفاته له لا تكون من نفسه بل من غيره وهو سبحانه يستحق حصول صفاته لنفسه لا لغيره. وثانيها أن صفات غيره مختصة بزمان دون زمان لأنها حادثة، وصفات الحق ليست كذلك. وثالثها أن صفات الحق غير متناهية بحسب المتعلقات، فإن علمه متعلق بجميع المعلومات وقدرته متعلقة بجميع المقدورات، بل له في كل واحد من المعلومات الغير المتناهية معلومات غير متناهية لأنه يعلم في ذلك الجوهر الفرد أنه كيف كان ويكون حاله بحسب كل واحد من الأحياز المتناهية وبحسب كل واحد من الصفات المتناهية فهو سبحانه واحد في صفاته من هذه الجهة....

    ملحوظة

    مبحث الوحدانية فى الذات و الصفات والافعال ونفى الكم المتصل والمنفصل عميق فى علم التوحيد

    { إِنَّ فِي خَلْقِ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَظ±خْتِلاَفِ ظ±للَّيْلِ وَظ±لنَّهَارِ وَظ±لْفُلْكِ ظ±لَّتِي تَجْرِي فِي ظ±لْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ظ±لنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ظ±للَّهُ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ظ±لأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ظ±لرِّيَاحِ وَظ±لسَّحَابِ ظ±لْمُسَخَّرِ بَيْنَ ظ±لسَّمَآءِ وَظ±لأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    قال الرازى

    المسألة الأولى وهي أن الناس اختلفوا في أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره؟ فقال عالم من الناس الخلق هو المخلوق. واحتجوا عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، وذلك لأنه تعالى قال { إِنَّ فِي خَلْقِ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ وَظ±خْتِلَـظ°فِ ظ±لَّيْلِ وَظ±لنَّهَارِ } إلى قول { لأَيَـظ°تٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ومعلوم أن الآيات ليست إلا في المخلوق، وأما المعقول فقد احتجوا عليه بأمور. أحدها أن الخلق عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فهذا الإخراج لو كان أمراً مغايراً للقدرة والأثر فهو إما أن يكون قديماً أو حديثاً، فإن كان قديماً فقد حصل في الأزل مسمى الإخراج من العدم إلى الوجود والإخراج من العدم إلى الوجود مسبوق بالعدم والأزل هو نفي المسبوقية فلو حصل الإخراج في الأزل لزم اجتماع النقيضين وهو محال، وإن كان محدثاً فلا بد له أيضاً من مخرج يخرجه من العدم إلى الوجود فلا بد له من إخراج آخر والكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل. وثانيها أنه تعالى في الأزل لم يكن مخرجاً للأشياء من عدمها إلى وجودها، ثم في الأزل هل أحدث أمراً أو لم يحدث؟ فإن أحدث أمراً فذلك الأمر الحادث هو المخلوق، وإن لم يحدث أمراً فالله تعالى قط لم يخلق شيئاً. وثالثها أن المؤثرية نسبة بين ذات المؤثر وذات الأثر والنسبة بين الأمرين يستحيل تقريرها بدون المنتسب فهذه المؤثرية إن كانت حادثة لزم التسلسل وإن كانت قديمة كانت من لوازم ذات الله تعالى، وحصول الأثر إما في الحال أو في الإستقبال من لوازم هذا الصفة القديمة العظيمة ولازم اللازم لازم فيلزم أن يكون الأثر من لوازم ذات الله تعالى فلا يكون الله تعالى قادراً مختاراً بل ملجأ مضطراً إلى ذلك التأثير فيكون علة موجَبة وذلك كفر. واحتج القائلون بأن الخلق غير المخلوق بوجوه. أولها أن قالوا لا نزاع في أن الله تعالى موصوف بأنه خالق قبل أن يخلق الأشياء، والخالق هو الموصوف بالخلق، فلو كان الخلق هو المخلوق لزم كونه تعالى موصوفاً بالمخلوقات التي منها الشياطين والأبالسة والقاذورات، وذلك لا يقوله عاقل. وثانيها أنا إذا رأينا حادثاً حدث بعد أن لم يكن قلنا لم وجد هذا الشيء بعد أن لم يكن فإذا قيل لنا إن الله تعالى خلقه وأوجده قبلنا ذلك وقلنا إنه حق وصواب، ولو قيل إنه إنما وجد بنفسه لقلنا إنه خطأ وكفر ومتناقض، فلما صح تعليل حدوثه بعد ما لم يكن بأن الله تعالى خلقه ولم يصح تعليل حدوثه بحدوثه بنفسه، علمنا أن خلق الله تعالى إياه مغاير لوجوده في نفسه، فالخلق غير المخلوق.

    وثالثها أنا نعرف أفعال العباد ونعرف الله تعالى وقدرته مع أنا لا نعرف أن المؤثر في أفعال العباد أهو قدرة الله أم هو قدرة العبد والمعلوم غير ما هو معلوم فمؤثرية قدرة القادر في وقوع المقدور مغايرة لنفس تلك القدرة ولنفس ذلك المقدور، ثم إن هذه المغايرة يستحيل أن تكون سلبية لأنه نقيض المؤثرية التي هي عدمية، فهذه المؤثرية صفة ثبوتية زائدة على ذات المؤثر وذات الأثر وهو المطلوب. ورابعها أن النحاة قالوا إذ قلنا خلق الله العالم فالعالم ليس هو المصدر بل هو المفعول به، وذلك يدل على أن خلق العالم غير العالم. وخامسها أنه يصح أن يقال خلق السواد وخلق البياض وخلق الجوهر وخلق العرض فمفهوم الخلق أمر واحد في الكل مغاير لهذه الماهيات المختلفة بدليل أنه يصح تقسيم الخالقية إلى خالقية الجوهر وخالقية العرض ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فثبت أن الخلق غير المخلوق فهذا جملة ما في هذه المسألة....

    المسألة الثالثة دلت هذه الآية على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقاً ألبتة إلى تحصيل هذا الغرض. ..

    ملحوظة

    اهتم اهل السنة الاشاعرة بذكر الادلة العقلية علي وجود الله فى كتبهم ومنها دليل الحدوث والامكان و....

    وفى كتاب الله اشارات كثيرة الي هذه الادلة منها هذه الاية وقد توسع الرازى فى تفسيرها فلله در هذه الطائفة المنصورة اهل السنة الاشاعرة اقاموا مذهبهم علي اسس من الكتاب والسنة

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ظ±للَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ظ±للَّهِ وَظ±لَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ وَلَوْ يَرَى ظ±لَّذِينَ ظَلَمُوغ¤اْ إِذْ يَرَوْنَ ظ±لْعَذَابَ أَنَّ ظ±لْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ظ±للَّهَ شَدِيدُ ظ±لْعَذَابِ }

    قال الالوسي

    ومحبة العباد لله تعالى عند جمهور المتكلمين نوع من الإرادة سواء قلنا إنها نفس الميل التابع لاعتقاد النفع كما هو رأي المعتزلة، أو صفة مرجحة مغايرة له كما هو مذهب أهل السنة فلا تتعلق إلا بالجائزات ولا يمكن تعلقها بذاته تعالى فمحبة العبد له سبحانه إرادة طاعته وتحصيل مراضيه وهذا مبني على انحصار المطلوب بالذات في اللذة ورفع الألم،

    { وَقَالَ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ظ±للَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ظ±لنَّارِ }

    قال الرازى

    أما قوله تعالى { وَمَا هُم بِخَـظ°رِجِينَ مِنَ ظ±لنَّارِ } فقد احتج به الأصحاب على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار فقالوا إن قوله { وَمَا هُمْ } تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصاً بهم، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله
    { وَإِنَّ ظ±لْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ظ±لدّينِ * وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ }
    الانفطار 14 ـ 16 وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه.

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }

    قال الالوسي

    قيل: وفي الآية دليل/ على المنع من التقليد لمن قدر على النظر، وأما اتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى ـ وليس من التقليد المذموم في شيء ـ وقد قال سبحانه:
    { فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ }
    [الأنبياء: 7].

    { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

    سؤال للتفكر

    ورد فى الحديث مامعناه

    مامنكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان.....

    هل يكلم الله جميع الخلق معا ام يكلم هذا ثم يحاسب هذا ثم هذا!!!!!!!!!

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ظ±لْقِصَاصُ فِي ظ±لْقَتْلَى ظ±لْحُرُّ بِالْحُرِّ وَظ±لْعَبْدُ بِظ±لْعَبْدِ وَظ±لأُنثَىظ° بِظ±لأُنْثَىظ° فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَظ±تِّبَاعٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذظ°لِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ظ±عْتَدَىظ° بَعْدَ ذظ°لِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

    قال الرازى

    البحث الرابع بأي معنى أثبت الله وصف الأخوة. والجواب قيل إن ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمناً من ثلاثة أوجه الأول أنه تعالى سماه مؤمناً حال ما وجب القصاص عليه، وإنما وجب القصاص عليه إذا صدر عنه القتل العمد العدوان وهو بالإجماع من الكبائر، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن والثاني أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين، لقوله تعالى
    { إِنَّمَا ظ±لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }
    الحجرات 15 فلولا أن الإيمان باقٍ مع الفسق وإلا لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان الثالث أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن، أجابت المعتزلة عن الوجه الأول فقالوا إن قلنا المخاطب بقوله { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ظ±لْقِصَاصُ فِي ظ±لْقَتْلَى } هم الأئمة فالسؤال زائل، وإن قلنا إنهم هم القاتلون فجوابه من وجهين أحدهما أن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً، فسماه الله تعالى مؤمناً بهذا التأويل والثاني أن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً، ثم إنه تعالى أدخل فيه غير التائب على سبيل التغليب. وأما الوجه الثاني وهو ذكر الأخوة، فأجابوا عنه من وجوه الأول أن الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً، ولا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل والثاني الظاهر أن الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له والثالث يجوز أن يكون جعله أخاً له في النسب كقوله تعالى
    { وَإِلَىظ° عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا }
    الأعراف 65 والرابع أنه حصل بين ولي الدم وبين القاتل تعلق واختصاص، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة، كم تقول للرجل، قل لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق والخامس ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار والاعتقاد. والجواب أن هذه الوجوه بأسرها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون زمان، وبصفة دون صفة، والله تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق

    { وَلَكُمْ فِي ظ±لْقِصَاصِ حَيَظ°وةٌ يظ°أُولِي ظ±لأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت. فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلاً عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضياً إلى حصول الحياة. فإن قيل أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله؟ فإذا قلتم كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي.

    ملحوظة

    من عقيدة اهل السنة المقتول ميت بأجله وعند المعتزله قطع أجله وستأتى ايات استدل بها كل فريق

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىظ° سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ظ±لَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

    قال الرازى

    احتج الجبائي بقوله تعالى { وَعَلَى ظ±لَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } على أن الاستطاعة قبل الفعل فقال الضمير في قوله { وَعَلَى ظ±لَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } عائد إلى الصوم فأثبت القدرة على الصوم حال عدم الصوم، لأنه أوجب عليه الفدية، وإنما يجب عليه الفدية إذا لم يصم، فدل هذا على أن القدرة على الصوم حاصلة قبل حصول الصوم. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الضمير عائد إلى الفدية؟ قلنا لوجهين أحدهما أن الفدية غير مذكورة من قبل فكيف يرجع الضمير إليها والثاني أن الضمير مذكر والفدية مؤنثة، فإن قيل هذه الآية منسوخة فكيف يجوز الاستدلال بها قلنا كانت قبل أن صارت منسوخة دالة على أن القدرة حاصلة قبل الفعل، والحقائق لا تتغير.

    ملحوظة

    قال الباقلانى فى التمهيد ردا علي هذا

    فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله عز وَجل {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة}
    قيل لَهُم معنى ذَلِك على الَّذين يُطِيقُونَ الصّيام إِن أرادوه وتكلفوه وَعدلُوا عَن الْإِفْطَار
    وَالْآيَة مَنْسُوخ حكمهَا على هَذَا التَّأْوِيل
    وَيُمكن أَن يكون المُرَاد وعَلى الَّذين يُطِيقُونَ الْإِطْعَام وَلَا يقدرُونَ على الصّيام فديَة إِذا أفطروا
    وَقد قرىء وعَلى الَّذين يطوقونه فديَة يَعْنِي يؤمرون بِهِ وَيُكَلِّفُونَهُ وَلم يعرض على هَذِه الْقِرَاءَة لذكر الْقُدْرَة والطاقة

    { شَهْرُ رَمَضَانَ ظ±لَّذِيغ¤ أُنْزِلَ فِيهِ ظ±لْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ظ±لْهُدَىظ° وَظ±لْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ظ±لشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىظ° سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ظ±للَّهُ بِكُمُ ظ±لْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ظ±لْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ظ±لْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ظ±للَّهَ عَلَىظ° مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية المعتزلة احتجوا بهذه الآية في أن تكليف ما لا يطاق غير واقع، قالوا لأنه تعالى لما بين أنه يريد بهم ما تيسر دون ما تعسر فكيف يكلفهم ما لا يقدرون عليه من الإيمان وجوابه أن اليسر والعسر لا يفيدان العموم لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ المفرد الذي دخل عليه الألف واللام لا يفيد العموم، وأيضاً فلو سلمنا ذلك لكنه قد ينصرف إلى المعهود السابق فنصرفه إلى المعهود السابق في هذا الموضع.

    المسألة الثالثة المعتزلة تمكسوا بهذه الآية في إثبات أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله وذلك لأن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده، لكان يجب أن يكون قد فعل ما لا يريده الله منه إذا كان لا يريد العسر الجواب يحتمل اللفظ على أنه تعالى لا يريد أن يأمره بما فيه عسر، وإن كان قد يريد منه العسر وذلك لأن عندنا الأمر قد يثبت بدون الإرادة.

    المسألة الرابعة قالوا هذه الآية دالة على رحمته سبحانه لعباده فلو أراد بهم أن يكفروا فيصيروا إلى النار، وخلق فيهم ذلك الكفر لم يكن لائقاً به أن يقول { يُرِيدُ ظ±للَّهُ بِكُمُ ظ±لْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ظ±لْعُسْرَ } والجواب أنه معارض بالعلم.

    وقال ابو حيان فى بحره

    يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } تقدّم الكلام في الإرادة في قوله
    { ماذا أراد الله بهذا مثلاً }
    [البقرة: 26] والإرادة هنا إما أن تبقى على بابها، فتحتاج إلى حذف، ولذلك قدره صاحب (المنتخب): يريد الله أن يأمركم بما فيه يسر، وإما أن يتجوز بها عن الطلب، أي: يطلب الله منكم اليسر، والطلب عندنا غير الإرادة،

    وإنما احتيج إلى هذين التأوّيلين لأن ما أراده الله كائن لا محالة، على مذهب أهل السنة، وعلى ظاهر الكلام لم يكن ليقع عسر وهو واقع،

    وأما على مذهب المعتزلة فتكون الآية على ظاهرها، وأراد: يتعدّى إلى الإجرام بالباء، وإلى المصادر بنفسه، كالآية. ويأتي أيضاً متعدّياً إلى الإجرام بنفسه وإلى المصادر بالباء. قال:
    أرادت عرار بالهوان ومن يرد عراراً، لعمري بالهوان فقد ظلم
    قالوا: يريد هنا بمعنى أراد، فهو مضارع أريد به الماضي، والأوْلى أن يراد به الحالة الدائمة هنا، لأن المضارع هو الموضوع لما هو كائن لم ينقطع، والإرادة صفة ذات لا صفة فعل، فهي ثابتة له تعالى دائماً، وظاهر اليسر والعسر العموم في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية.

    ملحوظة

    ارادة الله عندنا علي وفق علم ومن هنا قال اهل السنة الامر غير الارادة وعند المعتزلة ارادة علي وفق امر لايأمر الا بما يريد فالامر موافق لارادة الله ولايريد الا ماامر به فاذا وقع مالم يأمر به وقع علي خلاف ارادته

    وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ظ±لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }

    قال الرازى

    هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قرباً بالجهة، وذلك لأنه تعالى لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل، بل كان يكون قريباً من حملة العرش وبعيداً من غيرهم، ولكان إذا كان قريباً من زيد الذي هو بالمشرق كان بعيداً من عمرو الذي هو بالمغرب، فلما دلت الآية على كونه تعالى قريباً من الكل علمنا أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قرباً بحسب الجهة، ولما بطل أن يكون المراد منه القرب بالجهة ثبت أن المراد منه القرب بمعنى أنه تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم، أو المراد من هذا القرب العلم والحفظ وعلى هذا الوجه قال تعالى
    { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ }
    الحديد 4 وقال
    { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ظ±لْوَرِيدِ }
    ق 16 وقال
    { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىظ° ثَلَـظ°ثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ }
    المجادله 7...

    المسألة الثانية الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على وفق غرض الداعي فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم يسمع دعاءه ولم يخيب رجاءه وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت. واعلم أن قوله تعالى { فَإِنّي قَرِيبٌ } فيه سر عقلي وذلك لأن اتصاف ماهيات الممكنات بوجوداتها إنما كان بإيجاد الصانع، فكان إيجاد الصانع كالمتوسط بين ماهيات الممكنات وبين وجوداتها فكان الصانع أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها، بل ههنا كلام أعلى من ذلك وهو أن الصانع هو الذي لأجله صارت ماهيات الممكنات موجودة فهو أيضاً لأجله كان الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً، فكما أن بتأثيره وتكوينه صارت الماهيات موجودة فكذلك بتأثيره وتكوينه صارت كل ماهية تلك الماهية، فعلى قياس ما سبق كان الصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهية إلى نفسها، فإن قيل تكوين الماهية ممتنع لأنه لا يعقل جعل السواد سواداً فنقول فكذلك أيضاً لا يمكن جعل الوجود وجوداً لأنه ماهية، ولا يمكن جعل الموصوفية دالة للماهية فإذن الماهية ليست بالفاعل، والوجود ماهية أيضاً فلا يكون بالفاعل، وموصوفية الماهية بالوجود هو أيضاً ماهية فلا تكون بالفاعل، فإذن لم يقع شيء ألبتة بالفاعل، وذلك باطل ظاهر البطلان، فإذن وجب الحكم بأن الكل بالفاعل، وعند ذلك يظهر الكلام الذي قررناه...

    المسألة الرابعة قالت المعتزلة { أُجِيبُ دَعْوَةَ ظ±لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } مختص بالمؤمنين
    { ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـظ°نَهُمْ بِظُلْمٍ }
    الأنعام 82 وذلك لأن وصفنا الإنسان بأن الله تعالى قد أجاب دعوته، صفة مدح وتعظيم، ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا إنه مستجاب الدعوة وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين، والفاسق واجب الإهانة في الدين، ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق، بل الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة. أما قوله تعالى { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } ففيه مسائل المسألة الأولى وجه الناظم أن يقال إنه تعالى قال أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقاً، فكن أنت أيضاً مجيباً لدعائي مع أنك محتاج إلي من كل الوجوه، فما أعظم هذا الكرم، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد أجب دعائي حتى أجيب دعاءك، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي، وهذا تنبيه على أن إجابة الله عبده فضل منه ابتداء، وأنه غير معلل بطاعة العبد، وأن إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب، وهذا يدل على فساد ما نقلناه عن المعتزلة في المسألة الرابعة

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ }

    قال الرازى

    استدلت المعتزلة على أن الله تعالى لا يريد القبائح بقوله تعالى { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } قالوا والمحبة عبارة عن الإرادة، والدليل عليه قوله تعالى
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ }
    النور 19 والمراد بذلك أنهم يريدون، وأيضاً نقل عن الرسول عليه السلام أنه قال " إن الله أحب لكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً، أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تناصحوا من ولاة أمركم وكره لكم القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال " فجعل الكراهة ضد المحبة، ولولا أن المحبة عبارة عن الإرادة وإلا لكانت الكراهة ضداً للإرادة، وأيضاً لو كانت المحبة غير الإرادة لصح أن يحب الفعل وإن كرهه، لأن الكراهة على هذا القول إنما تضاد الإرادة دون المحبة، قالوا وإذا ثبت أن المحبة نفس الإرادة فقوله { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } جار مجرى قوله والله لا يريد الفساد كقوله
    { وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ }
    غافر 31 بل دلالة هذه الآية أقوى لأنه تعالى ذكر ما وقع من الفساد من هذا المنافق ثم قال { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } إشارة إليه فدل على أن ذلك الواقع وقع لا بإرادة الله تعالى وإذا ثبت أنه تعالى لا يريد الفساد وجب أن لا يكون خالقاً له لأن الخلق لا يمكن إلا مع الإرادة فصارت هذه الآية دالة على مسألة الإرادة ومسألة خلق الأفعال

    والأصحاب أجابوا عنه بوجهين

    الأول أن المحبة غير الإرادة بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكر تعظيمه

    والثاني إن سلمنا أن المحبة نفس الإرادة، ولكن قوله { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } لا يفيد العموم لأن الألف واللام الداخلين في اللفظ لا يفيدان العموم ثم الذي يهدم قوة هذا الكلام وجهان الأول أن قدرة العبد وداعيته صالحة للصلاح والفساد فترجح الفساد على الصلاح، إن وقع لا لعلة لزم نفي الصانع، وإن وقع لمرجح فذلك المرجح لا بد وأن يكون من الله وإلا لزم التسلسل، فثبت أن الله سبحانه هو المرجح لجانب الفساد على جانب الصلاح فكيف يعقل أن يقال إنه لا يريده والثاني أنه عالم بوقوع الفساد فإن أراد أن لا يقع الفساد لزم أن يقال إنه أراد أن يقلب علم نفسه جهلاً وذلك محال.

    ملحوظة

    اذا حملنا المحبة علي الامر فعامة واذا حملناها علي الارادة وجب التخصيص

    قال ابن الجوزى

    وقد احتجت المعتزلة بهذه الآية،

    فأجاب أصحابنا بأجوبة. منها: أنه لا يحبه ديناً، ولا يريده شرعاً، فأما أنه لم يرده وجوداً؛ فلا.

    والثاني: أنه لا يحبه للمؤمنين دون الكافرين،

    والثالث: أن الإرادة معنى غير المحبة، فان الإنسان قد يتناول المرَّ، ويريد بط الجرح، ولا يحب شيئاً من ذلك. وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة؛ بطل ادعاؤهم التساوي بينهما، وهذا جواب معتمد. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى:
    { ولايرضى لعباده الكفر }
    [الزمر:7].

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    قال الرازى

    المسألة الثالثة قال أبو علي الجبائي لو كان الأمر كما يقوله المجبرة من أنه تعالى يريد من السفهاء والكفار السفاهة والكفر لما جاز أن يوصف بأنه حكيم، لأن من فعل السفه وأراده كان سفيهاً، والسفيه لا يكون حكيماً أجاب الأصحاب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور فيرجع معنى كونه تعالى حكيماً إلى أنه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقاً لكل الأشياء ومريداً لها، بل يوجب ذلك لما بينا أنه لو أراد ما علم عدمه لكان قد أراد تجهيل نفسه فقالوا لو لزم ذلك لكان إذا أمر بما علم عدمه فقد أمر بتجهيل نفسه. قلنا هذا إنما يلزم لو كان الأمر بالشيء أمراً بما لا يتم إلا به، وهذا عندنا ممنوع فإن قالوا لو لم يكن كذلك لزم تكليف ما لا يطاق، قلنا هذا عندنا جائز والله أعلم

    { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ }

    قال الرازى

    أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه أحدها ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثاً مخلوقاً والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك وثانيهاأن كل ما يصح عليه الإنتقال من مكان إلى مكان، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئاً كبيراً فيكون أحد جانبيه مغايراً للآخر فيكون مركباً من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركباً، فإن ذلك المركب يكون مفتقراً في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك وثالثها أن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومتنه فيكون مختصاً بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح، وتخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك كان فعلاً لفاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك ورابعها أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلهاً قديماً أزلياً فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور، فمن جوز المجيء والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله وخامسها أن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله
    { لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ }
    الأنعام 76 ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك.

    سادسها أن فرعون لعنة الله تعالى عليه لما سأل موسى عليه السلام فقال
    { وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }
    الشعراء 23 وطلب منه الماهية والجنس والجوهر، فلو كان تعالى جسماً موصوفاً بالأشكال والمقادير لكان الجواب عن هذا السؤال ليس إلا بذكر الصورة والشكل والقدر فكان جواب موسى عليه السلام بقوله
    { رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }
    مريم 65
    { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ }
    الدخان 8
    { رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ }
    المزمل 9، الشعراء 28 خطأ وباطلاً، وهذا يقتضي بخطئة موسى عليه السلام فيما ذكر من الجواب، وتصويب فرعون في قوله
    { إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ }
    الشعراء 27 ولما كان كل ذلك باطلاً، علمنا أنه تعالى منزه عن أن يكون جسماً، وأن يكون في مكان، ومنزه عن أن يصح عليه المجيء والذهاب وسابعها أنه تعالى قال
    { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }
    الإخلاص 1 والأحد هو الكامل في الوحدانية وكل جسم فهو منقسم بحسب الغرض والإشارة إلى جزأين، فلما كان تعالى أحداً امتنع أن يكون جسماً أو متحيزاً، فلما لم يكن جسماً ولا متحيزاً امتنع عليه المجيء والذهاب، وأيضاً قال تعالى
    { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً }
    مريم 65 أي شبيهاً ولو كان جسماً متحيزاً لكان مشابهاً للأجسام في الجسمية، إنما الاختلاف يحصل فيما وراء الجسمية، وذلك إما بالعظم أو بالصفات والكيفيات، وذلك لا يقدح في حصول المشابهة في الذات، وأيضاً قال تعالى
    { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }
    الشورى 11 ولو كان جسماً لكان مثلاً للأجسام وثامنها لو كان جسماً متحيزاً لكان مشاركاً لسائر الأجسام في عموم الجسمية، فعند ذلك لا يخلو إما أن يكون مخالفاً في خصوص ذاته المخصوصة، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فما به المشاركة غير ما به الممايزة، فعموم كونه جسماً مغاير لخصوص ذاته المخصوصة، وهذا محال لأنا إذا وصفنا تلك الذات المخصوصة بالمفهوم من كونه جسماً كنا قد جعلنا الجسم صفة وهذا محال لأن الجسم ذات الصفة، وإن قلنا بأن تلك الذات المخصوصة التي هي مغايرة للمفهوم من كونه جسماً وغير موصوف بكونه جسماً، فحينئذ تكون ذات الله تعالى شيئاً مغايراً للمفهوم من الجسم، وغير موصوف به وذلك ينفي كونه تعالى جسماً، وإما إن قيل إن ذاته تعالى بعد أن كانت جسماً لا يخالف سائر الأجسام في خصوصية، فحينئذ يكون مثلاً لها مطلقاً، وكل ما صح عليها فقد صح عليه، فإذا كانت هذه الأجسام محدثة وجب في ذاته أن تكون كذلك، وكل ذلك محال، فثبت أنه تعالى ليس بجسم، ولا بمتحيز، وأنه لا يصح المجيء والذهاب عليه. إذا عرفت هذا فنقول اختلف أهل الكلام في قوله { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } وذكروا فيه وجوهاً. الوجه الأول وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المجيء والذهاب على الله تعالى محال، علمنا قطعاً أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية هو المجيء والذهاب، وأن مراده بعد ذلك شيء آخر فإن عينا ذلك المراد لم نأمن الخطأ، فالأولى السكوت عن التأويل، وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه قال نزل القرآن على أربعة أوجه وجه لا يعرفه أحد لجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله ...

    ...

    الوجه السادس وهو أوضح عندي من كل ما سلف أنا ذكرنا أن قوله تعالى
    { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً }
    البقرة 208 إنما نزلت في حق اليهود، وعلى هذا التقدير فقوله
    { فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
    البقرة 209 يكون خطاباً مع اليهود، وحينئذ يكون قوله تعالى { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ } البقرة 210 حكاية عن اليهود، والمعنى أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا
    { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }
    البقرة 55 وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية على ظاهرها، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه، وكانوا يجوزون على الله المجيء والذهاب، وكانوا يقولون إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز...

    أما قوله تعالى { وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } ففيه مسائل المسألة الأولى من المجسمة من قال كلمة إلى لانتهاء الغاية، وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى في مكان ينتهي إليه يوم القيامة، أجاب أهل التوحيد عنه من وجهين الأول أنه تعالى ملك عباده في الدنيا كثيراً من أمور خلقه فإذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم في العباد سواء كما قال
    { وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }
    الأنفطار 19 وهذا كقولهم رجع أمرنا إلى الأمير إذا كان هو يختص بالنظر فيه ونظيره قوله تعالى
    { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ }
    آل عمران 28 مع أن الخلق الساعة في ملكه وسلطانه الثاني قال أبو مسلم إنه تعالى قد ملك كل أحد في دار الاختبار والبلوى أموراً امتحاناً فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر كله لله وحده وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم كما أمر، ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى....

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { إلا أن يأتيهم الله } كان جماعة من السلف يمسكون عن الكلام في مثل هذا. وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال: المراد به: قدرته وأمره. قال: وقد بينه في قوله تعالى:
    { أوَ يأتي أمر ربك }
    [الانعام:158].

    وقال السمين

    قوله: { فِي ظُلَلٍ } فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يتعلَّق بيأتِيَهم، والمعنى: يأتيهم أمرُه أو قُدْرَتُه أو عقابُه أو نحوُ ذلك، أو يكونُ كنايةً عن الانتقام؛ إذ الإتيان يمتنعُ إسنادُه إلى الله تعالى حقيقةً. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ، وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: هو مفعولُ يأتيهم، أي: في حالِ كونِهم مستقرين في ظُلَل وهذا حقيقةٌ. والثاني: أنه الله تعالى بالمجاز المتقدَّم، أي: أمرُ الله في حال كونه مستقراً في ظُلَل. الثالث: أن تكونَ " في " بمعنى الباء، وهو متعلقٌ بالإِتيانِ، أي: إلاَّ أَنْ يأتيهم بظُلَل. ومِنْ مجيءِ " في " بمعنى الباءِ قوله:
    913 ـ................. خَبيرون في طَعْنِ الكُلى والأباهِرِ
    لأنَّ " خبيرين " إنَّما يتعدَّى بالباءِ كقوله:
    914 ـ................ خبيرٌ بأَدْواءِ النِّساء طَبيبُ
    الرابع: أن يكونَ حالاً من " الملائكة " مقدَّماً عليها، والأصل: إلاَّ أَنْ يأتيَهم اللهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ، ويؤيَّد هذا قراءة عبد الله إياه كذلك، وبهذا أيضاً يَقِلُّ المجازُ، فإنَّه والحالةُ هذه لم يُسْنَدْ إلى اللهِ تعالى إلا الإِتيانُ فقط بالمجازِ المتقدِّم.

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ظ±لْحَيَاةُ ظ±لدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَظ±لَّذِينَ ظ±تَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ظ±لْقِيَامَةِ وَظ±للَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }

    قال الرازى

    والمسألة الثالثة اختلفوا في كيفية هذا التزيين، أما المعتزلة فذكروا وجوهاً أحدها قال الجبائي المزين هو غواة الجن والإنس، زينوا للكفار الحرص على الدنيا، وقبحوا أمر الآخرة في أعينهم، وأوهموا أن لا صحة لما يقال من أمر الآخرة، فلا تنغصوا عيشتكم في الدنيا قال وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فهو باطل، لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فإن كان المزين هو الله تعالى، فإما أن يكون صادقاً في ذلك التزين، وإما أن يكون كاذباً، فإن كان صادقاً وجب أن يكون مازينه حسناً، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره ومعصيته، وهذا القول كفر، وإن كان كاذباً في ذلك التزيين أدى ذلك إلى أن لا يوثق منه تعالى بقول ولا خبر، وهذا أيضاً كفر، قال فصح أن المراد من الآية أن المزين هو الشيطان، هذا تمام كلام أبـي علي الجبائي في «تفسيره».

    وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايراً لهم، إلا أن يقال إن كل واحد منهم كان يزين للآخر، وحينئذ يصير دوراً فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايراً لهم، فبطل قوله إن المزين هم غواة الجن والإنس، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضاً، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف، وأما قوله المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع، بل المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالزينة، وهي صفات قائمة بالشيء باعتبارها يكون الشيء مزيناً، وعلى هذا التقدير سقط كلامه، ثم إن سلمنا أن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، فلم لا يجوز أن يقال الله تعالى أخبر عن حسنه، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات والراحات، والإخبار عن ذلك ليس بكذب، والتصديق بها ليس بكفر، فسقط كلام أبـي علي في هذا الباب بالكلية. التأويل الثاني قال أبو مسلم يحتمل في { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم أين يذهب بك لا يريدون أن ذاهباً ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة
    { أَنَّىظ° يُؤْفَكُونَ }
    المائدة 75، التوبة 30، المنافقون 4،
    { أَنَّىظ° يُصْرَفُونَ }
    غافر 69 إلى غير ذلك، وأكده بقوله تعالى
    { يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوظ°لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـظ°دُكُمْ عَن ذِكْرِ ظ±للَّهِ }
    المنافقون 9 فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه، واعلم أن هذا ضعيف، وذلك لأن قوله { زُيّنَ } يقضي أن مزيناً زينه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن. التأويل الثالث أن هذا المزين هو الله تعالى ويدل على صحة هذا التأويل وجهان أحدهما قراءة من قرأ { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ظ±لْحَيَوظ°ةُ ظ±لدُّنْيَا } على البناء للفاعل الثاني قوله تعالى
    { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ظ±لأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً }
    الكهف 7 ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا وجوهاً الأول يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة، وإنما فعل ذلك ابتلاء لعباده، ونظيره قوله تعالى
    { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ظ±لشَّهَوظ°تِ }
    آل عمران 14 إلى قوله
    { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذظ°لِكُمْ لِلَّذِينَ ظ±تَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـظ°تٌ }
    آل عمران 15 وقال أيضاً
    { ظ±لْمَالُ وَظ±لْبَنُونَ زِينَةُ ظ±لْحَيَوظ°ةِ ظ±لدُّنْيَا وَظ±لْبَـظ°قِيَاتُ ظ±لصَّـظ°لِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً }

    الكهف 46 وقالوا فهذه الآيات متوافقة، والمعنى في الكل أن الله جل جلاله جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان، فركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه ليتم بذلك الإمتحان، وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام الثاني أن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها، والحرص الشديد في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى بالتزيين. واعلم أن جملة هذه الوجوه التي نقلناها عن المعتزلة يتوجه عليها سؤال واحد وهو أن حصول هذه الزينة في قلوب الكفار لا بد له من محدث وإلا فقد وقع المحدث لا عن مؤثر وهذا محال ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار هل رجح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة أو ما رجح فإن لم يرجح ألبتة بل الإنسان مع حصول هذه الزينة في قلبه كهو لا مع حصولها في قلبه فهذا يمنع كونه تزييناً في قلبه، والنص دل على أنه حصل هذا التزيين، وإن قلنا بأن حصول هذا التزيين في قلبه يرجح جانب الكفر والمعصية، على جانب الإيمان والطاعة، فقد زال الاختيار لأن حال الإستواء لما امتنع حصول الرجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحاً كان أولى بامتناع الوقوع، وإذا صار المرجح ممتنع الوقوع صار الراجح واجب الوقوع، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين فهذا هو توجيه السؤال ومعلوم أنه لا يندفع بالوجوه التي ذكرها هؤلاء المعتزلة. الوجه الثالثفي تقرير هذا التأويل أن المراد أن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات، وعلى هذا الوجه سقط الإشكال، وهذا أيضاً ضعيف، وذلك لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار، وتزيين المباحات لا يختص به الكافر، فيمتنع أن يكون المراد بهذا التزيين تزيين المباحات، وأيضاً فإن المؤمن إذا تمتع بالمباحات من طيبات الدنيا يكون تمتعه بها مع الخوف والوجل من الحساب في الآخرة فهو وإن كثر ماله وجاهه فعيشه مكدر منغص، وأكثر غرضه أجر الآخرة وإنما يعد الدنيا كالوسيلة إليها، وليس كذلك الكافر، فإنه وإن قلت ذات يده فسروره بها يكون غالباً على ظنه، لاعتقاده أنها كمال المقصود دون غيرها، وإذا كان هذا حاله صح أنه ليس المراد من الآية تزيين المباحات، وأيضاً أنه تعالى أتبع تلك الآية بقوله { وَيَسْخَرُونَ مِنَ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ } وذلك مشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في تركهم اللذات المحظورة، وتحملهم المشاق الواجبة، فدل على أن ذلك التزيين ما وقع في المباحات بل وقع في المحظورات. وأما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنه تعالى خلق في قلبه إرادة الأشياء والقدرة على تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال والأحوال، وهذا بناء على أن الخالق لأفعال العباد ليس إلا الله سبحانه، وعلى هذا الوجه ظهر المراد من الآية.

    { كَانَ ظ±لنَّاسُ أُمَّةً وَظ°حِدَةً فَبَعَثَ ظ±للَّهُ ظ±لنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ظ±لْكِتَظ°بَ بِظ±لْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ظ±لنَّاسِ فِيمَا ظ±خْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ظ±خْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ظ±لَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ظ±لْبَيِّنَظ°تُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ظ±خْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ظ±لْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَظ±للَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىظ° صِرَظ°طٍ مُّسْتَقِيمٍ }


    قال الرازى

    احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى قد يخص المؤمن بهدايات لا يفعلها في حق الكافر، والمعتزلة أجابوا عنه من وجوه أحدها أنهم اختصوا بالاهتداء فجعل هداية لهم خاصة كقوله
    { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }
    البقرة 2 ثم قال { هُدًى لّلنَّاسِ } وثانيها أن المراد به الهداية إلى الثواب وطريقة الجنة وثالثها هداهم إلى الحق بالألطاف. المسألة الثالثة قوله { لِمَا ظ±خْتَلَفُواْ فِيهِ } أي إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى
    { يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ }
    المجادلة 3 أي إلى ما قالوا ويقال هديته الطريق وللطريق وإلى الطريق. فإن قيل لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، ولم يقل هداهم للحق فيما اختلفوا وقدم الإختلاف؟ والجواب من وجهين الأول أنه لما كانت العناية بذكر الإختلاف لهم بدأ به، ثم فسره بمن هداه الثاني قال الفراء هذا من المقلوب، أي فهداهم لما اختلفوا فيه. المسألة الرابعة قوله { بِإِذْنِهِ } فيه وجهان أحدها قال الزجاج بعلمه الثاني هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال قطعت بالسكين، وذلك لأن الحق لم يكن متميزاً عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه الثالث قال بعضهم لا بد فيه من إضمار والتقدير هداهم فاهتدوا بإذنه. أما قوله { وَظ±للَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىظ° صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فاستدلال الأصحاب به معلوم، والمعتزلة أجابوا من ثلاثة أوجه أحدها المراد بالهداية البيان، فالله تعالى خص المكلفين بذلك والثاني المراد بالهداية الطريق إلى الجنة الثالث المراد به اللطف فيكون خاصاً لمن يعلم أنه يصلح له وهو قول أبـي بكر الرازي.

صفحة 5 من 30 الأولىالأولى 12345678915 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •