صفحة 48 من 51 الأولىالأولى ... 384445464748495051 الأخيرةالأخيرة
النتائج 706 إلى 720 من 763

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #706
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً }.

    قال - رحمه الله -: إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من الله تعالى إلا المعتزلة؛ فإنهم يخافون ذلك؛ لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان، ثم يطلقون القول فيهم: إنهم يخلدون في النار، وفي التخليد خوف البخس والرهق، بل فيه ما يزيد على البخس؛ لأن البخس هو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم.

    وقال تعالى:
    { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا }
    [البقرة: 286]، والمعتزلة تزعم أنه [لو] آخذهم بالخطأ والنسيان، كان جائراً.

    وقال:
    { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }
    [آل عمران: 8] وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى، كان ذلك منه جورا وظلما، فهم أبدا على خوف من جور ربهم.

    ونحن نقول بأنه لو آخذهم به، كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم، كان ذلك منه إنعاما وإفضالا، فنحن ندعو الله تعالى، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله فنهلك، بل يعاملنا بالإفضال والإنعام.

    وعلى قول المعتزلة من ارتكب كبيرة، ردت عليه حسناته، وصار عدوّاً لله تعالى، وخلد في النار أبد الآبدين، والله يقول:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَظ°عِفْهَا }
    [النساء: 40]، وأولى الحسنات التي يستوجب عليها المضاعفة هو الإيمان بالله تعالى، فلا يجوز أن يخلد في النار، ويذهب عنه منفعة الإيمان، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيرا.

    ملحوظة

    المعتزلة وان كانوا ابتدعوا فى بعض المسائل لكن لهم جهود لاتنكر فى الدفاع عن الاسلام ومؤلفات لاتنكر كالكشاف وغيره

    قال الرازى

    . ثم قال تعالى: { خَـظ°لِدِينَ فِيهَا أَبَداً } حملاً على معنى الجمع في من وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة مخلدون في النار وأن هذا العموم يشملهم كشموله الكفار، قالوا: وهذا الوعيد مشروط بشرط أن لا يكون هناك توبة ولا طاعة أعظم منها، قالوا: وهذا العموم أقوى في الدلالة على هذا المطلوب من سائر العمومات لأن سائر العمومات ما جاء فيها قوله: { أَبَدًا } فالمخالف يحمل الخلود على المكث الطويل، أما ههنا فقد جاء لفظ الأبد فيكون ذلك صريحاً في إسقاط الاحتمال الذي ذكره المخالف والجواب: أنا بينا في سورة البقرة وجوه الأجوبة على التمسك بهذه العمومات، ونزيد ههنا وجوهاً أحدها: أن تخصيص العموم بالواقعة التي لأجلها ورد ذلك العموم عرف مشهور، فإن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار ساعة فقال الزوج إن خرجت فأنت طالق يفيد ذلك اليمين بتلك الساعة المعينة حتى إنها لو خرجت في يوم آخر لم تطلق، فههنا أجرى الحديث في التبليغ عن الله تعالى، ثم قال: { وَمَن يَعْصِ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ } يعني جبريل: { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } أي من يعص الله في تبليغ رسالاته وأداء وحيه فإن له نار جهنم، وإذا كان ما ذكرنا محتملاً سقط وجه الاستدلال الوجه الثاني: وهو أن هذا الوعيد لا بد وأن يتناول هذه الصورة لأن من القبيح أن يذكر عقيب هذه الواقعة حكماً لا تعلق له بها، فيكون هذا الوعيد وعيداً على ترك التبليغ من الله، ولا شك أن ترك التبليغ من الله أعظم الذنوب، والعقوبة المترتبة على أعظم الذنوب، لا يجوز أن تكون مرتبة على جميع الذنوب، لأن الذنوب المتفاوتة في الصغر والكبر لا يجوز أن تكون متساوية في العقوبة، وإذا ثبت أن هذه العقوبة على هذا الذنب، وثبت أن ما كان عقوبة على هذا الذنب لا يجوز أن يكون عقوبة على سائر الذنوب، علمنا أن هذا الحكم مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى سائر الذنوب الوجه الثالث: وهو أنه تعالى ذكر عمومات الوعيد في سائر آيات القرآن غير مقيدة بقيد الأبد، وذكرها ههنا مقيدة بقيد الأبد، فلا بد في هذا التخصيص من سبب، ولا سبب إلا أن هذا الذنب أعظم الذنوب، وإذا كان السبب في هذا التخصيص هذا المعنى، علمنا أن هذا الوعيد مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى جميع الذنوب، وإذا ثبت أن هذا الوعيد مختص بفاعل هذا الذنب، صارت الآية دالة على أن حال سائر المذنبين بخلاف ذلك لأن قوله: { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـظ°لِدِينَ فِيهَا أَبَداً } معناه أن هذه الحالة له لا لغيره، وهذا كقوله: { لَكُمْ دِينَكُمْ } أي لكم لا لغيركم.

    وإذا ثبت أن لهم هذه الحالة لا لغيرهم، وجب في سائر المذنبين أن لا يكون لهم نار جهنم على سبيل التأبيد، فظهر أن هذه الآية حجة لنا عليهم. وعلى تمسكهم بالآية سؤال آخر، وهو أن قوله: { وَمَن يَعْصِ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ } إنما يتناول من عصى الله ورسوله بجميع أنواع المعاصي، وذلك هو الكافر ونحن نقول: بأن الكافر يبقى في النار مؤبداً، وإنما قلنا إن قوله: { وَمَن يَعْصِ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ } إنما يتناول من عصى الله بجميع أنواع المعاصي لأن قوله: { وَمَن يَعْصِ ظ±للَّهَ } يصح استثناء جميع أنواع المعاصي عنه، مثل أن يقال ومن يعص الله إلا في الكفر وإلا في الزنا، وإلا في شرب الخمر، ومن مذهب القائلين بالوعيد أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلاً تحت اللفظ وإذا كان كذلك، وجب أن يكون قوله: { وَمَن يَعْصِ ظ±للَّهَ } متناولاً لمن أتى بكل المعاصي، والذي يكون كذلك هو الكافر، فالآية مختصة بالكافر على هذا التقدير، فسقط وجه الاستدلال بها.

    فإن قيل: كون الإنسان الواحد آتياً لجميع أنواع المعاصي محال، لأن من المحال أن يكون قائلاً بالتجسم، وأن يكون مع ذلك قائلاً بالتعطيل، وإذا كان ذلك محالاً فحمل الآية عليه غير جائز قلنا: تخصيص العام بدليل العقل جائز، فقولنا: { وَمَن يَعْصِ ظ±للَّهَ } يفيد كونه آتياً بجميع أنواع المعاصي، ترك العمل به في القدر الذي امتنع عقلاً حصوله فيبقى متناولاً للآتي بجميع الأشياء التي يمكن الجمع بينها، ومن المعلوم أن الجمع بين الكفر وغيره ممكن فتكون الآية مختصة به...

    ثم قال تعالى: { عَـظ°لِمُ ظ±لْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىظ° غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ظ±رْتَضَىظ° مِن رَّسُولٍ } لفظة من في قوله: { مِن رَّسُولٍ } تبيين لمن ارتضى يعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي يكون رسولاً، قال صاحب «الكشاف»، وفي هذا إبطال الكرامات لأن الذين تضاف الكرامات إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وفيها أيضاً إبطال الكهانة والسحر والتنجيم لأن أصحابها أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط، قال الواحدي: وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن. واعلم أن الواحدي يجوز الكرامات وأن يلهم الله أولياءه وقوع بعض الوقائع في المستقبل ونسبة الآية إلى الصورتين واحدة فإن جعل الآية دالة على المنع من أحكام النجوم فينبغي أن يجعلها دالة على المنع من الكرامات على ما قاله صاحب «الكشاف»، وإن زعم أنها لا تدل على المنع من الإلهامات الحاصلة للأولياء فينبغي أن لا يجعلها دالة على المنع من الدلائل النجومية، فأما التحكم بدلالتها على المنع من الأحكام النجومية وعدم دلالتها على الإلهامات الحاصلة للأولياء فمجرد التشهي، وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه والذي تدل عليه أن قوله: { عَلَىظ° غَيْبِهِ } ليس فيه صيغة عموم فيكفي في العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه فنحمله على وقت وقوع القيامة فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئاً من الغيوب لأحد، والذي يؤكد هذا التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقيب قوله:
    { إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً }
    [الجن: 25] يعني لا أدري وقت وقوع القيامة، ثم قال بعده: { عَـظ°لِمُ ظ±لْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىظ° غَيْبِهِ أَحَداً } أي وقت وقوع القيامة من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد، وبالجملة فقوله: { عَلَىظ° غَيْبِهِ } لفظ مفرد مضاف، فيكفي في العمل به حمله على غيب واحد، فأما العموم فليس في اللفظ دلالة عليه، فإن قيل: فإذا حملتم ذلك على القيامة فكيف قال: { إِلاَّ مَنِ ظ±رْتَضَىظ° مِن رَّسُولٍ } مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله؟ قلنا: بل يظهره عند القرب من إقامة القيامة، وكيف لا وقد قال:
    { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ظ±لسَّمَاء بِظ±لْغَمَـظ°مِ وَنُزّلَ ظ±لْمَلَـظ°ئِكَةُ تَنزِيلاً }
    [الفرقان: 25] ولا شك أن الملائكة يعلمون في ذلك الوقت قيام القيامة، وأيضاً يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعاً، كأنه قال: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص وهو قيام القيامة أحداً، ثم قال بعده: لكن من ارتضى من رسول: { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام جواباً لسؤال من سأله عن وقت وقوع القيامة على سبيل الاستهزاء به، والاستحقار لدينه ومقالته.

    واعلم أنه لا بد من القطع بأنه ليس مراد الله من هذه الآية أن لا يطلع أحداً على شيء من المغيبات إلا الرسل، والذي يدل عليه وجوه أحدها: أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقاً وسطيحاً كانا كاهنين يخبران بظهور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل زمان ظهوره، وكانا في العرب مشهورين بهذا النوع من العلم، حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من الغيب وثانيها: أن جميع أرباب الملل والأديان مطبقون على صحة علم التعبير، وأن المعبر قد يخبر عن وقوع الوقائع الآتية في المستقبل، ويكون صادقاً فيه وثالثها: أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملك شاه من بغداد إلى خراسان، وسألها عن الأحوال الآتية في المستقبل فذكرت أشياء، ثم إنها وقعت على وفق كلامها. قال مصنف الكتاب ختم الله له بالحسنى: وأنا قد رأيت أناساً محققين في علوم الكلام والحكمة، حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة أخباراً على سبيل التفصيل، وجاءت تلك الوقائع على وفق خبرها، وبالغ أبو البركات في كتاب المعتبر في شرح حالها، وقال: لقد تفحصت عن حالها مدة ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً. ورابعها: أنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وليس هذا مختصاً بالأولياء بل قد يوجد في السحرة أيضاً من يكون كذلك نرى الإنسان الذي يكون سهم الغيب على درجة طالعه يكون كذلك في كثير من أخباره وإن كان قد يكذب أيضاً في أكثر تلك الأخبار، ونرى الأحكام النجومية قد تكون مطابقة وموافقة للأمور، وإن كانوا قد يكذبون في كثير منها، وإذا كان ذلك مشاهداً محسوساً، فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن، وذلك باطل فعلمنا أن التأويل الصحيح ما ذكرناه، والله أعلم....

  2. #707
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    وقال الالوسي

    هذا ما سنح لذهني القاصر في تفسير هذه الآيات الكريمة ولست على يقين من أمره بيد أن الاستدلال بقوله سبحانه
    { فَلاَ يُظْهِرُ }
    [الجن: 26] الخ على نفي كرامة الأولياء بالإطلاع على بعض الغيوب لا يتم عليه لأن قوله تعالى: { فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىظ° غَيْبِهِ أَحَداً } في قوة قضية سالبة جزئية لدخول ما يفيد العموم في حيز السلب - وأكثر استعمالاته لسلب العموم وصرح به فيما هنا في «شرح المقاصد» - لا لعموم السلب وهو سلب جزئي فلا ينافي الإيجاب الجزئي، كأن يظهر بعض الغيب على ولي على نحو ما قال بعض أهل السنة في قوله تعالى
    { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَارُ }
    [الأنعام: 103] ولا يرد أن الاستثناء يقتضي أن يكون المرتضى الرسول مظهراً على جميع غيبه تعالى بناءً على أن الاستثناء من النفي يقتضي إيجاب نقيضه للمستثنى ونقيض السالبة الجزئية الموجبة الكلية مع أنه سبحانه لا يظهر أحداً كائناً من كان على جميع ما يعلمه عز وجل من الغيب وذلك لانقطاع الاستثناء المصرح به ابن عباس، وكذا لا يرد أن الله تعالى نفي إظهار شيء من غيبه على أحد إلا على الرسول فيلزم أن لا يظهر سبحانه أحداً من الملائكة على شيء منه لأن الرسول هنا ظاهر في الرسول البشري لقوله تعالى: فَإِنَّهُ يَسْلُكُ }
    [الجن: 27] الخ وذلك ليس إلا فيه كما لا يخفى على من علم حكمة ذلك، ويلزم أن لا يظهر أيضاً أحداً من الأنبياء الذين ليسوا برسل بناءً على إرادة المعنى الخاص من الرسول هنا وذلك لما ذكرنا أولاً، وكذا لا يرد أنه يلزم أن لا يظهر المرتضى الرسول على شيء من الغيوب التي لا تتعلق برسالته ولا يخل الإظهار عليها بالحكمة التشريعية إذ لا حصر للبعض المظهر فيما يتعلق بالرسالة، وإنما أشير إلى المتعلق بها لاقتضاء المقام لذلك، وكون كل غيب يظهر عليه الرسول لا يكون إلا متعلقاً برسالته محل توقف.

    وللمفسرين هظ°هنا كلام لا بأس بذكره بما له وما عليه حسب الإمكان ثم الأمر بعد ذلك إليك فنقول: لما كان مذهب أكثر أهل السنة القول بكرامة الولي بالإطلاع على الغيب وكان ظاهر قوله تعالى
    { عَالِمُ ظ±لْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ }
    [الجن: 26] الخ دالاً على نفيها ولذا قال الزمخشري: إن في هذا إبطال الكرامات أي في الجملة وهي ما كان من الإظهار على الغيب لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله تعالى الرسل من بين المرتضين بالإطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط انتهى أنجدوا وأتهموا وأيمنوا وأشأموا في تفسير الآية على وجه لا ينافي مذهبهم ولا يتم عليه استدلال المعتزلي على مذهبه فقال الإمام: ليس في قوله تعالى { عَلَىظ° غَيْبِهِ } صيغة عموم فيكفي العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد، فلا يبقى في الآية دلالة على أنه سبحانه لا يظهر شيئاً من الغيوب لأحد، ويؤكد ذلك وقوع الآية بعد قوله تعالى:
    { قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ }
    [الجن: 25] والمراد به وقوع يوم القيامة ثم قال: فإن قيل إذا حملتم ذلك على القيامة فكيف قال سبحانه { إِلاَّ مَنِ ظ±رْتَضَىظ° مِن رَّسُولٍ } مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله، قلنا بل يظهره عند القرب من إقامة القيامة وكيف لا وقد قال تعالى
    { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ظ±لسَّمَآءُ بِظ±لْغَمَامِ وَنُزِّلَ ظ±لْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً }
    [الفرقان: 25] ولا شك أن الملائكة يعلمون في ذلك الوقت، وأيضاً يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعاً كأنه قيل عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص وهو قيام القيامة أحداً، ثم قيل إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن انتهى.

    وتعقب بأن في غيبه / ما يدل على العموم كما سمعت أولاً، والسياق لا يأباه اللهم إلا أن يطعن في ذلك، وأيضاً ظاهر جوابه الأول عن القيل كون المراد بالرسول في الآية الرسول الملكي ويأباه ما بعد من قوله تعالى:
    { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ }
    [الجن: 27] الخ على أن علم الملائكة بوقت الساعة يوم تشقق السماء ليس من الإظهار على الغيب بل هو من إظهار الغيب وإبرازه للشهادة كإظهار المطر عند نزوله وما في الأرحام عند وضعه إلى غير ذلك، وأيضاً الانقطاع على الوجه الذي ذكره بعيد جداً إذ فيه قطع المناسبة بين السابق واللاحق بالكلية اللهم إلا أن يقال مثله لا يضر في المنقطع.

    وقيل إن الإظهار على الغيب بمعنى الإطلاع عليه على أتم وجه بحيث يحصل به أعلى مراتب العلم، والمراد عموم السلب ولا يضر في ذلك دخول ما يفيد العموم في حيز النفي لأن القاعدة أكثرية لا مطردة لقوله تعالى:
    { وَظ±للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }
    [الحديد: 23] وقوله سبحانه:
    { وَظ±للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }
    [البقرة: 276] وقد نص على ذلك العلامة التفتازاني، فيكون المعنى فلا يظهر على شيء من غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه سبحانه يظهره على شيء من غيبه بأن يسلك الخ ولا يرد كرامة الولي إذ ليست من الإظهار المذكور إذ لا يحصل له أعلى مراتب العلم بالغيب الذي يخبر به وإنما يحصل له ظنون صادقة أو نحوها وكذا شأن غيره من أرباب الرياضات من الكفرة وغيرهم.

    وتعقب بأن من الصوفية من قال كالشيخ محي الدين قدس سره بنزول الملك على الولي وإخباره إياه ببعض المغيبات أحياناً ويرشد إلى نزوله عليه قوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ظ±للَّهُ ثُمَّ ظ±سْتَقَـظ°مُواْ }
    [الأحقاف: 13] الآية وكون ما يحصل له إذ ذاك ظن أو نحوه لا علم كالعلم الحاصل للرسول بواسطة الملك لا يخلو عن بحث، بل قد يحصل له بواسطة الإلهام والنفث في الروع نحو ما يحصل للرسول، وأيضاً يلزم أن لا يظهر الملك على الغيب إذ الرسول المستثنى رسول البشر على ما هو الظاهر، والتزام أنه لا يظهر بالمعنى السابق ويظهر بواسطته مما لا وجه له أصلاً، وأيضاً يلزم أن ما يحصل للنبـي غير الرسول بالمعنى الأخص المتبادر هنا ليس بعلم بالمعنى المذكور وهو كما ترى. وقيل المراد بالغيب في الموضعين الجنس والإظهار عليه على ما سمعت وكذا عدم ورود الكرامة والبحث فيه كالبحث في سابقه وزيادة.

    وقال صاحب «الكشف» في الرد على الزمخشري الغيب إن كان مفسراً بما فسره في قوله تعالى
    { يُؤْمِنُونَ بِظ±لْغَيْبِ }
    [البقرة: 3] فالآية حجة عليه لأنه جوز هنالك أن يعلم بإعلامه تعالى أو بنصبه الدليل وهذا الثاني أعني القسم العقلي تنفيه الآية وترشد إلى أن تهذيب طرق الأدلة أيضاً بواسطة الأنبياء عليهم السلام والعقل غير مستقل، وأهل السنة عن آخرهم على أن الغيب بذلك المعنى لا يطلع عليه إلا رسول أو آخذ منهم وليس فيه نفي الكرامة أصلاً، وإن أراد الغائب عن الحس في الحال مطلقاً فلا بد من التخصيص بالاتفاق فليس فيه ما ينفيها أيضاً، وإن فسر بالمعدوم كما ذكره في قوله تعالى

    { عَالِمُ ظ±لْغَيْبِ وَظ±لشَّهَادَةِ }
    [الأنعام: 73] فلا بد أيضاً من التخصيص، وكذلك لو فسر بما غاب عن العباد أو بالسر على أن ظاهر الآية أنه تعالى عالم كل غيب وحده لا يظهر على غيبه المختص به وهو ما يتعلق بذاته تعالى وصفاته عز وجل بدلالة الإضافة إلا رسولاً وهو كذلك فإن غيبه تعالى لا يطلع عليه إلا بالإعلام من رسول ملكي أو بشري ولا كل غيبه تعالى الخاص مطلع عليه بل بعضه وأقل القليل منه فدل المفهوم على أن غير هذا النوع الخاص من الغيب لا منع من إطلاع الله تعالى غير الرسول عليه فهذا ظاهر الآية دون تعسف. ثم لو سلم فالثاني، إما مستغرق وإذا قال سبحانه لا يطلع على جميعه أحداً إلا من ارتضى من رسول لم يدل على أنه لا يجوز إطلاع غير الرسول على البعض، وأما مطلق ينزل على الكامل منه فيرجع إلى ما اخترناه وتعاضد دلالتا تشريف الإضافة والإطلاق فلا وجه لتعليقه بهذه الآية، ومنه يظهر أن الاستدلال من الآية على إبطال الكهانة والتنجيم غير ناهض وإن كان إبطالهما حقاً لانكره فضلاً عن تكفير من قال بدلالته على حياة أو موت لأنه كفر بهذه الآية كما نقله شيخنا الطيبـي عن الواحدي / والزجاج وصاحب «المطلع» انتهى وبحث فيه بأن حمل (غيبه) على الغيب الخاص بمعنى ما يتعلق بذاته تعالى وصفاته عز وجل مما لا يناسب السياق، وبأن ظاهر ما قرره على احتمال الاستغراق يقتضي على تقدير اتصال الاستثناء وإيجاب ضد ما نفى للمستثنى أن يظهر الرسول على جميع غيبه تعالى إلى ما يظهر بالتأمل.

    وذكر العلامة البيضاوي أولاً ما يفهم منه على ما قيل حمل (غيبه) على العموم مع الاختصاص أي عموم الغيب المخصوص به علمه تعالى وحمل
    { فَلاَ يُظْهِرُ }
    [الجن: 26] على سلب العموم وحمل الرسول على الرسول البشري واعتبار الاستثناء منقطعاً على أن المعنى: فلا يظهر على جميع غيبه المختص به علمه تعالى أحداً إلا من ارتضى من رسول فيظهره على بعض غيبه حتى يكون إخباره به معجزة، فلا يتم الاستدلال بالآية على نفي الكرامة. وفسر الاختصاص بأنه لا يعلمه بالذات ولكنه علماً حقيقياً يقينياً بغير سبب كاطلاع الغير إلا هو سبحانه، وأما علم غيره سبحانه لبعضه فليس علماً للغيب إلا بحسب الظاهر وبالنسبة لبعض البشر.

    وقيل أراد بالغيب المخصوص به تعالى ما لم ينصب عليه دليل ولا يقدح في الاختصاص علم الغير به بإعلامه تعالى إذ هو إضافي بالنسبة إلى من لم يعلم.

    وقال ثانياً في الجواب عن الاستدلال: ولعله أراد الجواب عند القوم ما نصه وجوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير توسط وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقياً من الملائكة أي بالنفث في الروع ونحوه، وحاصله أن الاستدلال إنما يتم أن لو تحقق كون المراد بالرسول رسول البشر والملك جميعاً أو رسول البشر فقط وبالإظهار الإظهار بواسطة أولا والكل ممنوع إذ يجوز أن يخص الرسول برسول الملك وأن يراد بالإظهار الإظهار بلا واسطة ويكون المعنى فلا يظهر بلا واسطة على غيبه إلا رسل الملائكة ولا ينافي ذلك إظهار الأولياء على غيبه لأنه لا يكون إلا بالواسطة، وهو جواب بمنع المقدمتين وإن كان يكفي فيه منع أحدهما كما فعل الإمام والتفتازاني في «شرح المقاصد». وتعقب بأن رسل البشر قد يطلعون بغير واسطة أيضاً، وفي قصة المعراج وتكليم موسى عليه السلام ما يكفي في ذلك على أنه قد قيل عليه بعد ما قيل. وأغرب ما قيل في هذا المقام كون (إلا) في قوله تعالى:
    { إِلاَّ مَنِ ظ±رْتَضَىظ° }
    [الجن: 27] للعطف والمعنى فلا يظهر على غيبه أحد ولا من ارتضى من رسول وحاله لا يخفى.

    ثم إن تفسير قوله تعالى: { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ } الخ بما سمعت هو الذي عليه جمهور المفسرين وكانت الحفظة الذين ينزلون مع جبريل عليه السلام على نبينا صلى الله عليه وسلم على ما أخرج ابن المنذر وجماعة عن ابن جبير أربعة وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال ما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الملائكة يحفظونها حتى يؤدونها إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ { عَالِمُ ظ±لْغَيْبِ } الآية وقد يكون مع الوحي أكثر من ذلك ففي بعض الأخبار أنه نزل مع سورة الأنعام سبعون ألف ملك وجاء في شأن آية الكرسي ما جاء.

    وقال ابن كمال: لاحت دقيقة بخاطري الفاتر قلما يوجد مثلها في بطون الدفاتر وهي أن المراد
    { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ }
    [الجن: 27] في الآية القوى الظاهرة { وَمِنْ خَلْفِهِ } القوى الباطنة ولذلك قال سبحانه: { يَسْلُكُ } الخ أي يدخل حفظة من الملائكة يحفظون قواه الظاهرة والباطنة من الشياطين ويعصمونه من وساوسهم من تينك الجهتين ولو كان المراد حفظة من الجوانب كي لا يقربه الشياطين عند إنزال الوحي فتلقى غير الوحي أو تسمعه فتلقيه إلى الكهنة فتخبر به قبل إخبار الرسول كما ذهب إليه صاحب «التيسير» وغيره لما كان نظم الكلام على الوجه المذكور فإن عبارة { يَسْلُكُ } وتخصيص الجهتين المذكورتين إنما يناسب ما ذكرناه لا ما ذكروه انتهى ولا يخفى أنه نحو من الإشارة ولعل التعبير بيسلك على تفسير الجمهور لتصوير الجهات التي تأتي منها الشياطين بالثغور الضيقة والمسالك الدقيقة وفي ذلك من الحسن ما فيه.

  3. #708
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً }:

    أي: ضرّاً في الدين، ورشدا في الدين، والأصل في الأسماء المشتركة أن ينظر إلى مقابلها، فيظهر مرادها بما يقابلها؛ قال الله تعالى:
    { وَأَنَّا مِنَّا ظ±لْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ظ±لْقَاسِطُونَ }
    [الجن: 14]، والقاسط: الجائر، وقد يكون غير الكافر جائرا، ثم صرف الجور إلى الكفر؛ فظهر مراده بمقابله، وهو قوله
    { وَأَنَّا مِنَّا ظ±لْمُسْلِمُونَ }
    [الجن: 14].

    والضر قد يكون في الدين والمال والنفس، ولكنه لما ذكر قوله: { رَشَداً } ، والرشد يتكلم به في الدين، علم أن قوله: { ضَرّاً } راجع إليه أيضا، فكأنه يقول: لا أملك إضلالكم، ولا رشدكم؛ إنما ذلك إلى الله تعالى، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء.

    والمعتزلة [تزعم أن] الله تعالى لا يملك رشد أحد ولا غيه، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ملكا منه؛ لأنه يملك أن يدعو الخلق إلى الهدى بنفسه، والله تعالى لا يملك ذلك إلا برسوله.

    وقال - عز وجل -:
    { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـظ°كِنَّ ظ±للَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }
    [البقرة: 272]، وقال:
    { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـظ°كِنَّ ظ±للَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }
    [القصص: 56]، ولو كان المراد من الهداية المضافة إلى الله تعالى الدعوة والبيان، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهديهم؛ لأنه داع ومبين؛ فثبت أن في الهداية من الله تعالى لطفا لا يبلغه تدبير البشر....

    وقوله - عز وجل -: { وَأَحْصَىظ° كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً } أي: أحاط العلم بالذي هو معدود، لا بالعد، وهو كقوله:
    { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ }
    [الحجر: 19]، أي: ما يوزن عند الخلق.

    أو أحاط العلم بما لدى الكفرة لا بالرصد، وأن في نصب الرصد محنة وتكليفا على الرصد، لا أن يقع بهم الحفظ، وهو كقوله - عز وجل -:
    { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَظ°فٍ مِّنَ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ ظ±للَّهُ إِلاَّ بُشْرَىظ° لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ظ±لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ظ±للَّهِ ظ±لْعَزِيزِ ظ±لْحَكِيمِ }
    [آل عمران: 125-126]، فبين أن النصر من عنده، وأن الملائكة إنما أرسلت؛ لتطمئن بها قلوب المؤمنين، وتركن إليها طباعهم.

    { وَأَحْصَىظ° كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً } ، أي: كل شيء عنده [معدود ومحصى]، لا يغفل - جل جلاله - عن معرفة عدده، ولا يعتريه أحوال يعزب عنه فيها علم ذلك، خلافا لما عليه أمر الخلق، والله الموفق، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين]....

  4. #709
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    سورة المزمل

    قال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَظ±صْبِرْ عَلَىظ° مَا يَقُولُونَ }.

    قال أهل التفسير: تأويله: اصبر على تكذيبهم إياك؛ ألا ترى إلى قوله في سياق الآية: { وَذَرْنِي وَظ±لْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ظ±لنَّعْمَةِ } ، فثبت أنه دعي إلى الصبر على التكذيب.

    وجائز أن يكون منصرفا إلى هذا وإلى غيره؛ لأنهم كانوا لا يقتصرون على تكذيبه، بل كانوا ينسبونه إلى الكذب مرة، وإلى السحر ثانيا، وإلى الجنون ثالثا، وإلى أنه يتيم رابعا؛ فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى؛ فجائز أن يكون قوله: { وَظ±صْبِرْ عَلَىظ° مَا يَقُولُونَ } منصرفا إلى كل ذلك.

    ثم الأمر بالصبر يقع بخصال ثلاث:

    أحدها: ألا تجازهم على تكذيبهم إياك تكذيبك إياهم، أو لا تجزع عليهم، وفي الجزع بعض التسلي والتشفي. ولا تدع عليهم بالهلاك والتبار بل اصبر لذلك.

    ولقائل أن يقول: كيف كان يشتد عليه تكذيبهم إياه حتى كاد يتحزن لذلك، والذين نسبوه إلى الكذب كانوا من أعدائه، وليس يستثقل التكذيب من العدو، ولا يستكثر منه؛ لأنه بما يعاديه يعتقد أن يسيء إليه بجميع ما يمكنه وسعه، وإنما يستثقل التكذيب من أهل الصفوة والمودة؛ فكيف استثقله؟ وكيف بلغ به التكذيب مبلغا يحزن به؛ حتى يدعى إلى الصبر بقوله:
    { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ظ±لَّذِي يَقُولُونَ... }
    الآية [الأنعام: 33]، وبقوله: { وَظ±صْبِرْ عَلَىظ° مَا يَقُولُونَ }؟

    والجواب عن هذا أن الكذب والجهل مما يستثقلهما العقل والطبع جميعا، وكذلك التكذيب والتجهيل، أمر ثقيل على الطبع والعقل جميعا، حتى إن الكذاب إذا نسب إلى الكذب، اشتد عليه ذلك، ولم يتحامل، وكذلك الجهول إذا عرف بالجهل، ثقل ذلك عليه؛ فإذا كان التكذيب مستقبحا في عقول الخلق وطبائعهم، وإن كانت طبائعهم مشوبة بالآفات وفي عقولهم نقص، فرسول الله صلى الله عليه وسلم مع صفاء عقله، وسلامة طبعه عن الآفات أحق أن يثقل عليه؛ فيحزن لذلك.

    ثم ما من إنسان ينسب إلى الكذب فيما يحدث عن نفسه أو عمن سواه من الخلائق ممن علت رتبتهم أو انحطت إلا وهو يجد لذلك ثقلاً، فكيف إذا أخبر [عن] الله تعالى وكذب فيه، أليس هذا أحق أن يثقل على القلب ويتحزن له؟!

    ويجوز أن يكون حمله على الحزن شدة إشفاقه على المكذبين؛ لأن تكذيبهم يفضي بهم إلى العطب والهلاك؛ فأشفق عليهم باشتغالهم بما به هلاكهم، وحزن لذلك.

    أو يكون حزنه غضبا لله تعالى؛ إذ الرسل كانوا يغضبون لله تعالى، ويشتدون على أعدائه.

    والجواب عن قوله: إن المكذبين كانوا من أعدائه، فكيف اشتد عليه تكذيبهم، وذلك أمر غير مستشنع من الأعداء؟ فنقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعاملهم معاملة الولي مع وليه الصفي، ولم يكن يعاملهم بما يعامل به الأعداء؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، ومن عامل آخر معاملة أقرب الأصفياء معه، كان الحق عليهم أن يجازوه بالإحسان؛ فإذا تركوا ذلك، وقابلوه بالتكذيب، اشتد عليه، وحزن لذلك. ثم في قوله: { وَظ±صْبِرْ عَلَىظ° مَا يَقُولُونَ } ، وفي قوله:
    { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ }
    [الأحقاف: 35] إبطال قول من قال: إن الله تعالى لا يفعل بعبده إلا ما هو أصلح له؛ لأنا نعلم أنه إذا أذن لنبي من الأنبياء بالدعاء على استعجال الهلاك، واستجيب [له] فيما دعا، كان فيه ما يحمل القوم على الإيمان، ويردعهم عن التكذيب؛ لأنهم يخافون حلول النقمة عليهم؛ فيتركون التكذيب، ويقبلون على الإجابة؛ فيكون فيه نجاتهم عن الهلاك، وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، فإذا لم يؤذن دل أنه ليس من شرط الله تعالى أن يفعل بعباده ما هو أصلح لهم.

    فإن قيل: كيف لم يؤذن بالدعاء عليهم؛ ليحملهم ذلك على الإسلام، ويمنعهم عن التكذيب؟

    قيل له: لأن فيما ذكرته رفع المحنة والابتلاء؛ لأن الحجة إذ ذاك تقع من جهة الضرورة؛ لأنهم إذا علموا أنهم يستأصلون بالتكذيب، امتنعوا عنه، وأجابوا إلى الإسلام كرها؛ فتصير الحجج اضطرارية، لا تمييزية واختيارية، وحجج الرسل - عليهم السلام - اختيارية، لا ضرورية؛ لما ذكرنا أنها لو جعلت اضطرارية، لارتفعت المحنة؛ فجعلت حججهم من وجه يقع بها الشبه؛ ليوصل إلى معرفتها بالفكر؛ لئلا ترتفع المحنة.

    فإن قال قائل: إن أبا حنيفة - رحمه الله - ذكر في كتاب العالم والمتعلم: أن إيمان الملائكة وإيمان الرسل وإيماننا واحد، ثم قال: فإذا استوينا نحن والرسل في الإيمان، فكيف صار الثواب لهم أكمل، وخوفهم من الله أشد؟

    فأجاب عن هذا السؤال بأجوبة، وقال في جملة ما أجاب: إنهم لو ارتكبوا الزلات يحل بهم العقاب عقيب الزلل؛ فصار خوفهم بالله تعالى ألزم من هذه الجهة.

    ولسائل أن يسأل على هذا، فيقول: فإذن إيمانهم بالله تعالى، وتركهم المعاصي ضروري لا اختياري؟!

    فيجاب عنه بأن يقال بأن الأنبياء - عليهم السلام - لم يُبَيَّنْ لهم العصمة، بل كانوا على خوف من وقوعهم في المهالك؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم - عليه السلام -:{ وَظ±جْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ظ±لأَصْنَامَ }
    [إبراهيم: 35]، ولو كانت العصمة له ظاهرة، لكان يستغني عن السؤال.

    وقال في قصة شعيب - عليه السلام -:
    { وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ظ±للَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً }
    [الأعراف: 89]، فثبت أنه لم يبين لهم العصمة، ونحن إنما شهدنا لهم بالعصمة بالوجود؛ لأن الحكمة توجب العصمة، والرسل - عليهم السلام - أمروا بتبليغ الرسالة، ولم يؤذن لهم بالنظر في أمر من تقدمهم من الرسل؛ ليظهر لهم العصمة بالتدبر والتفكر؛ فثبت أنهم كانوا على الخوف والرجاء في فكاك أنفسهم، وفي وقوعها [في المهالك]، وأن إيمانهم بالله تعالى لم يكن ضروريّاً، بل وصلوا إلى معرفته بالتمييز؛ لذلك عظمت درجاتهم.

    والثاني: أن الأنبياء - عليهم السلام - قد كان تقرر في قلوبهم هيبة الله تعالى وعظمته؛ فكانت المعرفة هي التي دعتهم إلى الإيمان به، لا خوف حلول العقوبة بهم لو ارتكبوا الزلات، وأما الكفرة، فلم يعرفوا عظمة الله تعالى، ولا قدرته، ولا سلطانه حتى يحملهم ذلك على الإيمان به، فلو حلت العقوبة بهم بالتكذيب، لكان الخوف هو الذي يحملهم على الإيمان لا غير؛ فيصير إيمانهم ضروريا؛ فلهذا لم يعاقبوا بالتكذيب؛ لئلا ترتفع المحنة، وخولف بينهم وبين غيرهم، وهذا كما نقول بأن أنباء من تقدم من الرسل حجة لرسولنا صلى الله عليه وسلم في إثبات نبوته، وإن كانت تلك الأنباء قد عرفها أهل الكتاب، وأخبروا بها؛ لأن أهل الكتاب عرفوا تلك الأنباء بالتعلم والتلقين، ولم يختلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من عنده علم تلك الأنباء؛ فعلم أنه بالله تعالى علم، لا بتعليم أحد؛ فصارت الأنباء حججا لذلك، ولو لم تصر لغيره حجة، والله أعلم....

    قال الرازى

    المسألة الثانية: احتج بعضهم على تكليف مالا يطاق بأنه تعالى قال: { لَّن تُحْصُوهُ } أي لن تطيقوه، ثم إنه كان قد كلفهم به، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد صعوبته لا أنهم لا يقدرون عليه كقول القائل: ما أطيق أن أنظر إلى فلان إذا استثقل النظر إليه.

    وقال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ }:

    قال بعضهم: علم أن لن تطيقوه.

    قال أبو بكر الأصم: هذا لا يستقيم؛ لأنه لا جائز أن يكلفهم الله تعالى ما لا يطيقونه؛ ألا ترى إلى قوله:
    { لاَ يُكَلِّفُ ظ±للَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }
    [البقرة: 286].

    وليس فيما ذكره أبو بكر ما يدفع هذا التأويل؛ لأنه يقال للأمر إذا اشتد وتعسر: لا يطاق هذا الأمر، وإن لم يكن ذلك خارجا من الوسع؛ ألا ترى إلى [قوله تعالى]: رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }
    [البقرة: 286]، وتأويله: لا تحملنا أمرا يشتد علينا عمله، ليس أنهم خافوا أن يحملهم أمرا لا يحتمله وسعهم؛ فيكون قوله: { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } - إن كان تأويله: أن لن تطيقوه - على ذلك، والله أعلم.

  5. #710
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    سورة المدثر


    قال الامام البيهقي الاشعرىاهدى كلامه لمن انكر علي الحنابلة القول بقدم مابين الدفتين)

    بَابُ الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] . فَلوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا لَكَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَائِلًا لَهُ كُنْ، وَالْقُرْآنُ قَوْلُهُ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَقُولًا لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُوجِبُ قَوْلًا ثَانِيًا، وَالْقَوْلُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَفِي تَعَلُّقِهِ بِقَوْلٍ ثَالِثٍ كَالْأَوَّلِ، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَهُوَ فَاسدٌ، وَإِذَا فَسَدَ ذَلِكَ فَسَدَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ أَمْرًا أَزَلِيًّا مُتعَلِّقًا بِالْمُكَوَّنِ، فِيمَا لَا يَزَالُ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِصَلَاةِ غَدٍ، وَغَدٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَمُتَعَلِّقٌ بِمَنْ يُخْلَقُ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنَّ تَعْلِيقَهُ بِهِمْ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي يَصِحُّ فِيمَا بَعْدُ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي التَّكْوِينِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَزَلِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْلُومَاتِ عِنْدَ حُدُوثِهَا، وَسَمْعُهُ أَزَلِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِإِدْرَاكِ الْمَسْمُوعَاتِ عِنْدَ ظُهُورِهَا، وَبَصَرُهُ أَزَلِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بإِدْرَاكِ الْمَرْئِيَّاتِ عِنْدَ وُجُودِهَا مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ مَعْنًى فِيهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَأَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مُحْدَثًا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ} [الرحمن: 2] . فَلمَّا جَمَعَ فِي الذِّكْرِ بَيْنَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ....

    وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ، إِجَازَةً، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَصْبَهَانِيُّ، بِمَكَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجَارُودِيَّ، يَقُولُ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ عُلَيَّةَ فَقَالَ: أَنَا مُخَالِفٌ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَسْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ، أَنَا أَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَذَاكَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كَلَامًا أَسْمَعَهُ مُوسَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ قُلْنَا: وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25] ، يَعْنُونَ الْقُرْآنَ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ جَعَلَهُ قَوْلًا

    لِلْبَشَرِ،
    وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109] ، فَلَوْ كَانَتِ الْبِحَارُ مِدَادًا يُكْتَبُ بِهِ لِنَفِدَتِ الْبِحَارُ وَتَكَسَّرَتِ الْأَقْلَامُ وَلَمْ يَلْحَقِ الْفَنَاءُ كَلِمَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا لَا يَلْحَقُ الْفَنَاءُ عِلْمَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ مَنْ فَنِيَ كَلَامُهُ لَحِقَتْهُ الْآفَاتُ وَجَرَى عَلَيْهِ السُّكُوتُ، فَلَمَّا لَمْ يَجْرِ ذَلِكَ عَلَى رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَلَا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا، وَقَدْ نَفَى النَّفَادَ عَنْ كَلَامِهِ كَمَا نَفَى الْهَلَاكَ عَنْ وَجْهِهِ.


    وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [التكوير: 19] ، مَعْنَاهُ: قَوْلٌ تَلَقَّاهُ عَنْ رَسُولٍ كَرِيمٍ أَوْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولٍ كَرِيمٍ، أَوْ نَزَلَ بِهِ رَسُولٌ كَرِيمٌ. فَقَدْ قَالَ: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] ، فَأَثْبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَلَامًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكلَامًا لِلَّهِ، دَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا قُلْنَا،

    ملحوظة

    الفقير علي اتم استعداد لمناظرة اى شخص فى هذه المسألة ولله الحمد

    قال الرازى

    احتج من قال: إنه تعالى قد يريد الإضلال بهذه الآية، قال لأن قوله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } يدل على أن المقصود الأصلي إنما هو فتنة الكافرين، أجابت المعتزلة عنه من وجوه أحدها: قال الجبائي: المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على مالا يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء وثانيها: قال الكعبي: المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه، وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به وثالثها: أن المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة، والمعنى إلا فتنة على الذين كفروا ليكذبوا به، وليقولوا ما قالوا، وذلك عقوبة لهم على كفرهم، وحاصله راجع إلى ترك الألطاف والجواب: أنه لا نزاع في شيء مما ذكرتم، إلا أنا نقول: هل لإنزال هذه المتشابهات أثر في تقوية داعية الكفر، أم لا؟ فإذا لم يكن له أثر في تقوية داعية الكفر، كان إنزالها كسائر الأمور الأجنبية، فلم يكن للقول بأن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا وجه ألبتة، وإن كان له أثر في تقوية داعية الكفر، فقد حصل المقصود، لأنه إذا ترجحت داعية الفعل، صارت داعية الترك مرجوحة، والمرجوح يمتنع أن يؤثر، فالترك يكون ممتنع الوقوع، فيصير الفعل واجب الوقوع، والله أعلم،..

    السؤال الرابع: حقيقة الإيمان عندكم لا تقبل الزيادة والنقصان فما قولكم في هذه الآية؟ الجواب: نحمله على ثمرات الإيمان وعلى آثاره ولوازمه....

    السؤال السابع: هب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا مقصودين من إنزال هذا المتشابه، فكيف صح أن يكون قول الكافرين والمنافقين مقصوداً؟ الجواب: أما على أصلنا فلا إشكال لأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وسيأتي مريد تقرير لهذا في الآية الآتية، وأما عند المعتزلة فإن هذه الحالة لما وقعت أشبهت الغرض في كونه واقعاً، فأدخل عليه حرف اللام وهو كقوله: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ }...

    . قوله تعالى: { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } وجه الاستدلال بالآية للأصحاب ظاهر لأنه تعالى ذكر في أول الآية قوله: { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } ثم ذكر في آخر الآية: { وَلِيَقُولَ ظ±لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَظ±لْكَـظ°فِرُونَ مَاذَا أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً } ثم قال: { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } أما المعتزلة فقد ذكروا الوجوه المشهورة التي لهم أحدها: أن المراد من الإضلال منع الألطاف وثانيها: أنه لما اهتدى قوم باختيارهم عند نزول هذه الآيات وضل قوم باختيارهم عند نزولها أشبه ذلك أن المؤثر في ذلك الاهتداء وذلك الإضلال هو هذه الآيات، وهو كقوله:{ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـظ°ناً }
    [التوبة: 124] وكقوله:
    { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا }
    [التوبة: 125] وثالثها: أن المراد من قوله: { يُضِلَّ } ومن قوله: { يَهْدِى } حكم الله بكونه ضالاً ويكون مهتدياً ورابعها: أنه تعالى يضلهم يوم القيامة عن دار الثواب، وهذه الكلمات مع أجوبتها تقدمت في سورة البقرة في قوله:
    { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }
    [البقرة: 26]. ...

    { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ }


    المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد متمكناً من الفعل غير مجبور عليه وجوابه: أن هذه الآية دلت على أن فعل العبد معلق على مشيئته، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله تعالى لقوله:
    { وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ }
    [الإنسان: 30] وحينئذ تصير هذه الآية حجة لنا عليهم، وذكر الأصحاب عن وجه الاستدلال بهذه الآية جوابين آخرين الأول: أن معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين التهديد، كقوله:
    { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }
    [الكهف: 29] الثاني: أن هذه المشيئة لله تعالى على معنى لمن شاء الله منكم أن يتقدم أو يتأخر.

    وقال المانريدى

    ثم في قوله - عز وجل -: { ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ } إبطال قول من قال: إن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو الأصلح لهم؛ لأن قوله: { أَنْ أَزِيدَ } لا يخلو إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له، وفي شرط الله - تعالى - عندهم أن يزيده، وفي قوله: { كَلاَّ } قطع طمعه للزيادة؛ فيصير بحرمان الزيادة عنه جائراً؛ فكيف حصل آية رسالته من الوجه الذي هو جور عندكم.

    وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح؛ فكيف جعل الحرمان - أيضا - علما لنبوته، وكان عليه أن يحرمه طعلى زعمكم...

    ثم يقال للمعتزلة في هذه الآية وفي قوله: { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ }: إن في هذا وعيدا من الله تعالى بأن يصليه سقر، وسيرهقه صعودا، فأراد الله تعالى أن يصدق خبره، وينجز وعده، أو أراد أن يكذب خبره، ويخالف وعده؟

    فإن قلتم بالثاني، فقد نسبتموه إلى الكذب، وإلى خلف الوعد؛ ومَن هذا وصْفُه فهو سفيه جاهل، لا يصلح أن يكون إلها.

    وإن قلتم: بلى، أراد أن يصدق خبره، وينجز وعده، قلنا لكم: أراد أن ينجز وعده مع دوامهم على الكفر، أو عند انقلاعهم عنه؟

    فإن زعمتم أنه إنما أراد أن يصليهم سقر على الخروج من الكفر، فهذا منه جور؛ لأنه يصليهم سقر بشيء لا إرادة لهم فيه.

    وإن سلمتم أنه أراد إصلاءهم سقر إذا داموا على الكفر واستقروا عليه، فقد لزمكم أن تقولوا: إن الله تعالى أراد من كل أحد ما علم أنه يختاره، ويكون منه.

    ويقال لهم: إن الله تعالى يقول:
    { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ظ±لذُّلِّ }
    [الإسراء: 111]، ولو كان الأمر على ما زعمتم: أنه يريد من كل كافر أن يسلم، ويؤمن به، ويريد الكافر أن يكفر به، ويعاديه، فإذن قد أراد أن يكون له ولي من الذل؛ لأنه يريد أن يواليه مع اختيار الكافر في معاداته، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.

  6. #711
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    قال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ }:

    روي عن ابن عباس - رضي الله عنها - أنهم خزنة جهنم مع كل واحد من الأعوان ما لا يحصى، وذكر أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد والنيران، والآخر هو الخازن الأكبر، وهو مالك يأمرهم بما أمر هو به.

    ويحتمل: أن يكون في السقر تسعة عشر دركا، وقد سلط على كل درك ملك؛ وذلك لأن جهنم ذات حد في نفسها؛ لأن الله تعالى وعد أن يملأها من الجنة والناس، ولو لم ترجع إلى حد، لكان لا يتحقق امتلاؤها بالقدر الذي ذكر.

    ويحتمل: أن يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب، قد وكل واحد منهم أن يعذب بنوع من ذلك، والأصل: أن الله تعالى حكيم يعلم أن في كل فعل من أفعاله حكمة عجيبة، ولكن لا كل حكمة يوصل إليها بالعقل، وينتهي إلى معرفتها بالتدبير؛ ألا ترى أن الله تعالى جعل في الماء معنى يحيا به كل شيء، ولو أراد أحد أن يتكلف استخراج المعنى الذي به صلح أن يكون طبيعة موافقاً لإحياء كل شيء لا يمكنه ذلك، وجعل في الطعام ما يغذي وينمي، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي يقع به الاغتذاء والإنماء لم يتدارك؛ وكذلك جعل في العدد الذين سماهم حكمة، ولكنا لا نصل إلى تعرفها بعقولنا وتدبرنا.

    وزعمت الباطنية أن في ذكر الأعداد التي عليها تركيب العالم تعريف الأعداد المجعولة في الروحانيات. فيقال لهم: من جعل الأعداد التي عليها تركيب العالم أولى بأن يتعرف بها الأعداد المجعولة في الروحانيات من أن تجعل الأعداد التي في الروحانيات [علماً لاستدراك] المجعولة في الجسدانيات؟

    ثم يسألون عن الأعداد المجعولة في الروحانيات لأي معنى جعلت؟ وأي حكمة فيها؟ فليس جوابهم بعد هذا إلا العجز والاعتراف بالجهل، فليقروا بالجهل من الابتداء من غير أن يتكلفوا استخراج ما يوجب عن حقيقة كان فيه ظهور عجزهم، والله أعلم.

    والأصل عندنا ما ذكرنا: أن أهل التوحيد اعتقدوا أن الله تعالى حكيم، وأنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة؛ لأن الذي يحمل الإنسان على الخروج عن حد الحكمة في الشاهد أحد معان ثلاثة:

    إما الجهل.

    وإما العجز.

    وإما الحاجة.

    والله تعالى عالم لا يجهل، وقوي لا يلحقه عجز عن وفاء ما وعد، وغني لا تمسه حاجة؛ فانتفت عنه الأسباب التي لديها يقع الخروج عن حد الحكمة، فثبت أنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة، لكنهم إذا لم يعرفوا الحكمة بعقولهم، ولم يتداركوها بتدبيرهم، ظنوا أنه لا حكمة فيه، وأنكروا أن يضاف ذلك إلى الله تعالى، فأهل الدهر أنكروا البعث، وأنكروا الصانع؛ لما رأوا أشياء في الشاهد هي في الظاهر خارجة مخرج العبث؛ وفعل الحكمة لا يخرج مخرج العبث، فنفوا بهذا أن يكون للأشياء صانع، ومن بني بناء، ثم نقضه، ثم أعاده إلى الحالة التي كان عليها قبل النقض، لم يكن حكيما، بل كان جاهلا سفيها، فقاسوا أمر البعث على ذلك، وظنوا أنه خارج مخرج العبث؛ إذ ليس فيه إلا الإعادة إلى الحالة التي كان عليها قبل الموت.

    وما ذكرنا من الاعتبار هو الذي حمل الثنوية على القول بإلهين اثنين: أنهم رأوا في الشاهد خيرا وشرا، وصلاحا وفسادا، وظلمة ونورا، ولا يجوز أن يكون جوهر الظلمة والنور واحدا، ولا يجوز - أيضا - أن يكون فعل الحكيم يخرج على الاختلاف والتناقض، فقد بنوا بهذا أن خالق الشر والخير مختلف.

    وبهذا أنكرت المعتزلة خلق أفعال العباد؛ لأن الفعل يكون مرة خيرا ومرة شرا، ومرة صلاحا ومرة فسادا، ولا يجوز أن يكون الشر مضافا إلى الله تعالى، ولا أن يكون الفساد منسوبا إليه؛ فأنكروا أن يكون لله - تعالى - في أفعال العباد صنع.

    وأهل التوحيد سلموا الأمر إلى الله تعالى، وفوضوا العلم إليه في كل ما جاء عنه - جل وعز - وإن لم يتداركوا ما فيه من الحكمة بعقولهم؛ لوجودهم أشياء هي خارجة أن يتداركوها بعقولهم، ويقفوا عليها بعلومهم، كا ذكرنا من أمر الماء: أنه قد جعل فيه معنى، ذلك المعنى يحيي الأشياء، ولو أرادوا أن يعرفوا ذلك المعنى بالعقول والآراء، لم يمكنهم ذلك؛ وكذلك في هذا الطعام، وفي الأشياء المشروبة موجود، ثم لم يجب بهذا إنكار المياه وسائر الأطعمة والأشربة؛ فكذلك لا يجب إنكار العدد الذين سماهم الله تعالى من الملائكة، ولا إنكار البعث، ولا إنكار كل شيء لم يقفوا على حكمته بعقولهم، والله أعلم...

    وقوله - عز وجل -: { وَيَزْدَادَ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُوغ¤اْ إِيمَظ°ناً } ، [أي:] تصديقا على ما سبق منهم من التصديق بالجملة، وكذلك روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - في قوله:
    { فَأَمَّا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً }
    [التوبة: 124]، وفي كل موضع ذكر فيه الزيادة في الإيمان: أن معنى الزيادة فيه: أنهم زادوا بالتفسير تصديقا على تصديقهم بالجملة؛ لأنهم إذا وحدوا الله تعالى، وآمنوا به، فقد أقروا بأن له الخلق والأمر كله، وفي الإقرار بأن له الخلق إيمانٌ بالرسل وتصديق منه إياهم بجميع ما أنزل عليهم من الكتب عن الله تعالى؛ فصار بإيمانه معتقداً للتصديق بكل رسول على الإشارة إليه، فإذا آمن بالرسول والكتاب المنزل إليه، فقد أتى بزيادة تصديق على ما وجد منه من التصديق بالجملة.

    وجائز أن تكون الزيادة منصرفة إلى الثبات والاستقامة؛ لأن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت؛ إذ المؤمن في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، وإذا اجتنب الكفر، فقد أتى بضده، وهو الإيمان؛ فثبت أن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت، وإذا كان كذلك، استقام صرف الزيادة إلى الثبات والقرار عليه، فإن شئت فسم الدوام على الإيمان: زيادة، وإن شئت فسمه: إيمانا، وإن شئت فسمه: ثباتا، وفي الكتاب ما يطلق جواز هذا كله؛ قال الله تعالى:
    { يَظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ }
    [النساء: 136] فندبهم إلى الإيمان بعدما آمنوا، وما ذلك إلا الثبات على ما هم عليه، وقال:
    { يُثَبِّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ فِي ظ±لْحَيَاةِ ظ±لدُّنْيَا }
    [إبراهيم: 27] وهو الإيمان، وقال في آية أخرى:
    { لِيُثَبِّتَ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ }
    [النحل: 102] فجعل دوامهم على الإيمان واستقامتهم عليه إيمانا.

    وقال تعالى:
    { زَادَتْهُمْ إِيمَظ°ناً }
    [الأنفال: 2] قال أبو داود: إيماناً مع إيمانهم فأطلق فيه اسم الزيادة، واسم الثبات، واسم الإيمان.

    وإن كانت الزيادة منصرفة إلى الأعمال، فهو عندنا على الزيادة من جهة الفضيلة والكمال، لا إلى الزيادة في عينه؛ لأن الشيء إذا استحق الزيادة بغيره فاستحقاقه يقع من جهة الفضيلة والكمال؛ ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام " ومعلوم أنه لم يرد به التفاضل من جهة العدد؛ إذ هو يأتي بأعين الأفعال التي يلزمه إتيانها في غير ذلك؛ فكانت الزيادة منصرفة إلى الكمال والفضل، لا إلى الزيادة من جهة العدد.

    وكذلك قال: " صلاة في جماعة تفضل على صلاة المرء وحده بخمس وعشرين درجة " ، ولم يرد به الزيادة من جهة العدد؛ وإنما أريد به الزيادة من جهة الفضل والشرف والكمال، وكذلك الزيادة التي تقع للإيمان من الأعمال الصالحة، إنما هي من جهة الفضيلة والشرف؛ إذ الأعمال ليست من جنس الإيمان؛ إذ الإيمان هو التصديق، وذلك غير موجود في الأفعال؛ فثبت أن زيادته من الوجه الذي ذكرنا دون غيره....

    وقوله - تعالى -: { وَلاَ يَرْتَابَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَظ°بَ وَظ±لْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ظ±لَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَظ±لْكَظ°فِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً }:

    في هذا الفصل كلام بيننا وبين المعتزلة، فهم يزعمون أن تلك العدة - وهي عدة الملائكة - جعلت محنة لأهل الإسلام، وأهل الكتاب، وأهل الكفر، وللذين في قلوبهم مرض؛ ليؤمنوا بها، ويستسلموا لها لا ليكفر بها من كفر، ويقول: { مَاذَآ أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً }؟ ولكن لما وجد منهم ذلك القول نسب الجعل إليه، لا أن خلقوا لذلك الوجه؛ وهو كقوله تعالى:
    { فَظ±لْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }
    [القصص: 8] نسب إليهما الالتقاط وإن كان الالتقاط لغير ذلك الوجه، وكذلك قال:
    { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوغ¤اْ إِثْمَاً }
    [آل عمران: 178]، ومعلوم أن الإملاء لم يكن لازدياد الإثم، ولكن هم لما ازدادوا إثما، نسب الإملاء إليه، وإن لم يكن الإملاء لذلك الوجه، وكذلك يقال في الكلام السائر:
    لدوا للموت وابنوا للخراب
    ولا أحد يبني للخراب؛ ولكن مصيره لما كان إلى الخراب نسب البناء إليه، وإن لم يكن البناء لذلك الوجه، ويقال: يسرق السارق لتقطع يده، ومعلوم أنه ليس يسرق للقطع، ولكن بسرقته إذن لزمه القطع ولأجلها ما قطع، نسب الفعل إليه، وإن كانت السرقة لغير ذلك الوجه؛ فكذلك العدة التي ذكرت في الآية جعلت فتنة بجهة واحدة، وهي التي ذكرناها، لكنه لما وجد من الكفرة ما ذكرنا نسب الخلق إلى ذلك الوجه، لا أن كان الجعل لذلك.

    ولكنا نقول: لو كان الأمر على ما زعموا، أدى ذلك إلى إسقاط الربوبية؛ إذ في الحكمة: من عمل عملا يريد غير الذي يكون، أوجب ذلك جهلا بالعواقب، أو جعل عابثا في فعله، ومن هذا وصفه، لم يصلح أن يكون إلها، بل يكون جاهلا سفيها؛ ألا ترى أن من بنى شيئا يعلم أنه لا يكون - كان ذلك منه عبثا، وإذا كان غير الذي يريده كان جاهلا به.

    فإذا ثبت هذا فنقول: لو أراد الله من الكافر غير الذي كان منه، لكان فعله خارجا مخرج الخطأ، أو العبث؛ فثبت أن الله - عز وجل - شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم؛ فإذا علم من عبده أنه يؤثر الضلال على الهدى، فقد شاء له الضلال، وإذا علم أنه يؤثر فعل الخير، شاء له ذلك، ووفقه له، وهداه إليه.

    والجواب عن قوله - عز وجل -:
    { فَظ±لْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }
    [القصص: 8]، فمعناه: ليكون لهم في علم الله عدوا وحزنا، لا أن كان الالتقاط منهم لذلك الوجه؛ بل لو علموا أنه يصير لهم عدوا وحزنا لم يلتقطوه، ولكنهم جهلوا ما ينتهي إليه العاقبة؛ فالتقطوه؛ رجاء أن ينتفعوا به.

    ولا يجوز أن تخفى على الله تعالى عواقب الأشياء؛ فيكون فعله في الابتداء لغير ذلك الوجه.

    وقولهم:
    لدوا للموت وابنوا للخراب
    فهذا يتكلم به في موضع التذكير والدعاء؛ لئلا يحرص المرء في بناء الأبنية، بل يزهد عنه، ولا يجوز أن يخفى على الله تعالى أمر؛ فيخرج الأمر فيه مخرج التذكير؛ فثبت أنه على التحقيق، والله أعلم....

    وقوله - عز وجل -: { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } ، فهذا كله تفسير قوله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً... } الآية، أي: يضل به من كان في علمه أنه يختار الضلال، واختياره الضلال هو أن ينظر في آيات الله تعالى بعين الاستهزاء والاستخفاف، ومن كان نظره في آيات الله ما ذكرنا، أضله الله تعالى، وزاده غواية، ومن نظر في [آيات الله] بعين الاستهداء والاسترشاد، واستقبلها بالتبجيل والتعظيم لها، وفقه الله تعالى، ومن عليه بالهداية؛ وهو كقوله تعالى:
    { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيغ¤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى }
    [فصلت: 44] وغير ذلك، والله الموفق.

    وقالت المعتزلة: قوله: { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَآءُ } ، أي: يسميه: ضالا، أو يحكم عليه بالضلال إذا ضل، لا أن يكون الله - تعالى - يضله، ويشاء ضلالته.

    فيقال لهم: إذا كان الله يريد أن يؤمن به، وذلك إرادته في كل أحد عندكم فتسميته إياه: ضالا، وحكمه بالضلال وهو يريد أن يهتدي - جور منه، وفيه تحقيق كذبه، جل الله تعالى عن أن يلحقه وصف الجور في فعله، أو ينسب إلى الكذب.

    وقال أبو بكر الأصم: تأويله: أن الله - تعالى - ينصب طريقا، مَن سلكه أفضى به إلى الهداية، ومن زاغ عنه صار إلى الضلال، ولا يتهيأ لأحد من الخلائق أن ينصب مثله.

    فنقول: لو كان التأويل على ما زعم لكان حقه أن يقال: " كذلك يضل الله ما يشاء ويهدي ما يشاء "؛ فلما قال: { مَن يَشَآءُ } ، و " مَن " يعبر به عن الأشخاص العقلاء [لا] عن الطريق التي لا يعقل، ثبت أن الذي قاله ليس بشيء يعتمد عليه.

    [ثم] الأصل أن قوله: { يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } من صفات الربوبية، وفيه امتداح الرب - تعالى - بالفعل لما يريد، فلو لم يكن مريدا منهم ما قد كان، ولم يرد كون ما علم أنه يكون، سقط الامتداح، وخرج عن أن يكون من صفات الربوبية؛ فثبت أن الله تعالى شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم...

    وجائز أن يكون قوله: { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } ، معناه، يتقدم، ويتأخر بتخليق الله تعالى فعل التقدم والتأخر منه؛ فيكون فعلا له وكسبا؛ لوجوده في حيز قدرته، وخلقا لله تعالى؛ فيكون مثل قولنا، لا حجة علينا، في إضافته التقدم والتأخر إلينا، والله الموفق.

    وقال الالوسي

    وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ظ±لْمِسْكِينَ }

    أي نعطيه ما يجب إعطاؤه والمعنى على استمرار النفي لا نفي الاستمرار.

    واستدل بالآية / على أن الكفار مخاطبون بفروع العبادات لأنهم جعلوا عذابهم لترك الصلاة فلو لم يخاطبوا بها لم يؤاخذوا وتفصيل المسألة في الأصول. وتعقب هذا الاستدلال بأنه لا خلاف في المؤاخذة في الآخرة على ترك الاعتقاد، فيجوز أن يكون المعنى من المعتقدين للصلاة ووجوبها فيكون العذاب على ترك الاعتقاد، وأيضاً المصلين يجوز أن يكون كناية عن المؤمنين، وأيضاً ذاك من كلام الكفرة فيجوز كذبهم أو خطؤهم فيه. وأجيب بأن ذلك عدول عن الظاهر يأباه قوله تعالى: { وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ } الخ والمقصود من حكاية السؤال والجواب التحذير فلو كان الجواب كذباً أو خطأ لم يكن في ذكره فائدة

    قال الرازى

    فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ظ±لشَّافِعِينَ }

    واحتج أصحابنا على ثبوت الشفاعة للفساق بمفهوم هذه الآية، وقالوا: إن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين...

    { وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ }. قالت المعتزلة: يعني إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه والجواب: أنه تعالى نفى الذكر مطلقاً، واستثنى عنه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة أن يحصل الذكر فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهرية ترك للظاهر...

    ملحوظة

    لشيخ الاسلام مصطفى صبري كتاب فى سر القضاء والقدر رائع فى بابه

    وقال الالوسي

    وَمَا يَذْكُرُونَ } أي بمجرد مشيئتهم للذكر كما هو المفهوم من ظاهر قوله تعالى:
    { فَمَن شَاء ذَكَرَهُ }
    [المدثر: 55] إذ لا تأثير لمشيئة العبد وإرادته في أفعاله وهو قوله سبحانه: { إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ } استثناء مفرغ من أعم العلل أو من أعم الأحوال أي وما يذكرون بعلة من العلل أو في حال من الأحوال إلا بأن يشاء الله تعالى أو حال أن يشاء الله ذلك، وهذا تصريح بأن أفعال العباد بمشيئة الله عز وجل بالذات أو بالواسطة ففيه رد على المعتزلة، وحملهم المشيئة على مشيئة القسر والإلجاء خروج عن الظاهر من غير قسر وإلجاء.

  7. #712
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    لطيفة ماتريدية فى الشفاعة

    وقوله - عز وجل -: { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ظ±لشَّافِعِينَ } معناه: أن لا شفيع لهم؛ والأصل: أن الشفاعة إذا أضيفت إلى أهل الكفر، فقيل: ليس لهم شفعاء، أو لا تنفعهم شفاعة الشافعين، اقتضى نفي الشفاعة، أي: لا شفيع لهم.

    وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان اقتضى نفي الانتفاع بشفاعة الشفعاء، ولم يقتض نفي الشفاعة؛ كما ذكرنا: أن الأفعال التي يكون قوامها بالإيمان إذا أضيفت إلى الكفار فهي تقتضي نفي القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان فهي [تقتضي] نفي الفعل.

    وقولنا بأنه إذا قيل: " لا شفيع له " ، وأريد به أهل الإسلام، فهو يقتضي نفي الانتفاع، ولا يقتضي نفي الشفاعة - فذلك ينصرف عندنا إلى أهل الاعتزال والخوارج؛ لأنا نرى أصحاب الكبائر من أهل الإسلام مستوجبين للشفاعة، وهم يقولون: لا يجوز في حكم الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر، بل يخلدهم في النار؛ لأن الله تعالى أوعد النار لمن ارتكب الكبائر، وأخبر أنهم يخلدون فيها؛ فلا يجوز أن يقع في وعده خلف، أو يتحقق في خبره كذب، ولو استوجبوا الشفاعة، ونالوا بها المغفرة من رب العزة، لصار فيما وعد مخلفا، وفيما أخبر كذوبا؛ فمثل هؤلاء إذا ارتكبوا الكبائر لا يرجى لهم الخلاص بالشفاعة أبدا؛ بل يحكم عليهم بالخلود في النار؛ فيرتفع ما يثبت الكذب وينتفي [ما يوجب] خلف الوعد.

    ولأنهم لما اعتقدوا التخليد في النار لمن ارتكب الكبائر، وجب أن يكون نفيهم الشفاعة بزعمهم على ذلك؛ لأن الله تعالى يقول:
    { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَىظ° وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ظ±لضَّلاَلَةُ }
    [الأعراف: 29-30]؛ فلا يجوز أن يحق عليهم العذاب ثم لا ينالهم العذاب إذا بعثوا.

    ثم احتج فريق منهم بنفي الشفاعة في الآخرة بقوله:
    { فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ }
    [الشعراء: 100]، وبقوله:
    { أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَظ°كُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ }
    [البقرة: 254]، وبقوله:
    { وَظ±تَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ }
    [البقرة: 123]، وزعموا أن شفيع كل امرئ منهم عمله يومئذ؛ فمن حسن عمله نجا به، ومن ساء عمله حق عليه العذاب، ولم يكن له شافع، ولو وجب نفي الشفاعة بما ذكر من هذه الآيات الظاهرة، لوجب تحقيقها بقوله:
    { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ظ±رْتَضَىظ° وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }
    [الأنبياء: 28]، وبقوله:
    { يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ظ±لشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً }
    [طه: 109]؛ إذ في هاتين الآيتين أن الله تعالى قد يأذن بالشفاعة يومئذ للبعض؛ فثبت أن ما ذكرتم من نفي الشفاعة، لم يقتض نفيا على الإطلاق، بل النفي انصرف إلى بعض الخلائق، ووجب القول بثبوتها لبعضهم.

    ثم جاءت الأخبار مفسرة على إيجاب القول بالشفاعة لأهل الكبائر؛ فثبت أن ما ذكر من قوله - عز وجل -:

    { فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ }
    [الشعراء: 100]، وقوله:
    { وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ }
    [البقرة: 254] منصرف إلى أهل الكفر، وبه نقول.

    ومن المعتزلة من يحقق الشفاعة، ولكنه يراها للذين يستوجبون استغفار الملائكة في الدنيا، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه:
    { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَظ±غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَظ±تَّبَعُواْ سَبِيلَكَ }
    [غافر: 7]، فأما أصحاب الكبائر؛ فإنهم لا تنالهم شفاعة أحد؛ بل يخلدون في النار.

    فيقال لهم: فأية منفعة تحصل للذين تابوا واتبعوا سبيله في الشفاعة، وهم قد استوجبوا الخلاص بتوبتهم، واتباعهم سبيل الرشاد.

    فإن قالوا: منفعتهم بها: أنه يعظم قدرهم عند الله تعالى، ويستوجبون بها فضل الدرجات؛ كما ترى المرء في الشاهد يذكر أخاه عند الملوك بحسن السيرة، ويذكره بما فيه من المناقب الجميلة والمحاسن، ويبتغي بذلك إعلاء منزلته، وإعظام قدره عندهم؛ ليعظموه، ويبجلوه، فكذلك الشفعاء في الآخرة يثنون عند الله تعالى على أوليائه خيرا؛ ليزيد في درجاتهم، وتعظم منزلتهم عند الله تعالى.

    والجواب أن هذه الزيادة في الدرجات ليست إلا إلى الوصول إلى فضول الشهوات، وفضول الشهوات والزيادة في اللذات لا تذكر في المنافع؛ إذ لا حاجة [لهم] إلى ما هو في حق الفضول من الشهوات؛ فيكون في مثالها دفع الحاجة، والوصول إلى المنفعة، ومعلوم أنهم إنما طمعوا في الشفاعة؛ لما يحصل لهم بها من المنفعة وإنما تحصل لهم بها المنفعة إذا وقعت إليها الحاجة، وأهل الكبائر هم الذين تمسهم الحاجة إليها؛ فأما الذين تابوا وأنابوا فقد استغنوا عن الشفاعة؛ لذلك وجب القول بتحقيق الشفاعة في أهل الكبائر.

    وأما استدلالهم بما ذكروا من أمر الشهود، فليس بمحكم من القول؛ لأن المرء إنما يذكر أخاه بالجميل، ويظهر ما اشتمل عليه من خلال الخير لجهل الملوك بحاله فيما هو عليه من جميل الخصال، ومحمود الفعال؛ ألا ترى أن الملك إذا كان عالما بحاله، لم يقدم الإنسان على نشر الجميل منه؛ فثبت أن الذي يحوجه إلى الثناء عليه عند الملوك جهل الملوك بحاله؛ ولا يجوز أن يكون الله تعالى يخفى عليه حال أحد، وما هو عليه من ظواهر أموره وبواطنها حتى يحتاج إلى معرف يعرفه؛ فبطل أن تكون الشفاعة للوجه الذي ذكروه، وثبت أنها للوجه الذي ذكرناه.

    ثم العفو والصفح عن إحلال العقوبة بمن هموا أن يعاقبوه بجريمة سبقت منه، ثم الشفاعة فيما بين الخلق أمر معهود أنها تكون عند زلات يستوجب بها العقوبة والمقت؛ فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضاء؛ [فلا ينكر أن يكون الله تعالى يعفو عمن استوجب العقاب بشفاعة الأخيار وأهل الرضاء] والأبرار، والله الموفق.

  8. #713
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    سورة القيامة

    قال الرازى

    واعلم أن إنكار البعث تارة يتولد من الشبهة وأخرى من الشهوة، أما من الشبهة فهو الذي حكاه الله تعالى بقوله:
    { أَيَحْسَبُ ظ±لإِنسَـظ°نُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ }
    [القيامة: 3] وتقريره أن الإنسان هو هذا البدن فإذا مات تفرقت أجزاء البدن واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء التراب وتفرقت في مشارق الأرض ومغاربها فكان تمييزها بعد ذلك عن غيرها محالاً فكان البعث محالاً، واعلم أن هذه الشبهة ساقطة من وجهين الأول: لا نسلم أن الإنسان هو هذا البدن فلم لا يجوز أن يقال: إنه شيء مدبر لهذا البدن فإذا فسد هذا البدن بقي هو حياً كما كان. وحينئذ يكون الله تعالى قادراً على أن يرده إلى أي بدن شاء وأراد، وعلى هذا القول يسقط السؤال، وفي الآية إشارة إلى هذا لأنه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال: { أَيَحْسَبُ ظ±لإِنسَـظ°نُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن الثاني: إن سلمنا أن الإنسان هو هذا البدن فلم قلتم: إنه بعد تفريق أجزائه لا يمكن جمعه مرة أخرى وذلك لأنه تعالى عالم بجميع الجزئيات فيكون عالماً بالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو تعالى قادر على كل الممكنات وذلك التركيب من الممكنات وإلا لما وجد أولاً، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها. ومتى ثبت كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات قادراً على جميع الممكنات لا يبقى في المسألة إشكال. وأما القسم الثاني: وهو إنكار من أنكر المعاد بناء على الشهوة فهو الذي حكاه الله تعالى بقوله:
    { بَلْ يُرِيدُ ظ±لإِنسَـظ°نُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }
    [القيامة: 5] ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات والاستكثار من اللذات لا يكاد يقر بالحشر والنشر وبعث الأموات لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية فيكون أبداً منكراً لذلك قائلاً على سبيل الهزؤ والسخرية أيان يوم القيامة....

    وسادسها: ما ذكره القفال وهو أن قوله: { لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ } ليس خطاباً مع الرسول عليه السلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله:
    { يُنَبَّأُ ظ±لإِنسَـظ°نُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ }
    [القيامة: 13] فكان ذلك للإنسان حال ما ينبأ بقبائح أفعاله وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له:
    { ظ±قْرَأْ كَتَـظ°بَكَ كَفَىظ° بِنَفْسِكَ ظ±لْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا }
    [الإسراء: 14] فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف وسرعة القراءة فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به، فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال، ثم إن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته، وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أن المراد منه أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التفصيل، وفيه أشد الوعيد في الدنيا وأشد التهويل في الآخرة، ثم قال القفال: فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به. المسألة الثانية: احتج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية، فقال: إن ذلك الاستعجال إن كان بإذن الله تعالى فكيف نهاه عنه وإن كان لا بإذن الله تعالى فقد صدر الذنب عنه الجواب: لعل ذلك الاستعجال كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي عنه، ولا يبعد أن يكون الشيء مأذوناً فيه في وقت ثم يصير منهياً عنه في وقت آخر، ولهذا السبب قلنا: يجوز النسخ....

    ملحوظة

    الأية شرف للنبي لو تأملت

    { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ }

    ففيه مسائل: المسألة الأولى: كلمة على للوجوب فقوله: إن علينا يدل على أن ذلك كالواجب على الله تعالى، أما على مذهبنا فذلك الوجوب بحكم الوعد، وأما على قول المعتزلة: فلأن المقصود من البعثة لا يتم إلا إذا كان الوحي محفوظاً مبرأ عن النسيان، فكان ذلك واجباً نظراً إلى الحكمة...

    { إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }

    اعلم أن جمهور أهل السنة يتمسكون بهذه الآية في إثبات أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة. أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان أحدهما: بيان أن ظاهره لا يدل على رؤية الله تعالى والثاني: بيان التأويل. أما المقام الأول: فقالوا: النظر المقرون بحرف إلى ليس اسماً للرؤية، بل لمقدمة الرؤية وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماس لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السماع، فكما أن نظر القلب مقدمة للمعرفة، والإصغاء مقدمة للسماع، فكذا نظر العين مقدمة للرؤية، قالوا: والذي يدل على أن النظر ليس اسماً للرؤية وجوه الأول: قوله تعالى:
    { وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ }
    [الأعراف: 198] أثبت النظر حال عدم الرؤية، فدل على أن النظر غير الرؤية والثاني: أن النظر يوصف بما لا توصف به الرؤية، يقال: نظر إليه نظراً شزراً، ونظر غضبان، ونظر راض، وكل ذلك لأجل أن حركة الحدقة تدل على هذه الأحوال،ولا توصف الرؤية بشيءمن ذلك، فلا يقال: رآه شزراً، ورآه رؤية غضبان، أو رؤية راض الثالث: يقال: انظر إليه حتى تراه، ونظرت إليه فرأيته، وهذا يفيد كون الرؤية غاية للنظر، وذلك يوجب الفرق بين النظر والرؤية الرابع: يقال: دور فلان متناظرة، أي متقابلة، فمسمى النظر حاصل ههنا، ومسمى الرؤية غير حاصل الخامس: قوله الشاعر:
    وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن تنتظر الخلاصا
    أثبت النظر المقرون بحرف إلى مع أن الرؤية ما كانت حاصلة السادس: احتج أبو علي الفارسي على أن النظر ليس عبارة عن الرؤية، التي هي إدراك البصر، بل هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو الجهة التي فيها الشيء الذي يراد رؤيته، لقول الشاعر:
    فيامي هل يجزي بكائي بمثله مراراً وأنفاسي إليك الزوافر وأنى متى أشرف على الجانب الذي به أنت من بين الجوانب ناظراً
    قال: فلو كان النظر عبارة عن الرؤية لما طلب الجزاء عليه، لأن المحب لم يطلب الثواب على رؤية المحبوب، فإن ذلك من أعظم مطالبه، قال: ويدل على ذلك أيضاً قول الآخر:
    ونظرة ذي شجن وامق إذا ما الركائب جاوزن ميلا
    والمراد منه تقليب الحدقة نحو الجانب الذي فيه المحبوب، فعلمنا بهذه الوجوه أن النظر المقرون بحرف إلى ليس اسماً للرؤية السابع: أن قوله: { إِلَىظ° رَبّهَا نَاظِرَةٌ } معناه أنها تنظر إلى ربها خاصة ولا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله:
    { إِلَىظ° رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ظ±لْمُسْتَقَرُّ }
    [القيامة: 12]
    { إلى ربك يومئذ المساق }
    [القيامة: 30]
    { أَلاَ إِلَى ظ±للَّهِ تَصِيرُ ظ±لأُمُورُ }
    [الشورى: 53]
    { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
    [البقرة: 8]
    { وَإِلَىظ° ظ±للَّهِ ظ±لْمَصِيرُ }
    [آ ل عمران: 28]
    { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }
    [الشورى: 10] كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد في موقف القيامة، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلما دلت الآية على أن النظر ليس إلا إلى الله، ودل العقل على أنهم يرون غير الله، علمنا أن المراد من النظر إلى الله ليس هو الرؤية الثامن: قال تعالى:{ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ }
    [آل عمران: 77] ولو قال: لا يراهم كفى، فلما نفى النظر، ولم ينف الرؤية دل على المغايرة، فثبت بهذه الوجوه، أن النظر المذكور في هذه الآية ليس هو الرؤية. المقام الثاني: في بيان التأويل المفصل، وهو من وجهين الأول: أن يكون الناظر بمعنى المنتظر، أي أولئك الأقوام ينتظرون ثواب الله، وهو كقول القائل، إنما أنظر إلى فلان في حاجتي والمراد أنتظر نجاحها من جهته، وقال تعالى:
    { فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ظ±لْمُرْسَلُونَ }
    [النمل: 35] وقال:
    { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىظ° مَيْسَرَةٍ }
    [البقرة: 280] لا يقال: النظر المقرون بحرف إلى غير مستعمل في معنى الانتظار، ولأن الانتظار غم وألم، وهو لا يليق بأهل السعادة يوم القيامة، لأنا نقول: الجواب: عن الأول من وجهين الأول: النظر المقرون بحرف إلى قد يستعمل بمعنى الانتظار، والتوقع والدليل عليه أنه يقال: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، والمراد منه التوقع والرجاء، وقال الشاعر:
    وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني نعما
    وتحقيق الكلام فيه أن قولهم في الانتظار نظرت بغير صلة، فإنما ذلك في الانتظار لمجيء الإنسان بنفسه، فأما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته، فقد يقال فيه: نظرت إليه كقول الرجل، وإنما نظري إلى الله ثم إليك، وقد يقول ذلك من لا يبصر، ويقول الأعمى في مثل هذا المعنى: عيني شاخصة إليك، ثم إن سلمنا ذلك لكن لا نسلم إن المراد من { إلى } ههنا حرف التعدي. بل هو واحد الآلاء، والمعنى: وجوه يومئذ ناضرة نعمة ربها منتظرة. وأما السؤال الثاني: وهو أن الانتظار غم وألم، فجوابه أن المنتظر إذا كان فيما ينتظره على يقين من الوصول إليه، فإنه يكون في أعظم اللذات. التأويل الثاني: أن يضمر المضاف، والمعنى إلى ثواب ربها ناظرة، قالوا: وإنما صرنا إلى هذا التأويل، لأنه لما دلت الدلائل السمعية والعقلية على أنه تعالى تمتنع رؤيته وجب المصير إلى التأويل، ولقائل أن يقول: فهذه الآية تدل أيضاً على أن النظر ليس عبارة عن تقليب الحدقة، لأنه تعالى قال: لا ينظر إليهم وليس المراد أنه تعالى يقلب الحدقة إلى جهنم فإن قلتم: المراد أنه لا ينظر إليهم نظر الرحمة كان ذلك جوابنا عما قالوه. التأويل الثالث: أن يكون معنى: { إِلَىظ° رَبّهَا نَاظِرَةٌ } أنها لا تسأل ولا ترغب إلا إلى الله، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام:" اعبد الله كأنك تراه " فأهل القيامة لشدة تضرعهم إليه وانقطاع أطماعهم عن غيره صاروا كأنهم ينظرون إليه الجواب: قوله: ليس النظر عبارة عن الرؤية، قلنا: ههنا مقامان: الأول: أن تقيم الدلالة على أن النظر هو الرؤية من وجهين: الأول: ما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام وهو قوله:
    { أَنظُرْ إِلَيْكَ }
    [الأعراف: 143] فلو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي، لاقتضت الآية أن موسى عليه السلام أثبت لله تعالى وجهة ومكاناً وذلك محال الثاني: أنه جعل النظر أمراً مرتباً على الإرادة فيكون النظر متأخراً عن الإرادة، وتقليب الحدقة غير متأخر عن الإرادة، فوجب أن يكون النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي. المقام الثاني: وهو الأقرب إلى الصواب، سلمنا أن النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، لكنا نقول: لما تعذر حمله على حقيقته وجب حمله على مسببه وهو الرؤية، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار، لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية ولا تعلق بينه وبين الانتظار، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار. أما قوله: النظر جاء بمعنى الانتظار، قلنا: لنا في الجواب مقامان: الأول: أن النظر الوارد بمعنى الانتظار كثير في القرآن، ولكنه لم يقرن ألبتة بحرف إلى كقوله تعالى:
    { ظ±نظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ }
    [الحديد: 13] وقوله:
    { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ }
    [الأعراف: 53]
    { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ظ±للَّهُ }
    [البقرة: 210] والذي ندعيه أن النظر المقرون بحرف إلى المعدي إلى الوجوه ليس إلا بمعنى الرؤية أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فوجب أن لا يرد بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك. وأما قول الشاعر:
    وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن تنتظر الخلاصا
    قلنا: هذا الشعر موضوع والرواية الصحيحة:
    وجوه ناظرات يوم بكر إلى الرحمن تنتظر الخلاصا
    والمراد من هذا الرحمن مسيلمة الكذاب، لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليمامة، فأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه التخلص من الأعداء، وأما قول الشاعر:
    وإذا نظـرت إليـك مـن مـلك
    فالجواب: أن قوله: وإذا نظرت إليك، لا يمكن أن يكون المراد منه الانتظار، لأن مجرد الانتظار لا يستعقب العطية بل المراد من قوله: وإذا نظرت إليك، وإذا سألتك لأن النظر إلى الإنسان مقدمة المكالمة فجاز التعبير عنه به، وقوله: كلمة إلى ههنا ليس المراد منه حرف التعدي بل واحد الآلاء، قلنا: إن إلى على هذا القول تكون اسماً للماهية التي يصدق عليه أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقق مسمى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كان في غاية القلة والحقارة، وأهل الثواب يكونون في جميع مواقف القيامة في النعم العظيمة المتكاملة، ومن كان حاله كذلك كيف يمكن أن يبشر بأنه يكون في توقع الشيء الذي ينطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حالك في العظمة والقوة بعد سنة، بحيث تكون متوقعاً لحصول اللقمة الواحدة من الخبز والقطرة الواحدة من الماء، وكما أن ذلك فاسد من القول: فكذا هذا.

    المقام الثاني: هب أن النظر المعدي بحرف إلى المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار لكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه، لأن لذة الانتظار مع يقين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن يحصل في الآخرة شيء أزيد منه حتى يحسن ذكره في معرض الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول، لأن ذلك معلوم بالعقل فبطل ما ذكروه من التأويل. وأما التأويل الثاني: وهو أن المراد إلى ثواب ربها ناظرة، فهذا ترك للظاهر، وقوله: إنما صرنا إليه لقيام الدلائل العقلية والنقلية على أن الله لا يرى، قلنا: بينا في الكتب العقلية ضعف تلك الوجوه، فلا حاجة ههنا إلى ذكرها، والله أعلم.

    ملحوظة

    الرازى فى الاربعين ذكر اشكالات علي اثبات الرؤيا عقلا لكل موجود اجاب عنها فحول الاشاعرة فى كتبهم

    وقال الالوسي

    والزمخشري إذا تحققت كلامه رأيته لم يدع أن النظر بمعنى الانتظار ليتعقب عليه بما تعقب بل أراد أن النظر بالمعنى المتعارف كناية عن التوقع والرجاء فالمعنى عنده أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه سبحانه وتعالى، ويرد عليه أنه يرجع إلى إرادة الانتظار لكن كناية والانتظار لا يساعده المقام إذ لا نعمة فيه، وفي مثله قيل الانتظار موت أحمر. والذي يقطع الشغب ويدق في فروة من أخس الطلب ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي والدارقطني وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي وعبد بن حميد وابن أبـي شيبة وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } " فهو تفسير منه عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أنه أعلم الأولين والآخرين لا سيما بما أنزل عليه من كلام رب العالمين. ومثل هذا فيما ذكر ما أخرجه الدارقطني والخطيب في «تاريخه» " عن أنس أن النبـي صلى الله عليه وسلم أقرأه { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } فقال والله ما نسخها منذ أنزلها يزورون ربهم تبارك وتعالى فيطمعون ويسقون ويطيبون ويحلون ويرفع الحجاب بينه وبينهم فينظرون إليه وينظر إليهم عز وجل " وهذا الحجاب على ما قال السادة من قبلهم لا من قبله عز وجل وأنشدوا:
    / وكنا حسبنا أن ليلى تبرقعت وأن حجاباً دونها يمنع اللثما
    فلاحت فلا والله ما ثم حاجب سوى أن طرفي كان عن حسنها أعمى
    ثم إن أجهل الخلق عندهم المعتزلة وأشدهم عمى وأدناهم منزلة حيث أنكروا صحة رؤية من لا ظاهر سواه بل لا موجود على الحقيقة إلا إياه، وأدلة إنكارهم صحة رؤيته تعالى مذكورة مع ردودها في كتب الكلام وكذا أدلة القوم على الصحة وكأني بك بعد الإحاطة وتدقيق النظر تميل إلى أنه سبحانه وتعالى يرى لكن لا من حيث ذاته سبحانه البحت ولا من حيث كل تجل حتى تجليه بنوره الشعشعاني الذي لا يطاق.

  9. #714
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    وقال الماتريدى

    واحتج من نفى صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية بأن قوله: { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } هو مقابل قوله: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } ، وقوله: { تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } مقابل قوله: { إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ثم لم يكن قوله: { تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } على فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه؛ فكذلك قوله: { إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها؛ ولكن واقع على الثواب نفسه.

    وجواب هذا الفصل من وجهين:

    أحدهما: أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب، لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسود الوجوه وتكلحها، ليس في بسورها؛ فلذلك استقام أن يكون قوله: { تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } على نفس العذاب، وأهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات بما وصفوا بنضارة الوجوه؛ فاستقام أن يكون قوله: { إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } منصرفا إلى حقيقة النظر، لا إلى غيره من الكرامات.

    ولأن الرؤية من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعها؟! أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى؛ فجائز أن يكرموا بالرؤية أيضا.

    والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت؛ كما قال - عز وجل - ولما جاء في غيرِ خبرٍ النظرُ إلى الله تعالى، وقد قال - عليه السلام -: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته " وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية، ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم، وذلك غير مستقيم لوجهين:

    أحدهما: أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة، ولو كان المراد من الرؤية العلم، لارتفع الاختصاص؛ لأن العلم به مما يقع به الاشتراك بين الفريقين.

    ولأن كلا يجمع على العلم بالله تعالى في الآخرة، العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب، والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم العيان والمشاهدة، لا علم الاستدلال؛ لأن الآيات لا تضطر أهلها إلى العلم الحقيقي؛ ألا ترى إلى قوله:
    { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ظ±لْمَوْتَىظ°... }
    [الأنعام: 111]، وقال:
    { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَظ±للَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
    [الأنعام: 23]، وقال:
    { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ظ±للَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىظ° شَيْءٍ }
    [المجادلة: 18]، فإذا ثبت ما ذكرنا، فقد صاروا مثبتين للرؤية من الوجه الذي أرادوا نفيها؛ فتثبت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله تعالى، ولا نصف الرؤية بالكيفية؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة؛ وهو يُرى بلا كيف، والله الموفق....

    وقال الالوسي

    واستدل بقوله تعالى
    { إِذَا بَلَغَتِ ظ±لتَّرَاقِيَ }
    [القيامة: 26] على أن النفس جسم لا جوهر مجرد إذ لا يتصف بالحركة والتحيز وأجاب بعض بأن هذه النفس المسند إليها بلوغ التراقي هي النفس الحيوانية لا الروح الأمرية وهي الجوهر المجرد دون الحيوانية وآخر بأن المراد ببلوغها التراقي قرب انقطاع التعلق وهو مما يتصف به المجرد إذ لا يستدعي حركة ولا تحيزاً ولا نحوهما مما يستحيل عليه وزعم أنه لا يمكن إرادة الحقيقة ولو كانت النفس جسماً ضرورة أن بلوغها التراقي لا يتحقق إلا بعد مفارقتها القلب وحينئذ يحصل الموت ولا يقال (من راق) كما هو ظاهر على الوجه الأول فيه ولا يتأتى أيضاً ما يذكر بعد على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى فيه. والذي عليه جمهور الأمة سلفاً وخلفاً أن النفس وهي الروح الأمرية جسم لطيف جداً ألطف من الضوء عند القائل بجسميته والنفس الحيوانية مركب لها وهي سارية في البدن نحو سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم وسريان السيال الكهربائي عند القائل به في الأجسام، والأدلة على جسميتها كثيرة وقد استوفاها الشيخ ابن القيم في كتاب «الروح» وأتى فيه بالعجب العجاب.

    ثم الظاهر أن المراد ببلوغ التراقي مشارفة الموت وقرب خروج الروح من البدن سلمت الضرورة التي في كلام ذلك الزاعم أم لم تسلم لقوله تعالى { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ }.

  10. #715
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    وقال البقاعى

    ولما ذكر الآخرة التي أعرضوا عنها، ذكر ما يكون فيها بياناً بجهلهم وسفههم وقلة عقلهم، ترهيباً لمن أدبر عنها وترغيباً لمن أقبل عليها لطفاً بهم ورحمة لهم فقال: { وجوه } أي من المحشورين وهم جميع الخلائق { يومئذ } أي إذ تقوم القيامة { ناضرة * } من النضرة بالضاد، وهي النعمة والرفاهية أي هي بهية مشرقة ظاهر عليها أثر النعمة بحيث يدل ذلك على نعمة أصحابها { إلى ربها } أي المحسن لها خاصة باعتبار أن عُدَّ النظر إلى غيره كلا نظر { ناظرة * } أي دائماً هم محدقون أبصارهم نحو جوده بالتجلي لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم أبصروه بأعينهم بدليل جوده بالتجلي لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم أبصرره بأعينهم بدليل التعدية بـ " إلى " وذلك، النظر جهرة من غير اكتتام ولا تضامّ ولا زحام - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين وجميع أهل السنة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحاح من وجوه كثيرة بحيث اشتهر غاية الشهرة، وتكون الرؤية كما مثلت في الأحاديث

    كما يرى القمر ليلة البدر " كل من يريد رؤيته من بيته مخلياً به - هذا وجه الشبه، لا أنه في جهة ولا في حالة لها شبيه - تعالى الله عن التشبيه، وهكذا رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام من الأشخاص المستكثرة في البلاد المتباينة في الوقت الواحد، وقدم الجار الدال على الاختصاص إشارة إلى هذا النظر مباين للنظر إلى غيره فلا يعد ذلك نظراً بالنسبة إليه، وإلى أن تلك الوجوه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث لا تفتر عن ذلك، ولا يعد نظرها إلى ما سواه شيئاً، وهي آمنة من أن يفعل بها فاقرة، وعبر بالوجوه عن أصحابها لأنها أدل ما يكون على السرور، وليكون ذكرها أصرح في أن المراد بالنظر حقيقته، وزاده صراحة بالتعدية بـ " إلى " فإن الانتظار لا يعدى بها، قال الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب المحبة من الإحياء بعد أن جوّز أن يخلق الله النظر في الجهة وغيرها: والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة - انتهى، وأهل الجنة متفاوتون في النظر: روي أن منهم من ينظر إلى الله بكرة وعشية، وفي خبر آخر، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، ومتفاوتون في مقدار الكشف في الجمال والأنس والبهجة التي يكون عنها اللذة بحسب أعمالهم.

    وقال الرازى

    واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة، قوله:
    { أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ }
    [القيامة: 3] أعاد في آخر السورة ذلك، وذكر في صحة البعث والقيامة دليلين الأول: قوله:
    { أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى }
    [القيامة: 36] ونظيره قوله:
    { إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ }
    [طه: 15] وقوله:
    { أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ }
    [صۤ: 28] وتقريره أن إعطاء القدرة والآلة والعقل بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهي عن المفاسد يقتضي كونه تعالى راضياً بقبائح الأفعال، وذلك لا يليق بحكمته، فإذاً لا بد من التكليف والتكليف لا يحسن ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة. الدليل الثاني: على صحة القول بالحشر الاستدلال بالخلقة الأولى على الإعادة، وهو المراد من قوله تعالى.

  11. #716
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    سورة الانسان

    قال القرطبي

    { لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } قال الضحاك عن ظ±بن عباس: لا في السماء ولا في الأرض. وقيل: أي كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً، لا يُذكَر ولا يُعرَف، ولا يُدرَى ما ظ±سمه ولا ما يراد به، ثم نُفِخ فيه الرُّوح، فصار مذكوراً؛ قاله الفراء وقطرب وثعلب. وقال يحيـى بن سلاّم: لم يكن شيئاً مذكوراً في الخَلْق وإن كان عند الله شيئاً مذكوراً. وقيل: ليس هذا الذِّكر بمعنى الإخبار، فإن إخبار الربّ عن الكائنات قديم، بل هذا الذِّكر بمعنى الخطر والشرف والقدر؛ تقول: فلان مذكور أي له شرف وقدر. وقد قال تعالى:
    { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }
    [الزخرف: 44] أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قَدْر عند الخليقة. ثم لما عَرَّف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمَّله الأمانة التي عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكوراً. قال القُشيريّ: وعلى الجملة ما كان مذكوراً للخلق، وإن كان مذكوراً لله. وحكى محمد ابن الجهم عن الفراء: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً» قال: كان شيئاً ولم يكن مذكوراً. وقال قوم: النفي يرجع إلى الشيء؛ أي قد مضى مُدَد من الدهر وآدم لم يكن شيئاً يذكر في الخليقة؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين. والمعنى: قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئاً ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة. وهذا معنى قول قتادة ومقاتل: قال قتادة: إنما خلق الإنسان حديثاً ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان

    ملحوظة

    عند المعتزلة المعدوم شيء

    قال الرازى

    قوله تعالى: { إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } فيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية أقوال: الأول: أن شاكر أو كفوراً حالان من الهاء، في هديناه السبيل، أي هديناه السبيل كونه شاكراً وكفوراً، والمعنى أن كل ما يتعلق بهداية الله وإرشاده، فقد تم حالتي الكفر والإيمان. والقول الثاني: أنه انتصب قوله شاكراً وكفوراً بإضمار كان، والتقدير سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.

    والقول الثالث: معناه إنا هديناه السبيل، ليكون إما شاكراً وإما كفوراً أي ليتميز شكره من كفره وطاعته من معصيته كقوله:
    { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }
    [هود: 7] وقوله:
    { وَلَقَدْ فَتَنَّا ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ صَدَقُواْ }
    [العنكبوت: 3] وقوله:
    { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىظ° نَعْلَمَ ظ±لْمُجَـظ°هِدِينَ مِنكُمْ وَظ±لصَّـظ°بِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـظ°رَكُمْ }
    [محمد: 31] قال القفال: ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل قول القائل، قد نصحت لك إن شئت فأقبل، وإن شئت فاترك، أي فإن شئت فتحذف الفاء فكذا المعنى: إنا هديناه السبيل فإما شاكراً وإما كفوراً، فتحذف الفاء وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد أي إنا هديناه السبيل فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر، فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا، كقوله:
    { وَقُلِ ظ±لْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }
    [الكهف: 29]. القول الرابع: أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل، أي إما سبيلاً شاكراً، وإما سبيلاً كفوراً، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. واعلم أن هذه الأقوال كلها لائقة بمذهب المعتزلة.

    والقول الخامس: وهو المطابق لمذهب أهل السنة، واختيار الفراء أن تكون إما هذه الآية كإما في قوله:
    { إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ }
    [التوبة: 106] والتقدير: إنا هدينـاه السبيل ثم جعلناه تارة شـاكراً أو تارة كفورًا ويتأكد هذا التأويل بما روي أنه قرأ أبو السمال بفتح الهمزة في { أَمَّا } ، والمعنى أما شاكراً فبتوفيقنا وأما كفوراً فبخذلاننا، قالت المعتزلة: هذا التأويل باطل، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية تهديد الكفار فقال:
    { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـظ°فِرِينَ سَلَـظ°سِلَ وَأَغْلَـظ°لاً وَسَعِيراً }
    [الإنسان: 4] ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده عليه، ولما بطل هذا التأويل ثبت أن الحق هو التأويل الأول وهو أنه تعالى هدى جميع المكلفين سواء آمن أو كفر، وبطل بهذا قول المجبرة أنه تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، أجاب أصحابنا بأنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بأن يجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان وهذا تكليف بالجمع بين المتنافيين، فإن لم يصر هذا عذراً في سقوط التهديد والوعيد جاز أيضاً أن يخلق الكفر فيه ولا يصير ذلك عذراً في سقوط الوعيد وإذا ثبت هذا ظهر أن هذا التأويل هو الحق، وأن التأويل اللائق بقول المعتزلة: ليس بحق، وبطل به قول المعتزلة...

    واعلم أن الخوارج احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين المطيع والكافر، قالوا: لأن الشاكر هو المطيع، والكفور هو الكافر، والله تعالى نفى الواسطة وذلك يقتضي أن يكون كل ذنب كفراً، وأن يكون كل مذنب كافراً، واعلم أن البيان الذي لخصناه يدفع هذا الإشكال، فإنه ليس المراد من الشاكر الذي يكون مشتغلاً بفعل الشكر فإن ذلك باطل طرداً وعكساً، أما الطرد فلأن اليهودي قد يكون شاكراً لربه مع أنه لا يكون مطيعاً لربه، والفاسق قد يكون شاكراً لربه، مع أنه لا يكون مطيعاً لربه، وأما العكس فلأن المؤمن قد لا يكون مشتغلاً بالشكر ولا بالكفران، بل يكون ساكناً غافلاً عنهما، فثبت أنه لا يمكن تفسير الشاكر بذلك، بل لا بد وأن يفسر الشاكر بمن يقر بوجوب الشكر والكفور بمن لا يقر بذلك، وحينئذ يثبت الحصر، ويسقط سؤالهم بالكلية، والله أعلم....

    المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة، لأن قوله تعالى: { أَعْتَدْنَا } إخبار عن الماضي، قال القاضي: إنه لما توعد بذلك على التحقيق صار كأنه موجود، قلنا: هذا الذي ذكرتم ترك للظاهر فلا يصار إليه إلا لضرورة...

    ملحوظة

    بيع المعدوم لايجوز فقهيا

    قال الرازى

    { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: { رأيت } هل له مفعول؟ فيه قولان: الأول: قال الفراء: المعنى وإذا رأيت ما ثم وصلح إضمار ما كما قال:
    { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ }
    [الأنعام:94] يريد ما بينكم، قال الزجاج: لا يجوز إضمار ما لأن ثم صلة وما موصولها، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة الثاني: أنه ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر والغرض منه أن يشبع ويعم، كأنه قيل: وإذا وجدت الرؤية ثم، ومعناه أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير، و { ثم } في موضع النصب على الظرف يعني في الجنة. المسألة الثانية: اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة. قضاء الشهوة، وإمضاء الغضب، واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها، فالملك الكبير الذي ذكره الله ههنا لا بد وأن يكون مغايراً لتلك اللذات الحقيرة، وما هو إلا أن تصير نفسه منقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ما هو على أصول المتكلمين، فالوجه فيه أيضاً أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما تقدم ذكره،

    ملحوظة

    استدل البعض من الاية علي جواز رؤية الله

  12. #717
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    قال ابن الجزرى فى النشر
    ومنها - أي من القراءات - ما يكون حجة لأهل الحق ودفعا لأهل الزيغ كقراءة وملكا كبيرا بكسر اللام، وردت عن ابن كثير وغيره، وهي من أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة

    ملحوظة

    القراءة شاذة

    قال الرازى

    وبقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: إذا كان فعل العبد خلقاً لله، فكيف يعقل أن يكون فعل الله جزاء على فعل الله؟ الجواب: الجزء هو الكافي، وذلك لا ينافي كونه فعلاً لله تعالى. السؤال الثاني: كون سعي العبد مشكوراً لله يقتضي كون الله شاكراً له والجواب: كون الله تعالى شاكراً للعبد محال إلا على وجه المجاز، وهو من ثلاثة أوجه الأول: قال القاضي: إن الثواب مقابل لعلمهم، كما أن الشكر مقابل للنعم الثاني: قال القفال: إنه مشهور في كلام الناس، أن يقولوا: للراضي بالقليل والمثني به إنه شكور، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده هو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات، وإعطاؤه إياهم عليه ثواباً كثيراً الوجه الثالث: أن منتهى درجة العبد أن يكون راضياً من ربه مرضياً لربه على ما قال:
    { يَظ°أَيَّتُهَا ظ±لنَّفْسُ ظ±لْمُطْمَئِنَّةُ * ظ±رْجِعِى إِلَىظ° رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً }
    [الفجر: 27، 28] وكونها راضية من ربه، أقل درجة من كونها مرضية لربه، فقوله: { إِنَّ هَـظ°ذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء } إشارة إلى الأمر الذي به تصير النفس راضية من ربه وقوله: { وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } إشارة إلى كونها مرضية لربه، ولما كانت هذه الحال أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين.

  13. #718
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    قال الرازى

    واعلم أن هذه الآية من جملة الآيات التي تلاطمت فيها أمواج الجبر والقدر، فالقدري يتمسك بقوله تعالى: { فَمَن شَاء ظ±تَّخَذَ إِلَىظ° رَبّهِ سَبِيلاً } ويقول: إنه صريح مذهبي ونظيره:
    { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }
    [الكهف:29] والجبري يقول: متى ضمت هذه الآية إلى الآية التي بعدها خرج منه صريح مذهب الجبر، وذلك لأن قوله: { فَمَن شَاء ظ±تَّخَذَ إِلَىظ° رَبّهِ سَبِيلاً } يقتضي أن تكون مشيئة العبد متى كانت خالصة فإنها تكون مستلزمة للفعل، وقوله بعد ذلك: { وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ } يقتضي أن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد ومستلزم المستلزم مستلزم، فإذا مشيئة الله مستلزمة لفعل العبد، وذلك هو الجبر، وهكذا الاستدلال على الجبر بقوله: { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } لأن هذه الآية أيضاً تقتضي كون المشيئة مستلزمة للفعل ثم التقرير ما تقدم. واعلم أن الاستدلال على هذا الوجه الذي لخصناه لا يتوجه عليه كلام القاضي إلا أنا نذكره وننبه على ما فيه من الضعف، قال القاضي: المذكور في هذه الآية اتخاذ السبيل إلى الله، ونحن نسلم أن الله قد شاءه لأنه تعالى قد أمر به، فلا بد وأن يكون قد شاءه. وهذا لا يقتضي أن يقال العبد: لا يشاء إلا ما قد شاءه الله على الإطلاق، إذ المراد بذلك الأمر المخصوص الذي قد ثبت أنه تعالى قد أراده وشاءه. واعلم أن هذا الكلام الذي ذكره القاضي لا تعلق له بالاستدلال على الوجه الذي ذكرناه، وأيضاً فحاصل ما ذكره القاضي تخصيص هذا العام بالصورة التي مر ذكرها فيما قبل هذه الآية، وذلك ضعيف، لأن خصوص ما قبل الآية لا يقتضي تخصيص هذا العام به. لاحتمال أن يكون الحكم في هذه الآية وارداً بحيث يعم تلك الصورة وسائر الصور

    وقال الالوسي

    { وَمَا تَشَاءونَ } أي شيئاً أو اتخاذ السبيل { إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ } أي إلا وقت مشيئة الله تعالى لمشيئتكم وقال الزمخشري أي وما تشاؤن الطاعة إلا أن يشاء الله تعالى قسركم عليها وهو تحريف للآية بلا دليل ويلزمه على ما في «الانتصاف» أن مشيئة العبد لا يوجد إلا إذا انتفت وهو عن مذهب الاعتزال بمعزل وأبعد منزل، والظاهر ما قررنا لأن المفعول المحذوف هو المذكور أولاً كما تقول لو شئت لقتلت زيداً أي لو شئت القتل لا لو شئت زيداً ولا يمكن للمعتزلة أن ينازعوا أهل الحق في ذلك لأن المشيئة ليست من الأفعال الاختيارية وإلا لتسلسلت بل الفعل المقرون بها منها فدعوى استقلال العبد مكابرة وكذلك دعوى الجبر المطلق مهاترة والأمر بين الأمرين لإثبات المشيئتين. وحاصله على ما حققه الكوراني أن العبد مختار في أفعاله وغير مختار في اختياره، والثواب والعقاب لحسن الاستعداد النفس الأمري وسوئه فكل يعمل على شاكلته وسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

    وفي «التفسير الكبير» هذه الآية من الآيات التي تلاطمت فيها أمواج القدر والجبر فالقدري يتمسك بالجملة الأولى ويقول إن مفادها كون مشيئة العبد مستلزمة للفعل وهو مذهبـي، والجبري يتمسك بضم الجملة الثانية ويقول إن مفادها أن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد فيتحصل من الجملتين أن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد وأن مشيئة العبد مستلزمة لفعل العبد كما تؤذن به الشرطية فإذن مشيئة الله تعالى مستلزمة لفعل العبد لأن مستلزم المستلزم مستلزم وذلك هو الجبر وهو صريح مذهبـي. وتعقب بأن هذا ليس بالجبر المحض المسلوب معه الاختيار بالكلية بل يرجع أيضاً إلى أمر بين أمرين.

    وقدر بعض الأجلة مفعول { يَشَاء } الاتخاذ والتحصيل رداً للكلام على الصدر فقال إن قوله سبحانه { وَمَا تَشَاءونَ } الخ تحقيق للحق ببيان أن مجرد مشيئتهم غير كافية في اتخاذ السبيل كما هو المفهوم من ظاهر الشرطية أي وما تشاؤون اتخاذ السبيل ولا تقدرون على تحصيله في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئته تعالى اتخاذه وتحصيله لكم إذ لا دخل لمشيئة العبد إلا في الكسب وإنما التأثير والخلق لمشيئة الله عز وجل وفيه نوع مخالفة للظاهر كما لا يخفى. نعم قيل إن ظاهر الشرطية أن مشيئة العبد مطلقاً مستلزمة للفعل فيلزم أنه متى شاء فعلاً فعله مع أن الواقع خلافه فلا بد مما قاله هذا البعض وجعل الجملة الثانية تحقيقاً للحق. وأجيب بأنها للتحقيق على وجه آخر وذلك أن الأولى أفهمت الاستلزام والثانية بينت أن هذه المشيئة المستلزمة لا تتحقق إلا وقت مشيئة الله تعالى إياها / فكأنه قيل وما تشاؤون مشيئة تستلزم الفعل إلا وقت أن يشاء الله تعالى مشيئتكم تلك فتأمل.

    وأنت تعلم أن هذه المسئلة من محار الأفهام ومزال أقدام أقوام بعد أقوام وأقوى شبه الجبرية أنه قد تقرر أن الشيء ما لم يجب لم يوجد فإن وجب صدور الفعل فلا اختيار وإلا فلا صدور، وبعبارة أخرى أن جميع ما يتوقف عليه الفعل إذا تحقق فإما أن يلزم الفعل فيلزم الاضطرار أولاً فيلزم جواز تخلف المعلول عن علته التامة بل مع الصدور الترجح بلا مرجح فقد قيل إنها نحو شبهة ابن كمونة في التوحيد يصعب التفصي عنها. وللفقير العاجز جبر الله تعالى فقره ويسر أمره عزم على تأليف رسالة إن شاء الله تعالى في ذلك سالكاً فيها بتوفيقه سبحانه أحسن المسالك وإن كان الكوراني قدس سره لم يدع فيها مقالاً وأوشك أن يدع كل من جاء بعد فيها بشيء عليه عيالاً والله تعالى الموفق.....

    إِنَّ ظ±للَّهَ كَانَ عَلِيماً } مبالغاً في العلم فيعلم مشيئات العباد المتعلقة بالأفعال التي سألوها بألسنة استعداداتهم { حَكِيماً } مبالغاً في الحكمة فيفيض على كل ما هو الأوفق باستعداده وما هو عليه في نفس الأمر من المشيئة، أو أنه تعالى مبالغ في العلم والحكمة فيعلم ما يستأهله كل أحد من الطاعة وخلافها فلا يشاء لهم إلا ما يستدعيه علمه سبحانه وتقتضيه حكمته عز وجل وقيل عليماً أي يعلم ما يتعلق به مشيئة العباد من الأعمال حكيماً لا يشاء إلا على وفق حكمته وهو أن يشاء العبد فيشاء الرب سبحانه وتعالى لا العكس ليتأتى التكليف من غير انفراد لأحد المشيئتين عن الأخرى وفيه بحث....

    وقال الرازى


    اعلم أن خاتمة هذه السورة عجيبة، وذلك لأن قوله:
    { وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ }
    [الإنسان: 30] يدل على أن جميع ما يصدر عن العبد فبمشيئة الله، وقوله: { يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ وَظ±لظَّـظ°لِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يدل على أن دخول الجنة والنار ليس إلا بمشيئة الله، فخرج من آخر هذه السورة إلا الله وما هو من الله، وذلك هو التوحيد المطلق الذي هو آخر سير الصديقين ومنتهى معارجهم في أفلاك المعارف الإلهية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: { يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ } إن فسرنا الرحمة الإيمان، فالآية صريحة في أن الإيمان من الله، وإن فسرناها بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئة الله وفضله وإحسانه لا بسبب الاستحقاق، وذلك لأنه لو ثبت الاستحقاق لكان تركه يفضي إلى الجهل والحاجة المحالين على الله، والمفضي إلى المحال محال فتركه محال فوجوده واجب عقلاً وعدمه ممتنع عقلاً، وما كان كذلك لا يكون معلقاً على المشيئة ألبتة، وأيضاً فلأن من كان مديوناً من إنسان فأدى ذلك الدين إلى مستحقه لا يقال: بأنه إنما دفع ذلك القدر إليه على سبيل الرحمة والتفضل. المسألة الثانية: قوله: { وَظ±لظَّـظ°لِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يدل على أنه جف القلم بما هو كائن، لأن معنى أعد أنه علم ذلك وقضى به، وأخبر عنه وكتبه في اللوح المحفوظ، ومعلوم أن التغيير على هذه الأشياء محال، فكان الأمر على ما بيناه وقلناه

    ملحوظة

    لشيخ الاسلام مصطفى صبري كتاب عن سر القضاء والقدر تحدث عن مذهب الاشاعرة والماتريدية والمعتزلة فريد فى بابه اطنب فى تفسير هذه الايات لكنه يحتاج تأمل عميق والخلاف بين الاشاعرة والماتريدية فى الارادة الجزئية والكلية عميق الكتاب اسمه موقف البشر تحت سلطان القدر

    وقال المانريدى

    ثم [قوله - تعالى -]: { وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ظ±للَّهُ }:

    يقول - والله أعلم -: من شاء اتخاذ السبيل إلى ربه لا يتخذ إلا أن يشاء الله أن يتخذ السبيل إلى ربه، فعند ذلك يتخذ، وهذا على المعتزلة لأنهم يقولون: إن الله تعالى قد شاء لجميع الخلائق أن يتخذوا إلى ربهم سبيلا، لكنهم شاءوا ألا يتخذوا إلى ربهم سبيلا؛ فلم يتخذوا، وقد أخبر أنهم لا يشاءون اتخاذ السبيل إليه، ولا يتخذون إلا أن يشاء الله لهم اتخاذ السبيل فعند ذلك يتخذون ما ذكر، ويشاءون.

  14. #719
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    سورة المرسلات

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { هَـظ°ذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } أي لا يتكلمون { وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت، فهذا من المواقيت التي لا يتكلّمون فيها، ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل. وعن عِكرمة عن ظ±بن عباس قال: سأله ظ±بن الأزرق عن قوله تعالى: { هَـظ°ذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } و
    { فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً }
    [طه: 108] وقد قال تعالى:
    { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىظ° بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ }
    [الصافات: 27] فقال له: إن االله عز وجل يقول:
    { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }
    [الحج: 47] فإن لكل مقدار من هذه الأيام لوناً من هذه الألوان. وقيل: لا ينطقون بحجة نافعة، ومن نطق بما لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق...

    قال الرازى

    المسألة الرابعة: تمسك من قال العمل يوجب الثواب بالباء في قوله: { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وهذا ضعيف لأن الباء للإضافة، ولما جعل الله تعالى ذلك العمل علامة لهذا الثواب كان الإتيان بذلك العمل كالآلة الموصلة إلى تحصيل ذلك الثواب، وقوله: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ظ±لْمُحْسِنِينَ } المقصود منه أن يذكر الكفار ما فاتهم من النعم العظيمة، ليعلموا أنهم لو كانوا من المتقين المحسنين لفازوا بمثل تلك الخيرات، وإذا لم يفعلوا ذلك لا جرم وقعوا فيما وقعوا فيه

    وقال الالوسي

    { إِنَّا كَذَلِكَ } أي مثل ذلك الجزاء العظيم { نَجْزِى ظ±لْمُحْسِنِينَ } لاجزاء أدنى منه. والمراد بالمحسنين المتقون السابق ذكرهم إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير مدحاً لهم بصفة الإحسان أيضاً مع الإشعار بعلة الحكم. وجوز أن يراد بالمتقين والمحسنين الصالحون من المؤمنين، ولا دليل فيه للمعتزلة على خلود العصاة أهل الكبائر في النار وغاية الأمر عدم التعرض لحالهم

    قال الرازى

    فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ }

    اعلم أنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها بالوجوه العشرة التي شرحناها، وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل اللطيفة مع تجليها ووضوحها فبأي حديث بعده يؤمنون قال القاضي: هذه الآية تدل على أن القرآن محدث لأنه تعالى وصفه بأنه حديث، والحديث ضد القديم والضدان لا يجتمعان، فإذا كان حديثاً وجب أن لا يكون قديماً، وأجاب الأصحاب أن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاغ في أنها محدثة، والله تعالى أعلم

    ملحوظة

    قال شيخ اهل الحديث الاسماعيلي الاشعرى فى اعتقاده

    القرآن كلام الله
    ويقولون : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإنما كيفما يصرف بقراءة القارئ له ، وبلفظه ، ومحفوظا في الصدور ، متلوًا بالألسن ، مكتوباَ في المصاحف ، غير مخلوق ، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن ، فهو قد قال بخلق القرآن

  15. #720
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,733
    قبل الانتقال للجزء الاخير من كتاب الله نذكر لطيفة رازية فى سورة الانسان قال

    اعلم أنه سبحانه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم بقوله:
    { هَلْ أَتَىظ° عَلَى ظ±لإِنسَـظ°نِ حِينٌ مّنَ ظ±لدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً }
    [الإنسان: 1] ثم بين أنه سبحانه خلقه من أمشاج، والمراد منه إما كونه مخلوقاً من العناصر الأربعة أو من الأخلاط الأربعة أو من ماء الرجل والمرأة أو من الأعضاء والأرواح أو من البدن والنفس أو من أحوال متعاقبة على ذلك الجسم مثل كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، وعلى أي هذه الوجوه تحمل هذه الآية، فلذلك يدل على أنه لا بد من الصانع المختار جل جلاله وعظم كبرياؤه. ثم بين بعد ذلك أني ما خلقته ضائعاً عاطلاً باطلاً، بل خلقته لأجل الابتلاء والامتحان، وإليه الإشارة بقوله:
    { نَّبْتَلِيهِ }
    [الإنسان: 2] وههنا موضع الخصومة العظيمة القائمة بين أهل الجبر والقدر، ثم ذكر تعالى أني أعطيته جميع ما يحتاج إليه عند الابتلاء والامتحان، وهو السمع والبصر والعقل، وإليه الإشارة بقوله:
    { فَجَعَلْنَـظ°هُ سَمِيعاً بَصِيراً }
    [الإنسان: 2] ولما كان العقل أشرف الأمور المحتاج إليها في هذا الباب أفرده عن السمع والبصر، فقال:
    { إِنَّا هَدَيْنَـظ°هُ ظ±لسَّبِيلَ }
    [الإنسان: 3] ثم بين أن الخلق بعد هذه الأحوال صاروا قسمين: منهم شاكر، ومنهم كفور، وهذا الإنقسام باختيارهم كما هو تأويل القدرية، أو من الله على ما هو تأويل الجبرية، ثم إنه تعالى ذكر عذاب الكفار على الاختصار، ثم ذكر بعد ذلك ثواب المطيعين على الاستقصاء، وهو إلى قوله:
    { وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً }
    [الإنسان: 22] واعلم أن الاختصار في ذكر العقاب مع الإطناب في شرح الثواب يدل على أن جانب الرحمة أغلب وأقوى، فظهر مما بينا أن السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان أحوال الآخرة، ثم إنه تعالى شرع بعد ذلك في أحوال الدنيا، وقدم شرح أحوال المطيعين على شرح أحوال المتمردين. أما المطيعون فهم الرسول وأمته، والرسول هو الرأس والرئيس، فلهذا خص الرسول بالخطاب. واعلم أن الخطاب إما النهي وإما الأمر، ثم إنه تعالى قبل الخوض فيما يتعلق بالرسول من النهي والأمر، قدم مقدمة في تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإزالة الغم والوحشة عن خاطره، وإنما فعل ذلك، لأن الاشتغال بالطاعة والقيام بعهدة التكليف لا يتم إلا مع فراغ القلب ثم بعد هذه المقدمة ذكر نهيه عن بعض الأشياء، ثم بعد الفراغ عن النهي، ذكر أمره ببعض الأشياء، وإنما قدم النهي على الأمر، لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع، وإزالة مالا ينبغي مقدم على تحصيل ما ينبغي، ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك أحوال المتمردين والكفار على ما سيأتي تفصيل بيانه، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن هذه السورة، وقعت على أحسن وجوه الترتيب والنظام، فالحمد لله الذي نور عقل هذا المسكين الضعيف بهذه الأنوار، وله الشكر عليه أبد الآباد.

    وقال البقاعي

    ولما أثبت لهم المشيئة التي هي مناط التكليف، وهي الكسب، وكان ربما ظن ظان أو ادعى مدع في خلق الأفعال كما قال أهل الاعتزال، قال نافياً عنهم الاستقلال، لافتاً القول إلى خطابهم، وهو مع كونه خطاب قبض استعطافاً بهم إلى التذكر في قراءة الجماعة وبالغيب على الأسلوب الماضي في قراءة ابن كثير وابن عامر: { وما تشاءون } أي في وقت من الأوقات مشيئة من المشيئات لهذا وغيره على سبيل الاختراع والاستقلال { إلا } وقت { أن يشاء الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه، فيوجد المعاني في أنفسكم على حسب ما يريد ويقدر على ما يشاء من آثارها، وقد صح بهذا ما قال الأشعرية وسائر أهل السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسباً لا تؤثر إلا بمشيئة الله تعالى وتحريكها لقدرة العبد، وانتفى مذهب القدرية الذين يقولون: إنا نحن نخلق أفعالنا، ومذهب الجبرية القائلين: لا فعل لنا أصلا، ومثَّل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدد سكيناً وهيأها وأوجد فيها أسباب القطع وأزال عنها موانعه ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن يتحامل عليها التحامل المعروف لذلك، ولو وضع عليها ما لم يصلح للقطع كحطبة مثلاً لم تقطع ولو تحامل، فالعبد كالسكين خلقه الله وهيأه بما أعطاه من القدرة للفعل، فمن قال: أنا أخلق فعلي مستقلاً به، فهو كمن قال: السكين تقطع بمجرد وضعها من غير تحامل، ومن قال: الفاعل هو الله، من غير نظر إلى العبد أصلاً كان كمن قال: هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ملساء من غير سكين، والذي يقول: إنه باشر بقدرته المهيأة للفعل بخلق الله لها وتحريكها في ذلك الفعل كان كمن قال: إن السكين قطعت بالتحامل عليها، بهذا أجرى سبحانه عادته في الناس، ولو شاء غير ذلك فعل، ولا يخفى أن هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم قائلاً: { إن الله } أي المحيط علماً وقدرة { كان } أي أزلاً وأبداً { عليماً حكيماً * } أي بالغ العلم والحكمة، فهو يمنع منعاً محكماً من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه، فمن علم في جبلته خيراً أعانه عليه، ومن علم منه الشر ساقه إليه وحمله عليه، وهو معنى { يدخل من يشاء } أي من علمه أهلاً للسعادة، ليس بظالم { في رحمته } بحكمته فييسر له اتخاذ السبيل الموصل إليه بأن يوفقه للعدل، ويعد له ثواباً جسيماً.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •