صفحة 47 من 51 الأولىالأولى ... 37434445464748495051 الأخيرةالأخيرة
النتائج 691 إلى 705 من 763

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #691
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    سورة الملك

    قال الرازى

    وأما قوله: { بِيَدِهِ ظ±لْمُلْكُ } فاعلم أن هذه اللفظة إنما تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكاً ومالكاً، كما يقال: بيد فلان الأمر والنهي والحل والعقد ولا مدخل للجارحة في ذلك. قال صاحب «الكشاف»: { بِيَدِهِ ظ±لْمُلْكُ } على كل موجود، { وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ } ما لم يوجد من الممكنات { قَدِيرٌ } ، وقوله: { وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية احتج بها من زعم أن المعدوم شيء، فقال قوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ عَلَىظ° كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } يقتضي كون مقدوره شيئاً، فذلك الشيء الذي هو مقدور الله تعالى، إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، لا جائز أن يكون موجوداً، لأنه لو كان قادراً على الموجود، لكان إما أن يكون قادراً على إيجاده وهو محال، لأن إيجاد الموجود محال، وإما أن يكون قادراً على إعدامه وهو محال، لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل، وذلك لأن القدرة صفة مؤثرة فلا بد لها من تأثير، والعدم نفي محض، فيستحيل جعل العدم أثر القدرة، فيستحيل وقوع الإعدام بالفاعل فثبت أن الشيء الذي هو مقدور الله ليس بموجود، فوجب أن يكون معدوماً، فلزم أن يكون ذلك المعدوم شيئاً، واحتج أصحابنا النافون لكون المعدوم شيئاً بهذه الآية فقالوا: لا شك أن الجوهر من حيث إنه جوهر شيء والسواد من حيث هو سواد شيء، والله قادر على كل شيء. فبمقتضى هذه الآية يلزم أن يكون قادراً على الجوهر من حيث إنه جوهر، وعلى السواد من حيث هو سواد، وإذا كان كذلك كان كون الجوهر جوهراً، والسواد سواداً واقعاً بالفاعل، والفاعل المختار لا بد وأن يكون متقدماً على فعله، فإذاً وجود الله وذاته متقدم على كون الجوهر جوهراً، أو السواد سواداً، فيلزم أن لا يكون المعدوم شيئاً وهو المطلوب، ثم أجابوا عن شبهة الخصم بأنا لا نسلم أن الإعدام لا يقع بالفاعل، ولئن سلمنا ذلك، لكن لم يجوز أن يقال المقدور الذي هو معدوم سمي شيئاً، لأجل أنه سيصير شيئاً، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير إليه، لقيام سائر الدلائل الدالة على أن المعدوم ليس بشيء. المسألة الثانية: زعم القاضي أبو بكر في أحد قوليه أن إعدام الأجسام إنما يقع بالفاعل، وهذا اختيار أبي الحسن الخياط من المعتزلة، ومحمود الخوارزمي، وزعم الجمهور منا ومن المعتزلة أنه يستحيل وقوع الإعدام بالفاعل، احتج القاضي بأن الموجودات أشياء، والله على كل شيء قدير، فهو إذاً قادر على الموجودات، فإما أن يكون قادراً على إيجادها وهو محال لأن إيجاد الموجود محال، أو على إعدامها، وذلك يقتضي إمكان وقوع الإعدام بالفاعل

    المسألة الثالثة: زعم الكعبي أنه تعالى غير قادر على مثل مقدور العبد، وزعم أبو علي وأبو هاشم أنه تعالى غير قادر على مقدور العبد، وقال أصحابنا: إنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد وعلى غير مقدوره، واحتجوا عليه بأن عين مقدور العبد ومثل مقدوره شيء، والله على كل شيء قدير، فثبت بهذا صحة وجود مقدور واحد بين قادرين. المسألة الرابعة: زعم أصحابنا أنه لا مؤثر إلا قدرة الله تعالى، وأبطلوا القول بالطبائع على ما يقوله الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات على ما يقوله المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجداً لأفعال نفسه، واحتجوا على الكل بأن الآية دالة على أنه تعالى قادر على كل شيء، فلو وقع شيء من الممكنات لا بقدرة الله بل بشيء آخر، لكان ذلك الآخر قد منع قدرة الله عن التأثير فيما كان مقدوراً له وذلك محال، لأن ما سوى الله ممكن محدث، فيكون أضعف قوة من قدرة الله، والأضعف لا يمكن أن يدفع الأقوى. المسألة الخامسة: هذه الآية دالة على أن الإله تعالى واحد، لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإما أن يقدر على إيجاد شيء أو لا يقدر، فإن لم يقدر ألبتة على إيجاد شيء أصلاً لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كونه مقدوراً للإله الأول لقوله: { وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فيلزم وقوع مخلوق بين خالقين وهو محال، لأنه إذا كان واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما، وغنياً عنهما، وذلك محال. المسألة السادسة: احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء فقال: لو كان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله: { وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لكن كونه قادراً على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئاً، وقال أصحابنا لما دل قوله:
    { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـظ°دةً قُلِ ظ±للَّهِ شَهِيدٌ }
    [الأنعام: 19] على أنه تعالى شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذاً هذه الآية قد دلت على أن العام المخصوص وارد في كتاب الله تعالى، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز بل واقع. المسألة السابعة: زعم جمهور المعتزلة أن الله تعالى قادر على خلق الكذب والجهل والعبث والظلم، وزعم النظام أنه غير قادر عليه، واحتج الجمهور بأن الجهل والكذب أشياء { وَظ±للَّهُ عَلَىظ° كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فوجب كونه تعالى قادراً عليها. المسألة الثامنة: احتج أهل التوحيد على أنه تعالى منزه عن الحيز والجهة، فإنه تعالى لو حصل في حيز دون حيز لكان ذلك الحيز الذي حكم بحصوله فيه متميزاً عن الحيز الذي حكم بأنه غير حاصل فيه، إذ لو لم يتميز أحد الحيزين عن الآخر لاستحال الحكم بأنه تعالى حصل فيه ولم يحصل في الآخر ثم إن امتياز أحد الحيزين عن الآخر في نفسه يقتضي كون الحيز أمراً موجوداً لأن العدم المحض يمتنع أن يكون مشاراً إليه بالحس وأن يكون بعضه متميزاً عن البعض في الحس، وأن يكون مقصداً للمتحرك، فإذن لو كان الله تعالى حاصلاً في حيز لكان ذلك الحيز موجوداً، ولو كان ذلك الحيز موجوداً لكان شيئاً ولكان مقدور الله لقوله تعالى: { وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وإذا كان تحقق ذلك الحيز بقدرة الله وبإيجاده، فيلزم أن يكون الله متقدماً في الوجود على تحقق ذلك الحيز، ومتى كان كذلك كان وجود الله في الأزل محققاً من غير حيز وله جهة أصلاً والأزلي لا يزول ألبتة، فثبت أنه تعالى منزه عن الحيز والمكان أزلاً وأبداً.


    المسألة التاسعة: أنه تعالى قال أولاً: { بِيَدِهِ ظ±لْمُلْكُ } ثم قال بعده: { وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وهذا مشعر بأنه إنما يكون بيده الملك لو ثبت أنه على كل شيء قدير، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه لو وقع مراد العبد ولا يقع مراد الله، لكان ذلك مشعراً بالعجز والضعف، وبأن لا يكون مالك الملك على الإطلاق، فدل ذلك، على أنه لما كان مالك الملك وجب أن يكون قادراً على جميع الأشياء. المسألة العاشرة: القدير مبالغة في القادر، فلما كان قديراً على كل الأشياء وجب أن لا يمنعه ألبتة مانع عن إيجاد شيء من مقدوراته، وهذا يقتضي أن لا يجب لأحد عليه شيء وإلا لكان ذلك الوجوب مانعاً له من الترك وأن لا يقبح منه شيء وإلا لكان ذلك القبح مانعاً له من الفعل، فلا يكون كاملاً في القدرة، فلا يكون قديراً، والله أعلم....

    وقال الالوسي

    وقوله تعالى: { وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تكميل لذلك لأن القرينة الأولى تدل على التصرف التام في الموجودات على مقتضى إرادته سبحانه ومشيئته من غير منازع ولا مدافع لا متصرف فيها غيره عز وجل كما يؤذن به تقديم الظرف، وهذه تدل على القدرة الكاملة الشاملة ولو اقتصر على الأولى لأوهم أن تصرفه تعالى مقصور على تغيير أحوال الملك كما يشاهد من تصرف الملاك المجازي فقرنت بالثانية ليؤذن بأنه عز سلطانه قادر على التصرف وعلى إيجاد الأعيان المتصرف فيها وعلى إيجاد عوارضها الذاتية وغيرها، ومن ثم عقب ذلك بالوصف المتضمن للعوارض، وهذا ما اختاره العلامة الطيبـي.

    وصاحبُ «الكشاف» اختار في القرينة الأولى ما ذكرناه فيها من التخصيص بالموجود فقال ((أي تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الذي بيده الملك على كل موجود لما سمعت، وفي الثانية التخصيص بالمعدوم فقال وهو على كل ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة قدير)) ووجهه على ما في «الكشف» أن الشيء وإن كان عاماً في كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه لكن لما قرن بالقدرة اختص بالمعدوم لاستغناء الموجود عن الفاعل عند جمهور المتكلمين القائلين بأن علة الاحتياج الحدوث، وعليه الزمخشري وأصحابه، وأما عند / القائلين بأن علة الاحتياج الإمكان كالمحققين فلأن الاختيار يستدعي سبق العدم، وجيء بالقرينة الثانية عليه تكميلاً أيضاً لأن الاختصاص بالموجود فيه إيهام نقص.

    واختار صاحب «التقريب» أن قوله تعالى { ظ±لَّذِي بِيَدِهِ ظ±لْمُلْكُ } مطلق وقوله سبحانه { وَهُوَ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } عام لما وضع له الشيء فيكون قد قصد بيان القدرة أولاً وعمومها ثانياً ولم يرتض صنيع الزمخشري ونظر فيه بأن الشيء إما أن يختص بالموجود أو يشمل الموجود والمعدوم وعلى المذهبين فلا وجه لتخصيصه بما لم يوجد مع انضمام كل إليه اللهم إلا أن يقال خصصه به ليغاير ما قبله إذ خصصه بالموجود وفيه أيضاً نظر إذ لو عمم الثاني لتحقق التغاير أيضاً مع أن اليد مجاز عن القدرة فإن تخصصت به كما هو مذهبه تخصص الأول بالمعدوم وإن لم تتخصص لم يتخصص الثاني بالمعدوم، وادعى صاحب «الكشف» سقوطه بما نقلناه عنه واعترض عليه وأجيب بما لا يخلو عن نظر فليتأمل.

    ومن الناس من حمل (الملك) على الموجودات وجعل إليه مجازاً عن القدرة فيكون المعنى في قدرته الموجودة وتعقبه بعضهم بأن فيه ركاكة وأشار إلى أن الخلاص منها إما بجعل اليد مجازاً عن التصرف أو بتفسير الملك بالتصرف. وقيل المراد من كون الملك بيده تعالى أنه عز وجل مالكه فمعنى { بِيَدِهِ ظ±لْمُلْكُ } مالك الملك وفسر الراغب الملك في مثل ذلك ((بضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم)) وشاع تخصيصه بعالم الشهادة ويقابله حينئذ الملكوت وليس بمراد هنا كما لا يخفى.

    قال الرازى

    قوله تعالى: { ظ±لَّذِى خَلَقَ ظ±لْمَوْتَ وَظ±لْحَيَوظ°ةَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في الموت، فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قولهم بأنه تعالى قال: { ظ±لَّذِى خَلَقَ ظ±لْمَوْتَ } والعدم لا يكون مخلوقاً هذا هو التحقيق، ...

    المسألة الثانية: احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: { لِيَبْلُوَكُمْ } قالوا: هذه اللام للغرض ونظيره قوله تعالى:
    { إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
    [الذاريات: 56] وجوابه أن الفعل في نفسه ليس بابتلاء إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي مجازاً، فكذا ههنا، فإنه يشبه الغرض وإن لم يكن في نفسه غرضاً، فذكر فيه حرف الغرض...

    وقال الالوسي

    والموت على ما ذهب الكثير من أهل السنة صفة وجودية تضاد الحياة واستدل على وجوديته بتعلق الخلق به وهو لا يتعلق بالعدمي لأزلية الأعدام. وأما ما روي عن ابن عباس من أنه تعالى: خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء لا تمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيـي فهو أشبه شيء بكلام الصوفية لا يعقل ظاهره، وقيل هو وارد على منهاج التمثيل والتصوير. وذهب القدرية وبعض أهل السنة إلى أنه أمر عدمي هو عدم الحياة عما هي من شأنه وهو المتبادر الأقرب.

    وأجيب عن الاستدلال بالآية بأن الخلق فيها بمعنى التقدير وهو يتعلق بالعدمي كما يتعلق بالوجودي أو أن الموت ليس عدماً مطلقاً صرفاً بل هو عدم شيء مخصوص ومثله يتعلق به الخلق والإيجاد بناء على أنه إعطاء الوجود ولو للغير دون إعطاء الوجود للشيء في نفسه، أو أن الخلق بمعنى الإنشاء والإثبات دون الإيجاد، وهو بهذا المعنى يجري في العدميات، أو أن الكلام على تقدير مضاف أي خلق أسباب الموت، أو أن المراد بخلق الموت والحياة خلق زمان ومدة معينة لهما لا يعلمها إلا الله تعالى، فإيجادهما عبارة عن إيجاد زمانهما مجازاً، ولا يخفى الحال في هذه الاحتمالات.

    قال الرازى

    ظ±لَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَظ°وَظ°تٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىظ° فِي خَلْقِ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ مِن تَفَاوُتٍ فَظ±رْجِعِ ظ±لْبَصَرَ هَلْ تَرَىظ° مِن فُطُورٍ }

    المسألة السادسة: احتج الكعبي بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق الله تعالى، قال: لأنه تعالى نفى التفاوت في خلقه، وليس المراد نفي التفاوت في الصغر والكبر والنقص والعيب فوجب حمله على نفي التفاوت في خلقه من حيث الحكمة، فيدل من هذا الوجه على أن أفعال العباد ليست من خلقه على ما فيها من التفاوت الذي بعضه جهل وبعضه كذب وبعضه سفه، الجواب: بل نحن نحمله على أنه لا تفوت فيه بالنسبة إليه، من حيث إن الكل يصح منه بحسب القدرة والإرادة والداعية، وإنه لا يقبح منه شيء أصلاً، فلم كان حمل الآية على التفاوت من الوجه الذي ذكرتم أولى من حملها على نفي التفاوت من الوجه الذي ذكرناه

    وقال المانريدى

    وقوله: { بِيَدِهِ ظ±لْمُلْكُ }.

    أي: الذي له ملك الملك؛ لأنه قال في موضع آخر:
    { قُلِ ظ±للَّهُمَّ مَالِكَ ظ±لْمُلْكِ }
    [آل عمران: 26] [أي: الذي له الملك]، فذكر اليد هاهنا مكان المالك هناك؛ فامتدح - جل وعلا - بملك الملك وكونه مالكا له.

    والمعتزلة يقولون بأن مِلْكَ مُلْكِ الكفرة ليس له، وأنه لا يولي الملك للكافر، ويقولون في قوله:
    { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ظ±للَّهُ ظ±لْمُلْكَ }
    [البقرة: 258] أن الذي آتاه الله الملك هو إبراهيم - عليه السلام - والهاء تنصرف إليه، لا إلى الذي حاجه، وإذا لم يجعلوا مِلْكَ مُلْكِ الكافر في يده، لم يصر ممتدحا بما ذكرنا؛ لأنه يكون في يده بعض الملك لا كله، وقال في آية أخرى:
    { تُؤْتِي ظ±لْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ظ±لْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ }
    [آل عمران: 26]، وعلى قولهم يصير الملك في يد من لا يشاء؛ لأنه لا يشاء الملك للكافر، ومع ذلك يوجد فيهم الملك.

    ثم ما ينبغي لهم أن يقطعوا القول بأن الله تعالى لا يؤتي الملك للكافر، بل عليهم أن يقولوا: إن كان إيتاء الملك أصلح لهم آتاهم إياه، وإن كان شرّاً لهم لم يؤتهم؛ إذ من مذهبهم أن الله لا يفعل بعبده إلا [ما هو الأصلح] له في الدين والدنيا في حقه، فهذا جملة اعتقادهم، ثم هم لا يعرفون الوجه الذي صار أصلح في كل شيء على الإشارة إليه؛ لأنهم يقولون: في إبقاء إبليس اللعين إلى اليوم المعلوم صلاح، وإن كنا لا نعرف الوجه الذي لأجله صار أصلح، وإفناء الأنبياء والرسل - عليهم السلام - كان أصلح وإن لم نعرف من أي وجه صار أصلح؟! فليقولوا هاهنا بأن إيتاء الملك إن كان أصلح لهم لم يكن له ألا يؤتيهم، وإن كان شرّاً فعليه ألا يؤتيهم؛ لئلا يجعلوا الأمر على النفي.

    ثم الملك اسم عام، وهو عبارة عن نفاذ التدبير والسلطان والولاية، والملك هو أن يكون للمالك خاصة في الشيء، لا يتناول من ذلك الشيء إلا بإذنه، وقد يكون المرء مالكا، وليس بملك، وقد يكون ملكا ليس بمالك، فكل واحد من الوجهين يقتضي معنى [غير ما] يقتضيه الآخر....

    وقوله - عز وجل -: { وَهُوَ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.

    امتدح نفسه تعالى [بأنه على ما يشاء قدير، وذلك من أوصاف ربوبيته أيضاً ومن قول المعتزلة]: إنه على أكثر الأشياء غير قدير؛ لأنهم يجعلون المعدوم شيئاً؛ فشيئية الأشياء كانت بأنفسها لا بإنشاء الله تعالى، ويجعلون ظهورها بالله - تعالى - فقط، وإذا كان كذلك فإنه لم يصر قادرا على شيئية الأشياء، وكذلك ينفون الخلق والقدرة على أفعال العباد.

    ومن قولهم - أيضاً - إن إقدار العبد بيد الله، وإذا أقدر عبداً من عبيده على الهداية، خرجت القدرة من يده؛ فتصير هذه القدرة مستفادة لا ذاتية، وإذا كان كذلك فقد نفوا عنه القدرة عن أكثر الأشياء، فلا يصير هو قادرا على كل شيء، وإنما هو قادر على البعض، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً....

    وقال الرازى


    المسألة الثالثة: اعلم أن منافع النجوم كثيرة، منها أن الله تعالى زين السماء بها، ومنها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء، ولذلك فإنه إذا تكاثف السحاب في الليل عظمت الظلمة، وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها، ومنها أنه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة، فإنها أجسام عظيمة نورانية، فإذا قارنت الشمس كوكباً مسخناً في الصيف، صار الصيف أقوى حراً، وهو مثل نار تضم إلى نار أخرى، فإنه لا شك أن يكون الأثر الحاصل من المجموع أقوى، ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، على ما قال تعالى:
    { وَعَلامَـظ°تٍ وَبِظ±لنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }
    [النحل: 16] ومنها أنه تعالى جعلها رجوماً للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تتسمع لخبر السماء، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء، ورصدت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره ويرتاب الناس بخبره، فهذا هو السبب في انقضاض الشهب، وهو المراد من قوله: { وَجَعَلْنَـظ°هَا رُجُوماً لّلشَّيَـظ°طِينِ } ومن الناس من طعن في هذا من وجوه أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، وإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب وثانيها: أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحداً وألفاً من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شيء مرة ومراراً وألفاً امتنع أن يعود إليه من غير فائدة وثالثها: أنه يقال في ثخن السماء فإنه مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء وخرقوا اتصاله، فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال:
    { فَظ±رْجِعِ ظ±لْبَصَرَ هَلْ تَرَىظ° مِن فُطُورٍ }
    [الملك: 3] وإن كانوا لا ينفذون في جرم السماء، فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم، فلا يسمعوا كلام الملائكة حال كونهم في الأرض ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها في اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها من وحي الله تعالى إليهم، وعلى التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف عليها وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار بل تقويها، فكيف يعقل أن يقال: إن الشياطين زجروا عن استراق السمع بهذه الشهب وسادسها: أنه كان هذا الحذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وسابعها: أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين ولو كانت قريبة من الفلك، لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب،وإذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض، فكيف يقال: إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك وثامنها: أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟ وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب؟.

    والجواب عن السؤال الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لأسباب أخر، إلا أن ذلك لا ينافي أنها بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام قد توجد بسبب آخر وهو دفع الجن وزجرهم. يروى أنه قيل للزهري: أكان يرمى في الجاهلية قال: نعم، قيل: أفرأيت قوله تعالى:
    { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـظ°عِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ظ±لآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً }
    [الجن: 9] قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم. والجواب عن السؤال الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها الحرق لطغيانها وضلالتها، قيض لها من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها، تقدم على العمل المفضي إلى الهلاك والبوار. والجواب عن السؤال الثالث: أن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، فأما ثخن الفلك فلعله لا يكون عظيماً. وأما الجواب عن السؤال الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: " ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا، " قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم» قال عليه الصلاة والسلام: " فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش، ثم سبح أهل السماء، وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش، ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ولا يزال ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون، فما جاءوا به فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه "

    والجواب عن السؤال الخامس: أن النار قد تكون أقوى من نار أخرى، فالأقوى يبطل الأضعف. والجواب عن السؤال السادس: أنه إنما دام لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ببطلان الكهانة، فلو لم يدم هذا العذاب لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسول عن بطلان الكهانة. والجواب عن السؤال السابع: أن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع، فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك الموضع سمعوا كلام الملائكة. والجواب عن السؤال الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. والجواب عن السؤال التاسع: أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهذا ما يتعلق بهذا الباب على سبيل الاختصار والله أعلم. ...
    واحتج أصحابنا على أن النار مخلوقة الآن بهذه الآية، لأن قوله: { وَأَعْتَدْنَا } إخبار عن الماضي.

  2. #692
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    قال الرازى

    أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } وهو سؤال توبيخ، قال الزجاج: وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: احتجت المرجئة على أنه لا يدخل النار أحد إلا الكفار بهذه الآية، قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: كذبنا النذير، وهذا يقتضي أن من لم يكذب الله ورسوله لا يدخل النار، واعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصر لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المحذرة المخوفة، ولا أحد يدخل النار إلا وهو مخالف للدليل غير متمسك بموجبه. المسألة الثانية: احتج القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع بهذه الآية وقالوا: هذه الآية دلت على أنه تعالى إنما عذبهم لأنه أتاهم النذير، وهذا يدل على أنه لو لم يأتهم النذير لما عذبهم

    { وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيغ¤ أَصْحَابِ ظ±لسَّعِيرِ }

    قال الرازى

    المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة الهدى والإضلال بأن قالوا لفظة لو تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره فدلت الآية على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل، لكن لا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة، وأنهم ما كانوا صم الأسماع ولا مجانين، فوجب أن يكون المراد أنه ما كان لهم سمع الهداية ولا عقل الهداية. المسألة الثانية: احتج بهذه الآية من قال: الدين لا يتم إلا بالتعليم فقال: إنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب وتأمله فيما يلقيه المعلم والجواب: أنه إنما قدم السمع لأن المدعو إذا لقي الرسول فأول المراتب أنه يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه، فلما كان السمع مقدماً بهذا السبب على التعقل والتفهم لا جرم قدم عليه في الذكر. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي، ثم قال كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم. المسألة الرابعة: احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية، وقالوا: دلت الآية على أن للسمع مدخلاً في الخلاص عن النار والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل....

    أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ظ±للَّطِيفُ ظ±لْخَبِيرُ }

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن معنى الآية أن من خلق شيئاً لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه، وهذه المقدمة كما أنها مقررة بهذا النص فهي أيضاً مقررة بالدلائل العقلية، وذلك لأن الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك الشيء فإن الغافل عن الشيء يستحيل أن يكون قاصداً إليه، وكما أنه ثبت أن الخالق لا بد وأن يكون عالماً بماهية المخلوق لا بد وأن يكون عالماً بكميته، لأن وقوعه على ذلك المقدار دون ما هو أزيد منه أو أنقص لا بد وأن يكون بقصد الفاعل واختياره، والقصد مسبوق بالعلم فلا بد وأن يكون قد علم ذلك المقدار وأراد إيجاد ذلك المقدار حتى يكون وقوع ذلك المقدار أولى من وقوع ما هو أزيد منه أو أنقص منه، وإلا يلزم أن يكون اختصاص ذلك المقدار بالوقوع دون الأزيد أو الأنقص ترجيحاً لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، فثبت أن من خلق شيئاً فإنه لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق وبكميته وكيفيته، وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن العبد غير موجد لأفعاله من وجهين الوجه الأول: قالوا: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، لكنه غير عالم بتفاصيلها فهو غير موجد لها، بيان الملازمة من وجهين الأول: التمسك بهذه الآية الثاني: أن وقوع عشرة أجزاء من الحركة مثلاً ممكن ووقوع الأزيد منه والأنقص منه أيضاً ممكن، فاختصاص العشرة بالوقوع دون الأزيد ودون الأنقص، لا بد وأن يكون لأجل أن القادر المختار خصه بالإيقاع، وإلا لكان وقوعه دون الأزيد والأنقص وقوعاً للممكن المحدث من غير مرجح، لأن القادر المختار إذا خص تلك العشرة بالإيقاع فلا بد وأن يكون عالماً بأن الواقع عشرة لا أزيد ولا أنقص، فثبت أن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها وأما أنه غير عالم بتفاصيلها فلوجوه أحدها: أن المتكلمين اتفقوا على أن التفاوت بين الحركة السريعة والبطيئة لأجل تخلل السكنات، فالفاعل للحركة البطيئة قد فعل في بعض الأحياز حركة وفي بعضها سكوناً مع أنه لم يخطر ألبتة بباله أنه فعل ههنا حركة وههنا سكوناً وثانيها: أن فاعل حركة لا يعرف عدد أجزاء تلك الحركات إلا إذا عرف عدد الأحياز التي بين مبدأ المسكنة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بأن الجواهر الفردية التي تتسع لها تلك المسافة من أولها إلى آخرها كم هي؟ ومعلوم أن ذلك غير معلوم وثالثها: أن النائم والمغمى عليه قد يتحرك من جنب إلى جنب مع أنه لا يعلم ماهية تلك الحركة ولا كميتها ورابعها: أن عند أبي علي، وأبي هاشم، الفاعل إنما يفعل معنى يقتضي الحصول في الحيز، ثم إن ذلك المعنى الموجب مما لا يخطر ببال أكثر الخلق، فظهر بهذه الدلالة أن العبد غير موجد لأفعاله الوجه الثاني: في التمسك بهذه الآية على أن العبد غير موجد أن نقول: إنه تعالى لما ذكر أنه عالم بالسر والجهر وبكل ما في الصدور قال بعده: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله لو كان تعالى خالقاً لكل ما يفعلونه في السر والجهر، وفي الصدور والقلوب، فإنه لو لم يكن خالقاً لها لم يكن قوله: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } مقتضياً كونه تعالى عالماً بتلك الأشياء، وإذا كان كذلك ثبت أنه تعالى هو الخالق لجميع ما يفعلونه في السر والجهر من أفعال الجوارح ومن أفعال القلوب، فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد: ألا يعلم من خلق الأجسام والعالم الذي خلق الأجسام هو العالم بهذه الأشياء؟ قلنا: إنه لا يلزم من كونه خالقاً لغيره هذه الأشياء كونه عالماً بها، لأن من يكون فاعلاً لشيء لا يجب أن يكون عالماً بشيء آخر، نعم يلزم من كونه خالقاً لها كونه عالماً بها لأن خالق الشيء يجب أن يكون عالماً به...

    المسألة الثانية: الآية تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون { مَنْ خَلَـقَ } في محل الرفع والمنصوب يكون مضمراً والتقدير ألا يعلم من خلق مخلوقه وثانيها: أن يكون من خلق في محل النصب ويكون المرفوع مضمراً، والتقدير ألا يعلم الله من خلق والاحتمال الأول أولى لأن الاحتمال الثاني يفيد كونه تعالى عالماً بذات من هو مخلوقه، ولا يقتضي كونه عالماً بأحوال من هو مخلوقه والمقصود من الآية هذا لا الأول وثالثها: أن تكون { مَنْ } في تقدير ما كما تكون ما في تقدير من في قوله:
    { وَظ±لسَّمَاء وَمَا بَنَـظ°هَا }
    [الشمس: 5] وعلى هذا التقدير تكون ما إشارة إلى ما يسره الخلق وما يجهرونه ويضمرونه في صدورهم وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.

    وقال السمين

    قوله: { مَنْ خَلَقَ }: فيه وجهان، أحدُهما: أنه فاعلُ " يَعْلَمُ " والمفعول محذوفٌ تقديرُه: ألا يعلم الخالقُ خَلْقَه، وهذا هو الذي عليه جمهورُ الناسِ وبه بدأ الزمخشريُّ. والثاني: أنَّ الفاعلَ مضمرٌ يعود على الباري سبحانه وتعالى، و " مَنْ " مفعولٌ به أي: ألا يعلمُ اللَّهُ مَنْ خَلَقَه. قال الشيخ: " والظاهر أن " مَنْ " مفعولٌ، والمعنى: أينتفي علمُه بمَنْ خَلَقَه، وهو الذي لَطَفَ عِلْمُه ودَقَّ " ثم قال: " وأجاز بعضُ النَّحْويين أَنْ يكون " مَنْ " فاعلاً والمفعولُ محذوفٌ، كأنه قال: ألا يعلَم الخالقُ سِرَّكم وجهرَكم، وهو استفهامٌ، معناه الإِنكار ". قلت: وهذا الوجهُ الذي جَعَلَه هو الظاهر يَعْزِيه الناسُ لأهلِ الزَّيْعِ والبِدَعِ الدافِعين لعمومِ الخَلْق لله تعالى.

    وقد أَطْنَبَ مكي في ذلك، وأنكر على القائلِ به ونسبه إلى ما ذكرتُ فقال: " وقد قال بعضُ أهلِ الزَّيْغِ: إن " مَنْ " في موضع نصبٍ اسمٌ للمُسِرِّين والجاهرين لَيُخْرَجَ الكلامُ عن عمومِه ويُدْفَعَ عمومُ الخَلْقِ عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلمُ ما خلق لأنه إنما تقدَّم ذِكْرُ ما تُكِنُّ الصدورُ فهو في موضعِ " ما " ولو أَتَتْ " ما " في موضعِ " مَنْ " لكان فيه أيضاً بيانُ العموم: أنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ شيءٍ مِنْ أقوال الخلقِ أَسَرُّوها أو أظهرُها خيراً كانَتْ أو شرّاً، ويُقَوِّي ذلك { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ظ±لصُّدُورِ } ، ولم يقلْ: عليمٌ بالمُسِرِّين والمجاهرين وتكون " ما " في موضع نصب، وإنما يُخْرِجُ الآيةَ مِنْ هذا العموم إذا جَعَلْتَ " مَنْ " في موضعِ نصبٍ اسماً للأُناسِ المخاطبين قَبْلَ هذه الآيةِ، وقوله: " بذات الصدورِ " يمنعُ مِنْ ذلك " انتهى. ولا أَدْري كيف يَلْزَمُ ما قاله مكيٌّ بالإِعرابِ الذي ذكره والمعنى الذي أبداه؟ وقد قال بهذا القولِ أعني الإِعرابَ الثاني جماعةٌ من المحققين ولم يُبالوا بما ذكرَه لعَدَمِ إفهامِ الآية إياه.

    وقال الزمخشري بعد كلامٍ ذكرَه: " ثم أنكر ألاَّ يُحيط علماً بالمُضْمَر والمُسَرِّ والمُجْهَرِ مَنْ خلق الأشياء، وحالُه أنه/ اللطيفُ الخبيرُ المتوصِّلُ عِلْمُه إلى ما ظَهَر وما بَطَن. ويجوز أَنْ يكون " مَنْ خَلَقَ " منصوباً بمعنى: ألا يعلَمُ مَخْلوقَه، وهذه حالُه " ثم قال: " فإنْ قلتَ: قَدَّرْتَ في " ألا يَعْلَمُ " مفعولاً على معنى: ألا يعلمُ ذلك المذكورَ مِمَّا أُضْمِر في القلب وأُظْهِر باللسان مَنْ خلق؟ فهلا جَعَلْتَه مثلَ قولِهم: " هو يُعْطي ويمنع " ، وهلا كان المعنى: ألا يكونُ عالماً مَنْ هو خالقٌ لأن الخالقَ لا يَصِحُّ إلاَّ مع العِلْم؟ قلت: أبَتْ ذلك الحالُ التي هي قولُه: { وَهُوَ ظ±للَّطِيفُ ظ±لْخَبِيرُ } لأنَّك لو قلتَ: ألا يكون عالماً مَنْ هو خالقٌ وهو اللطيفُ الخبيرُ لم يكن معنى صحيحاً؛ لأنَّ " ألا يَعْلَمُ " معتمِدٌ على الحالِ والشيءُ لا يُوَقَّتُ بنفسِهِ، فلا يقال: " ألا يعلَمُ وهو عالمٌ، ولكن ألا يعلم كذا، وهو عالمٌ بكلِّ شيءٍ

    وقال ابن عطية

    اختلف الناس في إعراب: { من } ، فقال بعض النحاة: إعرابها رفع، كأنه قال: ألا يعلم الخالق خلقه؟ فالمفعول على هذا محذوف، وقال قوم: إعرابها نصب، كأنه قال ألا يعلم الله من خلق؟ قال مكي: وتعلق أهل الزيغ بهذا التأويل لأنه يعطي أن الذين خلقهم الله هم العباد من حيث قال { من } فتخرج الأعمال عن ذلك، لأن المعتزلة تقول: العباد يخلقون أعمالهم.

    قال القاضي أبو محمد: وتعلقهم بهذا التأويل ضعيف، والكلام مع المعتزلة في مسالة خلق الأعمال مأخذه غير هذا، لأن هذه الآية حجة فيها لهم ولا عليهم،

    وقال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِظ±لْغَيْبِ }.

    يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه.

    وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: { يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِظ±لْغَيْبِ } أي: يخشون الله - تعالى - أن يعذبهم.

    أو أن يخشوه فيما أوعدهم.

    ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله تعالى، لكنهم يتفاوتون في الخشية.

    ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحداً، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله تعالى؛ لما رأى من كثرة نعم الله تعالى وغفلته عن حقوق تلك النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله تعالى عليها، وقد عرف كل [مؤمن تقصيره] في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، وعرفه متفضلاً عفوّاً غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكراً لغفلته فهو أقل خشية؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعاً ويتيقنون بحلوله، لكنهم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة.

    ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفاً راجياً، والراجي: هو الذي يطلب، والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئاً يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب.

    ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟!

    واستدل على صحة ما ذكر بقوله - تعالى -:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ وَظ±لَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَظ°هَدُواْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ أُوْلغ¤ـظ°ئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ظ±للَّهِ }
    [البقرة: 218]، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته، وقال - تعالى -:
    { وَظ±لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ }
    [المؤمنون: 60]، فقيل: يا رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟! فقال: " بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة " ، وقال - تعالى -:
    { إِلاَّ لِمَنِ ظ±رْتَضَىظ° وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }
    [الأنبياء: 28].

    فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براجٍ ولكنه متمنٍّ، وتبين أنه غير خائف في الحقيقة.

    ثم المعتزلة لا يخافون الله تعالى ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله - تعالى - ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس لله - تعالى - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله تعالى، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله تعالى وفضله، ولا بذلك وصف الله تعالى المؤمنين في كتابه، ولأن الله تعالى أثنى على الذين يدعونه؛ خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله تعالى؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جُرْ عليَّ، وذلك عظيم، وإن كان صاحب صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه - تعالى - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائراً، فإذا خاف عذابه حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله تعالى؛ ليجور عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها؛ فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه...

    وقوله - عز وجل -: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ }.

    تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى الله تعالى دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق { وَهُوَ ظ±للَّطِيفُ ظ±لْخَبِيرُ } ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.

    وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف { مَنْ } لا يرجع إلى الله تعالى، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم الله تعالى فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف { مَنْ } يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.

    وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: { مَنْ خَلَقَ } راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم يكن الله تعالى خالقا لما يهجر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتج به على عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } مذكور على أثر قوله: { وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ظ±جْهَرُواْ بِهِ } ، وقوله: { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ظ±لصُّدُورِ } أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله تعالى، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه.

    ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله الموفق.

  3. #693
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    قال الالوسي

    { ءَأَمَنْتُمْ مَّن فِى ظ±لسَّمَاء } وهو الله عز وجل كما ذهب إليه غير واحد، فقيل على تأويل من في السماء أمره سبحانه وقضاؤه يعني أنه من التجوز في الإسناد أو أن فيه مضافاً مقدراً وأصله من في السماء أمره فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر. وقيل على تقدير خالق من في السماء وقيل في بمعنى على ويراد العلو بالقهر والقدرة، وقيل هو مبني على زعم العرب حيث كانوا يزعمون أنه سبحانه في السماء فكأنه قيل أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان، وهذا في غاية السخافة فكيف يناسب بناء الكلام في مثل هذا المقام على زعم بعض زعم الجهلة كما لا يخفى على المنصف، أو هو غيره عز شأنه وإليه ذهب بعضهم فقيل أريد بالموصول الملائكة عليهم السلام الموكلون بتدبير هذا العالم، وقيل جبريل عليه السلام وهو الملك الموكل بالخسف. وأئمة السلف لم يذهبوا إلى غيره تعالى والآية عندهم من المتشابه وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " آمنوا بمتشابهه " ولم يقل أولوه فهم مؤمنون بأنه عز وجل في السماء على المعنى الذي أراده سبحانه مع كمال التنزيه وحديث الجارية من أقوى الأدلة لهم في هذا الباب وتأويله بما أول به الخلف خروج عن دائرة الإنصاف عند أولي الألباب.

    وفي «فتح الباري» للحافظ ابن حجر أسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير. وأسند البيهقي بسند صحيح عن أحمد بن أبـي الحواري عن سفيان بن عيينة كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه، وهذه طريقة / الشافعي وأحمد بن حنبل. وقال إمام الحرمين في «الرسالة النظامية» اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله عز وجل. والذي نرتضيه رأياً وندين الله تعالى به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع انتهى كلام الإمام. وقد تقدم النقل في ذلك عن أهل العصر الثالث وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الأئمة فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام انتهى كلام الحافظ على وجه الاختصار.

    ونقل نصوص الأئمة في إجراء ذلك على الظاهر مع التنزيه من غير تأويل يفضي إلى مزيد بسط وتطويل وقد ألفت فيه كتب معتبرة مطولة ومختصرة.

    وفي «تنبيه العقول» لشيخ مشايخنا إبراهيم الكوراني أن إجماع القرون الثلاثة على إجراء المتشابهات على مواردها مع التنزيه بليس كمثله شيء دليل على أن الشارع صلوات الله تعالى وسلامه عليه أراد بها ظواهرها والجزم بصدقه صلى الله عليه وسلم دليل على عدم المعارض العقلي الدال على نقيض ما دل عليه الدليل النقلي في نفس الأمر وإن توهمه العاقل في طور النظر والفكر فمعرفة الله تعالى بهذا النحو من الصفات طور وراء ذلك انتهى.

    وأنا أقول: في التأويل اتباع الظن وقول في الله عز وجل بغير علم وإلا لاتحد ما يذكرونه من المعنى فيه مع أن الأمر ليس كذلك حيث يذكرون في تأويل شيء واحد وجوهاً من الاحتمالات وفيما عليه السلف سلامة من ذلك ويكفي هذا في كونه أحسن المسالك:
    وما علي إذا ما قلت معتقدي دع الجهول يظن الجهل عدوانا

    وقال الرازى

    واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله: { ءامِنتم مَّن فِى ظ±لسَّمَاء } ، والجواب عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين، لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطاً به من جميع الجوانب، فيكون أصغر من السماء، والسماء أصغر من العرش بكثير، فيلزم أن يكون الله تعالى شيئاً حقيراً بالنسبة إلى العرش، وذلك باتفاق أهل الإسلام محال، ولأنه تعالى قال:
    { قُل لّمَن مَّا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ قُل لِلَّهِ }
    [الأنعام: 12] فلو كان الله في السماء لوجب أن يكون مالكاً لنفسه وهذا محال، فعلمنا أن هذه الآية يجب صرفها عن ظاهرها إلى التأويل، ثم فيه وجوه: أحدها: لم لا يجوزأن يكون تقدير الآية: أأمنتم من في السماء عذابه، وذلك لأن عادة الله تعالى جارية، بأنه إنما ينزل البلاء على من يكفر بالله ويعصيه من السماء فالسماء موضع عذابه تعالى، كما أنه موضع نزول رحمته ونعمته وثانيها: قال أبو مسلم: كانت العرب مقرين بوجود الإله، لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة، فكأنه تعالى قال لهم: أتأمنون من قد أقررتم بأنه في السماء، واعترفتم له بالقدرة على ما يشاء أن يخسف بكم الأرض وثالثها: تقدير الآية: من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال:
    { وَهُوَ ظ±للَّهُ فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَفِى ظ±لأَرْضِ }
    [الأنعام: 3] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، فوجب أن يكون المراد من كونه في السموات وفي الأرض نفاذ أمره وقدرته، وجريان مشيئته في السموات وفي الأرض، فكذا ههنا ورابعها: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: { مَّن فِى ظ±لسَّمَاء } الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريل عليه السلام، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه.

    قال الرازى

    . ثم قال تعالى: { ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه، وههنا سؤالان: السؤال الأول: هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله، قلنا: نعم، وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير. ثم إنه تعالى قال: { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. السؤال الثاني: أنه تعالى قال في النحل [79]:
    { أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىظ° ظ±لطَّيْرِ مُسَخَّرظ°تٍ فِى جَوّ ظ±لسَّمَآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ظ±للَّهُ }
    وقال ههنا: { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } فما الفرق؟ قلنا: ذكر في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية، وذكر ههنا أنها صافات وقابضات، فكان إلهامها إلى كيفية البسط، والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن. ثم قال تعالى: { إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ } وفيه وجهان الوجه الأول: المراد من البصير، كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان بصر في هذا الأمر، أي حذق والوجه الثاني: أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول: إنه تعالى شيء، والله بكل شيء بصير، فيكون رائياً لنفسه ولجميع الموجودات، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه تعالى يصح أن يكون مرئياً وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إن كان عالماً به، قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات، بصير بالمبصرات.

    ملجوظة

    سبحان من يمسك السماء والطير بلا واسطة وهذا سر تعلق القدرة بالمقدور بعد الايجاد

    وقال الماتريدى

    ثم في هذه الآية إنباء: أن لله تعالى في أفعال الطير صنعا وتدبيرا على ما يشاء؛ لأن الفعل الذي يوجد من الطائر الطيران إذا طار والوقوف إذا قبض، ثم أضاف فعل الإمساك؛ وكل ذلك إلى نفسه.

    وذكر عن جعفر بن حرب في قوله:
    { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ظ±للَّهُ }
    [النحل: 79]: أن الإمساك كناية عن التعليم وعبارة عنه؛ لأنه قد يعبر بالإمساك عن التعليم؛ يقول الرجل لآخر فيما يعلم الرماية: أمسكت على يده حتى رمى، فيريد به، أي: توليت تعليمه الرماية، فقوله: { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } أي: ما يعلم إمساكهن وقت الطيران إلا الله تعالى؛ وكذلك وقت القبض.

    والجواب عن هذا أن القائل يقول: (أمسكت على يده حتى رمَى)، إنما يستجيز إطلاق هذا اللفظ من نفسه إذا وجد منه فعل الإمساك في وقت ما يهم الرامي بالرمي، وأما إذا لم يوجد منه في ذلك الوقت فعل الإمساك، لم يستقم أن يقال: أمسكت على يده، وإن كان هو الذي علمه الرمي؛ ألا ترى أن من علم آخر الخياطة حتى اهتدى الخياطة إذا خاط ثوباً، لم يستجز أستاذه أن يقول: أنا الذي خطته، وإن كان هو الذي علمه الخياطة؛ وكذلك من بنى بناء، لم يستقم من أستاذه أن يضيف فعل البناء إلى نفسه؛ فيقول: أنا الذي بنيته، ويريد به: أنا الذي علمته، وإذا لم يستقم هذا، بطل أن يضاف فعل الإمساك إلى الله تعالى، ولا فعل له في ذلك سوى التعليم، فلو كانت الإضافة إليه من حيث التعليم، لجاز أن ينسب إليه فعل الخياطة وفعل البناء والحياكة، فيقال: خائط وبانٍ وحائك؛ لأنه هو الذي علم، وإذا بطل أن ينسب إليه ما ذكرنا من الأفعال وإن كان هو الذي علم الخلق، بطل أن ينسب إليه فعل الإمساك من حيث التعليم، والله الموفق.

    واحتج جعفر بن حرب - أيضا - في نفي الفعل عن الله تعالى، فقال: إن الله - تعالى - لم يقل: ما خلق طيرانهن إلا الله ولا خلق القبض إلا الله، وإنما قال: { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } ، فثبت أنه لا صنع له في الإمساك، وبان أن الذي أضيف إليه من الإمساك هو على الوجه الذي ذكرنا.

    فالجواب عن هذا: أن الأمة فهمت من قوله: { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ } ما يفهم من قوله: ما خلق طيرانهن وقبضهن إلا الله؛ إذ هو يقتضي ما يقتضيه ذكر الخلق، وإذا كان كذلك، فلا فرق بين أن يضيف الخلق نفسه، وبين أن يضيف فعل الإمساك، ثم لو ذكر الخلق مكان الإمساك، أمكن [جعفرا أن يتأول] في الخلق ما تأول في الإمساك، فيقول: معنى قوله: خلق طيرانهن، أي: علم طيرانهن، وقوَّاهن على الأسباب التي بها تطير، فلا يتهيأ لله تعالى على قوله أن يثبت لخلقه و [لا] يقرر عندهم خلق شيء من الأشياء.

    ثم الأصل أن الآيات المذكورة في القرآن إنما ذكرت لإثبات أوجه خمسة:

    أحدها: في تثبيت القدرة على البعث، وهي لا تثبت القدرة، ولا توجب القول بالبعث على قول المعتزلة؛ وذلك أن الله تعالى احتج في تثبيت القدرة على البعث بقدرته على ابتداء الخلق، فقال:
    { أَوَلَمْ يَرَ ظ±لإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ }
    [يس: 77]، وقال:
    { وَهُوَ ظ±لَّذِي يَبْدَؤُاْ ظ±لْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }
    [الروم: 27]، [فاحتج بأمر الابتداء] على تثبيت القدرة على الإعادة، [وليس فيه ما يثبت القدرة على الإعادة] عندهم؛ لأنهم نفوا خلق الأفعال عن الله تعالى مع إقرارهم أن الله تعالى هو الذي ابتدأ الخلائق، وهو الذي أنشأهم، ولم يكن في إثبات القدرة على خلق الأعيان إثبات قدرة منه على خلق الأفعال، وإن كان خلق الأفعال دون خلق الأنفس، فكيف ذكر قدرته على ابتداء الخلق على تثبيت القدرة على الإعادة، وإن كان أمر الإعادة أيسر من الابتداء، مع أن آثار الخلق في أفعال العباد وإثبات التدبير فيها أوجد منه في أمر البعث؛ وذلك أنك تجد من الأفعال أفعالا هي مؤذية لأهلها متعبة مؤلمة، ومعلوم بأن قصد أربابها أن يتلذذوا بها ويتمتعوا بها؛ فثبت أن لغيرهم فيها تدبيرا وصنعا حتى صارت كذلك؛ ولأنه يوجد في أفعالهم أحوال لا تبلغها أوهامهم ولا تقدرها عقولهم؛ لأن الفعل يأخذ من الجو والمكان والوقت ما لا تقدره الأوهام ولا تبلغه العقول؛ فثبت أن لغيره فيه صنعا وتدبيرا؛ ولأن فعله يخرج على قبيح وحسن، لا [يبلغ علم] فاعله أنه يبلغ في الحسن والقبح ذلك المبلغ، وينتهي في الحسن مبلغا لو أراد أن يخرج على ذلك الحد في المرة الثانية لم يخرج كذلك، فكل ما ذكرنا يبين أن جميع أفعالهم على ما هي عليه ليست لهم، ثم مع ذلك أنكروا أن تكون الأفعال من جهة الخلق لله تعالى، ولم يظهر شيء من أمارات البعث ولا وجد فيه التدبير؛ فصارت الكفرة في إنكارهم أمر البعث أعذر من المعتزلة في إنكارهم خلق الأفعال، ولم يوجب القول بالقدرة على ابتداء الخلق قولا بالقدرة على إنشاء البعث والإعادة بعد الإفناء؛ فثبت أن ليس في الآيات التي جعلها الله تعالى دلالة إثبات البعث على قولهم.

    والوجه الثاني: في تثبيت الوحدانية، وجعل دليل وحدانيته توحده بخلق الأشياء وتفرده بإنشائها؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -:
    { أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ }
    [الرعد: 16]، وقال:
    { وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـظ°هٍ بِمَا خَلَقَ }
    [المؤمنون: 91]، وعلى قول المعتزلة: هو غير متوحد بخلق الأشياء، بل أكثر خلق الأشياء كان بالعباد لا بالله تعالى، وإذا لم يوجد منه التوحد والتفرد بخلق الأشياء ارتفع وجه الاستدلال من هذا الوجه على معرفة الصانع ووحدانيته، وإذا كان كذلك، لم تثبت وحدانية الله تعالى - على قولهم - من الوجه الذي جعله دليل الإثبات.

    والوجه الثالث: وهو أن الآيات ذكرت في إثبات حكمة الله تعالى، وجعل دليل حكمته خلق السماوات والأرضين وغيرهما من الأشياء، ونحن إنما عرفنا خلق السماوات والأرضين بما شاهدناهما مجتمعين، والاجتماع حادث فيهما، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث، والحادث لا بد له من محدث، ولولا ذلك لم نعرفه ولا يثبت لنا خلقهما، وعلى قول المعتزلة: الجمع والتفريق لا يدل على الخلق؛ لأن كل من له القوة يقدر على جمع الأشياء وتفريقها، والاجتماع والتفريق فعل الجامع والمفرق؛ لقولهم بالمتوالدات، فمن استحكمت قوته أمكنه جميع الأشياء؛ لقوته ومن ضعفت قوته جَمَعَ على قدر ما ينتهي إليه قوته، وإذا كان كذلك لم يتبين عند الخلائق على قولهم: إن الله - تعالى - هو الذي خلق السماوات والأرضين؛ إذ خلقهما لا يعرف إلا من الوجه الذي ذكرنا؛ وذلك مما [لا] يجوز تحققه إلا بالله تعالى.

    وجائز أن يكون الله تعالى أقدر ملكا من ملائكته وقواه على خلق السماوات والأرض، وإذا كان كذلك لم يظهر بما ذكرنا: أن الله تعالى هو الخالق لهما؛ فبطل أن يكون في خلق السماوات والأرضين وفي خلق سائر الأشياء - دلالة حكمته وقدرته ووحدانيته، وقد جعل الله تعالى خلقهما دلالة لهذه الأوجه التي ذكرناها.

    والثاني: أنه جعل إتقان الأشياء وإحكامها علما لحكمته، وقد يقع الإتقان والإحكام للأشياء لا به، ثم لم يجعل الله - تعالى - لشيء مما أتقن وأحكم علما يتميز من بين ما أتقنه غيره وأحكمه، فصار الإتقان والإحكام غير دال على حكمته، بل صار دليلا على عجزه وضعفه، حيث لم يتهيأ له تمييز ما صار به متقنا وما بغيره صار كذلك؛ ولأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه ويتبين ما له مما ليس له، ومن قولهم: إن الله تعالى أعطى الكافر قوة الإيمان، ولم يبق في خزائنه ما جعل سببا يتوصل به إلى الإيمان إلا وقد أعطاه، مع علمه أنه لا يؤمن به، وهذا من أعظم الجهل وأبين السفه في الشاهد؛ لأن المرء إذا قام بسقي أرض وعمارتها بالكِرَاب والبنيان وألقى البذر فيها مع علمه أنها لا تنبت شيئاً عد ذلك منه سفهاً وجهلاً، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها حكيماً، وقال - تعالى -:

    { ظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لْمَوْتَ وَظ±لْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }
    [الملك: 2]، وعلى قول المعتزلة: قد خلق غيره الحياة والموت جميعاً؛ لأن القتيل ميت بالاتفاق، ثم لا يجعل أهل الاعتزال لله - تعالى - في موته صنعاً، ويزعمون أنه مات قبل أجله، فإذا قدر غيره على الإماتة، ويقدر غيره أيضاً على الإحياء بالأسباب؛ لأنه يسقي الأرض والزرع ويكون في سقيه إحياؤها، فلم يتفرد هو بخلق الموت ولا بالحياة على قولهم، بل شركه غيره في خلق الأشياء، فيبطل امتداحه - على قولهم - نفسه بأنه خالق الأشياء.

    والوجه الرابع: أنه احتج بعلمه بأفعال الخلق بخلقه تلك الأفعال، وذلك قوله:
    { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ }
    [الملك: 14]، وهم قد نفوا الخلق عن الأفعال، وإذا انتفى لم يقع له بها علم؛ فصارت الآيات التي فيها إثبات العلم لا تثبت علما على قولهم، ويكون فيه كذب في الخبر، تعالى الله عن ذلك.

    والوجه الخامس: أنه سمى نفسه: محسنا منعما، وأثبت إحسانه وإنعامه بآيات احتج بها على خلقه، وما من نعمة أنعم بها على العباد إلا وقد كانوا لها مستوجبين على الله تعالى؛ فيصير الله تعالى بإعطائهم ذلك قاضيا ما عليه من الحق بالنعمة، ومن قضى آخر حقّاً كان [عليه] لم يصر به منعما مفضلا، وإنما صار قاضي حق، فصارت الآيات التي فيها إثبات النعم غير مثبتة على قولهم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

    ملحوظة

    ربما المانريدى يكون قاسيا فى بعض العبارات علي المعتزلة

    قال ابن كثير

    ثم قال تعالى { أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىظ° وَجْهِهِ أَهْدَىظ° أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِرَظ°طٍ مُّسْتَقِيمٍ }؟ وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه، كمثل من يمشي مكباً على وجهه، أي يمشي منحنياً، لا مستوياً، على وجهه، أي لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب؟ بل تائه حائر ضال، أهذا أهدى { أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً } أي منتصب القامة { عَلَىظ° صِرَظ°طٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي على طريق واضح بين، وهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سوياً على صراط مستقيم، مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر، فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم.
    { ظ±حْشُرُواْ ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَظ°جَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ظ±للَّهِ فَظ±هْدُوهُمْ إِلَىظ° صِرَظ°طِ ظ±لْجَحِيمِ }
    الصافات 22 ــــ 23 الآيات. أزواجهم أشباههم. قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نفيع، قال سمعت أنس بن مالك يقول قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال " أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادراً على أن يمشيهم على وجوههم؟ " وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق يونس بن محمد عن شيبان عن قتادة عن أنس به نحوه.

    قال الرازى

    اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانات أولاً ثم بصفات الإنسان ثانياً وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثاً وهو قوله: { هُوَ ظ±لَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ظ±لأَرْضِ } واحتج المتكلمون بهذه الآية على أن الإنسان ليس هو الجوهر المجرد عن التحيز والكمية على ما يقوله الفلاسفة وجماعة من المسلمين لأنه قال: { قُلْ هُوَ ظ±لَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ظ±لأَرْضِ } فبين أنه ذرأ الإنسان في الأرض، وهذا يقتضي كون الإنسان متحيزاً جسماً، واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر والنشر ليثبت ما ادعاه من الابتلاء في قوله:
    { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْغَفُورُ }
    [الملك: 2] ثم لأجل إثبات هذا المطلوب، ذكر وجوهاً من الدلائل على قدرته، ثم ختمها بقوله: { قُلْ هُوَ ظ±لَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ظ±لأَرْضِ } ولما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة لا جرم قال بعده: { وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فبين بهذا أن جميع ما تقدم ذكره من الدلائل إنما كان لإثبات هذا المطلوب.

    قال المانريدى


    وأما وجه تعاليه عن الأشباه والأشكال: هو أنه أنشأ الخلق في أظلم مكان وأضيقه كان فيه إبانة أنه لا يوصف بالكون في ذلك المكان الذي ظهر فيه آثار فعله؛ لأنه في وقت ما خلق عمرا في بطن أمه، فقد خلق زيدا في ذلك الوقت في بطن أمه، وخلق خلائق في بطون الأنعام والسباع وبطون بنات آدم، وأنشأ النبات في الأرضين في ذلك الوقت، ولو كان يوصف بالكون في مكان الفعل، لكان إذا أخذ في خلق هذا لا يخلق في ذلك الوقت في أقطار الأرض أمثاله من الخلائق؛ فدل أن الفعل ليس يتحصل منه بشهوده المكان الذي ظهر فيه فعله، وإنما يكون بما [ظهر لنا بمقتضى] قوله:
    { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    [النحل: 40].

    وأما سائر الفَعَلة فهم لا يتمكنون من الفعل إلا بشهودهم مكان الفعل؛ فهذا الذي ذكرناه ينفي عنه شبه الخلق، ويوجب تعاليه عن الأشكال، وفيه تذكير نعمه ومننه على خلقه؛ ألا ترى أنه قال على أثر هذا: { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }؟!

    ولو لم يكن منعماً مُفْضِلاً، لم يكن يستأدي منهم الشكر.

    ووجه النعمة: هو أنه قدره في تلك الظلمات وصانه عن الآفات، وعن كل أنواع الأذى، وغذاه في ذلك الموضع بما شاء من الأغذية، وستره عن أبصار الناظرين، وغيبه عن أعينهم؛ لأنه في تلك الحال بالمحل الذي يستعاف ويستقذر منه، ولا يمكن أن يدفع عنه المعنى الذي وقعت به الاستعافة والاستقذار بالتطهير، وأنشأ له السمع والبصر والفؤاد؛ ليصل بها إلى أنواع العلوم والمصالح؛ فلزمهم أن يقوموا بشكر ذلك.

    وفيما ذكرنا نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يزعمون أن الله تعالى لو خلقهم على غير الوجه الذي ظهر، لكان جائراً؛ لأن من مذهبهم: أنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم، وإذا كان خلقهم هو الأصلح، ومن شرطه فعل الأصلح، فإذن هو صار قاضي حق، وليس لقاضي الحق على المقضي موضع منة، ولا منه بمكانة ولا نعمة يلزمه شكرها له.

  4. #694
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    قال الماتريدى

    في] قوله: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ظ±للَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا } دلالة أن لله تعالى أن يعذب على الصغائر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من سبقه من الأنبياء - عليهم السلام - قد عصموا عن ارتكاب الكبائر؛ فلا يجوز أن يرتكبوا الكبائر فيهلكوا لأجلها؛ فثبت أنهم لو أهلكوا لأهلكوا بالصغائر، فلو لم يكن لله - تعالى - أن يعذب أهل الصغائر، لصار هو بإهلاكه إياه بمن معه جائرا ظالما، وجل الله تعالى عن الوصف بالجور، وقال - تعالى -:
    { لِّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ }
    [الفتح: 2]، ولو لم يكن لله - تعالى - أن يعذب على الصغائر أحداً، لم يكن له على رسوله صلى الله عليه وسلم موضع الامتنان بما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

    ثم الحق أن يقال: إن جميع الخوارج والمعتزلة لا يجوز أن يغفر الله تعالى لهم؛ لارتكابهم الكبائر، وإنما هذا الرجاء الذي ذكرنا لغيرهم من منتحلي الإسلام؛ لأنهم يقولون: لا يجوز أن يغفر الله تعالى لأهل الكبائر، ولا أن يتطول عليهم بالعفو، بل حق أمثالهم أن يخلدوا في النار أبد الآبدين، وإذا كان هذا هو الحكم فيهم، فالله تعالى إن غفر لهم ومن عليهم بالعفو، وقع عندهم أنه إنما عفا عنهم؛ لأن الذين ارتكبوا من المآثم لم تكن كبائر بل كانت صغائر؛ إذ لا يجوز المغفرة عن الكبائر؛ فيحصل العفو في غير موضعه والإحسان في غير موقعه، وأما غيرهم من منتحلي الإسلام فهم يرجون عفوه وسعة رحمته في كل آثامهم، فإذا تفضل عليهم بالمغفرة وقع العفو عندهم موقعه؛ فلا يكون فيه تضييع الإحسان، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.

  5. #695
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    سورة القلم

    قال الرازى

    والقول الثاني: وهو قول مجاهد ومقاتل والكلبي، إنه غير مقدر عليك بسبب المنة، قالت المعتزلة في تقرير هذا الوجه: إنه غير ممنون عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء، والقول الأول أشبه لأن وصفه بأنه أجر يفيد أنه لا منة فيه فالحمل على هذا الوجه يكون كالتكرير، ثم اختلفوا في أن هذا الأجر على أي شيء حصل؟ قال قوم معناه: إن لك على احتمال هذا الطعن والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً، وقال آخرون: المراد إن لك في إظهار النبوة والمعجزات، في دعاء الخلق إلى الله، وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم، فلا تمنعك نسبتها إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم، فإن لك بسببه المنزلة العالية عند الله. ...

    قال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَلاَ يَسْتَثْنُونَ }.

    قيل: أي: لا يقولون: إن شاء الله، وقيل: لا يقولون: سبحان الله، فإن كان على هذا، ففيه أن التسبيح كان مستعملا في موضع الاستثناء، وقد يجوز أن يؤدي معنى الاستثناء؛ لأن في التسبيح تنزيه الرب تعالى، وفي الاستثناء معنى التنزيه؛ لأن فيه إقرارا أن الله تعالى هو المغير للأشياء والمبدل لها.

    ثم أصحاب الجنة بقسمهم قصدوا قصدا يلحقهم العصيان فيه، وكان عهدهم الذي عاهدوا عليه معصية وعوتبوا بتركهم الاستثناء، ففيه دلالة أن الله تعالى يوصف بالمشيئة، لفعل المعاصي ممن يعلم أنه يختارها؛ لأنه لو لم يوصف به، لم يكن لمعاتبته إياهم بتركهم الاستثناء معنى؛ إذ لا يجوز استعمال الاستثناء فيما لا يجوز أن يوصف به الرب جل وعز، ألا ترى [أنه] لا يستقيم أن يقال: إن شاء الله جار وإن لم يشأ لم يجر، وإن شاء ضل وإن شاء لم يضل، وإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، فلو لم يوصف أيضاً بإضلال من يعلم منه أنه يؤثر الضلالة، لم يجز أن يلاموا على ترك الاستثناء، ولا مدخل للاستثناء فيه، والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله:

    { مَن يَشَإِ ظ±للَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىظ° صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
    [الأنعام: 39]؛ فتبين أنه يشاء إضلال من ذكرنا.

    وفيه دلالة أن خلق الشيء غير ذلك الشيء؛ لأنه يستقيم أن يوصف الله تعالى بالإضلال، ولا [يجوز أن] يوصف بالضلال وإن كان الإضلال خلقاً له، ويوصف أنه المحيي والمميت، ولا يستقيم أن يقال: إن شاء حيا وإن شاء مات، وإن كان هو الذي خلقهما....

    ملحوظة

    باب الاستثناء فى اليمين فقهيا استدل به اهل السنة علي مخالفة الامر الارادة

    قال المانريدى

    وقوله: { قَادِرِينَ }.

    أي: قادرون عليها في أنفسهم.

    ولقائل أن يقول بأن في هذه الآية دلالة تقدم القدرة على الفعل؛ لأنه أثبت لهم القدرة قبل الفعل، ولكن هذه القدرة ليست هذه قدرة الأفعال، وإنما هي قدرة الأسباب والأحوال....

  6. #696
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    قال المانريدى

    ثم قوله: { أَفَنَجْعَلُ ظ±لْمُسْلِمِينَ كَظ±لْمُجْرِمِينَ }.

    يستقيم أن يجعل هذا جوابا للفريقين: لمن ينكر البعث، ولمن يزعم أنه شريك أهل الإسلام في الدار الآخرة فيما يكرمون من النعيم.

    فمن أنكر البعث، فالاحتجاج عليه بهذه الآية هو أن العقل يوجب التفرقة بين الولي وبين العدو [والكفور] والشكور، فأنتم إذا أنكرتم البعث، فقد زعمتم على [الله تعالى أنه] يجعل المسلمين كالمجرمين والكفور كالشكور والعدو كالولي، ومن فعل هذا فهو سفيه لا يصلح أن يكون حكيما، ففي إنكار البعث تحقيق السفه وإثبات الجور؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي وبين العدو في الجزاء.

    ومن ادعى الوجه الآخر، وهو التسوية بين الفريقين؛ لما تساويا في منافع الدنيا ومضارها وفي لذاتها وشدائدها وبلياتها، فعلى ذلك يكون أمرهم في الآخرة.

    فجوابهم في ذلك أن الدنيا هي دار يظهر فيها العدو من الولي والشكور من الكفور، والآخرة دار جزاء العداوة والولاية.

    فجائز أن يقع فيما فيه ظهور الولاية والعداوة اتفاق، ولا يجوز وقوع الاتفاق فيما فيه الجزاء؛ لأن الجزاء لعداوة سبقت ولولاية سبقت، والحكمة توجب التفرقة بين الجزاءين؛ فلا يجوز أن يجعل المسلم فيه كالمجرم؛ لما فيه من تضييع الحكمة، وليس قبل المحنة معنى يوجب التفرقة بينهما في المحنة [فجاز أن يقع بينهما الاتفاق في ذلك، ولأنه لو كان يفرق بينهما في الدنيا، لكانت المحنة تخرج عن حدها، والدنيا هي دار المحنة]، وإنما قلنا: إن فيه إخراج المحنة عن حدها؛ لأن المحنة تكون على الرجاء والخوف، والرغبة والرهبة، فلو فرق بين [العدو والولي] في الدنيا؛ فوسع على الأولياء، وضيق على الأعداء لوقع اختيار وجه الولاية على الضرورة؛ لأن من علم أنه يضيق عليه إذا اختار وجه العداوة؛ ويتعجل عليه العذاب، ترك ذلك الوجه، ومال إلى الولاية؛ فيرتفع وجه المحنة؛ فلذلك جاز أن يجمع بين الولي والعدو في دار المحنة؛ ليبقى وجه المحنة بحاله، ولم يجز أن يجمع بينهما في الآخرة؛ لأنها دار جزاء، والعقل يوجب تفرقة جزائهما، والله الموفق.....

  7. #697
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    شد الوثاق فى معنى الكشف عن الساق

    قال الرازى

    فقال: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: يوم منصوب بماذا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب، بقوله: { فَلْيَأْتُواْ } في قوله:
    { فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ }
    [القلم: 41] وذلك أن ذلك اليوم يوم شديد، فكأنه تعالى قال: إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة، لتنفعهم ونشفع لهم وثانيها: أنه منصوب بإضمار اذكر وثالثها: أن يكون التقدير يوم يكشف عن ساق، كان كيت وكيت فحذف للتهويل البليغ، وأن ثم من الكوائن مالا يوصف لعظمته. المسألة الثانية: هذا اليوم الذي يكشف فيه عن ساق، أهو يوم القيامة أو في الدنيا؟ فيه قولان: الأول: وهو الذي عليه الجمهور، أنه يوم القيامة، ثم في تفسير الساق وجوه: الأول: أنه الشدة، وروي أنه سئل ابن عباس عن هذه الآية، فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:
    سن لنا قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق
    ثم قال: وهو كرب وشدة وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة، وأنشد أهل اللغة أبياتاً كثيرة منها:
    فإن شمرت لك عن ساقها فدنها ربيع ولا تسأم
    ومنها:
    كشفت لكم عن ساقها وبدا من الشر الصراح
    وقال جرير:
    ألا رب سام الطرف من آل مازن إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا
    وقال آخر:
    في سنة قد شمرت عن ساقها حمراء تبرى اللحم عن عراقها
    وقال آخر:
    قد شمرت عن ساقها فشدوا وجدت الحرب بكم فجدوا
    ثم قال ابن قتيبة أصل هذا أن الرجل إذاوقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه، يشمر عن ساقه، فلا جرم يقال في موضع الشدة: كشف عن ساقه، واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى، يستحيل أن يكون جسماً، فحينئذ يجب صرف اللفظ إلى المجاز، واعلم أن صاحب «الكشاف» أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر، فمعنى قوله: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم، ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل وإنما هو مثل في البخل، ثم أخذ يعظم علم البيان ويقول لولاه: لما وقفنا على هذه الأسرار وأقول: إما أن يدعى أنه صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو يقول: إنه لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بإجماع المسلمين، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفة في أمر المعاد فإنهم يقولون في قوله:

    جَنَّـظ°تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ }
    [البقرة: 25] ليس هناك لا أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للذة والسعادة، ويقولون في قوله:
    { ظ±رْكَعُواْ وَظ±سْجُدُواْ }
    [الحج: 77] ليس هناك لا سجود ولا ركوع. وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع وفساد الدين، وأما إن قال: بأنه لا يصار إلى هذا التأويل إلا بعد قيام الدلالة على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا هو الذي لم يزل كل أحد من المتكلمين إلا قال به وعول عليه، فأين هذه الدقائق، التي استبد هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطة علم البيان، فرحم الله أمراً عرف قدره، وما تجاوز طوره القول الثاني: وهو قول أبي سعيد الضرير: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } ، أي عن أصل الأمر، وساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر، وساق الإنسان، أي يظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها القول الثالث: يوم يكشف عن ساق جهنم، أو عن ساق العرش، أو عن ساق ملك مهيب عظيم، واللفظ لا يدل إلا على ساق، فأما أن ذلك الساق ساق أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه والقول الرابع: وهو اختيار المشبهة، أنه ساق الله، تعالى الله عنه روى عن ابن مسعود عنه عليه الصلاة والسلام: " أنه تعالى يتمثل للخلق يوم القيامة حين يمر المسلمون، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله فيشهدهم مرتين أو ثلاثاً ثم يقول: هل تعرفون ربكم، فيقولون: سبحانه إذا عرفنا نفسه عرفناه، فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن إلا خر ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم كالطبق الواحد كأنما فيها السفافيد " واعلم أن هذا القول باطل لوجوه أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم محدث، لأن كل جسم متناه، وكل متناه محدث ولأن كل جسم فإنه لا ينفك عن الحركة والسكون، وكل ما كان كذلك فهو محدث، ولأن كل جسم ممكن، وكل ممكن محدث وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن، أما لو حملناه على الشدة، ففائدة التنكير الدلالة على التعظيم، كأنه قيل: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة، أي شدة لا يمكن وصفها وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه القول الثاني: أن قوله: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } ليس المراد منه يوم القيامة، بل هو في الدنيا، وهذا قول أبي مسلم قال: أنه لا يمكن حمله على يوم القيامة لأنه تعالى قال في وصف هذا اليوم: { وَيُدْعَوْنَ إِلَى ظ±لسُّجُودِ } ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف، بل المراد منه، إما آخر أيام الرجل في دنياه كقوله تعالى:
    { يَوْمَ يَرَوْنَ ظ±لْمَلَـئِكَةَ لاَ بُشْرَىظ° }

    الفرقان: 22] ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلوات إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها، وإما حال الهرم والمرض والعجز وقد كانوا قبل ذلك اليوم يدعون إلى السجود وهم سالمون مما بهم الآن، إما من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية قوله:
    { فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ظ±لْحُلْقُومَ }
    [الواقعة: 83] واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قاله أبو مسلم، فأما قوله: إنه لا يمكن حمله على القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل ههنا، والتكاليف زائلة يوم القيامة فجوابه أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف، بل على سبيل التقريع والتخجيل، فلم قلتم: إن ذلك غير جائز. المسألة الثالثة: قرىء: { يَوْم نكشف } بالنون و { تكشف } بالتاء المنقوطة من فوق على البناء للفاعل والمفعول جميعاً والفعل للساعة أو للحال، أي يوم يشتد الحال أو الساعة، كما تقول: كشف الحرب عن ساقها على المجاز. وقرىء تكشف بالتاء المضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف، ومنه أكشف الرجل فهو مكشف إذا انقلبت شفته العليا. قوله تعالى: { وَيُدْعَوْنَ إِلَى ظ±لسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ، خَـظ°شِعَةً أَبْصَـظ°رُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ظ±لسُّجُودِ وَهُمْ سَـظ°لِمُونَ }. اعلم أنا بينا أنهم لا يدعون إلى السجود تعبداً وتكليفاً، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا، ثم إنه تعالى حال ما يدعوهم إلى السجود يسلب عنهم القدرة على السجود، ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه، حين دعوا إلى السجود وهم سالمو الأطراف والمفاصل.

    قال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل ذلك على أنهم في الدنيا كانوا يستطيعون، فبطل بهذا قول من قال: الكافر لا قدرة له على الإيمان، وإن القدرة على الإيمان لا تحصل إلا حال وجود الإيمان والجواب: عنه أن علم الله بأنه لا يؤمن مناف لوجود الإيمان والجمع بين المتنافيين محال، فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي...

    وقال الالوسي

    يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } متعلق بقوله تعالى
    { فَلْيَأْتُواْ }
    [القلم: 41] على الوجهين، ويجوز تعلقه بمقدر كاذكر أو يكون كيت وكيت وقيل بخاشعة وقيل بِـ
    { تَرْهَقُهُمْ }
    [القلم: 43] وأياً ما كان فالمراد بذلك اليوم عند الجمهور يوم القيامة. والساق ما فوق القدم وكشفها والتشمير عنها مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب حتى إنه يستعمل بحيث لا يتصور ساق بوجه كما في قول حاتم:
    أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
    وقول الراجز:
    عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طواء الخيل عن أرزاقها
    في سنة قد كشفت عن ساقها حمراء تبرى اللحم عن عراقها
    وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب فإنهن لا يفعلن ذلك إلا إذا عظم الخطب واشتد الأمر فيذهلن عن الستر بذيل الصيانة، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وعكرمة وجماعة، وقد روي أيضاً عن ابن عباس. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «الأسماء والصفات» من طريق عكرمة عنه أنه سئل عن ذلك فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في / الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر:
    صبرا عناق أنه شر باق قد سن لي قومك ضرب الأعناق
    وقامت الحرب بنا على ساق
    والروايات عنه رضي الله تعالى عنه بهذا المعنى كثيرة. وقيل ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، والمراد يوم يكشف عن أصل الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصولها بحيث تصير عياناً وإليه يشير كلام الربيع بن أنس، فقد أخرج عبد بن حميد عنه أنه قال في ذلك: يوم يكشف الغطاء، وكذا ما أخرجه البيهقي على ابن عباس أيضاً قال: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وفي الساق على هذا المعنى استعارة تصريحية وفي الكشف تجوز آخر أو هو ترشيح للاستعارة باق على حقيقته. وتنكير { سَاقٍ } قيل للتهويل على الأول وللتعظيم على الثاني وقيل لا ينظر إلى شيء منهما على الأول لأن الكلام عليه تمثيل وهو لا ينظر فيه للمفردات أصلاً.

    وذهب بعضهم إلى أن المراد بالساق ساقه سبحانه وتعالى وأن الآية من المتشابه، واستدل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن مردويه " عن أبـي سعيد قال: سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً " وأنكر ذلك سعيد بن جبير، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه سئل عن الآية فغضب غضباً شديداً وقال: إن أقواماً يزعمون أن الله سبحانه يكشف عن ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد وعليه يحمل ما في الحديث على الأمر الشديد أيضاً.

    وإضافته إليه عز وجل لتهويل أمره وأنه أمر لا يقدر عليه سواه عز وجل. وأرباب الباطن من الصوفية يقولون بالظاهر ويدعون أن ذلك عند التجلي الصوري وعليه حملوا أيضاً ما أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» والطبراني والدارقطني في «الرؤية» والحاكم وصححه وابن مردويه وغيرهم عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: " يجمع الله الناس يوم القيامة وينزل الله في ظلل من الغمام فينادي مناد يا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى أليس ذلك عدلاً من ربكم قالوا بلى قال فلينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يتولى في الدنيا ويتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا ويمثل لمن كان يعبد عيسى عليه السلام شيطان عيسى وكذا يمثل لمن كان يعبد عزيراً حتى تمثل لهم الشجرة والعود والحجر ويبقى أهل الإسلام جثوماً فيتمثل لهم الرب عز وجل فيقال لهم ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس فيقولون إن لنا رباً ما رأيناه بعد، فيقول فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه قال وما هي؟ قالوا: يكشف عن ساق فيكشف عند ذلك " الحديث وهو ونظائره من المتشابه عند السلف. وقرأ ابن مسعود وابن أبـي عبلة (يكشف) بفتح الياء مبنياً للفاعل وهي رواية عن ابن عباس، وقرأ ابن هرمز(نكشف) بالنون وقرىء (يكشف) بالياء التحتية مضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف ومنه أكشف الرجل فهو مكشف انقلبت شفته العليا وقرىء (تكشف) بالتاء الفوقية والبناء للفاعل وهو ضمير الساعة المعلومة من ذكر يوم القيامة أو الحال المعلومة من دلالة الحال وبها، والبناء للمفعول وجعل الضمير للساعة أو الحال أيضاً. وتعقب بأنه يكون الأصل حينئذٍ يكشف الله الساعة عن ساقها مثلاً ولو قيل ذلك لم يستقم لاستدعائه إبداء الساق وإذهاب الساعة كما تقول كشفت عن وجهها القناع والساعة ليست ستراً على الساق حتى تكشف. وأجيب أنها جعلت ستراً مبالغة لأن المخدرة تبالغ في الستر جهدها فكأنها نفس الستر فقيل تكشف الساعة وهذا كما تقول كشفت زيداً عن جهله إذا بالغت في إظهار جهله لأنه كان ستراً على جهله يستر معايبه فأبنته وأظهرته إظهاراً لم يخف على أحد وقيل عليه إن الإذهاب حينئذٍ ادعائي / ولا يخفى ما فيه من التكلف ولا عبرة بما ذكر من المثال المصنوع وأقل تكلفاً منه جعل { عَن سَاقٍ } بدل اشتمال من الضمير المستتر في الفعل بعد نزع الخافض منه، والأصل يكشف عنها أي عن الساعة أو الحال فنزع الخافض واستتر الضمير.
    وتعقب بأن إبدال الجار والمجرور من الضمير المرفوع لا يصح بحسب قواعد العربية فهو ضغث على إبالة وتكلف على تكلف....

    واستدل أبو مسلم بهذه الآية على أن يوم الكشف في الدنيا قال لأنه تعالى قال: { وَيُدْعَوْنَ إِلَى ظ±لسُّجُودِ } ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف فيراد منه إما آخر أيام الشخص في دنياه حين يرى الملائكة وإما وقت المرض والهرم والمعجزة، ويدفع بما أشرنا إليه....

    وقال الطبري

    يقول تعالى ذكره { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ } قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن أُسامة بن زيد، عن عكرِمة، عن ابن عباس { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ } قال: هو يوم حرب وشدّة.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن ابن عباس { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ } قال: عن أمر عظيم كقول الشاعر:
    وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساقِ
    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ } ولا يبقى مؤمن إلا سجد، ويقسو ظهر الكافر فيكون عظماً واحداً. وكان ابن عباس يقول: يكشف عن أمر عظيم، إلا تسمع العرب تقول:
    وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساق
    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ } يقول: حين يكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة وكشف الأمر عنه.

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن ابن عباس، قوله { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن ساقٍ } هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة....

    سؤال

    لمن قال نثبت الساق بالمعنى الظاهر هل المعنى واحد

    يوم يكشف عن ساق

    وكشفت عن ساقيها

    ملحوظة هامة

    جاء فى روايات الحديث عند الطبري

    حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا هشام بن سعد، قال: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا لتلحق كلّ أمة بما كانت تعبد، فلا يبقى أحدّ كان يعبد صنماً ولا وثناً ولا صورة إلا ذهبوا حتى يتساقطوا في النار، ويبقى من كان يعبد الله وحده من برّ وفاجر، وغُبَّرات أهل الكتاب ثم تعرض جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، ثم تدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: عزَير ابن الله، فيقول: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: أي ربنا ظمئنا فيقول: أفلا تردون فيذهبون حتى يتساقطوا في النار، ثم تدعى النصارى، فيقال: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح ابن الله، فيقول: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: أي ربنا ظمئنا اسقنا، فيقول: أفلا تردون، فيذهبون فيتساقطون في النار، فيبقى من كان يعبد الله من برّ وفاجر قال: ثم يتبدّى الله لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوّل مرّة، فيقول: أيها الناس لحقت كلّ أمة بما كانت تعبد، وبقيتم أنتم فلا يكلمه يومئذٍ إلا الأنبياء، فيقولون: فارقنا الناس في الدنيا، ونحن كنا إلى صحبتهم فيها أحوج لحقت كلّ أمة بما كانت تعبد، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول: هل بينكم وبين الله آية تعرفونه بها؟ فيقولون نعم، فيكشف عن ساق، فيخرّون سجداً أجمعون، ولا يبقى أحد كان سجد في الدنيا سمعة ولا رياء ولا نفاقاً، إلا صار ظهره طبقاً واحداً، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه قال: ثم يرجع يرفع برّنا ومسيئنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أوّل مرّة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم أنت ربنا ثلاث مرّار "...

    وهنا سؤال

    اختلف اهل السنة فى من يقول نعوذ بالله منك هل مؤمن ام منافق!!!!!

    الظاهر انه مؤمن والقرطبي فى التذكرة رجح هذا لان الله منزه عن التغير والانتقال والتحرك و....

    لكن نقل شراح الصحاح انه قول لمنافقين علي احد الاقوال

    فاللهم الهمنا انوار علم التوحيد لننجو علي ارض المحشر من هذا الاختبار العسير لن يفيدك هناك الا علم التوحيد والعلم بمواطن الاخرة وسبق ان اشرت لهذا فى ايه هنالك تبلوا كل نفس علي احد القراءات بالتاء فراجعه

  8. #698
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    قال الرازى

    وقيل: { وَأُمْلِى لَهُمْ } أي بالموت فلا أعاجلهم به، ثم إنه إنما سمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً لكون في صورة الكيد، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك، واعلم أن الأصحاب تمسكوا بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، فقالوا: هذا الذي سماه بالاستدراج وذلك الكيد، إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، أو يكون له فيه أثر، والأول باطل، وإلا لكان هو سائر الأشياء الأجنبية بمثابة واحدة، فلا يكون استدراجاً ألبتة ولا كيداً، وأما الثاني فهو يقتضي كونه تعالى مريداً لذلك الفعل الذي ينساق إليه ذلك الاستدراج وذلك الكيد، لأنه إذا كان تعالى لا يزال يؤكد هذا الجانب، ويفتر ذلك الجانب الآخر، واعلم أن تأكيد هذا الجانب لا بد وأن ينساق بالآخرة إلى فعله ودخوله في الوجود، فلا بد وأن يكون مريداً لدخول ذلك الفعل في الوجود وهو المطلوب، أجاب الكعبي عنه فقال: المراد سنستدرجهم إلى الموت من حيث لا يعلمون، وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة فإنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه لصاروا آمنين إلى ذلك الوقت ولأقدموا على المعاصي. وفي ذلك إغراء بالمعاصي، وأجاب الجبائي عنه، فقال: سنستدرجهم إلى العذاب من حيث لا يعلمون في الآخرة، وأملي لهم في الدنيا توكيداً للحجة عليهم إن كيدي متين فأمهله وأزيح الأعذار عنه ليهلك من هلك عن بينة ويحيـى من حي عن بينة فهذا هو المراد من الكيد المتين، ثم قال: والذي يدل على أن المراد ما ذكرنا أنه تعالى قال قبل هذه الآية:
    { فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بِهَـظ°ذَا ظ±لْحَدِيثِ }
    [القلم: 44] ولا شك أن هذا التهديد إنما وقع بعقاب الآخرة، فوجب أن يكون المراد من الاستدراج والكيد المذكورين عقيبه هو عذاب الآخرة، أو العذاب الحاصل عند الموت، واعلم أن أصحابنا قالوا الحرف الذي ذكرناه وهو: أن هذا الإمهال إذا كان متأدياً إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان، واعلم أن قولهم: { سَنَسْتَدْرِجُهُم - إلى قَوله - إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } مفسر في سورة الأعراف182....

    قال الرازى فى الاعراف

    واعلم أن أصحابنا احتجوا في مسألة القضاء والقدر بهذه الألفاظ الثلاثة، وهي الاستدراج والإملاء والكيد المتين، وكلها تدل على أنه تعالى أراد بالعبد ما يسوقه إلى الكفر والبعد عن الله تعالى، وذلك ضد ما يقوله المعتزلة. أجاب أبو علي الجبائي، بأن المراد من الاستدراج، أنه تعالى استدرجهم إلى العقوبات حتى يقعوا فيها من حيث لا يعلون، استدراجاً لهم إلى ذلك حتى يقعوا فيه بغتة، وقد يجوز أن يكون هذا العذاب في الدنيا كالقتل والاستئصال، ويجوز أن يكون عذاب الآخرة. قال وقد قال بعض المجبرة المراد: سنستدرجهم إلى الكفر من حيث لا يعلمون. قال: وذلك فاسد، لأن الله تعالى أخبر بتقدم كفرهم، فالذي يستدرجهم إليه فعل مستقبل، لأن السين في قوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُم } يفيد الاستقبال، ولا يجب أن يكون المراد: أن يستدرجهم إلى كفر آخر لجواز أن يميتهم قبل أن يوقعهم في كفر آخر، فالمراد إذن: ما قلناه، ولأنه تعالى لا يعاقب الكافر بأن يخلق فيه كفراً آخر، والكفر هو فعله، وإنما يعاقبه بفعل نفسه.

    وأما قوله: { وَأَمْلَىظ° لَهُمْ } فمعناه: أني أبقيهم في الدنيا مع إصرارهم على الكفر، ولا أعاجلهم بالعقوبة لأنهم لا يفوتونني ولا يعجزونني، وهذا معنى قوله: { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } لأن كيده هو عذابه، وسماه كيداً لنزوله بالعباد من حيث لا يشعرون. والجواب عنه من وجهين: الأول: أن قوله: { وَظ±لَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـظ°تِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم } معناه: ما ذكرنا أنهم كلما زادوا تمادياً في الذنب والكفر، زادهم الله نعمة وخيراً في الدنيا، فيصير فوزهم بلذات الدنيا سبباً لتماديهم في الإعراض عن ذكر الله وبعداً عن الرجوع إلى طاعة الله، هذه حالة نشاهدها في بعض الناس، وإذا كان هذا أمراً محسوساً مشاهداً فكيف يمكن إنكاره. الثاني: هب أن المراد منه الاستدراج إلى العقاب، إلا أن هذا أيضاً يبطل القول بأنه تعالى ما أراد بعبده إلا الخير والصلاح، لأنه تعالى لما علم أن هذا الاستدراج، وهذا الإمهال مما قد يزيد به عتواً وكفراً وفساداً واستحقاق العقاب الشديد، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل لكان يجب في حكمته ورعايته للمصالح أن لا يخلقه ابتداء صوناً له عن هذا العقاب، أو أن يخلقه لكنه يميته قبل أن يصير في حد التكليف، أو أن لا يخلقه إلا في الجنة، صوناً له عن الوقوع في آفات الدنيا وفي عقاب الآخرة، فلما خلقه في الدنيا وألقاه في ورطة التكليف. وأطال عمره ومكنه من المعاصي مع علمه بأن ذلك لا يفيد إلا مزيد الكفر والفسق واستحقاق العقاب، علمنا أنه ما خلقه إلا للعذاب وإلا للنار، كما شرحه في الآية المتقدمة، وهي قوله:
    { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ظ±لْجِنّ وَظ±لإِنْسِ }
    [الأعراف: 179] وأنا شديد التعجب من هؤلاء المعتزلة، فإنهم يرون القرآن كالبحر الذي لا ساحل له مملوأ من هذه الآيات والدلائل العقلية القاهرة القاطعة مطابقة لها، ثم إنهم يكتفون في تأويلات هذه الآيات بهذه الوجوه الضعيفة والكلمات الواهية، إلا أن علمي بأن ما أراده الله كائن يزيل هذا التعجب، والله أعلم....

    قال الرازى

    { فَظ±جْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ظ±لصَّالِحِينَ }

    فيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية وجهان أحدهما: قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في قومه والثاني: قال قوم: ولعله ما كان رسولاً صاحب وحي قبل هذه الواقعة ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولاً، وهو المراد من قوله: { فَظ±جْتَبَـظ°هُ رَبُّهُ } والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا القول الأول. لأن احتباسه في بطن الحوت وعدم موته هناك لما لم يكن إرهاصاً ولا كرامة فلا بد وأن يكون معجزة وذلك يقتضي أنه كان رسولاً في تلك الحالة. المسألة الثانية: احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله: { فَجَعَلَهُ مِنَ ظ±لصَّـظ°لِحِينَ } فالآية تدل على أن ذلك الصلاح إنما حصل بجعل الله وخلقه، قال الجبائي: يحتمل أن يكون معنى جعله أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني والجواب: أن هذين الوجهين اللذين ذكرتم مجاز، والأصل في الكلام الحقيقة.

    وقال الماتريدى

    فإن قيل: إن قوم يونس - عليه السلام - قد نفعهم إيمانهم وهم آمنوا بعدما أيقنوا بالعذاب.

    فجوابه من وجهين:

    أحدهما: أنه يجوز أن يكون عذابهم موعوداً ولم يكن مشاهداً قريباً.

    وجائز أن يكون الله علم صدقهم في إيمانهم لو مكثوا فكشف عنهم العذاب لما كانوا متحققين، وغيرهم كان يفزع إلى الإيمان؛ ليكشف عنه العذاب، ثم يعود إلى كفره؛ فلم يقبل منه.

    وجائز أن يكون من حكم الله تعالى ألا يقبل من أحد التوبة إذا حل به العذاب، ولكنه يقبلها من المؤمنين؛ إفضالا وإنعاماً، ولا يتفضل على الكافرين الذين آثروا الدنيا على الآخرة، وعلى قول المعتزلة: ليست لله تعالى عليه نعمة ولا على أحد من أهل الإسلام؛ لأن من قولهم: إن الله تعالى إذا علم من كافر أنه يسلم يوماً من الدهر وإن كان بعد ألف سنة، فليس له أن يميته قبل أن يسلم، وعليه أن يوفقه للتوبة، وعليه أن يقبل منه التوبة، فإذا كان هذا كله حقّاً عليه للعبد، لم يكن له موضع نعمة عليه في قبول التوبة؛ لأن من قضى حقّاً عليه وأوصله إلى مستحقه لم يعد ذلك منه إنعاماً؛ فلا يكون لقوله: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } معنى، وقد قال الله تعالى:
    { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ظ±للَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ }
    [الحجرات: 17]، ولو كانت الهداية واجبة عليه، لم يكن [له عليهم] موضع امتنان.

  9. #699
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    سورة الحاقة

    قال المانريدى

    ثم لقائل أن يقول في قوله: { وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَظ±لْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ } أخبر أنه جاء فرعون إلى موسى وعصاه كيف ذكر مجيء فرعون إلى موسى، ولم يوجد منه المجيء إلى الرسول، بل الرسول هو الذي جاء فعصاه فرعون، لا أن فرعون أتاه، فاستقبله بالعصيان؟

    قيل: إن كل من أتى آخر وجاءه، فقد أتاه الآخر، ومن قرب إلى الآخر، فقد قرب الآخر إليه، لأن المجيء فعل مشترك؛ لأنه اسم الالتقاء، وإنما يقع الالتقاء بهما جميعاً ليس بأحدهما؛ فلذلك استقام [إضافة] المجيء إلى فرعون، وعلى هذا تأويل قوله تعالى:
    { وَأُزْلِفَتِ ظ±لْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ }
    [الشعراء: 90]، أي: قربت للمتقين، وأهلها هم الذي يقربون إليها في الحقيقة، ولكنهم إذا قربوا إليها، فقد قربت هي إليهم، فأضيف إليها التقريب لهذا؛ فعلى هذه العبارة يمكن أن يتأول قوله:

    وَجَآءَ رَبُّكَ وَظ±لْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }
    [الفجر: 22]، وقوله - عز وجل -:
    { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ظ±للَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ظ±لْغَمَامِ }
    [البقرة: 210]، أي: أتاه الخلق، لا أن يكون هو الذي يأتيهم؛ لأنه قال:
    { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ }
    [النور: 64]، وقال:
    { وَإِلَىظ° ظ±للَّهِ ظ±لْمَصِيرُ }
    [آل عمران: 28]،
    { وَإِلَى ظ±للَّهِ تُرْجَعُ ظ±لأُمُورُ }
    [البقرة: 210]، فأخبر أن الخلق هم الذين يأتونه، ويرجعون إليه، ولكن نسب المجيء والإتيان إلى الله تعالى؛ لأنهم إذا أتوه [فكأنه قد] أتاهم من الوجه الذي ذكرنا دون أن يكون فيه إثبات الانتقال في الله تعالى.

    والثاني: أن اسم المجيء وإن أطلق واستعمل [في المجيء] إلى مكان من مكان، فقد يستعمل أيضاً في الموضع الذي ليس فيه حركة ولا انتقال؛ قال الله تعالى:
    { وَقُلْ جَآءَ ظ±لْحَقُّ }
    [الإسراء: 81]، ومعناه: ظهر الحق، ليس أن الحق كان في موضع فانتقل عنه إلى غيره؛ فأمكن أن يكون قوله: { وَجَآءَ فِرْعَوْنُ } أي: كذب بما أنزل على موسى، عليه السلام.

    وجائز أن يكون قوله: { وَجَآءَ فِرْعَوْنُ } أي: جاء بالخاطئة؛ فيكون المجيء مصروفاً إلى الخطايا، وهذا التأويل أملك بظاهر الآية؛ لأنه قال: { وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَظ±لْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ } ، أي: جاءوا بالخطايا....

    وقوله - عز وجل -: { فِي ظ±لصُّورِ } قيل: الصور: هو القرن ينفخ فيه النفخة الأولى؛ فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ [فيه] مرة فإذا هم قيام ينظرون.

    ومنهم من يقول: أي: نفخ الروح في صور الخلق؛ لكن جمع الصورة: الصور، بنصب الواو؛ فلا يحتمل أن يكون المراد منه: جمع الصورة، لكنه يجوز أن يكون الله - تعالى - جعل نفخ الصور سبباً لإفنائهم وإحيائهم، لا أنه يعجزه شيء عن الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور، لكنه جعله سبباً لنوع الحكمة والمصلحة أو لمحنة ذلك الملك والابتلاء؛ على ما عرف من أنواع المحن في الملائكة من إنزال المطر، وتسيير السحاب، وجعلهم الموكلين على أعمال بني آدم، وغير ذلك....

    قال الرازى

    { وَظ±لْمَلَكُ عَلَىظ° أَرْجَآئِهَآ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }

    المسألة الرابعة: قالت المشبهة: لو لم يكن الله في العرش لكان حمل العرش عبثاً عديم الفائدة، ولا سيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى:
    { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ }
    [الحاقة: 18] والعرض إنما يكون لو كان الإله حاصلاً في العرش، أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في العرش وذلك لأن كل من كان حاملاً للعرش كان حاملاً لكل ما كان في العرش، فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل فنقول: السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتاً يزورونه، وليس أنه يسكنه، تعالى الله عنه وجعل في ركن البيت حجراً هو يمينه في الأرض، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه، لكن هذا هو المتعارف فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف الأعوان حوله أحضر الله يوم القيامة عرشاً وحضرت الملائكة وحفت به، لا لأنه يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف.

    ملحوظة

    خلق العرش اظهارا لقدرته لا مكانا لذاته بل كان ولا عرش وهو الان كما كان لافوقه ولا تحته شيء فلو افتقر الي المكان لكان اولي بالامكان بل هو واجب الوجود وجوده ذاتى وماسواه وجوده عرضي بارادة الله

    قال الرازى

    قوله: { بِمَا أَسْلَفْتُمْ } يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بسبب عملهم، وذلك يدل على أن العمل موجب للثواب، وأيضاً لو كانت الطاعات فعلاً لله تعالى لكان قد أعطى الإنسان ثوباً لا على فعل فعله الإنسان، وذلك محال وجوابه معلوم.

  10. #700
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    قال الرازى

    واحتجوا على الفرق بأن ههنا لما قال: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر، ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر والكهانة، بل كانوا يصفون محمداً بهذين الوصفين. وأما في سورة: { إِذَا ظ±لشَّمْسُ كُوّرَتْ } لما قال: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } ثم قال بعده:
    { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـظ°نٍ رَّجِيمٍ }
    [التكوير: 25] كان المعنى: إنه قول ملك كريم، لا قول شيطان رجيم، فصح أن المراد من الرسول الكريم ههنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي تلك السورة هو جبريل عليه السلام، وعند هذا يتوجه السؤال: أن الأمة مجمعة على أن القرآن كلام الله تعالى، وحينئذ يلزم أن يكون الكلام الواحد كلاماً لله تعالى، ولجبريل ولمحمد، وهذا غير معقول والجواب: أنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فهو كلام الله تعالى، بمعنى أنه تعالى هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ، وهو الذي رتبه ونظمه، وهو كلام جبريل عليه السلام، بمعنى أنه هو الذي أنزله من السموات إلى الأرض، وهو كلام محمد، بمعنى أنه هو الذي أظهره للخلق، ودعا الناس إلى الإيمان به، وجعله حجة لنبوته

    ملحوظة

    القران كلام الله القديم والمعنى انه لقول مسموع من رسول كريم او قول رب رسول كريم

    قال الامام البيهقي الاشعرى:

    بَابُ الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] . فَلوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا لَكَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَائِلًا لَهُ كُنْ، وَالْقُرْآنُ قَوْلُهُ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَقُولًا لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُوجِبُ قَوْلًا ثَانِيًا، وَالْقَوْلُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَفِي تَعَلُّقِهِ بِقَوْلٍ ثَالِثٍ كَالْأَوَّلِ، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَهُوَ فَاسدٌ، وَإِذَا فَسَدَ ذَلِكَ فَسَدَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ أَمْرًا أَزَلِيًّا مُتعَلِّقًا بِالْمُكَوَّنِ، فِيمَا لَا يَزَالُ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِصَلَاةِ غَدٍ، وَغَدٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَمُتَعَلِّقٌ بِمَنْ يُخْلَقُ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنَّ تَعْلِيقَهُ بِهِمْ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي يَصِحُّ فِيمَا بَعْدُ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي التَّكْوِينِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَزَلِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْلُومَاتِ عِنْدَ حُدُوثِهَا، وَسَمْعُهُ أَزَلِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِإِدْرَاكِ الْمَسْمُوعَاتِ عِنْدَ ظُهُورِهَا، وَبَصَرُهُ أَزَلِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بإِدْرَاكِ الْمَرْئِيَّاتِ عِنْدَ وُجُودِهَا مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ مَعْنًى فِيهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَأَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مُحْدَثًا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ} [الرحمن: 2] . فَلمَّا جَمَعَ فِي الذِّكْرِ بَيْنَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ....

    وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ، إِجَازَةً، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَصْبَهَانِيُّ، بِمَكَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجَارُودِيَّ، يَقُولُ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ عُلَيَّةَ فَقَالَ: أَنَا مُخَالِفٌ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَسْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ، أَنَا أَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَذَاكَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كَلَامًا أَسْمَعَهُ مُوسَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ قُلْنَا: وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25] ، يَعْنُونَ الْقُرْآنَ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ جَعَلَهُ قَوْلًا

    لِلْبَشَرِ، وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109] ، فَلَوْ كَانَتِ الْبِحَارُ مِدَادًا يُكْتَبُ بِهِ لِنَفِدَتِ الْبِحَارُ وَتَكَسَّرَتِ الْأَقْلَامُ وَلَمْ يَلْحَقِ الْفَنَاءُ كَلِمَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا لَا يَلْحَقُ الْفَنَاءُ عِلْمَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ مَنْ فَنِيَ كَلَامُهُ لَحِقَتْهُ الْآفَاتُ وَجَرَى عَلَيْهِ السُّكُوتُ، فَلَمَّا لَمْ يَجْرِ ذَلِكَ عَلَى رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَلَا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا، وَقَدْ نَفَى النَّفَادَ عَنْ كَلَامِهِ كَمَا نَفَى الْهَلَاكَ عَنْ وَجْهِهِ.


    وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [التكوير: 19] ، مَعْنَاهُ: قَوْلٌ تَلَقَّاهُ عَنْ رَسُولٍ كَرِيمٍ أَوْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولٍ كَرِيمٍ، أَوْ نَزَلَ بِهِ رَسُولٌ كَرِيمٌ. فَقَدْ قَالَ: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] ، فَأَثْبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَلَامًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكلَامًا لِلَّهِ، دَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا قُلْنَا،

    قال شيخ اهل الحديث الاسماعيلي الاشعرى فى اعتقاده

    القرآن كلام الله
    ويقولون : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإنما كيفما يصرف بقراءة القارئ له ، وبلفظه ، ومحفوظا في الصدور ، متلوًا بالألسن ، مكتوباَ في المصاحف ، غير مخلوق ، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن ، فهو قد قال بخلق القرآن

    وقال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } أي: الذي تسمعونه منه تسمعون من رسول كريم، ثم ذكر - هاهنا - أنه قول رسول كريم، وقال في موضع آخر:
    { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ظ±لْمُشْرِكِينَ ظ±سْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىظ° يَسْمَعَ كَلاَمَ ظ±للَّهِ }
    [التوبة: 6] فذكر - هاهنا -: كلام الله، وذكر في الآية [الأولى]: أنه قول رسول كريم، فأما ما أضيف إلى الرسول فهو من حيث بلوغنا إليه من جهة الرسول، لا بأمر غيره وصلنا إليه، وأضيف إلى الله - تعالى - لأن مجيئه وبدأه من عنده، وأضيف إلى الرسول؛ لأن ظهوره في حقنا كان به، وهذا كما أضيف ما وعاه القلب إلى الأذن بقوله:
    { وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ }
    [الحاقة: 12]؛ لأنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن؛ فعلى ذلك أضيف القول إلى الرسول من حيث كان سماع الخلق من جهة الرسول، عليه السلام.

    ثم الأصل أن [الكلام والقول] لا يسمعان، وإنما المسموع منهما الصوت الذي يعرف الكلام والقول به، ويدل عليه، لا أن يكون كلامه في الحقيقة صوته، فينسب أيضاً هذا القرآن إلى كلام الله - تعالى - لما يدل على كلامه، لا أن يكون المسموع - في الحقيقة - هو كلامه [وجائز أن يكون تأويل قوله: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } ، أي: إن الذي سمعتموه] من النبي صلى الله عليه وسلم أتاكم به لقول تلقاه من عند الله الرسولُ الكريم، فيذكرهم هذا ليؤمنهم من تخليط يقع فيه من الشياطين وغيرهم من الأعداء.

    ثم جائز أن يكون الرسول الكريم هو جبريل - عليه السلام - كما قال - تعالى - في سورة: (إذا الشمس كورت):
    { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ظ±لْعَرْشِ مَكِينٍ }
    [التكوير: 19-20].

    ويحتمل أن يكون الرسول الكريم هو محمداً صلى الله عليه وسلم، والأشبه أن يكون هو المراد؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالته، ولم يكونوا يقولون في جبريل - عليه السلام - شيئاً.


    ملحوظة

    عند المانريدى الكلام الازلي لايسمع

    قال الرازى

    { وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ }

    له بسبب حب الدنيا، فكأنه تعالى قال: أما من اتقى حب الدنيا فهو يتذكر بهذا القرآن وينتفع. وأما من مال إليها فإنه يكذب بهذا القرآن ولا يقربه. وأقول: للمعتزلة أن يتمسكوا بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله، وذلك لأنه وصف القرآن بأنه تذكرة للمتقين، ولم يقل: بأنه إضلال للمكذبين، بل ذلك الضلال نسبه إليهم، فقال: وإنا لنعلم أن منكم مكذبين، ونظيره قوله في سورة النحل:
    { وَعَلَى ظ±للَّهِ قَصْدُ ظ±لسَّبِيلِ وَمِنْهَا جائز }
    [النحل: 9 ] واعلم أن الجواب عنه ما تقدم

  11. #701
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    سورة المعارج

    قال الالوسي

    إِلَيْهِ } قيل أي إلى عرشه تعالى وحيث يهبط منه أوامره سبحانه وقيل هو من قبيل قول إبراهيم عليه السلام
    { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي }
    [الصافات: 99] أي إلى / حيث أمرني عز وجل به وقيل المراد إلى محل بره وكرامته جل وعلا على أن الكلام على حذف مضاف وقيل إلى المكان المنتهي إليه الدال عليه السياق وفسر بمحل الملائكة عليهم السلام من السماء ومعظم السلف يعدون ذلك من المتشابه مع تنزيهه عز وجل عن المكان والجسمية واللوازم التي لا تليق بشأن الألوهية....

  12. #702
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    سورة نوح

    قال المانريدى


    وقوله - عز وجل -: { وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىظ° أَجَلٍ مُّسَمًّى } جائز أن يكون أولئك القوم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام؛ فيخرج قوله: { وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىظ° أَجَلٍ مُّسَمًّى } مخرج الأمان لهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا؛ إذ يكون معناه: أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى انقضاء أجلكم المسمى سالمين آمنين، لا يتهيأ لعدوكم أن يمكر بكم.

    وقوله - عز وجل -: { إِنَّ أَجَلَ ظ±للَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ، وقال في موضع آخر:
    { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }
    [الأعراف: 34] جائز أن يكون قوله: { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } ، أي: لا يتأخرون عن آجالهم أو لا يؤخرون بما يطلبون من التأخير؛ فيكون في هذا إياس لهم أنهم لا يؤخرون إذا طلبوا التأخير؛ قال الله تعالى:
    { وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ظ±لْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاغ¤ أَخَّرْتَنِيغ¤ إِلَىظ° أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ظ±لصَّالِحِينَ }
    [المنافقون: 10]؛ فأخبر - جل جلاله - أن الموت إذا أتاه طلب التأخير ليبذل ما طلب منه البذل قبل ذلك من التصدق والإيمان به، فقطع عنهم طمعهم بقوله:
    { وَلَن يُؤَخِّرَ ظ±للَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ }
    [المنافقون: 11]، وبقوله:
    { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }
    [الأعراف: 34]، وبقوله: { إِنَّ أَجَلَ ظ±للَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ }.

    وهذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون بأن رجلا لو جاء وقتل آخر، فإنما قتله قبل انقضاء أجله، والله تعالى يقول:
    { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }
    [الأعراف: 34]، والأصل: أن الله تعالى إذا علم أنه يقتل فإنما يجعل انقضاء أجله بالقتل ليس بغيره؛ لأنه لا يجوز أن يجعل انقضاء أجله بموته حتف نفسه، ثم ينقضي أجله بغير ذلك؛ لأنه لو جاز ذلك لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، والجهل بالعواقب يسقط الربوبية، ويثبت الجهل.

    قال الرازى

    كيف قال: { وَيُؤَخّرْكُمْ } مع إخباره بامتناع تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟ الجواب: قضى الله مثلاً أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم الله ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة سنة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي إلى وقت سماه الله وجعله غاية الطول في العمر، وهو تمام الألف، ثم أخبر أنه إذا انقضى ذلك الأجل الأطول، لا بد من الموت....

    وقوله: { مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً } يعني هذان وإن كانا من جملة المنافع في الدنيا إلا أنهما لما صارا سبباً للخسار في الآخرة فكأنهما صارا محض الخسار والأمر كذلك في الحقيقة لأن الدنيا في جنب الآخرة كالعدم فإذا صارت المنافع الدنيوية أسباباً للخسار في الآخرة صار ذلك جارياً مجرى اللقمة الواحدة من الحلو إذا كانت مسمومة سم الوقت، واستدل بهذه الآية من قال: إنه ليس لله على الكافر نعمة لأن هذه النعم استدراجات ووسائل إلى العذاب الأبدي فكانت كالعدم، ولهذا المعنى قال نوح عليه السلام في هذه الآية: { لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً }....

    ذكر أبو زيد البلخي في كتابه في الرد على عبدة الأصنام أن العلم بأن هذه الخشبة المنحوتة في هذه الساعة ليست خالقة للسموات والأرض، والنبات والحيوان علم ضروري، والعلوم الضرورية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها بين العقلاء، وعبادة الأوثان دين كان موجوداً قبل مجيء نوح عليه السلام بدلالة هذه الآية، وقد استمر ذلك الدين إلى هذا الزمان، وأكثر سكان أطراف المعمورة على هذا الدين، فوجب حمل هذا الدين على وجه لا يعرف فساده بضرورة العقل، وإلا لما بقي هذه المدة المتطاولة في أكثر أطراف العالم، فإذاً لا بد وأن يكون للذاهبين إلى ذلك المذهب تأويلات أحدها: قال أبو معشر جعفر بن محمد المنجم: هذه المقالة إنما تولدت من مذهب القائلين بأن الله جسم وفي مكان، وذلك لأنهم قالوا: إن الله نور هو أعظم الأنوار، والملائكة الذين هم حافون حول العرش الذي هو مكانه، هم أنوار صغيرة بالنسبة إلى ذلك النور الأعظم، فالذين اعتقدوا هذا المذهب اتخذوا صنماً هو أعظم الأصنام على صورة إلههم الذي اعتقدوه، واتخذوا أصناماً متفاوتة، بالكبر والصغر والشرف والخسة على صورة الملائكة المقربين، واشتغلوا بعبادة تلك الأصنام على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة، فدين عبادة الأوثان إنما ظهر من اعتقاد التجسيم الوجه الثاني: وهو أن جماعة الصابئة كانوا يعتقدون أن الإله الأعظم خلق هذه الكواكب الثابتة والسيارة، وفوض تدبير هذا العالم السفلي إليها، فالبشر عبيد هذه الكواكب، والكواكب عبيد الإله الأعظم، فالبشر يجب عليهم عبادة الكواكب، ثم إن هذه الكواكب كانت تطلع مرة وتغيب أخرى، فاتخذوا أصناماً على صورها واشتغلوا بعبادتها، وغرضهم عبادة الكواكب الوجه الثالث: أن القوم الذين كانوا في قديم الدهر، كانوا منجمين على مذهب أصحاب الأحكام، في إضافات سعادات هذا العالم ونحوساتها إلى الكواكب، فإذا اتفق في الفلك شكل عجيب صالح لطلسم عجيب، فكانوا يتخذون ذلك الطلسم، وكان يظهر منه أحوال عجيبة وآثار عظيمة، وكانوا يعظمون ذلك الطلسم ويكرمونه ويشتغلون بعبادته، وكانوا يتخذون كل طلسم على شكل موافق لكوكب خاص ولبرج خاص، فقيل: كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر الوجه الرابع: أنه كان يموت أقوام صالحون فكانوا يتخذون تماثيل على صورهم ويشتغلون بتعظيمها، وغرضهم تعظيم أولئك الأقوام الذين ماتوا حتى يكونوا شافعين لهم عند الله وهو المراد من قولهم:{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ظ±للَّهِ زُلْفَى }
    [الزمر: 3] الوجه الخامس: أنه ربما مات ملك عظيم، أو شخص عظيم، فكانوا يتخذون تمثالاً على صورته وينظرون إليه، فالذين جاؤا بعد ذلك ظنوا أن آباءهم كانوا يعبدونها فاشتغلوا بعبادتها لتقليد الآباء، أو لعل هذه الأسماء الخمسة وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، أسماء خمسة من أولاد آدم، فلما ماتوا قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، ففعلوا فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، ولهذا السبب نهى الرسول عليه السلام عن زيارة القبور أولاً، ثم أذن فيها على ما يروى أنه عليه السلام قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة السادس: الذين يقولون إنه تعالى جسم، وإنه يجوز عليه الانتقال والحلول، لا يستبعدون أن يحل تعالى في شخص إنسان، أو في شخص صنم، فإذا أحسوا من ذلك الصنم المتخذ على وجه الطلسم حالة عجيبة، خطر ببالهم أن الإله حصل في ذلك الصنم ولذلك فإن جمعاً من قدماء الروافض لما رأوا أن علياً عليه السلام قلع باب خيبر، وكان ذلك على خلاف المعتاد قالوا: إن الإله حل في بدنه وإنه هو الإله الوجه السابع: لعلهم اتخذوا تلك الأصنام كالمحراب ومقصودهم بالعبادة هو الله، فهذا جملة ما في هذا الباب، وبعضها باطلة بدليل العقل، فإنه لما ثبت أنه تعالى ليس بجسم بطل اتخاذ الصنم على صورة الإله، وبطل القول أيضاً بالحلول والنزول، ولما ثبت أنه تعالى هو القادر على كل المقدورات، بطل القول بالوسايط والطلسمات، ولما جاء الشرع بالمنع من اتخاذ الصنم، بطل القول باتخاذها محاريب وشفعاء....

    المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا في إثبات عذاب القبر بقوله: { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } وذلك من وجهين الأول: أن الفاء في قوله: { فَأُدْخِلُواْ نَاراً } تدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق فلا يمكن حملها على عذاب الآخرة، وإلا بطلت دلالة هذه الفاء الثاني: أنه قال: { فَظ±دْخُلُواْ } على سبيل الإخبار عن الماضي. وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك، قال مقاتل والكلبي: معناه أنهم سيدخلون في الآخرة ناراً ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لصحة كونه وصدق الوعد به كقوله:
    { وَنَادَىظ° أَصْحَـظ°بُ ظ±لنَّارِ }
    [الأعراف: 50]
    { وَنَادَى أَصْحَـظ°بُ ظ±لْجَنَّةِ }
    [الأعراف: 44] واعلم أن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل. فإن قيل: إنما تركنا هذا الظاهر لدليل، وهو أن من مات في الماء فإنا نشاهده هناك فكيف يمكن أن يقال: إنهم في تلك الساعة أدخلوا ناراً؟ والجواب: هذا الإشكال إنما جاء لاعتقاد أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل، وهذا خطأ لما بينا أن هذا الإنسان هو الذي كان موجوداً من أول عمره، مع أنه كان صغير الجثة في أول عمره، ثم إن أجزاءه دائماً في التحلل والذوبان، ومعلوم أن الباقي غير المتبدل، فهذا الإنسان عبارة عن ذلك الشيء الذي هو باق من أول عمره إلى الآن، فلم لا يجوز أن يقال: إنه وإن بقيت هذه الجثة في الماء إلا أن الله تعالى نقل تلك الأجزاء الأصلية الباقية التي كان الإنسان المعين عبارة عنها إلى النار والعذاب. ثم قال تعالى: { فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ ظ±للَّهِ أَنصَاراً } وهذا تعريض بأنهم إنما واظبوا على عبادة تلك الأصنام لتكون دافعة للآفات عنهم جالبة للمنافع إليهم، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا بتلك الأصنام، وما قدرت تلك الأصنام على دفع عذاب الله عنهم، وهو كقوله:
    { أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا }
    [الأنبياء:43] واعلم أن هذه الآية حجة على كل من عول على شيء غير الله تعالى.....

    ملحوظة

    تأمل أية النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة نفس استدلال اهل السنة

    وقال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ }.

    هذا كلام شنيع في الظاهر من نوح عليه السلام؛ لأنه خارج مخرج الإنكار على الله تعالى لو تركهم ولم يهلكهم، وهذا يشبه بقول من قال:
    { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ }
    [البقرة: 30]، وهذا - أيضا - خارج مخرج التذكير لله تعالى: أنه لو أبقاهم أدى ذلك إلى إضلال العباد، وفيه تقدم بين يدي الله تعالى وذلك عظيم؛ لأنه ليس في شرط الألوهية إهلاك من عمله الإضلال؛ ألا ترى أن إبليس اللعين وأتباعه جل سعيهم في إضلال بني آدم، ثم لم يستأصلوا ولم يهلكوا، بل أبقوا إلى الوقت المعلوم.

    ولكن يجوز أن يكون دعا عليهم، بعد أن أذن له بالدعاء عليهم بالهلاك والبوار؛ فيكون الدعاء بالهلاك على تقدم الإذن.

    والأصل: أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا لدعاء الخلق إلى الإسلام، [وكانوا في دعائهم] راجين الإسلام منهم، خائفين عليهم بدوامهم على الكفر، فلما قيل لنوح - عليه السلام -:
    { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ }
    [هود: 36] - وقع له الإياس عن إسلام من تخلف عن الإيمان، فارتفع معنى الدعاء إلى الإسلام، فجائز أن يرد له الإذن بعد ذلك بالدعاء عليهم بالهلاك، فيدعو إذ ذاك.

    ثم يكون قوله: { إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ } خارجاً مخرج الإشفاق والرحمة على من معه من المؤمنين، وهو أن الذين داموا على الكفر لو أبقوا، خيف منهم أن يضلوا المؤمنين ويغيروهم إلى ملتهم؛ فتكون شفقته على المسلمين داعية له على الدعاء بالهلاك على الكفرة؛ لئلا يتوصلوا إلى الإضلال.

    وقوله - عز وجل -: { وَلاَ يَلِدُوغ¤اْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } وقت بلوغهم المحنة والابتلاء، فحينئذ يوجد منهم الفجور، لا أن يلدوا فجارا كفارا؛ إذ لا صنع لهم في ذلك الوقت، وهو كقوله:
    { إِنَّا خَلَقْنَا ظ±لإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ }
    [الإنسان: 2] أي: نبتليه لوقت بلوغه المحنة والابتلاء، لا أن يبتلى وقت ما يشاء.

    وفي هذه الآية دلالة أن الكفر قد يقع عليه اسم الفجور؛ لأنه [لو خرج] قوله: { كَفَّاراً } مخرج التفسير لقوله: { فَاجِراً } استقام أن يحمل تأويل قوله تعالى:
    { وَإِنَّ ظ±لْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }
    [الانفطار: 14] على الكفرة....

  13. #703
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    قال البقاعى

    ولما كان ربما كان الإنسان ضاراً ووجد له ولد نافع؛ نفى ذلك بقوله: { ولا يلدوا } أي إن قدرت بقاءهم في الدنيا { إلا فاجراً } أي مارقاً من كل ما ينبغي الاعتصام به، واكتفى فيه بأصل الفاعل إشارة إلى أن من جاوز الحد أو شرع في شيء بعده من التمادي في الغي صار ذلك له ديدناً فبالغ، فلذلك قال: { كفاراً * } أي بليغ الستر لما يجب إظهاره من آيات الله لأن قولك يا رب لا يتخلف أصلاً، والظاهر أن هذا الكلام لا يقوله إلا عن وحي كما في سورة هود عليه السلام من قوله تعالى:
    { إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن }
    [هود: 36] فيكون على هذا حتى صغارهم معذبين بما يعلم الله منهم لو بلغوا لا بما عملوه كما قال صلى الله عليه وسلم في أولاد الكفار " الله أعلم بما كانوا عاملين ".

    ملحوظة

    اقول انا العبد الفقير اسامة بن محمد خيري

    عجيب هذا الحديث الله اعلم بما كانوا عاملين ونصه

    يا رسول اللهِ ! ذراري المؤمنين ؟ فقال : من آبًائهم . فقلت : يا رسول اللهِ بلا عمل ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين . قلت : يا رسول اللهِ فذراري المشركين ؟ قال : من آبًائهم . قلت : بلا عمل ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين .

    وهذا الحديث اشعر ان به من الانوار والمعارف القدسية فى علم التوحيد مالايدركه الا الاولياء

    وهنا السؤال

    كيف يعذب الله اقوام علي علم ازلي لم تخصص الارادة الازلية ايجاده من العدم الي الوجود فى الحياة!!!!!!!

    بعض الناس سيقول سؤالك لامحل له لايفيد

    اقول كرر النظر فى سؤالي مرة اخرى

    ربما يجيب احدهم ويقول ربنا يعلم انهم لو كبروا كفروا فيحاسبهم علي هذا

    اقول

    كيف يحاسب علي عدم وان كان ثابت فى علمه الازلي!!!!!!!!!!!!!!

    مباحث العلم والارادة بها معضلات فى علم الكلام

  14. #704
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    سورة الجن

    قال الرازى

    قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس قديماً وحديثاً في ثبوت الجن ونفيه، فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره، وذلك لأن أبا علي بن سينا قال في رسالته في حدود الأشياء الجن حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة، ثم قال: وهذا شرح للاسم. فقوله: وهذا شرح للاسم يدل على أن هذا الحد شرح للمراد من هذا اللفظ وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج، وأما جمهور أرباب الملل والمصدقين للأنبياء فقد اعترفوا بوجود الجن، واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات ويسمونها بالأرواح السفلية، وزعموا أن الأرواح السفلية أسرع إجابة إلا أنها أضعف، وأما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة إلا أنها أقوى. واختلف المثبتون على قولين: فمنهم من زعم أنها ليست أجساماً ولا حالة في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها، قالوا: ولا يلزم من هذا أن يقال: إنها تكون مساوية لذات الله لأن كونها ليست أجساماً ولا جسمانية سلوب والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية، قالوا: ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذا السلب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها خيرة، وبعضها شريرة، وبعضها كريمة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور والآفات، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله، قالوا: وكونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخبريات قادرة على الأفعال، فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع وتبصر وتعلم الأحوال الخبرية وتفعل الأفعال المخصوصة، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لم يبعد أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة تعجز عنها قدر البشر، ولا يبعد أيضاً أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم، وكما أنه دلت الدلائل الطبية على أن المتعلق الأول للنفس الناطقة التي ليس الإنسان إلا هي، هي الأرواح وهي أجسام بخارية لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم وتتكون في الجانب الأيسر من القلب ثم بواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح لم يبعد أيضاً أن يكون لكل واحد من هؤلاء الجن تعلق بجزء من أجزاء الهواء، فيكون ذلك الجزء من الهواء هو المتعلق الأول لذلك الروح ثم بواسطة سيران ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلق وتصرف في تلك الأجسام الكثيفة، ومن الناس من ذكر في الجن طريقة أخرى فقال: هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن، فسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما لهذا البدن، وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فإن الجنسية علة الضم، فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة.

    والقول الثاني: في الجن أنهم أجسام ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين، منهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها، إنما المشترك بينها صفة واحدة، وهي كونها بأسرها حاصلة في الحيز والمكان والجهة وكونها موصوفة بالطول والعرض والعمق، وهذه كلها إشارة إلى الصفات، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الإشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد. قالوا: وليس لأحد أن يحتج على تماثل الأجسام بأن يقال: الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد، وحقيقة واحدة، فيلزم أن لا يحصل التفاوت في ماهية الجسم من حيث هو جسم، بل إن حصل التفاوت حصل في مفهوم زائد على ذلك، وأيضاً فلأنه يمكننا تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف، والعلوي والسفلي، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فالأقسام كلها مشتركة في الجسمية والتفاوت، إنما يحصل بهذه الصفات، وهي اللطافة والكثافة، وكونها علوية وسفلية قالوا: وهاتان الحجتان ضعيفتان. أما الحجة الأولى: فلأنا نقول، كما أن الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد، وحقيقة واحدة، فكذا العرض من حيث إنه عرض له حد واحد، وحقيقة واحدة فيلزم منه أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية، وهذا مما لا يقوله عاقل، بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس للأعراض ألبتة قدر مشترك بينها من الذاتيات، إذ لو حصل بينها قدر مشترك، لكان ذلك المشترك جنساً لها، ولو كان كذلك لما كانت التسعة أجناساً عالية بل كانت أنواع جنس واحد إذا ثبت هذا فنقول: الأعراض من حيث إنها أعراض لها حقيقة واحدة، ولم يلزم من ذلك أن يكون بينها ذاتي مشترك أصلاً، فضلاً عن أن تكون متساوية في تمام الماهية، فلم لا يجوز أن يكون الحال في الجسم كذلك، فإنه كما أن الأعراض مختلفة في تمام الماهية، ثم إن تلك المختلفات متساوية في وصف عارض وهو كونها عارضة لموضوعاتها، فكذا من الجائز أن تكون ماهيات الأجسام مختلفة في تمام ماهياتها ثم إنها تكون متساوية في وصف عارض، وهو كونها مشاراً إليها بالحس وحاصلة في الحيز والمكان، وموصوفة بالأبعاد الثلاثة، فهذا الاحتمال لا دافع له أصلاً. وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف فهي أيضاً منقوضة بالعرض فإنه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف والكم ولم يلزم أن يكون هناك قدر مشترك من الذاتي فضلاً عن التساوي في كل الذاتيات فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا أيضاً كذلك إذا ثبت أنه لا امتناع في كون الأجسام مختلفة ولم يدل دليل على بطلان هذا الاحتمال، فحينئذ قالوا: لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء في الماهية ثم تكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علماً مخصوصاً وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة، وعلى هذا التقدير يكون القول بالجن ظاهر الاحتمال وتكون قدرتها على التشكل بالأشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال.

    القول الثاني: قول من قال: الأجسام متساوية في تمام الماهية، والقائلون بهذا المذهب أيضاً فرقتان. الفرقة الأولى: زعموا أن البنية ليست شرطاً للحياة وهذا قول الأشعري وجمهور أتباعه وأدلتهم في هذا الباب ظاهرة قوية، قالوا: ولو كانت البنية شرطاً للحياة لكان إما أن يقال: إن الحياة الواحدة قامت بمجموع الأجزاء أو يقال: قام بكل واحد من الأجزاء حياة على حدة، والأول محال لأن حلول العرض الواحد في المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول، والثاني أيضاً باطل لأن الأجزاء التي منها تألف الجسم متساوية والحياة القائمة بكل واحد منها مساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر وحكم الشيء حكم مثله، فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء لحصل هذا الافتقار من الجانب الآخر فيلزم وقوع الدور وهو محال، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك الجزء الثاني، وإذا بطل هذا التوقف ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفاً بالحياة والعلم والقدرة والإرادة وبطل القول بأن البنية شرط، قالوا: وأما دليل المعتزلة وهو أنه لا بد من البنية فليس إلا الاستقراء وهو أنا رأينا أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة ومتى لم تفسد بقيت الحياة فوجب توقف الحياة على حصول البنية، إلا أن هذا ركيك، فإن الاستقراء لا يفيد القطع بالوجوب، فما الدليل على أن حال من لم يشاهد كحال ما شوهد، وأيضاً فلأن هذا الكلام إنما يستقيم على قول من ينكر خرق العادات، أما من يجوزها فهذا لا يتمشى على مذهبه والفرق بينهما في جعل بعضها على سبيل العادة وجعل بعضها على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه، فثبت أن البنية ليست شرطاً في الحياة، وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أشياء شاقة شديدة، وعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن، سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة، وسواء كانت أجزاؤهم كبيرة أو صغيرة. القول الثاني: أن البنية شرط الحياة وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة فههنا مسألة أخرى، وهي أنه هل يمكن أن يكون المرئي حاضراً والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلة، وتكون الحاسة سليمة، ثم مع هذا لا يحصل الإدراك أو يكون هذا ممتنعاً عقلاً؟ أما الأشعري وأتباعه فقد جوزوه، وأما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلاً، والأشعري احتج على قوله بوجوه عقلية ونقلية، أما العقلية فأمران: الأول: أنا نرى الكبير من البعد صغيراً وما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض مع أن نسبة الحاسة وجميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهي بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول الشرائط وانتفاء الموانع لا يكون الإدراك واجباً الثاني: أن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة، فإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء، فإما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر أو لا تكون، فإن كان الأول يلزم الدور لأن الأجزاء متساوية فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضاً رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء فيقع الدور، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على ذلك القدر من المسافة تكون ممكنة، ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فإنه لا يرى، فعلمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع الشرائط لا يكون واجباً بل جائزاً، وأما المعتزلة فقد عولوا على أنا لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات وبوقات ولا نراها ولا نسمعها فإذا عارضناهم بسائر الأمور العادية وقلنا لهم: فجوزوا أن يقال انقلبت مياه البحار ذهب وفضة، والجبال ياقوتاً وزبرجداً، أو حصلت في السماء حال ما غمضت العين ألف شمس وقمر، ثم كما فتحت العين أعدمها الله عجزوا عن الفرق، والسبب في هذا التشوش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في مناهج العادات، فوهموا أن بعضها واجبة، وبعضها غير واجبة، ولم يجدوا قانوناً مستقيماً، ومأخذاً سليماً في الفرق بين البابين، فتشوش الأمر عليهم، بل الواجب أن يسوى بين الكل، فيحكم على الكل بالوجوب، كما هو قول الفلاسفة، أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري.

    فأما التحكم في الفرق فهو بعيد، إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن، فإن أجسامهم وإن كانت كثيفة قوية إلا أنه يمتنع أن لا تراها، وإن كانوا حاضرين هذا على قول الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه، وأنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك والجن مع استمرارهم على مذاهبهم، وذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة، والجن أيضاً كذلك، وهذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة، فإذاً يجب في الملك والجن أن يكون كذلك، ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبداً، وهم الكرام الكاتبون والحفظة، ويحضرون أيضاً عند قبض الأرواح، وقد كانوا يحضرون عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أحداً من القوم ما كان يراهم، وكذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحداً، فإن وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها وإن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم، وإن كانوا موصفون بالقوة والشدة مع عدم الكثافة والصلابة فقد بطل قولهم: إن البنية شرط الحياة، وإن قالوا: إنها أجسام لطيفة وحية، ولكنها للطافتها لا تقدر على الأعمال الشاقة، فهذا إنكار لصريح القرآن، وبالجملة فحالهم في الإقرار بالملك والجن مع هذه المذاهب عجيب، وليتهم ذكروا على صحة مذاهبهم شبهة مخيلة فضلاً عن حجة مبينة، فهذا هو التنبيه على ما في هذا الباب من الدقائق والمشكلات، وبالله التوفيق....

  15. #705
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,601
    قال المانريدى

    ثم الحق ألا يتكلف تفسير قوله: { جَدُّ رَبِّنَا } هاهنا؛ لأنه حكاية عن مقالة الجن، فمراد هذه الكلمة إنما يعرف بإخبار الجن.

    ثم الشرك فيما جرى به الكتاب على أوجه أربعة:

    مرة على العبادة بقوله - عز وجل -:
    { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً }
    [الكهف: 110].

    وشرك في الخلق بقوله - عز وجل -:
    { أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ظ±لْخَلْقُ عَلَيْهِمْ }
    [الرعد: 16].

    وشرك في الحكم بقوله تعالى:
    { وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً }
    [الكهف: 26].

    وشرك في الملك بقوله:
    { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ظ±لْمُلْكِ }
    [الإسراء: 111] فثبت أن الشرك يقع مرة في العبادة، ومرة في الخلق، ومرة في الملك، ومرة في الحكم؛ فهو بقولهم: { وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً } تبرءوا عن الشرك من هذه الأوجه الأربعة.

    ثم إذا كان الجد عبارة عن الذي يظفر بكل ما يريده، ففيه ما ينقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يزعمون أن الله تعالى أراد من كل كافر الإيمان، فإذا لم يؤمنوا، فهو غير ظافر بما يريد على قولهم.

    ويدخل عليهم النقض من وجه آخر، وهو أنا قد بينا أن الشرك قد يقع مرة في الخلق، وهم ينفون خلق الأفعال عن الله تعالى، وإذا نفوا ذلك، فقد جعلوا له في الخلق شركاء، وقد أخبر - عز وجل - أنه هو المتفرد بخلق الخلائق؛ فثبت أن الأفعال من حيث الخلق والإنشاء من الله تعالى، ومن جهة الكسب والفعل للخلق؛ فمن الوجه الذي تضاف إلى الله تعالى لا يجوز أن تضاف من ذلك الوجه إلى الخلق عندنا؛ فلا يقع في الخلق تشابه؛ لأنه لا يتحقق من العباد الفعل من الوجه الذي تحقق من الله تعالى؛ ألا ترى أنه يضاف الملك إلى الله تعالى، وإلى الخلق، ثم لا يقع في ذلك إشراك؛ لأنه من الوجه الذي يضاف إلى الله تعالى لا يتحقق ذلك الوجه في الخلق؛ لأن الإضافة إلى الخلق على جهة المجاز والإضافة إلى الله تعالى على جهة التحقيق؛ فكذلك إضافة الأفعال إلى الله تعالى وإلى الخلق، لا توجب الشرك؛ لاختلاف الجهتين، والله الموفق....

    قال الالوسي

    { أَشَرٌّ أُرِيدَ } الخ من الأدب حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إلى الله عز وجل كما صرحوا به في الخير وإن كان فاعل الكل هو الله تعالى ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد

    ملحوظة

    فى الحديث والشر ليس اليك مقام الادب مع الله وان كان الكل خلقه

    وقال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيغ¤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ظ±لأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } فهو يحتمل وجهين:

    أحدهما: لا ندري بما قطعت بالحرس والشهب أخبار السماء عن أهل الأرض، وحبس الذين يصعدون السماء عن أخبار السماء، ويقذفون من كل جانب، أريد بأهل الأرض الشر، وهو إنزال العذاب عليهم، أو أريد بهم أن يرسل إليهم رسول يرشدهم.

    وجائز أن يكونوا أيقنوا أن أخبار السماء إنما انقطعت عن أهل الأرض بما يرسل إليهم من الرسول؛ فيكون الرسول هو الذي يخبرهم بما لهم إليه من حاجة، ولكنهم لم يدروا أنه أريد بهم الرشد بإرسال الرسول أو الشر؛ لأنهم كانوا علموا أن من آمن بالرسول المبعوث، ونظر إليه بعين الاستهداء والإرشاد فقد رشد، ومن نظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء استؤصل؛ فلم يدروا أيكذبون الرسول؛ فيحل بهم الهلاك في العاقبة، أو يصدقونه فيرشدوا به؟ وهذا يبين أن العواقب في الأشياء هي المقصودة، وأن الحكيم ما يفعل من الأمر يفعله للعواقب؛ وفي هذا إبانة أن الجن من المسلمين لم يكونوا معتزلة؛ إذ من قول المعتزلة: أن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين والدنيا في حقهم، والجن قد أيقنوا أن الله تعالى قد يريد الشر بمن يعلم أنه يؤثر فعل الشر على فعل الخير، ويريد الخير بمن يعلم أنه يؤثره على فعل الشر.

    قال الرازى

    المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بقوله: { لِنَفْتِنَهُمْ } على أنه تعالى يضل عباده، والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هي الاختبار كما يقال: فتنت الذهب بالنار لاخلق الضلال، واستدلت المعتزلة باللام في قوله { لِنَفْتِنَهُمْ } على أنه تعالى إنما يفعل لغرض، وأصحابنا أجابوا أن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلت هذه الآية على أن اللام ليست للغرض في حق الله.....

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •