صفحة 45 من 51 الأولىالأولى ... 35414243444546474849 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 661 إلى 675 من 763

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #661
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    قال الرازى

    { إِنَّ ظ±لْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } * { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ظ±لنَّارِ عَلَىظ° وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ }

    ثم قال تعالى: { إن المجرمين في ضلال وسعر } وفي الآية مسائل: الأولى: فيمن نزلت الآية في حقهم؟ أكثر المفسرين اتفقوا على أنها نازلة في القدرية روى الواحدي في تفسيره قال: سمعت الشيخ رضي الدين المؤيد الطوسي بنيسابور، قال: سمعت عبد الجبار قال: أخبرنا الواحدي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن ابن محمد السراج قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله الكعبي، قال: حدثنا حمدان بن صالح الأشج حدثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي داود، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل المخزومي عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فأنزل الله تعالى: { إِنَّ ظ±لْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـظ°لٍ وَسُعُرٍ } إلى قوله:
    { إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـظ°هُ بِقَدَرٍ }
    [القمر: 49] وكذلك نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في القدرية. وروي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مجوس هذه الأمة القدرية " وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله: { إِنَّ ظ±لْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـظ°لٍ وَسُعُرٍ } وكثرت الأحاديث في القدرية وفيها مباحث الأول: في معنى القدرية الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: نزلت الآية فيهم، فنقول: كل فريق في خلق الأعمال يذهب إلى أن القدري خصمه، فالجبري يقول القدري من يقول: الطاعة والمعصية ليستا بخلق الله وقضائه وقدره، فهم قدرية لأنهم ينكرون القدر والمعتزلي يقول: القدري هو الجبري الذي يقول حين يزني ويسرق الله قدرني فهو قدري لإثباته القدر، وهما جميعاً يقولان لأهل السنة الذي يعترف بخلق الله وليس من العبد إنه قدري، والحق أن القدري الذي نزلت فيه الآية هو الذي ينكر القدر ويقول بأن الحوادث كلها حادثة بالكواكب واتصالاتها ويدل عليه قوله جاء مشركو قريش يحاجون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فإن مذهبهم ذلك، وما كانوا يقولون مثل ما يقول المعتزلة إن الله خلق لي سلامة الأعضاء وقوة الإدراك ومكنني من الطاعة والمعصية، والله قادر على أن يخلق في الطاعة إلجاء والمعصية إلجاء، وقادر على أن يطعم الفقير الذي أطعمه أنا بفضل الله، والمشركون كانوا يقولون:
    { أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء ظ±للَّهُ أَطْعَمَهُ }
    [يس: 47] منكرين لقدرة الله تعالى على الإطعام، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " مجوس هذه الأمة هم القدرية " فنقول: المراد من هذه الأمة، إما الأمة التي كان محمد صلى الله عليه وسلم مرسلاً إليهم سواء آمنوا به أو لم يؤمنوا كلفظ القوم، وإما أمته الذين آمنوا به فإن كان المراد الأول فالقدرية في زمانه هم المشركون الذين أنكروا قدرة الله على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة، وإن كان المراد هو الثاني فقوله

    مجوس هذه الأمة " يكون معناه الذين نسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة، لكن الأمة المتقدمة أكثرهم كفرة، والمجوس نوع منهم أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة تكون نوعاً منهم أضعف دليلاً ولا يقتضي ذلك الجزم بكونهم في النار فالحق أن القدري هو الذي ينكر قدرة الله تعالى، إن قلنا: إن النسبة للنفي أو الذي يثبت قدرة غير الله تعالى على الحوادث إن قلنا: إن النسبة للإثبات وحينئذ يقطع بكونه: { فِى ضَلَـظ°لٍ وَسُعُرٍ } وإنه ذائق مس سقر. البحث الثاني: في بيان من يدخل في القدرية التي في النص ممن هو منتسب إلى أنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إن قلنا: القدرية سموا بهذا الاسم لنفيهم قدرة الله تعالى فالذي يقول لا قدرة لله على تحريك العبد بحركة هي الصلاة وحركة هي الزنا مع أن ذلك أمر ممكن لا يبعد دخوله فيهم، وأما الذي يقول: بأن الله قادر غير أنه لم يجبره وتركه مع داعية العبد كالوالد الذي يجرب الصبي في حمل شيء تركه معه لا لعجز الوالد بل للابتلاء والامتحان، لا كالمفلوج الذي لا قوة له إذا قال لغيره: احمل هذا فلا يدخل فيهم ظاهراً وإن كان مخطئاً، وإن قلنا إن القدرية سموا بهذا الاسم لإثباتهم القدرة على الحوادث لغير الله من الكواكب، والجبري الذي قال: هو الحائط الساقط الذي لا يجوز تكليفه بشيء لصدور الفعل من غيره وهم أهل الإباحة، فلا شك في دخوله في القدرية فإنه يكفر بنفيه التكليف وأما الذي يقول: خلق الله تعالى فينا الأفعال وقدرها وكلفنا، ولا يسأل عما يفعل فما هو منهم. البحث الثالث: اختلف القائلون في التعصب أن الاسم بالمعتزلة أحق أم بالأشاعرة؟ فقالت: المعتزلة الاسم بكم أحق لأن النسبة تكون للإثبات لا للنفي، يقال للدهري: دهري لقوله بالدهر، وإثباته، وللمباحي إباحي لإثباته الإباحة وللتنوية تنوية لإثباتهم الإثنين وهما النور والظلمة، وكذلك أمثله وأنتم تثبتون القدر، وقالت الأشاعرة: النصوص تدل على أن القدري من ينفي قدرة الله تعالى ومشركو قريش ما كانوا قدرية إلا لإثباتهم قدرة لغير الله، قالت: المعتزلة إنما سمي المشركون قدرية لأنهم قالوا: إن كان قادراً على الحوادث كما تقول يا محمد فلو شاء الله لهدانا ولو شاء لأطعم الفقير، فاعتقدوا أن من لوازم قدرة الله تعالى على الحوادث خلقه الهداية فيهم إن شاء، وهذا مذهبكم أيها الأشاعرة، والحق الصراح أن كل واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية، ولا يصير واحد منهم قدرياً إلا إذا صار النافي نافياً للقدرة والمثبت منكراً للتكليف....

    المسألة الثانية: { كُلٌّ } قرىء بالنصب وهو الأصح المشهور، وبالرفع فمن قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر كقوله:
    { وَظ±لْقَمَرَ قَدَّرْنَـظ°هُ }
    [يس: 39] وقوله:
    { وَظ±لظَّـظ°لِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ }
    [الإنسان: 31] وذلك الفعل هو خلقناه وقد فسره قوله: { خَلَقْنَـظ°هُ } كأنه قال: إنا خلقنا كل شيء بقدر، وخلقناه على هذا لا يكون صفة لشيء كما في قوله تعالى:
    { وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }
    [الذاريات: 49] غير أن هناك يمنع من أن يكون صفة كونه خالياً عن ضمير عائد إلى الموصوف، وههنا لم يوجد ذلك المانع، وعلى هذا فالآية حجة على المعتزلة لأن أفعالنا شيء فتكون داخلة في كل شيء فتكون مخلوقة لله تعالى، ومن قرأ بالرفع لم يمكنه أن يقول كما يقول في قوله:
    { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـظ°هُمْ }
    [فصلت: 17] حيث قرىء بالرفع لأن كل شيء نكرة فلا يصح مبتدأ فيلزمه أن يقول: كل شيء خلقناه فهو بقدر، كقوله تعالى:
    { وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ }
    [الرعد: 8] في المعنى، وهذان الوجهان ذكرهما ابن عطية في تفسيره وذكر أن المعتزلي يتمسك بقراءة الرفع ويحتمل أن يقال: القراءة الأولى وهو النصب له وجه آخر، وهو أن يقال: نصبه بفعل معلوم لا بمضمر مفسر وهو قدرنا أو خلقنا، كأنه قال: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، أو قدرنا كل شيء خلقناه بقدر، وإنما قلنا: إنه معلوم لأن قوله:
    { ذَلِكُـمُ ظ±للَّهُ رَبُّـكُمْ خَـظ°لِقُ كُـلّ شَىْء }
    [غافر: 62] دل عليه، وقوله: { وَكُلَّ شىْء بِمِقْدَارٍ } دل على أنه قدر وحينئذ لا يكون في الآية دلالة على بطلان قول المعتزلي وإنما يدل على بطلان قوله:ظ±للَّهُ خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء }
    [الزمر: 62] وأما على القراءة الثانية وهي الرفع، فنقول: جاز أن يكون كل شيء مبتدأ وخلقناه بقدر خبره وحينئذ تكون الحجة قائمة عليهم بأبلغ وجه، وقوله: { كُلّ شَىْء } نكرة فلا يصلح مبتدأ ضعيف لأن قوله: { كُلّ شَىْء } عم الأشياء كلها بأسرها، فليس فيه المحذور الذي في قولنا: رجل قائم، لأنه لا يفيد فائدة ظاهرة، وقوله: { كُلّ شَىْء } يفيد ما يفيد زيد خلقناه وعمرو خلقناه مع زيادة فائدة، ولهذا جوزوا ما أحد خير منك لأنه أفاد العموم ولم يحسن قول القائل أحد خير منك حيث لم يفد العموم. المسألة الثالثة: ما معنى القدر؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: المقدار كما قال تعالى:
    { وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ }
    [الرعد: 8] وعلى هذا فكل شيء مقدر في ذاته وفي صفاته، أما المقدر في الذات فالجسم وذلك ظاهر فيه وكذلك القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض والسواد، وأما الجوهر الفرد مالا مقدار له والقائم بالجوهر مالا مقدار له بمعنى الامتداد كالعلم والجهل وغيرهما، فنقول: ههنا مقادير لا بمعنى الامتداد، أما الجواهر الفرد فإن الإثنين منه أصغر من الثلاثة، ولولا أن حجماً يزداد به الامتداد، وإلا لما حصل دون الامتداد فيه، وأما القائم بالجوهر فله نهاية وبداية، فمقدار العلوم الحادثة والقدر المخلوقة متناهية، وأما الصفة فلأن لكل شيء ابتدىء زماناً فله مقدار في البقاء لكون كل شيء حادثاً، فإن قيل: الله تعالى وصف به، ولا مقدار له ولا ابتداء لوجوده، نقول: المتكلم إذا كان موصوفاً بصفة أو مسمى باسم، ثم ذكر الأشياء المسماة بذلك الاسم أو الأشياء الموصوفة بتلك الصفة، وأسند فعلاً من أفعاله إليه يخرج هو عنه، كما يقول القائل: رأيت جميع من في هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمني، ويقول ما في البيت أحد إلا وضربني أو ضربته يخرج هو عنه لا لعدم كونه مقتضى الاسم، بل بما في التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة، فكذلك قوله: { خَلَقْنَـظ°هُ } و
    { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء }
    [الزمر: 62] يخرج عنه لا بطريق التخصيص، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا: إن التركيب وضعي، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا لغير المتكلم ثانيها: القدر التقدير، قال الله تعالى:
    { فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ظ±لْقَـظ°دِرُونَ }
    [المرسلات: 23] وقال الشاعر:
    وقـد قـدر الرحمـن مـا هـو قـادر
    أي قدر ما هو مقدر، وعلى هذا فالمعنى أن الله تعالى لم يخلق شيئاً من غير تقدير، كما يرمي الرامي السهم فيقع في موضع لم يكن قد قدره، بل خلق الله كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته والاختلاف للقوابل، فالذي جاء قصيراً أو صغيراً فلاستعداد مادته، والذي جاء طويلاً أو كبيراً فلاستعداد آخر، فقال تعالى: { كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـظ°هُ بِقَدَرٍ } منا فالصغير جاز أن يكون كبيراً، والكبير جاز خلقه صغيراً ثالثها: { بِقَدَرٍ } هو ما يقال مع القضاء، يقال بقضاء الله وقدره، وقالت الفلاسفة في القدر الذي مع القضاء: إن ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر، فيقولون: خلق النار حارة بقضاء وهو مقضي به لأنها ينبغي أن تكون كذلك، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن عجوز أو وقعت في قصب صعلوك تخرقه، فهو بقدر لا بقضاء، وهو كلام فاسد، بل القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة فقوله: { كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـظ°هُ بِقَدَرٍ } أي بقدره مع إرادته، لا على ما يقولون إنه موجب رداً على المشركين....

    وقال الالوسي

    إِنَّا كُلَّ شَىْء } من الأشياء { خَلَقْنَـظ°هُ بِقَدَرٍ } أي مقدراً مكتوباً في اللوح قبل وقوعه، فالقدر بالمعنى المشهور الذي يقابل القضاء، وحمل الآية على ذلك هو المأثور عن كثير من السلف، وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبـي هريرة قال: «جاء مشركو قريش يخاصمون / رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ظ±لنَّارِ عَلَىظ° وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـظ°هُ بِقَدَرٍ } [القمر: 48-49]» وأخرج البخاري في «تاريخه» والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن عدي وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية " أنزلت فيهم آية في كتاب الله
    { إِنَّ ظ±لْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـظ°لٍ وَسُعُرٍ }
    [القمر: 47] إلى آخر الآيات. وكان ابن عباس يكره القدرية جداً، أخرج عبد بن حميد عن أبـي يحيـى الأعرج قال سمعت ابن عباس وقد ذكر القدرية يقول: لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ثم قال: الزنا بقدر والسرقة بقدر وشرب الخمر بقدر. وأخرج عن مجاهد أنه قال: قلت لابن عباس: ما تقول فيمن يكذب بالقدر؟ قال: اجمع بيني وبينه قلت: ما تصنع به؟ قال: أخنقه حتى أقتله. وقد جاء ذمهم في أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لكل أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم " وجوز كون المعنى إنا كل شيء خلقناه مقدراً محكماً مستوفى فيه مقتضى الحكمة التي يدور عليها أمر التكوين، فالآية من باب
    { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً }
    [الفرقان: 2] ونصب { كُلٌّ } بفعل يفسره ما بعده أي إنا خلقنا كل شيء خلقناه.

    وقرأ أبو السمال - قال ابن عطية: وقوم من أهل السنة - برفع (كل) وهو على الابتداء، وجملة { خَلَقْنَـظ°هُ } هو الخبر، و { بِقَدَرٍ } متعلق به كما في القراءة المتواترة، فتدل الآية أيضاً على أن كل شيء مخلوق بقدر ولا ينبغي أن تجعل جملة { خَلَقْنَـظ°هُ } صفة، ويجعل الخبر { بِقَدَرٍ } لاختلاف القراءتين معنى حينئذ، والأصل توافق القراآت، وقال الرضي: لا يتفاوت المعنى لأن مراده تعالى بكل شيء كل مخلوق سواء نصب { كُلٌّ } أو رفعته وسواء جعلت { خَلَقْنَـظ°هُ } صفة مع الرفع، أو خبراً عنه، وذلك إن خلقنا كل شيء بقدر لا يريد سبحانه به خلقنا كل ما يقع عليه اسم شيء لأنه تعالى لم يخلق جميع الممكنات غير المتناهية واسم الشيء يقع على كل منها، وحينئذ نقول: إن معنى { كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـظ°هُ بِقَدَرٍ } على أن { خَلَقْنَـظ°هُ } هو الخبر كل مخلوق مخلوق بقدر وعلى أن { خَلَقْنَـظ°هُ } صفة كل شيء مخلوق كائن بقدر والمعنيان واحد إذ لفظ { كُلٌّ } في الآية مختص بالمخلوقات سواء كان { خَلَقْنَـظ°هُ } صفة له أو خبراً.

    وتعقبه السيد السند قدس سره بأنه لقائل أن يقول: إذا جعلنا { خَلَقْنَـظ°هُ } صفة كان المعنى كل مخلوق متصف بأنه مخلوقنا كائن بقدر، وعلى هذا لا يمتنع نظراً إلى هذا المعنى أن يكون هناك مخلوقات غير متصفة بتلك الصفة فلا تندرج تحت الحكم، وأما إذا جعلناه خبراً أو نصبنا { كُلّ شَىْء } فلا مجال لهذا الاحتمال نظراً إلى نفس المعنى المفهوم من الكلام فقد اختلف المعنيان قطعاً ولا يجديه نفعاً أن كل مخلوق متصف بتلك الصفة في الواقع لأنه إنما يفهم من خارج الكلام ولا شك أن المقصود ذلك المعنى الذي لا احتمال فيه. وذكر نحوه الشهاب الخفاجي ولكون النصب نصاً في المقصود اتفقت القراآت المتواترة عليه مع احتياجه إلى التقدير وبذلك يترجح على الرفع الموهم لخلافه وإن لم يحتج إليه.

    وقال السمين فى كنزه الثمين

    قوله: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ }: العامَّةُ على نصب " كل " على الاشتغال وأبو السَّمَّال بالرفع. وقد رَجَّحَ الناسُ، بل بعضُهم أوجبَ النصبَ قال: لأن الرفعَ يُوْهِمُ ما لا يجوزُ على قواعد أهل السُّنَّة. وذلك أنه إذا رُفع " كل شيء " كان مبتدأً " وخَلَقْناه " صفةٌ لـ " كل " أو لشيء. و " بقَدَر " خبرهُ. وحينئذٍ يكون له مفهومٌ لا يَخْفَى على متأمِّله، فيلزَمُ أن يكون الشيءُ الذي ليس مخلوقاً لله تعالى لا بَقَدَر، كذا قَدَّره بعضُهم. وقال أبو البقاء: " وإنما كان النصبُ أَوْلى لدلالتِه على عموم الخَلْقِ، والرفعُ لا يدلُّ على عمومِه، بل يُفيد أنَّ كل شيءٍ مخلوقٌ فهو بقدر ". وقال مكي بن أبي طالب: " كان الاختيارُ على أصول البَصْريين رفع " كل " كما أن الاختيارَ عندهم في قولك " زيدٌ ضربْتُه " الرفعُ، والاختيارُ عند الكوفيين النصبُ فيه بخلاف قولِنا " زيد أكرمتُه " لأنه قد تقدَّم في الآية شيءٌ عَمِل فيما بعده وهو " إنَّ " والاختيارُ عندهم النصبُ فيه. وقد أجمع القرّاءُ على النصبِ ف " كل " على الاختيار فيه عند الكوفيين لِيَدُلُّ ذلك على عموم الأشياء المخلوقاتِ أنها لله تعالى بخلافِ ما قاله أهلُ الزَيْغِ مِنْ أنَّ ثمَّ مخلوقاتٍ لغير الله تعالى، وإنما دلَّ النصبُ في " كلَّ " على العموم؛ لأن التقديرَ: إنَّا خَلَقْنا كلَّ شيء خَلَقْناه بَقَدَر، فَخَلَقْناه تأكيدٌ وتفسيرٌ لـ " خَلَقْنا " المضمر الناصبِ لـ " كلَّ ". وإذا حَذَفْتَه وأَظْهَرْت الأولَ صار التقديرُ: إنَّا خَلَقْناه كلَّ شيءٍ بَقدَر، فهذا لفظٌ عامٌ يَعُمُّ جميع المخلوقاتِ. ولا يجوز أَنْ يكون " خَلَقْناه " صفةً لـ " شيءٍ " لأنَّ الصفةَ والصلةَ لا يعملان فيما قبل الموصوفِ ولا الموصولِ، ولا يكونان تفسيراً لِما يعملُ فيما قبلهما، فإذا لم يَبْقَ " خَلَقْناه " صفةً لم يَبْقَ إلاَّ أنه تأكيدٌ وتفسيرٌ للمضمر النصب، وذلك يَدُلُّ على العموم. وأيضاً فإن النصبَ هو الاختيارُ لأنَّ " إنَّا " عندهم يَطلبُ الفعلَ فهو أَوْلى به، فالنصبُ عندهم في " كل " هو الاختيارُ، فإذا انضاف إليه معنى العموم والخروج عن الشُبَهِ كان النصبُ أَوْلى من الرفع ".

    وقال ابن عطية:/ " وقومٌ من أهلِ السُّنَّة بالرفع ". وقال أبو الفتح: " هو الوجهُ في العربية، وقراءتُنا بالنصب مع الجماعة ". وقال الزمخشري: " كلَّ شيء " منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره الظاهرُ. وقُرِىء " كلُّ شيءٍ " بالرفع. والقَدْر والقَدَر: التقديرُ، وقُرِىء بهما، أي: خَلَقْنا كلَّ شيء مُقَدَّراً مُحْكَماً مُرَتَّباً على حَسَبِ ما اقْتَضَتْه الحكمةُ أو مُقَدَّراً مكتوباً في اللوح، معلوماً قبل كونِه قد عَلِمْنا حاله وزمانَه " انتهى.

    وهو هنا لم يَتَعَصَّبْ للمعتزلةِ لضعفِ وجهِ الرفع.

    وقال قومٌ: إذا كان الفعل يُتَوَهَّمُ فيه الوصفُ وأنَّ ما بعدَه يَصْلُحُ للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعلُ هو الخبرَ اختير النصبُ في الاسمِ الأولِ حتى يتضحَ أنَّ الفعل ليس بوصفٍ، ومنه هذا الموضعُ؛ لأنَّ قراءة الرفع تُخَيِّل أنَّ الفعلَ وصفٌ، وأن الخبرَ " بقدَر ". وقد تنازع أهلُ السنة والقَدَرِيَّة الاستدلال بهذه الآية: فأهلُ السُّنَّة يقولون: كلُّ شيء مخلوقٌ لله تعالى بقَدَرٍ، ودليلُهم قراءة النصبِ لأنه لا يُفَسَّر في هذا التركيب إلاَّ ما يَصِحُّ أن يكون خبراً لو رُفِع الأولُ على الابتداء. وقال القَدَرية: القَراءةُ برفع " كل " و " خَلَقْناه " في موضع الصفة لـ " كل " ، أي: إنَّ أمْرَنا أو شأنَنا: كلُّ شيء خَلَقْناه فهو بَقَدر أو بمقدار، وعلى حَدِّ ما في هيئتهِ وزمنِه.

    وقال بعضُ العلماء: في القَدَر هنا وجوهٌ، أحدها: أنه المقدارُ في ذاتِه وفي صفاته. والثاني: التقديرُ كقولِهِ
    { فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ظ±لْقَادِرُونَ }
    [المرسلات: 23]. وقال الشاعر:
    4168ـ....................... وقَد قَدَّر الرحمنُ ما هو قادِرُ
    أي: ما هو مُقَدَّر. والثالث: القَدَرُ الذي يُقال مع القضاء كقولِكَ: كان بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه فقوله " بقَدَرٍ " على قراءة النصب متعلِّقٌ بالفعل الناصب وفي قراءةِ الرفع في محلِّ رفع، لأنه خبرٌ لـ " كل " و " كل " وخبرُها في محل رفع خبراً لـ إنَّ.....

    وقال القرطبي

    الثانية: قوله تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ } قراءة العامة { كُلَّ } بالنصب. وقرأ أبو السَّمَّال «كُلُّ» بالرفع على الابتداء. ومن نصب فبإضمار فعل وهو ظ±ختيار الكوفيين؛ لأن إنّ تطلب الفعل فهي به أولى، والنصب أدلّ على العموم في المخلوقات لله تعالى؛ لأنك لو حذفت { خَلَقْنَاهُ } المفسِّر وأظهرت الأوّل لصار إنا خلقنا كلّ شيء بقدر. ولا يصح كون خلقناه صفة لشيء؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيراً لما يعمل فيما قبله.

    الثالثة: الذي عليه أهل السنة أن الله سبحانه قدّر الأشياء؛ أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع ظ±كتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إلظ°ه إلا هو، ولا خالق غيره؛ كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدَريّة وغيرهم من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا. قال أبو ذَرٍّ رضي الله عنه: " قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؛ فنزلت هذه الآيات إلى قوله: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: «أنتم خصماء الله يوم القيامة» ".....

    وقال الالوسي

    وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وظ°حِدَةٌ } أي ما شأننا إلا فعلة واحدة على نهج لا يختلف ووتيرة لا تتعدد وهي الإيجاد بلا معالجة ومشقة، أو ما أمرنا إلا كلمة واحدة، وهي قوله تعالى: { كُنْ } فالأمر مقابل النهي وواحد الأمور، فإذا أراد عز وجل شيئاً قال له: كن فيكون { كَلَمْحٍ بِظ±لْبَصَرِ } أي في اليسر والسرعة، وقيل: هذا في قيام الساعة فهو كقوله تعالى:
    { وَمَا أَمْرُ ظ±لسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ظ±لْبَصَرِ }
    [النحل: 77].

    وقال الرازى

    ولنذكر ما في الخلق والأمر من الوجود المنقولة والمعقولة أحدها: ما ذكرنا أن الأمر هو كلمة: { كُنَّ } والخلق هو ما بالقدرة والإرادة ثانيها: ما ذكروا في الأجسام أن منها الأرواح ثالثها: هو أن الله له قدرة بها الإيجاد وإرادة بها التخصيص، وذلك لأن المحدث له وجود مختص بزمان وله مقدار معين فوجوده بالقدرة واختصاصه بالزمان بالإرادة فالذي بقدرته خلق والذي بالإرادة أمر حيث يخصصه بأمره بزمان ويدل عليه المنقول والمعقول، أما المنقول فقوله تعالى:
    { إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }
    [يس: 82] جعل { كُنَّ } لتعلق الإرادة، واعلم أن المراد من: { كُنَّ } ليس هو الحرف والكلمة التي من الكاف والنون، لأن الحصول أسرع من كلمة كن إذا حملتها على حقيقة اللفظ فإن الكاف والنون لا يوجد من متكلم واحد إلا الترتيب ففي كن لفظ زمان والكون بعد بدليل قوله تعالى: { فَيَكُونُ } بالفاء فإذن لو كان المراد يكن حقيقة الحرف والصوت لكان الحصول بعده بزمان وليس كذلك، فإن قال قائل: يمكن أن يوجد الحرفان معاً وليس كلام الله تعالى ككلامنا يحتاج إلى الزمان قلنا: قد جعل له معنى غير ما نفهمه من اللفظ. وأما المعقول فلأن الاختصاص بالزمان ليس لمعنى وعلة وإن كان بعض الناس ذهب إلى أن الخلق والإيجاد لحكمة وقال: بأن الله خلق الأرض لتكون مقر الناس أو مثل هذا من الحكم ولم يمكنه أن يقول: خلق الأرض في الزمان المخصوص لتكون مقراً لهم لأنه لو خلقها في غير ذلك لكانت أيضاً مقراً لهم فإذن التخصيص ليس لمعنى فهو لمحض الحكمة فهو يشبه أمر الملك الجبار الذي يأمر ولا يقال له: لم أمرت ولم فعلت ولا يعلم مقصود الآمر إلا منه رابعها: هو أن الأشياء المخلوقة لا تنفك عن أوصاف ثلاثة أو عن وصفين متقابلين، مثاله الجسم لا بد له بعد خلقه أن يكون متحيزاً ولا بد له من أن يكون ساكناً أو متحركاً فإيجاده أولاً يخلقه وما هو عليه بأمره يدل عليه قوله تعالى:إِنَّ رَبَّكُمُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِى خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }
    [الأعراف: 54] إلى أن قال:
    { مُسَخَّرظ°تٍ بِأَمْرِهِ }
    [الأعراف: 54] فجعل مالها بعد خلقها من الحركة والسكون وغيرهما بأمره ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر " جعل الخلق في الحقيقة والأمر في الوصف، وكذلك قوله تعالى:
    { خُلِقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ }
    [السجدة: 4] ثم قال:
    { يُدَبّرُ ظ±لأَمْرَ مِنَ ظ±لسَّمَاء إِلَى ظ±لأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ }
    [السجدة: 5] وقد ذكرنا تفسيره ...

    وقال المانريدى


    وقوله - عز وجل -: { عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.

    إن الرجل إذا كان في فضل وخير يضاف بكونه فيه إلى الله تعالى، نحو ما يقال: في سبيل الله، ووفود الله، وغير ذلك من الأمكنة التي هي أمكنة الفضل والخير تضاف إلى الله، نحو: بيت الله، ومساجد الله؛ لأنها أمكنة القرب والفضل، فعلى ذلك قوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أضاف بكونهم في أمكنة الفضل والخير والمنزلة عند الله تعالى، لا أنه يوصف بمكان أو مقام؛ بل هو ممسك الأمكنة كلها ومنشئ الأزمنة بأسرها، والله الموفق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين

  2. #662
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    سورة الرحمن

    قال الرازى

    لما ذكر القرآن وكان هو كافياً لا يحتاج معه إلى دليل آخر قال بعده: { ظ±لشَّمْسُ وَظ±لْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَظ±لنَّجْمُ وَظ±لشَّجَرُ } وغيرها من الآيات إشارة إلى أن بعض الناس إن تكن له النفس الزكية التي يغنيها الله بالدلائل التي في القرآن، فله في الآفاق آيات منها الشمس والقمر، وإنما اختارهما للذكر لأن حركتهما بحسبان تدل على فاعل مختار سخرهما على وجه مخصوص، ولو اجتمع من في العالم من الطبيعيين والفلاسفة وغيرهم وتواطئوا أن يثبتوا حركتهما على الممر المعين على الصواب المعين والمقدار المعلوم في البطء والسرعة لما بلغ أحد مراده إلى أن يرجع إلى الحق ويقول: حركهما الله تعالى كما أراد، وذكر الأرض والسماء وغيرهما إشارة إلى ما ذكرنا من الدلائل العقلية المؤكدة لما في القرآن من الدلائل السمعية ثالثها: هو أنا ذكرنا أن هذه السورة مفتتحة بمعجزة دالة عليها من باب الهيئة فذكر معجزة القرآن بما يكون جواباً لمنكري النبوة على الوجه الذي نبهنا عليه، وذلك هو أنه تعالى أنزل على نبيه الكتاب وأرسله إلى الناس بأشرف خطاب، فقال: بعض المنكرين كيف يمكن نزول الجرم من السماء إلى الأرض وكيف يصعد ما حصل في الأرض إلى السماء؟ فقال تعالى: { ظ±لشَّمْسُ وَظ±لْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } إشارة إلى أن حركتهما بمحرك مختار ليس بطبيعي وهم وافقونا فيه وقالوا: إن الحركة الدورية لا يمكن أن تكون طبيعية اختيارية فنقول: من حرك الشمس والقمر على الإستدارة أنزل الملائكة على الاستقامة ثم النجم والشجر يتحركان إلى فوق على الاستقامة مع أن الثقيل على مذهبكم لا يصعد إلى جهة فوق فذلك بقدرة الله تعالى وإرادته، فكذلك حركة الملك جائزة مثل الفلك،...

    { مَرَجَ ظ±لْبَحْرَيْنِ } أي أرسل بعضهما في بعض وهما عند الإرسال بحيث يلتقيان أو من شأنهما الاختلاط والالتقاء ولكن الله تعالى منعهما عما في طبعهما، وعلى هذا يلتقيان حال من البحرين، ويحتمل أن يقال: من محذوف تقديره تركهما فهما يلتقيان إلى الآن ولا يمتزجان وعلى الأول: فالفائدة إظهار القدرة في النفع فإنه إذا أرسل الماءين بعضهما على بعض وفي طبعهما بخلق الله وعادته السيلان والالتقاء ويمنعهما البرزخ الذي هو قدرة الله أو بقدرة الله، يكون أدل على القدرة مما إذا لم يكونا على حال يلتقيان، وفيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي: أن الحكماء اتفقوا على أن الماء له حيز واحد بعضه ينجذب إلى بعض كأجزاء الزئبق غير أن عند الحكماء المحققين ذلك بإجراء الله تعالى ذلك عليه وعند من يدعي الحكمة ولم يوفقه الله من الطبيعيين يقول: ذلك له بطبعه، فقوله: { يَلْتَقِيَانِ } أي من شأنهما أن يكون مكانهما واحداً، ثم إنهما بقيا في مكان متميزين فذلك برهان القدرة والاختيار وعلى الوجه الثاني: الفائدة في بيان القدرة أيضاً على المنع من الاختلاط، فإن الماءين إذا تلاقيا لا يمتزجان في الحال بل يبقيان زماناً يسيراً كالماء المسخن إذا غمس إناء مملوء منه في ماء بارد إن لم يمكث فيه زماناً لا يمتزج بالبارد، لكن إذا دام مجاورتهما فلا بد من الامتزاج فقال تعالى: { مَرَجَ ظ±لْبَحْرَيْنِ } خلاهما ذهاباً إلى أن يلتقيان ولا يمتزجان فذلك بقدرة الله تعالى....

  3. #663
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    قال الالوسي

    وَيَبْقَىظ° وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ظ±لْجَلاَلِ وَظ±لإِكْرَامِ }

    { وَيَبْقَىظ° وَجْهُ رَبّكَ } أي ذاته عز وجل، والمراد هو سبحانه وتعالى، فالإضافة بيانية وحقيقة الوجه في الشاهد الجارحة واستعماله في الذات مجاز مرسل كاستعمال الأيدي في الأنفس، وهو مجاز شائع، وقيل: أصله الجهة واستعماله في الذات من باب الكناية وتفسيره بالذات هنا مبني على مذهب الخلف القائلين بالتأويل، وتعيين المراد في مثل ذلك دون مذهب السلف، وقد قررناه لك غير مرة فتذكره وعض عليه بالنواجذ. والظاهر أن الخطاب في ـ ربك ـ للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه تشريف عظيم له عليه الصلاة والسلام، وقيل: هو للصالح له لعظم الأمر وفخامته.

    وفي الآية عند المؤولين كلام كثير منه ما سمعت، ومنه ما قيل: الوجه بمعنى القصد ويراد به المقصود، أي ويبقى ما يقصد به ربك عز وجل من الأعمال، وحمل كلام من فسره بالعمل الصالح على ذلك وفيه ما فيه، وأقرب منه ما قيل: وجهه تعالى الجهة التي أمرنا عز وجل بالتوجه إليها والتقرب بها إليه سبحانه، ومرجع ذلك العمل الصالح أيضاً والله جل شأنه يبقيه للعبد إلى أن يجازيه عليه ولذا وصف بالبقاء؛ أو لأنه بالقبول صار غير قابل للفناء لما أن الجزاء عليه قام مقامه وهو باق، ولا يخفى أن كلا القولين غير مناسب للتعليم في
    { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا }
    [الرحمن: 26] وقيل: وجهه سبحانه الجهة التي يليها الحق أي يتولاها بفضله ويفيضها على الشيء من عنده أي إن ذلك باق دون الشيء في حدّ ذاته فإنه فان في كل وقت، وقيل: المراد بوجهه سبحانه وجهه الممكن وهي جهة حيثية ارتباطه وانتسابه إليه تعالى، والإضافة لأدنى ملابسة فالممكن في حدّ ذاته أي إذا اعتبر مستقلاً غير مرتبط بعلته أعني الوجود الحق كان معدوماً لأن ظهوره إنما نشأ من العلة ولولاها لم يك شيئاً مذكوراً، وقول العلامة البيضاوي: - لو استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه الله تعالى أي الوجه الذي يلي جهته سبحانه - محمول على ذلك عند بعض المحققين وإن كان قد فسر الوجه قبل بالذات، وللعلماء في تقرير كلامه اختلاف، فمنهم من يجعل قوله: لو استقريت الخ تتمة لتفسيره الأول، / ومنهم من يجعله وجهاً آخر، وهو على الأول أخذ بالحاصل، وعلى الثاني قيل: يحتمل التطبيق على كل من مذاهب في الممكنات الموجودة، وذلك أنها إما موجودة حقيقة بمعنى أنها متصفة بالوجود اتصافاً حقيقياً بأن يكون الوجود زائداً عليها قائماً بها، وهو مذهب جمهور الحكماء والمتكلمين، وإما موجودة مجازاً وليس لها اتصاف حقيقي بالوجود بأن يكون الوجود قائماً بها بل إطلاق الموجود عليها كإطلاق الشمس على الماء، وإليه ذهب المتألهون من الحكماء والمحققون من الصوفية إلا أن ذوق المتألهين أن علاقة المجاز أن لها نسبة مخصوصة إلى حضرة الوجود الواجبـي على وجوه مختلفة وأنحاء شتى، والطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق، فالوجود عندهم جزئي حقيقي قائم بذاته لا يتصور عروضه لشيء ولا قيامه به ومعنى كون الممكن موجوداً أنه مظهر له ومجلى ينجلي فيه نوره فالله نور السمظ°وات والأرض والممكنات بمنزلة المرايا المختلفة التي تنعكس إليها أشعة الشمس وينصبغ كل منها بصبغ يناسبه، ومذاق المحققين من الصوفية أن علاقة المجاز أنها بمنزلة صفات قائمة بذات الواجب سبحانه إذ ليس في الوجود على مذاقهم ذوات متعددة بعضها واجب وبعضها ممكن بل ذات واحدة لها صفات متكثرة وشؤونات متعددة وتجليات متجددة

    { قُلِ ظ±للَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ }
    [الأنعام: 91] والمشهور أنه لا فرق بين المذاقين.

    ووجه التطبيق على الأول أن يقال: المراد من الوجه الذي يلي جهته تعالى هو الوجوب بالغير إذ الممكن وإن كان موجوداً حقيقة عند الجمهور لكن وجوده مستفاد من الواجب بالذات، وجهة الاستفادة ليست هي الذات ولا شيئاً آخر من الجهات والوجوه كالإمكان والمعلولية والجوهرية والعرضية والبساطة والتركيب وسائر الأمور العامة لأن كلاً منها جهته الخسة، ومقتضى الفطرة الإمكانية البعيدة بمراحل عن الوجوب الذاتي المنافية له، وإنما جهة الشرف القريبة المناسبة للوجوب الذاتي جهة الوجوب بالغير فهو وجه يلي جهة الواجب ويناسبه في كونه وجوباً وإن كان بالغير، ولذا يعقبه فيضان الوجود، ولذا تسمعهم يقولون: الممكن ما لم يجب لم يوجد.

    ووجه التطبيق على الثاني أن يقال: الوجه الذي يلي جهته تعالى هو تلك النسبة المخصوصة المصححة لإطلاق لفظ الموجود عليها ولو مجازاً، فالمعنى: كل من عليها فان معدوم لا يصح أن يطلق لفظ الموجود عليه ولو مجازاً إلا باعتبار الوجه الذي يلي جهته تعالى أي النسبة المخصوصة إلى حضرته تعالى وهي كونه مظهراً له سبحانه.

    ووجه التطبيق على الثالث أن يقال: الوجه الذي يلي جهته تعالى كونها شؤونات واعتبارات له تعالى. فالمعنى كل من عليها معدوم من جميع الوجوه والاعتبارات إلا من الوجه الذي يلي جهته سبحانه والاعتبار الذي يحصل مقيساً إليه عز وجل، وهو كونه شأناً من شؤونه واعتباراً من اعتباراته جل شأنه فتأمل مستعيناً بالله عز وجل.

    { ذُو ظ±لْجَلـظ°لِ وَظ±لإكْرَامِ } أي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه ويثبتون له ما يليق بشأنه - تعالى شأنه - فهذا راجع إلى ما له سبحانه من التعظيم في قلوب من عرفه عز وجل أو الذي يقال في شأنه: ما أجلك وما أكرمك أي هو سبحانه من يستحق أن يقال في شأنه ذلك قيل أو لم يقل فهو راجع إلى ما له تعالى من الكمال في نفسه باعتبار قصور الإدراك عن شأوه، أو من عنده الجلال والإكرام للموحدين فهو راجع إلى الفعل أي يجل الموحدين ويكرمهم، وفسر بعض المحققين { ظ±لْجَلـظ°لِ } بالاستغناء المطلق { وَظ±لإكْرَامِ } بالفضل التام وهذا ظاهر، ووجه الأول بأن الجلال العظمة وهي تقتضي ترفعه تعالى عن الموجودات ويستلزم أنه سبحانه غني عنها، ثم ألحق بالحقيقة، ولذا قال الجوهري: عظمة الشيء الاستغناء عن غيره وكل محتاج حقير، وقال الكرماني: / إنه تعالى له صفات عدمية مثل


    { لاَ شَرِيكَ لَهُ }
    [الأنعام: 163] وتسمى صفات الجلال لما أنها تؤدي بجَلّ عن كذا جل عن كذا وصفات وجودية كالحياة والعلم وتسمى صفات الإكرام، وفيه تأمل.

    والظاهر أن { ذُو } صفة للوجه، ويتضمن الوصف بما ذكر على ما ذكره البعض الإشارة إلى أن فناء من عليها لا يخل بشأنه عز وجل لأنه الغني المطلق، والإشارة إلى أنه تعالى بعد فنائهم يفيض على الثقلين من آثار كرمه ما يفيض وذلك يوم القيامة، ووصف الوجه بما وصف يبعد كونه عبارة عن العمل الصالح أو الجهة على ما سمعت آنفاً وكأن من يقول بذلك يقول: { ذُو } خبر مبتدأ محذوف هو ضمير راجع إلى الرب وهو في الأصل صفة له، ثم قطعت عن التبعية، ويؤيده قراءة أبـيّ وعبد الله ـ ذي الجلال ـ بالياء على أنه صفة تابعة للرب، وذكر الراغب أن هذا الوصف قد خص به عز وجل ولم يستعمل في غيره، فهو من أجلّ أوصافه سبحانه، ويشهد له ما رواه الترمذي عن أنس والإمام أحمد عن ربيعة بن عامر مرفوعاً " ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " أي الزموه واثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم...

    وقال الرازى


    وفيه مسائل: المسألة الأولى: الوجه يطلق على الذات والمجسم يحمل الوجه على العضو وهو خلاف العقل والنقل أعني القرآن لأن قوله تعالى:
    { كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    [القصص: 88] يدل على أن لا يبقى إلا وجه الله تعالى، فعلى القول الحق لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة الله أو غير ذات الله شيء وهو كذلك، وعلى قول المجسم يلزم أن لا تبقى يده التي أثبتها ورجله التي قال بها، لا يقال: فعلى قولكم أيضاً يلزم أن لا يبقى علم الله ولا قدرة الله، لأن الوجه جعلتموه ذاتاً، والذات غير الصفات فإذا قلت: كل شيء هالك إلا حقيقة الله خرجت الصفات عنها فيكون قولكم نفياً للصفات، نقول: الجواب عنه بالعقل والنقل، أما النقل فذلك أمر يذكر في غير هذا الموضع، وأما العقل فهو أن قول القائل: لم يبق لفلان إلا ثوب يتناول الثوب وما قام به من اللون والطول والعرض، وإذا قال: لم يبق إلا كمه لا يدل على بقاء جيبه وذيله، فكذلك قولنا: يبقى ذات الله تعالى يتناول صفاته وإذا قلتم: لا يبقى غير وجهه بمعنى العضو يلزمه أن لا تبقى يده....

    وَظ±لإكْرَامِ } إشارة إلى كل صفة هي من باب الإثبات، كقولنا: حي قادر عالم، وأما السميع والبصير فإنهما من باب الإثبات كذلك عند أهل السنة، وعند المعتزلة من باب النفي، وصفات باب النفي قبل صفات باب الإثبات عندنا، لأنا أولاً نجد الدليل وهو العالم فنقول: العالم محتاج إلى شيء وذلك الشيء ليس مثل العالم فليس بمحدث ولا محتاج، ولا ممكن، ثم نثبت له القدرة والعلم وغيرهما، ومن هنا قال تعالى لعباده:
    { لاَ إِلَـظ°هَ إِلاَّ ظ±للَّهُ }
    [الصافات: 35] وقال صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " ونفي الإلهية عن غير الله، نفي صفات غير الله عن الله، فإنك إذا قلت: الجسم ليس بإله لزم منه قولك: الله ليس بجسم و الجلال والإكرام وصفان مرتبان على أمرين سابقين، فالجلال مرتب على فناء الغير والإكرام على بقائه تعالى، فيبقى الفرد وقد عز أن يحد أمره بفناء من عداه وما عداه، ويبقى وهو مكرم قادر عالم فيوجد بعد فنائهم من يريد،

    ملحوظة

    قال البيهقي فى الاسماء والصفات

    بَابُ مَا جَاءَ فِي إِثْبَاتِ الْوَجْهِ صِفَةً لَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ لِوُرُودِ خَبَرِ الصَّادِقِ بِهِ مَا جَاءَ فِي إِثْبَاتِ الْوَجْهِ صِفَةً لَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ لِوُرُودِ خَبَرِ الصَّادِقِ بِهِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] ، وَقَالَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، وَقَالَ: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} [الروم: 39] ، وَقَالَ: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9] ، وَقَالَ: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] ، وَقَالَ: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل: 20] ، وَقَالَ: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52

    وقال الالوسي

    كُلَّ يَوْمٍ } كل وقت من الأوقات ولحظة من اللحظات. { هُوَ فِى شَأْنٍ } من الشؤون التي من جملتها إعطاء ما سألوا فإنه تعالى لا يزال ينشىء أشخاصاً، ويفني آخرين ويأتي بأحوال ويذهب بأحوال حسبما تقتضيه مشيئته عز وجل المبنية على الحكم البالغة، وأخرج البخاري في «تاريخه» وابن ماجه وابن حبان وجماعة عن أبـي الدرداء عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: " من شأنه / أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين " زاد البزار " ويجيب داعياً " ، وقيل: إن لله تعالى في كل يوم ثلاث عساكر: عسكر من الأصلاب إلى الأرحام وعسكر من الأرحام إلى الدنيا وعسكر من الدنيا إلى القبور، والظاهر أن المراد بيان كثرة شؤونه تعالى في الدنيا فكل يوم على معنى كل وقت من أوقات الدنيا. وقال ابن عيينة: الدهر عند الله تعالى يومان، أحدهما: اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإماتة والإحياء. وثانيهما: اليوم الذي هو يوم القيامة فشأنه سبحانه فيه الجزاء والحساب، وعن مقاتل أن الآية نزلت في اليهود قالوا: إن الله تعالى لا يقضي يوم السبت شيئاً فرد عز وجل عليهم بذلك، وسأل عبد الله بن طاهر الحسين بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وما صح من أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة فقال: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.

    ملحوظة

    اقول انا العبد الفقير اسامة محمد خيري تأمل كيف فسر النبي الاية وردها لصفات الافعال لما كان ظاهرها حلول الحوادث فى الذات وصفات الافعال حادثة عند الاشاعرة وهذا من بديع الفوائد العقائدية فى السنة النبوية المفسرة لكتاب الله ومسألة نفي حلول الحوادث الزمانية والمكانية بحثها عميق فى علم الكلام ومن هنا افهم امور يبديها (صفه فعل)ولايبتديها(نفى حلول الحوادث فى الذات)

    وقال القرطبي


    وعن عبد الله بن طاهر: أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى:
    { فَأَصْبَحَ مِنَ ظ±لنَّادِمِينَ }
    [المائدة:31] وقد صح أن الندم توبة. وقوله: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } وقد صح أن القلم جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله:
    { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىظ° }
    [النجم:39] فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله. وأما قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. وأما قوله:
    { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىظ° }
    [النجم:39] فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلاً ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه

    وقال المانريدى

    وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إن اليهود قالت: إن الله تعالى استراح يوم السبت لا يقضي بشيء، ولا يحكم ولا يأمر، ولا يفعل فعلا؛ فنزلت الآية عند ذلك { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } من إحداث وإفناء، وإحياء وإماتة.

    وأصله: أن الله تعالى إذا وصف بشيء يوصف بالأزل، يقال: عالم لم يزل، قادر لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله تعالى لم يزل عالما بجلوسك هاهنا، أو في هذا الوقت؛ أي: لم يزل عالما أنه يجلس الآن، أو يجيء الآن، أو في هذا الوقت، وإذا وصفته بالماضي، قلت: لم يزل عالما بما كان، وبالمستقبل: لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وللحال: لم يزل عالما بكونه كائنا للحال، ونحو ذلك، نفيا لوهم الخلق: أن المخلوق كيف يكون في الأزل؟! فعلى ذلك قوله - عز وجل -: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } ذكر اليوم والوقت؛ لئلا يتوهم بكون الخلق قديما، والله أعلم.

    وقال الرازى

    المسألة الثالثة: فعلى المشهور يكون الله تعالى في كل يوم ووقت في شأن، وقد جف القلم بما هو كائن، نقول: فيه أجوبة منقولة في غاية الحسن فلا نبخل بها وأجوبة معقولة نذكرها بعدها: أما المنقولة فقال بعضهم: المراد سوق المقادير إلى المواقيت، ومعناه أن القلم جف بما يكون في كل يوم و وقت، فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته بالفعل فيه فيوجد، وهذا وجه حسن لفظاً ومعنى وقال بعضهم: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها، وهو مثل الأول معنى، أي لا يتغير حكمه بأنه سيكون ولكن يأتي وقت قدر الله فيه فعله فيبدو فيه ما قدره الله، وهذان القولان ينسبان إلى الحسن بن الفضل أجاب بهما عبد الله بن طاهر وقال بعضهم: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويشفي سقيماً ويمرض سليماً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، إلى غير ذلك وهو مأخوذ من قوله عليه السلام: " يغفر ذنباً ويفرج كرباً " وهو أحسن وأبلغ حيث بين أمرين أحدهما يتعلق بالآخرة والآخر بالدنيا، وقدم الأخروي على الدنيوي وأما المعقولة: فهي أن نقول هذا بالنسبة إلى الخلق، ومن يسأله من أهل السموات والأرض لأنه تعالى حكم بما أراد وقضى وأبرم فيه حكمه وأمضى، غير أن ما حكمه يظهر كل يوم، فنقول: أبرم الله اليوم رزق فلان ولم يرزقه أمس، ولا يمكن أن يحيط علم خلقه بما أحاط به علمه، فتسأله الملائكة كل يوم إنك يا إلهنا في هذا اليوم في أي شأن في نظرنا وعلمنا الثاني: هو أن الفعل يتحقق بأمرين من جانب الفاعل بأمر خاص، ومن جانب المفعول في بعض الأمور، ولا يمكن غيره وعلى وجه يختاره الفاعل من وجوه متعددة مثال الأول: تحريك الساكن لا يمكن إلا بإزالة السكون عنه والإتيان بالحركة عقيبه من غير فصل ومثال الثاني: تسكين الساكن فإنه يمكن مع إبقاء السكون فيه ومع إزالته عقيبه من غير فصل أو مع فصل، إذ يمكن أن يزيل عنه السكون ولا يحركه مع بقاء الجسم، إذا عرفت هذا فالله تعالى خلق الأجسام الكثيرة في زمان واحد وخلق فيها صفات مختلفة في غير ذلك الزمان، فإيجادها فيه لا في زمان آخر بعد ذلك الزمان فمن خلقه فقيراً في زمان لم يمكن خلقه غنياً في عين ذلك الزمان مع خلقه فقيراً فيه وهذا ظاهر، والذي يظن أن ذلك يلزم منه العجز أو يتوهم فليس كذلك بل العجز في خلاف ذلك لأنه لو خلقه فقيراً في زمان يريد كونه غنياً لما وقع الغنى فيه مع أنه أراده، فيلزم العجز من خلاف ما قلنا: لا فيما قلنا، فإذن كل زمان هو غير الزمان الآخر فهو معنى قوله: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } وهو المراد من قول المفسرين: أغنى فقيراً وأفقر غنياً، وأعز ذليلاً وأذل عزيزاً، إلى غير ذلك من الأضداد

    ثم اعلم أن الضدين ليسا منحصرين في مختلفين بل المثلان في حكمهما فإنهما لا يجتمعان، فمن وجد فيه حركة إلى مكان في زمان لا يمكن أن توجد فيه في ذلك الزمان حركة أخرى أيضاً إلى ذلك المكان، وليس شأن الله مقتصراً على إفقار غني أو إغناء فقير في يومنا دون إفقاره أو إغنائه أمس، ولا يمكن أن يجمع في زيد إغناء هو أمسي مع إغناء هو يومي، فالغنى المستمر للغني في نظرنا في الأمر متبدل الحال، فهو أيضاً من شأن الله تعالى، واعلم أن الله تعالى يوصف بكونه: لا يشغله شأن عن شأن، ومعناه أن الشأن الواحد لا يصير مانعاً له تعالى عن شأن آخر كما أنه يكون مانعاً لنا، مثاله: واحد منا إذا أراد تسويد جسم بصبغة يسخنه بالنار أو تبييض جسم يبرده بالماء والماء والنار متضادان إذا طلب منه أحدهما وشرع فيه يصير ذلك مانعاً له من فعل الآخر، وليس ذلك الفعل مانعاً من الفعل لأن تسويد جسم وتبييض آخر لا تنافي بينهما، وكذلك تسخينه وتسويده بصبغة لا تنافي فيه، فالفعل صار مانعاً للفاعل من فعله ولم يصر مانعاً من الفعل، وفي حق الله مالا يمنع الفعل لا يمنع الفاعل، فيوجد تعالى من الأفعال المختلفة مالا يحصر ولا يحصى في آن واحد، أما ما يمنع من الفعل كالذي يسود جسماً في آن لم يمكنه أن يبيضه في ذلك الآن، فهو قد يمنع الفاعل أيضاً وقد لا يمنع ولكن لا بد من منعه للفاعل، فالتسويد لا يمكن معه التبييض، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن أصلاً لكن أسبابه تمنع أسباباً آخر لا تمنع الفاعل....

    { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ظ±لثَّقَلاَنِ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }

    ولنذكر أولاً ما قيل فيه تبركاً بأقوال المشايخ ثم نحققه بالبيان الشافي فنقول: اختلف المفسرون فيه وأكثرهم على أن المراد سنقصدكم بالفعل، وقال بعضهم: خرج ذلك مخرج التهديد على ما هي عادة استعمال الناس فإن السيد يقول لعبده عند الغضب: سأفرغ لك، وقد يكون السيد فارغاً جالساً لا يمنعه شغل، وأما التحقيق فيه، فنقول: عدم الفراغ عبارة عن أن يكون الفاعل في فعل لا يمكنه معه إيجاد فعل آخر فإن من يخيط يقول: ما أنا بفارغ للكتابة، لكن عدم الفراغ قد يكون لكون أحد الفعلين مانعاً للفاعل من الفعل الآخر، يقال: هو مشغول بكذا عن كذا كما في قول القائل: أنا مشغول بالخياطة عن الكتابة، وقد يكون عدم الفراغ لكون الفعل مانعاً من الفعل لا لكونه مانعاً من الفاعل كالذي يحرك جسماً في زمان لا يمكن تسكينه في ذلك الزمان فهو ليس بفارغ للتسكين، ولكن لا يقال في مثل هذا الوقت أنا مشغول بالتحريك عن التسكين، فإن في مثل هذا الموضع لو كان غير مشغول به بل كان في نفس المحل حركة لا بفعل ذلك الفاعل لا يمكنه التسكين فليس امتناعه منه إلا لاستحالته بالتحريك، وفي الصورة الأولى لولا اشتغاله بالخياطة لتمكن من الكتابة، إذا عرفت هذا صار عدم الفراغ قسمين أحدهما: بشغل والآخر ليس بشغل، فنقول: إذا كان الله تعالى باختياره أوجد الإنسان وأبقاه مدة أرادها بمحض القدرة والإرادة لا يمكن مع هذا إعدامه، فهو في فعل لا يمنع الفاعل لكن يمنع الفعل ومثل هذا بينا أنه ليس بفراغ، وإن كان له شغل، فإذا أوجد ما أراد أولاً ثم بعد ذلك أمكن الإعدام والزيادة في آنه فيتحقق الفراغ لكن لما كان للإنسان مشاهدة مقتصرة على أفعال نفسه وأفعال أبناء جنسه وعدم الفراغ منهم بسبب الشغل يظن أن الله تعالى فارغ فحمل الخلق عليه أنه ليس بفارغ، فيلزم منه الفعل وهو لا يشغله شأن عن شأن يلزمه حمل اللفظ على غير معناه، واعلم أن هذا ليس قولاً آخر غير قول المشايخ، بل هو بيان لقولهم: سنقصدكم، غير أن هذا مبين، والحمد لله على أن هدانا للبيان من غير خروج عن قول أرباب اللسان. واعلم أن أصل الفراغ بمعنى الخلو، لكن ذلك إن كان في المكان فيتسع ليتمكن آخر، وإن كان في الزمان فيتسع للفعل، فالأصل أن زمان الفاعل فارغ عن فعله وغير فارغ لكن المكان مرئي بالخلو فيه، فيطلق الفراغ على خلو المكان في الظرف الفلاني والزمان غير مرئي، فلا يرى خلوه. ويقال: فلان في زمان كذا فارغ لأن فلاناً هو المرئي لا الزمان والأصل أن هذا الزمان من أزمنة فلان فارغ فيمكنه وصفه للفعل فيه، وقوله تعالى: { سَنَفْرُغُ لَكُمْ } استعمال على ملاحظة الأصل، لأن المكان إذا خلا يقال: لكذا ولا يقال: إلى كذا فكذلك الزمان لكن لما نقل إلى الفاعل وقيل: الفاعل على فراغ وهو عند الفراغ يقصد إلى شيء آخر قيل في الفاعل: فرغ من كذا إلى كذا، وفي الظرف يقال: فرغ من كذا لكذا فقال لكم على ملاحظة الأصل، وهو يقوي ما ذكرنا أن المانع ليس بالنسبة إلى الفعل بل بالنسبة إلى الفعل...

    وقال المانريدى


    وعندنا أن الفراغ: هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه، لا للفراغ عن الشغل، يقال: فلان فرغ من شغله: إذا فرغ [، وفرغ] من بناء داره، إذا أتمه وانقضى ذلك؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل؛ إذ لو كان اسماً للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك؛ فيفهم ذلك من فعلهم، فأما الله - سبحانه وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل، ولا شيء عن شيء، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، فبالله العصمة والتوفيق.

  4. #664
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } * { ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } * { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } * { فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } * { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ظ±لْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } * { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ظ±لطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } * { كَأَنَّهُنَّ ظ±لْيَاقُوتُ وَظ±لْمَرْجَانُ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } * { هَلْ جَزَآءُ ظ±لإِحْسَانِ إِلاَّ ظ±لإِحْسَانُ } * { فَبِأَيِّ آلاغ¤ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } * { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ }

    اعلم اخى الحبيب جاء فى الحديث

    جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن

    ولم اجد فى كتب التفاسير مايحل الاشكال الظاهر فى هذا الحديث بل لم يتطرقوا اليه اصلا وظاهره نفى الرؤيا فى الاخرة

    واحب ان انقل كلام الحافظ ابن حجر فى فتح البارى قال



    قوله : جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ) في رواية حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد : لا أعلمه إلا قد رفعه قال : جنتان من ذهب للمقربين ومن دونهما جنتان من ورق لأصحاب اليمين أخرجه الطبري وابن أبي حاتم ورجاله ثقات وفيه رد على ما حكيته على الترمذي الحكيم أن المراد بقوله تعالى ومن دونهما جنتان الدنو بمعنى القرب لا أنهما دون الجنتين المذكورتين قبلهما ، وصرح جماعة بأن الأوليين أفضل من الأخريين ، وعكس بعض المفسرين ، والحديث حجة للأولين ، قال الطبري : اختلف في قوله ومن دونهما جنتان فقال بعضهم : معناه في الدرجة ، وقال آخرون معناه في الفضل ، وقوله جنتان إشارة إلى قوله تعالى ومن دونهما جنتان وتفسير له ، وهو خبر مبتدإ محذوف أي هما جنتان ، وآنيتهما مبتدأ ، و من فضة خبره ؛ قاله الكرماني قال : ويحتمل أن يكون فاعل فضة كما قال ابن مالك مررت بواد إبل كله ، أن كله " فاعل أي جنتان مفضض آنيتهما انتهى . ويحتمل أن يكون بدل اشتمال ، وظاهر الأول أن الجنتين من ذهب لا فضة فيهما وبالعكس ، ويعارضه حديث أبي هريرة : قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟ قال : لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، الحديث أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان ، وله شاهد عن ابن عمر أخرجه الطبراني وسنده حسن وآخر عن أبي سعيد أخرجه البزار ولفظه : خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة الحديث ، ويجمع بأن الأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها ، والثاني صفة حوائط الجنان كلها ، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في البعث في حديث أبي سعيد أن الله أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وعلى هذا فقوله " آنيتهما وما فيهما " بدل من قوله : من ذهب ، ويترجح الاحتمال الثاني .

    قوله ( وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه ) قال المازري : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب بما تفهم ويخرج لهم الأشياء المعنوية إلى الحس ليقرب تناولهم لها ، فعبر عن زوال الموانع ورفعه عن الأبصار بذلك ، وقال عياض : كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرا ، وهو أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها ، ومنه قوله تعالى جناح الذل فمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم برداء الكبرياء على وجهه ونحو ذلك من هذا المعنى ، ومن لم يفهم ذلك تاه فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم ومن لم يتضح له وعلم أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها إما أن يكذب نقلتها وإما أن يؤولها كأن يقول : استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء الكبرياء ، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته انتهى . ملخصا . وقال الطيبي قوله " على وجهه " : حال من رداء الكبرياء ، وقال الكرماني : هذا الحديث من المتشابهات فإما مفوض وإما متأول بأن المراد بالوجه الذات ، والرداء صفة من صفة الذات اللازمة المنزهة عما يشبه المخلوقات ، ثم استشكل ظاهره بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة ، وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعا من الرؤية فعبر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد انتهى . وحاصله : أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكأن في الكلام حذفا تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء : فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه ، فكأن المراد أن المؤمنين إذا تبوءوا مقاعدهم من الجنة لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل ، فإذا أراد إكرامهم حفهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه سبحانه ، ثم وجدت في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى الحجاب المذكور في حديث صهيب ، وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنة إكراما لهم ، والحديث عند مسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان ولفظ مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، يقول الله عز وجل : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة ؟ قال : فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم منه ، ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى ، ولعله أشار إلى تأويله به ، وقال القرطبي : في المفهم الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، وليس المراد الثياب المحسوسة ؛ لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب عبر عن العظمة والكبرياء بهما ، ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالا للنعمة ، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم ، ونقل الطبري عن علي وغيره في قوله تعالى ولدينا مزيد قال هو النظر إلى وجه الله .

    قوله ( في جنة عدن ) قال ابن بطال : لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان ، فيكون تأويل الرداء : الآفة الموجودة لأبصارهم المانعة لهم من رؤيته ، وإزالتها فعل من أفعاله يفعله في محل رؤيتهم فلا يرونه ما دام ذلك المانع موجودا ، فإذا فعل الرؤية زال ذلك المانع وسماه رداء لتنزله في المنع منزلة الرداء الذي يحجب الوجه عن رؤيته فأطلق عليه الرداء مجازا ، وقوله " في جنة عدن " راجع إلى القوم ، وقال عياض معناه راجع إلى الناظرين أي وهم في جنة عدن لا إلى الله فإنه لا تحويه الأمكنة سبحانه ، وقال القرطبي يتعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم مثل : كائنين في جنة عدن ، وقال الطيبي : قوله " في جنة عدن متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف فيقيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة ، وإليه أشار التوربشتي بقوله : يشير إلى أن المؤمن إذا تبوأ مقعده والحجب مرتفعة والموانع التي تحجب عن النظر إلى ربه مضمحلة إلا ما يصدهم من الهيبة كما قيل :
    أشتاقه فإذا بدا أطرقت من إجلاله
    فإذا حفهم برأفته ورحمته رفع ذلك عنهم تفضلا منه عليهم

  5. #665
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    سورة الواقعة

    جاء فى تفسير الرازى(وربما غيره وكنت اشك ان هذا نفس الرازى فى اخر اجزاء)

    { جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: أصولية ذكرها الإمام فخر الدين رحمه الله في مواضع كثيرة، ونحن نذكر بعضها فالأولى: قالت المعتزلة: هذا يدل على أن يقال: الثواب على الله واجب، لأن الجزاء لا يجوز المطالبة به، وقد أجاب عنه الإمام فخر الدين رحمه الله بأجوبة كثيرة، وأظن به أنه لم يذكر ما أقوله فيه وهو ما ذكروه. ولو صح لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة، وذلك لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح وعلم بالعقل أن القبيح من الله لا يوجد علم أن الله يعطي هذه الأشياء لأنها أجزية، وإيصال الجزاء واجب، وأما إذا قلنا: بمذهبنا تكون الآيات مفيدة مبشرة، لأن البشارة لا تكون إلا بالخير عن أمر غير معلوم، لا يقال: الجزاء كان واجباً على الله وأما الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشراً، لأنا نقول: إذا وجب نفس الجزاء فما أعطانا الله تعالى من النعم في الدنيا جزاء فثواب الآخرة لا يكون إلا تفضلاً منه، غاية ما في الباب أنه تعالى كمل النعمة بقوله: هذا جزاؤكم، أي جعلته لكم جزاء، ولم يكن متعيناً ولا واجباً، كما أن الكريم إذا أعطى من جاء بشيء يسير شيئاً كثيراً، فيظن أنه يودعه إيداعاً أو يأمره بحمله إلى موضع، فيقول له: هذا لك فيفرح، ثم إنه يقول: هذا إنعام عظيم يوجب على خدمة كثيرة، فيقول له هذا جزاء ما أتيت به، ولا أطلب منك على هذا خدمة، فإن أتيت بخدمة فلها ثواب جديد، فيكون هذا غاية الفضل، وعند هذا نقول: هذا كله إذا كان الآتي غير العبد، وأما إذا فعل العبد ما أوجب عليه سيده لا يستحق عليه أجراً، ولا سيما إذا أتى بما أمر به على نوع اختلال، فما ظنك بحالنا مع الله عز وجل، مع أن السيد لا يملك من عبده إلا البنية، والله تعالى يملك منا أنفسنا وأجسامنا، ثم إنك إذا تفكرت في مذهب أهل السنة تجدهم قد حققوا معنى العبودية غاية التحقيق، واعترفوا أنهم عبيد لا يملكون شيئاً ولا يجب للعبد على السيد دين، والمعتزلة لم يحققوا العبودية، وجعلوا بينهم وبين الله معاملة توجب مطالبة، ونرجوا أن يحقق الله تعالى معنا المالكية غاية التحقيق، ويدفع حاجاتنا الأصلية ويطهر أعمالنا، كما أن السيد يدفع حاجة عبده بإطعامه وكسوته، ويطهر صومه بزكاة فطره، وإذا جنى جناية لم يمكن المجنى عليه منه، بل يختار فداءه ويخلص رقبته من الجناية، كذلك يدفع الله حاجاتنا في الآخرة، وأهم الحاجات أن يرحمنا ويعفو عنا، ويتغمدنا بالمغفرة والرضوان، حيث منع غيره عن تملك رقابنا باختيار الفداء عنا، وأرجو أن لا يفعل مع إخواننا المعتزلة ما يفعله المتعاملان في المحاسبة بالنقير والقطمير، والمطالبة بما يفضل لأحدهما من القليل والكثير......

    ملحوظة

    لاحظ التقسيم فى السورة مؤمن سابق واصحاب يمين وكافر صاحب شمال لايوجد منزلة بين منزلتين او اصحاب كبائر مخلدون فى النار كما ادعى المعتزلة

  6. #666
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    قال الرازى

    والظاهر أن المراد من قوله: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } حقيقته وهي أنا ما سبقنا وهو يحتمل شيئين أحدهما: أن يكون معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شيء وثانيهما: في خلق الناس وتقدير الموت فيهم ما سبق وهو على طريقة منع آخر وفيه فائدتان أما إذا قلنا: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } معناه ما سبقنا شيء فهو إشارة إلى أنكم من أي وجه تسلكون طريق النظر تنتهون إلى الله وتقفون عنده ولا تجاوزونه، فإنكم إن كنتم تقولون: قبل النطفة أب وقبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتهاء النطف والآباء إلى خالق غير مخلوق، وأنا ذلك فإني لست بمسبوق وليس هناك خالق ولا سابق غيري، وهذا يكون على طريقة التدرج والنزول من مقام إلى مقام، والعاقل الذي هداه الله تعالى الهداية القوية يعرف أولاً والذي دونه يعرف بعد ذلك برتبة، والمعاند لا بد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب، ويقول: لا بد للكل من إله، وهو ليس بمسبوق فيما فعله، فمعناه أنه فعل ما فعل، ولم يكن لمفعوله مثال، وأما إن قلنا: إنه ليس بمسبوق، وأي حاجة في إعادته له بمثال هو أهون فيكون كقوله تعالى:
    { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }
    [الروم: 27] ويؤيده قوله تعالى: { عَلَىظ° أَن نُّبَدّلَ أَمْثَـظ°لَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لا تَعْلَمُونَ } فإن قيل: هذا لا يصح، لأن مثل هذا ورد في سؤال سائل، والمراد ما ذكرنا كأنه قال: وإنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وما نحن بمسبوقين، أي لسنا بعاجزين مغلوبين فهذا دليلنا، وذلك لأن قوله تعالى: { إِنَّا لَقَـظ°دِرُونَ } أفاد فائدة انتفاء العجز عنه، فلا بد من أن يكون لقوله تعالى: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } فائدة ظاهرة، ثم قال تعالى: { عَلَىظ° أَن نُّبَدّلَ أَمْثَـظ°لَكُمْ } في الوجه المشهور، قوله تعالى: { عَلَىظ° أَن نُّبَدّلَ } يتعلق بقوله: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } أي على التبديل، ومعناه وما نحن عاجزين عن التبديل. والتحقيق في هذا الوجه أن من سبقه الشيء كأنه غلبه فعجز عنه، وكلمة على في هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شيء، فإن من سبق غيره على أمر فهو الغالب، وعلى الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى: { نَحْنُ قَدَّرْنَا } وتقديره: نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع النسل من أول الأمر، كما يقول القائل: خرج فلان على أن يرجع عاجلاً، أي على هذا الوجه خرج، وتعلق كلمة على هذا الوجه أظهر،...

    قال المانريدى

    ثم في هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد؛ حيث قال: { أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ظ±لْخَالِقُونَ } ، والإمناء: هو فعل العبد؛ إذ هو دفق المني، ثم أخبر أنه هو خالق ذلك؛ حيث قال: { ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ } ، وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك.

    [و] في قوله تعالى: { لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاما } و { أُجَاجاً } نقض قولهم في الأصلح؛ فإنه يقال لهم: إن قوله: لو شاء لجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك الأصلح لهم، أو يكون الأصلح لهم في إبقاء ذلك؛ فيصير كأنه قال: لو شاء لجعل ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى لو شاء أن يجور لجار؛ فعلى أي الوجهين حمل، كان في ذلك نقض مذهبهم.

    وفي قوله تعالى: { قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ظ±لْمَوْتَ } نقض قولهم من أن المقتول لم يمت بأجله؛ لأنه - تعالى - أخبر أنه قدر الموت بينهم، وعندهم: أن من قتل لم يمت بما قدر الله تعالى، ولم يمت بأجله، وقد أخبر أنه هو قدر ذلك، وأنه لا يسبق في ذلك بقوله: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } ، ولو كان على ما تقوله المعتزلة يموت قبل أجله، فقد قالوا: إنه لم يقدر له الموت، وأن القاتل قد سبقه ومنعه عن وفاء ما جعل له من الأجل والبلوغ إلى ذلك الأجل الذي جعل له وكذبه في خبره: أنه يبلغ إلى ذلك الأجل، والله الموفق.

    وقال الالوسي

    بِمَوظ°قِعِ ظ±لنُّجُومِ } أي بمساقط كواكب السماء ومغاربها كما جاء في رواية عن قتادة والحسن على أن الوقوع بمعنى السقوط والغروب. وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، ولذا استدل الخليل عليه السلام بالأفول على وجود الصانع جل وعلا، أو لأن ذلك وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه تعالى وأوان نزول الرحمة والرضوان عليهم.

  7. #667
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } * { فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ } * { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ظ±لْمُطَهَّرُونَ }

    سؤال لمن قال مابين الدفتين مخلوق!!!!!

    لماذا شرعا لايمس المصحف الا من علي طهارة!!!

    ولماذا يجوز الحلف بالمصحف!!!!!! ولا حلف الا بقديم!!!!!

    ان كنت لاترى فى المصحف الا الحبر والورق المخلوق فتدبر ماقلت لك

    لذلك اقول مسألة قدم القرآن يحل اشكالها من الفقه الاسلامى باب الحلف بالمصحف ومس المصحف

    وقال القرطبي

    { أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } بالنعمة وتقولون سُقِينا بنَوْء كذا؛ كقولك: جعلَت إحساني إليك إساة منك إليّ، وجعلَت إنعامي لديك أن ظ±تخذتني عدوًّا. وفي الموطأ " عن زيد بن خالد الجُهَنيّ أنه قال: صلىّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحُدَيْبِية على إثرِ سماء كانت من الليل، فلما ظ±نصرف أَقْبَلَ على الناس وقال:«أتدرون ماذا قال ربكم» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب فأما من قال مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مُطِرنا بنَوْء كذا وكذا فذلك مؤمن بالكوكب كافر بي» " قال الشافعي رحمه الله: لا أحبّ أحداً أن يقول مُطِرنا بنَوْء كذا وكذا، وإن كان النَّوْء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحبّ أن يقول: مُطِرنا وقت كذا كما تقول مُطِرنا شهر كذا، ومن قال: مُطِرنا بنَوْء كذا، وهو يريد أن النَّوْء أنزل الماء، كما عنى بعض أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما قوله عليه الصلاة والسلام حاكياً عن الله سبحانه: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر " فمعناه عندي على وجهين: أما أحدهما فإن المعتقِد بأن النَّوْء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشىء للسحاب دون الله عز وجل فذلك كافر كفراً صريحاً يجب ظ±ستتابته عليه وقتله إن أبى لنبذه الإسلام ورده القرآن. والوجه الآخر أن يعتقد أن النَّوْء يُنزِل الله به الماءَ، وأنه سبب الماء على ما قدّره الله وسبق في علمه؛ وهذا وإن كان وجهاً مباحاً، فإن فيه أيضاً كفراً بنعمة الله عز وجل، وجهلاً بلطيف حكمته في أنه ينزل الماء متى شاء، مرة بنَوْء كذا، ومرة بَنْوء كذا، وكثيراً ما ينوء النَّوْء فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله تعالى لا من النَّوْء

    قال السيوطى فى دره

    أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه الآية { فلا أقسم بمواقع النجوم } حتى بلغ { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ".

    وقال الالوسي

    ، و { ظ±لْحُلْقُومَ } مجرى الطعام؛ وضمير { بَلَغَتِ } للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها ذكر قبل، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة وهي المسماة بالروح الأمرية، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام الغزالي وجماعة من المحققين، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح المشار إليها بقوله تعالى:
    { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لرُّوحِ قُلِ ظ±لرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى }
    [الإسراء: 85] جسم لطيف جداً سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام، وقد رد العلامة ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه «الروح»، ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر...


    { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } أي المحتضر المفهوم من الكلام { مّنكُمْ } والمراد بالقرب العلم وهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب فإن القرب أقوى سبب للاطلاع والعلم، وقال غير واحد: المراد القرب علماً وقدرة أي نحن أقرب إليه في كل ذلك منكم حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدونه من آثار الشدّة من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها الحقيقية ولا أن تقدروا على مباشرة دفعها إلا بما لا ينجع شيئاً ونحن المتولون لتفاصيل أحواله بعلمنا وقدرتنا أو بملائكة الموت...

  8. #668
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    قبل ان ننتقل عن سورة الواقعة للحديد

    نذكر لطيفتين

    اعلم اخى الحبيب ان علماء التوحيد تكلموا فى هذا العلم عن

    مبحث الذات واثبات واجب الوجود

    مبحث النبوات واثبات النبوة

    اثبات الحشر والميعاد واحداث الاخرة

    وهذا نفس طريقة القران

    قال الرازى

    المسألة الثالثة: ما الإصرار على الحنث العظيم؟ نقول: الشرك، كما قال تعالى:
    { إِنَّ ظ±لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
    [لقمان: 13] وفيها لطيفة وهي أنه أشار في الآيات الثلاث إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } من حيث الاستعمال يدل على ذمهم بإنكار الرسل، إذ المترف متكبر بسبب الغنى فينكر الرسالة، والمترفون كانوا يقولون:
    { أَبَشَرٌ مّنَّا وظ°حِداً نَّتَّبِعُهُ }
    [القمر: 34] وقوله: { يُصِرُّونَ عَلَى ظ±لْحِنثِ ظ±لْعَظِيمِ } [الواقعة: 46] إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد، وقوله تعالى: { وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } إشارة إلى إنكار الحشر والنشر،...

    اللطيفة الاخرى

    قال القرطبي

    وقيل: ما أقسم الله به عظيم { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } ذكر المقسم عليه؛ أي أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهو كريم على المؤمنين، لأنه كلام ربّهم، وشفاء صدورهم؛ كريم على أهل السماء؛ لأنه تنزيل ربّهم ووَحْيه. وقيل: { كَرِيمٌ } أي غير مخلوق.

  9. #669
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    سورة الحديد

    قال الرازى

    { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ }

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: التسبيح تبعيد الله تعالى من السوء، وكذا التقديس من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. واعلم أن التسبيح عن السوء يدخل فيه تبعيد الذات عن السوء، وتبعيد الصفات وتبعيد الأفعال، وتبعيد الأسماء وتبعيد الأحكام، أما في الذات: فأن لا تكون محلاً للإمكان، فإن السوء هو العدم وإمكانه، ثم نفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية، ونفي الضد والند وحصول الوحدة المطلقة. وأما في الصفات: فأن يكون منزهاً عن الجهل بأن يكون محيطاً بكل المعلومات، ويكون قادراً على كل المقدورات، وتكون صفاته منزهة عن التغيرات. وأما في الأفعال: فأن تكون فاعليته موقوفة على مادة ومثال، لأن كل مادة ومثال فهو فعله، لما بينا أن كل ما عداه فهو ممكن، وكل ممكن فهو فعله، فلو افتقرت فاعليته إلى مادة ومثال، لزم التسلسل، وغير موقوفة على زمان ومكان، لأن كل زمان فهو مركب من أجزاء منقضية، فيكون ممكناً، كل مكان فهو يعد ممكن مركب من أفراد الأحياز، فيكون كل واحد منهما ممكناً ومحدثاً، فلو افتقرت فاعليته إلى زمان وإلى مكان، لافتقرت فاعلية الزمان والمكان إلى زمان ومكان، فيلزم التسلسل، وغير موقوفة على جلب منفعة، ولا دفع مضرة، وإلا لكان مستكملاً بغيره ناقصاً في ذاته، وذلك محال. وأما في الأسماء: فكما قال:
    { وَللَّهِ ظ±لأَسْمَاء ظ±لْحُسْنَىظ° فَظ±دْعُوهُ بِهَا }
    [الأعراف: 18]. وأما في الأحكام: فهو أن كل ما شرعه فهو مصلحة وإحسان وخير، وأن كونه فضلاً وخيراً ليس على سبيل الوجوب عليه، بل على سبيل الإحسان، وبالجملة يجب أن يعلم من هذا الباب أن حكمه وتكليفه لازم لكل أحد، وأنه ليس لأحد عليه حكم ولا تكليف ولا يجب لأحد عليه شيء أصلاً، فهذا هو ضبط معاقد التسبيح....

    أما قوله: { وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ } فالمعنى أنه القادر الذي لا ينازعه شيء، فهو إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى أنه العالم الذي لا يحتجب عن علمه شيء من الجزئيات والكليات أو أنه الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب، ولما كان العلم بكونه قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً لا جرم قدم العزيز على الحكيم في الذكر. واعلم أن قوله: { وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ } يدل على أن العزيز ليس إلا هو لأن هذه الصيغة تفيد الحصر، يقال: زيد هو العالم لا غيره، فهذا يقتضي أنه لا إله إلا الواحد، لأن غيره ليس بعزيز ولا حكيم ومالا يكون كذلك لا يكون إلهاً....

    لَهُ مُلْكُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

    واعلم أن الملك الحق هو الذي يستغني في ذاته، وفي جميع صفاته عن كل ما عداه، ويحتاج كل ما عداه إليه في ذواتهم وفي صفاتهم، والموصوف بهذين الأمرين ليس إلا هو سبحانه. أما أنه مستغن في ذاته وفي جميع صفاته عن كل ما عداه فلأنه لو افتقر في ذاته إلى الغير لكان ممكناً لذاته فكان محدثاً، فلم يكن واجب الوجود، وأما أنه مستغن في جميع صفاته السلبية والإضافية عن كل ما عداه، فلأن كل ما يفرض صفة له، فإما أن تكون هويته سبحانه كافية في تحقق تلك الصفة سواء كانت الصفة سلباً أو إيجاباً أو لا تكون كافية في ذلك، فإن كانت هويته كافية في ذلك من دوام تلك الهوية دوام تلك الصفة سلباً كانت الصفة أو إيجاباً، وإن لم تكن تلك لزم الهوية كافية، فحينئذ تكون تلك الهوية ممتنعة الانفكاك عن ثبوت تلك الصفة وعن سلبها، ثم ثبوت تلك الصفة وسلبها، يكون متوقفاً على ثبوت أمر آخر وسلبه، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء، فهويته سبحانه تكون موقوفة التحقق على تحقق علة ثبوت تلك الصفة أو علة سلبها، والموقوف على الغير ممكن لذاته فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته، وهذا خلف، فثبت أنه سبحانه غير مفتقر لا في ذاته، ولا في شيء من صفاته السلبية ولا الثبوتية إلى غيره، وأما أن كل ما عداه مفتقر إليه فلأن كل ما عداه ممكن، لأن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد والممكن لا بد له من مؤثر، ولا واجب إلا هذا الواحد فإذن كل ما عداه فهو مفتقر إليه سواء كان جوهراً أو عرضاً، وسواء كان الجوهر روحانياً أو جسمانياً، وذهب جمع من العقلاء إلى أن تأثير واجب الوجود في إعطاء الوجود لا في الماهيات فواجب الوجود يجعل السواد موجوداً، أما أنه يستحيل أن يجعل السواد سواداً، قالوا: لأنه لو كان كون السواد سواداً بالفاعل، لكان يلزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يبقى السواد سواداً وهذا محال، فيقال لهم يلزمكم على هذا التقدير أن لا يكون الوجود أيضاً بالفاعل، وإلا لزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يكون الوجود وجوداً، فإن قالوا: تأثير الفاعل ليس في الوجود بل في جعل الماهية موصوفة بالوجود، قلنا: هذا مدفوع من وجهين الأول: أن موصوفية الماهية بالوجود ليس أمراً ثبوتياً، إذ لو كان أمراً ثبوتياً لكانت له ماهية ووجود، فحينئذ تكون موصوفية تلك الماهية بالوجود زائدة عليه ولزم التسلسل وهو محال، وإذا كان موصوفية الماهية بالوجوه ليس أمراً ثبوتياً، استحال أن يقال: لا تأثير للفاعل في الماهية ولا في الوجود بل تأثيره في موصوفية الماهية بالوجود الثاني: أن بتقدير أن تكون تلك الموصوفية أمراً ثبوتياً، استحال أيضاً جعلها أثراً للفاعل، وإلا لزم عند فرض عدم ذلك الفاعل أن تبقى الموصوفية موصوفية، فظهر أن الشبهة التي ذكروها لو تمت واستقرت يلزم نفي التأثير والمؤثر أصلاً، بل كما أن الماهيات إنما صارت موجودة بتأثير واجب الوجود، فكذا أيضاً الماهيات إنما صارت ماهيات بتأثير واجب الوجود، وإذا لاحت هذه الحقائق ظهر بالبرهان العقلي صدق قوله تعالى: { لَّهُ مُلْكُ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ } بل ملك السموات والأرض بالنسبة إلى كمال ملكه أقل من الذرة، بل لا نسبة له إلى كمال ملكه أصلاً، لأن ملك السموات والأرض ملك متناه، وكمال ملكه غير متناه، والمتناهي لا نسبة له ألبتة إلى غير المتناهي، لكنه سبحانه وتعالى ذكر ملك السموات والأرض لأنه شيء مشاهد محسوس، وأكثر الخلق عقولهم ضعيفة قلما يمكنهم الترقي من المحسوس إلى المعقول...

    هُوَ ظ±لأَوَّلُ وَظ±لآخِرُ وَظ±لظَّاهِرُ وَظ±لْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير هذه الآية: " إنه الأول ليس قبله شيء والآخر ليس بعده شيء " وأعلم أن هذا المقام مقام مهيب غامض عميق والبحث فيه من وجوه: الأول: أن تقدم الشيء على الشيء يعقل على وجوه أحدها: التقدم بالتأثير فإنا نعقل أن لحركة الأصبع تقدماً على حركة الخاتم، والمراد من هذا التقدم كون المتقدم مؤثراً في المتأخر وثانيها: التقدم بالحاجة لا بالتأثير، لأنا نعقل احتياج الاثنين إلى الواحد وإن كنا نعلم أن الواحد ليس علة للاثنين وثالثها: التقدم بالشرف كتقدم أبي بكر على عمر ورابعها: التقدم بالرتبة، وهو إما من مبدأ محسوس كتقدم الإمام على المأموم، أو من مبدأ معقول، وذلك كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، فإنه كلما كان النوع أشد تسفلاً كان أشد تأخراً، ولو قلبناه انقلب الأمر وخامسها: التقدم بالزمان، وهو أن الموجود في الزمان المتقدم، متقدم على الموجود في الزمان المتأخر، فهذا ما حصله أرباب العقول من أقسام القبلية والتقدم وعندي أن ههنا قسماً سادساً، وهو مثل تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض، فإن ذلك التقدم ليس تقدماً بالزمان، وإلا وجب أن يكون الزمان محيطاً بزمان آخر، ثم الكلام في ذلك المحيط كالكلام في المحاط به، فيلزم أن يحيط بكل زمان زمان آخر لا نهاية بحيث تكون كلها حاضرة في هذا الآن، فلا يكون هذا الآن الحاضر واحداً، بل يكون كل حاضر في حاضر آخر لا إلى نهاية وذلك غير معقول، وأيضاً فلأن مجموع تلك الآنات الحاضرة متأخر عن مجموع الآنات الماضية، فلمجموع الأزمنة زمان آخر محيط بها لكن ذلك محال، لأنه لما كان زماناً كان داخلاً في مجموع الأزمنة، فإذاً ذلك لزمان داخل في ذلك المجموع وخارج عنه وهو محال، فظهر بهذا البرهان الظاهر أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ليس بالزمان، وظاهر أنه ليس بالعلة ولا بالحاجة، وإلا لوجدا معاً، كما أن العلة والعلول يوجدان معاً، والواحد والإثنين يوجدان معاً، وليس أيضاً بالشرف ولا بالمكان، فثبت أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض قسم سادس غير الأقسام الخمسة المذكورة، وإذا عرفت هذا فنقول: إن القرآن دل على أنه تعالى أول لكل ما عداه، والبرهان دل أيضاً على هذا المعنى، لأنا نقول: كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن محدث، فكل ما عدا الواجب فهو محدث، وذلك الواجب أول لكل ما عداه، إنما قلنا: أن ما عدا الواجب ممكن، لأنه لو وجد شيئآن واجبان لذاتهما لاشتركا في الواجب الذاتي، ولتباينا بالتعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة، فيكون كل واحد منهما مركباً، ثم كل واحد من جزأيه إن كان واجباً فقد اشترك الجزآن في الوجوب وتباينا بالخصوصية، فيكون كل واحد من ذينك الجزأين أيضاً مركباً ولزم التسلسل، وإن لم يكونا واجبين أو لم يكن أحدهما واجباً، كان الكل المتقوم به أولى بأن لا يكون واجباً، فثبت أن كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن محدث، لأن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر، وذلك الافتقار إما حال الوجود أو حال العدم، فإذاً كان حال الوجود، فإما حال البقاء وهو محال لأنه يقتضي إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل وهو محال، فإن تلك الحاجة إما حال الحدوث أو حال العدم، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون كل ممكن محدثاً، فثبت أن كل ما عدا ذلك الواجب فهو محدث محتاج إلى ذلك الواجب، فإذاً ذلك الواجب يكون قبل كل ما عداه، ثم طلب العقل كيفية تلك القبلية فقلنا: لا يجوز أن تكون تلك القبلية بالتأثير، لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً، والمع لا يكون قبل، ولا يجوز أن تكون لمجرد الحاجة لأن المحتاج والمحتاج إليه لا يمتنع أن يوجدا معاً، وقد بينا أن تلك المعية ههنا ممتنعة، ولا يجوز أن تكون لمحض الشرف فإنه ليس المطلوب من هذه القبلية ههنا مجرد أنه تعالى أشرف من الممكنات، وأما القبلية المكانية فباطلة، وبتقدير ثبوتها فتقدم المحدث على المحدث أمر زائد آخر وراء كون أحدهما فوق الآخر بالجهة، وأما التقدم الزماني فباطل، لأن الزمان أيضاً ممكن ومحدث، أما أولاً فلما بينا أن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد، وأما ثانياً فلأن أمارة الإمكان والحدوث فيه أظهر كما في غيره لأن جميع أجزائه متعاقبة، وكل ما وجد بعد العدم وعدم بعد الوجود فلا شك أنه ممكن المحدث، وإذا كان جميع أجزاء الزمان ممكناً ومحدثاً والكل متقوم بالأجزاء فالمفتقر إلى الممكن المحدث أولى بالإمكان والحدوث، فإذن الزمان بمجموعه وبأجزائه ممكن ومحدث، فتقدم موجده عليه لا يكون بالزمان، لأن المتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان، وإلا فيلزم في ذلك الزمان أن يكون داخلاً في مجموع الأزمنة لأنه زمان، وأن يكون خارجاً عنها لأنه ظرفها، والظرف مغاير للمظروف لا محال، لكن كون الشيء الواحد داخلاً في شيء وخارجاً عنه محال، وأما ثالثاً فلأن الزمان ماهيته تقتضي السيلان والتجدد، وذلك يقتضي المسبوقية بالغير والأزل ينافي المسبوقية بالغير، فالجمع بينهما محال، فثبت أن تقدم الصانع على كل ما عداه ليس بالزمان ألبتة، فإذن الذي عند العقل أنه متقدم على كل ما عداه، أنه ليس ذلك التقدم على أحد هذه الوجوه الخمسة، فبقي أنه نوع آخر من التقدم يغاير هذه الأقسام الخمسة، فأما كيفية ذلك التقدم فليس عند العقل منها خبر، لأن كل ما يخطر ببال العقل فإنه لا بد وأن يقترن به حال من الزمان، وقد دل الدليل على أن كل ذلك محال، فإذن كونه تعالى أولاً معلوم على سبيل الإجمال، فأما على سبيل التفصيل والإحاطة بحقيقة تلك الأولية، فليس عند عقول الخلق منه أثر.

    النوع الثاني: من هذا غوامض الموضع، وهو أن الأزل متقدم على اللا يزال، وليس الأزل شيئاً سوى الحق، فتقدم الأزل على اللا يزال، يستدعي الامتياز بين الأزل وبين اللا يزال، فهذا يقتضي أن يكون اللا يزال له مبدأ وطرف، حتى يحصل هذا الامتياز، لكن فرض هذا الطرف محال، لأن كل مبدأ فرضته، فإن اللايزال، كان حاصلاً قبله، لأن المبدأ الذي يفرض قبل ذلك الطرف المفروض بزيادة مائة سنة، يكون من جملة اللايزال، لا من جملة الأزل، فقد كان معنى اللايزال موجوداً قبل أن كان موجوداً وذلك محال. النوع الثالث: من غوامض هذا الموضوع، أن امتياز الأزل عن اللا يزال، يستدعي انقضاء حقيقة الأزل، وانقضاء حقيقة الأزل محال، لأن مالا أول له يمتنع انقضاؤه، وإذا امتنع انقضاؤه امتنع أن يحصل عقيبه ماهية اللا يزال، فإذن يمتنع امتياز الأزل عن اللا يزال، وامتياز اللا يزال عن الأزال، وإذا امتنع حصول هذا الإمتياز امتنع حصول التقدم والتأخر، فهذه أبحاث غامضة في حقيقة التقدم والأولية والأزلية، وما هي إلا بسبب حيرة العقول البشرية في نور جلال ماهية الأزلية والأولية، فإن العقل إنما يعرف الشيء إذا أحاط به، وكل ما استحضره العقل، ووقف عليه فذاك يصير محاطاً به، والمحاط يكون متناهياً، والأزلية تكون خارجة عنه، فهو سبحانه ظاهر باطن في كونه أولاً، لأن العقول شاهدة بإسناد المحدثات إلى موجد متقدم عليها فكونه تعالى أولاً أظهر من كل ظاهر من هذه الجهة، ثم إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك الأولية عجزت لأن كل ما أحاط به عقلك وعلمك فهو محدود عقلك ومحاط علمك فيكون متناهياً، فتكون الأولية خارجة عنا، فكونه تعالى أولاً إذا اعتبرته من هذه الجهة كان إبطن من كل باطن، فهذا هو البحث عن كونه تعالى أولاً. أما البحث عن كونه آخراً، فمن الناس من قال: هذا محال، لأنه تعالى إنما يكون آخر الكل ما عداه، لو بقي هو مع عدم كل ما عداه لكن عدم ما عداه إنما يكون بعد وجوده، وتلك البعدية، زمانية، فإذن لا يمكن فرض عدم كل عداه إلا مع وجود الزمان الذي به تتحقق تلك البعدية، فإذن حال ما فرض عدم كل ما عداه، أن لا يعدم كل ما عداه، فهذا خلف، فإذن فرض بقائه مع عدم كل ما عداه محال، وهذه الشبهة مبنية أيضاً على أن التقدم والتأخر لا يتقرران إلا بالزمان، وقد دللنا على فساد هذه المقدمة فبطلت هذه الشبهة، وأما الذين سلموا إمكان عدم كل ما عداه مع بقائه، فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه تعالى آخراً للكل، وهذا مذهب جهم، فإنه زعم أنه سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب، ويوصل العقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها، والنار وأهلها، والعرش والكرسي والملك والفلك، ولا يبقى مع الله شيء أصلاً، فكما أنه كان موجوداً في الأزل ولا شيء يبقى موجوداً في اللا يزال أبد الآباد ولا شيء، واحتج عليه بوجوه أولها: قوله هو الآخر، يكون آخراً إلا عند فناء الكل وثانيها: أنه تعالى إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار، أو لا يكون عالماً بها، فإن كان عالماً بها كان عالماً بكميتها، وكل ماله عدد معين فهو متناه، فإذن حركات أهل الجنة متناهية، فإذن لا بد وأن يحصل بعدها عدم أبدي غير منقض وإذا لم يكن عالماً بها كان جاهلاً بها والجهل على الله محال وثالثها: أن الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك فهو متناه والجواب: أن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه هو أن هذه الماهيات لو زالت إمكاناتها، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعاً لذاته، ولو انقلبت قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير، لانقلبت الماهيات وذلك محال، فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبداً، فإذن ثبت أنه يجب انتهاء هذه المحدثات إلى العدم الصرف، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء الله تعالى وأما الشبهة الثانية: فجوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين، وهذا لا يكون جهلاً، إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه، أما إذا لم يكن له عدد معين وأنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلاً بل علماً وأما الشبهة الثالثة: فجوابها أن الخارج منه إلى الوجود أبداً لا يكون متناهياً، ثم إن المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبداً عولوا في بقاء الجنة والنار أبداً، على إجماع المسلمين وظواهر الآيات، ولا يخفى تقريرها، وأما جمهور المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة والنار أبداً، فقد اختلفوا في معنى كونه تعالى آخراً على وجوه أحدها: أنه تعالى يفني جميع العالم والممكنات فيتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداً وثانيها: أن الموجود الذي يصح في العقل أن يكون آخراً لكل الأشياء ليس إلا هو، فلما كانت صحة آخرية كل الأشياء مختصة به سبحانه، لا جرم وصف بكونه آخراً وثالثها: أن الوجود منه تعالى يبتدىء، ولا يزال ينزل وينزل حتى ينتهي إلى الموجود الأخير، الذي كون هو مسبباً لكل ما عداه، ولا يكون سبباً لشيء آخر، فبهذا الاعتبار يكون الحق سبحانه أولاً، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة فدرجة حتى ينتهي إلى آخر الترقي، فهناك وجود الحق سبحانه، فهو سبحانه أول في نزول الوجود منه إلى الممكنات، آخر عند الصعود من الممكنات إليه ورابعها: أنه يميت الخلق ويبقى بعدهم، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار وخامسها: أنه أول في الوجود وآخر في الاستدلال، لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة الصانع، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد منها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة، أما كونه تعالى ظاهراً وباطناً، فاعلم أنه ظاهر بحسب الوجود، فإنك لا ترى شيئاً من الكائنات والممكنات إلا ويكون دليلاً على وجوده وثبوته وحقيقته وبراءته عن جهات التغير على ما قررناه، وأما كونه تعالى باطناً فمن وجوه الأول: أن كمال كونه ظاهراً سبب لكونه باطناً، فإن هذه الشمس لو دامت على الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء إنما حصل بسببها، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار وزالت الأضواء عن هذا العالم، علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس، فههنا لو أمكن انقطاع وجود الله عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود الله تعالى، لكنه لما دام ذلك الجود ولم ينقطع صار دوامه وكماله سبباً لوقوع الشبهة، حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود كل شيء له من ذاته، فظهر أن هذا الاستتار إنما وقع من كمال وجوده، ومن دوام جوده، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره، واحتجب عنها بكمال نوره.

    الوجه الثاني: أن ماهيته غير معقولة للبشر ألبتة، ويدل عليه أن الإنسان لا يتصور ماهية الشيء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم واللذة وغيرهما أو أدركه بحسه كالألوان والطعوم وسائر المحسوسات، فأما مالا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ماهيته ألبتة، وهويته المخصوصة جل جلاله ليست كذلك فلا تكون معقولة للبشر، ويدل عليه أيضاً أن المعلوم منه عند الخلق، إما الوجود وإما السلوب، وهو أنه ليس بجسم ولا جوهر، وإما الإضافة، وهو أنه الأمر الذي من شأنه كذا وكذا، والحقيقة المخصوصة مغايرة لهذه الأمور فهي غير معقولة ويدل عليه أن أظهر الأشياء منه عند العقل كونه خالقاً لهذه المخلوقات، ومتقدماً عليها، وقد عرفت حيرة العقل ودهشته في معرفة هذه الأولية، فقد ظهر بما قدمناه أنه سبحانه هو الأول وهو الآخر، وهو الظاهر وهو الباطن،..

    احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله: { هُوَ ظ±لأَوَّلُ } قالوا الأول هو الفرد السابق، ولهذا المعنى لو قال: أول مملوك اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا، لأن شرط كونه أولاً حصول الفردية، وههنا لم تحصل، فلو اشترى بعد ذلك عبداً واحداً لم يعتق، لأن شرط الأولية كونه سابقاً وههنا لم يحصل، فثبت أن الشرط في كونه أولاً أن يكون فرداً، فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد. المسألة الثالثة: أكثر المفسرين قالوا: إنه أول لأنه قبل كل شيء، وإنه آخر لأنه بعد كل شيء، وإنه ظاهر بحسب الدلائل، وإنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار، وأن جماعة لما عجزوا عن جواب جهم قالوا: معنى هذه الألفاظ مثل قول القائل: فلان هو أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه، أي عليه يدور، وبه يتم. واعلم أنه لما أمكن حمل الآية على الوجوه التي ذكرناها مع أنه يسقط بها استدلال جهم لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة، وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب العالي على كل شيء، ومنه قوله تعالى:
    { فَأَصْبَحُواْ ظَـظ°هِرِينَ }
    [الصف: 14] أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت على فلان أي علوته، ومنه قوله تعالى:
    { عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ }
    [الزخرف: 33] وهذا معنى ما روى في الحديث: " وأنت الظاهر فليس فوقك شيء " وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يظن أمر فلان، أي يعلم أحواله الباطنة قال الليث: يقال: أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي أخبر بباطنه، فمعنى كونه باطناً، كونه عالماً ببواطن الأمور، وهذا التفسير عندي فيه نظر، لأن قوله بعد ذلك: { وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } يكون تكراراً. أما على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل: إن أحداً لا يحيط به ولا يصل إلى أسراره، وإنه لا يخفى عليه شيء من أحوال غيره ونظيره
    { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ }
    [المائدة: 116].

    وقال ابن كثير

    وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية حدثنا عبد بن حميد وغير واحد، لمعنى واحد، قالوا حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال حدث الحسن عن أبي هريرة قال بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم " هل تدرون ما هذا؟ " قالوا الله ورسوله أعلم. قال " هذا العنان، هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه " ثم قال " هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا الله ورسوله أعلم. قال " فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف " ثم قال " هل تدرون كم بينكم وبينها؟ " قالوا الله ورسوله أعلم. قال " بينكم وبينها خمسمئة سنة " ثم قال " هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا الله ورسوله أعلم. قال " فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمئة سنة حتى عد سبع سماوات ــــ ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض " ثم قال " هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا الله ورسوله أعلم قال " فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء مثل بعد ما بين السماءين "

    ثم قال " هل تدرون ما الذي تحتكم؟ " قالوا الله ورسوله أعلم. قال " فإنها الأرض " ثم قال " هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ " قالوا الله ورسوله أعلم. قال " فإن تحتها أرضاً أخرى، بينهما مسيرة خمسمئة سنة ــــ حتى عد سبع أرضين ــــ بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة " ثم قال " والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلاً إلى الأرض السفلى، لهبط على الله " ثم قرأ { هُوَ ظ±لأَوَّلُ وَظ±لأَخِرُ وَظ±لظَّـظ°هِرُ وَظ±لْبَـظ°طِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }. ثم قال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس، يعني ابن عبيد، وعلي بن زيد، وقالوا لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه، انتهى كلامه. وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سُريج عن الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وعنده " وبعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمئة عام ــــ وقال ــــ لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله " ثم قرأ { هُوَ ظ±لأَوَّلُ وَظ±لأَخِرُ وَظ±لظَّـظ°هِرُ وَظ±لْبَـظ°طِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } ...

    ملحوظة

    استدلال اهل السنة من حديث انت الظاهر فليس فوقك والباطن فليس دونك علي نفى المكان والجهة ظاهر كالشمس فى رابعة النهار وارجو من القائلين بالجهة تأمل حديث لو دليتم بحبل

  10. #670
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    وقال الالوسي

    هُوَ ظ±لأَوَّلُ } السابق على جميع الموجودات فهو سبحانه موجود قبل كل شيء حتى الزمان لأنه جل وعلا الموجد والمحدث للموجودات { وَظ±لأَخِرُ } الباقي بعد فنائها حقيقة أو نظراً إلى ذاتها مع قطع النظر عن مبقيها فإن جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النظر عن علتها فهي فانية. ومن هنا قال ابن سينا: الممكن في حدّ ذاته ليس وهو عن علته أيس فلا ينافي هذا كون بعض / الموجودات الممكنة لا تفنى كالجنة والنار ومن فيهما كما هو مقرر مبين بالآيات والأحاديث لأن فناءها في حدّ ذاتها أمر لا ينفك عنها، وقد يقال: فناء كل ممكن بالفعل ليس بمشاهد، والذي يدل عليه الدليل إنما هو إمكانه فالبعدية في مثله بحسب التصور والتقدير، وقيل: هو الأول الذي تبتدىء منه الأسباب إذ هو سبحانه مسببها والآخر الذي تنتهي إليه المسببات فالأولية ذاتية والآخرية بمعنى أنه تعالى إليه المرجع والمصير بقطع النظر عن البقاء الثابت بالأدلة، وقيل: الأول خارجاً لأنه تعالى أوجد الأشياء فهو سبحانه متقدم عليها في نفس الأمر الخارجي والآخر ذهناً وبحسب التعلق لأنه عز شأنه يستدل عليه بالموجودات الدالة على الصانع القديم كما قيل: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله تعالى بعده، وقال حجة الإسلام الغزالي: إن الأول يكون أولاً بالإضافة إلى شيء، والآخر يكون آخراً بالإضافة إلى شيء، وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أولاً وآخراً جميعاً بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فالله تعالى بالإضافة إليها أول إذ كلها استفادت الوجود منه سبحانه وأما هو عز وجل فموجود بذاته وما استفاد الوجود من غيره سبحانه وتعالى عن ذلك، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت منازل السالكين فهو تعالى آخر إذ هو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته تعالى فهي مرقاة إلى معرفته جل وعلا، والمنزل الأقصى هو معرفة الله جل جلاله فهو سبحانه بالإضافة إلى السلوك آخر وبالإضافة إلى الوجود أول فمنه عز شأنه المبدأ أولاً وإليه سبحانه والمرجع والمصير آخراً انتهى. والظاهر أن كونه تعالى أولاً وآخراً بالنسبة إلى الموجودات أولى ولعل ما ذكره أوفق بمشرب القوم....

    وقال الطيبـي: المعني بالظاهر في التفسير النبوي الغالب الذي يغلب ولا يغلب فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن من لا ملجأ ولا منجى دونه يلتجىء إليه ملتجىء، وبحث فيه بجواز أن يكون المراد أنت الظاهر فليس فوقك شيء في الظهور أي أنت أظهر من كل شيء إذ ظهور كل شيء بك وأنت الباطن فليس دونك في البطون شيء أي أنت أبطن من كل شيء إذ كل شيء يعلم حقيقته غيره وهو أنت وأنت لا يعلم حقيقتك غيرك، أو لأن كل شيء يمكن معرفة حقيقته وأنت لا يمكن أصلاً معرفة حقيقتك، وأيضاً في دلالة الباطن على ما قال: خفاء جداً على أنه لو كان الأمر كما ذكر ما عدل عنه أجلة العلماء فإن الخبر صحيح، وقد جاء نحوه من رواية الإمام أحمد وأبـي داود وابن ماجه؛ ويبعد عدم وقوف أولئك الأجلة عليه، وأبعد من ذلك أن يكون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من أسمائه تعالى غير ما في الآية، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام أراد بقوله: " فليس دونك شيء " ليس أقرب منك شيء، ويؤيده ما أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» عن مقاتل قال: بلغنا في قوله تعالى: { هُوَ ظ±لأَوَّلُ } الخ هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء، وإنما يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه والذي يترجح عندي ما ذكر أولاً.

    وعن بعض المتصوفة أهل وحدة الوجود أن المراد بقوله سبحانه: { هُوَ ظ±لأَوَّلُ } الخ أنه لا موجود غيره تعالى إذ كل ما يتصور موجوداً فهو إما أول أو آخر أو ظاهر أو باطن فإذا كان الله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن لا غيره كان كل ما يتصور موجوداً هو سبحانه لا غيره، وأيدوه بما في حديث مرفوع أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وجماعة عن أبـي هريرة " والذي نفسي بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله " قال أبو هريرة، ثم قرأ النبـي صلى الله عليه وسلم: { هُوَ ظ±لأَوَّلُ وَظ±لأَخِرُ وَظ±لظَّـظ°هِرُ وَظ±لْبَـظ°طِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } وحال القول بوحدة الوجود مشهور، وأما الخبر فمن المتشابه، وقد قال فيه الترمذي: فسر أهل العلم / الحديث فقالوا: أي لهبط على علم الله تعالى وقدرته وسلطانه، ويؤيد هذا ذكر التذييل وعدم اقتصاره عليه الصلاة والسلام على ما قبله....

    قال الرازى

    قوله تعالى: { هُوَ ظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° عَلَى ظ±لْعَرْشِ } وهو مفسر في الأعراف والمقصود منه دلائل القدرة. ثم قال تعالى: { يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي ظ±لأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ظ±لسَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } وهو مفسر في سبأ، والمقصود منه كمال العلم، وإنما قدم وصف القدرة على وصف العلم، لأن العلم بكونه تعالى قادراً قبل العلم بكونه تعالى عالماً، ولذلك ذهب جمع من المحققين إلى أن أول العلم بالله، هو العلم بكونه قادراً، وذهب آخرون إلى أن أول العلم بالله هو العلم بكونه مؤثراً، وعلى التقديرين فالعلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً. ثم قال تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه قد ثبت أن كل ما عدا الواجب الحق فهو ممكن، وكل ممكن فوجوده من الواجب، فإذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة إفادة الواجب الحق ذلك الوجود لتلك الماهية فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ماهية وبين وجودها، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية، ومن هذا السر قال المحققون: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله، وقال المتوسطون: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله معه، وقال الظاهريون: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله بعده. واعلم أن هذه الدقائق التي أظهرناها في هذه المواضع لها درجتان إحداهما: أن يصل الإنسان إليها بمقتضى الفكرة والروية والتأمل والتدبر والدرجة الثانية: أن تتفق لنفس الإنسان قوة ذوقية وحالة وجدانية لا يمكن التعبير عنها، وتكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق، كنسبة من يأكل السكر إلى من يصف حلاوته بلسانه. المسألة الثانية: قال المتكلمون: هذه المعية إما بالعلم وإما بالحفظ والحراسة، وعلى التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز، فإذن قوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ } لا بد فيه من التأويل وإذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع. المسألة الثالثة: اعلم أن في هذه الآيات ترتيباً عجيباً، وذلك لأنه بين قوله: { هُوَ ظ±لأَوَّلُ وَظ±لآخِرُ وَظ±لظَّـظ°هِرُ وَظ±لْبَـظ°طِنُ } كونه إلهاً لجميع الممكنات والكائنات، ثم بين كونه إلهاً للعرش والسموات والأرضين. ثم بين بقوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } معينه لنا بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب العلم وهو كونه عالماً بظواهرنا وبواطننا، فتأمل في كيفية هذا الترتيب، ثم تأمل في ألفاظ هذه الآيات فإن فيها أسراراً عجيبة وتنبيهات على أمور عالية....

    وقال الالوسي

    هُوَ ظ±لَّذِى خَلَقَ ظ±لسَمَـظ°وظ°تِ وَظ±لأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° عَلَى ظ±لْعَرْشِ } بيان لبعض أحكام ملكهما وقد مر تفسيره مراراً { يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ظ±لأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ظ±لسَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } مر بيانه في سورة سبأ [2]
    { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ }
    تمثيل لإحاطة علمه تعالى بهم وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا، وقيل: المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السابق واللحاق مع استحالة الحقيقة، وقد أول السلف هذه الآية بذلك، أخرج البيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أنه قال فيها: عالم بكم أينما كنتم. وأخرج أيضاً عن سفيان الثوري أنه سئل عنها فقال: علمه معكم، وفي «البحر» أنه اجتمعت الأمة على هذا التأويل فيها وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات وهي حجة على منع التأويل في غيرها مما يجري مجراها في استحالة الحمل على الظاهر، وقد تأول هذه الآية وتأول «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، ولو اتسع عقله لتأول غير ذلك مما هو في معناه انتهى.

    وأنت تعلم أن الأسلم ترك التأويل فإنه قول على الله تعالى من غير علم ولا نؤوّل إلا ما أوّله السلف ونتبعهم فيما كانوا عليه فإن أوّلوا أوّلنا وإن فوضوا فوضنا ولا نأخذ تأويلهم لشيء سلماً لتأويل غيره، وقد رأيت بعض الزنادقة الخارجين من ربقة الإسلام يضحكون من هذه الآية مع قوله تعالى: { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° عَلَى ظ±لْعَرْشِ } , ويسخرون من القرآن الكريم لذلك، وهو جهل فظيع وكفر شنيع نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.

    { وَظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } عبارة عن إحاطته بأعمالهم وتأخير صفة العلم الذي هو من صفات الذات عن الخلق الذي هو من صفات الأفعال مع أن صفات الذات متقدمة على صفات الأفعال لما أن المراد الإشارة إلى ما يدور عليه الجزاء من العلم التابع للمعلوم، وقيل: إن الخلق دليل العلم إذ يستدل بخلقه تعالى وإيجاده سبحانه لمصنوعاته المتقنة على أنه عز وجل عالم ومن شأن المدلول التأخر عن الدليل لتوقفه عليه.

    قال الرازى

    المسألة الثانية: قال القاضي قوله: { وَمَا لَكُمْ } يدل على قدرتهم على الإيمان إذ لا يجوز أن يقال ذلك إلا لمن لا يتمكن من الفعل، كما لا يقال: مالك لا تطول ولا تبيض، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، وعلى أن القدرة صالحة للضدين، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق الله...

    وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ظ±لْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـظ°ئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ظ±لَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لْحُسْنَىظ° وَظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }

    المسألة الرابعة: جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام، وأنفق وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الفتح، وبينوا الوجه في ذلك وهو عظم موقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام بالنفس، وإنفاق المال في تلك الحال، وفي عدد المسلمين قلة، وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قوياً، والكفر ضعيفاً، ويدل عليه قوله تعالى:
    { وَظ±لسَّـظ°بِقُونَ ظ±لأَوَّلُونَ مِنَ ظ±لْمُهَـظ°جِرِينَ وَظ±لأَنْصَـظ°رِ }
    [التوبة: 100] وقوله عليه الصلاة والسلام: " لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه

    وقال الالوسي

    في الآيات من الدلالة على فضل السابقين المهاجرين والأنصار ما لا يخفى، والمراد بهم المؤمنون المنفقون المقاتلون قبل فتح مكة أو قبل الحديبية بناءاً على الخلاف السابق، والآية على ما ذكره الواحدي عن الكلبـي نزلت في أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي بسببه، وأنت تعلم أن خصوص السبب لا يدل على تخصيص الحكم، فلذلك قال: { أُوْلَـظ°ئِكَ } ليشمل غيره رضي الله تعالى عنه ممن اتصف بذلك، نعم هو أكمل الأفراد فإنه أنفق قبل الفتح وقبل الهجرة جميع ماله وبذل نفسه معه عليه الصلاة والسلام ولذا قال صلى الله عليه وسلم: " ليس أحد أمنّ علي بصحبته من أبـي بكر " وذلك يكفي لنزولها فيه.

    وفي «الكشاف» إن { أُوْلَـظ°ئِكَ } هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال النبـي صلى الله عليه وسلم فيهم: " ولو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه " قال الطيبـي: الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبـي داود والترمذي عن أبـي سعيد الخدري قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابـي فلو أن أحداً أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه " ، وتعقبه في «الكشف» بأنه على هذا لا يختص بالسابقين الأولين كما أشار في «الكشاف» إليه وهو مبني على أن الخطاب في «لا تسبوا» ليس للحاضرين ولا للموجودين في عصره صلى الله عليه وسلم بل لكل من يصلح للخطاب كما في قوله تعالى:
    { وَلَوْ تَرَىظ° إِذْ وُقِفُواْ }
    [الأنعام: 30] الآية وإلا فقد قيل: إن الخطاب يقتضي الحضور والوجود ولا بد من مغايرة المخاطبين بالنهي عن سبهم فهم السابقون الكاملون في الصحبة.

    وأقول شاع الاستدلال بهذا الحديث على فضل الصحابة مطلقاً بناءاً على ما قالوا: إن إضافة الجمع تفيد الاستغراق وعليه صاحب «الكشف»، واستشكل أمر الخطاب، وأجيب عنه بما سمعت وبأنه على حدّ خطاب الله تعالى الأزلي لكن في بعض الأخبار ما يؤيد أن المخاطبين بعض من الصحابة والممدوحين بعض آخر منهم فتكون الإضافة للعهد أو بحمل الأصحاب على الكاملين في الصحبة.

    قال الرازى

    . ثم إنه تعالى قال: { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى ضمن على هذا القرض الحسن أمرين أحدهما: المضاعفة على ما ذكر في سورة البقرة، وبين أن مع المضاعفة له أجر كريم، وفيه قولان: الأول: وهو قول أصحابنا أن المضاعفة إشارة إلى أنه تعالى يضم إلى قدر الثواب مثله من التفضيل والأجر الكريم عبارة عن الثواب، فإن قيل: مذهبكم أن الثواب أيضاً تفضل فإذا لم يحصل الامتياز لم يتم هذا التفسير الجواب: أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ، أن كل من صدر منه الفعل الفلاني، فله قدر كذا من الثواب، فذاك القدر هو الثواب، فإذا ضم إليه مثله فذلك المثل هو الضعف والقول الثاني: هو قول الجبائي من المعتزلة أن الأعواض تضم إلى الثواب فذلك هو المضاعفة، وإنما وصف الأجر بكونه كريماً لأنه هو الذي جلب ذلك الضعف، وبسببه حصلت تلك الزيادة، فكان كريماً من هذا الوجه...

    ثم قال تعالى: { بُشْرَاكُمُ ظ±لْيَوْمَ جَنَّـظ°تٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ خَـظ°لِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ظ±لْفَوْزُ ظ±لْعَظِيمُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: حقيقة البشارة ذكرناها في تفسير قوله:
    { وَبَشّرِ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ }
    [البقرة: 25] ثم قالوا: تقدير الآية وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم، كما قال:
    { وَالمَلَـظ°ئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـظ°مٌ عَلَيْكُمُ }
    [الرعد: 23، 24]. المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص. المسألة الثالثة: احتج الكعبي على أن الفاسق ليس بمؤمن فقال: لو كان مؤمناً لدخل تحت هذه البشارة، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنة، ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن والجواب: أن الفاسق قاطع بأنه من أهل الجنة لأنه إما أن لا يدخل النار أو إن دخلها لكنه سيخرج منها وسيدخل الجنة ويبقى فيها أبد الآباد، فهو إذن قاطع بأنه من أهل الجنة، فسقط هذا الاستدلال

    وقال الالوسي

    وفي «البحر» الظاهر أن النور قسمان: نور بين أيديهم يضيء الجهة التي يؤمونها، ونور بأيمانهم يضيء ما حواليهم من الجهات، وقال الجمهور: إن النور أصله بأيمانهم والذي بين أيديهم هو الضوء المنبسط من ذلك، وقيل: الباء بمعنى عن أي وعن أيمانهم والمعنى في جميع جهاتهم، وذكر الأيمان لشرفها انتهى، ويشهد لهذا المعنى / ما أخرج ابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الرحمن بن جبير بن نضير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له فيرفع رأسه فأرفع رأسي فأنظر بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي بين الأمم فقيل: يا رسول الله وكيف تعرفهم من بين الأمم ما بين نوح عليه السلام إلى أمتك؟ قال: غرّ محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأحد غيرهم وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود وأعرفهم بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " وظاهر هذا الخبر اختصاص النور بمؤمني هذه الأمة وكذا إيتاء الكتب بالأيمان وبعض الأخبار يقتضي كونه لكل مؤمن، أخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي أمامة قال: «تبعث ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله تعالى بالنور للمؤمنين بقدر أعمالهم» الخبر، وأخرج عنه الحاكم وصححه وابن أبـي حاتم من وجه آخر وابن المبارك والبيهقي في «الأسماء والصفات» خبراً طويلاً فيه أيضاً ما هو ظاهر في العموم وكذا ما أخرج ابن جرير والبيهقي في «البعث» عن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله تعالى نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلاً لهم من الله عز وجل إلى الجنة، ولا ينافي هذا الخبر كونهم يمرون بنورهم على الصراط كما لا يخفى، وكذا إيتاء الكتب بالأيمان، ففي «هداية المريد لجوهرة التوحيد» ظاهر الآيات والأحاديث عدم اختصاصه يعني أخذ الصحف بهذه الأمة وإن تردد فيه بعض العلماء انتهى.

  11. #671
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    قال الالوسي

    هِىَ مَوْلَـظ°كُمْ } أي ناصركم من باب ـ تحية بينهم ضرب وجيع ـ والمراد نفي الناصر على البتات بعد نفي أخذ الفدية وخلاصهم بها عن العذاب، ونحوه قولهم: أصيب بكذا فاستنصر الجزع، ومنه قوله تعالى:
    { يُغَاثُواْ بِمَاء كَظ±لْمُهْلِ }
    [الكهف: 29] وقال الكلبـي والزجاج والفراء وأبو عبيدة: أي أولى بكم كما في قول لبيد يصف بقرة وحشية نفرت من صوت الصائد:
    فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها
    أي فغدت كلا جانبيها الخلف والأمام تحسب أنه أولى بأن يكون فيه الخوف، قال الزمخشري: ((وحقيقة مولاكم هي على هذا محراكم ومقمنكم أي المكان الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل: هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل: إنه لكريم)) فأولى نوع من اسم المكان لوحظ فيه معنى أولى إلا أنه مشتق منه كما أن المؤنة ليست مشتقة من إن التحقيقية.

    وفي «التفسير الكبير» ((أن قولهم ذلك بيان لحاصل المعنى وليس بتفسير اللفظ لأنه لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل منهما في مكان الآخر وكان يجب أن يصح هذا أولى فلان كما يقال: هذا مولى فلان، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير، ثم صرح بأنه أراد بذلك رد استدلال الشريف المرتضى بحديث الغدير " من كنت مولاه " فعليّ مولاه على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه حيث قال: أحد معاني المولى الأولى. وحمله في الخبر عليه متعين لأن إرادة غيره يجعل الإخبار عبثاً كإرادة الناصر والصاحب وابن العم، أو يجعله كذباً كالمعتق والمعتق)) ولا يخفى على المنصف أنه إن أراد بكونه معنى لا تفسير ما أشار إليه الزمخشري من التحقيق / فهو لا يرد الاستدلال إذ يكفي للمرتضى أن يقول: المولى في الخبر بمعنى المكان الذي يقال فيه أولى إذ يلزم على غيره العبث أو الكذب وإن أراد أن ذلك معنى لازم لما هو تفسير له كأن يكون تفسيره القائم بمصالحكم ونحوه مما يكون ذلك لازماً له ففي رده الاستدلال أيضاً تردد، وإن أراد شيئاً آخر فنحن لا ندري ما هو ـ وهو لم يبينه ـ والحق أنه ولو جعل المولى بمعنى الأولى أو المكان الذي يقال فيه الأولى لا يتم الاستدلال بالخبر على الإمامة التي تدعيها الإمامية للأمير كرم الله تعالى وجهه لما بين في موضعه، وفي «التحفة الاثنى عشرية» ما فيه كفاية لطالب الحق.

    وقال المانريدى

    وقوله: { مَأْوَاكُمُ ظ±لنَّارُ } ، أي: يأوون إليها.

    وقوله: { هِيَ مَوْلاَكُمْ } ، أي: أولى بكم وأحق.

    وقوله: { وَبِئْسَ ظ±لْمَصِيرُ } ، أي: بئس ما يصيرون إليها.

    ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر في النار؛ لأنه تعالى جعل الناس على ثلاث فرق، وأنزلهم منازل ثلاثة: المنافقين، والكافرين كفر تصريح، والمؤمنين، وجعل النار لأهل الكفر وأهل النفاق، ولم يجعلها لغيرهما، وصاحب الكبيرة ليس هو بمنافق ولا كافر عندهم، وكذلك ما قسم الله تعالى الناس أقساما ثلاثة: السابقين، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال هم المكذبون، وأصحاب الكبائر ليسوا بمكذبين عندهم، وهو ما جعل النار إلا للمكذبين؛ ألا ترى أنه قال في آخره:
    { فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ظ±لْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ظ±لْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ظ±لْيَمِينِ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ظ±لْمُكَذِّبِينَ ظ±لضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـظ°ذَا لَهُوَ حَقُّ ظ±لْيَقِينِ }
    [الواقعة: 88-95] جعل الجنة للمقربين وأصحاب اليمين والنار للمكذبين خاصة، لم يجعلها لغيرهم، فمن جعلها لغيرهم، فهو مخالف لظاهر هذه الآيات التي ذكرنا، والله أعلم....

    وقوله: { وَظ±لشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ } من الناس.

    من جعل قوله: { وَظ±لشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ } على الابتداء مقطوعا من قوله: { أُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لصِّدِّيقُونَ } ، ومنهم من وصله به:

    فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله تعالى:
    { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىظ° هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ شَهِيداً }
    [النساء: 41]، ثم أخبر أن لهم أجرهم.

    ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله:
    { لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ظ±لنَّاسِ... }
    الآية [البقرة: 143]، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، والله أعلم.

    ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الله تعالى إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، يستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم.....

    قوله: { ظ±عْلَمُوغ¤اْ أَنَّمَا ظ±لْحَيَظ°وةُ ظ±لدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ظ±لأَمْوَظ°لِ وَظ±لأَوْلَظ°دِ }.

    ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم؛ فإنهم يقولون: إن كانت الحياة الدنيا لعبا ولهوا، فلم أنشأ الله تعالى لعبا ولهوا ولا منشئ سواه؟ فلهم موضع الطعن على هذا الوجه، ولهم دعوى التناقض - أيضا - فيه؛ لما ذكر في بعض الآيات، فقال:
    { وَمَا خَلَقْنَا ظ±لسَّمَآءَ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـظ°عِبِينَ }
    [الأنبياء: 16]، وقال:
    { وَمَا خَلَقْنَا ظ±لسَّمَآءَ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً }
    [ص: 27]، وقال في هذه الآية وغيرها: { أَنَّمَا ظ±لْحَيَظ°وةُ ظ±لدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ }.

    فنقول: إن الآية تخرج على وجوه:

    أحدها: على التقديم والتأخير مع الإضمار: كأنه قال: اعلموا أن مثل الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، أي: يتزينون بها ويتفاخرون بالأولاد والأموال، ويتلهون بها ويلعبون - كمثل الغيث أعجب الكفار نباته، ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به؛ فعلى ذلك حياة الدنيا، والله أعلم.

    والثاني: إنما الحياة الدنيا على ما هي عندكم، وعلى ما اتخذتموها، وعلى ما ظننتم: أنه لا بعث ولا حياة بعده - كان إنشاؤها عبثا ولهوا - إذ لو كان على ما ظنوا لم يكن إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة عبث وسفه، ليس بحكمة، وهو ما ذكر:
    { وَمَا خَلَقْنَا ظ±لسَّمَآءَ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً }
    [ص: 27]، ذلك ظن الذين كفروا، وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده؛ فعلى ما كان ظنهم، كان إنشاؤها لعبا ولهوا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد حكمة وحق وصواب، وعلى ما كان عند أهل الإلحاد، فهي سفه وباطل، وقد رد الله عليهم بقوله:
    { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ }
    [المؤمنون: 115].

    وجائز أن يكون معنى قوله: { أَنَّمَا ظ±لْحَيَظ°وةُ ظ±لدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } ، أي: لو قوبلت بحياة الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، وهو ما ذكر:
    { قُلْ مَتَاعُ ظ±لدُّنْيَا قَلِيلٌ وَظ±لآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ظ±تَّقَىظ° }
    [النساء: 77]؛ لأنها باقية، والدنيا فانية.

    أو يقول: إنما الحياة الدنيا للدنيا خاصة لعب ولهو، أي: من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة تكون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبلغة إليها، فهي ليست بلعب، وهو ما قال تعالى:
    { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـظ°ذِهِ ظ±لْحَيَاةِ ظ±لدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوغ¤اْ أَنْفُسَهُمْ }
    [آل عمران: 117]، أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صر، [وقال] في النفقة التي تكون في الدنيا لحياة الآخرة:
    { مَّثَلُ ظ±لَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ... }...

  12. #672
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج جمهور الأصحاب بهذا على أن الجنة مخلوقة، وقالت المعتزلة هذه الآية: لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين: الأول: أن قوله تعالى:
    { أُكُلُهَا دَائِمٌ }
    [الرعد: 35] يدل على أن من صفتها بعد وجودها أن لا تفنى، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى:
    { كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    [القصص: 88] الثاني: أن الجنة مخلوقة وهي الآن في السماء السابعة، ولا يجوز مع أنها في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات، قالوا: فثبت بهذين الوجهين أنه لا بد من التأويل، وذلك من وجهين: الأول: أنه تعالى لما كان قادراً لا يصح المنع عليه، وكان حكيماً لا يصح الخلف في وعده، ثم إنه تعالى وعد على الطاعة بالجنة، فكانت الجنة كالمعدة المهيأة لهم تشبيهاً لما سيقع قطعاً بالواقع، وقد يقول المرء لصاحبه: أعدت لك المكافأة إذا عزم عليها، وإن لم يوجدها، والثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدها الله تعالى لهم كقوله تعالى:{ وَنَادَىظ° أَصْحَـظ°بُ ظ±لنَّارِ أَصْحَـظ°بَ ظ±لْجَنَّةِ }
    [الأعراف: 50] أي إذا كان يوم القيامة نادى الجواب: أن قوله: { كُلُّ شَيْء هَالِكٌ } عام، وقوله: { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } مع قوله: { أُكُلُهَا دَائِمٌ } خاص، والخاص مقدم على العام، وأما قوله ثانياً: الجنة مخلوقة في السماء السابعة قلنا: إنها مخلوقة فوق السماء السابعة على ما قال عليه السلام في صفة الجنة: " سقفها عرش الرحمن " وأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة...

    ثم قال تعالى: { ذظ°لِكَ فَضْلُ ظ±للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } زعم جمهور أصحابنا أن نعيم الجنة تفضل محض لا أنه مستحق بالعمل، وهذا أيضاً قول الكعبي من المعتزلة، واحتجوا على صحة هذا المذهب بهذه الآية، أجاب القاضي عنه فقال: هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة وبين كونها فضلاً من الله تعالى، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال، وإنما قلنا: إنه لا منافاة بين هذين الوصفين، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التي يتمكن المكلف معها من كسب هذا الاستحقاق، فلما كان تعالى متفضلاً بما يكسب أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلاً بها، قال: ولما ثبت أن قوله: { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } لا بد وأن يكون مشروطاً بما يستحقه، ولولا ذلك لم يكن لقوله من قبل: { سَابِقُواْ إِلَىظ° مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } معنى

    واعلم أن هذا ضعيف لأن كونه تعالى متفضلاً بأسباب ذلك الكسب لا يوجب كونه تعالى متفضلاً بنفس الجنة، فإن من وهب من إنسان كاغداً ودواة وقلماً، ثم إن ذلك الإنسان كتب بذلك المداد على ذلك الكاغد مصحفاً وباعه من الواهب، لا يقال: إن أداء ذلك الثمن تفضيل، بل يقال: إنه مستحق، فكذا ههنا، وأما قوله أولاً إنه لا بد من الاستحقاق، وإلا لم يكن لقوله من قبل: { سَابِقُواْ إِلَىظ° مَغْفِرَةٍ } معنى، فجوابه أن هذا الاستدلال عجيب، لأن للمتفضل أن يشرط في تفضله أي شرط شاء، ويقول: لا أتفضل إلا مع هذا الشرط. ثم قال تعالى: { وَظ±للَّهُ ذُو ظ±لْفَضْلِ ظ±لْعَظِيمِ } والمراد منه التنبيه على عظم حال الجنة، وذلك لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه وأثنى بسببه على نفسه، فإنه لا بد وأن يكون ذلك العطاء عظيماً....

    ثم قال: { إِلاَّ فِي كِتَـظ°بٍ } يعني مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ. قال المتكلمون: وإنما كتب كل ذلك لوجوه أحدها: تستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه سبحانه وتعالى عالماً بجميع الأشياء قبل وقوعها وثانيها: ليعرفوا حكمة الله فإنه تعالى مع علمه بأنهم يقدمون على تلك المعاصي خلقهم ورزقهم وثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي ورابعها: ليشكروا الله تعالى على توفيقه إياهم على الطاعات وعصمته إياهم من المعاصي. وقالت الحكماء: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبرات أمراً، وهم المقسمات أمراً، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في هذا العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية، فتصوراتها لانسياق تلك الأسباب إلى المسببات هو المراد من قوله تعالى: { إِلاَّ فِي كِتَـظ°بٍ }. المسألة الثانية: استدل جمهور أهل التوحيد بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم، ووجه الاستدلال أنه تعالى لما كتبها في الكتاب قبل وقوعها وجاءت مطابقة لذلك الكتاب علمنا أنه تعالى عالماً بها بأسرها. المسألة الثالثة: قوله: { وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ } يتناول جميع مصائب الأنفس فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبة في اللوح المحفوظ، ومثبتة في علم الله تعالى، فكان الامتناع من تلك الأعمال محالاً، لأن علم الله بوجودها مناف لعدمها، والجمع بين المتنافيين محال، فلما حصل العلم بوجودها، وهذا العلم ممتنع الزوال كان الجمع بين عدمها وبين علم الله بوجودها محالاً. المسألة الرابعة: أنه تعالى لم يقل: إن جميع الحوادث مكتوبة في الكتاب، لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية، فإثباتها في الكتاب محال، وأيضاً خصص ذلك بالأرض والأنفس وما أدخل فيها أحوال السموات، وأيضاً خصص ذلك بمصائب الأرض والأنفس لا بسعادات الأرض والأنفس، وفي كل هذه الرموز إشارات وأسرار، أما قوله: { مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } فقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: من قبل أن نخلق هذه المصائب، وقال بعضهم: بل المراد الأنفس، وقال آخرون: بل المراد نفس الأرض، والكل محتمل لأن ذكر الكل قد تقدم، وإن كان الأقرب نفس المصيبة لأنها هي المقصود، وقال آخرون: المراد من قبل أن نبرأ المخلوقات، ...

    وقال الالوسي

    وفي الآية رد على هشام بن الحكم الزاعم أنه سبحانه لا يعلم الحوادث قبل وقوعها. وفي «الإكليل» أن فيها رداً على القدرية، وجاء ذلك في خبر مرفوع، أخرج الديلمي عن سليم بن جابر الجهيمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيفتح على أمتي باب من القدر في آخر الزمان لا يسدّه شيء يكفيكم منه أن تلقوه بهذه الآية { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } " وأخرج الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبـي حسان " أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبـي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار فقالت: والذي أنزل القرآن على أبـي القاسم صلى الله عليه وسلم ما هكذا كان يقول، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار " ، ثم قرأت { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } الآية.

    وقال المانريدى

    وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأن اسم المصائب يقع على ما للخلق فيه صنع كما يقع على ما لا صنع لهم فيه، ثم أضاف الله تعالى خلقها إلى نفسه مطلقا بقوله: { مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } ، دل أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ ألا ترى أن الله تعالى سمى ما يصيب بأيدي الخلق: مصيبة، فقال
    { هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ظ±لْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ظ±للَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا }

    [التوبة: 52]، وقال في آية أخرى:
    { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ظ±للَّهُ بِأَيْدِيكُمْ... }
    [التوبة: 14] الآية.

    قالت المعتزلة: يقال: أصابنا كذا فيما لا صنع للخلق في ذلك، فأما ما [فيه] صنع للخلق يقال: " أصبنا ".

    لكن هذا فاسد؛ فإنه جائز أن يقال في كل ما أصابك: أصبته، وما أصبته أصابك؛ لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.

  13. #673
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    قال الرازى

    لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىظ° مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ وَظ±للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه اللام تفيد جعل أول الكلام سبباً لآخره، كما تقول: قمت لأضربك فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب، وههنا كذلك لأنه تعالى بين أن إخبار الله عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر، ومثبتة في الكتاب الذي لا يتغير يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما وقع، وأن لا يشتد حزنه بما لم يقع، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام: " من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب " وتحقيق الكلام فيه أن على مذهب أهل السنة أن وقوع كل ما وقع واجب، وعدم كل ما لم يقع واجب أيضاً لأسباب أربعة أحدها: أن الله تعالى علم وقوعه، فلو لم يقع انقلب العلم جهلاً ثانيها: أن الله أراد وقوعه، فلو لم يقع انقلبت الإرادة تمنياً ثالثها: أنه تعلقت قدرة الله تعالى بإيقاعه، فلو لم يقع لانقلبت تلك القدرة عجزاً، رابعها: أن الله تعالى حكم بوقوعه بكلامه الذي هو صدق فلو لم يقع لانقلب ذلك الخبر الصدق كذباً، فإذن هذا الذي وقع لو لم يقع لتغيرت هذه الصفات الأربعة من كمالها إلى النقص، ومن قدمها إلى الحدوث، ولما كان ذلك ممتنعاً علمنا أنه لا دافع لذلك الوقوع، وحينئذ يزول الغم والحزن، عند ظهور هذه الخواطر وهانت عليه المحن والمصائب، وأما المعتزلة فهب أنهم ينازعون في القدرة والإرادة، ولكنهم يوافقون في العلم والخير، وإذا كان الجبر لازماً في هاتين الصفتين، فأي فرق بين أن يلزم الجبر بسبب هاتين الصفتين وبين أن يلزم بسبب الصفات الأربع، وأما الفلاسفة فالجبر مذهبهم، وذلك لأنهم ربطوا حدوث الأفعال الإنسانية بالتصورات الذهنية والتخيلات الحيوانية، ثم ربطوا تلك التصورات والتخيلات بالأدوار الفلكية التي لها مناهج مقدرة، ويمتنع وقوع ما يخالفها، وأما الدهرية الذين لا يثبتون شيئاً من المؤثرات فهم لا بد وأن يقولوا بأن حدوث الحوادث اتفاقي، وإذا كان اتفاقياً لم يكن اختيارياً، فيكون الجبر لازماً، فظهر أنه لا مندوحة عن هذا لأحد من فرق العقلاء، سواء أقروا به أو أنكروه، فهذا بيان وجه استدلال أهل السنة بهذه الآية، قالت المعتزلة: الآية دالة على صحة مذهبنا في كون العيد متمكناً مختاراً، وذلك من وجوه الأول: أن قوله: { لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىظ° مَا فَاتَكُمْ } يدل على أنه تعالى إنما أخبرهم بكون تلك المصائب مثبتة في الكتاب لأجل أن يحترزوا عن الحزن والفرح، ولولا أنهم قادرون على تلك الأفعال لما بقي لهذه اللام فائدة والثاني: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يريد أن يقع منهم الحزن والفرح وذلك خلاف قول المجبرة: إن الله تعالى أراد كل ذلك منهم والثالث: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { وَظ±للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } وهذا يدل على أنه تعالى لا يريد ذلك لأن المحبة والإرادة سواء، فهو خلاف قول المجبرة: إن كل واقع فهو مراد الله تعالى الرابع: أنه تعالى أدخل لام التعليل على فعله بقوله: { لّكَيْلاَ } وهذا يدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالغرض، وأقول: العاقل يتعجب جداً من كيفية تعلق هذه الآيات بالجبر والقدر وتعلق كلتا الطائفتين بأكثرها...

    وَظ±للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، وأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم، وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً. واحتج القاضي بهذه الآية على أنه تعالى لا يريد أفعال العباد والجواب عنه أن كثيراً من أصحابنا من فرق بين المحبة والإرادة فقال: المحبة إرادة مخصوصة، وهي إرادة الثواب فلا يلزم من نفي هذه الإرادة نفي مطلق الإرادة....

    احتج من قال بحدوث علم الله بقوله: { وَلِيَعْلَمَ ظ±للَّهُ } والجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم، فكأنه تعالى قال: ولتقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره. المسألة الثالثة: قال الجبائي: قوله تعالى: { لِيَقُومَ ظ±لنَّاسُ بِظ±لْقِسْطِ } فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول، وإذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه: أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود، وأن الجمع بين الضدين محال، وأن المحال غير مراد..

    قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ظ±بتَدَعُوهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق لله تعالى وكسب للعبد، قالوا: لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة لله تعالى، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية، قال القاضي: المراد بذلك أنه تعالى لطف بهم حتى قويت دواعيهم إلى الرهبانية، التي هي تحمل الكلفة الزائدة على ما يجب من الخلوة واللباس الخشن والجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل، على أنا وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا أيضاً، وذلك لأن حال الاستواء يمتنع حصول الرجحان وإلا فقد حصل الرجحان عند الاستواء والجمع بينهما متناقض، وإذا كان الحصول عند الاستواء ممتنعاً، كان عند المرجوحية أولى أن يصير ممتنعاً، وإذا امتنع المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض...

    وقال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حملها على { جَعَلْنَا } ، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون مجعولاً لله تعالى، وأقول: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين، ومن أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء

    وقال الالوسي


    { وَرَهْبَانِيَّةً } منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر أي وابتدعوا رهبانية { ظ±بتَدَعُوهَا } فهو من باب الاشتغال، واعترض بأنه يشترط فيه ـ كما قال ابن الشجري وأبو حيان ـ أن يكون الاسم السابق مختصاً يجوز وقوعه مبتدأ والمذكور نكرة لا مسوغ لها من مسوغات الابتداء، ورد بأنه على فرض تسليم هذا الشرط، الاسم هنا موصوف معنى بما يؤخذ من تنوين التعظيم كما قيل في قولهم: شر أهر ذا ناب. ومما يدل عليه من النسبة كما ستسمعه إن شاء الله تعالى، أو منصوب بالعطف على ما قبل، وجملة { ظ±بتَدَعُوهَا } في موضع الصفة والكلام على حذف مضاف أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة وحب رهبانية مبتدعة لهم، وبعضهم جعله معطوفاً على ما ذكر ولم يتعرض للحذف، وقال: الرهبانية من أفعال العباد لأنها المبالغة في العبادة بالرياضة والانقطاع عن الناس، وأصل معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف، فعلان من رهب كخشيان من خشي، وأفعال العباد يتعلق بها جعل الله تعالى عند أهل الحق وهي في عين كونها مخلوقة له تعالى مكتسبة للعبد، والزمخشري جوز العطف المذكور وفسر الجعل بالتوفيق كأنه قيل: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها بناءاً على مذهبه أن الرهبانية فعل العبد المخلوق له باختياره.

    وفائدة { فِى قُلُوبِ } على هذا التصوير على ما قيل، ولا يخفى ما في هذا التفسير من العدول عن الظاهر لكن الإنصاف أنه لا يحسن العطف بدون هذا / التأويل أو اعتبار حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه على ما تقدم أو تفسير الرهبانية بما هو من أفعال القلوب كالخوف المفرط المقتضي للغلو في التعبد ويرتكب نوع تجوز في { ظ±بتَدَعُوهَا } وما بعده كأن يكون المراد ابتداع أعمالها وآثارها أو ارتكاب استخدام في الكلام بأن يعتبر للرهبانية معنيان الخوف المفرط مثلاً، ويراد في جعلنا في قلوبهم رهبانية والأعمال التعبدية الشاقة كرفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن، ويراد في { ظ±بتَدَعُوهَا } وما بعده وليس الداعي للتأويل الاعتزال بل كون الرهبانية بمعنى الأعمال البدنية ليست مما تجعل في القلب كالرأفة والرحمة فتأمل.

    وقال السمين

    قوله: { وَرَهْبَانِيَّةً ظ±بتَدَعُوهَا } في انتصابِها وجهان، أحدهما: أنها معطوفةٌ على " رأْفَةً ورحمةً ". و " جَعَلَ " إمَّا بمعنى خَلق أو بمعنى صيَّر، و " ابْتدعوها " على هذا صفةٌ لـ " رَهْبانية " وإنما خُصَّتْ بذِكر الابتداعِ لأنَّ الرأَفةَ والرحمةَ في القلب أمرُ غريزةٍ لا تَكَسُّبَ للإِنسانِ فيها بخلافِ الرهبانية فإنها أفعالُ البدن، وللإِنسانِ فيها تكسُّبٌ. إلاَّ أنَّ أبا البقاء منعَ هذا الوجهَ بأنَّ ما جعله اللَّهُ لا يَبْتدعونه. وجوابُه ما تَقَدَّم: مِنْ أنَّه لَمَّا كانت مكتسبةً صَحَّ ذلك فيها. وقال أيضاً: " وقيل: هو معطوفٌ عليها، وابتدعوها نعتٌ له. والمعنى: فَرَضَ عليهم لزومَ رهبانيةٍ ابتدعوها، ولهذا قال: { مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ظ±بْتِغَآءَ رِضْوَانِ ظ±للَّهِ }.

    والوجه الثاني: أنه منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره الظاهرُ وتكون المسألةُ من الاشتغالِ. وإليه نحا الفارسيُّ والزمخشريُّ وأبو البقاء وجماعةٌ إلاَّ أنَّ هذا يقولون إنه إعرابُ المعتزلة؛ وذلك أنَّهم يقولون: ما كانَ مِنْ فِعْلِ الإِنسانِ فهو مخلوقٌ له، فالرحمةُ والرأفة لَمَّا كانتْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى نَسَبَ خَلْقَهما إليه. والرَّهْبانِيَّة لَمَّا لم تكنْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى بل مِنْ فعل العبدِ يَسْتَقِلُّ بفعلِها نَسَب ابتداعَها إليه، وللردِّ عليهم موضعٌ آخرُ هو أليقُ به من هذا الموضعِ، وسأبِّينُه إنْ شاء الله في " الأحكام ".

    ورَدَّ الشيخُ عليهم هذا الإِعرابَ من حيث الصناعةُ وذلك أنَّه مِنْ حَقِّ اسمِ المُشْتَغَلِ عنه أن يَصْلُح للرفع بالابتداءِ و " رهبانيةً " نكرةٌ لا مُسَوِّغ للابتداء بها، فلا يصلُحُ نصبُها على الاشتغال. وفيه نظرٌ؛ لأنَّا لا نُسَلِّمُ أولاً اشتراطَ ذلك، ويَدُلُّ عليه قراءةُ مَنْ قرأ " سورةً أنزَلْناها " بالنصب على الاشتغالِ كما قَدَّمْتُ تحقيقه في موضعه. ولئِنْ سَلَّمْنا ذلك فثَمَّ مُسَوِّغٌ وهو العطفُ. ومِنْ ذلك قولُه:
    4235ـ عندي اصْطِبارٌ وشكْوى عند قاتلتي فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤٌ سَمِعا
    وقوله:
    4236ـ تَعَشَّى ونجمٌ قد أضاء فَمُذْ بدا مُحَيَّاكَ أَخْفَى ضوْءُه كلَّ شارقِ
    ذكر ذلك الشيخُ جمال الدين بن مالك

  14. #674
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    وقال المانريدى

    في] قوله تعالى: { يَعْلَمَ أَهْلُ ظ±لْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىظ° شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ظ±للَّهِ } دلالة نقض قول المعتزلة في أن الله تعالى قد أعطى كل شيء ما يقدر على الوصول إلى جميع فضائله وإحسانه، وقد أخبر { يَعْلَمَ أَهْلُ ظ±لْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىظ° شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ظ±للَّهِ } ، والمعتزلة يقولون، بل يقدرون فهذا خلاف لظاهر الآية، والله أعلم.

    وفي قوله: { وَأَنَّ ظ±لْفَضْلَ بِيَدِ ظ±للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } - أيضا - دلالة نقض قول المعتزلة من جهة أخرى، وهو أنه ذكر المشيئة فيما هو حقه فضل وما هو حقه عدل، حيث قال: { وَأَنَّ ظ±لْفَضْلَ بِيَدِ ظ±للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } ، ولم يذكر المشيئة فيما هو حقه عدل، وما هو ظلم وجور، بل أطلق القول في ذلك، فقال:
    { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـظ°مٍ لِّلْعَبِيدِ }
    [فصلت: 46]، وقال:
    { وَمَا ظ±للَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ }
    [غافر: 31]، وقال:
    { لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ }
    [النساء: 40]، وقال:
    { لاَ يَظْلِمُ ظ±لنَّاسَ شَيْئاً }
    [يونس: 44]، وغير ذلك من الآيات نفى أن يلحق أحدا منه الظلم والجور؛ ليعلم أن فعل الهدى منه يصل إلى من هداه وأرشده، والإضلال منه عدل، وكذلك قال:
    { يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ }
    [المدثر: 31]، أي: من نال الهدى والرشد إنما ناله بفضله ورحمته، ومن ضل فذلك عدل منه؛ ولذلك قال:
    { بَلِ ظ±للَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ }
    [الحجرات: 17] والله الهادي.

  15. #675
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,768
    سورة المجادلة

    قال الالوسي

    والسمع في قوله تعالى: { وَظ±للَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } على ما هو المعروف فيه من كونه صفة يدرك بها الأصوات غير صفة العلم، أو كونه راجعاً إلى صفة العلم. والتحاور المرادّة في الكلام، وجوز أن يراد به الكلام المردد، ويقال: كلمته فما رجع إليَّ حواراً وحويراً ومحورة أي مارد عليَّ بشيء. وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدده، وفي نظمها في سلك الخطاب تغليباً تشريف لها من جهتين. والجملة استئناف / جار مجرى التعليل لما قبله فإن إلحافها في المسألة ومبالغتها في التضرع إلى الله تعالى ومدافعته عليه الصلاة والسلام إياها وعلمه عز وجل بحالهما من دواعي الإجابة، وقيل: هي حال كالجملة السابقة، وفيه أيضاً بعد.

    ملحوظة

    هل كان الله يسمع المجادلة فى الازل ام فى مالم يزل؟؟؟

    سؤال فى غاية الاهمية تفكر فى التعلق التنجيزى القديم للسمع والبصر عند الاشاعرة والزام الرازى شيخ المذهب لهم فى المطالب العالية بحلول الحوادث هل الزام الرازى صحيح !!!!!!!!

    قال الرازى

    استدلت المعتزلة باللام في قوله: { لّتُؤْمِنُواْ } على أن فعل الله معلل بالغرض وعلى أن غرضه أن تؤمنوا بالله، ولا تستمروا على ما كانوا عليه في الجاهلية من الكفر، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الإيمان وعدم الكفر. المسألة الثانية: استدل من أدخل العمل في مسمى الإيمان بهذه الآية، فقال: أمرهم بهذه الأعمال، وبين أنه أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدلت الآية على أن العمل من الإيمان ومن أنكر ذلك قال: إنه تعالى لم يقل: ذلك لتؤمنوا بالله بعمل هذه الأشياء، ونحن نقول المعنى ذلك لتؤمنوا بالله بالإقرار بهذه الأحكام، ثم إنه تعالى أكد في بيان أنه لا بد لهم من الطاعة { وَتِلْكَ حُدُودُ ظ±للَّهِ وَلِلْكَـظ°فِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي لمن جحد هذا وكذب به...

    قال الالوسي

    أَيْنَ مَا كَانُواْ } من الأماكن، ولو كانوا في بطن الأرض فإن علمه تعالى بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة قرباً وبعداً....

    وقد بدأ الله تعالى في هذه الآيات بالعلم حيث قال سبحانه: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±للَّهَ يَعْلَمُ } الخ، وختم جل وعلا بالعلم أيضاً حيث قال الله تعالى: { إِنَّ ظ±للَّهَ } الخ، ومن هنا قال معظم السلف فيما ذكر في البين من قوله عز وجل: { رَّابِعُهُمْ } و { سَادِسُهُمْ } و { مَعَهُمْ } أن المراد به كونه تعالى كذلك بحسب العلم مع أنهم الذين لا يؤوّلون، وكأنهم لم يعدّوا ذلك تأويلاً لغاية ظهوره واحتفافه بما يدل عليه دلالة لا خفاء فيها، ويعلم من هذا أن ما شاع من أن السلف لا يؤولون ليس على إطلاقه.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •