صفحة 44 من 48 الأولىالأولى ... 34404142434445464748 الأخيرةالأخيرة
النتائج 646 إلى 660 من 708

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #646
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    سورة ق

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { وَعِنْدَنَا كِتَـظ°بٌ حَفِيظٌ } تعميم لعلمه تعالى أي وعندنا كتاب حافظ لتفاصيل الأشياء كلها ويدخل فيها أعمالهم، أو محفوظ عن التغير؛ والمراد إما تمثيل علمه تعالى بكليات الأشياء وجزئياتها بعلم من عنده كتاب حفيظ يتلقى منه كل شيء، أو تأكيد لعلمه تعالى [بها] بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده سبحانه.

    هذا وفي الآية إشارة إلى رد شبهة تمسك بها من يرى استحالة إعادة المعدوم ونفى البعث لذلك بناءً على أن أجزاء الميت تعدم ولا تتفرق فقط، وحاصلها أن الشيء إذا عدم ولم يستمر وجوده في الزمان الثاني ثم أعيد في الزمان الثالث لزم التحكم الباطل في الحكم بأن هذا الموجود المتأخر هو بعينه الموجود السابق لا موجود آخر مثله مستأنف إذ لما فقد هوية الموجود الأول لم يبق منه شيء من الموضوع والعوارض الشخصية حتى يكون الموجود الثاني مشتملاً عليه ويكون مرجحاً للحكم المذكور ويندفع التحكم.

    وحاصل الرد أن الله تعالى عليم بتفاصيل الأشياء كلها يعلم كلياتها وجزئياتها على أتم وجه وأكمله. فللمعدوم صورة جزئية عنده سبحانه فهو محفوظ بعوارضه الشخصية في علمه تعالى البليغ على وجه يتميز به عن المستأنف فلا يلزم التحكم، ويكون ذلك نظير انخفاظ وحدة الصورة الخيالية فينا بعد غيبة المحسوس عن الحس كما إذا رأينا شخصاً فغاب عن بصرنا ثم رأيناه ثانياً فإنا نحكم بأن هذا الشخص هو من رأيناه سابقاً وهو حكم مطابق للواقع مبني على انحفاظ وحدة الصورة الخيالية قطعاً ولا ينكره إلا مكابر.

    وقال بعض الأشاعرة: إن للمعدوم صورة جزئية حاصلة بتعلق صفة البصر من / الموجد وهو الله تعالى، وليست تلك الصورة للمستأنف وجوده فإن صورته وإن كانت جزئية حقيقية أيضاً إلا أنها لم تترتب على تعلق صفة البصر ولا شك أن المترتب على تعلق صفة البصر أكمل من غير المترتب عليه فبين الصورتين تمايز واضح، وإذا انحفظ وحدة الموجود الخارجي بالصور الجزئية الخيالية لنا فانحفاظها بالصورة الجزئية الحاصلة له تعالى بواسطة تعلق صفة البصر بالطريق الأولى انتهى، وهو حسن لكن لا تشير الآية إليه.

    وأيضاً لا يتم عند القائلين بعدم رؤية الله سبحانه المعدومات مطلقاً إلا أن أولئك قائلون بثبوت هويات المعدومات متمايزة تمايزاً ذاتياً حال العدم فلا ترد عليهم الشبهة السابقة

    وقد يقال: إن صفة البصر ترجع إلى صفة العلم وتعلقاته مختلفة فيجوز أن يكون لعلمه تعالى تعلقاً خاصاً بالموجود الذي عدم غير تعلقه بالمستأنف في حال عدمه وبذلك يحصل الامتياز ويندفع التحكم. ويقال على مذهب الحكماء: إن صورة المعدوم السابق مرتسمة في القوى المنطبعة للأفلاك بناءً على أن صور جميع الحوادث الجسمانية منطبعة فيها عندهم فله صورة خيالية جزئية محفوظة الوحدة الشخصية بعد فنائه بخلاف المستأنف إذ ليس تلك الصورة قبل وجوده وإنما له الصور الكلية في الأذهان العالية والسافلة فإذا أوجدت تلك الصورة الجزئية كان معاداً وإذا أوجدت هذه الصورة الكلية كان مستأنفاً وربما يدعي الإسلامي المتفلسف أن في قوله تعالى: { وَعِندَنَا كِتَـظ°بٌ حَفِيظٌ } رمزاً إلى ذلك. وللجلال الدواني كلام في هذا المقام لا يخلو عن نظر عند ذوي الأفهام.

    ثم إن البعث لا يتوقف على صحة إعادة المعدوم عند الأكثرين لأنهم لا يقولون إلا بتفرق أجزاء الميت دون انعدامها بالكلية، ولعل في قوله تعالى حكاية عن منكريه:
    { أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً }
    [ق: 3] إشارة إلى ذلك. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبـي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة " وليس نصاً في انعدام ما عدا العجب بالمرة لاحتمال أن يراد ببلا غيره من الأجزاء انحلالها إلى ما تركبت منه من العناصر وأما هو فيبقى على العظمية وهو جزء صغير في العظم الذي في أسفل الصلب، ومن كلام الزمخشري العجب أمره عجب هو أول ما يخلق وآخر ما يخلق....

    وقال الرازى

    { أَفَلَمْ يَنظُرُوغ¤اْ إِلَى ظ±لسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ }

    وقوله تعالى: { كَيْفَ بَنَيْنَـظ°هَا وَزَيَّنَّـظ°هَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } إشارة إلى وجه الدلالة وأولوية الوقوع وهي للرجع، أما وجه الدلالة فإن الإنسان له أساس هي العظام التي هي كالدعامة وقوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم.

    وأما الأولوية فإن السماء ما لها من فروج فتأليفها أشد، وللإنسان فروج ومسام، ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف، والأول أصعب عند الناس وأعجب، فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى؟ قالت الفلاسفة الآية دالة على أن السماء لا تقبل الخرق، وكذلك قالوا في قوله
    { هَلْ تَرَىظ° مِن فُطُورٍ }
    [الملك: 3] وقوله
    { سَبْعاً شداداً }
    [النبأ: 12] وتعسفوا فيه لأن قوله تعالى: { مَّا لَهَا مِن فُرُوجٍ } صريح في عدم ذلك، والإخبار عن عدم الشيء لا يكون إخباراً عن عدم إمكانه فإن من قال: ما لفلان قال؟ لا يدل على نفي إمكانه، ثم إنه تعالى بيّن خلاف قولهم بقوله
    { وَإِذَا ظ±لسَّمَاء فُرِجَتْ }
    [المرسلات: 9] وقال:
    { إِذَا ظ±لسَّمَاء ظ±نفَطَرَتْ }
    [الانفطار: 1] وقال:
    { فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ }
    [الحاقة: 16] في مقابلة قوله { سَبْعاً شِدَاداً } وقال:
    { فَإِذَا ظ±نشَقَّتِ ظ±لسَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَظ±لدّهَانِ }
    [الرحمظ°ن: 37] إلى غير ذلك والكل في الرد عليهم صريح وما ذكروه في الدلالة ليس بظاهر، بل وليس له دلالة خفية أيضاً، وأما دليلهم المعقول فأضعف وأسخف من تمسكهم بالمنقول...

    وقال الالوسي

    وَظ±لأَرْضَ مَدَدْنَـظ°هَا } بسطناها وهو لا ينافي كريتها التامة أو الناقصة من جهة القطبين لمكان العظم { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوظ°سِيَ } جبالاً ثوابت تمنعها من الميد كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى:
    { رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ }
    [النحل: 15] وهو ظاهر في عدم حركة الأرض، وخالف في ذلك بعض الفلاسفة المتقدمين وكل الفلاسفة الموجودين اليوم، ووافقهم بعض المغاربة من المسلمين فزعموا أنها تتحرك بالحركة اليومية بما فيها من العناصر وأبطلوا أدلة المتقدمين العقلية على عدم حركتها، وهل يكفر القائل بذلك؟ الذي يغلب على الظن لا....


    { بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } عطف على مقدر يدل عليه ما قبله كأنه قيل: إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه فلا وجه لإنكارهم الثاني بل هم في خلط وشبهة في خلق مستأنف. وإنما نكر الخلق ووصف بجديد ولم يقل: من الخلق الثاني تنبيهاً على مكان شبهتهم واستبعادهم العادي بقوله سبحانه: { جَدِيدٍ } وأنه خلق عظيم يجب أن يهتم بشأنه فله نبأ أي نبأ، والتعظيم ليس راجعاً إلى الخلق من حيث هو هو حتى يقال: إنه أهون من الخلق الأول بل إلى ما يتعلق بشأن المكلف وما يلاقيه بعده وهو هو وقال بعض المحققين: نكر لأنه لاستعباده عندهم كان أمراً عظيماً، وجوز أن يكون التنكير للإبهام إشارة إلى أنه خلق على وجه لا يعرفه الناس.

    وأورد الشيخ الأكبر قدس سره هذه الآية في معرض الاستدلال على تجدد الجواهر كالتجدد الذي يقوله الأشعري في الأعراض فكل منهما عند الشيخ لا يبقى زمانين، ويفهم من كلامه قدس سره أن ذلك مبني على القول بالوحدة وأنه سبحانه كل يوم هو في شأن، ولعمري إن الآية بمعزل عما يقول...

    وقال القرطبي

    { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ظ±لْوَرِيدِ } هو حبل العاتق وهو ممتدّ من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال. روى معناه عن ظ±بن عباس وغيره وهو المعروف في اللغة. والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. وقال الحسن: الوريد الوتين وهو عِرق معلَّق بالقلب. وهذا تمثيل للقرب؛ أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة. وقيل أي ونحن أملك به من حبل وريده مع ظ±ستيلائه عليه. وقيل: أي ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه، لأنه عِرق يخالط القلب، فعلم الربِّ أقربُ إليه من علم القلب، روي معناه عن مقاتل قال: الوريد عرق يخالط القلب، وهذا القرب قرب العلم والقدرة، وأبعاض الإنسان يحجب البعضُ البعضَ ولا يحجب علم الله شيء...

    عَنِ ظ±لْيَمِينِ وَعَنِ ظ±لشّمَالِ قَعِيدٌ } أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ومنه قوله:
    رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني
    وقال المبرد: إن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال فأخر قعيد عن موضعه. والقعيد عليهما فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجالس ونديم بمعنى منادم، وذهب الفراء إلى أن قعيداً يدل على الإثنين والجمع، وقد أريد منه هنا الإثنان فلا حذف ولا تقديم ولا تأخير. واعترض بأن فعيلاً يستوي فيه ذلك إذا كان بمعنى مفعول وهذا بمعنى فاعل ولا يصح فيه ذلك إلا بطريق الحمل على فعيل بمعنى مفعول.

    واختلف في تعيين محل قعودهما فقيل: هما على الناجذين، فقد أخرج أبو نعيم والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً " إن الله لطف بالملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما " ، وقيل: على العاتقين، وقيل: على طرفي الحنك عند العنفقة وفي «البحر» أنهم اختلفوا في ذلك ولا يصح فيه شيء. وأنا أقول أيضاً: لم يصح عندي أكثر مما أخبر الله تعالى به من أنهما عن اليمين وعن الشمال قعيدان، وكذا لم يصح خبر قلمهما ومدادهما وأقول كما قال اللقاني بعد أن استظهر أن الكتب حقيقي: علم ذلك مفوض إلى الله عز وجل، وأقول الظاهر أنهما في سائر أحوال الإنسان عن يمينه وعن شماله. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أنه قال: إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وإن مشى فأحدهما امامه والآخر خلفه وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه....

    واختلف فيما يكتبانه فقال الإمام مالك وجماعة: يكتبان كل شيء حتى الأنين في المرض، وفي «شرح الجوهرة» للقاني مما يجب اعتقاده أن لله تعالى ملائكة يكتبون أفعال العباد من خير أو شر أو غيرهما قولاً كانت أو عملاً اعتقاداً، هماً كانت أو عزماً أو تقريراً اختارهم سبحانه لذلك فهم لا يهملون من شأنهم شيئاً فعلوه قصداً وتعمداً أو ذهولاً ونسياناً صدر / منهم في الصحة أو في المرض كما رواه علماء النقل والرواية انتهى.

  2. #647
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    قال الالوسي

    { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ظ±مْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }

    أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن أنس قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشيء الله لها خلقاً آخر فيسكنهم في فضول الجنة " وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطُهم فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار: إنما أنت عذابـي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط فهناك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحداً وأما الجنة فإن الله تعالى ينشئ لها خلقاً "

    وأول أهل التأويل ذلك، فقال النضر بن شميل: إن القدم الكفار الذين سبق في علمه تعالى دخولهم النار والقدم تكون بمعنى المتقدم كقوله تعالى:
    { قَدَمَ صِدْقٍ }
    [يونس: 2] وظاهر الحديث عليه يستدعي دخول غير الكفار قبلهم وهو في غاية البعد؛ ولعل في الأخبار ما ينافيه. وقال ابن الأثير: ((قدمه أي الذين قدمهم لها من شرار خلقه فهم قدم الله تعالى للنار كما أن المسلمين قدمه للجنة والقدم كل ما قدمت من خير أو شر)) وهو كما ترى، ويبعده مافي حديث أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبـي سعيد مرفوعاً " فيلقى فيها ـ أي النار ـ أهلها فتقول: هل من مزيد ويلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يأتيها عز وجل فيضع قدمه عليها فتنزوي وتقول: قدني قدني " وأولوا الرجل بالجماعة ومنه ما جاء في أيوب عليه السلام أنه كان يغتسل عرياناً فخر عليه رجل من جراد، والإضافة إلى ضميره تعالى تبعد ذلك. وقيل: وضع القدم أو الرجل على الشيء مثل للردع والقمع فكأنه قيل: يأتيها أمر الله تعالى فيكفها من طلب المزيد. وقريب منه ما ذهب إليه بعض الصوفية أن القدم يكنى بها عن صفة الجلال كما يكنى بها عن صفة الجمال، وقيل: أريد بذلك تسكين فورتها كما يقال للأمر تريد إبطاله: وضعته تحت قدمي أو تحت رجلي، وهذان القولان أولى مما تقدم والله تعالى أعلم. والمزيد إما مصدر ميمي كالمحيد أو اسم مفعول أعل إعلال المبيع

    وقال ابن عطية

    والذي يترجح في قول جهنم: { هل من مزيد } أنها حقيقة وأنها قالت ذلك وهي غير ملأى وهو قول أنس بن مالك، وبين ذلك الحديث الصحيح المتواتر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " يقول الله لجهنم هل امتلأت؟ وتقول: { هل من مزيد } حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض " واضطرب الناس في معنى هذا الحديث، وذهبت جماعة من المتكلمين، إلى أن الجبار اسم جنس، وأنه يريد المتجبرين من بني آدم، وروي أن الله تعالى يعد من الجبابرة طائفة يملأ بهم جهنم آخراً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن جلدة الكافر يصير في غلظها أربعون ذراعاً "

    ويعظم بدنه على هذه النسبة، وهذا كله من ملء جهنم وذهب الجمهور إلى أن الجبار اسم الله تعالى، وهذا هو الصحيح، فإن في الحديث الصحيح: " فيضع رب العالمين فيها قدمه " وتأويل هذا: ان القدم لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها، ومنه قول الله تعالى:
    { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم }
    [يونس: 2] فالقدم هنا ما قدم من شيء ومنه قول الشاعر [الوضاح الخصي]: [المنسرح]

    صل لربك واتخذ قدماً ينجيك يوم العثار والزلل
    ومنه قول العجاج: [الرمل]

    وسنى الملك لملك ذي قدم
    أي ذي شرف متقدم، وهذا التأويل مروي عن ابن المبارك وعن النضر بن شميل، وهو قول الأصوليين. وفي كتاب مسلم بن الحجاج: فيضع الجبار فيها رجله، ومعناه: الجمع الذي أعد لها يقال للجمع الكثير من الناس: رجل تشبيهاً برجل الجراد، قال الشاعر:

    فمر بها رجل من الناس وانزوى إليها من الحي اليمانين أرجل.
    وملاك النظر في هذا الحديث: أن الجارحة والتشبيه وما جرى مجراه منتف كل ذلك فلم يبق إلا إخراج ألفاظ على هذه الوجوه السابقة في كلام العرب....

    ملحوظة

    ينشيء للجنة خلقا يدخلونها فضلا ونعمة مثلنا فتدبر

    وقال المانريدى

    ثم قوله - عز وجل -: { هَلْ مِن مَّزِيدٍ } يخرج على وجهين:

    أحدهما: هل بقي من أحد يزاد فيَّ فإني قد امتلأت، وليس فيَّ سعة تحتمل غيرهم.

    والثاني: { هَلْ مِن مَّزِيدٍ } أي: فيَّ سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق أمتلئ بها؟ لأن الله - تعالى - وعد أن يملأ جهنم، كما قال:
    { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ظ±لْجِنَّةِ وَظ±لنَّاسِ أَجْمَعِينَ }
    [هود: 119] فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، والله أعلم بذلك.

    وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفاً للدلائل العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله:
    { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }
    [الشورى: 11] ثم هذا القول على قول المشبهة - على ما توهموا - مخالف للكتاب؛ لأن الله - عز وجل - قال:
    { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ظ±لْجِنَّةِ وَظ±لنَّاسِ أَجْمَعِينَ }
    [هود: 119] وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها.

    ثم ذكر البلخي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خرفاً مفنداً في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

    يأتي الله - تعالى - ببشر فيضع في النار حتى تمتلئ " فهذا يحتمل لا ما رووا، والله الموفق.

    ملحوظة

    رد الماتريدى للحديث غير معتبر واذا صح الحديث فلا طعن فيه

    وقال ابن كثير

    وقد روى البزار وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس ابن مالك رضي الله عنه في قوله عز وجل { وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } قال يظهر لهم الرب عز وجل في كل جمعة، وقد رواه الإمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعاً، فقال في مسنده أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبيدالله بن عمير أنه سمع أنس ابن مالك رضي الله عنه يقول أتى جبرائيل عليه الصلاة والسلام بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما هذه؟ " فقال هذه الجمعة، فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن، يدعو الله تعالى فيها بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد. قال النبي صلى الله عليه وسلم " يا جبريل وما يوم المزيد؟ " قال عليه السلام إن ربك تبارك وتعالى اتخذ في الفردوس وادياً أفيح، فيه كثب المسك، فإذا كان يوم الجمعة، أنزل الله تعالى ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله عز وجل أنا ربكم قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون ربنا نسألك رضوانك، فيقول قد رضيت عنكم، ولكم علي ما تمنيتم، ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم تبارك وتعالى من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة. هكذا أورده الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الجمعة من " الأم " ، وله طرق عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد أورد ابن جرير هذا الحديث من رواية عثمان بن عمير عن أنس رضي الله عنه بأبسط من هذا، وذكر ههنا أثراً مطولاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه موقوفاً، وفيه غرائب كثيرة. وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل في الجنة ليتكىء في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول، ثم تأتيه امرأة تضرب على منكبه، فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه فيرد السلام، فيسألها من أنت؟ فتقول أنا من المزيد، وإنه ليكون عليها سبعون حلة، أدناها مثل النعمان من طوبى، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " وهكذا رواه عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به.....

  3. #648
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    وقال الرازى

    وقال بعض المفسرين: المراد من الآية الرد على اليهود، حيث قالوا: بدأ الله تعالى خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه في ستة أيام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على عرشه فقال تعالى: { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } رداً عليهم، والظاهر أن المراد الرد على المشرك والاستدلال بخلق السمظ°وات والأرض ومما بينهما وقوله تعالى: { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } أي ما تعبنا بالخلق الأول حتى لا نقدر على الإعادة. ثانياً: والخلق الجديد كما قال تعالى:
    { أَفَعَيِينَا بِظ±لْخَلْقِ ظ±لأَوَّلِ }
    [قغ¤: 15] وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التوراة فهو إما تحريف منهم أو لم يعلموا تأويله، وذلك لأن الأحد والاثنين أزمنة متميز بعضها عن بعض، فلو كان خلق السمظ°وات ابتدىء يوم الأحد لكان الزمان متحققاً قبل الأجسام والزمان لا ينفك عن الأجسام فيكون قبل خلق الأجسام أجسام أُخر فيلزم القول بقدم العالم وهو مذهب الفلاسفة، ومن العجيب أن بين الفلاسفة والمشبهة غاية الخلاف، فإن الفلسفي لا يثبت لله تعالى صفة أصلاً ويقول بأن الله تعالى لا يقبل صفة بل هو واحد من جميع الوجوه، فعلمه وقدرته وحياته هو حقيقته وعينه وذاته، والمشبهي يثبت لله صفة الأجسام من الحركة والسكون والاستواء والجلوس والصعود والنزول فبينهما منافاة، ثم إن اليهود في هذا الكلام جمعوا بين المسألتين فأخذوا بمذهب الفلاسفة في المسألة التي هي أخص المسائل بهم وهي القدم حيث أثبتوا قبل خلق الأجسام أياماً معدودة وأزمنة محدودة، وأخذوا بمذهب المشبهة في المسألة التي هي أخص المسائل بهم وهي الاستواء على العرش فأخطأوا وضلوا وأضلوا في الزمان والمكان جميعاً.

  4. #649
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    وقال الماتربدى

    وقوله: { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } ، أي: عقل وفهم.

    أو لمن كان له قلب ينتفع به في التأمل والنظر.

    وإنما كنى بالقلب عن العقل؛ لأن الناس اختلفوا:

    بعضهم قالوا: إن القلب محل العقل.

    وقال بعضهم: محله الرأس، لكن نوره يصل إلى القلب؛ فيبصر القلب الأشياء الغائبة بواسطة العقل؛ فلذلك كنى بالقلب عن العقل؛ لمجاورة بينهما، وهو سائغ في اللغة....

    وقوله: { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } ، أي: من إعياء وتعب ونصب، وفيه نقض قول اليهود - لعنهم الله - صراحاً، ونفي إيهام المشبهة في قوله:
    { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° عَلَى ظ±لْعَرْشِ }
    [الأعراف: 54]، ويتبين المراد من قوله - عز وجل -:
    { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° عَلَى ظ±لْعَرْشِ }
    [الأعراف: 54] أما نقض قول اليهود - لعنهم الله - فإنهم يقولون: خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في يوم السبت، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا، فالله - عز وجل - أخبر أنه لم يمسه بخلق ما ذكر إعياء ولا لغوب على ما زعمت اليهود - لعنهم الله - فيكون ردّاً لقولهم صريحا.

    وأما نفي إيهام المشبهة؛ فإنهم توهموا أن قوله:
    { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° عَلَى ظ±لْعَرْشِ }
    [الأعراف: 54] على إثر خلق السماوات والأرض وما بينهما في آية أخرى: أن ذلك للراحة، فشبهوا الله تعالى بالخلق: أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها ثم استووا على شيء، إنما يستوون للراحة، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة، فالله تعالى نفى التعب عن نفسه في خلق السماوات والأرض؛ [فدل] على أن استواءه ليس للراحة حتى يراد به الاستقرار، كما في الشاهد بين الخلق وَبَيَّنَ تعاليه وبراءته عما توهمت المشبهة، وشبهوه بالخلق، وتبين بذكر الاستواء على العرش بعد ذكر خلق السماوات الأرض أن المراد منه التمام، أي: تم ملكه بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما بخلق العرش، ويذكر الاستواء ويراد به التمام، والله أعلم.

    قال أبو عوسجة: اللغوب: الإعياء، يقال: لغب يلغب لغوبا فهو لاغب.

    وأصله ما ذكرنا: أن خلق الله تعالى الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له، ولا بالآلات، والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون، فأما الله تعالى إنما يخلق الأشياء بقوله: كن، ولا يلحقه شيء من ذلك، وهو قادر بذاته، فاعل لا بآلة وسبب؛ فأنى يقع له الإعياء والتعب، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا...


    وقوله - عز وجل -: { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } ، وغير الحشر يسير على الله تعالى - أيضاً - ليس شيء أيسر عليه من شيء، أو أصعب من شيء، لكن خص ذلك بالذكر؛ لأن أولئك الكفرة استبعدوا ذلك اليوم، واستعظموا كونه؛ فخص ذلك اليوم باليسير لهذا؛ إذ وجود الأشياء كلها بالتكوين الأزلي، وعبر عن ذلك بحرف
    { كُنْ }
    [البقرة: 117] لمعرفة العباد، لا أن التكوين الذي به وجود المكونات مما يوصف بالحرف، وفي ذلك يستوي ابتداء الخلق وإعادته، والحشر، وكل شيء، ولا قوة إلا بالله.

    وهو كقوله:
    { وَمَآ أَمْرُ ظ±لسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ظ±لْبَصَرِ }
    [النحل: 77]، والله الموفق.

  5. #650
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    سورة الذاريات

    قال الالوسي

    فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ظ±لْمُسْلِمِينَ }

    { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ } أي غير أهل بيت للبيان بقوله تعالى: { مِنَ ظ±لْمُسْلِمِينَ } فالكلام بتقدير مضاف، وجوز أن يراد بالبيت نفسه الجماعة مجازاً، والمراد بهم كما أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد لوط وابنتاه، وأخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: كانوا ثلاثة عشر.

    واستدل بالآية على اتحاد الإيمان والإسلام للاستثناء المعنوي فإن المعنى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فلم يكن المخرج إلا أهل بيت واحد وإلا لم يستقم الكلام، وأنت تعلم أن هذا يدل على أنهما صادقان على الأمر الواحد لا ينفك أحدهما عن الآخر كالناطق والإنسان، أما على الاتحاد في المفهوم وهو المختلف فيه عند أهل الأصول والحديث فلا، فالاستدلال بها على اتحادهما فيه ضعيف، نعم تدل على أنهما صفتا مدح من أوجه عديدة: استحقاق الإخراج واختلاف الوصفين وجعل كل مستقلاً بأن يجعل سبب النجاة وما في قوله تعالى:
    { مَن كَانَ }
    [الذاريات: 35] أولاً، و { غَيْرَ بَيْتٍ } ثانياً من الدلالة على المبالغة فإن صاحبهما محفوظ من كان وأين كان إلى غير ذلك،...

    وقال القرطبي

    والمؤمنون والمسلمون هاهنا سواء فجنّس اللفظ لئلا يتكرر، كما قال:
    { إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ظ±للَّهِ }
    [يوسف: 86]. وقيل: الإيمان تصديق القلب، والإسلام الانقياد بالظاهر، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً. فسماهم في الآية الأولى مؤمنين؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. وقد مضى الكلام في هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. وقوله:
    { قَالَتِ ظ±لأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ }
    [الحجرات: 14] يدل على الفرق بين الإيمان والإسلام وهو مقتضى حديث جبريل عليه السلام في صحيح مسلم وغيره. وقد بيناه في غير موضع

    وقال ابن كثير

    فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ظ±لْمُسْلِمِينَ } احتج بهذه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف لأن هؤلاء كانوا قوماً مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس، فاتفق الاسمان ههنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال، ...

    قال الرازى

    : قوله تعالى: { فَمَا ظ±سْتَطَـظ°عُواْ } فإن الاستطاعة دون القدرة، لأن في الاستطاعة دلالة الطلب وهو ينبـىء عن عدم القدرة والاستقلال، فمن استطاع شيئاً كان دون من يقدر عليه، ولهذا يقول المتكلمون الاستطاعة مع الفعل أو قبل الفعل إشارة إلى قدرة مطلوبه من الله تعالى مأخوذة منه وإليه الإشارة بقوله تعالى:
    { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }
    [المائدة: 112] على قراءة من قرأ بالتاء...

    وقوله تعالى: { بِأَيْدٍ } أي قوة والأيد القوة هذا هو المشهور وبه فسّر قوله تعالى:
    { ذَا ظ±لأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ }
    [صغ¤: 17] يحتمل أن يقال إن المراد جمع اليد، ودليله أنه قال تعالى:
    { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ }
    [صغ¤: 75] وقال تعالى:
    { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـظ°ماً }
    [يغ¤س: 71] وهو راجع في الحقيقة إلى المعنى الأول وعلى هذا فحيث قال: { خُلِقَتْ } قال: { بِيَدَىَّ } وحيث قال: { بِأَيْدٍ } لمقابلة الجمع بالجمع، فإن قيل فلم لم يقل بنيناها بأيدينا وقال: { وما عملت أيدينا }؟ نقول لفائدة جليلة، وهي أن السماء لا يخطر ببال أحد أنها مخلوقة لغير الله والأنعام ليست كذلك، فقال هناك: { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } تصريحاً بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة وكذلك { خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } وفي السماء { بِأَيْدٍ } من غير إضافة للاستغناء عنها وفيه لطيفة أخرى وهي أن هناك لما أثبت الإضافة بعد حذف الضمير العائد إلى المفعول، فلم يقل خلقته بيدي ولا قال عملته أيدينا وقال ههنا: { بَنَيْنَـظ°هَا } لأن هناك لم يخطر ببال أحد أن الإنسان غير مخلوق وأن الحيوان غير معمول فلم يقل خلقته ولا عملته وأما السماء فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة فقال: { بَنَيْنَـظ°هَا } بعود الضمير تصريحاً بأنها مخلوقة.

    وقوله تعالى: { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } فيه وجوه أحدها: أنه من السعة أي أوسعناها بحيث صارت الأرض وما يحيط به من الماء والهواء بالنسبة إلى السماء وسعتها كحلقة في فلاة، والبناء الواسع الفضاء عجيب فإن القبة الواسعة لا يقدر عليها البناءون لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدارتها ويثبت بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض. ثانيها: قوله: { وإنا لموسعون } أي لقادرون ومنه قوله تعالى:
    { لاَ يُكَلّفُ ظ±للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }
    [البقرة: 286] أي قدرتها والمناسبة حينئذ ظاهرة، ويحتمل أن يقال بأن ذلك حينئذ إشارة إلى المقصود الآخر وهو الحشر كأنه يقول: بنينا السماء، وإنا لقادرون على أن نخلق أمثالها، كما في قوله تعالى:
    { أَوَ لَيْسَ ظ±لَّذِى خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ بِقَـظ°دِرٍ عَلَىظ° أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }
    [يغ¤س: 81]. ثالثها: { إِنا لَمُوسِعُونَ } الرزق على الخلق....

    وقال الالوسي

    { وَمِن كُلّ شَىْء } أي من كل جنس من الحيوان { خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } نوعين ذكراً وأنثى قاله ابن زيد وغيره وقال مجاهد: هذا إشارة إلى المتضادات والمتقابلات كالليل والنهار والشقوة والسعادة والهدى والضلال والسماء والأرض والسواد والبياض والصحة والمرض إلى غير ذلك، ورجحه الطبري بأنه أدل على القدرة، وقيل: أريد بالجنس / المنطقي، وأقل ما يكون تحته نوعان فخلق سبحانه من الجوهر مثلاً المادي والمجرد، ومن المادي النامي والجامد، ومن النامي المدرك والنبات، ومن المدرك الصامت والناطق وهو كما ترى.

    { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي فعلنا ذلك كله كي تتذكروا فتعرفوا أنه عز وجل الرب القادر الذي لا يعجزه شيء فتعملوا بمقتضاه ولا تعبدوا ما سواه، وقيل: خلقنا ذلك كي تتذكروا فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات سبحانه لا يقبل التعدد والانقسام، وقيل: المراد التذكر بجميع ما ذكر لأمر الحشر والنشر لأن من قدر على إيجاد ذلك فهو قادر على إعادة الأموات يوم القيامة وله وجه

    وقال الرازى

    ولما قال: { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ظ±للَّهِ إِلَـظ°هاً ءاخَرَ } نفى الأكثر من الواحد فصح التوحيد بالآيتين، ولهذا قال مرتين: { إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي في المقامين والموضعين، وقد ذكرنا مراراً أن المعطل إذا قال لا واجب يجعل الكل ممكناً، فإن كل موجود ممكن، ولكن الله في الحقيقة موجود، فقد جعله في تضاعيف قوله كالممكنات فقد أشرك، وجعل الله كغيره، والمشرك لما قال بأن غيره إلظ°ه يلزم من قوله نفي كون الإلظ°ه إلظ°هاً لما ذكرنا في تقرير دلالة التمانع مع أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله للزم عجز كل واحد، فلا يكون في الوجود إلظ°ه أصلاً، فيكون ناقياً للإلظ°هية، فيكون معطلاً، فالمعطل مشرك، والمشرك معطل، وكل واحد من الفريقين معترف بأن اسمه مبطل، لكنه هو على مذهب خصمه يقول إنه نفسه مبطل وهو لا يعلم، والحمد لله الذي هدانا،

  6. #651
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    وقال الالوسي

    وقال الزمخشري: في الآية: فروا إلى طاعته وثوابه من معصيته وعقابه ووحدوه ولا تشركوا به، وكرر { إِنِّي لَكُمْ } الخ عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان وأنه لا يفوز عند الله تعالى إلا الجامع بينهما انتهى وفيه أنه لا دلالة في الآية على ذلك بوجه ثم تفسير الفرار إلى الله بما فسره أيضاً لينطبق على العمل وحده غير مسلم على أنه لو سلم الإنذار بترك العمل فمن أين يلزم عدم النفع، وأهل السنة لا ينازعون في وقوع الإنذار بارتكاب المعصية، فالمنساق إلى الذهن على تقدير كون المراد بالفرار إلى الله تعالى العبادة أنه تعالى أمر بها أولاً وتوعد تاركها بالوعيد المعروف له في الشرع وهو العذاب دون خلود، ونهى جل شأنه ثانياً أن يشرك بعبادته سبحانه غيره وتوعد المشرك بالوعيد المعروف له وهو الخلود، وعلى هذا يكون الوعيدان متغايرين وتكون الآية في تقديم الأمر على النهي فيها نظير قوله تعالى:
    { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـظ°لِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا }
    [الكهف: 110]، وقوله سبحانه:
    { وَظ±عْبُدُواْ ظ±للَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً }
    [النساء: 36] وأين هذا مما ذكره الزمخشري عامله الله تعالى بعدله.......

    واستشكلت الآية بأنها تدل على أنه ما من رسول إلا كذب مع أن الرسل المقررين شريعةَ مَنْ قبلهم كيوشع عليه السلام لم يكذَّبوا وكذا آدم عليه السلام أرسل ولم يكذَّب. وأجاب الإمام بقوله: لا نسلم أن المقرر رسول بل هو نبـي على دين رسول ومن كذب رسوله فهو يكذبه أيضاً وتعقب بأن الأخبار وكذا الآيات دالة على أن المقررين رسل، وأيضاً يبقى الاستشكال بآدم عليه السلام وقد اعترف هو بأنه أرسل ولم يكذب. وأجاب بعض عن الاستشكال بالمقررين بأن الآية إنما تدل على أن الرسل الذين أتوا من قبلهم كلهم قد قيل في حقهم ما قيل، ولا يدخل في عموم ذلك المقررون لأن المتبادر من إتيان الرسول قوماً مجيئه إياهم مع عدم تبليغ غيره إياهم ما أتى به من قبله وذلك لم يحصل للمقرر شرع من قبله كما لا يخفى، وعن الاستشكال بآدم عليه السلام بأن المراد ما أتى الذين من قبلهم من الأمم الذين كانوا موجودين على نحو وجود هؤلاء رسول إلا قالوا الخ، وآدم عليه السلام لم يأت أمة كذلك إذ لم يكن حين أرسل إلا زوجته حواء، ولعله أولى مما قيل: إن المراد من (رسول) من بني آدم فلا يدخل هو عليه السلام في ذلك، واستشكل أيضاً بأن { إِلاَّ قَالُواْ } يدل على أنهم كلهم كذبوا مع أنه ما من رسول إلا آمن به قوم، وأجاب الإمام بأن إسناد القول إلى ضمير الجمع على إرادة الكثير بل الأكثر، وذكر المكذب فقط لأنه الأوفق بغرض التسلية، وأخذ منه بعضهم الجواب عن الاستشكال السابق فقال: الحكم باعتبار الغالب لا أن كل أمة من الأمم أتاها رسول فكذبته ليرد آدم والمقررون حيث لم يكذبوا ـ وفيه ما فيه ـ وحمل بعضهم { ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } على الكفار ودفع به الاستشكالين ـ وفيه ما لا يخفى ـ فتأمل جميع ذلك ولا تظن انحصار الجواب فيما سمعت فأمعن النظر والله تعالى الهادي لأحسن المسالك.....

    وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }


    قال الرازى

    فعل الله تعالى ليس لغرض وإلا لكان بالغرض مستكملاً وهو في نفسه كامل فكيف يفهم لأمر الله الغرض والعلة؟ نقول المعتزلة تمسكوا به، وقالوا أفعال الله تعالى لأغراض وبالغوا في الإنكار على منكري ذلك، ونحن نقول فيه وجوه الأول: أن التعليل لفظي ومعنوي، واللفظي ما يطلق الناظر إليه اللفظ عليه وإن لم يكن له في الحقيقة، مثاله إذا خرج ملك من بلاده ودخل بلاد العدو وكان في قلبه أن يتعب عسكر نفسه لا غير، ففي المعنى المقصود ذلك، وفي اللفظ لا يصح ولو قال هو أنا ما سافرت إلا لابتغاء أجر أو لأستفيد حسنة يقال هذا ليس بشيء ولا يصح عليه، ولو قال قائل في مثل هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدو وليرهبه لصدق، فالتعليل اللفظي هو جعل المنفعة المعتبرة علة للفعل الذي فيه المنفعة، يقال إتجر للربح، وإن لم يكن في الحقيقة له، إذا عرفت هذا، فنقول الحقائق غير معلومة عند الناس، والمفهوم من النصوص معانيها اللفظية لكن الشيء إذا كان فيه منفعة يصح التعليل بها لفظاً والنزاع في الحقيقة في اللفظ الثاني: هو أن ذلك تقدير كالتمني والترجي في كلام الله تعالى وكأنه يقول العبادة عند الخلق شيء لو كان ذلك من أفعالكم لقلتم إنه لها، كما قلنا في قوله تعالى:
    { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ }
    [طه: 44] أي بحيث يصير تذكرة عندكم مرجواً وقوله
    { عَسَىظ° رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ }
    [الأعراف: 129] أي يصير إهلاكه عندكم مرجواً تقولون إنه قرب الثاني: هو أن اللام قد تثبت فيما لا يصح غرضاً كما في الوقت قال تعالى:
    { أَقِمِ ظ±لصَّلَوظ°ةَ لِدُلُوكِ ظ±لشَّمْسِ }
    [الإسراء: 78] وقوله تعالى:
    { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }
    [الطلاق: 1] والمراد المقارنة، وكذلك في جميع الصور، وحينئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي بفرض العبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، والذي يدل على عدم جواز التعليل الحقيقي هو أن الله تعالى مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل فيكون توسط ذلك لا ليكون علة، وإذا لزم القول بأن الله تعالى يفعل فعلاً هو لمتوسط لا لعلة لزمهم المسألة، وأما النصوص فأكثر من أن تعد وهي على أنواع، منها ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى:يُضِلُّ مَن يَشَاء }
    [الرعد: 27] وأمثاله ومنها ما يدل على أن الأشياء كلها بخلق الله كقوله تعالى:
    { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء }
    [الرعد: 16] ومنها الصرايح التي تدل على عدم ذلك، كقوله تعالى:
    { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ }
    [الأنبياء: 23] وقوله تعالى:
    { وَيَفْعَلُ ظ±للَّهُ مَا يَشَاء }
    [إبراهيم: 27]
    { يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ }
    [المائدة: 1] والاستقصاء مفوض فيه إلى المتكلم الأصولي لا إلى المفسر.

    وقال الالوسي

    واللام قيل: للغاية والعبادة وإن لم تكن غاية مطلوبة من الخلق لقيام الدليل على أنه عز وجل لم يخلق الجن والإنس لأجلها أي لإرادتها منهم إذ لو أرادها سبحانه منهم لم يتخلف ذلك لاستلزام / الإرادة الإلغ¤هية للمراد كما بين في الأصول مع أن التخلف محقق بالمشاهدة، وأيضاً ظاهر قوله تعالى:
    { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ظ±لْجِنّ وَظ±لإِنْسِ }
    [الأعراف: 179] يدل على إرادة المعاصي من الكثير ليستحقوا بها جهنم فينافي إرادة العبادة لكن لما كان خلقهم على حالة صالحة للعبادة مستعدة لها حيث ركب سبحانه فيهم عقولاً وجعل لهم حواس ظاهرة وباطنة إلى غير ذلك من وجوه الاستعداد جعل خلقهم مغياً بها مبالغة بتشبيه المعدّ له الشيء بالغاية ومثله شائع في العرف، ألا تراهم يقولون للقوي جسمه: هو مخلوق للمصارعة، وللبقر: هي مخلوقة للحرث. وفي «الكشف» أن أفعاله تعالى تنساق إلى الغايات الكمالية واللام فيها موضوعها ذلك، وأما الإرادة فليست من مقتضى اللام إلا إذا علم أن الباعث مطلوب في نفسه وعلى هذا لا يحتاج إلى تأويل فإنهم خلقوا بحيث يتأتى منهم العبادة وهدوا إليها وجعلت تلك غاية كمالية لخلقهم، وتعوّق بعضهم عن الوصول إليها لا يمنع كون الغاية غاية، وهذا معنى مكشوف انتهى.

    فتأمل.

    وقيل: المراد بالعبادة التذلل والخضوع بالتسخير، وظاهر أن الكل عابدون إياه تعالى بذلك المعنى لا فرق بين مؤمن، وكافر، وبر، وفاجر، ونحوه ما قيل: المعنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليذلوا لقضائي، وقيل: المعنى ما خلقتهم إلا ليكونوا عباداً لي، ويراد بالعبد العبد بالإيجاد وعموم الوصف عليه ظاهر لقوله تعالى:
    { إِن كُلُّ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ إِلاَّ أَتِى ظ±لرَّحْمَـظ°نِ عَبْداً }
    [مريم: 93] لكن قيل عليه: إن عبد بمعنى صار عبداً ليس من اللغة في شيء، وقيل: العبادة بمعنى التوحيد بناءاً على ما روي عن ابن عباس أن كل عبادة في القرآن فهو توحيد فالكل يوحدونه تعالى في الآخرة أما توحيد المؤمن في الدنيا هناك فظاهر، وأما توحيد المشرك فيدل عليه قوله تعالى:
    { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَظ±للَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
    [الأنعام: 23] وعليه قول من قال: لا يدخل النار كافر، أو المراد كما قال الكلبـي: إن المؤمن يوحده في الشدة والرخاء والكافر يوحده سبحانه في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، كما قال عز وجل:
    { فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ظ±لْفُلْكِ دَعَوُاْ ظ±للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ظ±لدّينَ }
    [العنكبوت: 65] ولا يخفى بعد ذلك عن الظاهر والسياق.

    ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما خلقتهم إلا لآمرهم وأدعوهم للعبادة فهو كقوله تعالى:
    { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ظ±للَّهَ }
    [البينة: 5] فذكر العبادة المسببة شرعاً عن الأمر أو اللازمة له، وأريد سببها أو ملزومها فهو مجاز مرسل، وأنت تعلم أن أمر كل من أفراد الجن وكل من أفراد الإنس غير متحقق لا سيما إذا كان غير المكلفين كالأطفال الذين يموتون قبل زمان التكليف داخلين في العموم.

    وقال مجاهد: إن معنى { لِيَعْبُدُونِ } ليعرفون وهو مجاز مرسل أيضاً من إطلاق اسم السبب على المسبب على ما في «الإرشاد»، ولعل السر فيه التنبية على أن المعتبر هي المعرفة الحاصلة بعبادته تعالى لا ما يحصل بغيرها كمعرفة الفلاسفة قيل: وهو حسن لأنهم لو لم يخلقهم عز وجل لم يعرف وجوده وتوحيده سبحانه وتعالى، وقد جاء " كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " وتعقب بأن المعرفة الصحيحة لم تتحقق في كل بل بعض قد أنكر وجوده عز وجل كالطبيعيين اليوم فلا بد من القول السابق في توجيه التعليل، ثم الخبر بهذا اللفظ ذكره سعد الدين سعيد الفرغاني في «منتهى المدارك»، وذكر غيره كالشيخ الأكبر في الباب المائة والثمانية والتسعين من «الفتوحات» بلفظ آخر وتعقبه الحفاظ فقال ابن تيمية: إنه ليس من كلام النبـي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وكذا قال الزركشي والحافظ ابن حجر وغيرهما. ومن / يرويه من الصوفية معترف بعدم ثبوته نقلاً لكن يقول: إنه ثابت كشفاً، وقد نص على ذلك الشيخ الأكبر قدس سره في الباب المذكور، والتصحيح الكشفي شنشنة لهم، ومع ذلك فيه إشكال معنى إلا أنه أجيب عنه ثلاث أجوبة ستأتي إن شاء الله تعالى.

    وقيل: أل في { ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ } للعهد، والمراد بهم المؤمنون لقوله تعالى:
    { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا }
    [الأعراف: 179] الآية أي بناءاً على أن اللام فيها ليست للعاقبة، ونسب هذا القول لزيد بن أسلم وسفيان، وأيد بقوله تعالى قبل:
    { فَإِنَّ ظ±لذّكْرَىظ° تَنفَعُ ظ±لْمُؤْمِنِينَ }
    [الذاريات: 55] وأيده في «البحر» برواية ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين " ورواها بعضهم قراءة لابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومن الناس من جعلها للجنس، وقال: يكفي في ثبوت الحكم له ثبوته لبعض أفراده وهو هنا المؤمنون الطائعون وهو في المآل متحد مع سابقه، ولا إشكال على ذلك في جعل اللام للغاية المطلوبة حقيقة وكذا في جعلها للغرض عند من يجوز تعليل أفعاله تعالى بالأغراض مع بقاء الغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير كما ذهب إليه كثير من السلف والمحدثين، وقد سمعت أن منهم من يقسم الإرادة إلى شرعية تتعلق بالطاعات وتكوينية تتعلق بالمعاصي وغيرها، وعليه يجوز أن يبقي { ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ } على شمولها للعاصين، ويقال: إن العبادة مرادة منهم أيضاً لكن بالإرادة الشرعية إلا أنه لا يتم إلا إذا كانت هذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد كالإرادة التفويضية القائل بها المعتزلة.

    هذا وإذا أحطت خبراً بالأقوال في تفسير هذه الآية هان عليك دفع ما يتراءى من المنافاة بينها وبين قوله تعالى:
    { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذظ°لِكَ خَلَقَهُمْ }
    [هود: 118-119] على تقدير كون الإشارة إلى الاختلاف بالتزام بعض هاتيك الأقوال فيها، ودفعه بعضهم بكون اللام في تلك الآية للعاقبة والذي ينساق إلى الذهن أن الحصر إضافي أي خلقتهم للعبادة دون ضدها أو دون طلب الرزق والإطعام على ما يشير إليه كلام بعضهم أخذاً من تعقيب ذلك بقوله سبحانه: { مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ }....

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } قيل: إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص. والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجنّ والإنس إلا ليوحدون. قال القشيريّ: والآية دخلها التخصيص على القطع؛ لأن المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة، وقد قال الله تعالى:
    { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ظ±لْجِنِّ وَظ±لإِنْسِ }
    [الأعراف: 179] ومن خُلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، فالآية محمولة على المؤمنين منهم؛ وهو كقوله تعالى:
    { قَالَتِ ظ±لأَعْرَابُ آمَنَّا }
    [الحجرات: 14] وإنما قال فريق منهم. ذكره الضحاك والكلبي والفرّاء والقتبي. وفي قراءة عبد الله: { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } وقال عليّ رضي الله عنه: أي وما خلقت الجنّ والإنس إلا لآمرهم بالعبادة. وظ±عتمد الزجاج على هذا القول، ويدل عليه قوله تعالى:
    { وَمَآ أُمِرُوغ¤اْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوغ¤اْ إِلَـظ°هاً وَاحِداً }
    [التوبة: 31]. فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته؟ قيل: قد تذللوا لقضائه عليهم؛ لأن قضاءه جارٍ عليهم لا يقدرون على الامتناع منه، وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه. وقيل: { إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعاً أو كرهاً؛ رواه عليّ بن أبي طلحة عن ظ±بن عباس. فالكره ما يُرَى فيهم من أثر الصنعة. مجاهد: إلا ليعرفوني. الثعلبي: وهذا قول حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. ودليل هذا التأويل قوله تعالى:
    { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ظ±للَّهُ }
    [الزخرف: 87]
    { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ظ±لسَّمَاوَاتِ وَظ±لأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْعَلِيمُ }
    [الزخرف: 9] وما أشبه هذا من الآيات. وعن مجاهد أيضاً: إلا لآمرهم وأنهاهم. زيد بن أسلم: هو ما جُبِلوا عليه من الشّقوة والسعادة؛ فخلق السعداء من الجنّ والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء منهم للمعصية. وعن الكلبي أيضاً: إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدّة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدّة والبلاء دون النعمة والرخاء؛ يدل عليه قوله تعالى:
    { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَظ±لظُّلَلِ دَعَوُاْ ظ±للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ظ±لدِّينَ }
    [لقمان: 32] الآية. وقال عِكْرمة: إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد. وقيل: المعنى إلا لأستعبدهم. والمعنى متقارب؛ تقول: عبد بيِّن العبودة والعبودية، وأصل العبودية الخضوع والذل. والتعبيد التذليل؛ يقال: طريق معبد. قال:
    وظِيفـاً وَظِيفاً فـوقَ مَـوْرٍ مُعَبَّـدِ
    والتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبداً. وكذلك الاعتباد. والعبادة: الطاعة، والتَّعبُّد التَّنسك. فمعنى «لِيَعْبُدُونِ» ليذِلّوا ويخضعوا ويعبدوا

    وقال الزمخشري

    { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }

    أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها. فإن قلت: لو كان مريداً للعبادة منهم لكانوا كلهم عباداً؟ قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريداً لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم

    ملحوظة

    الزمخشري يقصد الارادة التفويضية واراده الالجاء والقسر عند المعتزلة الاولي تتخلف الثانية لا فعندهم اراد من الجميع العبادة مؤمن وكافر...

    وقال المانريدى

    ثم قوله - عز وجل -: { إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } على حقيقة العبادة؛ لوجهين:

    أحدهما: على حقيقة فعل العبادة، وعلى هذا الوجه لم تكن الآية معمولا بها على العموم، بل على الخصوص، وهم المؤمنون من الجن والإنس دون الكفرة منهم؛ فإنه لا يجوز أن يخلق الكفرة الذين علم منهم: أنهم لا يؤمنون للعبادة؛ إذ خلقه عن اختيار وإرادة، فإذا خلقهم وأراد منهم العبادة لا بد أن توجد منهم، وقد علم منهم أنه لا توجد؛ فيصير كأنه أراد تجهيل نفسه، وهذا محال؛ فدل أن المراد منه الخصوص، وقد خص منه البعض بلا خلاف؛ فإن الصغار والمجانين قد خصوا، بأنه لا يتحقق منهم العبادة؛ فجائز أن يخص منه الكفرة الذين علم منهم أنهم لا يؤمنون، والله أعلم.

    ويحتمل أن المراد منه الأمر بالعبادة، أي: ما خلقتهم إلا لآمرهم بالعبادة والتوحيد.

    وهذا التأويل أقرب إلى العمل بالعموم؛ فإنه يدخل فيه العقلاء من الجن والإنس دون الصغار والمجانين.

    ويجوز أن يأمر بشيء ولا يريد تحصيل المأمور به، وصيرورة المأمور مطيعاً له؛ بل يريد أن يصير عاصيا فيدخل النار، بخلاف إذا خلقه للعبادة وأرادها منه لا يجوز ألا توجد، وحقيقة هذا تعرف في كتاب التوحيد: أنه خلق الإيمان والعبادة؛ إن علم منه أنه يعبد ويختار العبادة له، فأما من علم منه اختيار الضلال والغواية، وصرف العبادة إلى غيره، فإنه خلقه على ما علم منه أنه يختار ويفعل؛ لقوله تعالى:
    { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ظ±لْجِنِّ وَظ±لإِنْسِ... }
    الآية [الأعراف: 179].

    وقال قائلون: لم يرد بقوله تعالى: { لِيَعْبُدُونِ } حقيقة العبادة التي هي فعل العبد على وجه الاختيار، ولكن معناه: وما خلقت الجن والإنس إلا وقد جعلت في كل أحد منهم دلالة وحدانيتي ودلالة صرف العبادة إليَّ، والقيام بالشكر لي فيما أنعمت عليهم من أنواع النعم ما لو تأملوا فيها ونظروا، تدلهم على ما ذكرنا من العلم بالوحدانية لي، والقيام بالعبادة والشكر، والله أعلم.

    وعلى هذا التأويل تكون الآية عامة، لا خصوص فيها؛ لأن خلقة كل أحد منهم على أي وصف كان دلالة ما ذكرنا، والله الموفق.

    ويحتمل أيضاً: وما خلقت الجن والإنس إلا على خلقة تصلح للمحنة بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولتحقيق فعل ذلك بما ركب فيهم العقل، وجعل مفاصلهم لينة، قابلة الأفعال، تصلح للخدمة: من الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، ونحوها، على خلاف غير هؤلاء من المخلوقات؛ فإنها خلقت على خلقة تصلح لمنافع الممتحنين، لا على وجه يصلح للمحنة، والله أعلم.

    ثم في العبادة خصوصية معنى، ليس ذلك في الطاعة والخدمة، وغير ذلك من الأفعال؛ كقوله تعالى:
    { مَّنْ يُطِعِ ظ±لرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ظ±للَّهَ }
    [النساء: 80]؛ حيث لم يجز العبادة لغيره، وأجاز الطاعة والخدمة، والتعظيم، وغير ذلك من الأفعال؛ كقوله:
    { مَّنْ يُطِعِ ظ±لرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ظ±للَّهَ }
    [النساء: 80] دل أن في العبادة معنى ليس ذلك المعنى في غيره؛ لذلك وقعت الخصوصية له؛ ولذلك خص نفسه بتسمية: الإله، لم يجز التسمية به لغيره؛ إذ الإله عندهم: معبود، فكل معبود عندهم يسمونه: إلها، وذلك كما خص نفسه بتسمية: الرحمن، لم يجعل ذلك لغيره، وجاز تسمية غيره: رحيما؛ لما أن في اسم الرحمن زيادة معنى ليس في الرحيم، وكذا خص نفسه بتسميته: خالقا، ولم يجز هذا الاسم لغيره؛ لما أن في الخالق معنى، ليس ذلك المعنى في الفاعل وغيره، فكذلك هذا، والله أعلم....

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } اختلف الناس في معناه مع إجماع أهل السنة على أن الله تعالى لم يرد أن تقع العبادة من الجميع، لأنه لو أراد ذلك لم يصح وقوع الأمر بخلاف إرادته، فقال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية فعبر عن ذلك بقوله: { ليعبدون } إذ العبادة هي مضمن الأمر، وقال زيد بن أسلم وسفيان: المعنى خاص، والمراد: { وما خلقت } الطائعين من { الجن والإنس } إلا لعبادتي، ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: " وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدوني " ، وقال ابن عباس أيضاً معنى: { ليعبدون } أي ليتذللوا لي ولقدرتي، وإن لم يكن ذلك على قوانين الشرع.

    قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل فجميع الجن والإنس عابد متذلل والكفار كذلك، ألا تراهم عند القحط والأمراض وغير ذلك. وتحتمل الآية، أن يكون المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا معدين ليعبدون، وكأن الآية تعديد نعمة، أي خلقت لهم حواس وعقولاً وأجساماً منقادة نحو العبادة، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلاً، فالمعنى أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب صرف نفسه عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قول النبي صلى الله عليه وسلم: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". وقوله: " كل مولود يولد على الفطرة " والحديث، وقوله: { من رزق } أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم.

  7. #652
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    سورة الطور

    قال الرازى

    المسألة الرابعة: لو قال قائل كنت وعدت ببحث في الزمان يستفيد العاقل منه فوائد في اللفظ والمعنى وهذا موضعه، فإن الفعل لا يضاف إليه شيء غير الزمان فيقال يوم يخرج فلان وحين يدخل فلان، وقال الله تعالى:
    { يَوْمُ يَنفَعُ ظ±لصَّـظ°دِقِينَ }
    [المائدة: 119] وقال: { وَيَوْمَ تَمُورُ ظ±لسَّمَاء } وقال:

    يَوْمَ خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ }
    [التوبة: 36] وكذلك يضاف إلى الجملة فما السبب في ذلك؟ فنقول الزمان ظرف الأفعال كما أن المكان ظرف الأعيان، وكما أن جوهراً من الجواهر لا يوجد إلا في مكان، فكذلك عرض من الأعراض لا يتجدد إلا في زمان، وفيهما تحير خلق عظيم، فقالوا إن كان المكان جوهراً فله مكان آخر ويتسلسل الأمر، وإن كان عرضاً فالعرض لا بد له من جوهر، والجوهر لا بد له من مكان فيدور الأمر أو يتسلسل، وإن لم يكن جوهراً ولا عرضاً، فالجوهر يكون حاصلاً فيما لا وجود له أو فيما لا إشارة إليه، وليس كذلك، وقالوا في الزمان إن كان الزمان غير متجدد فيكون كالأمور المستمرة فلا يثبت فيه المضي والاستقبال، وإن كان متجدداً وكل متجدد فهو في زمان، فللزمان زمان آخر فيتسلسل الأمر، ثم إن الفلاسفة التزموا التسلسل في الأزمنة، ووقعوا بسبب هذا في القول بقدم العالم ولم يلتزموا التسلسل في الأمكنة وفرقوا بينهما من غير فارق وقوم التزموا التسلسل فيهما جميعاً، وقالوا بالقدم وأزمان لا نهاية لها وبالامتداد وأبعاد لا نهاية لها، وهم وإن خالفونا في المسألتين جميعاً والفلاسفة وافقونا في إحداهما دون الأخرى لكنهم سلكوا جادة الوهم ولم يتركوا على أنفسهم سبيل الالتزام في الأزمان، فإن قيل فالمتجدد الأول قبله ماذا؟ نقول ليس قبله شيء، فإن قيل فعدمه قبله أو قبله عدمه؟ نقول قولنا ليس قبله شيء أعم من قولك قبله عدمه، لأنا إذا قلنا ليس قبل آدم حيوان بألف رأس، صدقنا ولا يستلزم ذلك صدق قولنا آدم قبل حيوان بألف رأس أو حيوان بألف رأس بعد آدم، لانتفاء ذلك الحيوان أولاً وآخراً وعدم دخوله في الوجود أزلاً وأبداً، فكذلك ما قلنا، فإن قيل هذا لا يصح، لأن الله تعالى شيء موجود وهو قبل العالم، نقول قولنا ليس قبل المتجدد الأول شيء معناه ليس قبله شيء بالزمان، وأما الله تعالى فليس قبله بالزمان إذ كان الله ولا زمان، والزمان وجد مع المتجدد الأول، فإن قيل فما معنى وجود الله قبل كل شيء غيره؟ نقول معناه كان الله ولم يكن شيء غيره لا يقال ما ذكرتم إثبات شيء بشيء ولا يثبت ذلك الشيء إلا بما ترومون إثباته، فإن بداية الزمان غرضكم وهو مبني على المتجدد الأول والنزاع في المتجدد، فإن عند الخصم ليس في الوجود متجدد أول بل قبل كل متجدد، لأنا نقول نحن ما ذكرنا ذلك دليلاً، وإنما ذكرناه بياناً لعدم الإلزام، وأنه لا يرد علينا شيء إذا قلنا بالحدوث ونهاية الأبعاد واللزم والإلزام، فيسلم الكلام الأول، ثم يلزم ويقول: ألست تقول إن لنا متجدداً أولاً فكذلك قل له عدم، فنقول لا بل ليس قبله أمر بالزمان، فيكون ذلك نفياً عاماً، وإنما يكون ذلك لانتفاء الزمان، كما ذكرنا في المثال، إذا علمت هذا فصار الزمان تارة موجوداً مع عرض وأخرى موجوداً بعد عرض، لأن يومنا هذا وغيره من الأيام كلها صارت متميزة بالمتجدد الأول، والمتجدد الأول له زمان هو معه، إذا عرفت أن الزمان والمكان أمرهما مشكل بالنسبة إلى بعض الأفهام والأمر الخفي يعرف بالوصف والإضافة، فإنك إذا قلت غلام لم يعرف، فإذا وصفته أو أضفته وقلت غلام صغير أو كبير، وأبيض أو أسود قرب من الفهم، وكذلك إذا قلت غلام زيد قرب، ولم يكن بد من معرفة الزمان، ولا يعرف الشيء إلا بما يختص به، فإنك إذا قلت في الإنسان حيوان موجود بعدته عن الفهم، وإذا قلت حيوان طويل القامة قربته منه، ففي الزمان كان يجب أن يعرف بما يختص به لأن الفعل الماضي والمستقبل والحال يختص بأزمنة، والمصدر له زمان مطلق، فلو قلت زمان الخروج تميز عن زمان الدخول وغيره، فإذا قلت يوم خرج أفاد ما أفاد قولك يوم الخروج مع زيادة هو أنه تميز عن يوم يخرج والإضافة إلى ما هو أشد تمييزاً أولى، كما أنك إذا قلت غلام رجل ميزته عن غلام امرأة، وإذا قلت غلام زيد زدت عليه في الإفادة وكان أحسن، كذلك قولنا يوم خرج لتعريف ذلك اليوم خير من قولك يوم الخروج، فظهر من هذا البحث أن الزمان يضاف إلى الفعل وغيره لا يضاف لاختصاص الفعل بالزمان دون غيره إلا المكان في قوله اجلس حيث يجلس، فإن حيث يضاف إلى الجمل لمشابهة ظرف المكان لظرف الزمان، وأما الجمل فهي إنما يصح بواسطة تضمنها الفعل، فلا يقال يوم زيد أخوك، ويقال يوم زيد فيه خارج.

    ومن جملة الفوائد اللفظية أن لات يختص استعمالها بالزمان قال الله تعالى:
    { وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ }
    [صغ¤: 3] ولا يقال لات الرجل سوء، وذلك لأن الزمان تجدد بعد تجدد ولا يبقى بعد الفناء حياة أخرى وبعد كل حركة حركة أخرى وبعد كل زمان زمان وإليه الإشارة بقوله تعالى:
    { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ }
    [الرحمظ°ن: 29] أي قبل الخلق لم يخلق شيئاً، لكنه يعد ما خلق فهو أبداً دائماً يخلق شيئاً بعد شيء فبعد حياتنا موت وبعد موتنا حياة وبعد حياتنا حساب وبعد الحساب ثواب دائم أو عقاب لازم ولا يترك الله الفعل فلما بعد الزمان عن النفي زيد في الحروف النافية زيادة، فإن قيل فالله تعالى أبعد عن الانتفاء فكان ينبغي أن لا تقرب التاء بكلمة لا هناك، نقول { لات حِينَ مَنَاصٍ } تأويل وعليه لا يرد ما ذكرتم وهو أن لا هي المشبهة بليس تقديره ليس الحين حين مناص، وهو المشهور، ولذلك اختص بالحين دون اليوم والليل لأن الحين أدوم من الليل والنهار فالليل والنهار قد لا يكون والحين يكون...

  8. #653
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    قال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { فَمَنَّ ظ±للَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ظ±لسَّمُومِ }.

    دل قوله: { فَمَنَّ ظ±للَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ظ±لسَّمُومِ }: أن لله أن يعذبهم بعذاب السموم، لكنه بمنه وفضله وقاهم، ولو كان عليه ذلك كما قالت المعتزلة لم يكن لذكر المنة معنى.

    قال الرازى

    قوله تعالى: { فَلْيَأْتُواْ } الفاء للتعقيب أي إذا كان كذلك فيجب عليهم أن يأتوا بمثل ما أتى به ليصحح كلامهم ويبطل كلامه وفيه مباحث: الأول: قال بعض العلماء { فَلْيَأْتُواْ } أمر تعجيز بقول القائل لمن يدعي أمراً أو فعلاً ويكون غرضه إظهار عجزه، والظاهر أن الأمر ههنا مبقي على حقيقته لأنه لم يقل: ائتوا مطلقاً بل إنما قال: ائتوا إن كنتم صادقين، وعلى هذا التقدير ووجود ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز في كلام الله تعالى قوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ * يَأْتِى بِظ±لشَّمْسِ مِنَ ظ±لْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ظ±لْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ظ±لَّذِى كَفَرَ }
    [البقرة: 258] وليس هذا بحثاً يورث خللاً في كلامهم. الثاني: قالت المعتزلة الحديث محدث والقرآن سماه حديثاً فيكون محدثاً، نقول الحديث اسم مشترك، يقال للمحدث والقديم، ولهذا يصح أن يقال هذا حديث قديم بمعنى متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لا نزاع فيه. الثالث: النحاة يقولون الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير، لكن الموصوف حديث وهو منكر ومثل مضاف إلى القرآن والمضاف إلى المعرف معرف، فكيف هذا؟ نقول مثل وغير لا يتعرفان بالإضافة وكذلك كل ما هو مثلهما والسبب أن غير أو مثلاً وأمثالهما في غاية التنكير، فإنك إذا قلت ما رأيت شيئاً مثل زيد يتناول كل شيء فإن كل شيء مثل زيد في كونه شيئاً، فالجماد مثله في الجسم والحجم والإمكان، والنبات مثله في النشوء والنماء والذبول والفناء، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف، وأما غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت غير زيد صار في غاية الإيهام فإنه يتناول أموراً لا حصر لها، وأما إذا قطعته عن الإضافة ربما تقول الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير كأسماء الأجناس، أو تجعله مبتدأ وتريد به معنى معيناً.

    الرابع: { إِن كَانُواْ صَـظ°دِقِينَ } أي في قولهم
    { تَقَوَّلَهُ }
    [الطور: 33] وقد ذكرنا أن ذلك راجع إلى ما سبق من أنه كاهن وأنه مجنون، وأنه شاعر، وأنه متقول، ولو كانوا صادقين في شيء من ذلك لهان عليهم الإتيان بمثل القرآن، ولما امتنع كذبوا في الكل. البحث الخامس: قد ذكرنا أن القرآن معجز ولا شك فيه، فإن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثل ما يقرب منه عند التحدي فإما أن يكون كونه معجزاً لفصاحته وهو مذهب أكثر أهل السنة وإما أن يكون معجزاً لصرف الله عقول العقلاء عن الإتيان بمثله، وعقله ألسنتهم عن النطق بما يقرب منه، ومنع القادر من الإتيان بالمقدور كإتيان الواحد بفعل لا يقدر عليه غيره فإن من قال لغيره أنا أحرك هذا الجبل يستبعد منه، وكذا إذا قال إني أفعل فعلاً لا يقدر الخلق معه على حمل تفاحة من موضعها يستبعد منه على أن كل واحد فعل معجز إذا اتصل بالدعوى، وهذا مذهب بعض المتكلمين ولا فساد فيه وعلى أن يقال هو معجز بهما جميعاً....

    { أَمْ لَهُ ظ±لْبَنَاتُ وَلَكُمُ ظ±لْبَنُونَ }

    إشارة إلى نفي الشرك، وفساد ما يقولون بطريق آخر، وهو أن المتصرف إنما يحتاج إلى الشريك لعجزه، والله قادر فلا شريك له، فإنهم قالوا: نحن لا نجعل هذه الأصنام وغيرها شركاء، وإنما نعظمها لأنها بنات الله، فقال تعالى: كيف تجعلون لله البنات، وخلق البنات والبنين إنما كان لجواز الفناء على الشخص، ولولا التوالد لانقطع النسل وارتفع الأصل، من غير أن يقوم مقامه الفصل، فقدر الله التوالد، ولهذا لا يكون في الجنة ولادة، لأن الدار دار البقاء، لا موت فيها للآباء، حتى تقام العمارة بحدوث الأبناء. إذا ثبت هذا فالولد إنما يكون في صورة إمكان فناء الأب، ولهذا قال تعالى في أوائل سورة آل عمران
    { ظ±لْحَىُّ ظ±لْقَيُّومُ }
    [آل عمران: 2] أي حي لا يموت فيحتاج إلى ولد يرثه، وهو قيوم لا يتغير ولا يضعف، فيفتقر إلى ولد ليقوم مقامه، لأنه ورد في نصارى نجران. ثم إن الله تعالى بيّن هذا بأبلغ الوجوه، وقال إنهم يجعلون له بنات، ويجعلون لأنفسهم بنين، مع أن جعل البنات لهم أولى، وذلك لأن كثير البنات تعين عل كثرة الأولاد، لأن الإناث الكثيرة يمكن منهن الولادة بأولاد كثيرة من واحد. وأما الذكور الكثيرة لا يمكن منهم إحبال أنثى واحدة بأولاد، ألا ترى أن الغنم لا يذبح منها الإناث إلا نادراً، وذلك لما ثبت أن إبقاء النوع بالأنثى أنفع نظراً إلى التكثير، فقال تعالى: أنا القيوم الذي لا فناء لي، ولا حاجة لي في بقاء النوع في حدوث الشخص، وأنتم معرضون للموت العاجل، وبقاء العالم بالإناث أكثر، وتتبرءون منهن والله تعالى مستغن عن ذلك وتجعلون له البنات، وعلى هذا فما تقدم كان إشارة إلى نفي الشريك نظراً إلى أنه لابتداء لله، وهذا إشارة إلى نفي الشريك نظراً إلى أنه لا فناء له، فإن قيل كيف وقع لهم نسبة البنات إلى الله تعالى مع أن هذا أمر في غاية القبح لا يخفى على عاقل، والقوم كان لهم العقول التي هي مناط التكليف، وذلك القدر كاف في العلم بفساد هذا القول؟ نقول ذلك القول دعاهم إليه اتباع العقل، وعدم اعتبار النقل، ومذهبهم في ذلك مذهب الفلاسفة حيث يقولون يجب اتباع العقل الصريح، ويقولون النقل بمعزل لا يتبع إلا إذا وافق العقل، وإذا وافق فلا اعتبار للنقل، لأن العقل هناك كاف، ثم قالوا الوالد يسمى والداً، لأنه سبب وجود الولد، ولهذا يقال: إذا ظهر شيء من شيء هذا تولد من ذلك، فيقولون الحمى تتولد من عفونة الخلط، فقالوا الله تعالى سبب وجود الملائكة سبباً واجباً لا اختيار له فسموه بالوالد، ولم يلتفتوا إلى وجوب تنزيه الله في تسميته بذلك عن التسمية بما يوهم النقص، ووجوب الاقتصار في أسمائه على الأسماء الحسنى التي ورد بها الشرع لعدم اعتبارهم النقل، فقالوا يجوز إطلاق الأسماء المجازية والحقيقية على الله تعالى وصفاته، فسموه عاشقاً ومعشوقاً، وسموه أباً ووالداً، ولم يسموه ابناً ولا مولوداً باتفاقهم، وذلك ضلالة....

    قال القرطبي

    الثانية: قوله تعالى: { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } أي بمرأى ومنظر منَّا نرى ونسمع ما تقول وتفعل. وقيل: بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك. والمعنى واحد. ومنه قوله تعالى لموسى عليه السلام:
    { وَلِتُصْنَعَ عَلَىظ° عَيْنِيغ¤ }
    [طه: 39] أي بحفظي وحراستي وقد تقدّم.

  9. #654
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    سورة النجم

    قال ابن الجوزى الحنبلي صاحب دفع شبه التشبيه فى زاده

    قوله تعالى: { ثُمَّ دنا فتَدَلَّى } قال الفراء: المعنى: ثم تَدلَّى فدنا. ولكنه جائز أن تقدِّم أيَّ الفعلين شئتَ إذا كان المعنى فيهما واحداً، فتقول: قد دنا فقَربُ، وقَرُبَ فدنا، وشتم فأساء، وأساء فشتم، ومنه قوله:
    { اقتربتِ الساعةُ وانشقَّ القمر }
    [القمر: 1] المعنى ـ والله أعلم ـ: انشق القمر واقتربت الساعة. قال ابن قتيبة: المعنى: تَدلَّى فدنا، لأنه تَدَلَّى للدُّنُوِّ، ودنا بالتَّدلِّي. وقال الزجاج: دنا بمعنى قَرُبَ، وتدلى: زاد في القُرْب، ومعنى اللفظتين واحد. وقال غيرهم: أصل التَّدَلِّي: النُّزول إلى الشيء حتى يقرب منه، فوُضع موضع القُرْب.

    وفي المشار إليه بقوله: «ثُمَّ دنا» ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنه الله عز وجل. روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث شريك بن أبي نَمِر عن أنس بن مالك قال: دنا الجبّار ربُّ العِزَّة فتدلَّى حتى كان منه قابَ قوسين أو أدنى. وروى أبو سلمة عن ابن عباس: «ثم دنا» قال: دنا ربُّه فتدلَّى، وهذا اختيار مقاتل. قال: دنا الرَّبُّ من محمد ليلةَ أُسْرِي به،، فكان منه قابَ قوسين أو أدنى. وقد كشفتُ هذا الوجه في كتاب «المُغْني» وبيَّنتُ أنه ليس كما يخطُر بالبال من قُرب الأجسام وقطع المسافة، لأن ذلك يختص بالأجسام، والله منزَّه عن ذلك.

    والثاني: أنه محمد دنا من ربِّه، قاله ابن عباس، والقرظي.

    والثالث: أنه جبريل.

    قال الرازى

    بم عرف محمد صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله وليس أحداً من الجن، والذي يقال إن خديجة كشفت رأسها امتحاناً في غاية الضعف إن ادعى ذلك القائل أن المعرفة حصلت بأمثال ذلك، وهذا إن أراد القصة والحكاية، وإن خديجة فعلت هذا لأن فعل خديجة غير منكر وإنما المنكر دعوى حصول المعرفة بفعلها وأمثالها، وذلك لأن الشيطان ربما تستر عند كشف رأسها أصلاً فكان يشتبه بالملائكة فيحصل اللبس والإبهام؟ والجواب الصحيح من وجهين أحدهما: أن الله أظهر على يد جبريل معجزة عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بها كما أظهر على يد محمد معجزات عرفناه بها وثانيهما: أن الله تعالى خلق في محمد صلى الله عليه وسلم علماً ضرورياً بأن جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان كما أن الله تعالى خلق في جبريل علماً ضرورياً أن المتكلم معه هو الله تعالى وأن المرسل له ربه لا غيره...

    المسألة الرابعة: ما المرئي في قوله { مَا رَأَىظ° }؟ نقول على الاختلاف السابق والذي يحتمل الكلام وجوه ثلاثة: الأول: الرب تعالى والثاني: جبريل عليه السلام والثالث: الآيات العجيبة الإلظ°هية، فإن قيل كيف تمكن رؤية الله تعالى بحيث لا يقدح فيه ولا يلزم منه كونه جسماً في جهة؟ نقول، اعلم أن العاقل إذا تأمل وتفكر في رجل موجود في مكان، وقال هذا مرئي الله تعالى يراه الله، و إذا تفكر في أمر لا يوجد أصلاً وقال هذا مرئي الله تعالى يراه الله تعالى يجد بينهما فرقاً وعقله يصحح الكلام الأول ويكذب الكلام الثاني، فذلك ليس بمعنى كونه معلوماً لأنه لو قال الموجود معلوم الله والمعدوم معلوم الله لما وجد في كلامه خللاً واستبعاداً فالله راء بمعنى كونه عالماً، ثم إن الله يكون رائياً ولا يصير مقابلاً للمرئي، ولا يحصل في جهة ولا يكون مقابلاً له، وإنما يصعب على الوهم ذلك من حيث إنه لم ير شيئاً إلا في جهة فيقول إن ذلك واجب، ومما يصحح هذا أنك ترى في الماء قمراً وفي الحقيقة ما رأيت القمر حالة نظرك إلى الماء إلا في مكانه فوق السماء فرأيت القمر في الماء، لأن الشعاع الخارج من البصر اتصل به فرد الماء ذلك الشعاع إلى السماء، لكن وهمك لما رأى أكثر ما رآه في المقابلة لم يعهد رؤية شيء يكون خلفه إلا بالتوجه إليه، قال إني أرى القمر، ولا رؤية إلا إذ كان المرئي في مقابلة الحدقة ولا مقابل للحدقة إلا الماء، فحكم إذن بناء على هذا أنه يرى القمر في الماء، فالوهم يغلب العقل في العالم لكون الأمور العاجلة أكثرها وهمية حسية، وفي الآخرة تزول الأوهام وتنجلي الأفهام فترى الأشياء لوجودها لا لتحيزها، واعلم أن من ينكر جواز رؤية الله تعالى، يلزمه أن ينكر جواز رؤية جبريل عليه السلام، وفيه إنكار الرسالة وهو كفر، وفيه ما يكاد أن يكون كفراً، وذلك لأن من شك في رؤية الله تعالى يقول لو كان الله تعالى جائز الرؤية لكان واجب الرؤية لأن حواسنا سليمة، والله تعالى ليس من وراء حجاب ولا هو في غاية البعد عنا لعدم كونه في جهة ولا مكان فلو جاز أن يرى ولا نراه، للزم القدح في المحسوسات المشاهدات، إذ يجوز حينئذ أن يكون عندنا جبل ولا نراه، فيقال لذلك القائل قد صح أن جبريل عليه السلام كان ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم وعنده غيره وهو يراه ولو وجب ما يجوز لرآه كل أحد، فإن قيل إن هناك حجاباً نقول وجب أن يرى هناك حجاباً فإن الحجاب لا يحجب إذا كان مرئياً على مذهبهم، ثم إن النصوص وردت أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده فجعل بصره في فؤاده أو رآه ببصره فجعل فؤاده في بصره، وكيف لا، وعلى مذهب أهل السنة الرؤية بالإرادة لا بقدرة العبد، فإذا حصل الله تعالى العلم بالشيء من طريق البصر كان رؤية، وإن حصله من طريق القلب كان معرفة والله قادر على أن يحصل العلم بخلق مدرك للمعلوم في البصر كما قدر على أن يحصله بخلق مدرك في القلب، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة في الوقوع واختلاف الوقوع مما ينبىء عن الاتفاق على الجواز والمسألة مذكورة في الأصول فلا نطولها....

    وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىظ° }

    قال الرازى فى تفسيره:

    المسألة الثانية: قوله { نَزْلَةً } فعلة من النزول فهي كجلسة من الجلوس، فلا بد من نزول، فذلك النزول لمن كان؟ نقول فيه وجوه، وهي مرتبة على أن الضمير في رآه عائد إلى من وفيه قولان الأول: عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى، وهذا على قول من قال { مَا رَأَىظ° } في قوله
    { مَا كَذَبَ ظ±لْفُؤَادُ مَا رَأَىظ° }
    [النجم: 11] هو الله تعالى. وقد قيل بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين، وعلى هذا فالنزلة تحتمل وجهين أحدهما: أنها لله، وعلى هذا فوجهان أحدهما: قول من يجوز على الله تعالى الحركة والانتقال وهو باطل وثانيهما: النزول بالقرب المعنوي لا الحسي فإن الله تعالى قد يقرب بالرحمة والفضل من عبده ولا يراه العبد، ولهذا قال موسى عليه السلام
    { رَبّ أَرِنِى }
    [البقرة: 260] أي أزل بعض حجب العظمة والجلال، وادن من العبد بالرحمة والإفضال لأراك.

    الوجه الثاني: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى الله نزلة أخرى، وحينئذ يحتمل ذلك وجهين أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على متن الهوى ومركب النفس ولهذا يقال لمن ركب متن هواه إنه علا في الأرض واستكبر، قال تعالى:
    { عَلاَ فِى ظ±لأَرْضِ }
    [القصص: 4] ثانيهما: أن المراد من النزلة ضدها وهي العرجة كأنه قال رآه عرجة أخرى، وإنما اختار النزلة، لأن العرجة التي في الآخرة لا نزلة لها فقال نزلة ليعلم أنها من الذي كان في الدنيا

    والقول الثاني: أنه عائد إلى جبريل عليه السلام أي رأى جبريل نزلة أخرى، والنزلة حينئذ يحتمل أن تكون لمحمد صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم على ما ورد في بعض أخبار ليلة المعراج، جاوز جبريل عليه السلام، وقال له جبريل عليه السلام لو دنوت أنملة لاحترقت، ثم عاد إليه فذلك نزلة. فإن قيل فكيف قال: { أُخْرَىظ° }؟ نقول لأن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة تردد مراراً فربما كان يجاوز كل مرة، وينزل إلى جبريل، ويحتمل أن تكون لجبريل عليه السلام وكلاهما منقول وعلى هذا الوجه فنزلة أخرى ظاهر، لأن جبريل كان له نزلات وكان له نزلتان عليه وهو على صورته، ...

    وقال ابن كثير

    وقوله تعالى { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىظ° عِندَ سِدْرَةِ ظ±لْمُنتَهَىظ° عِندَهَا جَنَّةُ ظ±لْمَأْوَىظ° } هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وكانت ليلة الإسراء.

    وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الإسراء بطرقها وألفاظها في أول سورة سبحان بما أغنى عن إعادته ههنا، وتقدم أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء، ويستشهد بهذه الآية، وتابعه جماعة من السلف والخلف، وقد خالفه جماعات من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وغيرهم، وقال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىظ° عِندَ سِدْرَةِ ظ±لْمُنتَهَىظ° } قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتثر من ريشه التهاويل من الدر والياقوت " وهذا إسناد جيد قوي. .....

    وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى عن إسماعيل، حدثنا عامر قال أتى مسروق عائشة فقال يا أم المؤمنين هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل؟ قالت سبحان الله لقد قفّ شعري لما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب من حدثك أن محمداً رأى ربه، فقد كذب، ثم قرأت
    { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ وَهُوَ يُدْرِكُ ظ±لأَبْصَـظ°رَ }
    الأنعام 103
    { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ظ±للَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ }
    الشورى 51 ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت
    { إِنَّ ظ±للَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ظ±لسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ظ±لْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ظ±لأَرْحَامِ }
    الآية لقمان 34. ومن أخبرك أن محمداً قد كتم، فقد كذب، ثم قرأت
    { يَـغ¤ظ°أَيُّهَا ظ±لرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ }
    المائدة 67 ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين....

  10. #655
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    قال القشيري

    قوله جلّ ذكره: { مَا زَاغَ ظ±لْبَصَرُ وَمَا طَغَىظ° }.

    ما مَالَ - صلوات الله عليه وسلامه - ببصره عمَّا أُبيح له من النظر إلى الآيات، والاعتبارِ بدلائلها.

    فما جَاوَزَ حَدَّه، بل رَاعَى شروطَ الأدبِ في الحَضْرة....

    وقال الالوسي

    هذا وفي الآيات أقوال غير ما تقدم، فعن الحسن أن
    { شَدِيدُ ظ±لْقُوَىظ° }
    [النجم: 5] هو الله تعالى، وجمع { ظ±لْقُوَىظ° } للتعظيم ويفسر { ذُو مِرَّةٍ } عليه بذي حكمة ونحوه مما يليق أن يكون وصفاً له عز وجل، وجعل أبو حيان الضميرين في قوله تعالى:
    { فَظ±سْتَوَىظ° * وَهُوَ بِظ±لأُفُقِ ظ±لأَعْلَىظ° }
    [النجم: 6-7] عليه له سبحانه أيضاً. وقال: إن ذلك على معنى العظمة والقدرة والسلطان، ولعل الحسن يجعل الضمائر في قوله سبحانه:
    { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىظ° * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىظ° * فَأَوْحَىظ° إِلَىظ° عَبْدِهِ مَا أَوْحَىظ° }
    [النجم: 8ـ10] له عز وجل أيضاً، وكذا الضمير المنصوب في قوله تعالى:
    { وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىظ° }
    [النجم: 13] فقد كان عليه الرحمة يحلف بالله تعالى لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه وفسر دنوه تعالى من النبـي صلى الله عليه وسلم برفع مكانته صلى الله عليه وسلم عنده سبحانه وتدليه جل وعلا بجذبه بشراشره إلى جانب القدس، ويقال لهذا الجذب: الفناء في الله تعالى عند المتأهلين، وأريد بنزوله سبحانه نوع من دنوه المعنوي جل شأنه. ومذهب السلف في مثل ذلك إرجاع علمه إلى الله تعالى بعد نفي التشبيه، وجوز أن تكون الضمائر في
    { دَنَا فَتَدَلَّىظ° * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىظ° }
    [النجم: 8-9] على ما روي عن الحسن للنبـي صلى الله عليه وسلم، والمراد ثم دنا النبـي عليه الصلاة والسلام من ربه سبحانه فكان منه عز وجل قاب قوسين أو أدنى والضمائر في { فَأَوْحَىظ° } الخ لله تعالى، وقيل: { إِلَىظ° عَبْدِهِ } ولم يقل إليه للتفخيم، وأمر المتشابه قد علم.

    وذهب غير واحد في وقوله تعالى:
    { عَلَّمَهُ شَدِيدُ ظ±لْقُوَىظ° }
    [النجم: 5] إلى قوله سبحانه:{ وَهُوَ بِظ±لأُفُقِ ظ±لأَعْلَىظ° }
    [النجم: 7] إلى أنه في أمر الوحي وتلقيه من جبريل عليه السلام على ما سمعت فيما تقدم، وفي قوله تعالى: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىظ° } الخ إلى أنه في أمر العروج إلى الجناب الأقدس ودنوه سبحانه منه صلى الله عليه وسلم ورؤيته عليه السلام إياه جل وعلا فالضمائر في { دَنَا } ، و { تَدَلْى } وكان و { أَوْحَىظ° } وكذا الضمير المنصوب في { رءاهُ } لله عز وجل، ويشهد لهذا ما في حديث أنس عند البخاري من طريق شريك بن عبد الله " ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة " الحديث، فأنه ظاهر فيما ذكر.

    واستدل بذلك مثبتو الرؤية كحبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره، وادعت عائشة رضي الله تعالى عنها خلاف ذلك، أخرج مسلم " عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله تعالى الفرية قلت ما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئاً فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله تعالى: { وَلَقَدْ رَءاهُ بِظ±لأُفُقِ ظ±لْمُبِينِ } [التكوير: 23] { وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىظ° } [النجم: 13]؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا إنما هو جبريل لم أره على صورته الذي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض " الحديث، وفي رواية ابن مردويه من طريق أخرى عن داود بن أبـي هند عن الشعبـي عن مسروق " فقالت: أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فقلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: إنما رأيت جبريل منهبطاً " ولا يخفى أن جواب رسول الله عليه الصلاة والسلام ظاهر في أن الضمير المنصوب في { رءاهُ } ليس راجعاً إليه تعالى بل إلى جبريل عليه السلام، وشاع أنها تنفي أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه مطلقاً، وتستدل لذلك بقوله تعالى:
    { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ وَهُوَ يُدْرِكُ ظ±لأَبْصَـظ°رَ }
    [الأنعام: 103] وقوله / سبحانه:
    { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ظ±للَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً }
    [الشورى: 51] وهو ظاهر ما ذكره البخاري في «صحيحه» في تفسير هذه السورة، وقال بعضهم: إنها إنما تنفي رؤية تدل عليها الآية التي نحن فيها وهي التي احتج بها مسروق. وحاصل ما روي عنها نفي صحة الاحتجاج بالآية المذكورة على رؤيته عليه الصلاة والسلام ربه سبحانه ببيان أن مرجع الضمير فيها إنما هو جبريل عليه السلام على ما يدل عليه جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، وحمل قوله صلى الله عليه وسلم في جوابها «لا» على أنه نفي للرؤية المخصوصة وهي التي يظن دلالة الآية عليها ويرجع إلى نفي الدلالة ولا يلزم من انتفاء الخاص انتفاء المطلق، والإنصاف أن الأخبار ظاهرة في أنها تنفي الرؤية مطلقاً، وتستدل عليه بالآيتين السابقتين، وقد أجاب عنهما مثبتو الرؤية بما هو مذكور في محله.

    والظاهر أن ابن عباس لم يقل بالرؤية إلا عن سماع، وقد أخرج عنه أحمد أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت ربـي " ذكره الشيخ محمد الصالحي الشامي تلميذ الحافظ السيوطي في «الآيات البينات» وصححه، وجمع بعضهم بين قولي ابن عباس وعائشة بأن قول عائشة محمول على نفي رؤيته تعالى في نوره الذي هو نوره المنعوت بأنه لا يقوم له بصر، وقول ابن عباس محمول على ثبوت رؤيته تعالى في نوره الذي لا يذهب بالأبصار بقرينة قوله في جواب عكرمة عن قوله تعالى:
    { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ }
    [الأنعام: 103] ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وبه يظهر الجمع بين حديثي أبـي ذر، أخرج مسلم من طريق يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبـي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " نور أنى أراه " ومن طريق هشام وهمام كلاهما عن قتادة " عن عبد الله قال: قلت لأبـي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: قد سألته فقال: رأيت نوراً " فيحمل النور في الحديث الأول على النور القاهر للأبصار بجعل التنوين للنوعية أو للتعظيم، والنور في الثاني على ما لا يقوم له البصر والتنوين للنوعية، وإن صحت رواية الأول كما حكاه أبو عبد الله المازري بلفظ «نُورَانِيّ» بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء لم يكن اختلاف بين الحديثين ويكون نوراني بمعنى المنسوب إلى النور على خلاف القياس ويكون المنسوب إليه هو نوره الذي هو نوره، والمنسوب هو النور المحمول على الحجاب حمل مواطأة في حديث السبحات في قوله عليه الصلاة والسلام: " حجابه النور " وهو النور المانع من الإحراق الذي يقوم له البصر.

    ثم إن القائلين بالرؤية اختلفوا، فمنهم من قال: إنه عليه الصلاة والسلام رأى ربه سبحانه بعينه، وروي ذلك ابن مردويه عن ابن عباس، وهو مروي أيضاً عن ابن مسعود وأبـي هريرة وأحمد بن حنبل، ومنهم من قال: رآه عز وجل بقلبه، وروي ذلك عن أبـي ذر، أخرج النسائي عنه أنه قال:رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه ولم يره ببصره " وكذا روي عن محمد بن كعب القرظي بل أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عنه أنه قال: " قالوا: يا رسول الله رأيت ربك؟ قال: رأيته بفؤادي مرتين ولم أره بعيني ثم قرأ { مَا كَذَبَ ظ±لْفُؤَادُ مَا رَأَىظ° } [النجم: 11] " وفي حديث عن ابن عباس يرفعه " فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي " وكأن التقدير في الآية على هذا ما كذب الفؤاد فيما رأى، ومنهم من ذهب إلى أن إحدى الرؤيتين كانت بالعين والأخرى الفؤاد وهي رواية عن ابن عباس، أخرج الطبراني وابن مردويه عنه أنه قال: إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده؛ ونقل القاضي عياض عن بعض مشايخه أنه توقف أي / في الرؤية بالعين، وقال: إنه ليس عليه دليل واضح قال في «الكشف»: لأن الروايات مصرحة بالرؤية أما أنها بالعين فلا، وعن الإمام أحمد أنه كان يقول: إذا سئل عن الرؤية رآه رآه حتى ينقطع نفسه ولا يزيد على ذلك وكأنه لم يثبت عنده ما ذكرناه.

    واختلف فيما يقتضيه ظاهر النظم الجليل فجزم صاحب «الكشف» بأنه ما عليه الأكثرون من أن الدنو والتدلي مقسم ما بين النبـي وجبريل صلاة الله تعالى وسلامه عليهما أي وأن المرئي هو جبريل عليه السلام، وإذا صح خبر جوابه عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله تعالى عنها لم يكن لأحد محيص عن القول به، وقال العلامة الطيبـي: الذي يقتضيه النظم إجراء الكلام إلى قوله تعالى:
    { وَهُوَ بِظ±لأُفُقِ ظ±لأَعْلَىظ° }
    [النجم: 7] على أمر الوحي وتلقيه من الملك ورفع شبه الخصوم، ومن قوله سبحانه:
    { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىظ° }
    [النجم: 8] إلى قوله سبحانه: { مِنْ ءايَـظ°تِ رَبّهِ ظ±لْكُبْرَىظ° } [النجم: 18] على أمر العروج إلى الجناب الأقدس، ثم قال: ولا يخفى على كل ذي لب إباء مقام { فَأَوْحَىظ° } الحمل على أن جبريل أوحى إلى عبد الله ما أوحى إذ لا يذوق منه أرباب القلوب إلا معنى المناغاة بين المتسارين وما يضيق عنه بساط الوهم ولا يطيقه نطاق الفهم، وكلمة { ثُمَّ } على هذا للتراخي الرتبـي والفرق بين الوحيين أن أحدهما وحي بواسطة وتعليم، والآخر بغير واسطة بجهة التكريم فيحصل عنه عنده الترقي من مقام
    { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }
    [الصافات: 164] إلى مخدع
    { قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىظ° }
    [النجم: 9].

    وعن جعفر الصادق عليه الرضا أنه قال: لما قرب الحبيب غاية القرب نالته غاية الهيبة فلاطفه الحق سبحانه بغاية اللطف لأنه لا تتحمل غاية الهيبة إلا بغاية اللطف، وذلك قوله تعالى:{ فَأَوْحَىظ° إِلَىظ° عَبْدِهِ مَا أَوْحَىظ° }
    [النجم: 10] أي كان ما كان وجرى ما جرى قال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب لحبيبه وألطف به إلطاف الحبيب بحبيبه وأسر إليه ما يسر الحبيب إلى حبيبه فأخفيا ولم يُطلعا على سرهما أحداً، وإلى نحو هذا يشير ابن الفارض بقوله:
    ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سرّ أرق من النسيم إذا سرى
    ومعظم الصوفية على هذا فيقولون بدنو الله عز وجل من النبـي صلى الله عليه وسلم ودنوه منه سبحانه على الوجه اللائق وكذا يقولون بالرؤية كذلك، وقال بعضهم في قوله تعالى:
    { مَا زَاغَ ظ±لْبَصَرُ وَمَا طَغَىظ° }
    [النجم: 17] ما زاغ بصر النبـي صلى الله عليه وسلم وما التفت إلى الجنة ومزخرفاتها ولا إلى الجحيم وزفراتها بل كان شاخصاً إلى الحق وما طغى عن الصراط المستقيم.

    وقال أبو حفص السهروردي: ما زاغ البصر حيث لم يتخلف عن البصيرة ولم يتقاصر وما طغى لم يسبق البصر البصيرة ويتعدى مقامه، وقال سهل بن عبد الله التستري: لم يرجع رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى شاهد نفسه وإلى مشاهدتها وإنما كان مشاهداً لربه تعالى يشاهد ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبوت في ذلك المحل، وأرجع بعضهم الضمير في قوله تعالى:
    { وَهُوَ بِظ±لأُفُقِ ظ±لأَعْلَىظ° }
    [النجم: 7] إلى النبـي عليه الصلاة والسلام وهو منتهى وصول اللطائف، وفسر
    { سِدْرَةِ ظ±لْمُنتَهَىظ° }
    [النجم: 14] بما يكون منتهى سير السالكين إليه ولا يمكن لهم مجاوزته إلا بجذبة من جذبات الحق، وقالوا في { قَابَ قَوْسَيْنِ } ما قالوا وأنا أقول برؤيته صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه وبدنوه منه سبحانه على الوجه اللائق ذهبتَ فيما اقتضاه ظاهر النظم الجليل إلى ما قاله صاحب «الكشف» أم ذهبتَ فيه إلى ما قاله الطيبـي فتأمل والله تعالى الموفق......

    وقال المانريدى


    ومنهم من قال: إنه رأى ربه على العيان بعينه، فهو خلاف ما ثبت من وعد الرؤية في الآخرة بالكتاب والسنة المتواترة، ولأنه لو رأى ربه تعالى على ما قالوا، لكان لا يحتاج إلى أن يرى آياته الكبرى؛ لأن رؤية الآيات إنما يحتاج إليها عندما يعرف الشيء بالاجتهاد، فأما عند المشاهدة وارتفاع الموانع، لا حاجة تقع إليها، إلا أن يقال برؤية القلب على ما ذكر في الخبر: " أنه سئل عن ذلك، فقيل: هل رأيت ربك؟ فقال: " رأيته مرتين بقلبي ".

    وفي بعض الأخبار قال: " أما بعيني فلا، وأما بفؤادي، فقد رأيته مرتين ".

    ويفسرون رؤية القلب بالعلم، ولكن الإشكال عليه ما ذكرنا؛ فإن ثبت الحديث فهو على ما كان وأراد، لا يفسر ذلك، وكذلك قول من يقول في قوله تعالى: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىظ° * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىظ° }: إنه دنا من ربه - قول وحش، فيه إثبات المكان والتشبيه؛ تعالى الله عن ذلك، ولكن المراد ما ذكرنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دنا من جبريل - عليه السلام - على ما ذكرنا.

    ثم في قوله تعالى: { مَا كَذَبَ ظ±لْفُؤَادُ مَا رَأَىظ° } ، وقوله - عز وجل -: { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىظ° * عِندَ سِدْرَةِ ظ±لْمُنتَهَىظ°... } إلى آخره ذكر خصوصية رسولنا صلى الله عليه وسلم من بين غيره من الخلائق، منها: رؤية جبريل - عليه السلام - على صورته، ورؤية الرب تعالى بقلبه؛ إن ثبت الحديث عنه، وبلوغه إلى سدرة المنتهى؛ إذ لم يذكر لأحد من رسل الله تعالى: أنه بلغ هذا المبلغ سواه...

  11. #656
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    قال الرازى

    ويمكن أن يقال { وَيَرْضَىظ° } لتبيين أن قوله { يَشَاء } ليس المراد المشيئة التي هي الرضا، فإن الله تعالى إذا شاء الضلالة بعبد لم يرض به، وإذا شاء الهداية رضي فقال: { لِمَن يَشَاء وَيَرْضَىظ° } ليعلم أن المشيئة ليست هي المشيئة العامة، إنما هي الخاصة....

    قال في موضع واحد من المواضع:
    { هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ }
    [الأنعام: 117] وفي غيره قال: { بِمَن ضَلَّ } فهل عندك فيه شيء؟ قلت: نعم، ونبين ذلك ببحث عقلي وآخر نقلي: أما العقلي: فهو أن العلم القديم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، إن وجد أمس علم أنه وجد أمس في نهار أمس، وليس مثل علمنا حيث يجوز أن يتحقق الشيء أمس، ونحن لا نعلمه إلا في يومنا هذا بل: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَلاَ فِى ظ±لأَرْضِ } ولا يتأخر الواقع عن علمه طرفة عين وأما النقلي: فهو أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى المستقبل ولا يعمل عمله إذا كان ماضياً فلا تقول: أنا ضارب زيداً أمس، والواجب إن كنت تنصب أن تقول: ضربت زيداً وإن كنت تستعمل اسم الفاعل فالواجب الإضافة تقول: ضارب زيد أمس أنا ويجوز أن يقال: أنا غداً ضارب زيداً والسبب فيه أن الفعل إذا وجد فلا تجدد له في غير الاستقبال، ولا تحقق له في الحال فهو عدم وضعف عن أن يعمل، وأما الحال وما يتوقع فله وجود فيمكن إعماله. إذا ثبت هذا فنقول: لما قال { ضَلَّ } كان الأمر ماضياً وعلمه تعلق به وقت وجوده فعلم، وقوله { أَعْلَمُ } بمعنى عالم فيصير كأنه قال: عالم بمن ضل فلو ترك الباء لكان إعمالاً للفاعل بمعنى الماضي، ولما قال: { يُضِلَّ } كان يعلم الضلال عند الوقوع وإن كان قد علم في الأزل أنه سيضل لكن للعلم بعد ذلك تعلق آخر سيوجد، وهو تعلقه بكون الضلال قد وقع وحصل ولم يكن ذلك في الأزل، فإنه لا يقال: إنه تعالى علم أن فلاناً ضل في الأزل، وإنما الصحيح أن يقال: علم في الأزل، فإنه سيضل، فيكون كأنه يعلم أنه يضل فيكون اسم الفاعل بمعنى المستقبل وهو يعمل عمل الفعل، فلا يقال: زيد أعلم مسألتنا من عمرو، وإنما الواجب أن يقال: زيد أعلم بمسألتنا من عمرو، ولهذا قالت النحاة في سورة الأنعام { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ } يعلم من يضل وقالوا: { أَعْلَمُ } للتفضيل لا يبنى إلا من فعل لازم غير متعد، فإن كان متعدياً يرد إلى لازم.

    وقولنا: علم كأنه من باب علم بالضم وكذا في التعجب إذا قلنا: ما أعلمه بكذا كأنه من فعل لازم. وأما أنا فقد أجبت عن هذا بأن قوله: { أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ } معناه عالم، وقد قدمنا ما يجب أن يعتقد في أوصاف الله في أكثر الأمر أن معناه أنه عالم ولا عالم مثله فيكون أعلم على حقيقته وهو أحسن من أن يقال: هو بمعنى عالم لا غير، فإن قيل: فلم قال ههنا: { بِمَن ضَلَّ } وقال هناك: { يُضِلَّ }؟ قلنا: لأن ههنا حصل الضلال في الماضي وتأكد حيث حصل يأس الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر بالإعراض، وأما هناك فقال تعالى من قبل:
    { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ظ±لأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِهِ }
    [الأنعام: 116]. ثم قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن يُضِلَّ } بمعنى إن ضللت يعلمك الله فكان الضلال غير حاصل فيه فلم يستعمل صيغة الماضي....

    وَللَّهِ مَا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَا فِي ظ±لأَرْضِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزمخشري: ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله: { لِيَجْزِىَ } كاللام في قوله تعالى:
    { وَظ±لْخَيْلَ وَظ±لْبِغَالَ وَظ±لْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا }
    [النحل: 8] وهو جرى في ذلك على مذهبه فقال: { وَللَّهِ مَا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَا فِي ظ±لأَرْضِ } معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال، وقال الواحدي: اللام للعاقبة كما في قوله تعالى:
    { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً }
    [القصص: 8] أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدواً، والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان في المعنى، لأن الغرض نهاية الفعل، وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر، يقال: سرت حتى أدخلها ولكي أدخلها، فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع حتى للغاية، ويمكن أن يقال: هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما وهو أن يقال: إن قوله: { لِيَجْزِىَ } متعلق بقوله: ضل واهتدى لا بالعلم ولا بخلق ما في السموات، تقديره كأنه قال: هو أعلم بمن ضل واهتدى: { لِيَجْزِىَ } أن من ضل واهتدى يجزي الجزاء، والله أعلم به، فيصير قوله: { وَللَّهِ مَا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَا فِي ظ±لأًرْضِ } كلاماً معترضاً، ويحتمل أن يقال: هو متعلق بقوله تعالى:
    { فَأَعْرَضَ }
    [النجم: 29] أي أعرض عنهم ليقع الجزاء، كما يقول المريد فعلاً لمن يمنعه منه زرني لأفعله، وذلك لأن ما دام النبي صلى الله عليه وسلم لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس،

  12. #657
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    وقال الالوسي

    إِلاَّ ظ±للَّمَمَ } ما صغر من الذنوب وأصله ما قل قدره، ومنه لمَةُ الشعر لأنها دون الوفرة، وفسره أبو سعيد الخدري بالنظرة والغمزة والقبلة وهو من باب التمثيل، وقيل: معناه الدنو من الشيء دون ارتكاب له من ألممت بكذا أي نزلت به وقاربته من غير مواقعة وعليه قول الرماني هو الهمّ بالذنب وحديث النفس دون أن يواقع، وقول ابن المسيب: ما خطر على القلب، وعن ابن عباس وابن زيد هو ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام. والآية نزلت لقول الكفار للمسلمين قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا فهي مثل قوله تعالى:
    { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ظ±لأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ }
    [النساء: 23] على ما في «البحر»، وقيل: هو مطلق الذنب. / وفي رواية عن ابن عباس أنه ما يلم به المرء في الحين من الذنوب ثم يتوب، والمعظم على تفسيره بالصغائر.

    والاستثناء منقطع، وقيل: إنه لا استثناء فيه أصلاً، و { إِلا } صفة بمعنى غير إما لجعل المضاف إلى المعرف باللام الجنسية أعني { كَبَـظ°ئِرَ ظ±لإثْمِ } في حكم النكرة، أو لأن غير وإِلا التي بمعناها قد يتعرفان بالإضافة كما في
    { غَيْرِ ظ±لْمَغْضُوبِ }
    [الفاتحة: 7] وتعقبه بعضهم بأن شرط جواز وقوع إِلا صفة كونها تابعة لجمع منكر غير محصور ولم يوجد هنا، ورد بأن هذا ما ذهب إليه ابن الحاجب، وسيبويه يرى جواز وقوعها صفة مع جواز الاستثناء فهو لا يشترط ذلك، وتبعه أكثر المتأخرين، نعم كونها هنا صفة خلاف الظاهر ولا داعي إلى ارتكابه.

    والآية عند الأكثرين دليل على أن المعاصي منها كبائر ومنها صغائر، وأنكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام وقالوا: سائر المعاصي كبائر، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في «الإرشاد»، وتقي الدين السبكي وابن القشيري في «المرشد» بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في «تفسيره» فقال: معاصي الله تعالى كلها عندنا كبائر وإنما يقال لبعضها صغيرة وكبيرة بالإضافة، وحكى الانقسام عند المعتزلة، وقال: إنه ليس بصحيح، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال في معصية إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر باجتناب الكبائر ويوافق ذلك ما رواه الطبراني عن ابن عباس لكنه منقطع أنه ذُكر عنده الكبائر فقال: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة، وفي رواية كل شيء عصي الله تعالى فيه فهو كبيرة، والجمهور على الانقسام قيل: ولا خلاف في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية، والإطلاق لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة ومنها ما لا يقدح فيها وإنما الأولون فروا من التسمية فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظراً إلى عظمة الله عز وجل وشدة عقابه سبحانه وإجلالاً له جل شأنه عن تسمية معصيته صغيرة لأنها بالنظر إلى باهر عظمته كبيرة وأيّ كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلوم؛ وقسموها إلى ما ذكر لظواهر الآيات والأحاديث ولذلك قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بين الكبائر والصغائر وقد عرفنا من مدارك الشرع....

    وقيل: اللام بمعنى على أي ليس على الإنسان غير سعيه، وهو بعيد من ظاهرها ومن سياق الآية أيضاً فإنها وعظ للذي تولى وأعطى قليلاً وأكدى، والذي أميل إليه كلام الحسين، ونحوه كلام ابن عطية قال: والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو اللام من قوله سبحانه: { لِلإِنسَـظ°نِ } فإذا حققت الشيء الذي حق الإنسان أن يقول فيه لي كذا لم تجده إلا سعيه وما يكون من رحمة بشفاعة، أو رعاية أب صالح، أو ابن صالح، أو تضعيف حسنات، أو نحو ذلك فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا وكذا إلا على تجوّز، وإلحاق بما هو حقيقة انتهى.

    ويعلم من مجموع ما تقدم أن استدلال المعتزلة بالآية على أن العبد إذا جعل ثواب عمله أي عمل كان لغيره لا يجعل ويلغو جعله غير تام؛ وكذا استدلال الإمام الشافعي بها على أن ثواب القراءة لا تلحق الأموات وهو مذهب الإمام مالك بل قال الإمام ابن الهمام: إن مالكاً والشافعي لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة بل غيرها كالصدقة والحج. وفي «الأذكار» للنووي عليه الرحمة: المشهور من مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وجماعة أنها لا تصل، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء ومن أصحاب الشافعي إلى أنها تصل، فالاختيار أن يقول القارىء بعد فراغه اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والظاهر أنه إذا قال ذلك ونحوه كوهبت ثواب ما قرأته لفلان بقلبه كفى، وعن بعضهم اشتراط نية النيابة أول القراءة وفي القلب منه شيء، ثم الظاهر أن ذلك إذا لم تكن القراءة بأجرة أما إذا كانت بها كما يفعله أكثر الناس اليوم فإنهم يعطون حفظة القرآن أجرة ليقرءوا لموتاهم فيقرءون لتلك الأجرة فلا يصل ثوابها إذ لا ثواب لها ليصل، لحرمة أخذ الأجرة على قراءة القرآن وإن لم يحرم على تعليمه كما حققه خاتمة الفقهاء المحققين الشيخ محمد الأمين بن عابدين الدمشقي رحمه الله تعالى، وفي «الهداية» من كتاب الحج عن الغير إطلاق صحة جعل الإنسان عمله لغيره ولو صلاة وصوماً عند أهل السنة والجماعة، وفيه ما علمت ما مرّ آنفاً.

    وقال الرازى

    لما قال: { ثُمَّ يُجْزَاهُ } كأن قائلاً قال لا ترى الجزاء، ومتى يكون، فقال: إن المرجع إلى الله، وعند ذلك يجازى الشكور ويجزي الكفور وثانيهما: المراد التوحيد، وقد فسر الحكماء أكثر الآيات التي فيها الانتهاء والرجوع بما سنذكره غير أن في بعضها تفسيرهم غير ظاهر، وفي هذا الموضع ظاهر، فنقول: هو بيان وجود الله تعالى ووحدانيته، وذلك لأنك إذا نظرت إلى الموجودات الممكنة لا تجد لها بداً من موجد، ثم إن موجدها ربما يظن أنه ممكن آخر كالحرارة التي تكون على وجه يظن أنها من إشراق الشمس أو من النار فيقال الشمس والنار ممكنتان فمم وجودهما؟ فإن استندتا إلى ممكن آخر لم يجد العقل بداً من الانتهاء إلى غير ممكن فهو واجب الوجود فإليه ينتهي الأمر فالرب هو المنتهى، وهذا في هذا الموضع ظاهر معقول موافق للمنقول، فإن المروي عن أبي بن كعب أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وأن إلى ربك المنتهى، لا فكرة في الرب " أي انتهى الأمر إلى واجب الوجود، وهو الذي لا يكون وجوده بموجد ومنه كل وجود، وقال أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا ذكر الرب فانتهوا " وهو محتمل لما ذكرنا، وأما بعض الناس فيبالغ ويفسر كل آية فيها الرجعى والمنتهى وغيرهما بهذا التفسير حتى قيل:
    { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ظ±لْكَلِمُ ظ±لطَّيّبُ }
    [فاطر: 10] بهذا المعنى وهذا دليل الوجود، وأما دليل الوحدانية فمن حيث إن العقل انتهى إلى واجب الوجود من حيث إنه واجب الوجود، لأنه لو لم يكن واجب الوجود لما كان منتهى بل يكون له موجد، فالمنتهى هو الواجب من حيث إنه واجب، وهذا المعنى واحد في الحقيقة والعقل، لأنه لا بد من الانتهاء إلى هذا الواجب أو إلى ذلك الواجب فلا يثبت الواجب معنى غير أنه واجب فيبعد إذاً وجوبه، فلو كان واجبان في الوجود لكان كل واحد قبل المنتهى لأن المجموع قبله الواجب فهو المنتهى وهذان دليلان ذكرتهما على وجه الاختصار...

    وقال الالوسي


    أي إن انتهاء الخلق ورجوعهم إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه استقلالاً ولا اشتراكاً، والمراد بذلك رجوعهم إليه سبحانه يوم القيامة حين يحشرون ولهذا قال غير واحد: أي إلى حساب ربك أو إلى ثوابه تعالى من الجنة وعقابه من النار الانتهاء، وقيل: المعنى أنه عز وجل منتهى الأفكار فلا تزال الأفكار تسير في بيداء حقائق الأشياء وماهياتها والإحاطة بما فيها حتى إذا وجهت إلى حرم ذات الله عز وجل وحقائق صفاته سبحانه وقفت وحرنت وانتهى سيرها، وأيد بما أخرجه البغوي عن أبـي بن كعب عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية: " لا فكرة في الرب " وأخرجه أبو الشيخ في «العظمة» عن سفيان الثوري، وروي عنه عليه الصلاة والسلام: " إذا ذكر الرب فانتهوا " ، وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس قال: " مر النبـي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال: تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لن تقدروه " وأخرج أبو الشيخ عن أبـي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا "

    واستدل بذلك من قال باستحالة معرفته عز وجل بالكنه، والبحث في ذلك طويل، وأكثر الأدلة النقلية على عدم الوقوع.

    قال الرازى

    { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىظ° }

    وفيه مسائل: الأولى: على قولنا: إليه المنتهى المراد منه إثبات الوحدانية، هذه الآيات مثبتات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة الله تعالى، فإن من الفلاسفة من يعترف بأن الله المنتهى وأنه واحد لكن يقول: هو موجب لا قادر، فقال تعالى: هو أوجد ضدين الضحك والبكاء في محل واحد والموت والحياة والذكورة والأنوثة في مادة واحدة، وإن ذلك لا يكون إلا من قادر واعترف به كل عاقل، وعلى قولنا: إن قوله تعالى:
    { وَأَنَّ إِلَىظ° رَبّكَ ظ±لْمُنتَهَىظ° }
    [النجم: 42] بيان المعاد فهو إشارة إلى بيان أمره فهو كما يكون في بعضها ضاحكاً فرحاً وفي بعضها باكياً محزوناً كذلك يفعل به في الآخرة. المسألة الثانية: { أَضْحَكَ وَأَبْكَىظ° } لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما مسوقتان لقدرة الله لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول. يقول القائل: فلأن بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ولا يريد ممنوعاً ومعطى. المسألة الثالثة: اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجهاً وسبباً، وإذا لم يعلل بأمر ولا بد له من موجد فهو الله تعالى، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمراً له الضحك قالوا: قوة التعجب وهو في غاية البطلان لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك، وقيل: قوة الفرح، وليس كذلك لأن الإنسان يفرح كثيراً ولا يضحك، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك، وكذلك الأمر في البكاء، وإن قيل لأكثرهم علماً بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لماذا؟ لا يقدر على تعليل صحيح، وعند الخواص كالتي في المغناطيس وغيرها ينقطع الطبيعي، كما أن عند أوضاع الكواكب ينقطع هو والمهندس الذي لا يفوض أمره إلى قدرة الله تعالى وإرادته.

    وقال الالوسي

    خلق فعلي الضحك والبكاء، وقال الزمخشري: خلق قوتي الضحك والبكاء، وفيه دسيسة اعتزال، وقال الطيبـي: المراد خلق السرور والحزن أو ما يسر ويحزن من الأعمال الصالحة والطالحة، ولذا قرن بقوله تعالى: { وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا }.

  13. #658
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    قال الرازى

    المسألة الأولى: { عَلَىظ° } للوجوب، ولا يجب على الله الإعادة، فما معنى قوله تعالى: { وَأَنَّ عَلَيْهِ } قال الزمخشري على ما هو مذهبه عليه عقلاً، فإن من الحكمة الجزاء، وذلك لا يتم إلا بالحشر، فيجب عليه عقلاً الإعادة، ونحن لا نقول بهذا القول، ونقول فيه وجهان الأول: عليه بحكم الوعد فإنه تعالى قال:
    { إِنَّا نَحْنُ نُحْيي ظ±لْمَوْتَىظ° }
    [يغ¤س: 12] فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع الثاني: عليه للتعيين فإن من حضر بين جمع وحاولوا أمراً وعجزوا عنه، يقال: وجب عليك إذن أن تفعله أي تعينت له.

  14. #659
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    قال الرازى

    هَـظ°ذَا نَذِيرٌ مِّنَ ظ±لنُّذُرِ ظ±لأُوْلَىظ° }

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: المشار إليه بهذا ماذا؟ نقول فيه وجوه أحدها: محمد صلى الله عليه وسلم من جنس النذر الأولى ثانيها: القرآن ثالثها: ما ذكره من أخبار المهلكين، ومعناه حينئذ هذا بعض الأمور التي هي منذرة، وعلى قولنا: المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالنذير هو المنذر و { مِنْ } لبيان الجنس، وعلى قولنا: المراد هو القرآن يحتمل أن يكون النذير بمعنى المصدر، ويحتمل أن يكون بمعنى الفاعل، وكون الإشارة إلى القرآن بعيد لفظاً ومعنى، أما معنى: فلأن القرآن ليس من جنس الصحف الأولى لأنه معجز وتلك لم تكن معجزة، وذلك لأنه تعالى لما بين الوحدانية وقال:
    { فَبِأَىّ آلاء رَبّكَ تَتَمَارَىظ° }
    [النجم: 55] قال: { هَـظ°ذَا نَذِيرٌ } إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتاً للرسالة، وقال بعد ذلك:
    { أَزِفَتِ ظ±لآزِفَةُ }
    [النجم:57] إشارة إلى القيامة ليكون في الآيات الثلاث المرتبة إثبات أصول ثلاث مرتبة، فإن الأصل الأول هو الله ووحدانيته ثم الرسول ورسالته ثم الحشر والقيامة، ...

    سورة القمر

    قال الالوسي

    والأحاديث الصحيحة في الانشقاق كثيرة. واختلف في تواتره فقيل: هو غير متواتر، وفي «شرح المواقف الشريفي» أنه متواتر وهو الذي اختاره العلامة ابن السبكي، قال في «شرحه لمختصر ابن الحاجب»: الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن مروي في «الصحيحين» وغيرهما من طرق شتى بحيث لا يمترى في تواتره انتهى باختصار، وقد جاءت أحاديثه في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم علي كرم الله تعالى وجهه وأنس وابن مسعود وابن عباس وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم، نعم إن منهم من لم يحضر ذلك كابن عباس فإنه لم يكن مولوداً إذ ذاك وكأنس فإنه كان ابن أربع أو خمس بالمدينة، وهذا لا يطعن في صحة الخبر كما لا يخفى، ووقع في رواية البخاري وغيره عن ابن مسعود كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر " ولا يعارض ما صح عن أنس أن ذلك كان بمكة لأنه لم يصرح بأنه عليه الصلاة والسلام كان ليلتئذٍ بمكة، فالمراد أن الانشقاق كان والنبـي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك مقيم بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة.....

    وأنكر الفلاسفة أصل الانشقاق بناءاً على زعمهم استحالة الخرق والالتئام على الأجرام العلوية، ودليلهم على ذلك أوهن من بيت العنكبوت وقد خرق بأدنى نسمة من نسمات أفكار أهل الحق العلويين خرقاً لا يقبل الالتئام كما بين في موضعه، وقال بعض الملاحدة: لو وقع لنقل متواتراً واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته ولم يختص بها أهل مكة لأنه أمر محسوس مشاهد والناس فيه شركاء والطباع حريصة على رواية الغريب ونقل ما لم يعهد، ولا أغرب من انشقاق هذا الجرم العظيم ولم يعهد أصلاً في الزمن القديم ولو كان له أصل لخلد أيضاً في كتب التسيير والتنجيم ولذكره أهل الأرصاد فقد كانت موجودة قبل البعثة بكثير وإطباقهم على تركه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره مما لا تجوزه العادة، وأيضاً لا يعقل سبب لخرق هذا الجرم العظيم وأيضاً خرقه يوجب صوتاً هائلاً أشد من أصوات الصواعق المهلكة بأضعاف مضاعفة لا يبعد هلاك أكثر أهل الأرض منه، وأيضاً متى خرق وصار قطعتين ذهبت منه قوة التجاذب كالجبل إذا انشق فيلزم بقاؤه منشقاً ولا أقل من أن يبقى كذلك سنين كثيرة.

    والجواب عن ذلك أنه وقع في الليل وزمان الغفلة وكان في زمان قليل ورؤية القمر في بلد لا تستلزم رؤيته في جميع البلاد ضرورة اختلاف المطالع فقد يكون القمر طالعاً على قوم غائباً عن آخرين ومكسوفاً عند قوم غير مكسوف عند آخرين والاعتناء بأمر الأرصاد لم يكن بمثابته اليوم وغفلة أهلها لحظة غير مستبعد والانشقاق لا تختلف به منازله ولا يتغير به سيره غاية ما في الباب أن يحدث في القطعة الشرقية قوة سير لتلحق أختها الغربية، وأي مانع من أن يخلق الله تعالى فيها من السرعة نحو ما خلق الله سبحانه في ضوء الشمس فقد قال أهل الحكمة الجديدة: إن بين الأرض والشمس ثلثمائة ألف فرسخ وأربعون ألف فرسخ وإن ضوءها ليصل إلى الأرض في مدة ثمان دقائق وثلاث عشرة ثانية فيقطع الضوء في كل ثانية سبعين ألف فرسخ ولا يلزم أن يعلم سبب كل حادث بل كثير من الحوادث المتكررة المشاهدة لم يوقف على أسبابها كرؤية الكواكب قريبة مع بعدها المفرط فقد ذكروا أنهم لم يقفوا على سببه ويكفي في ذلك عدم وقوفهم على سبب الإبصار بالعين على الحقيقة ولو أخبرهم مخبر بفرض إن لم يكن لهم إبصار بخواص البصر مع كونه قطعة شحم صغيرة معروفة أحوالها عند أهل التشريح لأنكروا عليه غاية الإنكار وكذبوه غاية التكذيب ونسبوه إلى الجنون.

    ومن سلم تأثير النفوس إلى حدّ أن يصرع الشخص آخر بمجرد النظر إليه وتوجيه نفسه نحوه لم يستبعد أن يكون هناك سبب نحو ذلك، وقد صح في إصابة العين أن بعض الأعراب ممن له عين صائبة يفلق سنام الناقة فلقتين، وربما تصور له من رمل فينظر إليه ويفلقه فينفلق سنامها مع عدم رؤيته لها نفسها، وهذا كله من باب المماشاة وإلا فإرادة الله تعالى كافية في الانشقاق وكذا في كل المعجزات وخوارق العادات ولو كان لكل حادث سبب لزم التسلسل وقد قامت الأدلة على بطلانه، وكون الخرق يوجب صوتاً هائلاً ممنوع فيما نحن فيه ومثله ذهاب التجاذب والأجسام مختلفة من حيث الخواص فلا يلزم اتحاد جرم القمر والأرض فيها ويمكن أن يكون إحدى القطعتين كالجبل العظيم بالنسبة إلى الأرض إذا ارتفع عنها بقاسر مثلاً جذبته إليه إذا لم يخرج عن حدّ جذبها على ما زعموه ويلتزم في تلك القطعة عدم الخروج عن حدّ الجذب على أنا في غنى عن كل ذلك أيضاً بعد إثبات الإمكان وشمول قدرته عز وجل وأنه سبحانه فعال لما يريد.

    والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد ولا يستطيع أن يأتي بدليل على الاستحالة الذاتية ولو انشق، والاستبعاد في مثل هذه المقامات قريب من الجنون عند من له عقل سليم،...

    قال الرازى

    معنى { ظ±قْتَرَبَتِ ظ±لسَّاعَةُ } يحتمل أن يكون في العقول والأذهان، يقول: من يسمع أمراً لا يقع هذا بعيد مستبعد، وهذا وجه حسن، وإن كان بعض ضعفاء الأذهان ينكره، وذلك لأن حمله على قرب الوقوع زماناً لا إمكاناً يمكن الكافر من مجادلة فاسدة، فيقول: قال الله تعالى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم: { ظ±قْتَرَبَتِ } ويقولون بأن من قبل أيضاً في الكتب السابقة كان يقول: اقترب الوعد ثم مضى مائة سنة ولم يقع، ولا يبعد أن يمضي ألف آخر ولا يقع، ولو صح إطلاق لفظ القرب زماناً على مثل هذا لا يبقى وثوق بالإخبارات، وأيضاً قوله: { ظ±قْتَرَبَتِ } لانتهاز الفرصة، والإيمان قبل أن لا يصح الإيمان، فللكافر أن يقول، إذا كان القرب بهذا المعنى فلا خوف منها، لأنها لا تدركني، ولا تدرك أولادي، ولا أولاد أولادي، وإذا كان إمكانها قريباً في العقول يكون ذلك رداً بالغاً على المشركين والفلاسفة، والله سبحانه وتعالى أول ما كلف الاعتراف بالوحدانية واليوم الآخر، وقال: اعلموا أن الحشر كائن فخالف المشرك والفلسفي، ولم يقنع بمجرد إنكار ما ورد الشرع ببيانه، ولم يقل لا يقع أو ليس بكائن، بل قال ذلك بعيد، ولم يقنع بهذا أيضاً، بل قال ذلك غير ممكن، ولم يقنع به أيضاً، بل قال فإن امتناعه ضروري، فإن مذهبهم أن إعادة المعدوم وإحياء الموتى محال بالضرورة، ولهذا قالوا:

    أَءذَا مِتْنَا }
    [المؤمنون: 82]
    { أَءذَا كُنَّا عِظَـظ°ماً }
    [الأسراء: 49]
    { أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ظ±لأَرْضِ }
    [السجدة: 10] بلفظ الاستفهام بمعنى الإنكار مع ظهور الأمر، فلما استبعدوا لم يكتف الله ورسوله ببيان وقوعه، بل قال:
    { إِنَّ ظ±لسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا }
    [الحج: 7] ولم يقتصر عليه بل قال:
    { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ظ±لسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً }
    [الأحزاب: 63] ولم يتركها حتى قال اقتربت الساعة واقترب الوعد الحق اقترب للناس حسابهم اقتراباً عقلياً لا يجوز أن ينكر ما يقع في زمان طرفة عين، لأنه على الله يسير، كما أن تقليب الحدقة علينا يسير، بل هو أقرب منه بكثير، والذي يقويه قول العامة: إن زمان وجود العالم زمان مديد، والباقي بالنسبة إلى الماضي شيء يسير، فلهذا قال: { ظ±قْتَرَبَتِ ظ±لسَّاعَةُ }. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " فمعناه لا نبي بعدي فإن زماني يمتد إلى قيام الساعة، فزماني والساعة متلاصقان كهاتين، ولا شك أن الزمان زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وما دامت أوامره نافذة فالزمان زمانه وإن كان ليس هو فيه، كما أن المكان الذي تنفذ فيه أوامر الملك مكان الملك يقال له بلاد فلان، فإن قيل: كيف يصح حمله على القرب بالمعقول مع أنه مقطوع به؟ قلت: كما صح قوله تعالى:
    { لَعَلَّ ظ±لسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً }
    [الأحزاب: 63] فإن لعل للترجي والأمر عند الله معلوم، وفائدته أن قيام الساعة ممكن لا إمكاناً بعيداً عن العادات كحمل الآدمي في زماننا حملاً في غاية الثقل أو قطعة مسافة بعيدة في زمان يسير، فإن ذلك ممكن إمكاناً بعيداً، وأما تقليب الحدقة فممكن إمكاناً في غاية القرب...

  15. #660
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,159
    قال الطبري

    وقوله: { تَجْرِي بأعْيُنِنا } يقول جلّ ثناؤه: تجري السفينة التي حملنا نوحاً فيها بمرأى منا ومنظر. وذُكر عن سفيان في تأويل ذلك ما:

    حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، في قوله: { تَجْرِي بأعْيُنِنا } يقول: بأمرنا ...

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •