صفحة 43 من 51 الأولىالأولى ... 33394041424344454647 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 631 إلى 645 من 763

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #631
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    سورة الاحقاف

    قال الرازى

    قوله { إِلاَّ بِظ±لْحَقّ } معناه إلا لأجل الفضل والرحمة والإحسان، وأن الإلظ°ه يجب أن يكون فضله زائداً وأن يكون إحسانه راجحاً، وأن يكون وصول المنافع منه إلى المحتاجين أكثر من وصول المضار إليهم، قال الجبائي هذا يدل على أن كل ما بين السمظ°وات والأرض من القبائح فهو ليس من خلقه بل هو من أفعال عباده، وإلا لزم أن يكون خالقاً لكل باطل، وذلك ينافي قوله
    { مَا خَلَقْنَـظ°هُمَا إِلاَّ بِظ±لْحَقّ }
    [الدخان: 39] أجاب أصحابنا وقالوا: خلق الباطل غير، والخلق بالباطل غير، فنحن نقول إنه هو الذي خلق الباطل إلا أنه خلق ذلك الباطل بالحق لأن ذلك تصرف من الله تعالى في ملك نفسه وتصرف المالك في ملك نفسه يكون بالحق لا بالباطل، قالوا والذي يقرر ما ذكرناه أن قوله تعالى: { مَا خَلَقْنَا ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } يدل على كونه تعالى خالقاً لكل أعمال العباد، لأن أعمال العباد من جملة ما بين السمظ°وات والأرض، فوجب كونها مخلوقة لله تعالى ووقوع التعارض في الآية الواحدة محال فلم يبق إلا أن يكون المراد ما ذكرناه فإن قالوا أفعال العباد أعراض، والأعراض لا توصف بأنها حاصلة بين السماوات والأرض، فنقول فعلى هذا التقدير سقط ما ذكرتموه من الاستدلال والله أعلم. وأما المطلب الثالث: فهو دلالة الآية على صحة القول بالبعث والقيامة، وتقريره أنه لو لم توجد القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين، ولتعطل توفية الثواب على المطيعين وتوفية العقاب على الكافرين وذلك يمنع من القول بأنه تعالى خلق السمظ°وات والأرض وما بينها لابالحق. وأما قوله تعالى: { وَأَجَلٍ مُّسَمّىً } فالمراد أنه ما خلق هذه الأشياء إلا بالحق وإلا لأجل مسمى وهذا يدل على أن إلظ°ه العالم ما خلق هذا العالم ليبقى مخلداً سرمداً، بل إنما خلقه ليكون داراً للعمل، ثم إنه سبحانه يفنيه ثم يعيده، فيقع الجزاء في الدار الآخرة، فعلى هذا الأجل المسمى هو الوقت الذي عينه الله تعالى لإفناء الدنيا.
    ...

    المسألة الثانية: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولاً، فإن قوله تعالى: { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِي ظ±لْقَوْمَ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ } صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان والهداية أن يكون الحال فيها كما ههنا، والله أعلم...

    وقال القرطبي

    وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } يريد يوم القيامة. ولما نزلت فرح المشركون واليهود والمنافقون وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يُفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ظ±بتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به؛ فنزلت:
    { لِّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ }
    [الفتح: 2] فنسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف الكفار. وقالت الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله، لقد بيّن الله لك ما يفعل بك يا رسول الله، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟ فنزلت:
    { لِّيُدْخِلَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَارُ }
    [الفتح: 5] الآية. ونزلت:
    { وَبَشِّرِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ظ±للَّهِ فَضْلاً كِبِيراً }
    [الأحزاب:47]. قاله أنس وابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة والضحاك. وقالت أم العلاء امرأةٌ من الأنصار: ظ±قتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان بن مَظْعُون بن حُذافة بن جُمَح، فأنزلناه أبياتنا فَتُوفِّيَ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب! إن الله أكرمك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " وما يدريك أن الله أكرمه " ؟ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن؟ظ° قال: " أمّا هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلا خيراً فوالله إني لأرجو له الجنة ووالله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " قالت: فوالله لا أزكّي بعده أحداً أبداً. ذكره الثعلبي، وقال: وإنما قال هذا حين لم يعلم بغفران ذنبه، وإنما غفر الله له ذنبه في غَزْوَة الحُدَيْبِيَةِ قبل موته بأربع سنين.

    قلت: حديثُ أمِّ العلاء خرّجه البخاري، وروايتي فيه: «وما أدري ما يُفعل به» ليس فيه «بي ولا بكم» وهو الصحيح إن شاء الله، على ما يأتي بيانه. والآية ليست بمنسوخة؛ لأنها خبر. قال النحاس: محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين: أحدهما أنه خبر، والآخر أنه من أوّل السورة إلى هذا الموضع خطاب للمشركين واحتجاج عليهم وتوبيخ لهم؛ فوجب أن يكون هذا أيضاً خطاباً للمشركين كما كان قبله وما بعده، ومحال أن يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم للمشركين: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» في الآخرة؛ ولم يزل صلى الله عليه وسلم من أوّل مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلّد في النار، ومن مات على الإيمان وظ±تبعه وأطاعه فهو في الجنة؛ فقد رأى صلى الله عليه وسلم ما يفعل به وبهم في الآخرة

    وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة؛ فيقولون كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفض ودَعة أم إلى عذاب وعقاب. والصحيح في الآية قول الحسن، كما قرأ علي بن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال حدّثنا وكيع قال حدّثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن: «وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ فِي الدُّنْيَا» قال أبو جعفر: وهذا أصح قولٍ وأحسنه، لا يدري صلى الله عليه وسلم ما يلحقه وإياهم من مرض وصحة ورخص وغلاء وغنى وفقر. ومثله:
    { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ظ±لْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ظ±لْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ظ±لسُّوغ¤ءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ }
    [الأعراف: 188]. وذكر الواحدي وغيره عن الكلبي عن أبي صالح أن ابن عباس " لما اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء؛ فقصّها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ورأوا فيها فرجاً مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا. ثم قال: «إنما هو شيء رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يُوحَى إلي» " أي لم يوح إليّ ما أخبرتكم به. قال القُشَيري: فعلى هذا لا نسخ في الآية. وقيل: المعنى لا أدري ما يفرض عليّ وعليكم من الفرائض. واختار الطبري أن يكون المعنى: ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، أتؤمنون أم تكفرون، أم تعاجلون بالعذاب أم تؤخّرون.

    قلت: وهو معنى قول الحسن والسُّدِّي وغيرهما. قال الحسن: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم (في الدنيا، أما في الآخرة فمعاذ الله! قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال) ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي، أو أقتل كما قُتلت الأنبياء قبلي؛ ولا أدري ما يفعل بكم؛ أأمّتي المصدّقة أم المكذّبة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قَذْفاً، أو مخسوفٌ بها خَسْفاً؛ ثم نزلت:
    { هُوَ ظ±لَّذِيغ¤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِظ±لْهُدَىظ° وَدِينِ ظ±لْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ظ±لدِّينِ كُلِّهِ }
    [الصف: 9]. يقول: سيظهر دينه على الأديان.

    ثم قال في أمته:
    { وَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ }
    [الأنفال: 33] فأخبره تعالى بما يصنع به وبأمته؛ ولا نسخ على هذا كله، والحمد لله. وقال الضحاك أيضاً: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» أي ما تؤمرون به وتنهون عنه. وقيل: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للمؤمنين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في القيامة؛ ثم بين الله تعالى ذلك في قوله: { لِّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } وبيّن فيما بعد ذلك حال المؤمنين ثم بيّن حال الكافرين.

    قلت: وهذا معنى القول الأوّل؛ إلا أنه أطلق فيه النسخ بمعنى البيان، وأنه أمر أن يقول ذلك للمؤمنين؛ والصحيح ما ذكرناه عن الحسن وغيره. و «ما» في «ما يفعل» يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىظ° إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }...

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { أُوْلَـئِكَ أَصْحَـظ°بُ ظ±لْجَنَّةِ خَـظ°لِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مسائل أولها: قوله تعالى: { أُوْلَـئِكَ أَصْحَـظ°بُ ظ±لْجَنَّةِ } وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة وثانيها: قوله تعالى: { جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وهذا يدل على فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء وثالثها: أن قوله تعالى: { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يدل على إثبات العمل للعبد ورابعها: أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر، أو أي أثر كان موجوداً قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر وخامسها: كون العبد مستحقاً على الله تعالى، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين، لا جرم أردفه بهذا المعنى، فقال تعالى: { وَوَصَّيْنَا ظ±لإِنْسَـظ°نَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت، وفي سورة لقمان،...

  2. #632
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    ثم قال تعالى في صفة ذلك الإنسان { حَتَّىظ° إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ظ±لَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىظ° وظ°لِدَيَّ } ومعلوم أنه ليس كل إنسان يقول هذا القول، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية إنساناً معيناً قال هذا القول، وأما أبو بكر فقد قال هذا القول في قريب من هذا السن، لأنه كان أقل سناً من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وشيء، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث عند الأربعين وكان أبو بكر قريباً من الأربعين وهو قد صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، فثبت بما ذكرناه أن هذه الآيات صالحة لأن يكون المراد منها أبو بكر، وإذا ثبت القول بهذه الصلاحية فنقول: ندعي أنه هو المراد من هذه الآية، ويدل عليه أنه تعالى قال في آخر هذه الآية { أُوْلَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـظ°تِهِمْ فِي أَصْحَـظ°بِ ظ±لْجَنَّةِ } وهذا يدل على أن المراد من هذه الآية أفضل الخلق لأن الذي يتقبل الله عنه أحسن أعماله ويتجاوز عن كل سيئاته يجب أن يكون من أفاضل الخلق وأكابرهم، وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما علي، ولا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه الكلمة عند بلوغ الأشد وعند القرب من الأربعين، وعلي بن أبي طالب ما كان كذلك لأنه إنما آمن في زمان الصبا أو عند القرب من الصبا، فثبت أن المراد من هذه الآية هو أبو بكر، والله أعلم....

  3. #633
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    وقال المانريدى

    ثم قوله - تعالى -: { أَوْزِعْنِيغ¤ }: ألهمني.

    وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سأل ربه أن يوزعه شكر ما أنعم عليه، ومن قولهم أن ليس على المرء الشكر إلا بعد إعطاء جميع ما به يشكر حتى لا يبقى عنده مزيد؛ فيكون مثل هذا الدعاء من العباد ردّاً على قولهم؛ لأنهم يسألون ما يعلمون أن ليس عنده ذلك، وأنّه لا يملكه، وكذلك قوله: { وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ظ±للَّهَ } ، ومن قولهم أنه ليس عنده ما يغيثه، فيخرج دعاؤهم على ما ذكرنا على مذهبهم، وبالله العصمة...

    { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىظ° إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي ظ±لْقَوْمَ ظ±لْمُجْرِمِينَ }


    استدل بها اخى الحبيب الامام احمد فى الرد علي المعتزلة القائلين بخلق القران بقوله خالق كل شيء فرد عليهم بهذه الاية وهذا من بديع استنباطات الامام احمد رحمه الله

    قال الرازى

    قال الجبائي: قوله { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } معناه لكي يرجعوا عن كفرهم، دل بذلك على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم والجواب: أنه فعل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة، وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل للدلائل الدالة على أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات...

  4. #634
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { يظ°قَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ظ±للَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ }.

    فيه دلالة لزوم العمل بخبر الواحد؛ لأن النفر الذين حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجن سمعوا القرآن منه وصدقوه كانوا قليلي العدد لما رجعوا إلى قومهم فإنما يرجع كل إلى قومه، وقد يحتمل الاجتماع والتواصل على ذلك، ودعا كل قومه إلى إجابة داعي الله - تعالى - وحذرهم مخالفته، وأنه يحتمل ما ذكرنا من الأفراد والآحاد، دل أن خبر الواحد حجة في حق العمل، وهو ما قال - عز وجل -:
    { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ظ±لدِّينِ }
    [التوبة: 122] فكان العمل بخبر الآحاد والأفراد ظاهراً مشهوراً في الإنس والجن؛ حيث ذكر ما ذكرنا وألزمهم الإجابة والحذر، والله أعلم.

    قال الرازى

    اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة ما يدل على وجود الإلظ°ه القادر الحكيم المختار، ثم فرع عليه فرعين: الأول: إبطال قول عبدة الأصنام والثاني: إثبات النبوّة وذكر شبهاتهم في الطعن في النبوة، وأجاب عنها، ولما كان أكثر إعراض كفار مكة عن قبول الدلائل بسبب اغترارهم بالدنيا واستغراقهم في استيفاء طيباتهم وشهواتها، وبسبب أنه كان يثقل عليهم الانقياد لمحمد والاعتراف بتقدمه عليهم ضرب لذلك مثلاً وهم قوم عاد فإنهم كانوا أكمل في منافع الدنيا من قوم محمد فلما أصروا على الكفر أبادهم الله وأهلكهم، فكان ذلك تخويفاً لأهل مكة بإصرارهم على إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم لما قرر نبوته على الإنس أردفه بإثبات نبوته في الجن، وإلى ههنا قد تم الكلام في التوحيد وفي النبوة، ثم ذكر عقيبهما تقرير مسألة المعاد ومن تأمل في هذا البيان الذي ذكرناه علم أن المقصود من كل القرآن تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد، وأما القصص فالمراد من ذكرها ما يجري مجرى ضرب الأمثال في تقرير هذه الأصول. المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على كونه تعالى قادراً على البعث، والدليل عليه أنه تعالى أقام الدلائل في أول هذه السورة على أنه { هُوَ ظ±لَّذِى خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } ولا شك أن خلقها أعظم وأفخم من إعادة هذا الشخص حياً بعد أن صار ميتاً، والقادر على الأقوى الأكمل لا بد وأن يكون قادراً على الأقل والأضعف، ثم ختم الآية بقوله { إِنَّهُ عَلَىظ° كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } والمقصود منه أن تعلق الروح بالجسد أمر ممكن إذ لو لم يكن ممكناً في نفسه لما وقع أولاً، والله تعالى قادر على كل الممكنات، فوجب كونه قادراً على تلك الإعادة، وهذه الدلائل يقينية ظاهرة. المسألة الثالثة: في قوله تعالى: { بِقَادِرٍ } إدخاله الباء على خبر إن، وإنما جاز ذلك لدخول حرف النفي على أن وما يتعلق بها، فكأنه قيل أليس الله بقادر، قال الزجاج لو قلت ما ظننت أن زيداً بقائم جاز، ولا يجوز ظننت أن زيداً بقائم، والله أعلم. المسألة الرابعة: يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه ومنه
    { أَفَعَيِينَا بِظ±لْخَلْقِ ظ±لأَوَّلِ }
    [ق: 15]. واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على صحة القول بالحشر والنشر ذكر بعض أحوال الكفار فقال: { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىظ° ظ±لنَّارِ أَلَيْسَ هَـظ°ذَا بِظ±لْحَقّ قَالُواْ بَلَىظ° وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ظ±لْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } فقوله { أَلَيْسَ هَـظ°ذَا بِظ±لْحَقّ } التقدير يقال لهم أليس هذا بالحق والمقصود التهكم بهم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم
    { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }
    [الصافات: 59].

  5. #635
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    سورة محمد

    قال الرازى

    وقوله { وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } إشارة إلى ما يثيب على العمل الصالح. المسألة الثانية: قالت المعتزلة تكفير السيئات مرتب على الإيمان والعمل الصالح فمن آمن ولم يفعل الصالحات يبقى في العذاب خالداً، فنقول لو كان كما ذكرتم لكان الإضلال مرتباً على الكفر والضد، فمن يكفر لا ينبغي أن تضل أعماله، أو نقول قد ذكرنا أن الله رتب أمرين على أمرين فمن آمن كفر سيئاته ومن عمل صالحاً أصلح باله أو نقول أي مؤمن يتصور أنه غير آت بالصالحات بحيث لا يصدر عنه صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا إطعام، وعلى هذا فقوله { وَعَمِلُواْ } عطف المسبب على السبب، كما قلنا في قول القائل أكلت كثيراً وشبعت

    قال الماتريدى

    ثم قوله - عز وجل -: { أَخْرَجَتْكَ } أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله:
    { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ }
    [البقرة: 36]، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم.

  6. #636
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الالوسي

    وَءاتَـظ°هُمْ تَقُوَاهُمْ } أي أعطاهم تقواهم إياه جل شأنه بأن خلقها فيهم بناءً على ما يقوله الأشاعرة في أفعال العباد أو بأن خلق فيهم قدرة عليها مؤثرة في فعلها بإذنه سبحانه على ما نسبه الكوراني إلى الأشعري، وسائر المحققين في أفعال العباد من أنها بقدرة خلقها الله تعالى فيهم مؤثرة بإذنه تعالى، وقول بعضهم: بأن جعلهم جل شأنه متقين له سبحانه يمكن تطبيقه على كل من القولين، وقال البيضاوي: أي بين لهم ما يتقون أو أعانهم على تقواهم أو أعطاهم جزاءها فالإيتاء عنده مجاز عن البيان أو الإعانة أو هو على حقيقته والتقوى مجاز عن جزائها لأنها سببه أو فيه مضاف مقدر وليس في شيء من ذلك ما يأباه مذهب أهل الحق، وذكر الزمخشري الثاني والثالث من ذلك، واختار الطيبـي الأول من هذين الاثنين وقال: هو أوفق لتأليف النظم الكريم لأن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيها التقابل فقوبل
    { أُولَـئِكَ ظ±لَّذِينَ طَبَعَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }
    [محمد: 16] بقوله سبحانه: { وَظ±لَّذِينَ ظ±هْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدىً } لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوله تعالى:
    { وَظ±تَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ }
    [محمد: 16] بقوله جل وعلا: { وَءاتَـظ°هُمْ تَقُوَاهُمْ } فيحمل على كمال التقوى وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه سبحانه بشراشره وهو التقوى الحقيقية المعنية بقوله تعالى:
    { ظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }
    [آل عمران: 102] فإن المزيد على مزيد الهدى مزيد لا مزيد عليه، وفي الترفع عن متابعة الهوى النزوع إلى المولى والعزوب عن شهوات الحياة الدنيا. ثم في إسناد إيتاء التقوى إليه تعالى وإسناد متابعة الهوى إليهم إيماء إلى معنى قوله تعالى حكاية:
    { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ }
    [الشعراء: 80] وتلويح إلى أن متابعة الهوى مرض روحاني وملازمة التقوى دواء إلهي انتهى. وما ذكره من التقابل جار فيما ذكرناه أيضاً، وكذا يجري التقابل على تفسير إيتاء التقوى ببيان ما يتقون لإشعار الكلام عليه بأن ما هم فيه ليس من ارتكاب الهوى والتشهي بل هو أمر حق مبني على أساس قوي. وتفسير ذلك بإعطاء جزاء التقوى مروي عن سعيد بن جبير وذهب إليه الجبائي، والكلام عليه أفيد وأبعد عن التأكيد من غير حاجة إلى حمل التقوى على أعلى مراتبها، وأمر التقابل هين فإنه قد يقال: إن قوله تعالى: { ظ±هْتَدَوْاْ } في مقابلة { ظ±تَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } وقوله سبحانه: { زَادَهُمْ هُدىً } في مقابلة { طَبَعَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ } فليتدبر....

    والأمر في قوله تعالى: { وَظ±سْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } قيل على معنى الثبات أيضاً، وجعل الاستغفار كناية عما يلزمه من التواضع وهضم النفس والاعتراف بالتقصير لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم أو مغفور لا مصر ذاهل عن الاستغفار، وقيل: التحقيق أنه توطئة لما بعده من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات؛ ولعل الأولى إبقاؤه على الحقيقة من دون جعله توطئة، والنبـي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الاستغفار، أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن الأغر المزني رضي الله تعالى عنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبـي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة " وأخرج النسائي وابن ماجه وغيرهما عن أبـي موسى قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مائة مرة " وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: " إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة " وفي لفظ «التواب الغفور» إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة.

    والذنب بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام ترك ما هو الأولى بمنصبه الجليل ورب شيء حسنة من شخص سيئة من آخر كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ وقد ذكروا أن لنبينا صلى الله عليه وسلم في كل لحظة عروجاً إلى مقام أعلى مما كان فيه فيكون ما عرج منه في نظره الشريف ذنباً بالنسبة إلى ما عرج إليه فيستغفر منه، وحملوا على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:إنه ليغان على قلبـي " الحديث وفيه أقوال أخر....

    وإذا تبين لك دلالتها على جميع مراتب التوحيد لاح لك أن الشارع لأمر ما جعلها مفتاح الإسلام وأساس الدين ومهداة الأنام. وفي حديث أخرجه أبو نعيم عن عياض الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا إله إلا الله كلمة كريمة ولها عند الله مكان جمعت وسولت من قالها صادقاً من قلبه دخل الجنة " وفي حديث أخرجه ابن النجار عن دينار عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: " لا إله إلا الله كلمة عظيمة كريمة على الله تعالى من قالها مخلصاً استوجب الجنة " وأخرج مسلم عن أبـي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب بنعليَّ هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة " وحديث البطاقة أشهر من أن يذكر، وكذا الحديث القدسي المروي عن علي الرضا عن آبائه عليهم السلام، وجاء " من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله / دخل الجنة» " أي بلا حساب وإلا فما الفرق بين ذلك ومن قالها ولم تكن آخر كلامه من الدنيا. وبالجملة إن فضلها لا يحصى وإنها لتوصل قائلها إلى المقام الأقصى، وقد ألفت كتب في فضلها وكيفية النطق بها وآداب استعمالها فلا نطيل الكلام في ذلك.

    بقي هظ°هنا بحث وهو أن المسلمين أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى وإن اختلفوا في كونه شرعياً أو عقلياً، وأما النظر في معرفته تعالى لأجل حصولها بقدر الطاقة البشرية فقد قال العلامة التفتازاني في «شرح المقاصد»: لا خلاف بين أهل الإسلام في وجوبه لأنه أمر مقدور يتوقف عليه الواجب المطلق الذي هو المعرفة، وكل مقدور يتوقف عليه الواجب المطلق فهو واجب شرعاً إن كان وجوب الواجب المطلق شرعياً كما هو رأي الأصحاب، وعقلاً إن كان عقلياً كما هو رأي المعتزلة لئلا يلزم تكليف المحال، أما كون النظر مقدوراً فظاهر، وأما توقف المعرفة عليه فلأنها ليست بضرورية بل نظرية، ولا معنى للنظري إلا ما يتوقف على النظر ويتحصل به، وظاهر كلام السيد السند في «شرح المواقف» إجماع المسلمين كافة على ذلك أيضاً.والحق وقوع الخلاف في وجوب النظر كما يدل عليه كلام ابن الحاجب في «مختصره»، والعضد في «شرحه»، وكلام التاج السبكي في «جمع الجوامع»، والجلال المحلي في «شرحه»، وقول شيخ الإسلام في «حاشيته» عليه: محل الخلاف في وجوب النظر في أصول الدين وعدم وجوبه في غير معرفة الله تعالى منها، أما النظر فيها فواجب إجماعاً كما ذكره السعد التفتازاني كغيره اعترضه المحقق ابن قاسم العبادي في حاشيته «الآيات البينات» بقوله: إن الظاهر أن ما نقله السعد من الإجماع على وجوب النظر في معرفة الله تعالى غير مسلم عند الشارح وغيره، ألا ترى إلى تمثيل الشارح لمحل الخلاف بقوله: «كحدوث العالم ووجود الباري تعالى وما يجب له جل شأنه وما يمتنع عليه سبحانه من الصفات» فإن قوله: ووجود الباري تعالى الخ يتعلق بمعرفته عز وجل إلى آخر ما قال.

    نعم قال كثير ورجحه الإمام الرازي والآمدي: إنه يجب النظر في مسائل الاعتقاد ومعرفةُ الله تعالى أسُّها فيجب فيها بالأولى، وقالوا في ذلك: لأن المطلوب اليقين لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فَظ±عْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـظ°هَ إِلا ظ±للَّهِ } وقد علم ذلك. وقال تعالى للناس:
    { وَظ±تَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }
    [الأعراف: 158] ويقاس غير الوحدانية عليها، ولا يتم الاستدلال إلا بضم توقف حصول اليقين على النظر. وهؤلاء لم يجوزوا التقليد في الأصول وهو أحد أقوال في المسألة.

    ثانيها قول العنبري: إنه يجوز التقليد فيها بالعقد الجازم ولا يجب النظر لها لأنه عليه الصلاة والسلام كان يكتفي في الإيمان بالعقد الجازم ويقاس غير الإيمان عليه. والمراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يكتفي بذلك نظراً إلى ظاهر الحال فإن الخبر كما صرح به المحقق عيسى الصفوي في «شرحه للفوائد الغياثية» على ما نقله عنه تلميذه ابن قاسم العبادي في «الآيات البينات» دال وضعاً على صورة ذهنية على وجه الإذعان تحكي الحال الواقعية، ولا شك أن لا إله إلا الله محمد رسول الله من قسم الخبر فهما دالان وضعاً على أن قائلهما ولو تحت ظلال السيف معتقد لمضمونهما على وجه الإذعان، وعدم كونه معتقداً في نفس الأمر احتمال عقلي، والمطلع على ما في القلوب علام الغيوب.

    وثالث الأقوال أنه يجب التقليد بالعقد الجازم ويحرم النظر لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان بخلاف التقليد وهذا ليس بشيء أصلاً.

    والذي أوجب النظر من المحققين لم يرد به النظر على طريق المتكلمين بل صرح كما في «الجواب العتيد» للكوراني بأن المعتبر هو النظر على طريق العامة، والظاهر أنه ليس مظنة الوقوع فيما ذكر. وهل القائل بوجوبه من أولئك جاعل له شرطاً لصحة الإيمان أم لا؟ ففيه خلاف. فيفهم من بعض / عبارات «شرح الأربعين» لابن حجر أنه جاعل له كذلك فلا يصح إيمان المقلد عنده، بل يفهم منها أن النظر المعتبر عند ذلك هو النظر على طريق المتكلمين، وكلام الجلال المحلي في «شرح جمع الجوامع» صريح في أن القائلين بوجوب النظر غير أبـي هاشم ليسوا جاعلين النظر شرطاً لصحة الإيمان ولا زاعمين بطلان إيمان المقلد بل هو صحيح عندهم مع الإثم بترك النظر الواجب.

    نعم سيأتي إن شاء الله تعالى نقل الإمام حجة الإسلام في كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» نقل الاشتراط عن طائفة من المتكلمين مع رده.

    وأما ما نقل عن الشيخ الأشعري من الاشتراط وأنه لا يصح إيمان المقلد فكذب عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري، وقال التاج السبكي: التحقيق أنه إن كان التقليد أخذاً بقول الغير بغير حجة مع احتمال شك أو وهم فلا يكفي، وإن كان جزماً فيكفي خلافاً لأبـي هاشم. والظاهر أن القائل بكفاية التقليد مع الجزم يمنع القول بأن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر ويقول: إنها قد تحصل بالإلهام أو التعليم أو التصفية فمن حصل له العقد الجازم بما يجب عليه اعتقاده فقد صح إيمانه من غير إثم لحصول المقصود، ومن لم يحصل له ذلك ابتداء أو تقليداً أو ضرورة فالنظر عليه متعين
    { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـظ°تِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا }
    [السجدة: 22].

    ويكفي دليلاً للصحة اكتفاء النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم من عوام العجم كأجلاف العرب وإن أسلم أحدهم تحت ظل السيف بمجرد الإقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله الدال بحسب ظاهر حالهم على أنهم يعتقدون مضمون ذلك ويذعنون له، ولو كان الاستدلال فرضاً لأمروا به بعد النطق بالكلمتين أو علموا الدليل ولقنوه كما لقنوهما وكما علموا سائر الواجبات، ولو وقع ذلك لنقل إلينا فإنه من أهم مهمات الدين، ولم ينقل أنهم أمروا أحداً منهم أسلم بترديد نظر ولا سألوه عن دليل تصديقه ولا أرجؤا أمره حتى ينظر فلو كان النظر واجباً على الأعيان ولو إجمالياً على طريق العامة لما اكتفى النبـي صلى الله عليه وسلم من أولئك العوام والأجلاف بمجرد الإقرار لأن النبـي عليه الصلاة والسلام وأصحابه لا يقرون أحداً على ترك فرض العين من غير عذر، فلا يكون تاركه آثماً فضلاً عن أن يكون بتركه غير صحيح الإيمان، ويشهد لذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد عند اعتذاره عن قتل مرداس بن نهيك من أهل فدك وغيره من الأخبار الكثير. وما في «المواقف» و«المقاصد» و«شرح المختصر العضدي» وغيرها من كتب الكلام والأصول من أن النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يعلمون أنهم ـ أي العوام واجلاف العرب يعلمون الأدلة إجمالاً كما قال الأعرابـي: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام على المسير أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير أي فلذلك لم يلزموهم النظر ولا سألوهم عنه ولا أرجؤوا أمرهم وكل ما كان كذلك لم يكن اكتفاؤهم بمجرد الإقرار دليلاً على أن النظر ليس واجباً على الأعيان ولا على أن تاركه غير آثم دعوى لا دليل عليها، وحكاية الأعرابـي إن كانت مسوقة للاستدلال لا تدل، غاية ما في الباب أن ذلك الأعرابـي كان عالماً بدليل إجمالي، ولا يلزم منه أن جميع الأجلاف والعوام كانوا عالمين بالأدلة الإجمالية في عهد النبوة وغيره وإلا لكانت حجة على أنه لا مقلد في الوجود، على أن بعضهم أسند ذلك القول إلى قس بن ساعدة وكان في الفترة.

    والجلال المحلي ذكره لأعرابـي قاله في جواب الأصمعي وكان في زمن الرشيد بل قد يقال: إن ظاهر كثير من الآيات والأخبار يدل على أن كثيراً من المشركين في عهده عليه الصلاة والسلام لم يكونوا عالمين بأدلة التوحيد مطلقاً، وذلك كقوله تعالى: حكاية عنهم:
    { أَجَعَلَ ظ±لاْلِهَةَ إِلَـظ°هاً وظ°حِداً إِنَّ هَـظ°ذَا لَشَيْء عُجَابٌ }
    [ص: 5]
    { إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـظ°هَ إِلاَّ ظ±للَّهُ يستكبرون * وَيَقُولُونَ أئنا لَتَارِكُوا ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ }
    [الصافات: 35-36] وقول بعضهم في بعض الحروب: اعل هبل اعل هبل.

    وما ذكره المحقق العضد في «شرح المختصر» من الدليل على عدم جواز التقليد حيث قال: إن الأمة أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى وأنها لا تحصل بالتقليد لثلاثة أوجه: أحدها أنه يجوز الكذب على المخبر فلا يحصل بقوله العلم ثانيها أنه لو أفاد العلم لأفاده بنحو حدوث العالم من المسائل المختلف فيها فإذا قلد واحد في الحدوث والآخر في القدم كانا عالمين بهما فيلزم حقيقتهما وأنه محال. ثالثها أن التقليد لو حصل العلم فالعلم بأنه صدق فيما أخبر به إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً لا سبيل إلى الأول بالضرورة فلا بد له من دليل والمفروض أنه لا دليل إذ لو علم صدقه بدليله لم يبق تقليداً تعقبه العلامة الكوراني فقال: فيه بحث.

    أما الوجه الأول فلأن من جوز التقليد مثل المقلد بمن نشأ على شاهق جبل ولم ينظر في ملكوت السمظ°وات والأرض وأخبره غيره بما يلزمه اعتقاده وصدقه بمجرد إخباره من غير تفكر وتدبر وهو صريح في أن الكلام في مقلد أخبره غيره بما يلزمه اعتقاده وما يلزمه اعتقاده لا يكون إلا صدقاً فإن الكذب لا يلزم أحداً اعتقاده، وأما من أخبر بالأكاذيب فاعتقدها فهو لم يعتقد إلا أكاذيب والأكاذيب ليست من معرفة الله تعالى في شيء فكيف يحكم عليه أحد من العقلاء بأنه مؤمن بالله تعالى عارف به مع أنه لم يعتقد إلا الأكاذيب وهو ظاهر.

    وأما في الوجه الثاني فلمثل ما مر لأنا لا نقول: إن كل تقليد مفيد للعلم ولا أن كل مقلد عالم كيف وليس كل نظر مفيداً للعلم ولا كل ناظر مصيباً، فإذا لم يكن النظر موجباً للعلم مطلقاً وإنما الموجب النظر الصحيح فكذلك نقول: ليس كل تقليد مفيداً للعلم وإنما المفيد التقليد الصحيح، وهو أن يقلد عالماً بمسائل معرفة الله تعالى صادقاً فيما يخبره به فإن الكلام إنما هو في صحة إيمان مثل هذا المقلد لا مطلقاً.

    وأما في الثالث فلأنا نختار أن عمله بأنه صدق فيما أخبر به ضروري قولكم لا سبيل إليه بالضرورة قلنا: ممنوع لقوله تعالى:
    { فَمَن يُرِدِ ظ±للَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـظ°مِ }
    [الأنعام: 125] وقد روي مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن شرح الصدر فقال عليه الصلاة والسلام: " نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينفسح " فصرح صلى الله عليه وسلم بأنه نور لا يحصل من دليل وإنما يقذفه الله تعالى في قلبه فلا يقدر على دفعه من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا استدلال، وقد صرح بعض أكابر المحققين بأن توحيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن علم ضروري وجدوه في نفوسهم لم يقدروا على دفعه وبأن من أهل الفترة من وجد كذلك بل قد صرح بأن الإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه لا يقدر على دفعه فكم من آمن بلا دليل ومن لم يؤمن مع الدليل، وقلما يوثق بإيمان من آمن عن دليل فإنه معرض للشبه القادحة فيه. وفي الباب المائة والاثنين والسبعين والمائة والسابع والسبعين والمائتين والسابع والسبعين من «الفتوحات المكية» ما يؤيد ذلك.

    وقال الإمام حجة الإسلام في «فيصل التفرقة»: من أشد الناس غلواً وانحرافاً طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حرزناها فهو كافر فهؤلاء ضيقوا رحمة الله تعالى الواسعة على عباده أولاً، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواترت به السنة ثانياً إذ ظهر من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الوثن ولم يشتغلوا بتعليم الدلائل ولو اشتغلوا بها لم يفهموها، ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد، لابل الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده عطية وهداية من عنده، تارة بتنبه في الباطن لا يمكن التعبير / عنه، وتارة بسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينة حال، فقد جاء أعرابـي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاحداً له منكراً فلما وقع بصره على طلعته البهية وغرته الغريرة السنية فرآها يتلألأ منها نور النبوة قال: والله ما هذا وجه كذاب، وسأله أن يعرض عليه الإسلام فأسلم، وجاء آخر فقال: أنشدك الله بعثك الله نبيناً؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بلى إني والله الله بعثني نبياً فصدقه بيمينه وأسلم، فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ولم يشتغل واحد منهم قط بالكلام وتعلم الأدلة بل كان تبدو أنوار الإيمان أولاً بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا تزال تزداد وضوحاً وإشراقاً بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة وبتلاوة القرآن وتصفية القلوب، وليت شعري من نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة إحضاره أعرابياً أسلم وقوله الدليل على أن العالم حادث لأنه لا يخلو عن الأعراض وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأن الله تعالى عالم بعلم وقادر بقدره كلاهما زائد على الذات لا هو ولا غيره إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين، ولست أقول: لم تجر هذه الألفاظ بل لم يجر أيضاً ما معناه معنى هذه الألفاظ بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف وجماعة من الأسارى يسلمون واحداً واحداً بعد طول الزمان أو على القرب وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم أو غيرها.نعم لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذِكْرُ أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس ولكن ذلك ليس بمقصور عليه وهو نادر أيضاً وساق الكلام إلى أن قال: والحق الصريح أن كل من اعتقد أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم واشتمل عليه القرآن حق اعتقاداً جزماً فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلته، فالإيمان المستعار من الدلائل الكلامية ضعيف جداً مشرف على التزلزل بكل شبهة بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع والحاصل بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها اهـ.

    وقال المانريدى

    ثم قوله - عز وجل -: { وَظ±سْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَاتِ } فيه دلالة نقض قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن الصغائر مغفورة، لا يجوز لله - تعالى - أن يعذب عباده عليها، والكبائر مما لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار منهم والتوبة؛ فهذه الآية تنقض قولهم ومذهبهم؛ لأنه أمر رسوله أن يستغفر لهم، فلا يخلو إما أن تكون صغائر، وهي مغفورة عندهم؛ فكأنه يقول: اللهم لا تجر؛ لأنها مغفورة لا يسع له أن يعذب عليها، أو كبائر ولا يحل له المغفرة عنها، فيكون قوله: اللهم اغفر لهم، كأنه قال: اللهم جر؛ لأن مغفرته إياهم الكبائر يكون جوراً ووضع الشيء في غير موضعه.

    فكيفما كان ففيها نقض قولهم وحجة لقولنا: إن له أن يعذبهم عليها وإن كانت صغائر، وله أن يعفو عنها وإن كانت كبائر؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون، والله الموفق للصواب.

  7. #637
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ظ±لْقُرْآنَ أَمْ عَلَىظ° قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ }

    ولنذكر تفسيرها في مسائل: المسألة الأولى: لما قال الله تعالى:
    { فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىظ° أَبْصَـظ°رَهُمْ }
    [محمد: 23] كيف يمكنهم التدبر في القرآن قال تعالى: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ } وهو كقول القائل للأعمى أبصر وللأصم اسمع؟ فنقول الجواب: عنه من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من البعض الأول: تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم أنه لا يؤمن بأن يؤمن، فكذلك جاز أن يعميهم ويذمهم على ترك التدبر الثاني: أن قوله { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ } المراد منه الناس الثالث: أن نقول هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة، فإنه تعالى قال:
    { أَوْلَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ لَعَنَهُمُ ظ±للَّهُ }
    [محمد: 23] أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير أو غير ذلك من الأمور الحسنة { فَأَصَمَّهُمْ } لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يتبعون طريق الإسلام فإذن هم بين أمرين، إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه، لأن الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق، والقرآن منهما الصنف الأعلى بل النوع الأشرف، وأما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة، تقديره أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعودين، أم على قلوب أقفال فيتدبرون ولا يفهمون، وعلى هذا لا نحتاج أن نقول أم بمعنى بل، بل هي على حقيقتها للاستفهام واقعة في وسط الكلام والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر، وأم دخلت على القلوب التي في وسط الكلام...

    ، وقرىء { وَأَمْلَىظ° لَهُمْ } فإن قيل الإملاء والإمهال وحد الآجال لا يكون إلا من الله، فكيف يصح قراءة من قرأ { وَأَمْلَىظ° لَهُمْ } فإن المملي حينئذ يكون هو الشيطان نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: جاز أن يكون المراد { وَأَمْلَىظ° لَهُمْ } الله فيقف على { سَوَّلَ لَهُمْ } وثانيها: هو أن المسول أيضاً ليس هو الشيطان، وإنما أسند إليه من حيث إن الله قدر على يده ولسانه ذلك، فذلك الشيطان يمليهم ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا برياستكم ثم في آخر الأمر تؤمنون، وقرىء { وَأَمْلَىظ° لَهُمْ } بفتح الياء وضم الهمزة على البناء للمفعول....

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىظ° نَعْلَمَ ظ±لْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَظ±لصَّابِرِينَ } ، هذا يخرج على وجوه:

    أحدها: أي: حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين، فيكون المراد من إضافة العلم إلى نفسه علم أوليائه؛ كقوله - تعالى -:
    { إِن تَنصُرُواْ ظ±للَّهَ يَنصُرْكُمْ }
    [محمد: 7]، وقوله - عز وجل -:
    { يُخَادِعُونَ ظ±للَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }
    [النساء: 142]، ونحوه، فالمراد منه أولياؤه على أحد التأويلات، والله أعلم.

    والثاني: يكون المراد بالعلم: المعلوم، وذلك جائز في اللسان واللغة؛ كقول الناس: الصلاة أمر الله: أي: مأمور الله، وكقوله - عز وجل -:
    { حَتَّىظ° يَأْتِيَكَ ظ±لْيَقِينُ }
    [الحجر: 99] أي: الموقن به، وقوله:
    { وَمَن يَكْفُرْ بِظ±لإِيمَظ°نِ }
    [المائدة: 5] أي: بالمؤمن به، ونحو ذلك كثير.

    والثالث: أي: يعلم كائناً ما قد علمه أنه سيكون؛ إذ لا يجوز أن يوصف هو بعلم ما سيكون بعلمه كائناً، أو بعلم ما قد كان بعلمه أنه يكون كائناً، ولكن يوصف بما قد علمه كائناً أنه علمه كائناً، أو يعلم ما علم أنه سيكون أنه يكون؛ لأنه يوجب الجهل، ويكون التغير في ذلك المعلوم لا في علمه، والله الموفق....

    { يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُوغ¤اْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ظ±لرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوغ¤اْ أَعْمَالَكُمْ }


    قال الالوسي

    واستدل المعتزلة بالآية على أن الكبائر تحبط الطاعات بل الكبيرة الواحدة تبطل مع الإصرار الأعمال ولو كانت بعدد نجوم السماء، وذكروا في ذلك من الأخبار ما ذكروا. وفي «الكشف» لا بد في هذا المقام من تحرير البحث بأن يقال: إن أراد المعتزلة أن نحو الزنا إذا عقب الصلاة يبطل ثوابها مثلاً فهذا لا دليل عليه نقلاً وعقلاً بل هما متعادلان على ما دل عليه صحاح الأحاديث، وكفى بقوله تعالى:
    { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }
    [الزلزلة: 7-8] حجة بالغة، وإن أرادوا أن عقابه قد يكبر حتى لا يعاد له صغار الحسنات فهذا صحيح والكلام حينئذٍ في تسميته إحباطاً، ولا بأس به لكن عندنا أن هذا الإحباط غير لازم وعندهم لازم، وهو مبني على جواز العفو وهي مسألة / أخرى، وأما الكبيرة التي تختص بذلك العمل كالعجب ونحو المن والأذى بعد التصدق فهي محبطة لا محالة اتفاقاً، وعليه يحمل ما نقل من الآثار، ومن لا يسميه إحباطاً لأنه يجعله شرطاً للقبول والإحباط أن يصير الثواب زائلاً وهذا لا يتأتى إذا لم يثبت له ثواب فله ذلك، وهو أمر يرجع إلى الاصطلاح انتهى وهو من الحسن بمكان. وإعادة الفعل في { وَأَطِيعُواْ ظ±لرَّسُولَ } للاهتمام بشأن إطاعته عليه الصلاة والسلام.

    إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ظ±للَّهُ لَهُمْ }

    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ } امتنعوا عن الدخول في الإسلام وسلوك طريقه أو صدوا الناس عنه { ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ظ±للَّهُ لَهُمْ } نزلت في أهل القليب كما قيل، وحكمها عام كما قال غير واحد في كل من مات على كفره، وهو ظاهر على التفسير الأول لصدوا عن سبيل الله، وأما على التفسير الثاني له فقيل عليه: إن العموم مع تخصيص الكفر بصد الناس عن الإسلام محل نظر. ويفهم من كلام بعض الأجلة أن العموم لأن مدار عدم المغفرة هو الاستمرار على الكفر حسبما يشعر اعتباره قيداً في الكلام فتدبر. واستدل بمفهوم الآية بعض القائلين بالمفهوم على أنه تعالى قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه

  8. #638
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    سورة الفتح

    قال الرازى

    المسألة الثالثة: لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ذنب، فماذا يغفر له؟ قلنا الجواب عنه قد تقدم مراراً من وجوه أحدها: المراد ذنب المؤمنين ثانيها: المراد ترك الأفضل ثالثها: الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد، وهو يصونهم عن العجب رابعها: المراد العصمة، وقد بينا وجهه في سورة القتال...

    أما المسألة المعنوية: وهي أن الله تعالى لما قال: { لّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ } أبرز الفاعل وهو الله، ثم عطف عليه بقوله { وَيُتِمَّ } وبقوله { وَيَهْدِيَكَ } ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول، ولا يظهر فيما بعده تقول: جاء زيد وتكلم، وقام وراح، ولا تقول: جاء زيد، وقعد زيد اختصاراً للكلام بالاقتصار على الأول، وههنا لم يقل وينصرك نصراً، بل أعاد لفظ الله، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة، فقال تعالى:
    { بِنَصْرِ ظ±للَّهِ يَنصُرُ }
    [الروم: 5] ولم يقل بالنصر ينصر، وقال:
    { هُوَ ظ±لَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ }
    [الأنفال: 62] ولم يقل بالنصر، وقال:
    { إِذَا جَاءَ نَصْرُ ظ±للَّهِ وَظ±لْفَتْحُ }
    [النصر: 1] وقال:
    { نَصْرٌ مّن ظ±للَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ }
    [الصف: 13] ولم يقل نصر وفتح، وقال:
    { وَمَا ظ±لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ظ±للَّهِ }
    [الأنفال: 10] وهذا أدل الآيات على مطلوبنا، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر، والصبر بالله، قال تعالى:
    { وَظ±صْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِظ±للَّهِ }
    [النحل: 127] وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه، وذلك بذكر الله، كما قال تعالى:
    { أَلاَ بِذِكْرِ ظ±للَّهِ تَطْمَئِنُّ ظ±لْقُلُوبُ }
    [الرعد: 28] فلما قال ههنا وينصرك الله، أظهر لفظ الله ذكراً للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب، وبه يحصل الصبر، وبه يتحقق النصر...

    وقال الالوسي فى انا فتحنا

    واستشكل أمر المضي في كلامه تعالى بناء على ثبوت الكلام النفسي الأزلي للزوم الكذب لأن صدق الكلام يستدعي سبق وقوع النسبة ولا يتصور السبق على الأزل، وأجيب بأن كلامه تعالى النفسي الأزلي لا يتصف بالماضي وغيره لعدم الزمان. وتعقب بأن تحقق / هذا مع القول بأن الأزلي مدلول اللفظي عسير جداً، وكذا القول بأن المتصف بالمضي وغيره إنما هو اللفظ الحادث دون المعنى القديم. وأجاب بعضهم بأن العسر لو كان دلالة اللفظي عليه دلالة الموضوع على الموضوع له وليس كذلك عندهم بل هي دلالة الأثر على المؤثر، ولا يلزم من اعتبار شيء في الأثر اعتباره في المؤثر، ولا يخفى أن كون الدلالة دلالة الأثر على المؤثر خلاف الظاهر. وقال ابن الصدر في ذلك: إن اشتمال الكلام اللفظي على المضي والحضور والاستقبال إنما هو بالنظر إلى زمان المخاطب لا إلى زمان المتكلم كما إذا أرسلت زيداً إلى عمرو تكتب في مكتوبك إليه إني أرسلت إليك زيداً مع أنه حين ما تكتبه لم يتحقق الإرسال فتلاحظ حال المخاطب، وكما تقدر في نفسك مخاطباً وتقول: لم تفعل الآن كذا وكان قبل ذلك كذا، ولا شك أن هذا المضي والحضور والاستقبال بالنسبة إلى زمان الوجود المقدر لهذا المخاطب لا بالنسبة إلى زمان المتكلم بالكلام النفسي لكونه متوجهاً لمخاطب مقدر لا يلاحظ فيه إلا أزمنة المخاطبين المقدرين، وما اعتبره أئمة العربية من حكاية الحال الماضية واعتبار المضي والحضور والاستقبال في الجملة الحالية بالقياس إلى زمان الفعل لا زمان التكلم قريب منه جداً انتهى.

    وللمحقق ميرزاجان كلام في هذا المقام يطلب من «حواشيه على الشرح العضدي».....

    لِّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }

    { لّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ } مذهب الأشاعرة القائلين بأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض أن مثل هذه اللام للعاقبة أو لتشبيه مدخولها بالعلة الغائية في ترتبه على متعلقها وترتب المغفرة على الفتح من حيث إن فيه سعياً منه صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله تعالى بمكابدة مشاق الحروب واقتحام موارد الخطوب؛ والسلف كما قال ابن القيم وغيره يقولون بتعليل أفعاله عز وجل. وفي «شرح المقاصد» للعلامة التفتازاني أن من بعض أدلتهم ـ أي الأشاعرة ومن وافقهم على هذا المطلب ـ يفهم أنهم أرادوا عموم السلب ومن بعضها أنهم أرادوا سلب العموم، ثم قال: الحق أن بعض / أفعاله تعالى معلل بالحِكَم والمصالح وذلك ظاهر والنصوص شاهدة به، وأما تعميم ذلك بأنه لا يخلو فعل من أفعاله سبحانه من غرض فمحل بحث. وذكر الأصفهاني في «شرح الطوالع» في هذه المسألة خلافاً للمعتزلة وأكثر الفقهاء. وأنا أقول: بما ذهب إليه السلف لوجود التعليل فيما يزيد على عشرة آلاف آية وحديث، والتزام تأويل جميعها خروج عن الإنصاف، وما يذكره الحاضرون من الأدلة يدفع بأدنى تأمل كما لا يخفى على من طالع كتب السلفيين عليهم الرحمة.....

    لِيَزْدَادُواْ إِيمَـظ°ناً مَّعَ إِيمَـظ°نِهِمْ } أي يقيناً مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفوس عليها على أن الإيمان لما ثبت في الأزمنة نُزِّلَ تجدد أزمانه منزلة تجدده وازدياده فاستعير له ذلك ورشح بكلمة مع، وقيل: ازدياد الإيمان بازدياد ما يؤمن به. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أول ما أتاهم به النبـي صلى الله عليه وسلم التوحيد ثم الصلاة والزكاة ثم الحج والجهاد فازدادوا إيماناً مع إيمانهم، ومن قال: الأعمال من الإيمان قال بأنه نفسه - أي الإيمان المركب من ذلك وغيره - يزيد وينقص ولم يحتج في الآية إلى تأويل بل جعلها دليلاً له.

    وتفصيل الكلام في هذا المقام أنه ذهب جمهور الأشاعرة والقلانسي والفقهاء والمحدثون والمعتزلة إلى أن الإيمان يزيد وينقص ونقل ذلك عن الشافعي ومالك، وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل، أما الأول فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء عليهم السلام مثلاً واللازم باطل فكذا الملزوم، وأما الثاني فلكثرة النصوص في هذا المعنى، منها الآية المذكورة، ومنها ما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قلنا:يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار " ، ومنها ما روي عن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً " لو وزن إيمان أبـي بكر يإيمان هذه الأمة لرجح به "

    واعترض بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده. أما أولاً فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا إيمان دونه ليكون نقصاً، وأما ثانياً فلأن أحداً لا يستكمل / الإيمان حينئذ والزيادة على ما لم يكمل بعد محال. وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال، والجماعة إنما يقولون: إنها شرط كمال في الإيمان فلا يلزم عند الانتفاء إلا انتفاء الكمال وهو غير قادح في أصل الإيمان.

    وقال النووي وجماعة محققون من علماء الكلام: إن الإيمان بمعنى التصديق القلبـي يزيد وينقص أيضاً بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل واحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقيناً وإخلاصاً منه في بعضها فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. واعترض بأنه متى قبل ذلك كان شكاً. ودفع بأن مراتب اليقين متفاوتة إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنها لا شك معها. وممن وافق النووي على ما جزم به السعد في القسم الثاني من «تهذيبه».

    وقال جماعة من العلماء أعظمهم الإمام أبو حنيفة وتبعه أصحابه وكثير من المتكلمين الإيمان لا يزد ولا ينقص، واختاره إمام الحرمين، واحتجوا بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، فالمصدق إذا ضم إليه الطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلاً وإنما يتفاوت إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة. وأجابوا عما تمسك به الأولون بوجوه منها: ما أشرنا أولاً من أن الزيادة بحسب الدوام والثبات وكثرة الزمان والأوقات. وإيضاحه ما قاله إمام الحرمين: النبـي صلى الله عليه وسلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله تعالى إياه من مخامرة الشكوك والتصديق عرض لا يبقى بشخصه بل بتجدد أمثاله فتقع للنبـي عليه الصلاة والسلام متوالية ولغيره على الفترات فثبتت للنبـي صلى الله تعالى عليه وسلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه صلى الله عليه وسلم أكثر، والزيادة بهذا المعنى قيل مما لانزاع فيها.

    واعترض بأن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه كسواد الجسم، ودفع بأن المراد زيادة أعداد حصلت وعدم البقاء لا ينافي ذلك.

    ومنها ما أشرنا إليه ثانياً من أن المراد الزيادة بحسب زيادة ما يؤمن به، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين آمنوا أولاً بما آمنوا به وكانت الشريعة لم تتم وكانت الأحكام تنزل شيئاً فشيئاً فكانوا يؤمنون بكل ما يتجدد منها ولا شك في تفاوت إيمان الناس بملاحظة التفاصيل كثرة وقلة لا يختص ذلك بعصره صلى الله عليه وسلم لإمكان الاطلاع على التفاصيل في غيره من العصور أيضاً.

    ومنها أن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب فإن نور الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، قيل: وهذا إنما يحتاج إليه بعد إقامة قاطع على امتناع قبول التصديق الزيادة والنقص ومتى لم يقم قاطع على ذلك كان الأولى إبقاء الظواهر على حالها. وقال الخطابـي: الإيمان قول وهو لا يزيد ولا ينقص وعمل وهو يزيد وينقص واعتقاد وهو يزيد ولا ينقص فإذا نقص ذهب واعترض أنه إذا زاد ثم عاد إلى ما كان فقد نقص ولم يذهب. ودفع بأن مراده أن الاعتقاد باعتبار أول مراتبه يزيد ولا ينقص لا أن الاعتقاد مطلقاً كذلك.

    وذهب جماعة منهم الإمام الرازي وإمام الحرمين [في قول] إلى أن الخلاف لفظي وذلك بحمل قول النفي على أصل الإيمان وهو التصديق فلا يزيد ولا ينقص وحمل قول الإثبات على ما به كماله وهو الأعمال فيكون الخلاف في هذه المسألة فرع الخلاف في تفسير الإيمان، والحق أنه حقيقي لما سمعت عن الإمام النووي ومن معه من أن التصديق نفسه يزيد وينقص.

    وقال بعض المحققين: إن الزيادة والنقص من خواص الكم والتصديق قسم من العلم ولم يقل أحد بأنه / من مقولة الكم وإنما قيل هو كيف أو انفعال أو إضافة وتعلق بين العالم والمعلوم أو صفة ذات إضافة؛ والأشهر أنه كيفٌ فمتى صح ذلك وقلنا بمغايرة الشدة والضعف للزيادة والنقص فلا بأس بحملهما في النصوص وغيرها على الشدة والضعف وذلك مجاز مشهور، وإنكار اتصاف الإيمان بهما يكاد يلحق بالمكابرة فتأمل. وذكر بعضهم هنا أن الإيمان الذي هو مدخول مع هو الإيمان الفطري والإيمان المذكور قبله الإيمان الاستدلالي فكأنه قيل: ليزدادوا إيماناً استدلالياً مع إيمانهم الفطري، وفيه من الخفاء ما فيه....

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { هُوَ ظ±لَّذِيغ¤ أَنزَلَ ظ±لسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ }.

    قال بعضهم: السكينة: هي كهيئة الريح لها جناحان، ولها رأس كرأس الهرّ؛ لكن هذا ليس بشيء، فإنه - عز وجل - قال: { أَنزَلَ ظ±لسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ } بحقيقة الدين، وهو تفسير العلم، وهذا يدل على أن خالق العلم الاستدلالي ومنزله ومنشئه هو الله - تعالى - وهم يقولون: إن خالقه هو المستدل؛ فيكون حجة عليهم.

    قال بعض المعتزلة: إضافة إنزال السكينة إلى نفسه على سبيل المجاز، ليس على التحقيق، كما يقال: فلان أنزل فلاناً في منزله أو مسكنه وإن لم يكن منه حقيقة إنزاله إياه في المنزل، لكن أضيف إليه ذلك؛ لأنه وجد منه سبب به يصل ذلك إلى نزوله في منزله ومسكنه، فعلى ذلك أضاف إنزال السكينة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً؛ فلا يقال في مثله لأمر كان منه أو بسبب جعل له ذلك؛ وهو كقوله - تعالى -: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ } [الفتح: 1-2] وإنما يقال ذلك لتحقيق إنزال ذلك؛ ليكون ما ذكر على ما أخبر أنه فتح؛ ليغفر له ما ذكر، والله أعلم.....

  9. #639
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الالوسي

    يَدُ ظ±للَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } استئناف مؤكد لما قبله لأنه عبارة عن المبايعة، قال في «الكشاف» ((لما قال سبحانه: { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ظ±للَّهَ } أكده على طريقة التخييل فقال تعالى: { يَدُ ظ±للَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } وانه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما)). وفي «المفتاح» أما حسن الاستعارة التخييلية فبحسب حسن الاستعارة بالكناية متى كانت / تابعة لها كما في قولك: فلان بين أنياب المنية ومخالبها ثم إذا انضم إليها المشاكلة كما في { يَدُ ظ±للَّهِ } الخ كانت أحسن وأحسن، يعني أن في اسم الله تعالى استعارة بالكناية تشبيهاً له سبحانه وتعالى بالمبايع واليد استعارة تخييلية مع أن فيها أيضاً مشاكلة لذكرها مع أيدي الناس، وامتناع الاستعارة في اسم الله تعالى إنما هو في الاستعارة التصريحية دون المكنية لأنه لا يلزم إطلاق اسمه تعالى على غيره سبحانه. وروى الواحدي عن ابن كيسان اليد القوة أي قوة الله تعالى ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم أي ثق بنصرة الله تعالى لك لا بنصرتهم وإن بايعوك. وقال الزجاج: المعنى يد الله في الوفاء فوق أيديهم أو في الثواب فوق أيديهم في الطاعة أو يد الله سبحانه في المنة عليهم في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، وقيل: المعنى نعمة الله تعالى عليهم بتوفيقهم لمبايعتك فوق نعمتهم وهي مبايعتهم إياك وأعظم منها، وفيه شيء من قوله تعالى:
    { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلَـظ°مَكُمْ بَلِ ظ±للَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَـظ°نِ }
    [الحجرات: 17] وكل ذلك تأويلات ارتكبها الخلف وأحسنها ما ذكر أولاً، والسلف يمرون الآية كما جاءت مع تنزيه الله عز وجل عن الجوارح وصفات الأجسام وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات ويقولون: إن معرفة حقيقة ذلك فرع معرفة حقيقة الذات وأنى ذلك وهيهات هيهات.....

    وقال الطبري

    وفي قوله: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ } وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وسلم والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نُصرة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نُصرته على العدوّ.

    وقال الماتريدى

    قوله - عز وجل -: { سَيَقُولُ لَكَ ظ±لْمُخَلَّفُونَ مِنَ ظ±لأَعْرَابِ }.

    قوله - تعالى -: { ظ±لْمُخَلَّفُونَ } سماهم: مخلفين، ولم يخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ولكن الله تعالى خلفهم عن ذلك بأن أحدث منهم فعل التخلف؛ لما علم منهم ما كان من اختيارهم التخلف، كقوله تعالى:
    { وَلَـظ°كِن كَرِهَ ظ±للَّهُ ظ±نبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ }
    [التوبة: 46] أي: منعهم، فعلى ذلك ما ذكر من المخلفين أن الله - سبحانه وتعالى - خلفهم عن ذلك، وهم اكتسبوا فعل التخلف في أنفسهم؛ دل أن خالق أفعال العباد هو الله تعالى، والله الموفق.

  10. #640
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الالوسي

    قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ظ±لأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىظ° قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ظ±للَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً }

    وشاع الاستدلال بالآية على صحة إمامة أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، ووجه ذلك الإمام فقال: الداعي في قوله تعالى: { سَتُدْعَوْنَ } لا يخلو من أن يكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو الأئمة الأربعة أو من بعدهم لا يجوز الأول لقوله سبحانه:
    { قُل لَّن تَتَّبِعُونَا }
    [الفتح: 15] الخ ولا أن يكون علياً رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه لأنه إنما قاتل البغاة والخوارج وتلك المقاتلة للإسلام لقوله عز وجل: { أَوْ يُسْلِمُونَ } ولا من ملك بعدهم لأنهم عندنا على الخطأ وعند الشيعة على الكفر ولما بطلت الأقسام تعين أن يكون المراد بالداعي أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم، ثم إنه تعالى أوجب طاعته وأوعد على مخالفته وذلك يقتضي إمامته وأي الثلاثة كان ثبت المطلوب، أما إذا كان أبا بكر فظاهر، وأما إذا كان عمر أو عثمان فلأن إمامته فرع إمامته رضي الله تعالى عنه. وتعقب بأن الداعي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشعر بذلك السين، قوله: لا يجوز لقوله سبحانه: { لَنْ تَتَّبِعُونَا } الخ فيه أن { لَنْ } لا تفيد التأبيد على الصحيح وظاهر السياق يدل على أن / المراد به لن تتبعونا في الانطلاق إلى خيبر كما سمعت عن محي السنة أو هو مقيد بما روي عن مجاهد أو بما حكي عن بعض، وقال أبو حيان: القول بأنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بصحيح فقد حضر كثير منهم مع جعفر في موتة وحضروا حرب هوازن معه عليه الصلاة والسلام وحضروا معه صلى الله عليه وسلم أيضاً في سفرة تبوك انتهى، ولا يخفى أن هذا إذا صح ينفي حمل النفي على التأييد.

    ومن الشيعة من اقتصر في رد الاستدلال على الدعوة في تبوك. وتعقب بأنه لم يقع فيها ما أخبر الله تعالى به في قوله سبحانه: { تُقَـظ°تِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } ومنهم من زعم أن الداعي علي كرم الله تعالى وجهه وزعم كفر البغاة والخوارج عليه رضي الله تعالى عنه وأنه لو سلم إسلامهم يراد بالإسلام في الآية الانقياد إلى الطاعة وموالاة الأمير، وفيه ما لا يخفى. والإنصاف أن الآية لا تكاد تصح دليلاً على إمامة الصديق رضي الله تعالى عنه إلا إن صح خبر مرفوع في كون المراد بالقوم بني حنيفة ونحوهم ودون ذلك خرط القتاد، ونفى بعضهم صحة كون المراد بالقوم فارساً والروم لأن المراد في قوله تعالى: { تُقَـظ°تِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } على ما سمعت وفارس مجوس والروم نصارى فلا يتعين فيهم أحد الأمرين من المقاتلة والإسلام إذ يقبل منهم الجزية، وكذا اليهود ومشركو العجم والصابئة عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال: يتعين كونهم مرتدين أو مشركي العرب لأنهم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومثل مشركي العرب مشركو العجم عند الشافعي رضي الله تعالى عنه فعنده لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس، وأنت تعلم أن من فسر القوم بذلك يفسر الإسلام بالانقياد وهو يكون بقبول الجزية فلا يتم له أمر النفي فلا تغفل.

    وقال الطوسي الشيعى فى التبيان

    واستدل جماعة من المخالفين بهذه الآية على إمامة أبي بكر، من حيث ان أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وكانوا قد حرموا القتال مع النبي صلى الله عليه وآله بدليل قوله { لن تخرجوا معي أبداً، ولن تقاتلوا معي عدواً } وهذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين:

    احدهما - أنه غلط فى التاريخ ووقت نزول الآية.

    والثاني - أنه غلط فى التأويل، ونحن نبين فساد ذلك أجمع، ولنا فى الكلام فى تأويل الآية وجهان:

    احدهما - إنه تنازع فى اقتضائها داعياً يدعو هؤلاء المخلفين غير النبي صلى الله عليه وآله ويبين أن الداعي لهم في ما بعد كان النبي صلى الله عليه وآله على ما حكيناه عن قتادة وسعيد ابن جبير فى ان الآية نزلت فى اهل خبير، وكان النبي صلى الله عليه وآله هو الداعي إلى ذلك.

    والآخر - ان يسلم ان الداعي غيره، ونبين انه لم يكن أبا بكر ولا عمر بل كان أمير المؤمنين عليه السلام.

    فاما الوجه الاول فظاهر، لأن قوله { سيقول لك المخلفون } إلى قوله { وكنتم قوماً بوراً } قد بينا انه أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية باجماع المفسرين ثم قال { سيقول المخلفون إذا انطلقتم... } إلى آخر الآية، فبين أن هؤلاء المخلفين سألوا ان يخرجوا إلى غنيمة خيبر فمنعهم الله من ذلك، وأمر نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم { قل لن تتبعونا... } إلى هذه القرية، لأن الله تعالى حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وانه لا حظ فيها لمن لم يشهدها، وهذا هو معنى قوله { يريدون أن يبدلوا كلام الله } وقوله { كذلك قال الله من قبل } ثم قال { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون } وإنما أراد الرسول سيدعوهم في ما بعد إلى قتال قوم بهذه الصفة، وقد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة. وقال قوم: أولي بأس شديد، كموقعه حنين وتبوك وغيرها، فمن أين يجب أن يكون الداعي لهم غير النبي صلى الله عليه وآله فأما قولهم إن معنى قوله { كذلكم قال الله من قبل } هو انه أراد قوله { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً } مملؤ بالغلط الفاحش فى التاريخ، لانا قد بينا أن هذه الآية التي فى التوبة نزلت بـ (تبوك) سنة تسع.

    وآية سورة الفتح نزلت سنة ست، فكيف تكون قبلها، وينبغي لمن تكلم فى تأويل القرآن أن يرجع إلى التاريخ ويراعي اسباب نزول الآية على ما روي، ولا يقول على الآراء والشهوات. وتبين أيضاً أن هؤلاء المخلفين غير أولئك، وإن لم يرجع إلى تاريخ.

    ونقول قوله { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً } فلم يقطع على طاعة، ولا على معصية بل ذكر الوعد والوعيد على ما يتعلق به من طاعة او معصية وحكم المذكورين فيهم فى سورة التوبة، بخلافه لانه تعالى قال بعد قوله
    { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين }
    إلى قوله
    { وهم كافرون }
    فاختلاف احكامهم يدل على اختلافهم، وقد حكينا عن سعيد بن جبير انه قال هذه الآية نزلت فى هوازن يوم حنين. وقال الضحاك: هم ثقيف، وقال قتادة: هم هوازن وثقيف، وأما الوجه الذي يسلم معه أن الداعي غير النبي صلى الله عليه وآله فهو ان نقول الداعي أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه قاتل بعده أهل الجمل وصفين وأهل النهروان، وبشره النبي صلى الله عليه وآله بقتالهم، وكانوا أولي بأس شديد، فان قالوا من قاتلهم علي عليه السلام كانوا مسلمين، وفى الآية قال تقاتلونهم او يسلمون! كيف تتناولهم الآية؟!

    قلنا! أول ما نقوله: إنهم غير مسلمين عندنا، ولا عند جميع من خالفنا من المعتزلة، لأن عندهم صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، ولا مسلم. وأما مذهبنا فى تكفير من قاتل علياً عليه السلام معروف، وقد ذكرناه فى كتب الامامة لقوله صلى الله عليه وآله " حربك يا علي حربي " وغير ذلك من الاخبار والادلة التي ذكرناها فى غير موضع واستوفينا ما يتعلق بذلك فى كتاب الامامة، ويمكن على تسليم أن الداعي ابو بكر وعمر، أن يقال: ليس فى الآية ما يدل على مدح الداعي ولا على امامته، لانه قد يدعو إلى الحق من ليس عليه، ويجب ذلك من حيث كان واجباً من أجل دعاء الداعي، وابو بكر دعاهم إلى الدفاع عن الاسلام، وهذا واجب على كل واحد بلا دعاء داع، ويمكن ان يكون المراد بقوله { ستدعون } دعاء الله لهم بايجاب القتال عليهم، لانه إذا دلهم على وجوب قتال المرتدين ودفعهم عن بيضة الاسلام، وقد دعاهم إلى القتال ووجبت عليهم طاعته، والكلام فى هذه الآية كالتي قبلها فى أنا إذا قلنا لا تدل على إمامة الرجلين، لا نكون طاعنين عليهما، بل لا يمتنع أن يثبت فضلهما وإمامتهما بدليل غير الآية، لأن المحصلين من العلماء يذهبون إلى امامتهما من جهة الاخبار لا من جهة الآية.

    وقال الالوسي


    { لَّقَدْ رَضِيَ ظ±للَّهُ عَنِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ظ±لشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ظ±لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً }

    والرضا يقابل السخط وقد يستعمل بعن والباء ويعدى بنفسه وهو مع عن إنما يدخل على العين لا المعنى ولكن باعتبار صدور معنى منه يوجب الرضا وما في الآية من هذا القسم، والمعنى الموجب للرضا فيها هو المبايعة، وإذا ذكر مع العين معنى الباء فقيل رضيت عن زيد بإحسانه كانت الباء للسببية وجاز أن تكون صلة وتتعين للسببية مع مقابله نحو سخطت عليه بإساءته وهو مع الباء نحو رضيت به يجب دخوله على المعنى إلا إذا دخل على الذات تمهيداً للمعنى ليكون أبلغ فتقول رضيت بقضاء الله تعالى ورضيت بالله تعالى رباً وقاضياً، وإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات نحو رضيت زيداً وإن كان باعتبار المعنى تنبيهاً على أن كله مرضي بتلك الخصلة، وفيه مبالغة، وجاز دخوله على المعنى كرضيت إمارة فلان، والأول أكثر استعمالاً، وإذا استعمل مع اللام تعدى بنفسه كقولك: رضيت لك التجارة، وفيه تجوز إما لجعل الرضا مجازاً عن الاستحماد وإما لأنك جعلت كونه مرضياً له بمنزلة كونه مرضياً لك مبالغة في أنه في نفسه مرضي محمود وأنك تختار له ما تختار لنفسك وهذا أبلغ.

    ثم هو في حق الحق تعالى شأنه محال عند الخلف قالوا: لأنه سبحانه لا تحدث له صفة عقيب أمر البتة، فهو عندهم مجاز إما من أسماء الصفات إذا فسر بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده، وأما من أسماء الأفعال إذا فسر بالإثابة وكذا إذا أريد الاستحماد؛ وفي «البحر» أن العامل بإذ في الآية هو { رَضِيَ } وهو / هنا بمعنى إظهار النعم عليهم فهو صفة فعل لا صفة ذات ليتقيد بالزمان، وأنت تعلم أن السلف لا يؤولون مثل ذلك ويثبتونه له تعالى على الوجه اللائق به سبحانه ويصرفون الحدوث الذي يستدعيه التقييد بالزمان إلى التعلق، ثم إن تقييد الرضا بزمان المبايعة يشعر بعليتها له فلا حاجة إلى جعل (إذ) للتعليل.

    قال الطوسي الشيعى

    وقوله { لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة } إخبار من الله تعالى انه رضي عن الذين بايعوا تحت الشجرة النبي صلى الله عليه وآله وكانوا مؤمنين فى الوقت الذي بايعوه { فعلم ما في قلوبهم } من إيمان ونفاق فرضي عن المؤمنين وسخط على المنافقين. وقيل معناه فعلم ما في قلوبهم من صدق النية في القتال وكراهتهم له، لانه بايعهم على القتال - ذكره مقاتل - { فأنزل السكينة عليهم } يعني على المؤمنين، والسكينة الصبر لقوة البصيرة { وأثابهم فتحاً قريباً } قال قتادة وابن أبي ليلى: يعني فتح خيبر وقال قوم: فتح مكة { ومغانم كثيرة يأخذونها } فالغيمة ملك أموال اهل الحرب من المشركين بالقهر والغلبة فى حكمه تعالى، وكان القتال من أجلها. و (المغانم) ها هنا يراد به غنائم خيبر.

    ملحوظة

    الرضا لو ارجعته للارادة الازلية لايتبدل ردا علي الشيعة والاشارة تكفى كان راضيا عن عمر وهو كافر وساخطا علي الشيطان وهو مطيع

    قال الرازى

    لَّقَدْ رَضِيَ ظ±للَّهُ عَنِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ظ±لشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم، والفاء في قوله { فَأنزَلَ ظ±لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم، وفي علم بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَكَانَ ظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } لم يزل الله - تعالى - عالماً بأعمالهم، بصيراً.

    وفيه دلالة خلق أفعالهم؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هؤلاء عن أولئك وأيدي أولئك عن هؤلاء، ثم قال: هو عالم بما تعملون بصيراً؛ ليعلم أن له في فعلهم صنعاً، والله أعلم.

  11. #641
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال القرطبي

    قوله تعالى: { بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفضيل للصحابة وإخبار عن صفتهم الكريمة من العفة عن المعصية والعصمة عن التعدّي، حتى لو أنهم أصابوا من ذلك أحداً لكان عن غير قصد. وهذا كما وصفت النملة عن جند سليمان عليه السلام في قولها:
    { يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }
    [النمل:8 1].

    قال الماتريدى


    ثم فيما ذكرنا من أمر الحديبية وصد المشركين إياهم عن دخول مكة والحيلولة بينهم وبين ما قصدوا - أنه لا يحتمل أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقصد الحج وزيارة البيت مع أصحابه بلا أمر منه بذلك؛ لما ذكرنا، ثم إن ثبت له الأمر بذلك على علم من الله تعالى أنه لا يصل إلى تحصيل المأمور به وما قصدوا من دخول مكة زائرين، وما يكون من المشركين من المنع لهم والصد عن ذلك، وما أرادوا تحصيل ما أمرهم بذلك، فهذا دليل على أن الله تعالى قد يأمرهم ويريد غير الذي أمر به، وأنه يريد ما علم أنه يكون منهم الذي أمر به، وهو كما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم كان حقيقة المراد بالأمر بذبح الولد ذبح الشاه والكبش؛ دل أن الأمر بالشيء لا يدل على أنه أراد الذي أمره به، بل يريد ما علم أنه يكون منهم من خلافه وضده، والله أعلم

    وقال الالوسي

    ، وقوله سبحانه: { إِنْ شَاء ظ±للَّهُ } تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد، وبه ينحل ما يقال: إنه تعالى خالق للأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها فكيف وقع التعليق منه سبحانه بالمشيئة؟ وفي معنى ما ذكر قول ثعلب: استثنى سبحانه وتعالى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. وفيه تعريض بأن وقوع الدخول من مشيئته تعالى لا من جلادتهم وتدبيرهم

    قال ابو حيان فى بحره

    وقال الزمخشري: فإن قلت: ليغيظ بهم الكفار تعليل لماذا؟ قلت: لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوّة، ويجوز أن يعلل به. { وعد الله الذين آمنوا }: لأن الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك. ومعنى: { منهم }: للبيان، كقوله تعالى:
    { فاجتنبوا الرجس من الأوثان }
    [الحج: 30]. وقال ابن عطية: وقوله منهم، لبيان الجنس وليست للتبعيض، لأنه وعد مدح الجميع. وقال ابن جرير: منهم يعني: من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة، فأعاد الضمير على معنى الشطء لا على لفظة. والأجر العظيم: الجنة. وذكر عند مالك بن أنس رجل ينتقص الصحابة، فقرأ مالك هذه الآية وقال: من أصبح بين الناس في قلبه غيظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أصابته هذه الآية، والله الموفق.

  12. #642
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    وقال الالوسي فى الاية الاخيرة

    مِنْ } للبيان مثلها في قوله تعالى:
    { فَظ±جْتَنِبُواْ ظ±لرّجْسَ مِنَ ظ±لأَوْثَـظ°نِ }
    [الحج: 30] وليس مجيئها كذلك مخصوصاً بما إذا كانت داخلة على ظاهره كما توهم صاحب «التحفة الإثني عشرية» في الكلام على قوله تعالى:
    { وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ظ±لأَرْضِ }
    [النور: 55] فقال: حمل { مِنْ } للبيان إذا كان داخلاً على الضمير مخالف لاستعمال العرب، وأنكر ذلك عليه صاحب الترجمة لكن قال: لو ادعى هذا الخلاف في ضميري الخطاب والتكلم لم يبعد.

    ومن مجيئها للبيان داخلة على ضمير الغائب قوله تعالى:
    { لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ }
    [الفتح: 25] عند القائلين بأن ضمير { تَزَيَّلُواْ } للمؤمنين لا للتبعيض كما يقوله الشيعة الزاعمون ارتداد أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أهل بيعة الرضوان وغيرهم، فإن مدحهم السابق بما يدل على الاستمرار التجددي كقوله تعالى: { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } ووصفهم بمايدل على الدوام والثبات كقوله سبحانه: { وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ظ±لْكُفَّارِ } يأبى التبعيض والارتداد الذين زعموه عند من له أدنى إنصاف وشمة من دين، ويزيد زعمهم هذا سقوطاً عن درجة الاعتبار أن مدحهم ذاك قد كتبه الله تعالى في التوراة قبل أن يخلق السمظ°وات والأرض، ولا يكاد عاقل يقبل أنه تعالى أطلق المدح وكتبه لأناس لم يثبت على تلك الصفة إلا قليل منهم، وإذا قلنا: إن هؤلاء الممدوحين هم أهل بيعة الرضوان الذين بايعوه عليه الصلاة والسلام في الحديبية كما يشعر به { وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ } لا سيما على القول بأن السورة بتمامها نزلت عند منصرفه عليه الصلاة والسلام من الحديبية قبل أن يتفرقوا عنه صلى الله عليه وسلم كان سقوط ذلك الزعم أبين وأبين لأن الارتداد الذي يزعمونه كان لترك مبايعة علي كرم الله تعالى وجهه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم بالنص على خلافته بزعمهم ومبايعة أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، وكيف يكون ذاك ارتداداً والله عز وجل حين رضي عنهم علم أنهم يفعلونه، والقول بأنه سبحانه إنما رضي عن مبايعتهم أو عنهم من حيث المبايعة ولم يرض سبحانه عنهم مطلقاً لأجلها خلاف ظاهر الآية، والظاهر ما نفي، ولا يعكر عليه صدور بعض المعاصي من بعضهم بعد وإنما يعكر صدور ما لا يجامع الرضا أصلاً كالارتداد والعياذ بالله تعالى، وبالجملة جعل { مِنْ } للتبعيض ليتم للشيعة ما زعموه مما يأباه الكتاب والسنة وكلام العترة.

    وقال القرطبي

    وليست «مِن» في قوله: «منهم» مبعّضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامة مجنّسة، مثل قوله تعالى:
    { فَظ±جْتَنِبُواْ ظ±لرِّجْسَ مِنَ ظ±لأَوْثَانِ }
    [الحج:0 3] لا يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس، أي فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان، إذ كان الرجس يقع من أجناس شتَّى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب، فأدخل «مِن» يفيد بها الجنس وكذا «منهم»، أي من هذا الجنس، يعني جنس الصحابة. ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم، أي اجعل نفقتك هذا الجنس. وقد يخصص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بوعد المغفرة تفضيلاً لهم، وإن وعد الله جميع المؤمنين المغفرة. وفي الآية جواب آخر: وهو أن «من» مؤكدة للكلام؛ والمعنى وعدهم الله كلَّهم مغفرة وأجراً عظيماً. فجرى مجرى قول العربي: قطعت من الثوب قميصاً؛ يريد قطعت الثوب كله قميصاً. و «من» لم يبعض شيئاً. وشاهد هذا من القرآن
    { وَنُنَزِّلُ مِنَ ظ±لْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ }
    [الإسراء:2 8] معناه وننزل القرآن شفاء؛ لأن كل حرف منه يشفي، وليس الشفاء مختصًّا به بعضه دون بعض. على أن من اللغويين من يقول: «من» مجنسة؛ تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن، ومن جهة القرآن، ومن ناحية القرآن. قال زهير:
    أمن أمّ أوْفَى دِمْنَةٌ لم تَكَلَّم
    أراد من ناحية أمّ أَوْفَى دِمْنَةٌ، أم من منازلها دِمْنَة. وقال الآخر:
    أخُو رغائبَ يعطيها ويسألها يأبَى الظُّلامةَ منه النَّوْفَلُ الزُّفَرُ

    فـ «ـمن» لم تُبَعِّض شيئاً، إذ كان المقصد يأبى الظلامة لأنه نَوْفَلٌ زُفَرُ. والنَّوْفَل: الكثير العطاء. والزُّفَر: حامل الأثقال والمؤن عن الناس.

    الخامسة ـ روى أبو عروة الزبيريّ من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ } حتى بلغ { يُعْجِبُ ظ±لزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ظ±لْكُفَّارَ }. فقال مالك: مَن أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية؛ ذكره الخطيب أبو بكر.

    قلت: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله. فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردّ على الله رَبِّ العالمين، وأبطل شرائع المسلمين؛ قال الله تعالى: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ظ±لْكُفَّارِ } الآية. وقال:
    { لَّقَدْ رَضِيَ ظ±للَّهُ عَنِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ظ±لشَّجَرَةِ }
    [الفتح: 18] إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم، والشهادةَ لهم بالصدق والفلاح؛ قال الله تعالى:
    { رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ظ±للَّهَ عَلَيْهِ }
    [الأحزاب:3 2]. وقال:
    { لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ظ±للَّهِ وَرِضْوَاناً ـ إلى قوله ـ أُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لصَّادِقُونَ }
    [الحشر: 8]، ثم قال عز من قائل:
    { وَظ±لَّذِينَ تَبَوَّءُوا ظ±لدَّارَ وَظ±لإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ـ إلى قوله ـ فَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْمُفْلِحُونَ }
    [الحشر: 9]. وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خَيْرُ الناسِ قَرْنِي ثم الذين يلونهم " وقال: " لا تَسُبُّوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً لم يدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفه " خرجهما البخاري. وفي حديث آخر: " فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مُدّ أحدهم ولا نَصيفه " قال أبو عبيد: معناه لم يدرك مدّ أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد؛ فالنصيف هو النصف هنا. وكذلك يقال لللعُشْر عَشِير، وللخُمس خميس، وللتسع تَسيع، وللثّمن ثَمين، وللسّبع سَبيع، وللسّدس سَدِيس، وللرّبع رَبيع. ولم تقل العرب للثلث ثليث. وفي البَزّار عن جابر مرفوعاً صحيحاً: " إن الله ظ±ختار أصحابي على العالمين سِوى النبيّين والمرسلين وظ±ختار لي من أصحابي أربعة ـ يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ـ فجعلهم أصحابي " وقال: " في أصحابي كلِّهم خير " وروى عُوَيم بن ساعدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله عزّ وجل ظ±ختارني وظ±ختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأختاناً وأصهاراً فمن سَبَّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناسِ أجمعين ولا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً " والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، فَحذَارِ من الوقوع في أحد منهم، كما فعل مَن طعن في الدين فقال: إن الْمُعَوِّذَتَيْن ليستا من القرآن، وما صحّ حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها، فروايته مطّرحة.

    وهذا ردّ لما ذكرناه من الكتاب والسنّة، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من المِلّة. فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجُهَني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما، فهو ممن مدحهم الله ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجراً عظيماً. فمن نسبه أو واحداً من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة، مبطل للقرآن طاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومتى ألحِق واحد منهم تكذيباً فقد سُبّ؛ لأنه لا عار ولا عَيْب بعد الكفر بالله أعظمُ من الكذب، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سَبّ أصحابه؛ فالمكذّب لأصغرهم ـ ولا صغير فيهم ـ داخلٌ في لعنة الله التي شهد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألزمها كلّ مَن سب واحداً من أصحابه أو طعن عليه. وعن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم؛ فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يُقبل هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا هريرة مُتَّهَم فيما يرويه، وصَرّحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونَصَر قولهم فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيره؛ فنظر إليّ الرشيد نظر مُغْضِب، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنّط وتكفّن! فقلت: اللَّهُم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيّك، وأجللت نبيّك أن يطعن على أصحابه، فَسلِّمني منه. فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه؛ بيده السيف وبين يديه النِّطْع؛ فلما بَصُرَ بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقّاني (أحد) من الرد والدفع (لقولي بمثل) ما تلقّيتني به! فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي قلتَه وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وعلى ما جاء به)؛ إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كلّه مردود غير مقبول! فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله؛ وأمر لي بعشرة آلاف درهم.

    قلت: فالصحابة كلّهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخِيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله.

    هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة. وقد ذهبت شِرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم. ومنهم من فرق بين حالهم في بُداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك؛ ثم تغيّرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء؛ فلا بُدّ من البحث. وهذا مردود؛ فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعليّ وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم وزكّاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: { مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }. وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيّهم بإخبارهم لهم بذلك. وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب

    انتهت سورة الفتح

    احب ان انقل قصة جميلة نقلها الشيخ الشعراوى فى تفسير سورة الزخرف ونسي العبد الفقير ان يذكرها وتذكرتها وهى قصة فيها لطيفة عقدية قال الشيخ قطب عصره الولي العارف بالله سيدى الشعراوى مجدد العصر

    { وَهُوَ ظ±لَّذِي فِي ظ±لسَّمآءِ إِلَـظ°هٌ وَفِي ظ±لأَرْضِ إِلَـظ°هٌ وَهُوَ ظ±لْحَكِيمُ ظ±لْعَلِيمُ }

    البعض يظن أن الله تعالى في السماء، فإذا دعاه بصوت عَالٍ ليسمعه. والله سبحانه في كل مكان وفي كل زمان، ليس له مكان يَسَعه ولا زمانٌ يحتويه، لأنه سبحانه خالق الزمان وخالق المكان، والمخلوق لا يسع الخالق. لذلك لا نستعمل أين ولا متى مع الله { وَهُوَ ظ±لَّذِي فِي ظ±لسَّمآءِ إِلَـظ°هٌ وَفِي ظ±لأَرْضِ إِلَـظ°هٌ } الزخرف 84 إذن فهو في كل مكان، وهذه الصفة إله ذاتية فيه سبحانه، وهي صفة كمال لا تفارقه ولا تنفكّ عنه، لا في السماء ولا في الأرض. وكان للمستشرقين وقفة عند هذه الآية بسبب تكرار النكرة { وَهُوَ ظ±لَّذِي فِي ظ±لسَّمآءِ إِلَـظ°هٌ وَفِي ظ±لأَرْضِ إِلَـظ°هٌ } الزخرف 84 فكلمة إله نكرة كُرِّرَت، والقاعدة اللغوية أن النكرة إذا كررتْ كانت الثانية غير الأولى كما لو قلتَ لقيتُ رجلاً، وأكرمتُ رجلاً، فرجل الثانية غير الأولى. أما المعرفة إذا كُررتْ كانت الثانية هي عَيْن الأولى لو قُلت لقيتُ الرجل فأكرمتُ الرجل، إذن هو هو. وهذه القاعدة وضعتْنا في إشكال مع هذه الآية، ومَنْ يقول بإله في السماء وإله آخر في الأرض؟! وفي حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُؤكِّد هذه القاعدة، لأنه حين قرأ
    { فَإِنَّ مَعَ ظ±لْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ظ±لْعُسْرِ يُسْراً }
    الشرح 5-6 قال " ولن يغلب عُسْرٌ يُسْريْنِ " فالعُسْر جاءت معرفة، واليُسْر جاءتْ نكرة. وهذه الآية لها معنا قصة مع الناس الدراويش في المسجد الأحمدي بطنطا، ففي يوم من الأيام جاءنا الشيخ محمود شلتوت وكان شيخاً للأزهر ليزور مدينة طنطا، وجاء المسجد الأحمدي ليصلي، وبعد الصلاة سأله الشيخ أبو العينين وكان أستاذاً للتفسير وقال له الحمد لله يا مولانا أنني وجدتك هنا لأنني في درس التفسير أمس وقفتُ أمام الآية { وَهُوَ ظ±لَّذِي فِي ظ±لسَّمآءِ إِلَـظ°هٌ وَفِي ظ±لأَرْضِ إِلَـظ°هٌ } الزخرف 84 والقاعدة أن النكرة إذا كُرِّرتْ كانت الثانية غير الأولى؟ وبمجرد أنْ بدأ الشيخ شلتوت في الجواب وقال والله العلماء قالوا إن القاعدة أغلبية، وعندها دخل رجل لا نعرفه قبل ذلك ولا عرفناه بعدها، وكان عاريَ الرأس وفي يده عصا، وقال يا علماء أنتم نسيتم اسم الموصول { وَهُوَ ظ±لَّذِي } الزخرف 84 اسم الموصول معرفة وما بعده صلته، إذن الكلمة المكررة صلةٌ لموصول واحد، يعني هو هو، ثم انصرف الرجلُ وجلسنا نحن لم يتكلم منا أحدٌ لمدة نصف ساعة....انتهى

    رحم الله سيدى الشعراوى

    واقول انا العبد الفقير الحقير اسامة خيري ومما من الله به علي حب هذه الطائفة منذ نعومة اظفارى وعلي رأسهم الشيخ الاكبر

  13. #643
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    سورة الحجرات

    قال الماتريدى

    ثم لم يفهموا مما ذكر في قوله: { بَيْنَ يَدَيِ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ } الجوارح ولا العدد في اليد كما فهموا من ذلك في الخلق، فما بالهم يفهمون ذلك من قوله:
    { خَلَقْتُ بِيَدَيَّ }
    [ص: 75] أي: خلقته على علم مني بما يكون منه [من] خلاف أو معصية، لم أخلقه عن جهل بما يكون منه، وهو ما ذكر في قوله - تعالى -:
    { وَظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
    [البقرة: 265] و
    { خَبِيرٌ }
    [البقرة: 234]، أي: عن علم بأحوالهم وما يكون منهم أنشأهم لا عن جهل بذلك، فعلى ذلك هذا، كما فهموا من قوله: { لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ظ±للَّهِ } أمر الله ونهيه دون الجوارح والعدد، والله الموفق....


    وقوله - عز وجل -: { أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } ذكر هذا؛ ليكونوا أبداً متعظين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرين، معظمين له في كل وقت؛ لئلا يكون منهم في وقت من الأوقات ما يجري مجرى الاستخفاف به والتهاون على السهو والغفلة فيحبط ذلك أعمالهم؛ لأن هذا الصنيع برسول الله صلى الله عليه وسلم يكفر صاحبه، ولا يكون معذوراً، وإن فعله على السهو والغفلة؛ لأن له قدرة الاحتراز، وأمكن التحذر، وإن كانوا معذورين فيما بينهم على غير التعمد والقصد، ولا مؤاخذة لهم برفع الله - تعالى - المؤاخذة عنهم فيما بينهم، ولم يرفع في حق النبي - عليه أفضل الصلوات - مع أن الكل في حد جواز المؤاخذة، والله أعلم.

    وذكر الكرابيسي فقال: ومن حكمة الآية عند قوم حبوط الأعمال بالكبائر؛ على ما روي عن الحسن قال: أما يشعر هؤلاء الناس أن عملا يحبط عملا، والله يقول: { يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ... } الآية.

    وقيل: المراد من الآية أن يتأذى بشؤم تلك المعصية إلى أن يهون عليه ارتكاب الكبيرة، يستحقرها حتى يخف عليه الكفر فيكفر؛ فتصير المعصية الأولى - وإن قلت - سبباً لحبوط ثواب أعماله، فإن أساس كل خطيرٍ حقيرٌ.

    ونحن نقول: إن المعصية لا تحبط الطاعة، ولكن هو استخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم، و[نحو] ذلك....

    قال الالوسي


    { أَن تَحْبَطَ أَعْمَـظ°لُكُمْ } تعليل لما قبله من النهيين على طريق التنازع بتقدير مضاف أي كراهة أن تحبط أعمالكم، والمعنى إني أنهاكم عما ذكر لكراهة حبوط أعمالكم بارتكابه أو تعليل للمنهي عنه، وهو الرفع والجهر بتقدير اللام أي لأن تحبط، والمعنى فعلكم ما ذكر لأجل الحبوط منهي عنه، ولام التعليل المقدرة مستعارة للعاقبة التي يؤدي إليها الفعل لأن الرفع والجهر ليس لأجل الحبوط لكنهما يؤديان إليه على ما تعلمه إن شاء الله تعالى، وفرق بينهما بما حاصله أن الفعل المنهي معلل في الأول والفعل المعلل منهي في الثاني وأيهما كان فمرجع المعنى إلى أن الرفع والجهر كلاهما منصوص الاداء إلى حبوط العمل، وقراءة ابن مسعود وزيد بن علي { فتحبط } بالفاء أظهر في التنصيص على أدائه إلى الإحباط لأن ما بعد الفاء لا يكون إلا مسبباً عما قبلها. وقوله تعالى: { وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } حال من فاعل { تَحْبَطَ } ومفعول { تَشْعُرُونَ } محذوف بقرينة ما قبله أي والحال أنتم لا تشعرون أنها محبطة.

    وظاهر الآية مشعر بأن الذنوب مطلقاً قد تحبط الأعمال الصالحة؛ ومذهب أهل السنة أن المحبط منها الكفر لا غير، والأول مذهب المعتزلة ولذا قال الزمخشري: / قد دلت الآية على أمرين هائلين أحدهما أن فيما يرتكب من الآثام ما يحبط عمل المؤمن. والثاني أن في أعماله ما لا يدري أنه محبط ولعله عند الله تعالى محبط.

    وأجاب عن ذلك ابن المنير عليه الرحمة بأن المراد في الآية النهي عن رفع الصوت على الإطلاق، ومعلوم أن حكم النهي الحذر مما يتوقع في ذلك من إيذاء النبـي صلى الله عليه وسلم، والقاعدة المختارة أن إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق فورد النهي عما هو مظنة لأذى النبـي صلى الله عليه وسلم سواء وجد هذا المعنى أو لا حماية للذريعة وحسماً للمادة، ثم لما كان هذا المنهى عنه منقسماً إلى ما يبلغ مبلغ الكفر وهو المؤذي له عليه الصلاة والسلام وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ ولا دليل يميز أحد القسمين عن الآخر لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقاً خوف أن يقع فيما هو محبط للعمل وهو البالغ حد الأذى اذ لا دليل ظاهراً يميزه، وإن كان فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان. وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه: { أَن تَحْبَطَ أَعْمَـظ°لُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } وإلا فلو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري لم يكن لقوله سبحانه: { وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } موقع إذ الأمر منحصر بين أن يكون رفع الصوت مؤذياً فيكون كفراً محبطاً قطعاً وبين أن يكون غير مؤذ فيكون كبيرة محبطة على رأيه قطعاً، فعلى كلا حاليه الإحباط به محقق إذن فلا موقع لإدعام الكلام بعدم الشعور مع أن الشعور ثابت مطلقاً، ثم قال عليه الرحمة: وهذا التقدير يدور على مقدمتين كلتاهما صحيحة.

    إحداهما أن رفع الصوت من جنس ما يحصل به الأذى وهذا أمر يشهد به النقل والمشاهدة حتى أن الشيخ ليتأذى برفع التلميذ صوته بين يديه فكيف برتبة النبوة وما تستحقه من الإجلال والإعظام. ثانيتهما أن إيذاء النبـي صلى الله عليه وسلم كفر وهذا ثابت قد نص عليه أئمتنا وأفتوا بقتل من تعرض لذلك كفراً ولا تقبل توبته فما أتاه أعظم عند الله تعالى وأكبر انتهى.

    وحاصل الجواب أنه لا دليل في الآية على ما ذهب إليه الزمخشري لأنه قد يؤدي إلى الإحباط إذا كان على وجه الإيذاء أو الاستهانة فنهاهم عز وجل عنه وعلله بأنه قد يحبط وهم لا يشعرون. وقيل: يمكن نظراً للمقام أن ينزل إذا هم رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت منزلة الكفر تغليظاً إجلالاً لمجلسه صلوات الله تعالى عليه وسلامه ثم يرتب عليه ما يرتب على الكفر الحقيقي من الإحباط كقوله تعالى: { وَللَّهِ عَلَى ظ±لنَّاسِ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ } إلى قوله سبحانه:
    { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ظ±لله غَنِيٌّ عَنِ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ }
    [آل عمران: 97] ومعنى { وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } عليه وأنتم لا تشعرون أن ذلك بمنزلة الكفر المحبط وليس كسائر المعاصي، ولا يتم بدون الأول. وجاز كما في «الكشف» أن يكون المراد ما فيه استهانة ويكون من باب
    { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لّلْكَـظ°فِرِينَ }
    [القصص: 86] مما الغرض منه التعريض كيف وهو قول منقول عن الحسن كما حكاه في «الكشاف».

    وقال أبو حيان: ((إن كانت الآية بمن يفعل ذلك استخفافاً فذلك كفر يحبط معه العمل حقيقة، وإن كانت للمؤمن الذي يفعله غلبة وجرياً على عادته فإنما يحبط عمله البر في توقير النبـي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك كأنه قيل: مخافة أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها))، ولا يخفى ما في الشق الثاني من التكلف البارد. ((ثم إن من الجهر ما لم يتناوله النهي بالاتفاق وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك مما لا يتخيل منه تأذ أو استهانة، ففي الحديث " أنه عليه الصلاة والسلام قال للعباس بن عبد المطلب لما ولى المسلمون يوم حنين: ناد أصحاب السمرة فنادى بأعلى صوته أين أصحاب السمرة، وكان رجلاً صيتاً "...

    { يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُوغ¤اْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوغ¤اْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىظ° مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }

    واستدل بها على أن من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من ليس بعدل لأن الله تعالى أطلق الفاسق على الوليد بن عقبة فيها، فإن سبب النزول قطعي الدخول وهو صحابـي بالاتفاق فيرد بها على من قال: إنهم كلهم عدول ولا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، وهذا أحد أقوال في المسألة وقد ذهب إليه الأكثر من العلماء السلف والخلف. وثانيهما: أنهم كغيرهم فيبحث عن العدالة فيهم في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهرها أو مقطوعها كالشيخين. وثالثها: أنهم عدول إلى قتل عثمان رضي الله تعالى عنه ويبحث عن عدالتهم من حين قتله لوقوع الفتن من حينئذٍ وفيهم الممسك عن خوضعها. ورابعها: أنهم عدول إلا من قاتل علياً كرم الله تعالى وجهه لفسقه بالخروج على الإمام الحق وإلى هذا ذهبت المعتزلة.

    والحق ما ذهب إليه الأكثرون وهم يقولون: إن من طرأ له منهم قادح ككذب أو سرقة أو زنا عمل بمقتضاه في حقه إلا أنه لا يصر على ما يخل بالعدالة بناءً على ما جاء في مدحهم من الآيات والأخبار وتواتر من محاسن الآثار، فلا يسوغ لنا الحكم على من ارتكب منهم مفسقاً بأنه مات على الفسق، ولا ننكر أن منهم من ارتكب في حياته مفسقاً لعدم القول بعصمتهم وأنه كان يقال له قبل توبته فاسق لكن لا يقال باستمرار هذا الوصف / فيه ثقة ببركة صحبة النبـي صلى الله عليه وسلم ومزيد ثناء الله عز وجل عليهم كقوله سبحانه:
    { وَكَذظ°لِكَ جَعَلْنَـظ°كُمْ أُمَّةً وَسَطًا }
    [البقرة: 143] أي عدولاً وقوله سبحانه:
    { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
    [آل عمران: 110] إلى غير ذلك، وحينئذٍ إن أريد بقوله: إن من الصحابة من ليس بعدل ان منهم من ارتكب في وقت ما ما ينافي العدالة فدلالة الآية عليه مسلمة لكن ذلك ليس محل النزاع، وإن أريد به أن منهم من استمر على ما ينافي العدالة فدلالة الآية عليه غير مسلمة كما لا يخفى فتدبر فالمسألة بعد تتحمل الكلام وربما تقبل زيادة قول خامس فيها....

    قال المانريدى

    ثم قالت المعتزلة في قوله - تعالى -: { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ظ±لإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ظ±لْكُفْرَ } وما ذكر، يقولون: لم يحبب الإيمان إلى هؤلاء إلا وقد حبب مثله إلى جميع الكفار، وكذلك لم يكره الكفر إلى هؤلاء إلا وقد كره [مثله] إلى جميع الناس، لكن المراد تخصيص هؤلاء بما ذكر من التحبيب إليهم الإيمان، وتكريه الكفر هو اختصاصهم بما وعد من الثواب والجزاء الجزيل على الإيمان والمواعيد الشديدة، فحببه وزينه في قلوبهم بما وعد لهم من الثواب، وكره الكفر والعصيان إليهم بما أوعد على ذلك من العذاب العظيم.

    لكن هذا فاسد؛ لأنه ليس مؤمن به صار حب الإيمان في قلبه لما ذكروا من الثواب والجزاء، ولا كافر أسلم حين أسلم يخطر ثواب الإيمان في قلبه حتى يكون إسلامه لذلك؛ بل كان في قلبه بغض الإيمان قبل الإسلام، فإذا أسلم وجد حبه في قلبه، وكراهة الكفر؛ ليعلم أن ذلك يكون بلطف من الله - تعالى - كان عنده، فإذا أعطاه صار ما ذكر، والله أعلم.

    وقال القرطبي

    { وَزَيَّنَهُ } بتوفيقه. { فِي قُلُوبِكُمْ } أي حسّنه إليكم حتى اخترتموه. وفي هذا ردّ على القدرية والإمامية وغيرهم، حسب ما تقدّم في غير موضع. فهو سبحانه المنفرد بخلق ذوات الخلق وخلق أفعالهم وصفاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم، لا شريك له

    وقال الزمخشري المعتزلي

    ومعنى تحبيب الله وتكريهه للطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكتابة كما سبق، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبي عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله؛ وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثني عليهم بفعل الله، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم
    { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ }
    [آل عمران: 188] فإن قلت: فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه، وذلك فعل الله، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود. قلت: الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب، يسفر عن مخبر مرضى وأخلاق محمودة ومن ثم قالوا: أحسن ما في الدميم وجهه، فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته، ولكن لدلالته على غيره، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير: وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة، وما يتشعب منها ويرجع إليها، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل غلطاً ومخالفة عن المعقول و { ظ±لْكُفْرِ } تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود.

    قال الرازى

    قال: { حَتَّىظ° تَفِيء } إشارة إلى أن القتال ليس جزاء للباغي كحد الشرب الذي يقام وإن ترك الشرب، بل القتال إلى حد الفيئة، فإن فاءت الفئة الباغية حرم قتالهم الثالث: هذا القتال لدفع الصائل، فيندرج فيه وذلك لأنه لما كانت الفيئة من إحداهما، فإن حصلت من الأخرى لا يوجد البغي الذي لأجله حلَّ القتال الرابع: هذا دليل على أن المؤمن بالكبيرة لا يخرج عن كونه مؤمناً لأن الباغي جعله من إحدى الطائفتين وسماهما مؤمنين...

    وقال الالوسي

    وظاهر الآية أن الباغي مؤمن لجعل الطائفتين الباغية والمبغي عليها من المؤمنين. نعم الباغي على الإمام ولو جائراً فاسق مرتكب لكبيرة إن كان بغيه بلا تأويل أو بتأويل قطعي البطلان. والمعتزلة يقولون في مثله: إنه فاسق مخلد في النار إن مات بلا توبة، والخوارج يقولون: إنه كافر، والإمامية أكفروا الباغي على علي كرم الله تعالى وجهه المقاتل له واحتجوا بما روي من قوله صلى الله عليه وسلم له: " حربك حربـي " وفيه بحث.

    وقال ابن كثير


    يقول تعالى آمراً بالإصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ ظ±قْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوماً، ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى، ويقول " إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " فكان كما قال صلى الله عليه وسلم، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة

  14. #644
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الالوسي

    ومعنى قوله تعالى: { بِئْسَ ظ±لاسْمُ ظ±لْفُسُوقُ بَعْدَ ظ±لإيمَانِ } بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب التنابز أن يذكروا بالفسق بعد اتصافهم بالإيمان، وهو ذم على اجتماع الفسق وهو ارتكاب التنابز والإيمان على معنى لا ينبغي أن يجتمعا فإن الإيمان يأبى الفسق كقولهم: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة يريدون استقباح الجمع بين الصبوة وما يكون في حال الشباب من الميل إلى الجهل وكبر السن.

    و { ظ±لاسْمُ } هنا بمعنى الذكر من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو اللؤم فلا تأبى هذه الآية حمل ما تقدم على النهي عن التنابز مطلقاً، وفيها تسميته فسوقاً، وقيل: { بَعْدَ ظ±لإِيمَانِ } أي بدله كما في قولك للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة، وفيه تغليظ يجعل التنابز فسقاً مخرجاً عن الإيمان، وهذا خلاف الظاهر. وذِكْرُ الزمخشري له مبني على مذهبه من أن مرتكب الكبيرة فاسق غير مؤمن حقيقة، وقيل: معنى النهي السابق لا ينسبن أحدكم غيره إلى فسق كان فيه بعد اتصافه بضده، ومعنى هذا بئس تشهير الناس وذكرهم بفسق كانوا فيه بعدما اتصفوا بضده، فيكون الكلام نهياً عن أن يقال ليهودي أسلم يا يهودي أو نحو ذلك، والأول أظهر لفظاً وسياقاً ومبالغة، والجملة على كل متعلقة بالنهي عن التنابز على ما هو الظاهر، وقيل: هي على الوجه السابق متعلقة بقوله تعالى: { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } أو بجميع ما تقدم من النهي، وعلى هذا اقتصر ابن حجر في «الزواجر».....

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } يحتمل معنيين: أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فساقاً بالمعصية بعد إيمانكم. والثاني: بئس ما يقول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه. وقال الرماني: هذه الآية تدل على أنه لا يجتمع الفسق والإيمان.

    قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية.

    قال الماتريدى


    قوله - عز وجل -: { قَالَتِ ظ±لأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـظ°كِن قُولُوغ¤اْ أَسْلَمْنَا } هذه الآية وإن خرجت على مخرج العموم، ولكن أراد بها الخاص، وهو بعض الأعراب؛ إذ في الإجراء على العموم يؤدي إلى الكذب في خبر الله - تعالى - عن ذلك؛ إذ لا كل الأعراب قالوا ذلك، ولا كل الأعراب يجب أن يقال لهم: لم تؤمنوا، ولكن يقال لهم: قولوا: أسلمنا، فهو يرجع إلى خاص من الأعراب، فكأنه يرجع إلى أهل النفاق منهم، فإنهم أخبروا أنهم آمنوا، ولما آمنوا فلما أطلع الله - عز وجل - رسوله أنهم لم يؤمنوا، ولكنهم استسلموا وخضعوا للمؤمنين ظاهراً؛ خوفاً من معرة السيف، وطمعاً فيما عند المسلمين من الخير، فنهاهم أن يقولوا: آمنا، إذا لم يكن في قلوبهم ذلك، وأمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: خضعنا واستسلمنا، ليرتفع عنهم السيف.

    ولا يصح الاستدلال بالآية على أن الإسلام والإيمان غيران، فإنه غاير بينهما؛ حيث نهاهم أن يقولوا: آمنا وأمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ولو كانا واحداً لم يصح هذا؛ لأنا نقول: لم يرد بهذا الإسلام هو الإسلام الذي هو الإيمان، ولكن أراد به الاستسلام والانقياد الظاهر، وهو كما يسمى: إسلاماً يسمى: إيماناً - أيضاً - من حيث الظاهر، فأما حقيقة الإيمان والإسلام ترجع إلى واحد؛ لأن الإيمان هو أن يصدق كل شيء في شهادته على الربوبية والوحدانية لله - تعالى - والإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالماً، لا شركة لأحد فيه، فمتى اعتقد أن كل شيء في العالم لله - تعالى - وهو الخالق له، وكل مصنوع شاهد ودليل على صانعه فقد صدقه في شهادته على صانعه، والله الموفق.

    وقوله - عز وجل -: { وَلَمَّا يَدْخُلِ ظ±لإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } الإيمان ليس هو محسوساً مركباً يدخل في القلب أو لا، ولكن معناه: نفى فعل القلب، وهو التصديق؛ كأنه قال: ولم تؤمن قلوبهم؛ على ما ذكر في آية أخرى
    { قَالُوغ¤اْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ }
    [المائدة: 41].

    ثم هاتان الآيتان تنقضان على الكرامية مذهبهم في أن الإيمان لا يكون بالقلب، ولكن باللسان والقول، فإن أهل النفاق قد قالوا ذلك بلسانهم، ثم أخبر أنهم لم يؤمنوا، وهم يقولون: بل قد آمنوا.

    فيقال لهم:
    { أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ظ±للَّهُ }
    [البقرة: 140]،
    { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ظ±للَّهِ تَفْتَرُونَ }
    [يونس: 59]

    وقال ابن جزى


    { قَالَتِ ظ±لأَعْرَابُ آمَنَّا } نزلت في بني أسد بن خزيمة، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة أظهروا الإسلام، وكانوا إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا، فأكذبهم الله في قولهم آمنا وصدقهم لو قالوا أسلمنا، وهذا على أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإسلام هو الانقياد بالنطق بالشهادتين، والعمل بالجوارح فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى، وقد يكونان متفقان، وقد يكون الإسلام أعم من الإيمان فيدخل فيه الإيمان حسبما ورد في مواضع أخر

    وقال ابن كثير

    قَالَتِ ظ±لأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـظ°كِن قُولُوغ¤اْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ظ±لإِيمَـظ°نُ فِي قُلُوبِكُمْ } وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل عليه الصلاة والسلام حين سأل عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه. وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنهما قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً، ولم يعط رجلاً منهم شيئاً، فقال سعد رضي الله تعالى عنه يا رسول الله أعطيت فلاناً وفلاناً ولم تعط فلاناً شيئاً، وهو مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أو مسلم؟ " حتى أعادها سعد رضي الله عنه ثلاثاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أو مسلم؟ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم " إني لأعطي رجالاً، وأدع من هو أحب إلي منهم، فلم أعطه شيئاً مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم " أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به. فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمن والمسلم، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام، وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلماً ليس منافقاً لأنه تركه من العطاء، ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاماً أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما وإبراهيم النخعي وقتادة واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري رحمه الله ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك. ...

    { إِنَّمَا ظ±لْمُؤْمِنُونَ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ بِظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ أُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لصَّادِقُونَ }

    قال المانريدى

    ثم نعتهم فقال: { ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ بِظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ أُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لصَّادِقُونَ } أخبر أن هؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، وأنتم يا أهل النفاق بحيث أضمرتم الخلاف له ولم تجاهدوا معه فلستم بصادقين في إيمانكم، فجعل الجهاد دليل ظهور الصدق في الإيمان، لا أنه من شرائط الإيمان الذي لا يجوز الإيمان الذي دونه...

    ثم [في] قوله - عز وجل -: { بَلِ ظ±للَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ } نقض قول المعتزلة: إنه يجب على الله - تعالى - أن يهديهم؛ لقولهم بالأصلح، فإنه قال: { بَلِ ظ±للَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ } ولو كانت هدايتهم واجبة عليه لا يكون له عليهم منة؛ لأنه مؤد [ما] عليه لهم من الحق، ومن أدى حقّاً عليه لآخر لا يكون له الامتنان على صاحب الحق، وكذلك في قوله - تعالى -:
    { فَضْلاً مِّنَ ظ±للَّهِ وَنِعْمَةً }
    [الحجرات: 8] لو كانت الهداية [واجبة] عليه لا يكون في فعله متفضلا ولا منعماً، بل يكون لهم عليه الامتنان، ومنهم الإفضال والإنعام؛ لما عظموه وبجلوه بشيء كان عليه فعل ذلك حقّاً واجباً لهم؛ فدل على فساد مذهبهم.

    وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب؛ لوجهين:

    أحدهما: لأن هداية البيان مما قد كان في حق الكافر والمسلم جميعاً، فلا معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنة ومثلها موجود في حق غيرهم.

    والثاني: أن البيان قد عم الكافر والمؤمن، وقد أخبر الله - تعالى - بأن له المنة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم، فلو كانت الهداية هي البيان لا غير، لكان لا يشترط فيه شرط صدقهم؛ لأن منة البيان تعم الصادقين وغير الصادقين دل أن المراد من الهداية: الإسلام، حتى تتحقق له المنة على الخصوص في حق المسلمين، والله الموفق.

    ثم الهداية المذكورة - هاهنا - تحتمل وجهين:

    أحدهما: خلق فعل الاهتداء منهم.

    والثاني: التوفيق والعصمة؛ كأنه يقول: بل الله يمن عليكم أن خلق منكم الاهتداء أو وفقكم للإيمان، وعصمكم عن ضده، وكذلك يخرج قوله - تعالى -:
    { وَلَـظ°كِنَّ ظ±للَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ظ±لإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ }
    [الحجرات: 7] على هذين الوجهين: وفقكم له وعصمكم عن ضده، أو خلق حبه في قلوبكم وزينه، والله أعلم.

  15. #645
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    فإن قيل كيف من عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه بيّن أنهم لم يؤمنوا؟ نقول الجواب عنه من ثلاثة أوجه أحدها: أنه تعالى لم يقل: بل الله يمن عليكم أن رزقكم الإيمان، بل قال: { أَنْ هَداكُمْ لإِيمَـظ°نِ } وإرسال الرسل بالآيات البينات هداية ثانيها: هو أنه تعالى يمن عليهم بما زعموا، فكأنه قال أنتم قلتم آمنا، فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار، فقال هداكم في زعمكم ثالثها: وهو الأصح، هو أن الله تعالى بيّن بعد ذلك شرطاً فقال: { إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ }.

    وقال الالوسي

    بَلِ ظ±للَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ } أي ما زعمتم في قولكم
    { آمَنَّا }
    [الحجرات: 14] فلا ينافي هذا قوله تعالى:
    { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ }
    [الحجرات: 14] أو الهداية مطلق الدلالة فلا يلزم إيمانهم وينافي نفي الإيمان السابق.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •