صفحة 41 من 51 الأولىالأولى ... 31373839404142434445 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 601 إلى 615 من 763

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #601
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    سورة غافر

    قال الرازى

    قوله { غَافِرِ ظ±لذَّنبِ } قال الجبائي: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه، ومراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة كان ثوابها أعظم من عقاب هذه المعصية أو ما كان الأمر كذلك فإن كان الأول كانت هذه المعصية صغيرة فيحبط عقابها، وإن كان الثاني كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا بالتوبة، ومذهب أصحابنا أن الله تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة، وهذه الآية تدل على ذكل وبيانه من وجوه الأول: أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة من الأمور الواجبة على العبد، وجميع الأنبياء والأولياء والصالحين من أوساط الناس مشتركون في فعل الواجبات، فلو حملنا كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبق بينه وبين أقل الناس من زمرة المطيعين فرق في المعنى الموجب لهذا المدح وذلك باطل، فثبت أنه يجب أن يكون المراد منه كونه غافر الكبائر قبل التوبة وهو المطلوب الثاني: أن الغفران عبارة عن الستر ومعنى الستر إنما يعقل في الشيء الذي يكون باقياً موجوداً فيستر، والصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها، فمعنى الغفر فيها غير معقول، ولا يمكن حمل قوله { غَافِرِ ظ±لذَّنبِ } على الكبيرة بعد التوبة، لأن معنى كونه قابلاً للتوب ليس إلا ذلك، فلو كان المراد غافر الذنب هذا المعنى لزم التكرار وإنه باطل فثبت أن كونه غافر الذنب يفيد كونه غافراً للذنوب الكبائر قبل التوبة الثالث: أن قوله { غَافِرِ ظ±لذَّنبِ } مذكور في معرض المدح العظيم، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح، وذلك هو كونه غافراً للكبائر قبل التوبة، وهو المطلوب....


    مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل، وليس بواجب على الله، وقالت المعتزلة إنه واجب على الله واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلاً للتوب على سبيل المدح والثناء، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات...


    قوله { إِلَيْهِ ظ±لْمَصِيرُ } وهذه الصفة أيضاً مما يقوي الرغبة في الإقرار بعبوديته، لأنه بتقدير أن يكون موصوفاً بصفات الفضل والكرم وكان واحداً لا شريك له، إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلاً لم يكن الخوف الشديد حاصلاً من عصيانه، أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلاً كان الخوف أشد والحذر أكمل، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الصفات، واحتج أهل التشبيه بلفظة إلى، وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية، والجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب....

    كلمة ربك } أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار، ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشاقوة لازم لا يمكن تغييره، فقالوا إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم وذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان، لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه الكلمة الحقة، ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته، ضرورة أن المتمكن من الشيء يجب كونه متمكناً من كل ما هو من لوازمه، ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا بهذه الآية فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبداً، وذلك تكليف ما لا يطاق، ...

    وقال الالوسي

    و(قابل التوب) لمن تاب فغير مسلم، والتغاير الذي يذكرونه بين موقع الفعلين وهما غفران الذنب وقبول التوبة عنه المقتضي لكون الغفران بالنسبة إلى قوم والقبول بالنسبة إلى آخرين إذ جعلوا موقع الأول الذنب الباقي في الصحائف من غير مؤاخذة وموقع الثاني الذنب الزائل الممحو عنها حاصل مع الإجراء فلا مدخل للواو، ثم ما ذكر من الوجه السابق جار على أصلي أهل السنة والمعتزلة فلا وجه لرده بما ليس بقادح وإيثار ما هو مرجوح، وتقديم الغافر على القابل من باب تقديم التخلية على التحلية فافهم.

    وفي القطع بقبول توبة العاصي قولان لأهل السنة

    وفي «البحر» ((الظاهر من الآية أن توبة العاصي بغير الكفر كتوبة العاصي به مقطوع بقبولها)). وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفاته تعالى الدالة على الرحمة دليل على زيادة الرحمة وسبقها فسبحانه من إله ما أرحمه وأكرمه.....

    قال الرازى

    المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزّه عن أن يكون في العرش، وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية { ظ±لَّذِينَ يَحْمِلُونَ ظ±لْعَرْشَ } وقال في آية أخرى
    { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـظ°نِيَةٌ }
    [الحاقة: 17] ولا شك أن حامل العرش يكون حاملاً لكل من في العرش، فلو كان إلظ°ه العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإلظ°ه العالم فحينئذ يكونون حافظين لإلظ°ه العالم والحافظ القادر أولى بالإلظ°هية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية، فحينئذ ينقلب الإلظ°ه عبداً والعبد إلظ°هاً، وذلك فاسد، فدل هذا على أن إلظ°ه العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام. ....

    فأي فائدة في قوله { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله؟ قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب «الكشاف»، وقد أحسن فيه جداً فقال إن المقصود منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضراً بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجباً للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضراً جالساً هناك، ورحم الله صاحب «الكشاف» فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخراً وشرفاً. ....

    ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر، قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون، وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: " ابدأ بنفسك " وأيضاً قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم
    { فَظ±عْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـظ°هَ إِلا ظ±للَّهُ وَظ±سْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ }
    [محمد: 19] فأمر محمداً أن يذكر أولاً الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، وحكى عن نوح عليه السلام أنه قال:
    { رَّبّ ظ±غْفِرْ لِى وَلِوظ°لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ }
    [نوح: 28] وهذا يدل على أن كل من كان محتاجاً إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره، فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لكان اشتغالهم بالاستغفار لأنفسهم مقدماً على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم، ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار، وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليل قوله تعالى لمحمد عليه السلام { وَظ±سْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر، والله أعلم. المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين، قال وذلك لأن الملائكة قالوا { فَظ±غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَظ±تَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } قال وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر سواء كان مصراً على الفسق أو لم يكن كذلك، لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعاً سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه، وأيضاً إن الملائكة يقولون { وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـظ°تِ عَدْنٍ ظ±لَّتِى وَعَدْتَّهُمْ } وهذا لا يليق بالفاسقين، لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك، فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والجواب أن نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه الأول: قوله { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } والاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب. أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً الثاني: قوله تعالى: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة الثالث: قوله تعالى: { فَظ±غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ } طلب المغفرة للذين تابوا، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة، لأن ذلك واجب على الله عند الخصم، وما كان فعله واجباً كان طلبه بالدعاء قبيحاً، ولا يجوز أيضاً أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر، لأن ذلك أيضاً واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب، لأن ذلك لا يسمى مغفرة، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله { فَظ±غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ } إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق، أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا، فنقول يجب أن يكون المراد منه الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان، وقوله إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائباً ولا متبعاً سبيل الله، قلنا لا نسلم قوله، بل يقال إنه تائب عن الكفر وتابع سبيل الله في الدين والشريعة، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب، ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضارباً وضاحكاً صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه فكذا ههنا....

    قوله { وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } يدل على كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات، وأيضاً فلولا ذلك لم يكن في الدعاء والتضرع فائدة لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء، فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعي أن الله سبحانه يعلمه ويعلم دعاءه وعلى هذا التقدير لا يبقى في الدعاء فائدة ألبتة....

    وقال الالوسي

    والظاهر أن الحمل على حقيقته وحملته ملائكة عظام. أخرج أبو يعلى وابن مردويه بسند صحيح عن أبـي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه الأرض السابعة السفلى والعرش على منكبيه وهو يقول: سبحانك أين كنت وأين تكون " وأخرج أبو داود وجماعة بسند صحيح عن جابر بلفظ " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام "

    ملحوظة

    سبحانك لايقال لك اين كنت واين تكون لانك منزه عن الاين والمكان ونقول للمنكر هل الجارية اعلم عندك من حملة العرش!!!!

    وقال الالوسي

    وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } إيماناً حقيقياً كاملاً، والتصريح بذلك مع الغنى عن ذكره رأساً لإظهار فضيلة الإيمان وإبراز شرف أهله والإشعار بعلة دعائهم للمؤمنين حسبما ينطق به قوله تعالى: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } فإن المشاركة في الإيمان أقوى المناسبات وأتمها وأدعى الدواعي إلى النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس وتباعدت الأماكن، وفيه على ما قيل: إشعار بأن حملة العرش وسكان الفرش سواء في الإيمان بالغيب إذ لو كان هناك مشاهدة للزومها من الحمل بناء على العادة الغالبة أو على أن العرش جسم شفاف لا يمنع الأبصار البتة لم يقل يؤمنون لأن الإيمان هو التصديق القلبـي أعني العلم أو ما يقوم مقامه مع اعتراف وإنما يكون في الخبر ومضمونه من معتقد علمي أو ظني ناشىء من البرهان أو قول الصادق كأنه اعترف بصدق المخبر أو البرهان / وأما العيان فيغني عن البيان، ففي ذلك رمز إلى الرد على المجسمة، ونظيره في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تفضلوني على ابن متى " كذا قيل، وينبغي أن يعلم أن كون حملة العرش لا يرونه عز وجل بالحاسة لا يلزم منه عدم رؤية المؤمنين إياه تعالى في الدار الآخرة....

    وَمَن تَقِ ظ±لسَّيّئَـظ°تِ يَوْمَئِذٍ } أي يوم المؤاخذة { فَقَدْ رَحِمْتَهُ } ويقال على الوجه الأخير ومن تق السيآت يوم العمل أي في الدنيا فقد رحمته في الآخرة وأيد هذا الوجه بأن المتبادر من { يَوْمَئِذٍ } الدنيا لأن إذ تدل على المضي، وفيه منع ظاهر { وَذَظ°لِكَ } إشارة إلى الرحمة المفهومة من { رَحِمْتَهُ } أو إلى الوقاية المفهومة من فعلها أو إلى مجموعهما، وأمر التذكير على الاحتمالين الأولين وكذا أمر الإفراد على الاحتمال الأخير ظاهر { هُوَ ظ±لْفَوْزُ } أي الظفر { ظ±لْعَظِيمُ } الذي لا مطمع وراءه لطامع. هذا وإلى كون المراد بالذين تابوا الذين تابوا من الذنوب مطلقاً ذهب الزمخشري، وقال في السيآت على تقدير حذف المضاف هي الصغائر أو الكبائر المتوب عنها، وذكر أن الوقاية منها للتكفير أو قبول التوبة وأن هؤلاء المستغفر لهم تائبون صالحون مثل الملائكة في الطهارة وأن الاستغفار لهم بمنزلة الشفاعة وفائدته زيادة الكرامة والثواب فلا يضر كونهم موعودين المغفرة والله تعالى لا يخلف الميعاد.

    وتعقب بأنه لا فائدة في ذكر الرحمة والمبالغة فيها إذا كان المغفور له مثل الملائكة عليهم السلام في الطهارة وأي حاجة إلى الاستغفار فضلاً عن المبالغة، وأن ما قاله في السيآت لا يجوز فإن إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة واجب في مذهبه وما كان فعله واجباً كان طلبه بالدعاء عبثاً قبيحاً عند المعتزلة، وكذا إسقاط عقوبة الصغيرة فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن يكون ذلك لزيادة منفعة لأن ذلك لا يسمى مغفرة، حكى هذا الطيبـي عن الإمام ثم قال: فحينئذ يجب القول بأن المراد بالتوبة التوبة عن الشرك كما قال الواحدي فاغفر للذين تابوا عن الشرك واتبعوا سبيلك أي دينك الإسلام.

    فإن قلت لو لم يكن التوبة من المعاصي مراداً لكان يكفي أن يقولوا: فاغفر للذين آمنوا ليطابق السابق، قلت: والله تعالى أعلم هو قريب من وضع المظهر موضع المضمر من غير اللفظ السابق وبيانه إن قوله تعالى:

    رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً فَظ±غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ }
    [غافر: 7] الآية جاء مفصولاًَ عن قوله تعالى:
    { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }
    [غافر: 7] فالآية بيان لكيفية الاستغفار لا لحال المستغفر لهم، ووصفهم المميز يعرف بالذوق، وأما فائدة العدول عن المضمر وأنه لم يقل: فاغفر لهم بل قيل: { لِلَّذِينَ تَابُواْ } فهي أن الملائكة كما عللوا الغفران في حق مفيض الخيرات جل شأنه بالعلم الشامل والرحمة الواسعة عللوا قابل الفيض أيضاً بالتوبة عن الشرك واتباع سبيل الإسلام.

    فإن قلت: هذه التوبة إنما تصح في حق من سبق شركه على إسلامه دون من ولد مسلماً ودام عليه، قلت: الآية نازلة في زمن الصحابة وجلهم انتقلوا من الشرك إلى الإسلام ولو قيل: فاغفر لمن لم يشرك لخرجوا فغلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم على سنن جميع الأحكام انتهى، ولعمري إن للبحث فيه مجالاً أي مجالاً.

    وفي «الكشف» إنما اختار الزمخشري ما اختاره على ما قال الواحدي من أن التوبة عن الشرك لأن التوبة عند الإطلاق تنصرف إلى التوبة من الذنوب مطلقاً على أن فيه تكراراً إذ ذاك لأن التائب عن الشرك هو المسلم، وقد فسر متبع السبيل في هذا القول به وإذا شرط حملة العرش ومن حوله عليهم السلام صلاح التابع وهو الذرية مع ما ورد من قوله تعالى:
    { بِإِيمَـظ°نٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ }
    [الطور: 21] فما بال المتبوع؟ وأنت تعلم أن الصلاح من أخص أوصاف المؤمن وكفاك دعاء إبراهيم ويوسف عليهما السلام في الإلحاق بالصالحين شاهداً، وأما أنهم غير محتاجين إلى الدعاء فجوابه أنه لا يجب أن يكون للحاجة، ألا ترى إلى قولنا: اللهم صل على سيدنا محمد وما ورد فيه من الفضائل والمعلوم حصوله منه تعالى يحسن طلبه فإن الدعاء في نفسه عبادة ويوجب للداعي والمدعو له من الشرف ما لا يتقاعد عن حصول أصل الثواب، ثم إن الوقاية عن السيئات إن كانت بمعنى التكفير وقع الكلام في أن السيئات المكفرة ما هي ولا خفاء أن النصوص دالة على تكفير التوبة للسيئات كلها وأن الصغائر مكفرات ما اجتنبت الكبائر فلا بد من تخصيصها به كما ذكر وإن كان معناها أن يعفى عنها ولا يؤاخذ بها كما هو قول الواحدي ومختار الإمام ومن ائتم به فينبغي أن ينظر أن الوقاية في أي المعنيين أظهر وأن قوله تعالى: { وَمَن تَقِ ظ±لسَّيّئَـظ°تِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ } وما يفيده من المبالغة على نحو من أدرك مرعى الصمان فد أدرك. وتعقيبه بقوله سبحانه: { وَذظ°لِكَ هُوَ ظ±لْفَوْزُ ظ±لْعَظِيمُ } في شأن المقصرين أظهر أو شأن المكفرين، ومن هذا التقرير قد لاح أن هذا الوجه ظاهر هذا السياق وأنه يوافق أصل الفريقين وليس فيه أنه سبحانه يعفو عن الكبائر بلا توبة أو لا يعفو فلا ينافي جوازه من أدلة أخرى إلى آخر ما قال وهو كلام حسن وإن كان في بعضه كحديث التكرار وكون الصلاح في الآية ما هو من أخص أوصاف المؤمن نوع مناقشة.


    وقد يرجح كون المراد بالتوبة التوبة من الذنوب مطلقاً دون التوبة عن الشرك فقط بأن المتبادر من
    { وَقِهِمْ عَذَابَ ظ±لْجَحِيمِ }
    [غافر: 7] وق كل واحد منهم ذلك، ومن المعلوم أنه لا بد من نفوذ الوعيد في طائفة من المؤمنين العاصين وتعذيبهم في النار فيكون الدعاء بحفظ كل من المؤمنين من العذاب محرماً. وقد نصوا على حرمة أن يقال: اللهم اغفر لجميع المؤمنين جميع ذنوبهم لذلك، ولا يلزم ذلك على كون الدعاء للتائبين الصالحين، وحمل الإضافة على العهد بأن يراد بعذاب الجحيم ما كان على سبيل الخلود لا يخفى حاله؛ والاعتراض بلزوم الدعاء بمعلوم الحصول على كون المراد بالتوبة ذلك بخلاف ما إذا أريد بها التوبة عن الشرك فإنه لا يلزم ذلك إذ المعنى عليه فاغفر للذين تابوا عن الشرك ذنوبهم التي لم يتوبوا عنها وغفران تلك الذنوب غير معلوم الحصول قد علم جوابه مما في «الكشف»، على أن كون الغفران للتائب معلوم الحصول خلافاً أشرنا إليه أول السورة. نعم هذا اللزوم ظاهر في قولهم:
    { وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـظ°تِ عَدْنٍ ظ±لَّتِى وَعَدْتَّهُمْ }
    [غافر: 8] ونظير ذلك ما ورد في الدعاء / إثر الأذان «وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته»، وقد أجيب عن ذلك بغير ما أشير إليه أيضاً وهو أن سبق الوعد لا يستدعي حصول الموعود بلا توسط دعاء. وبالجملة لا بأس بحمل التوبة على التوبة من الذنوب مطلقاً ولا يلزم من القول به القول بشيء من أصول المعتزلة فتأمل وأنصف

    وقال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ }.

    هذه أرجى آية للمؤمنين، والآيات التي فيها استغفار الرسل للمؤمنين من نحو قول نوح - عليه السلام - حيث قال:
    { رَّبِّ ظ±غْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَاتِ }
    [نوح: 28] وقول إبراهيم - عليه السلام -:
    { رَبَّنَا ظ±غْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ظ±لْحِسَابُ }
    [إبراهيم: 41]، وما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات إنما هو في الذنوب التي ليس له أن يعذبهم عليها، وهي الصغائر، وليس له أن يغفر الكبائر، ويستدل على ذلك بقوله: { فَظ±غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَظ±تَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } ، إنما أمره أن يستغفر للذي تاب، فأما من لم يتب، ولم يأمره بالاستغفار، فيجب القول بما قلنا؛ عملا بالآيتين.

    لكن نقول نحن: إنه لو كان استغفاره لمن ذكر خاصة لأصحاب الصغائر على ما قالوا، يصير كأنه أمر النبي - عليه السلام - أن يستغفر لهم، ولا يحزن عليهم؛ إذ هم مغفور ذنبهم؛ فيحصل قولهم على ما ذكرنا، وذلك وخش من القول، والله أعلم.

    ثم يجيء أن يكون المعتزلة والخوارج في الظاهر أبعد الخلائق من المعاصي وأقربهم إلى الطاعات، ونحن أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم عن الطاعات؛ لأنهم لا يرون النجاة إلا بأعمالهم ولا يرون برحمة الله، ولا بشفاعة أحد، ولكن بأعمالهم؛ فيجب أن يكونوا أبداً متكلين ملازمين على الطاعات في كل وقت وساعة، لا يعصون الله طرفة عين، ونحن لم نر النجاة بالأعمال، ولكن إنما نرى ذلك برحمة الله تعالى، وبشفاعة من ارتضى بشفاعته؛ فيجب أن نكون معتمدين على رحمة الله وفضله غير مشتغلين بشيء من الطاعات.

    ثم في الحقيقة يجب أن يكونوا هم أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم من الطاعات، ونحن ألزم الخلائق بالطاعات وأبعدهم من المعاصي؛ لأنا نرى عند الله لطائف وفواضل باقية، لم يعطنا ما لو أعطانا لم يصدر منا إلا الخير والطاعات؛ وسلمنا عن المعاصي وأنواع الشرور، وعصمنا؛ فيجب أن نكون متكلين على الطاعات؛ لنصل إلى تلك اللطائف، وهم لا يرون بقي عنده شيء من اللطائف، بل يقولون: قد أعطانا كل شيء حتى لم يبق عنده شيء من مصالح الدين؛ فيجب أن يكونوا ما ذكرنا، والله أعلم.

    ثم قولنا: إن الله تعالى ينجينا برحمته وبشفاعة من جعل له الشفاعة لا بأعمالنا، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:


    " لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله " ، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: " ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته " ، والمعتزلة يقولون: لا، بل ندخل بأعمالنا، وكذلك قول الخوارج.

    وأصل قولنا: إن لله - عز وجل - أن يعذب عباده على جميع المعاصي: على الصغائر والكبائر جميعاً، وله أن يغفر جميع المعاصي سوى الشرك والكفر، على ما ذكرنا من دلائل الآيات وغيرها...

    ثم قوله: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً }.

    لا يمكن العمل بها على قول المعتزلة؛ لأن رحمة الله عندهم لا تسع لذنب واحد، فإنه ليس له أن يعفو عنه؛ فإن عندهم أن من ارتكب كبيرة، ليس له أن يرحمه، ولكن يعاقبه - على زعمهم - خالدا مخلدا، وإذا كان [هذا] قولهم ومذهبهم، فليست رحمته بواسعة بزعمهم.

    ثم يقولون - أيضاً -: إن الله تعالى قد هدى كل كافر وأعطاه ما يهتدي به، لكنه لم يهتد به، وأنه لم يبق عنده ما يهديه به؛ فعلى هذا القول رحمته لا تتسع لهداية الكافر، فإذن رحمة الله بزعمهم على خلاف ما ذكر الله تعالى ووصفها بالسعة، والله الموفق.

    وأما عندنا فهو ما ذكرنا من جمع الكل في ذلك؛ لما ذكرنا أن تلك الرحمة هي الرحمة الدنيوية، أو ما ذكرنا من كون اللطائف عنده من أعطاها اهتدى، والله الموفق.....

  2. #602
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا { رَبَّنَا أَمَتَّنَا ظ±ثْنَتَيْنِ } فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت الذي يحصل عقيبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر، فإن قيل قال كثير من المفسرين الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا، فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك، والذي يدل على أن الأمر ما ذكرناه قوله تعالى:{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوظ°تًا فَأَحْيَـظ°كُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ }
    [البقرة: 28] والمراد من قوله { وَكُنتُمْ أَمْوظ°تًا } الحالة الحاصلة عند كونه نطفة وعلقة وتحقيق الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين أحدهما: إيجاد الشيء ميتاً والثاني: تصيير الشيء ميتاً بعد أن كان حياً كقولك وسع الخياط ثوبي، يحتمل أنه خاطه واسعاً ويحتمل أنه صيره واسعاً بعد أن كان ضيقاً، فلم لا يجوز في هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها ميتة، ولا يكون المراد تصييرها ميتة بعد أن كانت حية. السؤال الثاني: أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة. السؤال الثالث: أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر، وبيانه أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها: في الدنيا، وثانيها: في القبر، وثالثها: في القيامة، والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط، فتكون إحداهما الحياة في الدنيا والحياة الثانية في القيامة والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا. السؤال الرابع: أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة في القبر فههنا ما يدل على عدمه وذلك بالمنقول والمعقول، أما المنقول فمن وجوه الأول: قوله تعالى:
    { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ظ±لَّيْلِ سَـظ°جِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ظ±لأَخِرَةَ وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ }
    [الزمر: 9] فلم يذكر في هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلاً، ولو كان الأمر كذلك لذكره، ولما لم يذكره علمنا أنه غير حاصل الثاني: أنه تعالى حكى في سورة الصافات عن المؤمنين المحقين أنهم يقولون بعد دخولهم في الجنة
    { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ظ±لأولَىظ° }
    [الصافات: 58، 59] ولا شك أن كلام أهل الجنة حق وصدق ولو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين، وذلك على خلاف قوله { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ظ±لأولَىظ° } قالوا والاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية التي ذكرتموها، لأنه الآية التي تمسكنا بها حكاية قول المؤمنين الذين دخلوا الجنة والآية التي تمسكتم بها حكاية قول الكافرين الذين دخلوا النار. وأما المعقول فمن وجوه الأول: وهو أن الذي افترسته السباع وأكلته لو أعيد حياً لكان إما أن يعاد حياً بمجموعة أو بأحاد أجزائه، والأول باطل لأن الحس يدل على أنه لم يحصل له مجموع، والثاني باطل لأنه لما أكلته السباع، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السباع وفي أمعائها، وذلك في غاية الاستبعاد.

    الثاني: أن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل واحد فإنهم يرونه باقياً على موته، فلو جوزنا مع هذه الحالة أنه يقال إنه صار حياً لكان هذا تشكيكاً في المحسوسات، وإنه دخول في السفسطة والجواب قوله لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هي الموتة التي كانت حاصلة حال ما كان نطفة وعلقة؟ فنقول هذا لا يجوز، وبيانه أن المذكور في الآية أن الله أماتهم ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصلاً قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال وهذا بخلاف قوله { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوظ°تًا } لأن المذكور في هذه الآية أنهم كانوا أمواتاً وليس فيها أن الله أماتهم بخلاف الآية التي نحن في تفسيرها، لأنها تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين، وقد بينا أن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق. أما قوله إن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة، قلنا لما ذكروا ذلك لم يكذبهم الله تعالى إذ لو كانوا كاذبين لأظهر الله تكذيبهم، ألا ترى أنهم لما كذبوا في قولهم { وَظ±للَّهِ رَبّنَا مَا كُنا مُشْرِكِينَ } كذبهم الله في ذلك فقال:
    { ظ±نظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ }
    [الأنعام: 23، 24] وأما قوله ظاهر الآية يمنع من إثبات حياة في القبرة إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث مرات لا مرتين، فنقول الجواب عنه من وجوه: الأول: هو أن مقصودهم تعديل أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة، فهذه الأربعة أوقات البلاء والمحنة، فأما الحياة في الدنيا فليست من أقسام أوقات البلاء والمحنة فلهذا السبب لم يذكروها الثاني: لعلهم ذكروا الحياتين: وهي الحياة في الدنيا، والحياة في القيامة، أما الحياة في القبر فأهملوا ذكرها لقلة وجودها وقصر مدتها الثالث: لعلهم لما صاروا أحياء في القبور لم يموتوا بل بقوا أحياء، إما في السعادة، وإما في الشقاوة، واتصل بها حياة القيامة فكانوا من جملة من أرادهم الله بالاستثناء في قوله
    { فَصَعِقَ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَن فِى ظ±لأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ظ±للَّهُ }
    [الزمر: 68] الرابع: لو لم تثبت الحياة في القبر لزم أن لا يحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذباً وهو على خلاف لفظ القرآن، أما لو أثبتنا الحياة في القبر لزمنا إثبات الحياة ثلاث مرات والمذكور في القرآن مرتين، أما المرة الثالثة فليس في اللفظ ما يدل على ثبوتها أو عدمها، فثبت أن نفي حياة القبر يقتضي ترك ما دل اللفظ عليه، فأما إثبات حياة القبر فإنه يقتضي إثبات شيء زائد على ما دل عليه اللفظ مع أن اللفظ لا إشعار فيه بثبوته ولا بعدمه فكان هذا أولى، وأما ما ذكروه في المعارضة الأولى فنقول قوله

    { يَحْذَرُ ظ±لآخِرَةَ }
    [الزمر: 9] تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت في القبر أو في القيامة، وأما المعارضة الثانية فجوابها أنا نرجح قولنا بالأحاديث الصحيحة الواردة في عذاب القبر. وأما الوجهان العقليان فمدفوعان، لأنا إذا قلنا إن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو عبارة عن جسم نوراني سار في هذا البدن كانت الإشكالات التي ذكرتموها غير واردة في هذا الباب، والله أعلم. ...

    وقوله { ظ±لْعَلِىُّ ظ±لْكَبِيرُ } دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقابه لا يكون إلا كذلك، والمشبهة استدلوا بقوله تعالى: { ظ±لْعَلِيُّ } على العلو الأعلى في الجهة، وبقوله { ظ±لْكَبِيرُ } على كبر الجثة والذات، وكل ذلك باطل، لأنا دللنا على أن الجسمية والمكان محالان في حق الله تعالى، فوجب أن يكون المراد من { ظ±لْعَلِىُّ ظ±لْكَبِيرُ } العلو والكبرياء بحسب القدرة والإلهية....

    وقال الالوسي

    فَظ±لْحُكْمُ للَّهِ } الذي لا يحكم إلا بالحق ولا يقضي إلا بما تقتضيه الحكمة { ظ±لْعَلِىِّ ظ±لْكَبِيرِ } المتصف بغاية العلوم نهاية الكبرياء فليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله، ولذا اشتدت سطوته بمن أشرك به واقتضت حكمته خلوده في النار فلا سبيل لخروجكم منها أبداً إذ كنتم مشركين.

    واستدلال الحرورية بهذه الآية على زعمهم الفاسد في غاية السقوط، ويكفي في الرد عليهم قوله تعالى:
    { فَظ±بْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا }
    [النساء: 35] الآية وقوله تعالى:
    { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ }
    [المائدة: 95].

    ملحوظة

    مناظرة الحبر ابن عباس لهم مشهورة

    قال الرازى

    قوله { رَفِيعُ ظ±لدَّرَجَـظ°تِ } واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول::أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة والثاني: رافع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة، فهو سبحانه عين لكل أحد من الملائكة درجة معينة، كما قال:
    { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }
    [الصافات: 164] وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال:
    { يَرْفَعِ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْعِلْمَ دَرَجَـظ°تٍ }
    [المجادلة: 11] وعين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية عنصرية، وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني، وأيضاً جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل، فقال:
    { وَهُوَ ظ±لَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـظ°ئِفَ ظ±لأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـظ°تٍ }
    [الأنعام: 165] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه، وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي، الذي هو أول لكل ما سواه، وليس له أول وآخر لكل ما سواه، وليس له آخر، أما في العلم: فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات، كما قال:
    { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ظ±لْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }
    [الأنعام: 59] وأما في القدرة: فهو أعلى القادرين وأرفعهم، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه، وأما في الوحدانية: فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير، وأقول: الحق سبحانه له صفتان أحدهما: استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني: افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام، وإن فسرناه بالرافع، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته.

    الصفة الثانية: قوله { ذُو ظ±لْعَرْشِ } ومعناه أنه مالك العرش ومدبره وخالقه، واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله { رَفِيعُ ظ±لدَّرَجَـظ°تِ ذُو ظ±لْعَرْشِ } وحملوه على أن المراد بالدرجات، السموات، وبقوله { ذُو ظ±لْعَرْشِ } أنه موجود في العرش فوق سبع سموات، وقد أعظموا الفرية على الله تعالى، فإنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسماً وفي جهة محال، وأيضاً فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه، لأن قوله { ذُو ظ±لْعَرْشِ } لا يفيد إلا إضافته إلى العرش ويكفي في إضافته إليه بكونه مالكاً له ومخرجاً له من العدم إلى الوجود، فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام، والمقصود بيان كمال إلهيته ونفاذ قدرته، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم، كانت دلالته على كمال القدرة أقوى. ...

  3. #603
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    قوله تعالى: { لّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ لِلَّهِ ظ±لْوظ°حِدِ ظ±لْقَهَّارِ } والتقدير يوم ينادي فيه لمن الملك اليوم؟ وهذا النداء في أي الأوقات يحصل فيه قولان: الأول: قال المفسرون إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى: { لّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ }؟ يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول { للَّهِ ظ±لْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } قال أهل الأصول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه الأول: أنه تعالى بيّن أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، والناس في ذلك الوقت أحياء، فبطل قولهم إن الله تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات والأرض والثاني: أن الكلام لا بد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير، أو حال ما لا يحضر الغير، والأول: باطل ههنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل، والثاني: أيضاً باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئاً كالذي يكرر على الدرس وذلك على الله محال، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضاً على الله محال، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضاً على الله محال، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له.

    والقول الثاني: أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى منادٍ { لّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ } فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة { لِلَّهِ ظ±لْوظ°حِدِ ظ±لْقَهَّارِ } فالمؤمنون يقولون تلذذاً بهذا الكلام، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر والندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا، وقال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء، وأقول أيضاً على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى، ولا يبعد أيضاً أن يكون السائل جمعاً من الملائكة والمجيب جمعاً آخرين، الكل ممكن وليس على التعيين دليل،...

    ظ±لْيَوْمَ تُجْزَىظ° كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة: أولها: إثبات الكسب للإنسان والثاني: أن كسبه يوجب الجزاء والثالث: أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين، وقد سبق تقرير هذه الأصول مراراً، ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول: فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه، فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذلك الفعل أو الترك عنه....

    { لاَ ظُلْمَ ظ±لْيَوْمَ } يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة، قال القاضي هذه الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالباً وشاهداً إلا من الله، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم والجواب عنه معلوم..

    ملحوظة

    استدل بعض الاذكياء من لمن الملك اليوم لله علي قدم كلام المولي علي القول ان قائلها رب العالمين لانه بعد فناء الخلق لايبقي مخلوق والاشارة تكفى وسريع الحساب تدل علي ان الله يكلمهم فى وقت واحد ويحاسبهم فى وقت واحد لان كلامه قديم منزه عن الترتيب والتعاقب

    قال القرطبي

    { لِّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ } وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن: هو السائل تعالى وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجبيه فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ظ±لْوَاحِدِ ظ±لْقَهَّارِ }. النحاس: وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر منادٍ ينادي «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم» فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم «لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» فيقول المؤمنون هذا (الجواب) سروراً وتلذذاً، ويقوله الكافرون غماً وانقياداً وخضوعاً. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد؛ لأنه لا فائدة فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل.

    قلت: والقول الأول ظاهر جداً؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدَّعين وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كلّ مَلِك ومُلْكه ومتكبّر وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودلّ على هذا قوله الحق عند قبض (الأرض) والأرواح وطيّ السماء: " «أنا الملِك أين ملوك الأرض» كما تقدّم في حديث أبي هريرة " وفي حديث ابن عمر: ثم يطوي الأرض بشماله (والسموات بيمينه)، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون. وعنه قوله سبحانه: { لِّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ } هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. قال محمد بن كعب قوله سبحانه: { لِّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ } (يكون) بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكاً ولا مملوكاً فيقول: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فلا يجيبه أحد؛ لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول: { لِلَّهِ ظ±لْوَاحِدِ ظ±لْقَهَّارِ } لأنه بقي وحده وقهر خلقه. وقيل: إنه ينادي منادٍ فيقول: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فيجيبه أهل الجنة: { لِلَّهِ ظ±لْوَاحِدِ ظ±لْقَهَّارِ } فالله أعلم. ذكره الزمخشري

    وقال ابن حجر فى فتح البارى

    قال ابن أبي حاتم في " كتاب الرد على الجهمية : وجدت في كتاب أبي عمر نعيم بن حماد قال : يقال للجهمية أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه لله الواحد القهار وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم أفهذا مخلوق انتهى . وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أن الله يخلق كلاما فيسمعه من شاء بأن الوقت الذي يقول فيه لمن الملك اليوم لا يبقى حينئذ مخلوق حيا ، فيجيب نفسه فيقول لله الواحد القهار فثبت أنه يتكلم بذلك وكلامه صفة من صفات ذاته فهو غير مخلوق ، وعن أحمد بن سلمة عن إسحاق ابن راهويه ، قال صح أن الله يقول بعد فناء خلقه لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول لنفسه لله الواحد القهار قال ووجدت في كتاب عند أبي عن هشام بن عبيد الله الرازي قال " إذا مات الخلق ولم يبق إلا الله وقال لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه فيقول لله الواحد القهار " قال فلا يشك أحد أن هذا كلام الله وليس بوحي إلى أحد ؛ لأنه لم تبق نفس فيها روح إلا وقد ذاقت الموت ، والله هو القائل وهو المجيب لنفسه . قلت : وفي حديث الصور الطويل الذي تقدمت الإشارة إليه في أواخر " كتاب الرقاق " في صفة الحشر " فإذا لم يبق إلا الله كان آخرا كما كان أولا طوى السماء والأرض ثم دحاها ثم تلقفهما ثم قال أنا الجبار ثلاثا ثم قال لمن الملك اليوم ثلاثا ثم قال لنفسه لله الواحد القهار " قال الطبري في قوله تعالى يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم يعني يقول الله لمن الملك فترك ذكر ذلك استغناء لدلالة الكلام عليه قال : وقوله لله الواحد القهار ذكر أن الرب جل جلاله هو القائل ذلك مجيبا لنفسه ، ثم ذكر الرواية بذلك من حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه وبالله التوفيق .

  4. #604
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى: { مَا لِلظَّـظ°لِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } قالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا تحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع، ألا ترى أنك إذا قلت ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب وقالت العرب:
    ولا ترى الضب بها ينجحر
    ولفظ الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله، لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالاً من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه الوجه الثاني: في الجواب أن المراد من الظالمين، ههنا الكفار والدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار الذين يجادلون في آيات الله فوجب أن يكون مختصاً بهم، وعندنا أنه لا شفاعة في حق الكفار والثالث: أن لفظ الظالمين، إما أن يفيد الاستغراق، وإما أن لا يفيد فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع لأن بعض هذا المجموع هم الكفار، وليس لهم شفيع فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار، أجاب المستدلون عن السؤال الأول، فقالوا يجب حمل كلام الله تعالى على محمل مفيد وكل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله لأن المطيع أدون حالاً من المطاع، وليس في الوجود شيء أعلى مرتبة من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه وإذا كان هذا المعنى معلوماً بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجاً لها عن الفائدة فوجب حمل الطاعة على الإجابة والذي يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر:


    رب من أنضجت غيظاً صدره قد تمنى لي موتاً لم يطع
    أما السؤال الثاني: فقد أجابوا عنه بأن لفظ الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم، أقصى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أما السؤال الثالث: فجوابه أن قوله { مَا لِلظَّـظ°لِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع يطاع، فهذا تمام كلام القوم في تقرير ذلك الاستدلال. أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا إن القوم كانوا يقولون في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله وكانوا يقولون إنها تشفع لنا عند الله من غير حاجة فيه إلى إذن الله، ولهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله
    { مَن ذَا ظ±لَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }
    [البقرة: 255] فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله إجابة الأصنام في تلك الشفاعة، وهذا نوع طاعة، فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله { مَا لِلظَّـظ°لِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } وأجابوا عن الكلام الثاني بأن قالوا الأصل في حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق، فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع، وكان هناك معهود سابق انصرف إليه، وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار الذين يجادلون في آيات الله، فوجب أن ينصرف إليه وأجابوا عن الكلام الثالث بأن قالوا قوله { مَا لِلظَّـظ°لِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } يحتمل عموم السلب، ويحتمل سلب العموم، أما الأول: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع، وأما الثاني: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن مجموع الظالمين ليس لهم حميم ولا شفيع، ولا يلزم من نفي الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع والذي يؤكد ما ذكرناه قوله تعالى:
    { ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    [البقرة: 6] فقوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون، إن حملناه على أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام الله، لأن كثيراً ممن كفر فقد آمن بعد ذلك، أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق وتخلص عن الخلف، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم ولم نحملها على عموم السلب فكذا قوله { مَا لِلظَّـظ°لِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ } يجب حمله على سلب العموم لا على عموم السلب، وحينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام في هذا الباب

    وقال الالوسي

    { وَمَا ظ±للَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } أي فما فعل سبحانه بهؤلاء الأحزاب لم يكن ظلماً بل كان عدلاً وقسطاً لأنه عز وجل أرسل إليهم رسلهم بالبينات فكذبوهم وتحزبوا عليهم فاقتضى ذلك إهلاكهم، وهذا أبلغ من قوله تعالى:
    { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـظ°مٍ لّلْعَبِيدِ }
    [فصلت: 46] من حيث جعل المنفي فيه إرادة الظلم لأن من كان عن إرادة / الظلم بعيداً كان عن الظلم نفسه أبعد، وحيث نكر الظلم كأنه نفي أن يريد ظلماً ما لعباده، وجوز الزمخشري أن يكون معناه كمعنى قوله تعالى:
    { وَلاَ يَرْضَىظ° لِعِبَادِهِ ظ±لْكُفْرَ }
    [الزمر: 7] أي لا يريد سبحانه لهم أن يظلموا يعني أنه عز وجل دمرهم لأنهم كانوا ظالمين، ولا يخفى أن هذا المعنى مرجوح لفظاً ومعنى، ثم لا حجة فيه للمعتزلة لثبوت الفرق بين أراده منه وأراده له فلو سلم أنه سبحانه لا يريد لهم أن يظلموا لم يلزم أن لا يريده منهم والممتنع عند أهل السنة هو هذا فلا احتياج إلى صرف الآية عن الظاهر عندهم أيضاً

    ملحوظة

    شيء اراده منك اظهره وشيء اراده لك اخفاه وانت مطالب بالذى اظهره لا الذى اخفاه فالطاعة طاعة الامر لا الارادة

    قال الرازى

    ثم قال: { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } أي مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه، قال الكعبي هذه الآية حجة لأهل القدر لأنه تعالى بين كفرهم، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين، فإن الله تعالى لا يضله....

    كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ظ±للَّهِ } والمقت هو أن يبلغ المرء في القوم مبلغاً عظيماً فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وتعسه. وفيه مسائل: المسألة الأولى: في ذمة لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان دلالة على أن الجدال بالحجة حسن وحق وفيه إبطال للتقليد. المسألة الثانية: قال القاضي مقت الله إياهم يدل على أن فعلهم ليس بخلق الله لأن كونه فاعلاً للفعل وماقتاً له محال.المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد يمقت بعض عباده إلا أن ذلك صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب، والله أعلم..

  5. #605
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    وأصحابنا يقولون قوله { كَذَلِكَ يَطْبَعُ ظ±للَّهُ } يدل على أن الكل من الله والمعتزلة يقولون إن قوله { وَكَذظ°لِكَ يَطْبَعُ ظ±للَّهُ عَلَىظ° كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } يدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله لأنه كان في نفسه متكبراً جباراً وعند هذا تصير الآية حجة لكل واحد من هذين الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الذي يخرج عليه الوجهان ما ذهبنا إليه وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب، فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعون إلى الطاعة والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حياً ويكون تعليل الصد عن الدين بكونه متجبراً متكبراً باقياً، فثبت أن هذا المذهب الذي اخترناه في القضاء والقدر هو الذي ينطبق لفظ القرآن من أوله إلى آخره عليه.

    ملحوظة

    الرازى فى المطالب قال الرد علي استدلالات المعتزلة من القران لايترجح الا بمذهبه خاصة وهو القدرة والداعى

    وقال المانريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ }.

    في هذه الآية للمعتزلة نوعُ تعلقٍ؛ يقولون: إن الله تعالى قد أراد من العباد ما يفعلون من أفعال الظلم والجور، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يريد ظلماً للعباد.

    ولكن الآية في التحقيق عليهم؛ لأنه قال في آية أخرى:
    { يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ }
    [آل عمران: 176] أخبر أنه أراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو لم يرد منهم ما يستوجبون به العذاب كان في تعذيبه إياهم ظالما على زعمهم؛ دل أنه أراد منهم ما يستوجبون به العذاب وهو فعل الظلم، والله أعلم.

    ثم تأويل الآية يخرج على وجهين:

    أحدهما: أن الإرادة هي صفة كل فاعل يفعل عن اختيار، فكأنه قال: والله لا يظلم عباده؛ كقوله تعالى:
    { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ }
    [فصلت: 46].

    والثاني: فيه إخبار أنه لا يعاقَبُ أحد بذنب غيره، ولا يؤاخذ بجريمة غيره، ولا يزيد على قدر ما يستحقون به العذاب، أو لا ينقصهم من ثواب حسناتهم شيئاً؛ كقوله تعالى:
    { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ }
    [النساء: 40] وغير ذلك من الآيات ما فيها إخبار أنه لا يجزيهم بأكثر مما يستوجبون ليس على ظن أولئك، والله أعلم.

  6. #606
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى


    اعلم أنه تعالى لما وصف فرعون بكونه متكبراً جباراً بين أنه أبلغ في البلادة والحماقة إلى أن قصد الصعود إلى السموات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج الجمع الكثير من المشبة بهذه الآية في إثبات أن الله في السموات وقرروا ذلك من وجوه الأول: أن فرعون كان من المنكرين لوجود الله، وكل ما يذكره في صفات الله تعالى فذلك إنما يذكره لأجل أنه سمع أن موسى يصف الله بذلك، فهو أيضاً يذكره كما سمعه، فلولا أنه سمع موسى يصف الله بأنه موجود في السماء وإلا لما طلبه في السماء، الوجه الثاني: أنه قال وإني لأظنه كاذباً، ولم يبين أنه كاذب فيماذا، والمذكور السابق متعين لصرف الكلام إليه فكأن التقدير فأطلع إلى الإله الذي يزعم موسى أنه موجود في السماء، ثم قال: { وَإِنّى لأَظُنُّهُ كَـظ°ذِباً } أي وإني لأظن موسى كاذباً في إدعائه أن الإله موجود في السماء، وذلك يدل على أن دين موسى هو أن الإله موجود في السماء الوجه الثالث: العلم بأنه لو وجد إله لكان موجوداً في السماء علم بديهي متقرر في كل العقول ولذلك فإن الصبيان إذا تضرعوا إلى الله رفعوا وجوههم وأيديهم إلى السماء، وإن فرعون مع نهاية كفره لما طلب الإله فقد طلبه في السماء، وهذا يدل على أن العلم بأن الإله موجود في السماء علم متقرر في عقل الصديق والزنديق والملحد والموحد والعالم والجاهل. فهذا جملة استدلالات المشبهة بهذه الآية، والجواب: أن هؤلاء الجهال يكفيهم في كمال الخزي والضلال أن جعلوا قول فرعون اللعين حجة لهم على صحة دينهم، وأما موسى عليه السلام فإنه لم يزد في تعريف إله العالم على ذكر صفة الخلاقية فقال في سورة طه
    { رَبُّنَا ظ±لَّذِى أَعْطَىظ° كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىظ° }
    [طه: 50] وقال في سورة الشعراء
    { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ظ±لأَوَّلِينَ * رَبُّ ظ±لْمَشْرِقِ وَظ±لْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا }
    [الشعراء: 26، 28] فظهر أن تعريف ذات الله بكونه في السماء دين فرعون وتعريفه بالخلاقية والموجودية دين موسى، فمن قال بالأول كان على دين فرعون، ومن قال بالثاني كان على دين موسى، ثم نقول لا نسلم أن كل ما يقوله فرعون في صفات الله تعالى فذلك قد سمعه من موسى عليه السلام، بل لعله كان على دين المشبهة فكان يعتقد أن الإله لو كان موجوداً لكان حاصلاً في السماء، فهو إنما ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه لا لأجل أنه قد سمعه من موسى عليه السلام. وأما قوله { وَإِنّى لأَظُنُّهُ كَـظ°ذِباً } فنقول لعله لما سمع موسى عليه السلام قال: { رَبّ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } ظن أنه عنى به أنه رب السموات، كما يقال للواحد منا إنه رب الدار بمعنى كونه ساكناً فيه، فلما غلب على ظنه ذلك حكى عنه، وهذا ليس بمستبعد، فإن فرعون كان بلغ في الجهل والحماقة إلى حيث لا يبعد نسبة هذا الخيال إليه، فإن استبعد الخصم نسبة هذا الخيال إليه كان ذلك لائقاً بهم، لأنهم لما كانوا على دين فرعون وجب عليهم تعظيمه.

    وأما قوله إن فطرة فرعون شهدت بأن الإله لو كان موجوداً لكان في السماء، قلنا نحن لا ننكر أن فطرة أكثر الناس تخيل إليهم صحة ذلك لا سيما من بلغ في الحماقة إلى درجة فرعون فثبت أن هذا الكلام ساقط....

    ، والذي عندي في تفسير هذه الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من ذكر هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال: إنا لا نرى شيئاً نحكم عليه بأنه إله العالم فلم يجز إثبات هذا الإله، أما إنه لا نراه فلأنه لو كان موجوداً لكان في السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه، ثم إنه لأجل المبالغة في بيان أنه لا يمكنه صعود السموات { قَالَ يظ°هَـظ°مَـظ°نُ ظ±بْنِ لِى صَرْحاً لَّعَـلّى أَبْلُغُ ظ±لأَسْبَـظ°بَ } والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعاً، ونظيره قوله تعالى:
    { فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية }
    [الأنعام: 35] وليس المراد منه أن محمداً صلى الله عليه وسلم طلب نفقاً في الأرض أو وضع سلماً إلى السماء، بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود، فكذا ههنا غرض فرعون من قوله { يظ°هَـظ°مَـظ°نُ ظ±بْنِ لِى صَرْحاً } يعني أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا الطريق ممتنعاً، فحينئذٍ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى فنقول هذا ما حصلته في هذا الباب.

    واعلم أن هذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة الحس والخبر والنظر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحس انتفاء المطلوب، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بيّـن لفرعون أن الطريق في معرفة الله تعالى إنما هو الحجة والدليل كما قال:
    { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ظ±لأَوَّلِينَ * رَّبُّ ظ±لْمَشْرِقِ وَظ±لْمَغْرِبِ }
    [الشعراء: 26، 28] إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل، وألقى إلى الجهال أنه لما كان لا طريق إلا الإحساس بهذا الإله وجب نفيه، فهذا ما عندي في هذا الباب وبالله التوفيق والعصمة. المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أنه تعالى خلق جواهر الأفلاك وحركاتها بحيث تكون هي الأسباب لحدوث الحوادث في هذا العالم الأسفل، واحتجوا بقوله تعالى: { لَّعَـلّى أَبْلُغُ ظ±لأَسْبَـظ°بَ أَسْبَـظ°بَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ } ومعلوم أنها ليست أسباباً إلا لحوادث هذا العالم قالوا ويؤكد هذا بقوله تعالى في سورة ص
    { فَلْيَرْتَقُواْ فِى ظ±لأَسْبَابُ }
    [ص: 10] أما المفسرون فقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: { لَّعَـلّى أَبْلُغُ ظ±لأَسْبَـظ°بَ أَسْبَـظ°بَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ } أن المراد بأسباب السموات طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب كالرشاد ونحوه....

    قوله تعالى: { زُيّنَ } لا بد له من المزين، فقالت المعتزلة: إنه الشيطان، فقيل لهم إن كان المزين لفرعون هو الشيطان، فالمزين للشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم إثبات التسلسل في الشياطين أو الدور وهو محال، ولما بطل ذلك وجب انتهاء الأسباب والمسببات في درجات الحاجات إلى واجب الوجود، وأيضاً فقوله { زُيّنَ } يدل على أن الشيء إن لم يكن في اعتقاد الفاعل موصوفاً بأنه خير وزينة وحسن فإنه لا يقدم عليه، إلا أن ذلك الاعتقاد إن كان صواباً فهو العلم، وإن كان خطأ فهو الجهل، ففاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان، لأن العاقل لا يقصد تحصيل الجهل لنفسه، ولأنه إنما يقصد تحصيل الجهل لنفسه إذا عرف كونه جهلاً، ومتى عرف كونه جهلاً امتنع بقاؤه جاهلاً، فثبت أن فاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان، ولا يجوز أن يكون فاعله هو الشيطان، لأن البحث الأول بعينه عائد فيه، فلم يبق إلا أن يكون فاعله هو الله تعالى، والله أعلم. ويقوي ما قلناه أن صاحب «الكشاف» نقل أنه قرىء { وَزينَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } على البناء للفاعل والفعل لله عزّ وجلّ، ويدل عليه قوله { إِلَىظ° إِلَـظ°هِ مُوسَىظ° ...

    ملحوظة

    عقيدتنا الايمان بظاهر اللفظ فى السماء لا اعتقاد معناه الظاهر فالامرار علي الظاهر مع تفويض المعنى ونفى الكيف

    { مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىظ° إِلاَّ مِثْلَهَا } والمراد بالمثل ما يقابلها في الاستحقاق، فإن قيل كيف يصح هذا الكلام، مع أن كفر ساعة يوجب عقاب الأبد؟ قلنا إن الكافر يعتقد في كفره كونه طاعة وإيماناً فلهذا السبب يكون الكافر على عزم أن يبقى مصراً على ذلك الاعتقاد أبداً، فلا جرم كان عقابه مؤبداً بخلاف الفاسق فإنه يعتقد فيه كونه خيانة ومعصية فيكون على عزم أن لا يبقى مصراً عليه، فلا جرم قلنا إن عقاب الفاسق منقطع. أما الذي يقوله المعتزلة من أن عقابه مؤبد فهو باطل، لأن مدة تلك المعصية منقطعة والعزم على الإتيان بها أيضاً ليس دائماً بل منقطعاً فمقابلته بعقاب دائم يكون على خلاف قوله { مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىظ° إِلاَّ مِثْلَهَا...


    قالت المعتزلة إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً وصاحب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن فلا يدخل في هذا الوعد والجواب: أنا بينا في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى:
    { ظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لْغَيْبِ }
    [البقرة: 3] أن صاحب الكبيرة مؤمن فسقط هذا الكلام، واختلفوا في تفسير قوله { يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } فمنهم من قال لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل بغير حساب، وقال الآخرون لأنه تعالى يعطيهم ثواب أعمالهم ويضم إلى ذلك الثواب من أقسام التفضل ما يخرج عن الحساب.
    وقوله { بِغَيْرِ حِسَابٍ } واقع في مقابلة { إِلاَّ مِثْلَهَا } يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة، وأقول هذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجح على جانب القهر والعقاب، فإذا عارضنا عمومات الوعد بعمومات الوعيد، وجب أن يكون الترجيح بجانب عمومات الوعد وذلك يهدم قواعد المعتزلة...

    وتمسك أصحابنا بقوله تعالى: { وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ظ±للَّهِ } على أن الكل من الله، وقالوا إن المعتزلة الذين قالوا إن الخير والشر يحصل بقدرتهم قد فوضوا أمر أنفسهم إليهم وما فوضوها إلى الله، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية فقالوا إن قوله { أفوض } اعتراف بكونه فاعلاً مستقلاً بالفعل، والمباحث المذكورة في قوله أعوذ بالله عائدة بتمامها في هذا الموضع...

    وقال المانريدى

    والرابع: { وَأُفَوِّضُ أَمْرِيغ¤ إِلَى ظ±للَّهِ } أي: لا أشتغل بشيء في أمري أصيره إلى الله، تعالى.

    وعلى قول المعتزلة لا يصح تفويض الأمر إلى الله تعالى؛ لأنهم يقولون: إن عليه أن يعطيه جميع ما يحتاج إليه المكلف حتى لا يبقى عنده مزيد، وإذا لم يبق عنده شيء، فليس لتفويض الأمر إليه معنى، والله الموفق.

  7. #607
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    أما قوله { ظ±لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر قالوا الآية تقتضي عرض النار عليهم غدواً وعشياً، وليس المراد منه يوم القيامة لأنه قال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ظ±لسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ظ±لْعَذَابِ } ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا لأن عرض النار عليهم غدواً وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا، فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت وقبل يوم القيامة، وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذ ثبت في حقهم ثبت في حق غيرهم لأنه لا قائل بالفرق، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض النصائح عليهم في الدنيا؟ لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب وخوفوهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار، ثم نقول في الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين: الأول: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع، وقوله { يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } يقتضي أن لا يحصل ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين، فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر الثاني: أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدينا، أما في القبر فلا وجود لهما، فثبت بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر والجواب: عن السؤال الأول أن في الدنيا عرض عليهم كلمات تذكرهم أمر النار، لا أنه يعرض عليهم نفس النار، فعلى قولهم يصير معنى الآية الكلمات المذكرة لأمر النار كانت تعرض عليهم، وذلك يفضي إلى ترك ظاهر اللفظ والعدول إلى المجاز، أما قوله الآية تدل على حصول هذا العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز، قلنا لم لا يجوز أن يكتفي في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام القيامة يلقى في النار فيدوم عذابه بعد ذلك، وأيضاً لا يمتنع يأن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام كقوله


    { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً }
    [مريم: 62] أما قوله إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية، قلنا لم لا يجوز أن يقال إن عند حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب؟ والله أعلم. ...

    فإذا عرف الكفار أن الأمر كذلك استغاثوا بهم، فأولئك الملائكة يقولون لهم { أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِظ±لْبَيّنَـظ°تِ } والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه


    { مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ }
    [المائدة: 19] أما بعد مجيء الرسل فلم يبق عذر ولا علة كما قال تعالى:
    { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىظ° نَبْعَثَ رَسُولاً }
    [الإسراء: 15] وهذه الآية تدل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع...

    وقال القرطبي

    ثم بين العذاب فقال: { ظ±لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } وفيه ستة أوجه: يكون رفعاً على البدل من «سُوءُ». ويجوز أن يكون بمعنى هو النار. ويجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء. وقال الفراء: يكون مرفوعاً بالعائد على معنى النار عليها يعرضون، فهذه أربعة أوجه في الرفع، وأجاز الفراء النصب؛ لأن بعدها عائداً وقبلها ما يتصل به، وأجاز الأخفش الخفض على البدل من «الْعَذَابِ». والجمهور على أن هذا العرض في البرزخ. واحتج بعض أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله: { ظ±لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } ما دامت الدنيا. كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: { وَيَوْمَ تَقُومُ ظ±لسَّاعَةُ أَدْخِلُوغ¤اْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ظ±لْعَذَابِ }. وفي الحديث عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. وعنه أيضاً: إن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها. وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن (مهران) يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله وعُرِضَ آلُ فرعون على النار. فإذا أمسى نادى: أمسينا والحمد لله وعُرِض آلُ فرعون على النار؛ فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوّذ بالله من النار. وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الكافر إذا مات عُرِض على النار بالغداة والعشيّ»ثم تلا { ظ±لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } وإن المؤمن إذا مات عُرِض روحه على الجنة بالغَدَاة والعشي» " وخرّج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشيّ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " قال الفراء: في الغداة والعشيّ بمقادير ذلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. قال: «غُدُوًّا وَعَشِيًّا» قال: من أيام الدنيا. وقال حماد بن محمد الفزاريّ: قال رجل للأوزاعي رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب، بيضاً صغاراً فَوْجاً لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشاء رجعت مثلها سوداً.

    قال: تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدوّاً وعشيا، فترجع إلى أوكارها وقد احترقت رياشها وصارت سوداً، فينبت عليها من الليل رياشها بيضاً وتتناثر السود، ثم تغدو فتعرض على النار غدوّاً وعشيا، ثم ترجع إلى وَكْرها فذلك دأبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: { أَدْخِلُوغ¤اْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ظ±لْعَذَابِ } وهو الهاوية. قال الأوزاعي: فبلغنا أنهم ألفا ألف وستمائة ألف. و«غُدُوًّا» مصدر جعل ظرفاً على السعة. و«عَشِيًّا» عطف عليه وتم الكلام. ثم تبتدىء «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ» على أن تنصب يوماً بقوله: { أَدْخِلُوغ¤اْ } ويجوز أن يكون منصوباً بـ«ـيُعْرَضُونَ» على معنى «يُعْرَضُونَ» على النار في الدنيا «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ» فلا يوقف عليه. وقرأ نافع وأهل المدينة وحمزة والكسائي: «أَدْخِلُوا» بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل وهي اختيار أبي عبيد؛ أي يأمر الله الملائكة أن يدخلوهم، ودليله { ظ±لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا }. الباقون «ادْخُلُوا» بوصل الألف وضم الخاء من دخل أي يقال لهم: «ادْخُلُوا» يا «آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» وهو اختيار أبي حاتم. قال: في القراءة الأولى: «آل» مفعول أول و«أَشَدَّ» مفعول ثان بحذف الجر، وفي القراءة الثانية منصوب؛ لأنه نداء مضاف. وآل فرعون: من كان على دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك. وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن العبد يولد مؤمناً ويحياً مؤمناً ويموت مؤمناً منهم يحيـى بن زكريا ولد مؤمناً وحيي مؤمناً ومات مؤمناً وإن العبد يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً منهم فرعون ولد كافراً وحيي كافراً ومات كافراً " ذكره النحاس. وجعل الفرّاء في الآية تقديماً وتأخيراً مجازه: «أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ». «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا» فجعل العرض في الآخرة، وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدّم. والله أعلم.

    وقال ابن كثير

    وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله تعالى { ظ±لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً }. ولكن هنا سؤال، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، وقد قال الإمام أحمد حدثنا هاشم، هو ابن القاسم أبو النضر، حدثنا إسحاق بن سعيد، هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، حدثنا سعيد، يعني أباه، عن عائشة رضي الله عنها أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة رضي الله عنها إليها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهودية وقاك الله عذاب القبر، قالت رضي الله عنها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي، فقلت يا رسول الله، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم


    " لا، من زعم ذلك؟ " قالت هذه اليهودية، لا أصنع إليها شيئاً من المعروف إلا قالت وقاك الله عذاب القبر، قال صلى الله عليه وسلم " كذبت يهود، وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة " ثم مكث بعد ذلك أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملاً بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته " القبر كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، بكيتم كثيراً، وضحكتم قليلاً، أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق " وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. وروى أحمد حدثنا يزيد، حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت سألتها امرأة يهودية، فأعطتها، فقالت لها وقاك الله من عذاب القبر، فأنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم قالت له، فقال صلى الله عليه وسلم " لا " قالت عائشة رضي الله عنها ثم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك " وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم " وهذا أيضاً على شرطهما. فيقال فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها دلالة على عذاب البرزخ؟ والجواب أن الآية دلت على عرض الأرواح على النار غدواً وعشياً في البزرخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصاً بالروح، فأما حصول ذلك للجسد في البرزخ، وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب. ومما يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وعندها امراة من اليهود، وهي تقول أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم؟ فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " إنما يفتن يهود " قالت عائشة رضي الله عنها فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ألا إنكم تفتنون في القبور " وقالت عائشة رضي الله عنها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ يستعيذ من عذاب القبر، وهكذا رواه مسلم عن هارون بن سعيد وحرملة، كلاهما عن ابن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به. وقد يقال إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل في الأجساد في قبورها، فلما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك بخصوصه استعاذ منه، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقد روى البخاري من حديث شعبة عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن يهودية دخلت عليها، فقالت نعوذ بالله من عذاب القبر، فسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال صلى الله عليه وسلم " نعم عذاب القبر حق " قالت عائشة رضي الله عنها فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر. فهذا يدل على أنه بادر صلى الله عليه وسلم إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه، وفي الأخبار المتقدمة أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله سبحانه أعلم، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جداً...

    وقال الإمام أحمد حدثنا إسحاق، حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل إليه يوم القيامة " أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به.

  8. #608
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    واعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالاً، فقال { لَخَلْقُ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ظ±لنَّاسِ } والقادر على الأكبر قادر على الأصغر لا محالة، وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أقسام أحدها: أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد وثانيها: أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله، فهذا استدلال حق لما ثبت في العقول أن حكم الشيء حكم مثله وثالثها: أن يقال لما قدر على الأقوى الأكمل فبأن يقدر على الأقل الأرذل كان أولى، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل ألبتة، ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السمظ°وات والأرض هو الله سبحانه وتعالى، ويعلمون بالضرورة أن خلق السمظ°وات والأرض أكبر من خلق الناس وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السمظ°وات والأرض يكون قادراً على إعادة الإنسان الذي خلقه أولاً، فهذا برهان جلي في إفادة هذا المطلوب، ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منهم الذين ينكرون الحشر والنشر، فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة، بل بمجرد الحسد والجهل والكبر والتعصب،

    ملحوظة

    القرآن رد علي الشبهات فى

    الالوهية دلائل نفس وافاق

    النبوات

    الحشر والميعاد

    لذلك تجدها كثيرا متعاقبة فى الايات

    قال الرازى

    وأما قوله { وَظ±لنَّهَـارَ مُبْصِـراً } فاعلم أن الإنسان مدني بالطبع، ومعناه أنه ما لم يحصل مدينة تامة لم تنتظم مهمات الإنسان في مأكوله ومشروبه وملبسه ومنكحه، وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة، وتلك الأعمال تصرفات في أمور، وهذه التصرفات لا تكمل إلا بالضوء والنور حتى يميز الإنسان بسبب ذلك النور بين ما يوافقه وبين ما لا يوافقه، فهذا هو الحكمة في قوله { وَظ±لنَّهَـارَ مُبْصِـراً } فإن قيل كان الواجب بحسب رعاية النظم أن يقال هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه، أو فجعل لكم الليل ساكناً ولكنه لم يقل كذلك بل قال في الليل لتسكنوا فيه، وقال في النهار مبصراً فما الفائدة فيه؟ وأيضاً فما الحكمة في تقديم ذكر الليل على ذكر النهار مع أن النهار أشرف من الليل؟ قلنا: أما الجواب عن الأول: فهو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات، أما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات، وقد بيّن الشيخ عبد القاهر النحوي في «دلائل الإعجاز» أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليهما، فهذا هو السبب في هذا الفرق، والله أعلم، وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود، ولهذا السبب قال في أول سورة الأنعام

    وَجَعَلَ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ وَظ±لنُّورَ }
    [الأنعام: 1]

    ملحوظة

    للقرطبي لطيفة فى ايه الانعام قال

    الرابعة ـ قوله تعالى: { وَجَعَلَ ظ±لظُّلُمَاتِ وَظ±لنُّورَ } ذكر بعد خلق الجواهر خلق الأعراض لكون الجوهر لا يستغنى عنه، وما لا يستغنى عن الحوادث فهو حادث. والجوهر في ظ±صطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعَرَض؛ وقد أتينا على ذكره في الكتاب الأسْنَى في شرح أسماء الله الحسنى في ظ±سمه «الواحد». وسمى العَرَض عَرَضا؛ لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من حال إلى حال، والجسم هو المجتمع، وأقل ما يقع عليه ظ±سم الجسم جوهران مجتمعان؛ وهذه الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأوّل فقد دل عليها معنى الكتاب والسنة فلا معنى لإنكارها. وقد ظ±ستعملها العلماء واصطلحوا عليها، وبَنَوا عليها كلامهم، وقَتلوا بها خصومهم، كما تقدّم في «البقرة».

    وقال المانريدى

    وقوله: { هُوَ ظ±لَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ }.

    أي: وهو الذي يخلق حياة كل شيء ويخلق موت كل شيء، وعلى قول المعتزلة: يجوز أن يسمى كل عبد: محييا مميتاً؛ لقولهم: إن القتيل ليس بميت بأجله، بل ميتة القاتل، وقولهم: إن المتولدات من الفعل هي فعل ذلك الفاعل؛ فعلى قولهم هذا يجوز تسمية كل أحد: محيياً مميتاً.

    ملحوظة

    مبحث التولد والرد عليه فى علم الكلام

    وقال الالوسي

    فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } من غير توقف على شيء من الأشياء أصلاً. وهذا عند الخلف تمثيل لتأثير قدرته تعالى في المقدورات عند تعلق إرادته سبحانه بها وتصوير لسرعة ترتب المكونات على تكوينه من غير أن يكون هناك آمر ومأمور وقد تقدم الكلام في ذلك. والفاء الأولى / للدلالة على أن ما بعدها من نتائج ما قبلها من حيث إنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد، وجوز فيها كونها تفصيلية وتعليلية أيضاً فتدبر.

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ } قال القاضي: معناه أنه يضلهم عن طريق الجنة، إذ لا يجوز أن يقال يضلهم عن الحجة إذ قد هداهم في الدنيا إليها، وقال صاحب «الكشاف» { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ } مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم، حتى أنهم لو طلبوا الآلهة أو طلبتم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر

    وقال القرطبي


    قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيغ¤ آيَاتِ ظ±للَّهِ أَنَّىظ° يُصْرَفُونَ } قال ابن زيد: هم المشركون بدليل قوله: { ظ±لَّذِينَ كَذَّبُواْ بِظ±لْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا }. وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدَر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نزلت هذه الآية في القدَرِية " ذكره المهدوي.

    وقال المانريدى

    وهذه الآية تدل على نقض قول الباطنية؛ فإنهم يقولون: إن أنفس الرسل جواهر روحانية يأتون بها الآية حيث شاءوا وكيف شاءوا، فكان للرسل عندهم بسبب الجواهر الروحانية التي فيهم - قدرةُ إتيانِ الآيات كيف شاءوا من غير إذن من الله تعالى، ومن غير سؤال منهم إياه في وقت الإتيان، ولو كان الأمر على ما قالوا لم يكن لقوله: { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ظ±للَّهِ } معنى، وأنه مخالف للآية؛ فإن فيها إخباراً: أنه لا يأتي الرسل بالآيات إلا بإذن من الله تعالى، والله الموفق....

    ثم قال هاهنا: { جَعَلَ لَكُمُ ظ±لأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } ، ذكرهم أولا بدء إنشائهم حيث خلقهم من تراب ثم من نطفة... إلى آخر ما ذكر.

    وفيه دلالة وحدانيته وعلمه وتدبيره وقدرته، ثم ذكرهم من بعد نعمه... إلى آخره؛ يستأدي بذلك شكره وحمده على ذلك، هذا وجه.

    والثاني: يذكرهم أنه إنما أنشأ هذه الأشياء التي ذكرها وعدّها عليهم للبشر، لم ينشئها لأنفسها، كأنه يقول - والله أعلم -: قد أنشأت هذه الأشياء لكم تنتفعون بها وتستعملونها كيف شئتم، فما بالكم أشد إنكاراً وكفراً بالنعمة من غيركم من العالم، وسائر العالم أشد خضوعاً واستسلاماً لنعمه والقيام بشكرها له؟!

    ثم في الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله تعالى أن يؤلم طفلا ونعما إلا بعوض يعوضها، ثم لا شك أن ما سخر من الأنعام والدواب للبشر، ومكن لهم استعمالها والانتفاع بها أنواع المنافع؛ أنها تتأذى وتتألم بذلك؛ فيجب على قولهم: ألا يكون لله تعالى أن يؤلم إلا بعوض ترضى به هذه الأشياء؛ إذ هكذا حكم كل مجعول بعوض أن يشترط رضا أربابها في العوض، وإذا لم تكن هذه الأشياء من أهل الرضاء بحيث ألا يجوز التعويض؛ فدل أن ذلك بناء على ما قلنا من أن الأصلح ليس بواجب، والله الموفق.

  9. #609
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    وقال الالوسي

    وقال الزمخشري: إن الركوب وبلوغ الحاجة يصح أن يكونا غرض الحكيم جل شأنه لما فيهما من المنافع الدينية كإقامة دين وطلب علم واجب أو مندوب فلذا جىء فيهما باللام بخلاف الأكل وإصابة المنافع فإنهما من جنس المباحات التي لا تكون غرض الحكيم. وهو مبني على مذهبه من الربط بين الأمر والإرادة ولا يصح أيضاً لأن المباحات التي هي نعمة تصح أن تكون غرض الحكيم جل جلاله عندهم، ويا ليت شعري ماذا يقول في قوله تعالى:
    { هُوَ ظ±لَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ظ±لَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ }
    [يونس: 67] نعم لو ذكر أنه لاشتماله على الغرض الديني كان أنسب بدخول اللام لكان وجهاً إن تم.

    ملحوظة

    الرازى اشار لكلام الزمخشري ولم يلمح لاى مغزى عقدى

  10. #610
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    سورة فصلت

    قال الرازى

    واعلم أنه تعالى حكم على السورة المسماة بحظ°م بأشياء أولها: كونه تنزيلاً والمراد المنزّل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور، يقال هذا بناء الأمير أي مبنيه، وهذا الدرهم ضرب السلطان أي مضروبه، والمراد من كونها منزلاً أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ وأمر جبريل عليه السلام بأن يحفظ تلك الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه، فلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلاً وثانيها: كون التنزيل من الرحمظ°ن الرحيم، وذلك يدل على كون التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن يكون مناسباً لتلك الصفة، فكونه تعالى رحماناً رحيماً صفتان دالتان على كمال الرحمة، فالتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالاً على أعظم وجوه النعمة، والأمر في نفسه كذلك، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والزمنى والمحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم عند الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم ....

    ملحوظة

    سؤال مهم كيف تلقي سيدنا جبريل القرآن؟؟؟

    نستكمل مع الرازى

    القائلون بخلق القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول: أنه وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً والمنزل والتنزيل مشعر بالتصيير من حال، فوجب أن يكون مخلوقاً الثاني: أن التنزيل مصدر والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين الثالث: المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق أو المكتوب الذي هو المفعول الرابع: أن قوله { فُصّلَتْ } يدل على أن متصرفاً يتصرف فيه بالتفصيل والتمييز، وذلك لا يليق بالقديم الخامس: أنه إنما سمي قرآناً لأنه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل السادس: وصفه بكونه عربياً، وإنما صحت هذه النسبة لأجل أن هذه الألفاظ إنما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم، وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بدّ وأن يكون محدثاً ومخلوقاً الجواب: أن كل هذه الوجوه التي ذكرتموها عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات، وهي عندنا محدثة مخلوقة، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر سوى هذه الألفاظ، والله أعلم. المسألة الثانية: ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية، فأما حملها على معان أُخر لا بهذا الطريق فهذا باطل قطعاً، وذلك مثل الوجوه التي يذكرها أهل الباطن، مثل أنهم تارة يحملون الحروف على حساب الجمل وتارة يحملون كل حرف على شيء آخر، وللصوفية طرق كثيرة في الباب ويسمونها علم المكاشفة والذي يدلل على فساد تلك الوجوه بأسرها قوله تعالى: { قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } وإنما سماه عربياً لكونه دالاً على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم، وذلك يدل على أن دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة، وأن ما سواه فهو باطل....

    المسألة الرابعة: قالت المعتزلة لفظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج ألفاظ شرعية لا لغوية، والمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى، وعندنا أن هذا باطل، وليس للشرع تصرف في هذه الألفاظ عن مسمياتها إلا من وجه واحد، وهو أنه خصص هذه الأسماء بنوع واحد من أنواع مسمياتها مثلاً، الإيمان عبارة عن التصديق فخصصه الشرع بنوع معين من التصديق، والصلاة عبارة عن الدعاء فخصصه الشرع بنوع معين من الدعاء، كذا القول في البواقي ودليلنا على صحة مذهبنا قوله تعالى: { قُرْءاناً عَرَبِيّاً } ، وقوله { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ...


    المسألة السادسة: قوله { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يعني إنما جعلناه { عَرَبِيّاً } لأجل أن يعلموا المراد منه، والقائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح والحكم، تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنها تدل على أنه إنما جعله { عَرَبِيّاً } لهذه الحكمة، فهذا يدل على أن تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه جائز. المسألة السابعة: قال قوم القرآن كله غير معلوم بل فيه ما يعلم وفيه ما لا يعلم، وقال المتكلمون لا يجوز أن يحصل فيه شيء غير معلوم، والدليل عليه قوله تعالى: { قرءاناً عربياً لقوم يعلمون } يعني إنما جعلناه عربياً ليصير معلوماً والقوم بأنه غير معلوم يقدح فيه. المسألة الثامنة: قوله تعالى: { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } يدل على أن الهادي من هداه الله وأن الضال من أضله الله وتقريره أن الصفات التسعة المذكورة للقرآن توجب قوة الاهتمام بمعرفته وبالوقوف على معانيه، لأنا بينا أن كونه نازلاً من عند الإلظ°ه الرحمظ°ن الرحيم يدل على اشتماله على أفضل المنافع وأجل المطالب، وكونه { قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } مفصلاً يدل على أنه في غاية الكشف والبيان،وكونه { بَشِيراً وَنَذِيراً } يدل على أن الاحتياج إلى فهم ما فيه من أهم المهمات، لأن سعي الإنسان في معرفة ما يوصله إلى الثواب أو إلى العقاب من أهم المهمات، وقد حصلت هذه الموجبات الثلاثة في تأكيد الرغبة في فهم القرآن وفي شدة الميل إلى الإحاطة به، ثم مع ذلك فقد أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه ونبذوه وراء ظهورهم، وذلك يدل على أنه لا مهدي إلا من هداه الله، ولا ضال إلا من أضله الله. ...

    لاَ يُؤْتُونَ ظ±لزَّكَوظ°ةَ } أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم: لا إله إلا الله، وهو مأخوذ من قوله تعالى:
    { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا }
    [الشمس: 7] الثالث: قال الفرّاء: إن قريشاً كانت تطعم الحاج، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية: احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين أحدهما: كونه مشركاً والثاني: أنه لا يؤتي الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيراً عظيماً في زيادة الوعيد، وذلك هو المطلوب. المسألة الثالثة: احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر، فقال إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر، وهو قوله { فَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ } وذكر أيضاً بعدها ما يوجب الكفر، وهو قوله { وَهُمْ بِظ±لآخِرَةِ هُمْ كَـظ°فِرُونَ } فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفراً لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحاً، لأن الكلام إنما يكون فصيحاً إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم بكفر مانعي الزكاة والجواب: لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهما حاصلان عند عدم إيتام الزكاة، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة، والله أعلم...

    والمختار عندى أي يقال خلق السموات مقدم على خلق الأرض، بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية؟ فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، والدليل عليه قوله
    { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال كن فيكون }
    [آل عمران:59] فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لكان تقدير الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال، لأنه يلزم أنه تعالى قد قال للشيء الذي وجد كن ثم إنه يكون وهذا محال، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، بل هو عبارة عن التقدير، والتقدير حق الله تعالى هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه بذلك، وإذا ثبت هذا فنقول قوله { خَلَقَ ظ±لأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } معناه أنه قضى بحدوثه في يومين، وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا، لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال، فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء، ولا يلزم منه تقدم إحداث الأرض على إحدث السماء، وحينئذٍ يزول السؤال، فهذا ما وصلت إليه في هذه الموضع المشكل. ...

    قال الالوسي

    روى الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن قال: هات ما اختلف عليك من ذلك فقال: أسمع الله تعالى يقول:
    { أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لأَرْضَ }
    [فصلت: 9] حتى بلغ
    { طَائِعِينَ }
    [فصلت: 11] فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال سبحانه في الآية الأخرى:
    { أَمِ ظ±لسَّمَاءُ بَنَـظ°هَا }
    [النازعات: 27] ثم قال
    { وَظ±لأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـظ°هَا }
    [النازعات: 30] فبدأ جل شأنه بخلق السماء قبل خلق الأرض. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أما خلق الأرض في يومين فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً فسواهن سبع سمظ°وات في يومين بعد خلق الأرض، وأما قوله تعالى: { وَظ±لأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـظ°هَا } يقول جعل فيها جبلاً وجعل فيها نهراً وجعل فيها شجراً وجعل فيها بحوراً انتهى....

    ولا يخفى أن قول ابن عباس / السابق نص في أن جعل الجبال في الأرض بعد خلق السماء وهو ظاهر آية النازعات إذ كان { بَعْدَ ذَلِك } معتبراً في قوله تعالى:
    { وَظ±لْجِبَالَ أَرْسَـظ°هَا }
    [النازعات: 32] وآية حم السجدة ظاهرة في أن جعل الجبال قبل خلق السمظ°وات، ثم إن رواية ابن جرير المذكورة عنه مخالفة لخبر مسلم " عن أبـي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله تعالى التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل " واستدل في «شرح المهذب» بهذا الخبر على أن السبت أول أيام الأسبوع دون الأحد ونقله عن أصحابه الشافعية وصححه الأسنوي وابن عساكر، وقال العلامة ابن حجر: هو الذي عليه الأكثرون وهو مذهبنا يعني الشافعية كما في «الروضة» وأصلها بل قال السهيلي في «روضه» لم يقل بأن أوله الأحد إلا ابن جرير، وجرى النووي في موضع على ما يقتضي أن أوله الأحد فقال: في يوم الإثنين سمي به لأنه ثاني الأيام. وأجيب بأنه جرى في توجيه التسمية المكتفى فيه بأدنى مناسبة على القول الضعيف. وانتصر القفال من الشافعية لكون أوله الأحد بأن الخبر المذكور تفرد به مسلم وقد تكلم عليه الحفاظ علي ابن المديني والبخاري وغيرهما وجعلوه من كلام كعب وأن أبا هريرة إنما سمعه منه ولكن اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعاً. وأجيب بأن من حفظ الرفع حجة على من لم يحفظه والثقة لا يرد حديثه بمجرد الظن ولأجل ذلك أعرض مسلم عما قاله أولئك واعتمد الرفع وخرج طريقه في «صحيحه» فوجب قبولها. وذكر أحمد بن المقَّري المالكي أن الإمام أحمد رواه أيضاً في «مسنده» عن أبـي هريرة مرفوعاً بلفظ شبك بيدي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وقال:

    خلق الله تعالى الأرض يوم السبت " الحديث، وفي «الدر المنثور» عدة أخبار عن ابن عباس ناطقة بأن مبدأ خلق الأرض كان يوم الأحد، وفيه أيضاً أخرج ابن جرير عن أبـي بكر رضي الله تعالى عنه قال: «جاء اليهود إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله تعالى من الخلق في هذه الأيام الستة فقال: خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والإثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السمظ°وات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة وخلق في أول ساعة الآجال وفي الثانية الآفة وفي الثالثة آدم قالوا: صدقت إن تممت فعرف النبـي صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب فأنزل الله تعالى
    { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَظ±صْبِرْ عَلَىظ° مَا يَقُولُون }
    [ق: 38-39]»....

  11. #611
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    وقال المانريدى

    ثم في هذا مسألتان:

    إحداهما: في تكوين الخلق وإحداثه وما ذكر من تقدير الأقوات في الأوقات، فعندنا أن الله - تعالى - لم يزل مكوناً محدثاً، وأن ما كان ويكون إلى آخر الأبد إنما يكون بتكوين كان منه في الأول، لا بتكوين يحدث منه في كل وقت يحدث المكون والخلق، والأصل في ذلك ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا أضيف الأوقات إلى فعله فتكوين التوقيت للخلق أعني: المفعول لا لفعله؛ لما ذكرنا أنه لا حاجة تقع له في المعونة بشيء مما ذكر من التوقيت، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم قدم المفعول والخلق، وليعلم أنه محدث.

    ومسألة أخرى في ذكر التحديد والتوقيت في خلق ما ذكر؛ لحكمة جعل في ذلك من غير أن يصعب عليه خلق ذلك في ساعة أو طرفة عين؛ إذ المعنى في خلق ما ذكر في أيام وأوقات ذلك غيرُ موجود على السواء، وهو أن الله تعالى عالم بذاته قادر بذاته له قدرة ذاتية وعلم ذاتي لا مستفاد، فالأوقات إنما يحتاج إليها من كان يعمل بقدرة مستفادة وعلم مستفاد استعانة له بذلك، فأما الله - سبحانه وتعالى - ما يكون منه إنما يكون بقدرة ذاتية وعلم ذاتي لا حاجة تقع إلى الاستعانة بشيء من ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا....

    ومنهم من يصرف الاستواء إلى الله - عز وجل - ومعنى ذلك: استوى أمره وملكه بخلق السماء، أو استوى المقصود بخلق الأرض وأهلها وما فيها بخلق السماء.

    وأما التأويلان اللذان ذكرناهما يتوجهان إلى غير ذلك: أحدهما: رجع إلى استواء الهواء، والثاني: إلى استواء ما جعل في الأرض، وعلى هذا يخرج ما سئل ابن عباس - رضي الله عنه - عندما روي أن رجلا سأل ابن عباس - رضي الله عنه - فقال: " قرأت آيتين إحداهما تخالف الأخرى، فقال له: من قبل رأيك أتيت، ما هما؟ فقال ذلك السائل: قوله - تعالى -: { أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } إلى قوله: { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° إِلَى ظ±لسَّمَآءِ } ، وقوله تعالى:
    { ظ±لسَّمَآءُ بَنَاهَا }
    [النازعات: 27] إلى قوله:
    { وَظ±لأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }
    [النازعات: 30] " ، فمراد السائل أن ظاهر الآية الأولى أنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، وفي ظاهر الآية الثانية: أنه خلق السماء ثم خلق الأرض، فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: " خلق الله تعالى الأرض قبل أن يخلق السماء، فدحى الأرض بعدما خلق السماء، والله أعلم " ، أراد به: بسط الأرض بعد خلق السماء، فأما خلق أصل الأرض قبل خلق السماء.

    وعندنا أن ليس [بين] ظاهر هاتين الآيتين مخالفة، ولا فيه بيان أنه خلق الأرض قبل السماء ولا هذا بعد هذا؛ لأنه ذكر هاهنا أنه خلق الأرض في يومين ثم قال: { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° إِلَى ظ±لسَّمَآءِ } ذكر الاستواء إلى السماء ليس فيه أنه خلقها بعد خلق الأرض، بل فيه أنما استوى إليها بعد خلقها وليس فيه إثبات خلقها قبل ذلك، والله أعلم.....

    قال الرازى

    فإن قيل صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين لأحدهما مع الآخر نسبة، لكن قدرة العبد متناهية وقدرة الله لا نهاية لها، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي، فما معنى قوله إن الله أشد منهم قوة؟ قلنا هذا ورد على قانون قولنا الله أكبر....

    المسألة الثانية: استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه االآية على أن بعض الأيام قد يكون نحساً وبعضها قد يكون سعداً، وقالوا هذه الآية صريحة في هذا المعنى، أجاب المتكلمون بأن قالوا { أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } أي ذوات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه ويتصرف، وأيضاً قالوا معنى كون هذه الأيام نحسات أن الله أهلكهم فيها، أجاب المستدل الأول بأن النحسات في وضع اللغة هي المشؤمات لأن السعد يقابله السعد، والكدر يقابله الصافي، وأجاب عن السؤال الثاني أن الله تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات، فوجب أن يكون كون تلك الأيام نحسة مغايراً لذلك العذاب الذي وقع فيها....

    وقوله { فَهَدَيْنَـظ°هُمْ } أي دللناهم على طريق الخير والشر { فَظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْعَمَىظ° عَلَى ظ±لْهُدَىظ° } أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. واعلم أن صاحب «الكشاف» ذكر في تفسير الهدى في قوله تعالى:
    { هُدىً لّلْمُتَّقِينَ }
    [البقرة: 2] أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية، وهذه الآية تبطل قوله، لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإفضاء إلى البغية لم يحصل، فثبت أن قيد كونه مفضياً إلى البغية غير معتبر في اسم الهدى. وقد ثبت في هذه الآية سؤال يشعر بذلك إلا أنه لم يذكر جواباً شافياً فتركناه، قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن الله تعالى قد ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل، إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد لأن قوله { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـظ°هُمْ } يدل على أنه تعالى قد نصب لهم الدلائل وقوله { فَظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْعَمَىظ° عَلَى ظ±لْهُدَىظ° } يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى فهذا يدل على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد، وأقول بل هذه الآية من أدل الدلائل، على أنهما إنما يحصلان من الله لا من العبد، وبيانه من وجهين: الأول: أنهم إنما صدر عنهم ذلك العمى، لأنهم أحبوا تحصيله، فلما وقع في قلبهم هذه المحبة دون محبة ضده، فإن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح فهو باطل، وإن كان المرجح هو العبد عاد الطلب، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب الثاني: أنه تعالى قال: { فَظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْعَمَىظ° عَلَى ظ±لْهُدَىظ° } ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه عمى وجهلاً، بل ما لم يظن في ذلك العمى والجهل كونه تبصرة وعلماً لا يرغب فيه، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل لا بد وأن يكون مسبوقاً بجهل آخر، فإن كان ذلك الجهل الثاني باختياره أيضاً لزم التسلسل وهو محال، فلا بد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب...

    وقال الالوسي

    وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـظ°هُمْ } قال ابن عباس وقتادة والسدي: أي بينا لهم، وأرادوا بذلك على ما قيل بيان طريقي الضلالة والرشد كما في قوله تعالى:
    { وَهَدَيْنَـظ°هُ ظ±لنَّجْدَينِ }
    [البلد: 10] وهو أنسب بقوله تعالى: { فَظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْعَمَىظ° عَلَى ظ±لْهُدَىظ° } أي فاختاروا الضلالة على الهدى فإنه ظاهر في أنه بين لهم الطريقان فاختاروا أحدهما، وصرح ابن زيد بذلك فقد حكي عنه أنه قال: أي أعلمناهم الهدى من الضلال، وفسر غير واحد الهداية هنا بالدلالة أي فدللناهم على الحق بنصب الحجج وإرسال الرسل فاختاروا الضلال ولم يفسروها بالدلالة الموصلة لإباء ظاهر { فَظ±سْتَحَبُّواْ } الخ عنه.

    واستدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان باختيار العبد على الاستقلال بناءً على أن قوله تعالى: { هَدَيْنَاهُمْ } دل على نصب الأدلة وإزاحة العلة، وقوله تعالى: { ظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْعَمَىظ° } الخ دل على أنهم بأنفسهم آثروا العمى.

    والجواب كما في «الكشف» أن في لفظ الاستحباب ما يشعر بأن قدرة الله تعالى هي المؤثرة وأن لقدرة العبد مدخلاً ما فإن المحبة ليست اختيارية بالاتفاق وإيثار العمى حباً وهو الاستحباب من الاختيارية، فانظر إلى هذه الدقيقة تر العجب العجاب. وإلى نحوه أشار الإمام الداعي إلى الله تعالى قدس سره، ومعنى كون المحبة ليست اختيارية أنها بعد حصول ما تتوقف عليه من أمور اختيارية تكون بجذب الطبيعة من غير اختيار للشخص في ميل قلبه وارتباط هواه بمن يحبه، فهي نفسها غير اختيارية لكنها باعتبار مقدماتها اختيارية، ولذلك كلفنا بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي «طوق الحمامة» لابن سعيد أن المحبة ميل روحاني طبيعي، وإليه يشير قوله عز وجل:
    { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا }
    [الأعراف: 189] أي يميل فجعل علة ميلها كونها منها، وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: " الأرواح جنود مجندة " وتكون المحبة لأمور أخر كالحسن والإحسان والكمال، ولها آثار يطلق عليها محبة كالطاعة والتعظيم، وهذه هي التي يكلف بها لأنها اختيارية فاعرفه. ....

    وقال الزمخشري المعتزلي

    فَظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْعَمَىظ° عَلَى ظ±لْهُدَىظ° } فاختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. فإن قلت: أليس معنى هديته: حصلت فيه الهدى، والدليل عليه قولك: هديته فاهتدى، بمعنى: تحصيل البغية وحصولها، كما تقول: ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجرّدة؟ قلت: للدلالة على أنه مكنهم وأزاح عللهم ولم يُبق له عذراً ولا علة، فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها { صَـظ°عِقَةُ ظ±لْعَذَابِ } داهية العذاب وقارعة العذاب. و { ظ±لْهُونِ } الهوان، وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم - وكفى به شاهداً - إلاّ هذه الآية، لكفى بها حجة.

  12. #612
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال شيخ الاسلام الرازى

    قوله { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـظ°رُهُمْ وَجُلُودُهُم } واختلف الناس في كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه والثاني: أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني كما خلق الكلام في الشجرة والثالث: أن يظهر تلك الأعضاء أحوالاً تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان، وتلك الأمارات تسمى شهادات، كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه، واعلم أن هذه المسألة صعبة على المعتزلة أما القول الأول: فهو صعب على مذهبهم لأن البنية عندهم شرط لحصول العقل والقدرة فاللسان مع كونه لساناً يمتنع أن يكون محلاً للعلم والعقل، فإن غير الله تعالى تلك البنية والصورة خرج عن كونه لساناً وجلداً، وظاهر الآية يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجلود، فإن قلنا إن الله تعالى ما غير بنية هذه الأعضاء فحينئذ يمتنع عليها كونها ناطقة فاهمة، وأما القول الثاني: وهو أن يقال إن الله تعالى خلق هذه الأصوات والحروف في هذه الأعضاء، وهذا أيضاً باطل على أصول المعتزلة لأن مذهبهم أن المتكلم هو الذي فعل الكلام، لا ما كان موصوفاً بالكلام، فإنهم يقولون إن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة وكان المتكلم بذلك الكلام هو الله تعالى لا الشجرة، فههنا لو قلنا إن الله خلق الأصوات والحروف في تلك الأعضاء لزم أن يكون الشاهد هو الله تعالى لا تلك، ولزم أن يكون المتكلم بذلك الكلام هو الله لا تلك الأعضاء، وظاهر القرآن يدل على أن تلك الشهادة شهادة صدرت من تلك الأعضاء لا من الله تعالى لأنه تعالى قال: { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـظ°رُهُمْ وَجُلُودُهُم } وأيضاً أنهم قالوا لتلك الأعضاء { لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } فقالت الأعضاء { أَنطَقَنَا ظ±للَّهُ ظ±لَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْء } وكل هذه الآيات دالة على أن المتكلم بتلك الكلمات هي تلك الأعضاء، وأن تلك الكلمات ليست كلام الله تعالى، فهذا توجيه الإشكال على هذين القولين، وأما القول الثالث: وهو تفسير هذه الشهادة بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء دالة على صدور تلك الأعمال منهم، فهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والأصل عدمه، فهذا منتهى الكلام في هذا البحث، أما على مذهب أصحابنا فهذا الإشكال غير لازم، لأن عندنا البنية ليست شرطاً للحياة ولا للعلم ولا للقدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البنية ليست شرطاً للحياة ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة، والله أعلم.....

    ، ومنه قوله تعالى: { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء }. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء، وكان عالماً بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإن يزينوا الباطل لهم، وكل من فعل فعلاً وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة، فإن فاعل ذلك الفعل لا بد وأن يكون مريداً لذلك الأثر فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك الكفر، أجاب الجبائي عنه بأن قال لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين إذ الفاعل لما أراده منه غيره يجب أن يكون مطيعاً له، وبأن قوله
    { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
    [الذاريات: 56] يدل على أنه لم يرد منهم إلا العبادة، فثبت بهذا أنه تعالى لم يرد منهم المعاصي، وأما هذه الآية فنقول: إنه تعالى لم يقل وقيضنا لهم قرناء ليزينوا لهم، وإنما قال: { فَزَيَّنُواْ لَهُم } فهو تعالى قيض القرناء لهم بمعنى أنه تعالى أخرج كل أحد إلى آخر من جنسه، فقيض أحد الزوجين للآخر والغني للفقير والفقير للغني ثم بيّن تعالى أن بعضهم يزين المعاصي للبعض. واعلم أن وجه استدلال أصحابنا ما ذكرناه، وهو أن من فعل فعلاً وعلم قطعاً أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر، فاعل ذلك الفعل يكون مريداً لذلك الأثر، فههنا الله تعالى قيض أولئك القرناء لهم وعلم أنه متى قيض أولئك القرناء لهم فإنهم يقعون في ذلك الكفر والضلال، وما ذكره الجبائي لا يدفع ذلك، قوله ولو أراد الله منهم المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين لله، قلنا لو كان من فعل ما أراده غيره مطيعاً له لوجب أن يكون الله مطيعاً لعباده إذا فعل ما أرادوه معلوم أنه باطل، وأيضاً فهذا إلزام لفظي لأنه يقال إن أردت بالطاعة أنه فعل ما أراد فهذا إلزام للشيء على نفسه، وأن أردت غيره فلا بد، من بيانه حتى ينظر فيه أنه هل يصح أم لا...

    ملحوظة

    الطاعة موافقة الامر الظاهر لا الارادة المحجوبة ومن هنا رد اهل السنة علي المعتزلة قولهم ان كان اراد الكفر ففعل الكفر طاعة

    قال الرازى

    واحتج أصحابنا أيضاً بأنه تعالى أخبر بأن هؤلاء { حَقَّ عَلَيْهِمُ ظ±لْقَوْلُ } فلو لم يكونوا كفاراً لانقلب هذا القول الحق باطلاً وهذا العلم جهلاً، وهذا الخبر الصدق كذباً، وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال، فثبت أن صدور الإيمان عنهم، وعدم صدور الكفر عنهم محال...


    المسألة الرابعة: اختلف الناس في أن الأولى أن يقول الرجل أنا المسلم أو الأولى أن يقول أنا مسلم إن شاء الله، فالقائلون بالقول الأول احتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فإن التقدير ومن أحسن قولاً ممن قال إني من المسلمين، فحكم بأن هذا القول أحسن الأقوال، ولو كان قولنا إن شاء الله معتبراً في كونه أحسن الأقوال لبطل ما دل عليه ظاهر هذه الآية....

    وقال الماتريدى

    وقوله: { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ظ±لشَّيْطَظ°نِ نَزْغٌ فَظ±سْتَعِذْ بِظ±للَّهِ }.

    هذا يخرج على وجهين:

    أحدهما: جائز أن يكون الاستعاذة التي ذكر هي مباشرة الأسباب التي بها يدفع نزغ الشيطان ووساوسه، أمره أن يأتي بالأسباب التي يتهيأ له أن يدفع بها نزغاته وغمزاته، وهذا كالاستغفار الذي أمره به، ليس هو أمراً بأن يقولوا: نستغفر الله بألسنتهم، ولكن أَمْرٌ بمباشرة أسباب يقع ويجب لهم المغفرة بها؛ فعلى ذلك الاستعاذة.

    والثاني: جائز أن يكون أمره بالاستعاذة إياه أمراً له بسؤال لطف من عند الله يدفع به نزغاته وهمزاته، والله أعلم.

    وعلى قول المعتزلة لا يصح الاستعاذة منه؛ لأنهم يقولون: إنه قد أعطى كلاماً به يدفع نزغاته وهمزاته متى لم يبق عنده شيء يملك إعطاءه إياهم من اللطف وغيره، والله الهادي.

  13. #613
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال الرازى

    اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى أردفه بذكر الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وحكمته، تنبيهاً على أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تقرير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته، فهذه تنبيهات شريفة مستفادة من تناسق هذه الآيات، فكان العلم بهذه اللطائف أحسن علوم القرآن، وقد عرفت أن الدلائل الدالة على هذه المطالب العالية هي العالم بجميع ما فيه من الأجزاء والأبعاض، فبدأ ههنا بذكر الفلكيات وهي الليل والنهار وإنما قدم ذكر الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدم، والنور وجود، والعدم سابق على الوجود، فهذا كالتنبيه على حدوث هذه الأشياء، وأما دلالة الشمس والقمر والأفلاك وسائر الكواكب على وجود الصانع، فقد شرحناها في هذا الكتاب مراراً، لا سيما في تفسير قوله
    { ظ±لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ }
    [الفاتحة: 2] وفي تفسير قوله
    { ظ±لْحَمْدُ للَّهِ ظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ }
    [الأنعام: 1]. ولما بيّن أن الشمس والقمر محدثان، وهما دليلان على وجود الإله القادر قال: { لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } يعني أنهما عبدان دليلان على وجود الإله، والسجدة عبارة عن نهاية التعظيم فهي لا تليق إلا بمن كان أشرف الموجودات، فقال: { لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } لأنهما عبدان مخلوقان { وَظ±سْجُدُواْ لِلَّهِ } الخالق القادر الحكيم، ....

    السؤال الثاني: أن المشبهة تمسكوا بقوله { فَظ±لَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } في إثبات المكان والجهة لله تعالى والجواب: أنه يقال عند الملك من الجند كذا وكذا، ولا يراد به قرب المكان. فكذا ههنا. ويدل عليه قوله " أنا عند ظن عبدي بي وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي في مقعد صدق عند مليك مقتدر " ...

    السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر؟ الجواب: نعم، لأنه إنما يستدل بحال الأعلى على حال الأدون، فيقال هؤلاء الأقوام إن استكبروا عن طاعة فلان فالأكابر يخدمونه ويعترفون بتقدمه، فثبت أن هذا النوع من الاستدلال إنما يحسن بحال الأعلى على حال الأدون. السؤال الرابع: قال ههنا في صفة الملائكة { يَسْبَحُونَ له بالليل والنهار } فهذا يدل على أنهم مواظبون على التسبيح، لا ينفكون عنه لحظة واحدة، واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال ككونهم ينزلون إلى الأرض كما قال:
    { نَزَلَ بِهِ ظ±لرُّوحُ ظ±لأَمِينُ * عَلَىظ° قَلْبِكَ }
    [الشعراء: 193، 194] وقال:
    { وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ }
    [الحجر: 51] وقوله تعالى:
    { عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ }
    [التحريم: 6] الجواب: إن الذين ذكرهم الله تعالى ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة وهم الأشراف الأكابر منهم، لأنه تعالى وصفهم بكونهم عنده، والمراد من هذه العندية كمال الشرف والمنقبة، وهذا لا ينافي كون طائفة أخرى من الملائكة مشتغلين بسائر الأعمال، فإن قالوا هب أن الأمر كذلك إلا أنهم لا بد وأن يتنفسوا، فاشتغالهم بذلك التنفس يصدهم عن تلك الحالة من التسبيح قلنا كما أن التنفس سبب لصلاح حال الحياة بالنسبة إلى البشر فذكر الله تعالى سبب لصلاح حالهم في حياتهم، ولا يجب على العاقل المنصف أن يقيس أحوال الملائكة في صفاء جوهرها وإشراق ذواتها واستغراقها في معارج معارف الله بأحوال البشر، فإن بين الحالتين بعد المشرقين....


    ثم قال: { إِنَّهُ عَلَىظ° كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وهذا هو الدليل الأصلي وتقريره إن عودة التأليف والتركيب إلى تلك الأجزاء المتفرقة ممكن لذاته، وعود الحياة والعقل والقدرة إلى تلك الاْجزاء بعد اجتماعها أيضاً أمر ممكن لذاته، والله تعالى قادر على الممكنات، فوجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب والتأليف والحياة والقدرة والعقل والفهم إلى تلك الأجزاء، وهذا يدل دلالة واضحة على أن حشر الأجساد ممكن لا امتناع فيه ألبتة، والله أعلم.

    وقال المانريدى

    ودل قوله: { لاَّ يَأْتِيهِ ظ±لْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } على أن كل ما أضيف إليه [من] اليدين والخلف لا يُفهم منه بذكر اليدين: الجارحتان، أو بذكر الخلف: بقوله: { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ }؛ فعلى ذلك ما أضيف إلى الله تعالى من اليدين ومن بين يديه، لا يُفهِمُ اليدان حقيقة الجارحتين، والله الموفق.

  14. #614
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال المانريدى

    ثم قوله: { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } يحتمل الكلمة: الحجة؛ كقوله تعالى:
    { وَيُحِقُّ ظ±للَّهُ ظ±لْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ }
    [يونس: 82]، وقوله تعالى:
    { قُل لَّوْ كَانَ ظ±لْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي }
    [الكهف: 109]، أي: لحجج ربي، وتكون الكلمة منه: الدين؛ كقوله تعالى:
    { وَكَلِمَةُ ظ±للَّهِ هِيَ ظ±لْعُلْيَا }
    [التوبة: 40]، ونحوه.

    وقيل: الكلمة: هي الساعة التي هي آخر عذاب هذه الأمة، فقال:
    { بَلِ ظ±لسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَظ±لسَّاعَةُ أَدْهَىظ° وَأَمَرُّ }
    [القمر: 46]، والله أعلم.

    وجائز أن تكون الكلمة هاهنا ما سبق من المنة لهذه الأمة ألا يعذبها وقت استحقاقهم العذاب.

    أو سبق منه المنة والرحمة بتأخير الهلاك عن وقت اكتسابهم أسباب الهلاك، وهذا على المعتزلة والخوارج؛ لقولهم: إن ليس لله أن يعفو أو يؤخر العذاب عمن وجب عليه أو استحقه أو كلام نحوه، حيث منَّ ورحم هذه الأمة بتأخير العذاب عنهم إلى وقت، ولو لم يستحقه العذاب، لم يكن لذكر المنة والرحمة في ذلك معنى؛ وهو كما قال تعالى:
    { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }
    [الأنبياء: 107]، والله أعلم

    قال الرازى

    قَالُواْ آذناك } قال ابن عباس أسمعناك كقوله تعالى:
    { وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ }
    [الانشقاق: 2] بمعنى سمعت، وقال الكلبي أعلمناك وهذا بعيد، لأن أهل القيامة يعلمون الله ويعلمون أنه يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

    وقال الالوسي

    ونقل العارف الجامي قدس سره في «نفحاته» عن القاشاني أن قوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ } الخ يدل على وحدة الوجود، وقد رأيت في بعض كتب القوم الاستدلال به على ذلك وجعل ضمير { أَنَّهُ ظ±لْحَقُّ } إلى المرئي وتفسير { ظ±لْحَقّ } بالله عز وجل، ومن هذا ونحوه قال الشيخ الأكبر قدس سره: سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها وهذه الوحدة هي التي حارت فيها الأفهام وخرجت لعدم تحقيق أمرها رقاب من ربقة الإسلام، وللشيخ إبراهيم الكوراني قدس سره النوراني عدة «رسائل» في تحقيق الحق فيها وتشييد مبانيها نسأل الله تعالى أن يمن علينا بصحيح الشهود ويحفظنا بجوده عما علق بأذهان الملاحدة من وحدة الوجود

    ملحوظة

    للرازى فى اول المطالب العالية كلام رائع عن مفهوم الله الحق وان كل شيء ماخلا الله باطل راجعه

    واقول انا العبد الفقير الحقير اسامة خيري

    ان الممكن فى رتبة العدم ازلا ولما خصصته الارادة بالايجاد اصبح وجوده عرضيا والوجود العرضي لايمنع كونه ممكن والامكان عدم فى مالم يزل وعند اهل التحقيق من العارفين وفى مالم يزل حتى بعد الخروج الي حيز الوجود العرضي فتخصيص الارادة للممكن بالوجود لا يخرجه عن نطاق الامكان حتى بعد ايجاده فافهم هنا قول العارفين الممكنات لم تشم رائحة الوجود لا ازلا ولا ابدا وعندنا معاشر اهل الاسلام شمت فى مالم يزل فالامكان رتبة ازلية وفى مالم يزل ومن هنا الفرق بين ازلية امكان وامكان ازلية الاول جائز الثانى محال

    ومن هنا يأتى تأصيل وحدة الوجود عند الصوفية من خلال عقيدة اهل السنة الاشاعرة فتأمل

    قال الرازى

    ثم قال: { أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ } أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم، ويجازي كل أحد على فعله بحسب ما يليق به إن خيراً فخير، وإن شراً فشر فإن قيل قوله { أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ } يقتضي أن تكون علومه متناهية، قلنا قوله { بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ } يقتضي أن يكون علمه محيطاً بكل شيء من الأشياء فهذا يقتضي كون كل واحد منها متناهياً، لا كون مجموعها متناهياً، والله أعلم بالصواب

  15. #615
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,881
    قال ابن عاشور

    وفي الآية على الوجه الثاني من وجهي قوله { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } إشارة إلى أن الله لا يصدق من كذب عليه فلا يتم له أمر وهو معنى قول أيّمة أصول الدّين إن دلالة المعجزة على الصدق أن تغيير الله العادة لأجل تحدّي الرّسول صلى الله عليه وسلم قائم مقام قوله صَدَق عبدي فيما أخبر به عني.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •