صفحة 4 من 17 الأولىالأولى 1234567814 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 250

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    مازلنا مع الاية الاخيرة

    قال الالوسي


    { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قد تقدم الكلام على الترجي في كلامه تعالى، وقد ذكر هظ°هنا أن كلمة ـ لعل ـ متعلقة ـ بخذوا، واذكروا ـ إما مجاز يؤول معناه بعد الاستعارة إلى تعليل ذي الغاية بغايته أو حقيقة لرجاء المخاطب؛ والمعنى: خذوا واذكروا راجين أن تكونوا متقين ويرجح المعنى المجازي أنه لا معنى لرجائهم فيما يشق عليهم أعنى التقوى، اللهم إلا باعتبار تكلف أنهم سمعوا مناقب المتقين ودرجاتهم فلذا كانوا راجين للانخراط في سلكهم، وجوز المعتزلة كونها متعلقة ـ بقلنا ـ المقدر وأولوا الترجي بالإرادة أي: قلنا و ـ اذكروا ـ إرادة أن تتقوا، وهو مبني على أصلهم الفاسد من أن إرادة الله تعالى لأفعال العباد غير موجبة للصدور لكونها عبارة عن العلم بالمصلحة، وجوز العلامة تعلقها إذا أول الترجي بالإرادة ـ بخذوا ـ أيضاً على أن يكون قيداً للطلب لا للمطلوب، وجوز الشهاب أن يتعلق بالقول على تأويله بالطلب والتخلف فيه جائز، وفيه أن القول المذكور وهو { خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـظ°كُم } بعينه طلب التقوى فلا يصح أن يقال ـ خذوا ما آتيناكم ـ طالباً منكم التقوى إلا بنوع تكلف فافهم

    وقال المانريدى

    وقوله: { خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَظ°كُم بِقُوَّةٍ }.

    قيل: خذوا التوراة بالجد والمواظبة.

    وقيل: " بقوة " يعني: بالطاعة له والخضوع.

    ثم احتج بعض المعتزلة بهذه الآية على تقدم القدرة الفعلَ؛ لأَنه أمرهم - عز وجل - بالقبول له، والأَخذ والعمل بما فيها.

    فلو لم يعطهم قوة الأَخذ والقبول له قبل الأَخذ له والفعل، لكان لا يأْمرهم بذلك؛ لأَنهم يقولون: لا قوة لنا على ذلك؛ فدل أَنه قد أعطاهم قبل ذلك، لكنه غلط عندنا؛ لأَنه لو كان أَعطاهم القوة قبل الفعل، ووقت الأَمر به، ثم تذهب عنهم تلك القوة وقت الفعل - لكان الفعل بلا قوة؛ إذ من قولهم: أن القوة لا تبقى وقتين؛ فدل: أَنها تحدث بحدوث الفعل، لا يتقدم ولا يتأَخر، ولكن يَكونان معاً.

    ولأَنها سميت: قدرة الفعل، فلو كانت تتقدم الفعل، لم يكن لإضافة الفعل إليها معنى، والله أعلم.

    والأَصل في ذلك: أَن الله - تعالى - قال: { خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَظ°كُم بِقُوَّةٍ } ومعلوم أَن المرادَ من ذلك الأَخذُ بقوة الآخذ.

    ثم فيه وجهان:

    أَحدهما: أَن للأَخذ قوة غير التي للترك.

    والثاني: أَنه ذكر الأَخذ بقوة، فإذا لم تكن معه لم يكن بها أَن يرى أَن الوقت إذا تباعد لم يحتمل بما تقدم من القوة أَوقاتاً؛ فمثله وقت واحد.

    ملحوظة

    مسألة القوة لاتبقي زمانين اصلها مسألة العرض لايبقي زمانين وهى مسألة عميقة من مسائل علم الكلام


    { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ظ±لَّذِينَ ظ±عْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ظ±لسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } * { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }

    قال الرازى

    فإن قيل لما كان الله نهاهم عن الإصطياد يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال

    { تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذظ°لِكَ نَبْلُوهُم }
    الأعراف 163 وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال. قلنا أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب..

    المسألة الثانية قوله تعالى { كُونُواْ قِرَدَةً خَـظ°سِئِينَ } ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى
    { إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    النحل 4 وكقوله تعالى
    { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }
    فصلت 11 والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم { كُونُواْ قِرَدَةً خَـظ°سِئِينَ } صاروا كذلك أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله
    { كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـظ°بَ ظ±لسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ظ±للَّهِ مَفْعُولاً }
    النساء 47 ولا يمتنع أيضاً أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة. فإن قيل لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه؟ قلنا أما عندنا فأحكام الله تعالى وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح ألبتة، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظاً لبعض الملائكة أو لغيرهم..

    ملحوظة

    الكلام ليست صفة تأثير عند اهل السنة بل القدرة

    وقال المانريدى

    وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأَنهم يقولون: ليس في خلق الله قبيح.

    فلو لم يكن في خلق الله قبيحٌ لم يكن لتحويل صورتهم من صورة الإنسان، إلى أَقبح صورةٍ معنىً؛ ليروا قبح أَنفسهم؛ عقوبةً لهم بما عَصَوْا أَمر الله، ودخلوا في نهيه.

  2. #47
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { وَإِذْ قَالَ مُوسَىظ° لِقَوْمِهِ إِنَّ ظ±للَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوغ¤اْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِظ±للَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ظ±لْجَاهِلِينَ } * { قَالُواْ ظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذظ°لِكَ فَظ±فْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ } * { قَالُواْ ظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ظ±لنَّاظِرِينَ } * { قَالُواْ ظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ظ±لبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ظ±للَّهُ لَمُهْتَدُونَ } * { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ظ±لأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ظ±لْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ظ±لآنَ جِئْتَ بِظ±لْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } * { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَظ±دَّارَأْتُمْ فِيهَا وَظ±للَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } * { فَقُلْنَا ظ±ضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ظ±للَّهُ ظ±لْمَوْتَىظ° وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }

    قال الرازى:

    المسألة الأولى أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض...

    { قَالُواْ ظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ظ±لبَقَرَ تَشَـظ°بَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء ظ±للَّهُ لَمُهْتَدُونَ } وههنا مسائل المسألة الأولى قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً " ، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم

    { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذظ°لِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ }
    الكهف 23، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته. المسألة الثانية احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة. أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة. المسألة الثالثة احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله { إِن شَاء ظ±للَّهُ } من وجهين الأول أن دخول كلمة «أن» عليه يقتضي الحدوث. والثاني وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية

    ملحوظة

    الارادة عند اهل السنة واحدة صفة قائمة بالذات ولاتتعلق بالذات لان الارادة مشيئة لمتجدد وذات الله منزهة عن الحوادث ومن هنا تعلم خطأ من ربط صفة الكلام بالارادة وقال يتكلم اذا شاء فجعل من تعلقات الارادة تعلقات بذات الله او صفة قائمة بذات الله فقال بتجدد الكلام تبعا لصفة الارادة فى الذات الالهية وهذا باطل عند اهل السنة ومن قال بارادة حادثة لافى محل فهو باطل ايضا

    قال الرازى

    قالت المعتزلة قوله { وَظ±للَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أي لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه.

    المسألة الثانية الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه...

    وقال المانريدى

    وقوله: { قَالُواْ ظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ظ±لبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ظ±للَّهُ لَمُهْتَدُونَ }.

    وقوم موسى مع غلظ أفهامهم، ورقة عقولهم - أَعرف لله، وأَمهلُ توحيداً من المعتزلة؛ لأَنهم قالوا: إنْ شَاءَ الله لكنا من المهتدين.

    والمعتزلة يقولون: قد شاءَ الله أَن يهتدوا، وشاءُوا هُم ألا يهتدوا؛ فغلَبَتْ مشيئَتُهم على مشيئة الله على قولهم - فنعُوذ بالله من السَّرَفِ في القول، والجهل في الدين.

    ملحوظة

    المعتزلة وان كانت لهم بدع لكن لاينكر فضلهم فى علوم شتى كالتفسير والعربية و....

    وقال الالوسي

    { قَالُواْ ظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ظ±لبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ظ±للَّهُ لَمُهْتَدُونَ }

    واحتج بالآية على أن الحوادث بإرادة الله تعالى حيث علق فيما حكاه وجود الاهتداء الذي هو من جملة الحوادث بتعلق المشيئة وهي نفس الإرادة وما قصه الله تعالى في كتابه من غير نكير فهو حجة على ما عرف في محله، وهذا مبني على القول بترادف المشيئة والإرادة، وفيه خلاف وأن كون ما ذكر بالإرادة مستلزم لكون جميع الحوادث بها ـ وفيه نظر ـ واحتج أيضاً بها على أن الأمر قد ينفك عن الإرادة وليس هو الإرادة كما يقوله المعتزلة لأنه تعالى لما أمرهم بالذبح فقد أراد اهتداءهم في هذه الواقعة فلا يكون لقوله: إن شاء الله الدال على الشك وعدم تحقق الاهتداء فائدة بخلاف ما إذا قلنا: إنه تعالى قد يأمر بما لا يريد، والقول بأنه يجوز أن يكون أولئك معتقدين على خلاف الواقع للانفكاك، أو يكون مبنياً على ترددهم في كون الأمر منه تعالى يدفعه التقرير إلا أنه يرد أن الاحتجاج إنما يتم لو كان معنى { لَمُهْتَدُونَ } الاهتداء إلى المراد بالأمر أما لو كان المراد إن شاء الله اهتداءنا في أمر ما لكنا مهتدين فلا إلا أنه خلاف الظاهر كالقول بأن اللازم أن يكون المأمور به وهو الذبح مراداً ولا يلزمه الاهتداء إذ يجوز أن يكون لتلك الإرادة حكمة أخرى بل هذا أبعد بعيد، والمعتزلة والكرامية يحتجون بالآية على حدوث إرادته تعالى بناء على أنها والمشيئة سواء لأن كلمة (إن) دالة على حصول الشرط في الاستقبال وقد تعلق الاهتداء الحادث بها، ويجاب بأن التعليق باعتبار التعلق فاللازم حدوث التعلق ولا يلزمه حدوث نفس الصفة وتوسط الشرط بين اسم (إن) وخبرها لتتوافق رؤوس الآي، وجاء خبر (إن) اسماً لأنه أدل على الثبوت وعلى أن الهداية حاصلة لهم وللاعتناء بذلك أكد الكلام...

  3. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذظ°لِكَ فَهِيَ كَظ±لْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ظ±لْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ظ±لأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ظ±لْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ظ±للَّهِ وَمَا ظ±للَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }

    قال الرازى

    المسألة الرابعة قال القاضي إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريراً وتفريعاً مراراً وأطواراً

    { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ظ±للَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }

    قال القرطبي

    الثالثة: وظ±ختلف الناس بماذا عرف موسى كلام الله ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه؛ فمنهم من قال: إنه سمع كلاماً ليس بحروف وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا نفس؛ فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين. وقال آخرون: إنه لمّا سمع كلاماً لا من جهة، وكلامُ البشر يُسمع من جهة من الجهات الستّ؛ علم أنه ليس من كلام البشر. وقيل: إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام؛ فعلم أنه كلام الله. وقيل فيه: إن المعجزة دلّت على أن ما سمعه هو كلام الله؛ وذلك أنه قيل له: ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعباناً؛ فكان ذلك علامة له على صدق الحال، وأن الذي يقول له:
    { إِنِّيغ¤ أَنَاْ رَبُّكَ }
    [طه:12] هو الله جلّ وعز. وقيل: إنه قد كان أضمر في نفسه شيئاً لا يقف عليه إلا علام الغيوب، فأخبره الله تعالى في خطابه بذلك الضمير؛ فعلم أن الذي يخاطبه هو الله جل وعز. وسيأتي في سورة «القصص» بيان معنى قوله تعالى:
    { نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ظ±لْوَادِي ظ±لأَيْمَنِ فِي ظ±لْبُقْعَةِ ظ±لْمُبَارَكَةِ مِنَ ظ±لشَّجَرَةِ }
    [القصص:30] إن شاء الله تعالى.

  4. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ }

    قال الرازى

    قال القاضي دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقاً لله تعالى، لأنها لو كانت خلقاً لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم { هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد مكتسب إلا أن انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب فكان اسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها. أنها من عند الله ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى. والجواب أن الداعية الموجبة لها من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضاً تكون كذلك، والله أعلم.

    { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }

    قال الرازى

    اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياماً قليلة، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل ألبتة أما على قولنا، فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله العقاب الدائم، فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك..


    المسألة الخامسة قال الجبائي دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التكذيب، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب، فقد وجب أن يكون عذابهم دائماً على ما هو قول الوعيدية، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار، قوله لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم، قلنا لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك، وما الدليل على هذه الملازمة؟ ثم إنا نبين شرعاً أن ذلك غير لازم من وجوه. أحدها لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب، فإن قولهم { لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } ، يدل على أيام قليلة جداً، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب. وثانيها أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك. وثالثها أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار، فلم قلت إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار، وأما قول الجبائي لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم.

    فهو تحكم محض، فإن العقاب حق الله تعالى، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين، فثبت أن هذا الاستدلال ضعيف

    ملحوظة

    استدلالات المعتزلة من كتاب الله يدل علي ذهن وقاد وفكر واسع وان كان خالفوا اهل السنة

  5. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    الوعد والوعيد بين الفرق الاسلامية

    { بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

    قال الرازى

    ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك ههنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين. أحدهما أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالساترة لتلك الطاعات، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة، والثاني أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان، بحيث لا يتمكن الإنسان من التخلص منه، فكأنه تعالى قال بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، فإن قيل هذه الآية وردت في حق اليهود، قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذا هو الوجه الذي استدلت المعتزلة به في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر. واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل، ولنذكرها ههنا فنقول اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان، منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج. ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً وهو قول بشر المريسي والخالد، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر، والقول الثالث أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحداً منهم مدة فإنه لا يعذبه أبداً، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على مسألتين. إحداهما في القطع بالوعيد، والأخرى في أنه لو ثبت الوعيد فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا؟ المسألة الأولى في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولاً. ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله. أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة في هذا الباب وتلك العمومات على جهتين. بعضها وردت بصيغة «من» في معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع، أما النوع الأول فآيات، إحداها قوله تعالى في آية المواريث
    { تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ }
    النساء 13 إلى قوله

    { وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا }
    النساء 14، وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود الله، فيجب أن يكون من أهل العقاب، وذلك لأن كلمة «من» في معرض الشرط تفيد العموم على ما ثبت في أصول الفقه، فمتى حمل الخصم هذه الآية على الكافر دون المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان. أحدهما أنه تعالى بين حدوده في المواريث ثم وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من يعصيه فيها، ومن تمسك بالإيمان والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى الطاعة فيها ممن يكون منكراً لربوبيته ومكذباً لرسله وشرائعه، فترغيبه في الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن، ومتى كان المؤمن مراداً بأول الآية فكذلك بآخرها، الثاني أنه قال { تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } ولا شبهة في أن المراد به الحدود المذكورة، ثم علق بالطاعة فيها الوعد وبالمعصية فيها الوعيد، فاقتضى سياق الآية أن الوعيد متعلق بالمعصية في هذه الحدود فقط دون أن يضم إلى ذلك تعدي حدود أخر، ولهذا كان مزجوراً بهذا الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مراداً بهذا الوعيد لما كان مزجوراً به، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها كالكافر بطل قول من يخصها بالكافر، فإن قيل إن قوله تعالى
    { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ }
    النساء 14 جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم، كما لو قيل ضربت عبيدي، فإنه يكون ذلك شاملاً لجميع عبيده، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن، قلنا الأمر وإن كان كما ذكرتم نظراً إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد ههنا تعدي جميع الحدود، أحدها أنه تعالى قدم على قوله { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } قوله تعالى { تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } فانصرف قوله { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } إلى تلك الحدود، وثانيها أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي، ولو صح ما ذكرتم لكان المؤمن غير مزجور بها، وثالثها أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحداً من المكلفين لا يتعدى جميع حدود الله، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في التعدي لتضادها، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي، ورابعها قوله تعالى في قاتل المؤمن عمداً
    { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا }
    النساء 93، دلت الآية على أن ذلك جزاؤه، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى
    { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ }

    النساء 123. وخامسها قوله تعالى
    { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }
    الأنفال 15 إلى قوله
    { وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير }
    الأنفال 16. وسادسها قوله تعالى
    { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }
    الزلزلة 7، 8. وسابعها قوله تعالى { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } النساء 29 إلى قوله تعالى
    { وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً }
    النساء 30. وثامنها قوله تعالى
    { إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ }
    طه 74، 75 فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب. وتاسعها قوله تعالى
    { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً }
    طه 111 وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلاً تحت هذا الوعيد، وعاشرها قوله تعالى بعد تعداد المعاصي
    { وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً }
    الفرقان 68، 69 بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود، إلا من تاب من الفساق أو آمن من الكفار، والحادية عشرة قوله تعالى
    { مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ }
    النمل 89، 90 الآية، وهذا يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها، والثانية عشرة قوله تعالى
    { فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ }
    النازعات 37 - 39. والثالثة عشرة قوله تعالى
    { وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ }
    الجن 23 الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق، والرابعة عشرة قوله تعالى { بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ } الآية، فحكي في أول الآية قول المرجئة من اليهود فقال
    { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }
    البقرة 80 ثم إن الله كذبهم فيه، ثم قال { بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة لاشتمالها على صيغة «من» في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه. أحدها أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم، أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط، لأن على هذا التقدير لايكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشرط، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص، وأما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للاشتراك، أما أولاً فلأن الاشتراك خلاف الأصل، وأما ثانياً فلأنه لو كان كذلك لما عرف كيفية ترتب الجزاء على الشرط إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال من دخل داري أكرمته، فيقال له أردت الرجال أو النساء، فإذا قال أردت الرجال يقال له أردت العرب أو العجم، فإذا قال أردت العرب يقال له أردت ربيعة أو مضر وهلم جراً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل.

    وثانيها أنه إذا قال من دخل داري أكرمته حسن استثناء كل واحد من العقلاء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يكون بحيث يصح دخوله تحت المستثنى منه، فإما أن يعتبر مع الصحة الوجوب أو لا يعتبر والأول باطل، أما أولاً فلأنه يلزم أن لا يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله جاءني الفقهاء إلا زيداً وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله جاءني الفقهاء إلا زيداً فرق لصحة دخول زيد في الكلامين، لكن الفرق بينهما معلوم بالضرورة. وأما ثانياً فلأن الاستثناء من العدد يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحته فوجب أن يكون هذا فائدة الاستثناء في جميع المواضع لأن أحداً من أهل اللغة لم يفصل بين الاستثناء الداخل على العدد وبين الداخل على غيره من الألفاظ، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن صيغة «من» في معرض الشرط للعموم، وثالثها أنه تعالى لما أنزل قوله
    { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }
    الأنبياء 98 الآية قال ابن الزبعرى لأخصمن محمداً ثم قال يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى ابن مريم فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليه ذلك، فدل على أن هذه الصيغة تفيد العموم. النوع الثاني من دلائل المعتزلة التمسك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام وهي في آيات. إحداها قوله تعالى
    { وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ }
    الإنفطار 14 واعلم أن القاضي والجبائي وأبا الحسن يقولون إن هذه الصيغة تفيد العموم، وأبو هاشم يقول إنها لا تفيد العموم، فنقول الذي يدل على أنها للعموم وجوه. أحدها أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام " الأئمة من قريش " والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة، لأن قولنا بعض الأئمة من قريش لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين. أما كون كل الأئمة من قريش ينافي كون بعض الأئمة من غيرهم، وروي أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لما هم بقتال مانعي الزكاة أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم

    " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " احتج على أبي بكر بعموم اللفظ ثم لم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال " إلا بحقها " وإن كان الزكاة من حقها، وثانيها أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد الاستغراق، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى
    { فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ }
    صۤ 73 وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق، فبالاجماع، وأما أنه متى كان كذلك وجب كون المؤكد في أصله للاستغراق لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد إجماعاً، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل، فلو لم يكن الاستغراق حاصلاً في الأصل، وإنما حصل بهذه الألفاظ ابتداء لم يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية الحكم، بل في إعطاء حكم جديد، وكانت مبينة للمجمل لا مؤكدة، وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة علمنا أن اقتضاء الاستغراق كان حاصلاً في الأصل. وثالثها أن الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار الاسم معرفة، كذا نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بصرفه إلى الكل، لأنه معلوم للمخاطب، وأما صرفه إلى ما دون الكل فإنه لا يفيد المعرفة، لأنه ليس بعض الجمع أولى من بعض، فكان يبقى مجهولاً. فإن قلت إذا أفاد جمعاً مخصوصاً من ذلك الجنس فقد أفاد تعريف ذلك الجنس، قلت هذه الفائدة كانت حاصلة بدون الألف واللام، لأنه لو قال رأيت رجالاً، أفاد تعريف ذلك الجنس وتميزه عن غيره، فدل على أن للألف واللام فائدة زائدة وما هي إلا الاستغراق. ورابعها أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم. وخامسها الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر، لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال رأيت رجالاً من الرجال، ولا يقال رأيت الرجال من رجال، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع، إذا ثبت هذا، فنقول إن المفهوم من الجمع المعرف، إما الكل أو ما دونه، والثاني باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف، وقد علمت أن المنتزع منه أكثر فوجب أن يكون الجمع المعرف مفيداً للكل والله أعلم. أما على طريقة أبي هاشم، وهي أن الجمع المعرف لا يفيد العموم فيمكن التمسك بالآية من وجهين آخرين. الأول أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فقوله { وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } يقتضي أن الفجور هي العلة، وإذا ثبت ذلك لزم عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب، وفي هذا الباب طريقة ثالثة يذكرها النحويون وهي أن اللام في قوله { وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ } ليست لام تعريف، بل هي بمعنى الذي، ويدل عليه وجهان.

    أحدهما أنها تجاب بالفاء كقوله تعالى
    { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا }
    المائدة 38، وكما تقول الذي يلقاني فله درهم. الثاني أنه يصح عطف الفعل على الشيء الذي دخلت هذه اللام عليه قال تعالى
    { إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً }
    الحديد 18 فلولا أن قوله { إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ } بمعنى إن الذين أصدقوا لما صح أن يعطف عليه قوله { وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ } وإذا ثبت ذلك كان قوله { وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } معناه إن الذين فجروا فهم في الجحيم، وذلك يفيد العموم. الآية الثانية في هذا الباب قوله تعالى
    { يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً }
    مريم 85، 86 ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام وثالثها قوله تعالى
    { وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً }
    مريم 72 ورابعها قوله تعالى
    { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخّرُهُمْ }
    النحل 61 بين أنه يؤخر عقابهم إلى يوم آخر وذلك إنما يصدق أن لو حصل عقابهم في ذلك اليوم. النوع الثالث من العمومات صيغ الجموع المقرونة بحرف الذي، فأحدها قوله تعالى
    { وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ }
    المطففين 1، 2. وثانيها قوله تعالى
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً }
    النساء 10. وثالثها قوله تعالى
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ }
    النحل 28 فبين ما يستحق على ترك الهجرة وترك النصرة وإن كان معترفاً بالله ورسوله. ورابعها قوله تعالى
    { وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ }
    يونس 27 ولم يفصل في الوعيد بين الكافر وغيره، وخامسها قوله تعالى
    { وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }
    التوبة 34. وسادسها قوله تعالى
    { وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ }
    النساء 18 ولو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد والعذاب لم يكن لهذا القول معنى، بل لم يكن به إلى التوبة حاجة، وسابعها قوله تعالى
    { إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ }
    المائدة 33 فبين ما على الفاسق من العذاب في الدنيا والآخرة، وثامنها قوله تعالى
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَٰـئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ }
    آل عمران 77. النواع الرابع من العمومات، قوله تعالى
    { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }
    آل عمران 180 توعد على منع الزكاة. النوع الخامس من العمومات لفظة «كل» وهو قوله تعالى
    { وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلأرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ }
    يونس 54 فبين ما يستحق الظالم على ظلمه. النوع السادس ما يدل على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله تعالى
    { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }

    ق 28،29 بين أنه لا يبدل قوله في الوعيد والاستدلال بالآية من وجهين. أحدهما أنه تعالى جعل العلة في إزاحة العذر تقديم الوعيد، أي بعد تقديم الوعيد لم يبق لأحد علة ولا مخلص من عذابه، والثاني قوله تعالى { مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ } وهذا صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دل اللفظ عليه، فهذا مجموع ما تمسكوا به من عمومات القرآن

  6. #51
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    أما عمومات الأخبار فكثيرة. فالنوع الأول المذكور بصيغة «من» أحدها ما روى وقاص بن ربيعة عن المسور بن شداد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله من نار جهنم، ومن أخذ بأخيه كسوة كساه الله من نار جهنم ومن قام مقام رياء وسمعة أقامه الله يوم القيامة مقام رياء وسمعة " وهذا نص في وعيد الفاسق، ومعنى أقامه أي جازاه على ذلك، وثانيها قال عليه السلام " من كان ذا لسانين وذا وجهين كان في النار ذا لسانين وذا وجهين " ولم يفصل بين المنافق وبين غيره في هذا الباب، وثالثها عن سعيد بن زيد قال عليه السلام " من ظلم قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " ورابعها عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هاجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه ". وهذا الخبر يدل على وعيد الفاسق الظالم ويدل على أنه غير مؤمن ولا مسلم على ما يقوله المعتزلة من المنزلة بين المنزلتين. وخامسها عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من جاء يوم القيامة بريئاً من ثلاثة، دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وهذا يدل على أن صاحب هذه الثلاثة لا يدخل الجنة وإلا لم يكن لهذا الكلام معنى، والمراد من الدين من مات عاصياً مانعاً ولم يرد التوبة ولم يتب عنه. وسادسها عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً من طرق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ". وهذا نص في أن الثواب لا يكون إلا بالطاعة، والخلاص من النار لا يكون إلا بالعمل الصالح، وسابعها عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة "

    وهو صريح في وعيد الفاسق وأنه من أهل الخلود، لأنه إذا لم يشربها لم يدخل الجنة لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وثامنها عن أم سلمة قالت قال عليه السلام " إنما أنا بشر مثلكم ولعلكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه فإنما قطعت له قطعة من النار ". وتاسعها عن ثابت بن الضحاك قال قال عليه السلام " من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال ومن قتل نفسه بشيء يعذب به في نار جهنم ". وعاشرها عن عبد الله بن عمر قال قال عليه الصلاة والسلام في الصلاة " من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة ولا ثواباً وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف ". وهذا نص في أن ترك الصلاة يحبط العمل ويوجب وعيد الأبد، الحادي عشر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال عليه السلام " من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن " ولما ثبت أنه لا يكفر علمنا أن المراد منه إحباط العمل، الثاني عشر عن أبي هريرة قال قال عليه السلام " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يهوي في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل متعمداً فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " الثالث عشر عن أبي ذر قال عليه السلام " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قلت يا رسول الله من هم خابوا وخسروا؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف كاذباً " يعني بالمسبل المتكبر الذي يسبل إزاره، ومعلوم أن من لم يكلمه الله ولم يرحمه وله عذاب أليم فهو من أهل النار، ووروده في الفاسق نص في الباب، الرابع عشر عن أبي هريرة قال قال عليه الصلاة والسلام " من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، ومن لم يجد عرف الجنة ". فلا شك أنه في النار لأن المكلف لا بد وأن يكون في الجنة أو في النارالخامس عشر عن أبي هريرة قال قال عليه السلام " من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة ". السادس عشر عن ابن مسعود قال قال عليه السلام " من حلف على يمين كاذباً ليقطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان " وذلك لأن الله تعالى يقول

    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ظ±للَّهِ وَأَيْمَـظ°نِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا }
    آل عمران 77 إلى آخر الآية، وهذا نص في الوعيد ونص في أن الآية واردة في الفساق كورودها في الكفار، السابع عشر عن أبي أمامة قال قال عليه السلام " من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرىء مسلم بغير حقه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار، قيل يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال وإن كان قضيباً من أراك ". الثامن عشر عن سعيد بن جبير قال كنت عند ابن عباس فأتاه رجل وقال إني رجل معيشتي من هذه التصاوير، فقال ابن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من صور فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيه الروح وليس بنافخ، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون منه صب في أذنيه الآنك ومن يرى عينيه في المنام ما لم يره كلف أن يعقد بين شعرتين ". التاسع عشر عن معقل بن يسار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ". العشرون عن ابن عمر في مناظرته مع عثمان حين أراد أن يوليه القضاء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من كان قاضياً يقضي بالجهل كان من أهل النار، ومن كان قاضياً يقضي بالجور كان من أهل النار ". الحادي والعشرون قال عليه السلام " من ادعى أباً في الإسلام وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ". الثاني والعشرون عن الحسن عن أبي بكرة قال عليه السلام " من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة " وإذا كان في قتل الكفار هكذا فما ظنك بقتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الثالث والعشرون عن أبي سعيد الخدري قال قال عليه السلام " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " وإذا لم يلبسه في الآخرة وجب أن لا يكون من أهل الجنة لقوله تعالى
    { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ظ±لأنْفُسُ }
    الزخرف 71. النوع الثاني من العمومات الإخبارية الواردة لا بصيغة «من» وهي كثيرة جداً، الأول عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال عليه السلام " لا يدخل الجنة مسكين متكبر ولا شيخ زان ولا منان على الله بعمله ". ومن لم يدخل الجنة من المكلفين فهو من أهل النار بالإجماعالثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال عليه السلام " ثلاثة يدخلون الجنة الشهيد، وعبد نصح سيده وأحسن عبادة ربه، وعفيف متعفف، وثلاثة يدخلون النار أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله، وفقير فخور ".

    الثالث عن أبي هريرة قال قال عليه السلام " إن الله خلق الرحم، فلما فرغ من خلقه قامت الرحم، فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة، قال نعم ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى. قال فهو ذاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلمفاقرؤوا إن شئتم، { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } ، { أَوْلَـئِكَ ظ±لَّذِينَ لَعَنَهُمُ ظ±للَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىظ° أَبْصَـظ°رَهُمْ } " محمد 23، وهذا نص في وعيد قاطع الرحم وتفسير الآية، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف قال الله تعالى " أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته " وفي حديث أبي بكرة أنه عليه السلام قال " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ". الرابع عن معاذ بن جبل قال قال عليه السلام لبعض الحاضرين " ما حق الله على العباد؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. قال فما حقهم على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال أن يغفر لهم ولا يعذبهم ". ومعلوم أن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط فيلزم أن لا يغفر لهم إذا لم يعبدوه. الخامس عن أبي بكرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، فقال يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " رواه مسلم. السادس عن أم سلمة قالت قال عليه السلام " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ". السابع عن أبي سعيد الخدري قال قال عليه السلام " والذي نفسي بيده لا يبغض أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار " وإذا استحقوا النار ببعضهم فلأن يستحقوها بقتلهم أولى. الثامن في حديث أبي هريرة أنا خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام خيبر إلى أن كنا بوادي القرى، فبينما يحفظ رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم وقتله فقال الناس هنيئاً له الجنة، قال رسول الله " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم حنين من الغنائم لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً ". فلما سمع الناس بذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين إلى رسول الله فقال عليه السلام شراك من نار أو شراكين من النار. التاسع عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر ". العاشر عن أبي هريرة قال عليه السلام " ما من عبد له مال لا يؤدي زكاته إلا جمع الله له يوم القيامة عليه صفائح من نار جهنم يكوي بها جبهته وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ".

    هذا مجموع استدلال المعتزلة بعمومات القرآن والأخبار.

    أجاب أصحابنا عنها من وجوه. أولها أنا لا نسلم أن صيغة «من» في معرض الشرط للعموم، ولا نسلم أن صيغة الجمع إذا كانت معرفة باللام للعموم والذي يدل عليه أمور. الأول أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض على هاتين اللفظتين، كل من دخل داري أكرمته وبعض من دخل داري أكرمته، ويقال أيضاً كل الناس كذا، وبعض الناس كذا، ولو كانت لفظة «من» للشرط تفيد الاستغراق لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً وإدخال لفظ البعض عليه نقضاً، وكذلك في لفظ الجمع المعرف، فثبت أن هذه الصيغ لا تفيد العموم. الثاني وهو أن هذه الصيغ جاءت في كتاب الله، والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض، فإن أكثر عمومات القرآن مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين العموم والخصوص وذلك هو أن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان أنه يفيد الاستغراق أو لا يفيد. الثالث وهو أن هذه الصيغ لو أفادت العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها، لأنها تحصيل الحاصل محال فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا محالة، سلمنا أنها تفيد معنى ولكن إفادة قطعية أو ظنية؟ الأول ممنوع وباطل قطعاً لأن من المعلوم بالضرورة أن الناس كثيراً ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل والجميع على سبيل المبالغة كقوله تعالى
    { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء }
    النمل 23 فإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية لم يجز التمسك فيها بهذه العمومات، سلمنا أنها تفيد معنى العموم إفادة قطعية ولكن لا بد من اشتراط أن لا يوجد شيء من المخصصات، فإنه لا نزاع في جواز تطرق التخصيص إلى العام، فلم قلتم إنه لم يوجد شيء من المخصصات؟ أقصى ما في الباب أن يقال بحثنا فلم نجد شيئاً من المخصصات لكنك تعلم أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. وإذا كانت إفادة هذه الألفاظ لمعنى الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات، وهذا الشرط غير معلوم كانت الدلالة موقوفة على شرط غير معلوم، فوجب أن لا تحصل الدلالة، ومما يؤكد هذا المقام قوله تعالى
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }

    البقرة 6 حكم على كل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون، ثم إنا شاهدنا قوماً منهم قد آمنوا فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول أو لأنها وإن كانت موضوعة لهذا المعنى إلا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمون لأجلها أن مراد الله تعالى من هذا العموم هو الخصوص. وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله ههنا؟ سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص، لكن آيات العفو مخصصة لها والرجحان معنا لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام والخاص، مقدم على العام لا محالة، سلمنا أنه لم يوجد المخصص ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد، ولا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه، الأول أن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد، والثاني أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة على غضبه وغالبة عليه فكان ترجيح عمومات الوعد أولى. الثالث وهو أن الوعيد حق الله تعالى والوعد حق العبد، وحق العبد أولى بالتحصيل من حق الله تعالى، سلمنا أنه لم يوجد المعارض ولكن هذه العمومات نزلت في حق الكفار، فلا تكون قاطعة في العمومات، فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا هب أنه كذلك، ولكن لما رأينا كثيراً من الألفاظ العامة وردت في الأسباب الخاصة، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أن إفادتها للعموم لا يكون قوياً، والله أعلم

  7. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    أما الذين قطعوا بنفي العقاب عن أهل الكبائر فقد احتجوا بوجوه. الأول قوله تعالى
    { إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوء عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }
    النحل 27 وقوله تعالى
    { إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ }
    طه 48 دلت هذه الآية على أن ماهية الخزي والسوء والعذاب مختصة بالكافر، فوجب أن لا يحصل فرد من أفراد هذه الماهية لأحد سوى الكافرين. الثاني قوله تعالى
    { قُلْ يٰأَهْلَ عِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً }
    الزمر 53، حكم تعالى بأنه يغفر كل الذنوب ولم يعتبر التوبة ولا غيرها، وهذا يفيد القطع بغفران كل الذنوب. الثالث قوله تعالى
    { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ }
    الرعد 6 وكلمة «على» تفيد الحال كقولك رأيت الملك على أكله، أي رأيته حال اشتغاله بالأكل، فكذا ههنا وجب أن يغفر لهم الله حال اشتغالهم بالظلم وحال الاشتغال بالظلم يستحيل حصول التوبة منهم، فعلمنا أنه يحصل الغفران بدون التوبة ومقتضى هذه الآية أن يغفر للكافر لقوله تعالى
    { إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
    لقمان 13 إلا أنه ترك العمل به هناك فبقي معمولاً به في الباقي. والفرق أن الكفر أعظم حالاً من المعصية. الرابع قوله تعالى
    { فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ * لاَ يَصْلَـٰهَا إِلاَّ ٱلأشْقَى ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ }

    الليل 14 ـ 16، وكل نار فإنها متلظية لا محالة، فكأنه تعالى قال إن النار لا يصلاها إلا الأشقى الذي هو المكذب المتولي. الخامس قوله تعالى
    { كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ كَبِيرٍ }
    الملك 8، 9، دلت الآية على أن جميع أهل النار مكذب لا يقال هذه الآية خاصة في الكفار، ألا ترى أنه يقول قبله
    { وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ }
    الملك6- 8. وهذا يدل على أنها مخصوصة في بعض الكفار وهم الذين قالوا
    { بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْء }
    الملك 9، وليس هذا من قول جميع الكفار لأنا نقول دلالة ما قبل هذه الآية على الكفار لا تمنع من عموم ما بعدها. أما قوله إن هذا ليس من قول الكفار قلنا لا نسلم، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون ما نزل الله من شيء على محمد، وإذا كان كذلك فقد صدق عليهم أنهم كانوا يقولون ما نزل الله من شيء. السادس قوله تعالى
    { وَهَلْ نُجْٰزِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ }
    سبأ 17 وهذا بناء المبالغة فوجب أن يختص بالكفر الأصلي. السابع أنه تعالى بعدما أخبر أن الناس صنفان بيض الوجوه وسودهم قال
    { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ }
    آل عمران 106 فذكر أنهم الكفار. و الثامن أنه تعالى بعدما جعل الناس ثلاثة أصناف، السابقون وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، بين أن السابقين وأصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب المشأمة في النار، ثم بين أنهم كفار بقوله
    { وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ }
    الواقعة 47. التاسع إن صاحب الكبيرة لا يخزى وكل من أدخل النار فإنه يخزى فإذن صاحب الكبيرة لا يدخل النار وإنما قلنا إن صاحب الكبيرة لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن والمؤمن لا يخزى، وإنما قلنا إنه مؤمن لما سبق بيانه في تفسير قوله
    { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ }
    البقرة 3 من أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى لوجوه. أحدها قوله تعالى
    { يَوْمَ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه }
    التحريم 8. وثانيها قوله
    { إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوء عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }
    النحل 27. وثالثها قوله تعالى
    { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ }
    آل عمران 191 إلى أن حكى عنهم أنهم قالوا
    { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }
    آل عمران 194، ثم إنه تعالى قال
    { فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ }
    آل عمران 195 ومعلوم أن الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض يدخل فيه العاصي والزاني وشارب الخمر، فلما حكى الله عنهم أنهم قالوا { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزي عصاة أهل القبلة، وإنما قلنا إن كل من أدخل النار فقد أخزي لقوله تعالى

    { رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ }
    آل عمران 192، فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار. العاشر العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحو قوله
    { وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }
    البقرة 4 ـ 5، فحكم بالفلاح على كل من آمن، وقال
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ هم يحزنون }
    البقرة 62. فقوله { وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } نكرة في الإثبات فيكفي فيه الإثبات بعمل واحد وقال
    { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ }
    النساء 124 وإنها كثيرة جداً، ولنا فيه رسالة مفردة من أرادها فليطالع تلك الرسالة. والجواب عن هذه الوجوه أنها معارضة بعمومات الوعيد، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض فقد احتجوا من القرآن بآيات. الحجة الأولى الآيات الدالة على كون الله تعالى عفواً غفوراً كقوله تعالى
    { وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ }
    الشورى 25 وقوله تعالى
    { وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }
    الشورى 30 وقوله
    { وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلاْعْلَـٰمِ }
    الشورى 32 إلى قوله
    { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِير }
    الشورى 34 وأيضاً أجمعت الأمة على أن الله يعفو عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو فنقول العفو إما أن يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن عقابه، وهذا القسم الثاني باطل، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح، ومن ترك مثل هذا الفعل لا يقال إنه عفا، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحداً لا يقال إنه عفا عنه، إنما يقال له عفا إذا كان له أن يعذبه فتركه ولهذا قال
    { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }
    البقرة 237 ولأنه تعالى قال
    { وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ }
    الشورى 25، فلو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريراً من غير فائدة، فعلمنا أن العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وذلك هو مذهبنا. الحجة الثانية الآيات الدالة على كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً، قال تعالى
    { غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ }
    غافر 3 وقال
    { وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ }
    الكهف 58 وقال
    { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ }
    طه 82 وقال
    { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ }
    البقرة 285. والمغفرة ليست عبارة عن إسقاط العقاب عمن لا يحسن عقابه فوجب أن يكون ذلك عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه، وإنما قلنا إن الوجه الأول باطل لأنه تعالى يذكر صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد ولو حملناه على الأول لم يبق هذا المعنى لأن ترك القبيح لا يكون منة على العبد بل كأنه أحسن إلى نفسه فإنه لو فعله لاستحق الذم واللوم والخروج عن حد الإلهية فهو بترك القبائح لا يستحق الثناء من العبد، ولما بطل ذلك تعين حمله على الوجه الثاني وهو المطلوب.

    فإن قيل لم يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب من الدنيا إلى الآخرة والدليل على أن العفو مستعمل في تأخير العذاب عن الدنيا قوله تعالى في قصة اليهود
    { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ }
    البقرة 52 والمراد ليس إسقاط العقاب، بل تأخيره إلى الآخرة وكذلك قوله تعالى
    { وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }
    الشورى30 أي ما يعجل الله تعالى من مصائب عقابه إما على جهة المحنة أو على جهة العقوبة المعجلة فبذنوبكم ولا يعجل المحنة والعقاب على كثير منها، وكذا قوله تعالى
    { وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلاْعْلَـٰمِ }
    الشورى 32إلى قوله
    { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ }
    الشورى 34 أي لو شاء إهلاكهن لأهلكهن ولا يهلك على كثير من الذنوب. والجواب العفو أصله من عفا أثره أي أزاله، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المسمى من العفو الإزالة لهذا قال تعالى
    { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }
    البقرة 178 وليس المراد منه التأخير، بل الإزالة وكذا قوله
    { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }
    البقرة237 وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم، بل الإسقاط المطلق، ومما يدل على أن العفو لا يتناول التأخير أن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال إنه عفا عنه ولو أسقطه يقال إنه عفا عنه فثبت أن العفو لا يمكن تفسيره بالتأخير. الحجة الثالثة الآيات الدالة على كونه تعالى رحماناً رحيماً والاستدلال بها أن رحمته سبحانه إما أن تظهر بالنسبة إلى المطيعين الذين يستحقون الثواب أو إلى العصاة الذين يستحقون العقاب، والأول باطل لأن رحمته في حقهم إما أن تحصل لأنه تعالى أعطاهم الثواب الذي هو حقهم أو لأنه تفضل عليهم بما هو أزيد من حقهم. والأول باطل لأن أداء الواجب لا يسمى رحمة، ألا ترى أن من كان له على إنسان مائة دينار فأخذها منه قهراً وتكليفاً لا يقال في المعطي إنه أعطى الآخذ ذلك القدر رحمة، والثاني باطل لأن المكلف صار بما أخذ من الثواب الذي هو حقه كالمستغني عن ذلك التفضل فتلك الزيادة تسمى زيادة في الإنعام ولا تسمى ألبتة رحمة، ألا ترى أن السلطان المعظم إذا كان في خدمته أمير له ثروة عظيمة ومملكة كاملة، ثم إن السلطان ضم إلى ماله من الملك مملكة أخرى، فإنه لا يقال إن السلطان رحمه بل يقال زاد في الإنعام عليه فكذا ههنا.

    أما القسم الثاني وهو أن رحمته إنما تظهر بالنسبة إلى من يستحق العقاب، فإما أن تكون رحمته لأنه تعالى ترك العذاب الزائد على العذاب المستحق، وهذا باطل لأن ترك ذلك واجب والواجب لا يسمى رحمة ولأنه يلزم أن يكون كل كافر وظالم رحيماً علينا لأجل أنه ما ظلمنا، فبقي أنه إنما يكون رحيماً لأنه ترك العقاب المستحق وذلك لا يتحقق في حق صاحب الصغيرة ولا في حق صاحب الكبيرة بعد التوبة، لأن ترك عقابهم واجب، فدل على أن رحمته إنما حصلت لأنه ترك عقاب صاحب الكبيرة قبل التوبة، فإن قيل لم لا يجوز أن تكون رحمته لأجل أن الخلق والتكليف والرزق كلها تفضل، ولأنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة؟ قلنا أما الأول فإنه يفيد كونه رحيماً في الدنيا فأين رحمته في الآخرة مع أن الأمة مجتمعة على أن رحمته في الآخرة أعظم من رحمته في الدنيا. وأما الثاني فلأن عندكم التخفيف عن العذاب غير جائز هكذا قول المعتزلة الوعيدية، إذا ثبت حصول التخفيف بمقتضى هذه الآية ثبت جواز العفو لأن كل من قال بأحدهما قال بالآخر. الحجة الرابعة قوله تعالى
    { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء }
    النساء 48، فنقول «لمن يشاء» لا يجوز أن يتناول صاحب الصغيرة ولا صاحب الكبيرة بعد التوبة، فوجب أن يكون المراد منه صاحب الكبيرة قبل التوبة، وإنما قلنا لا يجوز حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة لوجوه. أحدها أن قوله تعالى { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } ، معناه أنه لا يغفره تفضلاً لا أنه لا يغفره استحقاقاً دل عليه العقل والسمع وإذا كان كذلك لزم أن يكون معنى قوله { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أي ويتفضل بغفران ما دون ذلك الشرك حتى يكون النفي والإثبات متوجهين إلى شيء واحد، ألا ترى أنه لو قال فلان لا يتفضل بمائة دينار ويعطي ما دونها لمن استحق لم يكن كلاماً منتظماً، ولما كان غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة مستحقاً امتنع كونهما مرادين بالآية. وثانيها أنه لو كان قوله { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أنه يغفر المستحقين كالتائبين وأصحاب الصغائر لم يبق لتمييز الشرك مما دون الشرك معنى لأنه تعالى كما يغفر ما دون الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق فكذلك يغفر الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق، فلا يبقى للفصل والتمييز فائدة، وثالثها أن غفران التائبين وأصحاب الصغائر واجب والواجب غير معلق على المشيئة، لأن المعلق على المشيئة هو الذي إن شاء فاعله فعله يفعله وإن شاء تركه يتركه فالواجب هو الذي لا بد من فعله شاء أو أبى، والمغفرة المذكورة في الآية معلقة على المشيئة فلا يجوز أن تكون للمغفرة المذكورة في الآية مغفرة التائبين وأصحاب الصغائر، واعلم أن هذه الوجوه بأسرها مبينة على قول المعتزلة من أنه يجب غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة، وأما نحن فلا نقول ذلك.

  8. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    ورابعها أن قوله { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } يفيد القطع بأنه يغفر كل ما سوى الشرك وذلك يندرج فيه الصغيرة والكبيرة بعد التوبة وقبل التوبة إلا أن غفران كل هذه الثلاثة يحتمل قسمين، لأنه يحتمل أن يغفر كلها لكل أحد وأن يغفر كلها للبعض دون البعض فقوله { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } يدل على أنه تعالى يغفر كل هذه الثلاثة، ثم قوله { لِمَن يَشَاء } يدل على أنه تعالى يغفر كل تلك الأشياء لا للكل بل للبعض. وهذا الوجه هو اللائق بأصولنا، فإن قيل لا نسلم أن المغفرة تدل على أنه تعالى لا يعذب العصاة في الآخرة بيانه أن المغفرة إسقاط العقاب وإسقاط العقاب أعم من إسقاط العقاب دائماً أو لا دائماً واللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك لا إشعار له بكل واحد من ذينك القيدين، فإذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على الإسقاط الدائم. إذا ثبت هذا فنقول لم لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك عن الدنيا ويؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا لمن يشاء، لا يقال كيف يصح هذا ونحن لا نرى مزيداً للكفار في عقاب الدنيا على المؤمنين لأنا نقول تقدير الآية أن الله لا يؤخر عقاب الشرك في الدنيا لمن يشاء ويؤخر عقاب ما دون الشرك في الدنيا لمن يشاء فحصل بذلك تخويف كلا الفريقين بتعجيل العقاب للكفار والفساق لتجويز كل واحد من هؤلاء أن يعجل عقابه، وإن كان لا يفعل ذلك بكثير منهم. سلمنا أن الغفران عبارة عن الإسقاط على سبيل الدوام فلم قلتم إنه لا يمكن حمله على مغفرة التائب ومغفرة صاحب الصغيرة؟ أما الوجوه الثلاثة الأول فهي مبنية على أصول لا يقولون بها وهي وجوب مغفرة صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة، وأما الوجه الرابع فلا نسلم أن قوله { مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم، والدليل عليه أنه يصح إدخال لفظ «كل» و «بعض» على البدل عليه مثل أن يقال ويغفر كل ما دون ذلك. ويغفر بعض ما دون ذلك ولو كان قوله { مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم لما صح ذلك، سلمنا أنه للعموم ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة، وذلك لأن الآيات الواردة في الوعيد كل واحد منها مختص بنوع واحد من الكبائر مثل القتل والزنا، وهذه الآية متناولة لجميع المعاصي والخاص مقدم على العام، فآيات الوعيد يجب أن تكون مقدمة على هذه الآية.

    والجواب عن الأول أنا إذا حملنا المغفرة على تأخير العقاب وجب بحكم الآية أن يكون عقاب المشركين في الدنيا أكثر من عقاب المؤمنين وإلا لم يكن في هذا التفصيل فائدة، ومعلوم أنه ليس كذلك بدليل قوله تعالى
    { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ظ±لنَّاسُ أُمَّةً وظ°حِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِظ±لرَّحْمَـظ°نِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ }
    الزخرف33 الآية. قوله لم قلتم إن قوله { مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم؟ قلنا لأن قوله «ما» تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون الشرك، وهذه الماهية ماهية واحدة، وقد حكم قطعاً بأنه يغفرها، ففي كل صورة تتحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران، فثبت أنه للعموم ولأنه يصح استثناء أي معصية كانت منها وعند الوعيدية صحة الاستثناء تدل على العموم، أما قوله آيات الوعيد أخص من هذه الآية، قلنا لكن هذه الآية أخص منها لأنها تفيد العفو عن البعض دون البعض وما ذكرتموه يفيد الوعيد للكل، ولأن ترجيح آيات العفو أولى لكثرة ما جاء في القرآن والأخبار من الترغيب في العفو. الحجة الخامسة أن نتمسك بعمومات الوعد وهي كثيرة في القرآن، ثم نقول لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح أو من التوفيق، والترجيح معناه من وجوه. أحدها أن عمومات الوعد أكثر والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع، وقد دللنا على صحته في أصول الفقه، و ثانيها أن قوله تعالى
    { إِنَّ ظ±لْحَسَنَـظ°تِ يُذْهِبْنَ ظ±لسَّـيّئَـظ°تِ }
    هود 114 يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه، فوجب بحكم هذا الإيماء أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق الحسنات الصادرة من الكفار، فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولاً به في الباقي. وثالثها قوله تعالى
    { مَن جَاء بِظ±لْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِظ±لسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا }
    الأنعام 160، ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال { كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } ثم زاد عليه فقال
    { وَظ±للَّهُ يُضَـظ°عِفُ لِمَن يَشَاء }
    البقرة 261 وأما في جانب السيئة فقال { وَمَن جَاء بِظ±لسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } ، وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجح عند الله تعالى على جانب السيئة. و رابعها أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة النساء
    { وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لأنْهَـظ°رُ خَـظ°لِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ظ±للَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلاً }
    النساء 122 فقوله { وَعْدَ ظ±للَّهِ حَقّا } إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقاً. أما قوله تعالى
    { مَا يُبَدَّلُ ظ±لْقَوْلُ لَدَىَّ }
    ق 29 الآية، يتناول الوعد والوعيد.


    و خامسها قوله تعالى
    { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ظ±للَّهَ يَجِدِ ظ±للَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىظ° نَفْسِهِ وَكَانَ ظ±للَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }
    النساء 110 ـ 111 والاستغفار طلب المغفرة وهو غير التوبة، فصرح ههنا بأنه سواء تاب أو لم يتب فإذا استغفر غفر الله له، ولم يقل ومن يكسب إثماً فإنه يجد الله معذباً معاقباً، بل قال { فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىظ° نَفْسِهِ } فدل هذا على أن جانب الحسنة راجح ونظيره قوله تعالى
    { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }
    الإسراء 7 ولم يقل وإن أسأتم أسأتم لها فكأنه تعالى أظهر إحسانه بأن أعاده مرتين وستر عليه إساءته بأن لم يذكرها إلا مرة واحدة، وكل ذلك يدل على أن جانب الحسنة راجح. و سادسها أنا قد دللنا على أن قوله تعالى
    { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ لِمَن يَشَاء }
    النساء 48 لا يتناول إلا العفو عن صاحب الكبيرة ثم إنه تعالى أعاد هذه الآية في السورة الواحدة مرتين والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد، ولم يذكر شيئاً من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد، لا في سورة واحدة ولا في سورتين، فدل على أن عناية الله بجانب الوعد على الحسنات والعفو عن السيئات أتم. و سابعها أن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت فلا بد من صرف التأويل إلى أحد الجانبين وصرف التأويل إلى الوعيد أحسن من صرفه إلى الوعد لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف وإهمال الوعد مستقبح في العرف، فكان صرف التأويل إلى الوعيد أولى من صرفه إلى الوعد. و ثامنها أن القرآن مملوء من كونه تعالى غافراً غفوراً غفاراً وأن له الغفران والمغفرة، وأنه تعالى رحيم كريم، وأن له العفو والإحسان والفضل والإفضال، والأخبار الدالة على هذه الأشياء قد بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك مما يؤكد جانب الوعد وليس في القرآن ما يدل على أنه تعالى بعيد عن الرحمة والكرم والعفو، وكل ذلك يوجب رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد. وتاسعها أن هذا الإنسان أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، بل أتى بالشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية والسيد الذي له عبد ثم أتى عبده بأعظم الطاعات وأتى بمعصية متوسطة فلو رجع المولى تلك المعصية المتوسطة على الطاعة العظيمة لعد ذلك السيد لئيماً مؤذياً فكذا ههنا، فلما لم يجز ذلك على الله ثبت أن الرجحان لجانب الوعد. وعاشرها قال يحيى بن معاذ الرازي إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعةظ° إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمان!فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو.


    وهو كلام حسن، الحادي عشر أنا قد بينا بالدليل أن قوله { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } لا يمكن حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة، فلو لم تحمله على الكبيرة قبل التوبة لزم تعطيل الآية، أما لو خصصنا عمومات الوعيد بمن يستحلها لم يلزم منه إلا تخصيص العموم، ومعلوم أن التخصيص أهون من التعطيل، قالت المعتزلة ترجيح جانب الوعيد أولى من وجوه. أولها هو أن الأمة اتفقت على أن الفاسق يلعن ويحد على سبيل التنكيل والعذاب وأنه أهل الخزي وذلك يدل على أنه مستحق للعقاب وإذا كان مستحقاً للعقاب استحال أن يبقى في تلك الحالة مستحقاً للثواب، وإذا ثبت هذا كان جانب الوعيد راجحاً على جانب الوعد. أما بيان أنه يلعن، فالقرآن والإجماع، أما القرآن فقوله تعالى في قاتل المؤمن
    { وَغَضِبَ ظ±للَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ }
    النساء 93 وكذا قوله
    { أَلاَ لَعْنَةُ ظ±للَّهِ عَلَى ظ±لظَّـظ°لِمِينَ }
    الأعراف 44 وأما الإجماع فظاهر، وأما أنه يحد على سبيل التنكيل فلقوله تعالى
    { وَظ±لسَّارِقُ وَظ±لسَّارِقَةُ فَظ±قْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَـظ°لاً مّنَ ظ±للَّهِ }
    المائدة 38 وأما أنه يحد على سبيل العذاب فلقوله تعالى في الزاني
    { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ }
    النور 2، وأما أنهم أهل الخزي فلقوله تعالى في قطاع الطريق { إِنَّمَا جَزَاء ظ±لَّذِينَ يُحَارِبُونَ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ } إلى قوله تعالى
    { ذظ°لِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ظ±لدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ظ±لأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }
    المائدة 33. وإذا ثبت كون الفاسق موصوفاً بهذه الصفات ثبت أنه مستحق للعذاب والذم، ومن كان مستحقاً لهما دائماً ومتى استحقهما دائماً امتنع أن يبقى مستحقاً للثواب، لأن الثواب والعقاب متنافيان، فالجمع بين استحقاقهما محال، وإذا لم يبق مستحقاً للثواب ثبت أن جانب الوعيد راجح على جانب الوعد، وثانيها أن آيات الوعد عامة وآيات الوعيد خاصة والخاص مقدم على العام. وثالثها أن الناس جبلوا على الفساد والظلم فكانت الحاجة إلى الزجر أشد، فكان جانب الوعيد أولى، قلنا الجواب عن الأول من وجوه الأول كما وجدت آيات دالة على أنهم يلعنون ويعذبون في الدنيا بسبب معاصيهم كذلك أيضاً وجدت آيات دالة على أنهم يعظمون ويكرمون في الدنيا بسبب إيمانهم. قال الله تعالى
    { وَإِذَا جَاءكَ ظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـظ°تِنَا فَقُلْ سَلَـظ°مٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىظ° نَفْسِهِ ظ±لرَّحْمَةَ }
    الأنعام 54، فليس ترجيح آيات الوعيد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يذمون ويعذبون في الدنيا بأولى من ترجيح آيات الوعد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يعظمون بسبب إيمانهم في الدنيا. الثاني فكما أن آيات الوعد معارضة لآيات الوعيد في الآخرة فهي معارضة لآيات الوعيد والنكال في الدنيا، فلم كان ترجيح آيات وعيد الدنيا على آيات وعيد الآخرة أولى من العكس. الثالث أنا أجمعنا على أن السارق وإن تاب إلا أنه تقطع يده لا نكالاً ولكن امتحاناً، فثبت أن قوله


    { جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَـظ°لاً }
    المائدة 38 مشروط بعدم التوبة، فلم لا يجوز أيضاً أن يكون مشروطاً بعدم العفو. والرابع أن الجزاء ما يجزي ويكفي وإذا كان كافياً وجب أن لا يجوز العقاب في الآخرة وإلا قدح ذلك في كونه مجزياً وكافياً، فثبت أن هذا ينافي العذاب في الآخرة، وإذا ثبت فساد قولهم في ترجيح جانب الوعيد فنقول الآيتان الدالتان على الوعد والوعيد موجودتان فلا بد من التوفيق بينهما، فأما أن يقال العبد يصل إليه الثواب ثم ينقل إلى دار العقاب وهو قول باطل بإجماع الأمة، أو يقال العبد يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب. أما الترجيح الثاني فهو ضعيف لأن قوله { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } لا يتناول الكفر وقوله
    { وَمَن يَعْصِ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ }
    النساء 14 الأحزاب 36 يتناول الكل فكان قولنا هو الخاص والله أعلم. الحجة السادسة أنا قد دللنا على أن تأثير شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في إسقاط العقاب وذلك يدل على مذهبنا في هذه المسألة. الحجة السابعة قوله تعالى
    { إِنَّ ظ±للَّهَ يَغْفِرُ ظ±لذُّنُوبَ جَمِيعاً }
    الزمر 53 وهو نص في المسألة. فإن قيل هذه الآية إن دلت فإنما تدل على القطع بالمغفرة لكل العصاة، وأنتم لا تقولون بهذا المذهب، فما تدل الآية عليه لا تقولون به وما تقولون به لا تدل الآية عليه؟ سلمنا ذلك، لكن المراد بها أنه تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة وحمل الآية على هذا المحمل أولى لوجهين أحدهما أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب من غير تخصيص، الثاني أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى
    { وَأَنِـيبُواْ إِلَىظ° رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ظ±لْعَذَابُ }
    الزمر 54 والإنابة هي التوبة. فدل على أن التوبة شرط فيه، والجواب عن الأول. أن قوله { يَغْفِرُ ظ±لذُّنُوبَ جَمِيعاً } وعد منه بأنه تعالى سيسقطها في المستقبل، ونحن نقطع بأنه سيفعل في المستقبل ذلك، فإنا نقطع بأنه تعالى سيخرج المؤمنين من النار لا محالة، فيكون هذا قطعاً بالغفران لا محالة، وبهذا ثبت أنه لا حاجة في إجراء الآية على ظاهرها على قيد التوبة، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق. ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول إن المعتزلة فسروا كون الخطيئة محبطة بكونها كبيرة محبطة لثواب فاعلها، والاعتراض عليه من وجوه، الأول أنه كما أن من شرط كون السيئة محيطة بالإنسان كونها كبيرة فكذلك شرط هذه الإحاطة عدم العفو، لأنه لو تحقق العفو لما تحققت إحاطة السيئة بالإنسان، فإذن لا يثبت كون السيئة محيطة بالإنسان إلا إذا ثبت عدم العفو، وهذا أول المسألة ويتوقف الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب وهو باطل.

    الثاني أنا لا نفسر إحاطة الخطيئة بكونها كبيرة، بل نفسرها بأن يكون ظاهره وباطنه موصوفاً بالمعصية، وذلك إنما يتحقق في حق الكافر الذي يكون عاصياً لله بقلبه ولسانه وجوارحه، فأما المسلم الذي يكون مطيعاً لله بقلبه ولسانه ويكون عاصياً لله تعالى ببعض أعضائه دون البعض فههنا لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد، ولا شك أن تفسير الإحاطة بما ذكرناه أولى، لأن الجسم إذا مس بعض أجزاء جسم آخر دون بعض لا يقال إنه محيط به، وعند هذا يظهر أنه لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد إلا إذا كان كافراً. إذا ثبت هذا فنقول قوله { فَأُوْلَـظ°ئِكَ أَصْحَـظ°بُ ظ±لنَّارِ } يقتضي أن أصحاب النار ليسوا إلا هم وذلك يقتضي أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل النار، الثالث أن قوله تعالى { فَأُوْلَـظ°ئِكَ أَصْحَـظ°بُ ظ±لنَّارِ } يقتضي كونهم في النار في الحال وذلك باطل، فوجب حمله على أنهم يستحقون النار. ونحن نقول بموجبه لكن لا نزاع في أنه تعالى هل يعفو عن هذا الحق وهذا أول المسألة، ولنختم الكلام في هذه الآية بقاعدة فقهية وهي أن الشرط ههنا أمران، أحدهما اكتساب السيئة، والثاني إحاطة تلك السيئة بالعبد والجزاء المعلق على وجود الشرطين لا يوجد عند حصول أحدهما. وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما والله أعلم.

    انتهى كلام الرازى

    وقال الطبري

    حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } يعنـي الشرك.

    وإنـما قلنا: إن السيئة التـي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته فهو من أهل النار الـمخـلدين فـيها فـي هذا الـموضع، إنـما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرها فـي التلاوة عاما، لأن الله قضى علـى أهلها بـالـخـلود فـي النار، والـخـلود فـي النار لأهل الكفر بـالله دون أهل الإيـمان به لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيـمان لا يخـلدون فـيها، وأن الـخـلود فـي النار لأهل الكفر بـالله دون أهل الإيـمان به فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: { بَلـى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فـاولئِكَ أصحَابُ النارِ هُم فِـيها خالِدُونَ } قولَهُ: { والّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ أُولَئِكَ أصحَابُ الـجَنّةِ هُمْ فِـيها خَالِدُونَ } فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الـخـلود فـي النار من أهل السيئات، غير الذين لهم الـخـلود فـي الـجنة من أهل الإيـمان.

    فإن ظنّ ظانٌّ أن الذين لهم الـخـلود فـي الـجنة من الذين آمنوا هم الذين عملوا الصالـحات دون الذين عملوا السيئات، فإن فـي إخبـار الله أنه مكفر بـاجتنابنا كبـائر ما ننهى عنه سيئاتنا، ومدخـلنا الـمدخـل الكريـم، ما ينبىء عن صحة ما قلنا فـي تأويـل قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } بأن ذلك علـى خاص من السيئات دون عامها.

    فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنـما ضمن لنا تكفـير سيئاتنا بـاجتنابنا كبـائر ما ننهى عنه، فما الدلالة علـى أن الكبـائر غير داخـلة فـي قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً }؟ قـيـل: لـما صحّ من أن الصغائر غير داخـلة فـيه، وأن الـمعنّى بـالآية خاص دون عام، ثبت وصحّ أن القضاء والـحكم بها غير جائز لأحد علـى أحد إلا علـى من وَقَـفَه الله علـيه بدلالة من خبر قاطع عذر من بلغه. وقد ثبت وصحّ أن الله تعالـى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة، فوجب بذلك القضاء علـى أن أهل الشرك والكفر مـمن عناه الله بـالآية. فأما أهل الكبـائر فإن الأخبـار القاطعة عذر من بلغته قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنـيـين بها، فمن أنكر ذلك مـمن دافع حجة الأخبـار الـمستفـيضة والأنبـاء الـمتظاهرة فـاللازم له ترك قطع الشهادة علـى أهل الكبـائر بـالـخـلود فـي النار بهذه الآية ونظائرها التـي جاءت بعمومهم فـي الوعيد، إذْ كان تأويـل القرآن غير مدرك إلا ببـيان من جَعَلَ اللَّهُ إلـيه بـيانَ القرآن، وكانت الآية تأتـي عاماً فـي صنف ظاهرها، وهي خاص فـي ذلك الصنف بـاطنها. ويُسئل مدافعوا الـخبر بأن أهل الكبـائر من أهل الاستثناء سؤالنا منكر رجم الزانـي الـمـحصن، وزوال فرض الصلاة عن الـحائض فـي حال الـحيض، فإن السؤال علـيهم نظير السؤال علـى هؤلاء سواء.

  9. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { وَظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ أُولَـظ°ئِكَ أَصْحَابُ ظ±لْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

    قال الرازى

    هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم يتب عنها، فهذا الشخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله { أُوْلَـئِكَ أَصْحَـظ°بُ ظ±لْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـظ°لِدُونَ } ، فإن قيل قوله تعالى { وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَاتِ } لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات، فلا يندرج تحت الآية. قلنا قد بينا أنه قبل الإتيان بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات، لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات، لكن قولنا آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا إنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات، والمعتبر في الآية هو القدر المشترك، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعد. بقي قولهم إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم. المسألة الثالثة احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا يدخلها تفضلاً، لأن قوله { أُوْلَـئِكَ أَصْحَـظ°بُ ظ±لْجَنَّةِ } للحصر، فدل على أنه ليس للجنة أصحاب إلا هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قلنا لم لا يجوز أن يكون المراد أنهم هم الذين يستحقونها فمن أعطى الجنة تفضلاً لم يدخل تحت هذا الحكم،والله أعلم.

    وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ظ±للَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }

    قال الرازى

    أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه. أحدها أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها، وثانيها روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام، وثالثها غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك.

    أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول، ثم قالوا هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول، فكان لا يكذبهم الله بقوله { بَل لَّعَنَهُمُ ظ±للَّهُ بِكُفْرِهِمْ } لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور، قالوا وهذا يدل على أن معنى قوله
    { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً }
    الكهف 57 وقوله { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـظ°قِهِمْ أَغْلَـظ°لاً } وقوله
    { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً }
    يس 8، 9 ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر. قالوا ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى
    { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ }
    فصلت 5 ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين في ذلك، ولو كانوا صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً لعذرهم ومسقطاً للومهم. واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل. سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم؟ أما قوله تعالى { بَل لَّعَنَهُمُ ظ±للَّهُ بِكُفْرِهِمْ } ففيه أجوبة. أحدها هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولاً ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم. وثانيها المراد من قوله { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد، فلم نجد منها شيئاً قوياً. فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول، وثالثها لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى


    { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ }
    الأنعام 20 البقرة 146 إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر

    { بِئْسَمَا ظ±شْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ظ±للَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىظ° مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىظ° غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ }

    قال الرازى


    أما قوله تعالى { فَبَاءو بِغَضَبٍ عَلَىظ° غَضَبٍ } ففيه مسائل المسألة الأولى في تفسير الغضبين وجوه، أحدها أنه لا بد من إثبات سببين للغضبين. أحدهما ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولاً في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة، الثاني ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم
    { عَزِيزٌ ظ±بْنُ ظ±للَّهِ }
    التوبة 30.
    { يَدُ ظ±للَّهِ مَغْلُولَةٌ }
    المائدة 64.
    { إِنَّ ظ±للَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء }
    آل عمران 181 وغير ذلك من أنواع كفرهم، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير، الثالث أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظم، وهو قول أبي مسلم. الرابع الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي...

    المسألة الثالثة قال قوم قوله تعالى { وَلِلْكَـظ°فِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان، أحدهما الخوارج قالوا ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر. وثانيها المرجئة قالوا ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى

    بمناسبة الغضب قال الطبري فى تفسير سورة الفاتحة

    قال أبو جعفر: واختلف فـي صفة الغضب من الله جل ذكره فقال بعضهم: غضب الله علـى من غضب علـيه من خـلقه إحلالُ عقوبته بـمن غضب علـيه، إما فـي دنـياه، وإما فـي آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره فـي كتابه فقال:
    { فَلَمَّا ءاسَفُونَا ظ±نتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـظ°هُمْ أَجْمَعِينَ }
    [الزخرف: 55] وكما قال:
    { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذظ°لِكَ مَثُوبَةً عِندَ ظ±للَّهِ مَن لَّعَنَهُ ظ±للَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ظ±لْقِرَدَةَ وَظ±لْخَنَازِيرَ }
    [المائدة: 60] وقال بعضهم: غضب الله علـى من غضب علـيه من عبـاده ذمّ منه لهم ولأفعالهم، وشتـم منه لهم بـالقول. وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم، كالذي يعرف من معانـي الغضب. غير أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبـات، فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميـين الذين يزعجهم ويحركهم ويشقّ علـيهم ويؤذيهم لأن الله جل ثناؤه لا تـحل ذاته الآفـات، ولكنه له صفة كما العلـم له صفة، والقدرة له صفة علـى ما يعقل من جهة الإثبـات، وإن خالفت معانـي ذلك معانـي علوم العبـاد التـي هي معارف القلوب وقواهم التـي توجد مع وجود الأفعال وتُعدم مع عدمها.

  10. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية قوله { وَٱشْرِبُواْ } يدل على أن فاعلاً غيرهم فعل بهم ذلك، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله،

    أجابت المعتزلة عنه من وجهين الأول ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان معجب بنفسه، الثاني أن المراد من أَشْرب أي زَيَّنه عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن.

    أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل، ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر. أما قوله تعالى { بِكُفْرِهِمْ } فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى. أما قوله { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ } ففيه مسألتان المسألة الأولى المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب
    { أَصلاتُكَ تَأْمُرُكَ }
    هود 87 وكذلك إضافة الإيمان إليهم. المسألة الثانية الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى
    { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }
    العنكبوت 45. أما قوله تعالى { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم.

    وقال الالوسي

    بِكُفْرِهِمْ } أي بسبب كفرهم لأنهم كانوا مجسمة يجوزون أن يكون جسم من الأجسام إلهاً أو حلولية يجوزون حلوله فيه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولم يروا جسماً أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم، وثعبان العصا كان لا يبقى زماناً ممتداً ولا يبعد من أولئك أن يعتقدوا عجلاً صنعوه على هيئة البهائم إلهاً وإن شاهدوا ما شاهدوا من موسى عليه السلام لما ترى من عبدة الأصنام الذين كان أكثرهم أعقل من كثير من بني إسرائيل، وقيل: الباء بمعنى مع أي مصحوباً بكفرهم فيكون ذلك كفراً على كفر.

  11. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }

    قال الرازى

    أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها. أولها وهو النكتة العقلية التي عليها يعولون أن كل ما سوى الله إما متحيز وإما قائم بالمتحيز، فلو كان غير الله فاعلاً للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزاً، وذلك المتحيز لا بد وأن يكون قادراً بالقدرة، إذ لو كان قادراً لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحياة، ويدل عليه وجهان. الأول أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها، فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادراً بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة. الثاني أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضاً، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض، فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة لوجب في هذه القدرة أن يخالف بعضها بعضاً، وأن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة، ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة. وثانيها أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن الله تعالى، بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه.

    وثالثها أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب، لكنا نرى من يدعي السحر متوصلاً إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد، فعلمنا كذبه وبهذا الطريق نعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء، لأنا نقول لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهباً لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال، فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة أو لا يمكنهم إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم من فتح البلاد الذي لا يتم إلا بإخراج الأموال والكنوز، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول، قال القاضي فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلاً لشيء من ذلك. واعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جداً. أما الوجه الأول فنقول ما الدليل على أن كل ما سوى الله، إما أن يكون متحيزاً، وإما قائماً بالمتحيز، أما علمتم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة، وزعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز، فما الدليل على فساد القول بهذا؟ فإن قالوا لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلاً لله تعالى، قلنا لا نسلم ذلك لأن الاشتراك في الأسلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك لذاته؟ قوله الأجسام متماثلة. فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك، قلنا ما الدليل على تماثل الأجسام، فإن قالوا إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات، الشاغل للأحياز ولا تفاوت بينها في هذا المعنى، قلنا الامتداد في الجهات والشغل للأحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها، ولا يبعد أن تكون الأشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم، سلمنا أنه يجب أن يكون قادراً بالقدرة، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة؟ قوله لأن القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع وهذا الامتناع حكم مشترك، فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة، قلنا هذه المقدمات بأسرها ممنوعة فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل وذلك لأن الامتناع عدمي والعدم لا يعلل، سلمنا أنه أمر وجودي، ولكن من مذهبهم أن كثيراً من الأحكام لا يعلل، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك، سلمنا أنه معلل، فلم قلتم إن الحكم المشترك لا بد له من علة مشتركة، أليس أن القبح حصل في الظلم معللاً بكونه ظلماً وفي الكذب بكونه كذباً، وفي الجهل بكونه جهلاً؟ سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة، لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف، فما الدليل على أن الأمر ليس كذلك؟ وأما الوجه الأول وهو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض القدر أشد من مخالفة بعض هذه القدر للبعض، فنقول هذا ضعيف، لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدر، بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر وتلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر.

    ونظير ما ذكروه أن يقال ليست مخالفة الصوت للبياض بأشد من مخالفة السواد للبياض، فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفاً للبياض أن يمتنع رؤيته. ولما كان هذا الكلام فاسداً فكذا ما قالوه، والعجب من القاضي أنه لما حكى هذه الوجوه عن الأشعرية في مسألة الرؤية وزيفها بهذه الأسئلة....

    ثم ذكر الرازى انواع السحر ثم قال:

    المسألة الرابعة في أقوال المسلمين في أن هذه الأنواع هل هي ممكنة أم لا؟ أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل والمنسوب إلى إطعام بعض الأدوية المبلدة والمنسوب إلى التضريب والنميمة، فأما الأقسام الخمسة الأول فقد أنكروها ولعلهم كفروا من قال بها وجوزوا وجودها، وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً، إلا أنهم قالوا إن الله تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة. فأما أن يكون المؤثر في ذلك الفلك والنجوم فلا. وأما الفلاسفة والمنجمون والصابئة فقولهم على ما سلف تقريره، واحتج أصحابنا على فساد قول الصابئة إنه قد ثبت أن العالم محدث فوجب أن يكون موجده قادراً والشيء الذي حكم العقل بأنه مقدور إنما يصح أن يكون مقدوراً لكونه ممكناً والإمكان قدر مشترك بين كل الممكنات، فإذن كل الممكنات مقدور لله تعالى ولو وجد شيء من تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن يكون ذلك السبب مزيلاً لتعلق قدرة الله تعالى بذلك المقدور فيكون الحادث سبباً لعجز الله وهو محال، فثبت أنه يستحيل وقوع شيء من الممكنات إلا بقدرة الله وعنده يبطل كل ما قاله الصابئة، قالوا إذا ثبت هذا فندعي أنه يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة فقد احتجوا على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن والخبر. أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } ، والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه، وأما الأخبار فهي واردة عنه صلى الله عليه وسلم متواترة وآحاداً، أحدها ما روي أنه عليه السلام سحر، وأن السحر عمل فيه حتى قال " إنه ليخيل إلى أني أقول الشيء وأفعله ولم أقله ولم أفعله " وأن امرأة يهودية سحرته وجعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر، فلما استخرج ذلك زال عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العارض وأنزل المعوذتان بسببه، وثانيها أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها فقالت لها إني ساحرة فهل لي من توبة؟ فقالت وما سحرك؟ فقالت صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر فقالا لي يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت، فقالا لي اذهبي فبولي على ذلك الرماد، فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا أفعل وجئت إليهما فقلت قد فعلت، فقالا لي ما رأيت لما فعلت؟ فقلت ما رأيت شيئاً، فقالا لي أنت على رأس أمر فاتقي الله ولا تفعلي، فأبيت فقالا لي اذهبي فافعلي، فذهبت ففعلت، فرأيت كأن فارساً مقنعاً بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا إيمانك قد خرج عنك وقد أحسنت السحر، فقلت وما هو؟ قالا ما تريدين شيئاً فتصوريه في وهمك، إلا كان فصورت في نفسي حباً من حنطة، فإذا أنا بحب، فقلت أنزرع فانزرع فخرج من ساعته سنبلاً فقلت انطحن فانطحن من ساعته، فقلت أنخبز فانخبز وأنا لا أريد شيئاً أصوره في نفسي إلا حصل، فقالت عائشة ليس لك توبة، وثالثها ما يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب وهي مشهورة.

    أما المعتزلة فقد احتجوا على إنكاره بوجوه، أحدها قوله تعالى
    { وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ }
    طه 69، وثانيها قوله تعالى في وصف محمد صلى الله عليه وسلم
    { وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً }
    الفرقان8 ولو صار عليه السلام مسحوراً لما استحقوا الذم بسبب هذا القول، وثالثها أنه لو جاز ذلك من السحر فكيف يتميز المعجز عن السحر ثم قالوا هذه الدلائل يقينية والأخبار التي ذكرتموها من باب الآحاد فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل...

    وقال الالوسي

    والجمهور على أن له حقيقة وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيط يطير في الهواء ويمشي على الماء ويقتل النفس ويقلب الإنسان حماراً، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى ولم تجر سنته بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وغير ذلك من آيات الرسل عليهم السلام، والمعتزلة وأبو جعفر الاستراباذي من أصحابنا على أنه لا حقيقة له وإنما هو تخييل، وأكفر المعتزلة من قال ببلوغ الساحر إلى حيث ما ذكرنا زعماً منهم أن بذلك انسداد طريق النبوة وليس كما زعموا على ما لا يخفى، ومن المحققين من فرق بين السحر والمعجزة باقتران المعجزة بالتحدي بخلافه فإنه لا يمكن ظهوره على يَدِ مدعي نبوة كاذباً كما جرت به عادة الله تعالى المستمرة صوناً لهذا المنصب الجليل عن أن يتسور حماه الكذابون.

    وقد شاع أن العمل به كفر حتى قال العلامة التفتازاني: لا يروى خلاف في ذلك، وعدُّه نوعاً من الكبائر مغاير الإشراك لا ينافي ذلك لأن الكفر أعم والإشراك نوع منه وفيه بحث: أما أولاً: فلأن الشيخ أبا منصور ذهب إلى أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا، ولعل ما ذهب إليه العلامة مبني على التفسير أولاً فإنه عليه مما لا يمتري في كفر فاعله، وأما ثانياً: فلأن المراد من الإشراك فيما عدا الكبائر مطلق الكفر وإلا تخرج أنواع الكفر منها...

    وأما ما روي أن الملائكة تعجبت من بني آدم في مخالفتهم ما أمر الله تعالى به، وقالوا له تعالى: لو كنا مكانهم ما عصيناك، فقال: اختاروا ملكين منكم، فاختاروهما، فهبطا إلى الأرض ومثلا بشرين، وألق الله تعالى عليهما الشبق، وحكما بين الناس، فافتتنا بأمرأة يقال لها زهرة، فطلباها وامتنعت إلا أن يعبدا صنماً، أو يشربا خمراً، أو يقتلا/ نفساً ففعلاً ثم تعلمت منهما ما صعدت به إلى السماء، فصعدت ومسخت هذا ـ النجم ـ وأرادا العروج فلم يمكنهما فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة ـ فاختارا عذاب الدنيا ـ فهما الآن يعذبان فيها، إلى غير ذلك من الآثار التي بلغت طرقها نيفاً وعشرين، فقد أنكره جماعة منهم القاضي عياض، وذكر أن ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت لم يرد منه شيء ـ لا سقيم ولا صحيح ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وليس هو شيئاً يؤخذ بالقياس ـ وذكر في «البحر» أن جميع ذلك لا يصح منه شيء، ولم يصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلعن الزهرة، ولا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما خلافاً لمن رواه، وقال الإمام الرازي بعد أن ذكر الرواية في ذلك إن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة، ونص الشهاب (العراقي) على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر بالله تعالى العظيم، فإن الملائكة معصومون

    { لاَّ يَعْصُونَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
    [التحريم: 6]
    { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ }
    [الأنبياء: 19ـ20] والزهرة كانت يوم خلق الله تعالى السمٰوات والأرض، والقول بأنها تمثلت لهما فكان ما كان وردت إلى مكانها غير معقول ولا مقبول.

    واعترض الإمام السيوطي على من أنكر القصة بأن الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على عليّ وابن عباس وابن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوة مخرجيها، وذهب بعض المحققين أن ما روي مروي حكاية لما قاله اليهود ـ وهو باطل في نفسه ـ وبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية، ولا يردّ ما قاله الإمام السيوطي عليه، إنما يردّ على المنكرين بالكلية، ولعل ذلك من باب الرموز والإشارات، فيراد من الملكين العقل النظري والعقل العملي اللذان هما من عالم القدس، ومن المرأة المسماة بالزهرة ـ النفس الناطقة ـ ومن تعرضهما لها تعليمهما لها ما يسعدها، ومن حملها إياهما على المعاصي تحريضها إياهما بحكم الطبيعة المزاجية إلى الميل إلى السفليات المدنسة لجوهريهما، ومن صعودها إلى السماء بما تعلمت منهما عروجها إلى الملأ الأعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصاحها لنصحهما، ومن بقائهما معذبين بقاؤهما مشغولين بتدبير الجسد وحرمانهما عن العروج إلى سماء الحضرة، لأن طائر العقل لا يحوم حول حماها....

  12. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ظ±للَّهَ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

    قال الرازى


    المسألة التاسعة استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه، أحدها أن كلام الله تعالى لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين، لكن ذلك محال، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديماً، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع، وما ثبت زواله استحال قدمه بالإتفاق، وثانيها أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض، وما كان كذلك لا يكون قديماً، وثالثها أن قوله { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ظ±للَّهَ عَلَىظ° كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلاً من الأول، وما كان داخلاً تحت القدرة وكان فعلاً كان محدثاً، أجاب الأصحاب عنه بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث؟ قالت المعتزلة ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعدما لم يكن، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات، وما لا ينفك عن هذه التعلقات محدث وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثاً.

    أجاب الأصحاب أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم، فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه، وكذلك علم الله كان متعلقاً بأن العالم سيوجد، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلاً، وإن لم يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثاً، لأنه لو كان قديماً لما زال، وبكون التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثاً فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات الحادثة، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة. فكل ما تجعلونه جواباً عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام.

    المسألة العاشرة احتجوا بقوله تعالى { إِنَّ ظ±للَّهَ عَلَىظ° كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } على أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده، والقدير فعيل بمعنى الفاعل وهو بناء المبالغة.

    ملحوظة

    استدلت المعتزلة علي شيئية المعدوم بايات اخرى ستأتى باذن الله وربما سئل سائل ماذا يفيد شيئية المعدوم او لا اقول له يترتب عليها مسائل كبيرة فى علم الكلام مبسوطة فى امهات الكتب

    وقال الالوسي

    واحتجت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن فإن التغير المستفاد/ من النسخ، والتفاوت المستفاد من الخيرية في وقت دون آخر من روادف الحدث وتوابعه فلا يتحقق بدونه، وأجيب بأن التغير والتفاوت من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسي القديم وهي الأفعال في الأمر والنهي والنسب الخبرية في الخبر وذلك يستدعيهما في تعلقاته دون ذاته؛ وأجاب الإمام الرازي بأن الموصوف بهما الكلام اللفظي، والقديم عندنا الكلام النفسي، واعترض بأنه مخالف لما اتفقت عليه آراء الأشاعرة من أن الحكم قديم والنسخ لا يجري إلا في الأحكام،

    ملحوظة

    عند الامام الاشعرى الكلام الازلي يشمل الامر والنهى و.........

    سؤال

    لماذا ختمت الاية بصفة القدرة !!!!!!!!!!!!!!!!

    وقال القرطبي

    السادسة: اختلفت عبارات أئمتنا في حدّ الناسخ؛ فالذي عليه الحُذَّاق من أهل السُّنة أنه إزالة ما قد استقرّ من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخياً؛ هكذا حدّه القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر، وزادا: لولاه لكان السابق ثابتاً؛ فحافظا على معنى النسخ اللغوي، إذ هو بمعنى الرفع والإزالة، وتحرّزاً من الحكم العقلي، وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره؛ وليخرج القياس والإجماع، إذ لا يتصوّر النسخ فيهما ولا بهما. وقيّدا بالتراخي؛ لأنه لو ظ±تصل به لكان بياناً لغاية الحكم لا ناسخاً، أو يكون آخر الكلام يرفع أوّله؛ كقولك: قم لا تقم.

    السابعة: المنسوخ عند أئمتنا أهل السُّنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله؛ كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدّم زائل. والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة، وأن الحس صفة نفسيّة للحسن، ومراد الله حَسَن؛ وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم.

  13. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

    قال الالوسي

    تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ } أي تجدوا ثوابه لديه سبحانه فالكلام على حذف مضاف، وقيل: الظاهر أن المراد تجدوه في علم الله تعالى، والله تعالى عالم به إلا أنه بالغ في كمال علمه فجعل ثبوته في علمه بمنزلة ثبوت نفسه عنده وقد أكد تلك المبالغة بقوله سبحانه: { إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } حيث جعل جميع ما يعملون مبصراً له تعالى فعبر عن علمه تعالى بالبصر مع أن قليلاً مما يعملون من المبصرات، وكأنه لهذا فسر الزمخشري البصير بالعالم، وأما قول العلامة إنه إشارة إلى نفي الصفات، وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى إلا تعلق ذاته بالمعلومات ففيه أن التفسير لا يفيد إلا أن المراد من البصير هٰهنا العالم ولا دلالة على كونه نفس الذات أو زائداً عليه ولا على أن ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى سوى التعلق المذكور،

    ملحوظة

    اخى الحبيب معروف اختلاف اهل السنة فى صفة السمع والبصر منهم من رده الي العلم ومنهم من قال صفة مغايرة للعلم والصحيح الثانى

    ومعروف اختلاف اهل السنة هل يتعلق السمع والبصر بالموجودات ام السمع بالمسموعات والبصر بالمبصرات كماذهب اليه العلامة التفتازانى والمشهور الاول

    واعلم اخى الحبيب ان تعلق السمع والبصر عند اهل السنة التنجيزى القديم يكون بذات الله اما التعلق بالموجودات لايكون الا تنجيزى حادث عند وجوده او صلوحى قديم

    وهنا اشارة لطيفة

    ذهب الصوفية ان التعلق التنجيزى القديم لصفة السمع والبصر يكون بالمعدوم

    وكى اقرب المثال

    عند اهل السنة سمع الله قول المجادلة فى مالم يزل فتعلق السمع والبصر تعلق تنجيزى حادث

    وعند الصوفية سمعها فى مالم يزل

    وهنا يقال لاهل السنة

    هل معنى ماذهبتم اليه تجدد السمع والبصر بتجدد المسموعات والمبصرات

    الاجابة لا

    بل التجدد فى التعلقات لا الصفة القديمة ولا اشكال فى تجدد التعلقات التى هى امر زائد عن قيام الصفة بمحلها

    وقد يقول قائل

    لماذا جعل اهل السنة التعلق التنجيزى القديم للعلم بالمعدوم

    اما السمع والبصر لم يشمله المعدوم !!!!!!!!!!!!!

    لاول وهلة يقال لانه لو تعلق سمع الله وبصره بالمعدوم ازلا للزم قدم المخلوق وهو محال

    يقال له ولم لايقال تعلق سمع الله وبصره ازلا بالمعدوم ولايلزم قدم المخلوق كماذهب اليه السادة الصوفية

    والحقيقة انا اميل لما ذهب اليه اهل التصوف

    والخلاف عميق وممتع حقيقة وبه تدبر لايات واحاديث واعلم اخى الحبيب ان الخلاف بين اهل السنة فى علم التوحيد رحمة فاياك ثم اياك ان ترد قولا للسادة الماتريدية مثلا او للسادة الحنابلة مثلا فالاساس واحد عند الجميع

    وعلي الله اعتمادى وتوكلى

  14. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }

    قال الرازى

    المسألة الرابعة الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه، وبيانه من وجهين، الأول أنه تعالى قال { وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولاً وعرضاً وعمقاً، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، وكل منقسم فهو مؤلف مركب، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها، أعني الفوق والتحت، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات والأحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات. الوجه الثاني أنه تعالى قال { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } ولو كان الله تعالى جسماً وله وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين، الأول أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسماً. الثاني أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً، والسعة من صفة الأجسام. والجواب عن الأول أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه.

    الأول أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف، فقوله { فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } أي فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة. الثاني أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر
    استغفر الله ذنباً لست أحصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
    ونظيره قوله تعالى
    { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }
    الأنعام 79. الثالث أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله، ونظيره قوله تعالى
    { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ }
    الإنسان 9 يعني لرضوان الله، وقوله
    { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    القصص 88 يعني ما كان لرضا الله، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه. الرابع أن الوجه صلة كقوله
    { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    القصص 88 ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره، إنما يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى، فإنه يقال لهذا القائل فما معنى قوله تعالى { فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد فثم قبلته التي يعبد بها، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه والتماس مرضاته. والجواب عن الثاني وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق، بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك، أو على أنه واسع العطاء والرحمة، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق، ولا يجوز حمله على السعة في العلم، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكراراً..

  15. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,152
    { بَدِيعُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَإِذَا قَضَىظ° أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

    قال الرازى

    المسألة الخامسة اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى
    { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    آل عمران 47 هو أنه تعالى يقول له { كُنَّ } فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه. الأول أن قوله { كُنْ فَيَكُونُ } إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على { كُنَّ } إنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه. الأول أن كلمة { كُنَّ } لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد وأن يكون محدثاً، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً. الثاني أن كلمة { إِذَا } لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثاً لأنه دخل عليه حرف { إِذَا } وقوله { كُنَّ } مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ } والمتأخر عن المحدث محدث، فاستحال أن يكون { كُنَّ } قديماً. الثالث أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله { كُنَّ } بفاء التعقيب فيكون قوله { كُنَّ } مقدماً على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثاً فقوله { كُنَّ } لا يجوز أن يكون قديماً، ولا جائز أيضاً أن يكون قوله { كُنَّ } محدثاً لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله { كُنَّ } وقوله { كُنَّ } أيضاً محدث فيلزم افتقار { كُنَّ } آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله { كُنَّ }.

    الحجة الثانية أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود، والأول باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه، والثاني أيضاً باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجوداً وذلك أيضاً لا فائدة فيه. الحجة الثالثة أن المخلوق قد يكون جماداً، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم. الحجة الرابعة أن القادر هوالذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات، فإذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله { كُنَّ } فإما أن يتمكن من الإيجاد والأحداث أو لا يتمكن، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفاً على قوله { كُنَّ } وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ. الحجة الخامسة أن { كُنَّ } لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة. الحجة السادسة أن { كُنَّ } كلمة مركبة من الكاف والنون، بشرط كون الكاف متقدماً على النون، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما، فإن كان الأول لم يكن لكلمة { كُنَّ } أثر البتة، بل التأثير لأحد هذين الحرفين، وإن كان الثاني فهو محال، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلاً، وحين جاء الثاني فقد فات الأول، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة. الحجة السابعة قوله تعالى
    { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىظ° عِندَ ظ±للَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }
    آل عمران 59 بين أن قوله { كُنَّ } متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله { كُنَّ } في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب، وإذا ثبت هذا فنقول لا بد من التأويل وهو من وجوه الأول وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض

    { فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ظ±ئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }
    فصلت 11 من غير قول كان منهما لكن على سبل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى
    { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـظ°كِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
    الإسراء 44. الثاني أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً يحكى ذلك عن أبي الهذيل. الثالث أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم
    { كُونُواْ قِرَدَةً خَـظ°سِئِينَ }
    البقرة 65 ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم. الرابع أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول....

    ملحوظة

    صفة الكلام ليست صفة تأثير عند اهل السنة وكلام الله واحد

    بل القدرة والارادة القدرة فى الايجاد والارادة فى التخصيص مع الخلاف فى التعلق التنجيزى للارادة هل يثبت ام لا

    واستدل بها الماتريدية علي صفة التكوين فقال الماتريدى

    ثم قوله: { كُنْ فَيَكُونُ }.

    ليس هو قول من الله: أَن كُنْ - بالكاف والنون - ولكنه عبارة بأَوجز كلام، يؤدي المعنى التام المفهوم؛ إذ ليس في لغة العرب كلام التحقيق بحرفين يؤدي المعنى المفهوم أَوجز من هذا، وما سوى هذا فهو من الصِّلات، والأَدوات، فلا يفهم معناها، والله أعلم.

    ثم الآية تردُّ على من يقول: بأَن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأَنه قال: { وَإِذَا قَضَىظ° أَمْراً } ذكر " قَضى " وذكر " أَمْراً " ، وذكر " كُنْ فَيَكُونُ ". ولو كان التكوين والمكون واحداً لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فالـ " كن " تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره.

    ثم لا يخلو التكوين: إما أَن لم يكن فحدث، أَو كان في الأَزل.

    فإن لم يكن فحدث، فإِما أَن يحدث بنفسه - ولو جاز ذلك فى شيء لجاز في كل شيء - أَو بإِحداث آخَر، فيكون إحداث بإحداث، إِلى ما لا نهاية له. وذلك فاسد، ثبت أَن الإِحداث والتكوين ليس بحادث، وأَن الله تعالى موصوف في الأَزل أَنه محدث، مكون؛ ليكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وبالله التوفيق....

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { فيَكُونُ } قُرىء برفع النون على الاستئناف. قال سيبويه: فهو يكون، أو فإنه يكون. وقال غيره: وهو معطوف على «يقول»؛ فعلى الأوّل كائناً بعد الأمر، وإن كان معدوماً فإنه بمنزلة الموجود إذ هو عنده معلوم؛ على ما يأتي بيانه. وعلى الثاني كائناً مع الأمر؛ وظ±ختاره الطبري وقال: أمره للشيء بـ «ـكن» لا يتقدّم الوجود ولا يتأخّر عنه؛ فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجوداً إلا وهو مأمور بالوجود، على ما يأتي بيانه. قال: ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله ولا يتأخّر عنه؛ كما قال
    { ثُمَّ إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ }
    [الروم: 25]. وضعّف ظ±بن عطية هذا القول وقال: هو خطأ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود.

    وتلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله عزّ وجلّ لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخّر المعلومات. فكلُّ ما في الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات؛ إذ المحَدثات تجيء بعد أن لم تكن. وكل ما يُسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل. والمعنى الذي تقتضيه عبارة «كن»: هو قدم قائم بالذات.

    وقال أبو الحسن الماوَرْدِي فإن قيل: ففي أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حال عدمه، أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه ظ±ستحال أن يأمر إلا مأموراً، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر؛ وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث؛ لأنه موجود حادث؟ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة:

    أحدها: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود؛ كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قِرَدَةً خاسئين؛ ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات.

    الثاني: أن الله عزّ وجلّ عالم بما هو كائن قبل كونه؛ فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة؛ فجاز أن يقول لها: كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود؛ لتصوّر جمعيها له ولعلمه بها في حال العدم.

    الثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى عامّ عن جميع ما يُحدثه ويكوّنه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده؛ فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً؛ كقول أبي النَّجْم:
    قد قالتِ الأنْساع للبَطْنِ ظ±لْحَقِ
    ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظَّهْر قد لَحِق بالبطن، وكقول عمرو بن حممة الدُّوسِيّ:
    فأصبحتُ مثلَ النسْر طارتِ فِراخُه إذا رامَ تطْياراً يقل له قَع
    وكما قال الآخر:
    قالت جناحاه لساقَيْهِ ظ±لحقا ونجّيَا لحمكما أن يمزّقا

    ملحوظة

    تكلم القاضي الباقلانى فى تمهيد الاوائل عن قوله تعالي كن فيكون والرد علي استدلالات المعتزلة بها فى خلق او حدوث الكلام فى كلام طويل متين راجعه وهى من دلائل السنة علي عدم خلق القرآن

    ورد القاضي عبد الجبار فى المغنى علي اهل السنة بها فى كلام طويل فى صفة الكلام

    سماها الشبهة الخامسة انظر الصورة وكل يستدل علي عقيدته بكتاب الله وفى تمهيد الباقلانى رد علي كلامه

    Screenshot_2017-05-07-11-13-39.png

صفحة 4 من 17 الأولىالأولى 1234567814 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •