صفحة 34 من 46 الأولىالأولى ... 2430313233343536373844 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 496 إلى 510 من 688

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #496
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    سورة الشعراء

    قال الرازى

    الرابعة: احتجت المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى: { وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ مُحْدَثٍ } فقالوا الذكر هو القرآن لقوله تعالى:
    { وَهَـظ°ذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ }
    [الأنبياء: 50] وبين في هذه الآية أن الذكر محدث فيلزم من هاتين الآيتين أن القرآن محدث، وهذا الاستدلال بقوله تعالى:
    { ظ±للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ظ±لْحَدِيثِ كِتَـظ°باً }
    [الزمر: 23] وبقوله:
    { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ }
    [المرسلات: 50] وإذا ثبت أنه محدث فله خالق فيكون مخلوقاً لا محالة والجواب: أن كل ذلك يرجع إلى هذه الألفاظ ونحن نسلم حدوثها إنما ندعي قدم أمر آخر وراء هذه الحروف، وليس في الآية دلالة على ذلك.

    ملحوظة

    تكلمنا قبل ذلك عن عقيدتنا فى القرآن فلا حاجة الي التكرار

    قال الحافظ الاسماعيلي الاشعرى فى اعتقاده المشهور


    القرآن كلام الله
    ويقولون : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإنما كيفما يصرف بقراءة القارئ له ، وبلفظه ، ومحفوظا في الصدور ، متلوًا بالألسن ، مكتوباَ في المصاحف ، غير مخلوق ، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن ، فهو قد قال بخلق القرآن .

    وقال الالوسي

    وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } قيل: أي وما كان في علم الله تعالى ذلك واعترض بناء على أنه يفهم من السياقة العلية بأن علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس. ورد بأن معنى كونه علمه تعالى تابعاً للمعلوم أن علمه سبحانه في الأزل بمعلوم معين حادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية وأما وجود الماهية فيما لا يزال فتابع لعلمه تعالى الأزلي التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق وتوجد فيما لا يزال كذلك فنفس موتهم على الكفر وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزلي ووقوعه تابع له، ونقل عن سيبويه أن { كَانَ } صلة والمعنى وما أكثرهم مؤمنين فالمراد الإخبار عن حالهم في الواقع لا في علم الله تعالى الأزلي وارتضاه شيخ الإسلام، وقال: هو الأنسب بمقام بيان عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد مع تعاقد موجبات / الإيمان من جهته عز وجل وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى [وقضائه] فربما يتوهم منها كونهم معذورين فيه بحسب الظاهر ويحتاج حينئذ إلى تحقيق عدم العذر بما يخفى على العلماء المتقنين، والمعنى على الزيادة وما أكثرهم مؤمنين مع عظم الآية الموجبة للإيمان لغاية تماديهم في الكفر والضلالة وانهماكهم في الغي والجهالة، ويجوز على قياس ما مر عن بعض الأجلة في قوله تعالى:
    { ألا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }
    [الشعراء: 3] أن يقال: إن { كَانَ } للاستمرار واعتبر بعد النفي فالمراد استمرار نفي إيمان أكثرهم مع عظم الآية الموجبة لإيمانهم، وفيه من تقبيح حالهم ما فيه. وهذا المعنى وإن تأتي على تقدير إسقاط { كَانَ } بأن يعتبر الاستمرار الذي تفيده الجملة الاسمية بعد النفي أيضاً إلا أنه فرق بين الاستمرارين بعد اعتبار (كان) قوة وضعفاً فتدبر، ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من لم يكن كذلك.

    وقال الرازى

    { وَإِذْ نَادَىظ° رَبُّكَ مُوسَىظ° أَنِ ظ±ئْتِ ظ±لْقَوْمَ ظ±لظَّالِمِينَ } * { قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ }

    اختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى عليه السلام من الله تعالى، هل هو كلامه القديم أو هو ضرب من الأصوات، فقال أبو الحسن الأشعري: المسموع هو الكلام القديم، وكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الأشياء، مع أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحروف والأصوات مع أنه مسموع، وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام كان نداء من جنس الحروف والأصوات، وذلك لأن الدليل لما دل على أنا رأينا الجوهر والعرض، ولا بد من علة مشتركة بينهما لصحة الرؤية، ولا علة إلا الوجود، حكمنا بأن كل موجود يصح أن يرى، ولم يثبت عندنا أنا نسمع الأصوات والأجسام حتى يحكم بأنه لا بد من مشترك بين الجسم والصوت، فلم يلزم صحة كون كل موجود مسموعاً فظهر الفرق، أما المعتزلة فقد اتفقوا على أن ذلك المسموع ما كان إلا حروفاً وأصواتاً، فعند هذا قالوا إن ذلك النداء وقع على وجه علم به موسى عليه السلام أنه من قبل الله تعالى، فصار معجزاً علم به أن الله مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة

    ملحوظة

    تأمل جيدا كلام الرازى فالامام الاشعرى اثبت السماع رغم نفي الصوت والحرف وتأمل سر اعتقاد الماتريدى والخلاف بينه وبين الاشعرى تعلم ان الزام الاشاعرة لحدوث الصوت والحرف المثبت عند الحنابلة واقع عليهم من اثبات سماع الازلي من قبل الماتريدى فتأمل

    ملحوظة اخرى

    عقيدة اهل السنة المتجدد الاسماع لا الكلام الازلي القديم فتأمل

    قال الرازى

    أما قوله: { وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ } فأراد بالذنب قتله القبطي، وقد ذكر الله تعالى هذه القصة مشروحة في سورة القصص. واعلم أنه ليس في التماس موسى عليه السلام، أن يضم إليه هرون ما يدل على أنه استعفى من الذهاب إلى فرعون بل مقصوده فيما سأل أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد، واختلفوا فقال بعضهم إنه وإن كان نبياً فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة لأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين، وهذا قول الكعبي وغيره من البغداديين لأنهم يجوزون دخول الشرط في تكليف الله تعالى العبد، والذي ذهب إليه الأكثرون أن ذلك لا يجوز لأنه تعالى إذا أمر فهو عالم بما يتمكن منه المأمور وبأوقات تمكنه، فإذا علم أنه غير متمكن منه فإنه لا يأمره به، وإذا صح ذلك فالأقرب في الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه تعالى يمكنهم من أدائها وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت، ومثل ذلك لا يكون إغراء في الأنبياء وإن جاز أن يكون إغراء في غيرهم. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول قول موسى عليه السلام: { وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ } هل يدل على صدور الذنب منه؟ جوابه: لا والمراد لهم عليَّ ذنب في زعمهم.

    وقال الالوسي

    وجوز أن يكون { إِنَّا مَعَكُمْ } فقط تمثيلاً لحاله عز وجل في نصره وإمداده بحال من ذكر ويكون الاستماع مجازاً عن السمع وهو بحسب ظاهره لكونه لم يطلق عليه سبحانه كالسمع كالقرينة وإن كان مجازاً والقرينة في الحقيقة عقلية وهي استحالة حضوره تعالى شأنه في مكان، ولا بد على هذا من أن يقال: إن الاستماع المذكور في تقرير التمثيل ليس هو الواقع في النظم الكريم بل هو من لوازم حضور الحكم للخصومة وفيه بعد. ثم إن ما ذكروه وإن كان مبنياً على جعل الخطاب لموسى وهارون وفرعون يمكن إجراؤه على جعله لهما عليهما السلام ولمن يتبعهما أولهما فقط أيضاً بأدنى عناية فافهم ولا تغفل. وزعم بعضهم أن المعية والاستماع على حقيقتهما ولا تمثيل، والمراد أن ملائكتنا معكم مستمعون وهو مما لا ينبغي أن يستمع، ولا بد في الكلام على هذا التقدير من إرادة الإعانة والنصرة وإلا فبمجرد معية الملائكة عليهم السلام واستماعهم لا يطيب قلب موسى عليه السلام.

  2. #497
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الرازى

    وقوله: { فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً } كالتنصيص على أن ذلك الحكم من خلق الله تعالى، وقالت المعتزلة: المراد منه الألطاف وهو ضعيف جداً لأن الألطاف مفعولة في حق الكل من غير بخس ولا تقصير، فالتخصيص لا بد فيه من فائدة، ...

    وقال الالوسي

    وَأَنَاْ مِنَ ظ±لضَّالِّينَ } أي من الجاهلين وقد جاء كذلك في قراءة ابن عباس وابن مسعود كما نقله أبو حيان في «البحر» لكنه قال: ويظهر أن ذاك تفسير للضالين لا قراءة مروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأراد عليه السلام بذلك على ما روي عن قتادة أنه فعل ذلك جاهلاً به غير متعمد إياه فإنه عليه السلام إنما تعمد الوكز للتأديب فأدى إلى ما أدى، وفي معنى ما ذكر ما روي عن ابن زيد من أن المعنى وأنا من الجاهلين بأن وكزتي تأتي على نفسه، وقيل: المعنى فعلتها مقدماً عليها من غير مبالاة بالعواقب على أن الجهل بمعنى الإقدام من غير مبالاة كما فسر بذلك في قوله:
    ألا لا يجلهن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
    وهذا مما يحسن على بعض الأوجه في تقرير الجواب المذكور، قيل: إن الضلال هظ°هنا المحبة كما فسر بذلك في قوله تعالى:
    { تَظ±للَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـظ°لِكَ ظ±لْقَدِيمِ }
    [يوسف: 95] وعنى عليه السلام أنه قتل القبطي غيرة لله تعالى حيث كان عليه السلام من المحبين له عز وجل وهو كما ترى، ومثله ما قيل أراد من الجاهلين بالشرائع، وفسر الضلال بذلك في قوله تعالى:
    { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىظ° }
    [الضحى: 7]، وقال أبو عبيدة: من الناسين، وفسر الضلال بالنسيان في قوله تعالى:
    { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ظ±لأُخْرَىظ° }
    [البقرة: 282] وعليه قيل المراد فعلتها ناسياً حرمتها، وقيل: ناسياً أن وكزي ذلك مما يفضي إلى القتل عادة؛ والذي أميل إليه من بين هذه الأقوال ما روي عن قتادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة القصص ما يتعلق بهذا المقام

    وقال الرازى شيخ المتكلمين

    اعلم أن فرعون لم يقل لموسى { وَمَا رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } ، إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، يبين ذلك ما تقدم من قوله:
    { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ }
    [الشعراء: 16] فلا بد عند دخولهما عليه أنهما قالا ذلك، فعند ذلك قال فرعون: { وَمَا رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } ثم ههنا بحثان: الأول: أن فرعون يحتمل أن يقال إنه كان عارفاً بالله، ولكنه قال ما قال طلباً للملك والرياسة، وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان عارفاً بالله، وهو قوله:
    { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ }
    [الإسراء: 102] فإذا قرىء بفتح التاء من { عَلِمَتِ } فالمراد أن فرعون علم ذلك، وذلك يدل على أنه كان عارفاً بالله، لكنه كان يستأكل قومه بما يظهره من إلهيته، والقراءة الأخرى برفع التاء من { عَلِمَتِ } فهي تقتضي أن موسى عليه السلام هو الذي عرف ذلك، وأيضاً فإن فرعون إن لم يكن عاقلاً لم يجز من الله تعالى بعثة الرسول إليه، وإن كان عاقلاً فهو يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً ولا حياً ولا عاقلاً ثم صار كذلك، وبالضرورة يعلم أن كل ما كان كذلك فلا بد له من مؤثر، فلا بد وأن يتولد له من هذين العلمين علم ثالث بافتقاره في تركيبه وفي حياته وعقله إلى مؤثر موجد، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحركة لذواتها، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم، أو يقال إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار، ثم اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الحلولية، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهاً. البحث الثاني: وهو أنه قال لموسى عليه السلام: { وَمَا رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ }؟ واعلم أن السؤال بما طلب لتعريف حقيقة الشيء، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة أو بشيء من أجزائها أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب من الداخل والخارج. أما تعريفها بنفسها فمحال، لأن المعرف معلوم قبل المعرف، فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوماً قبل أن يكون معلوماً وهو محال. وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فههنا في حق واجب الوجود محال، لأن التعريف بالأمور الداخلة لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركباً، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركباً، لأن كل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه فهو غيره، فكل مركب محتاج إلى غيره، وكل ما احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل مركب فهو ممكن، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركباً، فواجب الوجود ليس بمركب، وإذا لم يكن مركباً استحال تعريفه بأجزائه، ولما بطل هذان القسمان ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره، ثم إن اللوازم قد تكون خفية، وقد تكون جلية، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية، وأظهر آثار ذات واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس وهو السموات والأرض وما بينهما فقد ثبت أنه لا جواب ألبتة لقول فرعون { وَمَا رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } إلا ما قاله موسى عليه السلام، وهو أنه رب السموات والأرض وما بينهما، فأما قوله: { إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } فمعناه: إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته، ثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره، وثبت أن تلك الآثار لا بد وأن تكون أظهر آثاره، وأبعدها عن الخفاء وما ذاك إلا السموات والأرض وما بينهما، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى، يعني أنا أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة، وهو يجيبني بالفاعلية والمؤثرية، وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد الوقوف على نفس تلك الماهية، وذلك لأنا إذا قلنا في الشيء إنه الذي يلزمه اللازم الفلاني، فهذا المذكور، إما أن يكون معروفاً لمجرد كونه أمراً ما يلزمه ذلك اللازم أو لخصوصية تلك الماهية التي عرضت لها هذه الملزومية، والأول محال لأن كونه أمراً يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفاً فلو كان المكشوف هو هذا القدر لزم كون الشيء معروفاً لنفسه وهو محال، والثاني محال لأن العلم بأنه أمر ما يلزمه اللازم الفلاني لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية الملزومة، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الماهيات المختلفة في لوازم متساوية فثبت أن التعريف بالوصف الخارجي لا يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن كونه رباً للسموات والأرض وما بينهما جواباً عن قوله: { وَمَا رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } فأجاب موسى عليه السلام: بأن { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ظ±لأَوَّلِينَ } وكأنه عدل عن التعريف بخالقية السماء والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها فهي غنية عن الخالق والمؤثر، ولكن لا يمكن أن يعتقد العاقل في نفسه وأبيه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم، لم أن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم ثم عدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، وما لم يكن واجباً لذاته استحال وجوده إلا لمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه فقال فرعون: { إِنَّ رَسُولَكُمُ ظ±لَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } يعني المقصود من سؤال ما طلب الماهية وخصوصية الحقيقة والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد ألبتة تلك الخصوصية، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى عليه السلام: { رَبُّ ظ±لْمَشْرِقِ وَظ±لْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار، والأمر ظاهر في أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ظ±لأَوَّلِينَ } فأجابه نمروذ بقوله:


    { أنا أحيي وأميت }
    [البقرة: 258] فقال:
    { فَإِنَّ ظ±للَّهَ يَأْتِى بِظ±لشَّمْسِ مِنَ ظ±لْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ظ±لْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ظ±لَّذِى كَفَرَ }
    [البقرة: 258] وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله: { رَّبُّ ظ±لْمَشْرِقِ وَظ±لْمَغْرِبِ }. وأما قوله: { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } فكأنه عليه السلام قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لأنك طلبت مني تعريف حقيقته بنفس حقيقته، وقد ثبت أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته، وأنا قد عرفت حقيقته بآثار حقيقته فقد ثبت أن كل من كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن هذا السؤال إلا ما ذكرته. واعلم أنا قد بينا في سورة الأنعام 18 في تفسير قوله تعالى:
    { وَهُوَ ظ±لْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ }
    أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي هي غير معقولة للبشر، وإذا كان كذلك استحال من موسى عليه السلام أن يذكر ما تعرف به تلك الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة فكان حاصل كلام موسى عليه السلام أن ادعاء رسالة رب العالمين تتوقف صحته على إثبات أن للعالمين رباً وإلهاً ولا تتوقف على العلم بخصوصية الرب تعالى وماهيته المعينة، فكأن موسى عليه السلام يقيم الدلالة على إثبات القدر المحتاج إليه في صحة دعوى الرسالة، وفرعون يطالبه ببيان الماهية، وموسى عليه السلام كان يعرض عن سؤاله لعلمه بأنه لا تعلق لذلك السؤال نفياً ولا إثباتاً في هذا المطلوب، فهذا تمام القول في هذا البحث والله أعلم...

    { أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ }؟ أي هل تستجيز أن تسجنني مع اقتداري على أن آتيك بأمر بين في باب الدلالة على وجود الله تعالى وعلى أني رسوله؟ فعند ذلك قال: { فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ظ±لصَّـظ°دِقِينَ } وههنا فروع: الفرع الأول: الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم لأنه لو كان جسماً وله صورة لكان جواب موسى عليه السلام بذكر حقيقته ولكان كلام فرعون لازماً له لعدوله عن الجواب الحق

    وقال الالوسي

    إِن كُنتَ مِنَ ظ±لصَّـظ°دِقِينَ } أي فيما يدل عليه كلامك من أنك تأتي بشيء موضح لصدق دعواك أو من الصادقين في دعوى الرسالة من رب العالمين، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن كنت من الصادقين فأت به، وقدره الزمخشري أتيت به، والمشهور تقديره من جنس الدليل. وقال الحوفي: يجوز أن يكون ما تقدم هو الجواب وجاز تقديم الجواب لأن حذف الشرط لم يعمل في اللفظ شيئاً، وقد بهت الزمخشري عامله الله تعالى بعدله أهل السنة بما هم منه برآء كما بينه صاحب «الكشف» وغيره فارجع إليه إن أردته....

    { فَأَلْقَى } موسى بعد أن قال له فرعون ذلك { عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } ظاهر ثعبانيته أي ليس بتمويه وتخييل كما يفعله السحرة، والثعبان أعظم ما يكون من الحيات واشتقاقه من ثعب الماء بمعنى جرى جرياً متسعاً، وسمي به لجريه بسرعة من غير رجل كأنه ماء سائل، والظاهر أن نفس العصا انقلبت ثعباناً وليس ذلك بمحال إذا كان بسلب الوصف الذي صارت به عصا وخلقه وصف الذي يصير ثعباناً بناء على رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات إنما المحال انقلابها ثعباناً مع كونها عصا لامتناع كون الشيء الواحد في الزمن الواحد عصا وثعباناً، وقيل: إن ذلك بخلق الثعبان بدلها وظواهر الآيات تبعد ذلك،...


    { قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } أي أخر أمرهما إلى أن تأتيك السحرة من أرجأته إذا أخرته، ومنه المرجئة وهم الذين يؤخرون العمل لا يأتونه ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة

    وقال الرازى

    أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ } فإن قيل كيف جاز لموسى عليه السلام أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي وذلك سحر وتلبيس وكفر والأمر بمثله لا يجوز الجواب: لا شبهة في أن ذلك ليس بأمر لأن مراد موسى عليه السلام منهم كان أن يؤمنوا به ولا يقدموا على ما يجري مجرى المغالبة، وإذا ثبت هذا وجب تأويل صيغة الأمر وفيه وجوه: أحدها: ذلك الأمر كان مشروطاً والتقدير ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين كما في قوله:
    { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ... إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ }
    [البقرة: 23] وثانيها: لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً وثالثها: أن هذا ليس بأمر بل هو تهديد، أي إن فعلتم ذلك أتينا بما تبطله، كقول القائل لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن ثم يفوق له السهم فيقول له ارم فيكون ذلك منه تهديداً ورابعها: ما ذكرنا أنهم لما تواضعوا له وقدموه على أنفسهم فهو قدمهم على نفسه على رجاء أن يصير ذلك التواضع سبباً لقبول الحق ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب، وهذا تنبيه على أن اللائق بالمسلم في كل الأحوال التواضع، لأن مثل موسى عليه السلام لما لم يترك التواضع مع أولئك السحرة، فبأن يفعل الواحد منا أولى...

    أما قوله: { فَأُلْقِىَ ظ±لسَّحَرَةُ سَـظ°جِدِينَ } فالمراد خروا سجداً لأنهم كانوا في الطبقة العالية من علم السحر، فلا جرم كانوا عالمين بمنتهى السحر، فلما رأوا ذلك وشاهدوه خارجاً عن حد السحر علموا أنه ليس بسحر، وما كان ذلك إلا ببركة تحقيقهم في علم السحر، ثم إنهم عند ذلك لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحاً، فإن قيل فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به؟ جوابه: هو الله تعالى بما حصل في قلوبهم من الدواعي الجازمة الخالية عن المعارضات ولكن الأولى أن لا نقدر فاعلاً لأن ألقى بمعنى خر وسقط

    وقال الالوسي

    وفي سجود السحرة وتسليمهم دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئاً لا حقيقة له لأن السحر أقوى ما كان في زمن موسى عليه السلام ومن أتى به فرعون أعلم أهل عصره به وقد بذلوا جهدهم وأظهروا أعظم ما عندهم / منه ولم يأتوا إلا بتمويه وتزويق كذا قيل. والتحقيق أن ذلك هو الغالب في السحر لا أن كل سحر كذلك. وقول القزويني: إن دعوى أن في السحر تبديل صورة حقيقة من خرافات العوام وأسمار النسوة فإن ذلك مما لا يمكن في سحر أبداً لا يخلو عن مجازفة، واستدل بذلك أيضاً على أن التبحر في كل علم نافع فإن أولئك السحرة لتبحرهم في علم السحر علموا حقية ما أتى به موسى عليه السلام وأنه معجزة فانتفعوا بزيادة علمهم لأنه أداهم إلى الاعتراف بالحق والإيمان لفرقهم بين المعجزة والسحر...

    وقال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب السادس عشر والباب الأربعين من «الفتوحات»: إن العصا لم تلقف إلا صور الحيات من الحبال والعصي وأما هي فقد بقيت ولم تعدم كما توهمه بعض المفسرين ويدل عليه قوله تعالى:
    { تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ }
    [طه: 69] وهو لم يصنعوا إلا الصور ولولا ذلك لوقعت الشبهة للسحرة في عصا موسى عليه السلام فلم يؤمنوا انتهى ملخصاً فتأمل...

    وقال الرازى

    . أما قوله تعالى: { فَأَخْرَجْنَـظ°هُمْ } فالمراد إنا جعلنا في قلوبهم داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة

  3. #498
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الرازى

    البحث الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم هنالك في طلب موسى كفر أجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: أن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى فلما كان مسيرهم بتدبيره وهؤلاء تبعوا ذلك أضافه إلى نفسه توسعاً وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول أتعبني الغلام لما حدث ذلك فعله الثاني: قيل: { ظ±لْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ظ±لأَخَرِينَ } أي أزلفناهم إلى الموت لأجل أنهم في ذلك الوقت قربوا من أجلهم وأنشد:
    وكل يوم مضى أو ليلة سلفت فيها النفوس إلى الآجال تزدلف
    وأجاب الكعبي عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى لما حلم عنهم، وترك البحر لهم يبساً وطمعوا في عبوره جازت الإضافة كالرجل يسفه عليه صاحبه مراراً فيحلم عنه، فإذا تمادى في غيه وأراه قدرته عليه قال له أنا أحوجتك إلى هذا وصيرتك إليه بحلمي، لا يريد بذلك أنه أراد ما فعل الثاني: يحتمل أنه أزلفهم أي جمعهم ليغرقهم عند ذلك ولكي لا يصلوا إلى موسى وقومه والجواب: عن الأول أن الذي فعله بنو إسرائيل هل له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم أوليس له أثر فيه فإن كان الأول فقد حصل المقصود لأن لفعل الله تعالى أثراً في حصول الداعية المستلزمة لذلك الإزلاف، وإن لم يكن له فيه أثر ألبتة فقد زال التعلق فوجب أن لا تحسن الإضافة، وأما إذا تعب أحدنا في طلب غلام له، فإنما يجوز أن يقول أتعبني ذلك الغلام لما أن فعل ذلك الغلام صار كالمؤثر في حصول ذلك التعب لأنه متى فعل ذلك الفعل فالظاهر أنه يصير معلوماً للسيد، ومتى علمه صار علمه داعياً له إلى ذلك التعب ومؤثراً فيه فصحت الإضافة. وبالجملة فعندنا القادر لا يمكنه الفعل إلا بالداعي فالداعي مؤثر في صيرورة القادر مؤثراً في ذلك الفعل فلا جرم حسنت الإضافة والجواب: عن الثاني وهو أنه أزلفهم ليغرقهم فهو أنه تعالى ما أزلفهم بل هم بأنفسهم ازدلفوا ثم حصل الغرق بعده، فكيف يجوز إضافة هذا الإزلاف إلى الله تعالى؟ أما على قولنا فإنه جائز لأنه تعالى هو الذي خلق الداعية المستعقبة لذلك الازدلاف والجواب: عن الثالث وهو أن حلمه تعالى عنهم وحملهم على ذلك، فنقول ذلك الحلم هل له أثر في استجلاب هذه الداعية أم لا؟ وباقي التقرير كما تقدم والجواب: عن الرابع هو بعينه الجواب عن الثاني، والله أعلم.....

    وَجَدْنَا ءابَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالاستدلال، إذ لو قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذممنا الاستدلال لكان ذلك مدحاً لطريقة الكفار التي ذمها الله تعالى وذماً لطريقة إبراهيم عليه السلام التي مدحها الله تعالى فأجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله: { أَفَرَءيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ الأَقدمون } أراد به أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً، ولا بأن يكون في فاعلية كثرة أو قلة.....

    لم قال: { وَظ±لَّذِى أَطْمَعُ } والطمع عبارة عن الظن والرجاء، وإنه عليه السلام كان قاطعاً بذلك؟ جوابه: أن هذا الكلام لا يستقيم إلا على مذهبنا، حيث قلنا إنه لا يجب على الله لأحد شيء، وأنه يحسن منه كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، وأجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: أن قوله: { وَظ±لَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى } أراد به سائر المؤمنين لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به الثاني: المراد من الطمع اليقين، وهو مروي عن الحسن وأجاب صاحب «الكشاف»: بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليماً منه لأمته كيفية الدعاء. واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة، أما الأول: فلأن الله تعالى حكى عنه الثناء أولاً والدعاء ثانياً ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم عليه السلام فجعل الشيء الواحد وهو قوله: { وَظ±لَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ظ±لدِينِ } كلام غيره مما يبطل نظم الكلام ويفسده، وأما الثاني: وهو أن الطمع هو اليقين فهذا على خلاف اللغة، وأما الثالث: وهو أن الغرض منه تعليم الأمة فباطل أيضاً لأن حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة، وهو باطل قطعاً. السؤال الثاني: لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزعون عن الخطايا قطعاً؟، وفي جوابه ثلاثة وجوه: أحدها: أنه محمول على كذب إبراهيم عليه السلام في قوله:
    { فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ }
    [الأنبياء: 63] وقوله:
    { إِنّى سَقِيمٌ }
    [الصافات: 89] وقوله لسارة: إنها أختي وهو ضعيف لأن نسبة الكذب إليه غير جائزة وثانيها: أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس وهذا ضعيف لأنه إن كان صادقاً في هذا التواضع فقد لزم الإشكال، وإن كان كاذباً فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به لأجل تنزيهه عن المعصية وثالثها: وهو الجواب الصحيح أن يحمل ذلك على ترك الأولى، وقد يسمى ذلك خطأ فإن من ملك جوهرة وأمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار فإن باعها بدينار، قيل إنه أخطأ، وترك الأولى على الأنبياء جائز. السؤال الثالث: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؟ جوابه: لأن أثرها يظهر يوم الدين وهو الآن خفي لا يعلم. السؤال الرابع: ما فائدة لي في قوله: { يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى }؟ وجوابه من وجوه: أحدها: أن الأب إذا عفا عن ولده والسيد عن عبده والزوج عن زوجته فذلك في أكثر الأمر إنما يكون طلباً للثواب وهرباً عن العقاب أو طلباً لحسن الثناء والمحمدة أو دفعاً للألم الحاصل من الرقة الجنسية وإذا كان كذلك لم يكن المقصود من ذلك العفو رعاية جانب المعفو عنه بل رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغي أو لدفع ما لا ينبغي، أما الإله سبحانه فإنه كامل لذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن أو يزول عنه نقصان كان، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه فقوله: { وَظ±لَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى } يعني هو الذي إذا غفر كان غفرانه لي ولأجلي لا لأجل أمر عائد إليه ألبتة وثانيها: كأنه قال خلقتني لا لي فإنك حين خلقتني ما كنت موجوداً وإذا لم أكن موجوداً استحال تحصيل شيء لأجلي ثم مع هذا فأنت خلقتني، أما لو عفوت كان ذلك العفو لأجلي، فلما خلقتني أولاً مع أني كنت محتاجاً إلى ذلك الخلق فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو والمغفرة كان أولى وثالثها: أن إبراهيم عليه السلام كان لشدة استغراقه في بحر المعرفة شديد الفرار عن الالتفات إلى الوسائط، ولذلك لما قال له جبريل عليه السلام: «ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا» فههنا قال: { أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ظ±لدِينِ } أي لمجرد عبوديتي لك واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي لا أن تغفرها لي بواسطة شفاعة شافع.

    قال الالوسي

    نسبة المرض الذي هو نقمة إلى نفسه والشفاء الذي هو نعمة إلى الله جل شأنه لمراعاة حسن الأدب كما قال الخضر عليه السلام:
    { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا }
    [الكهف: 79] وقال:
    { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا }
    [الكهف: 82] ولا يرد إسناده الإماتة وهي أشد من المرض إليه عز وجل في قوله: { وَظ±لَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ }....

    وقال الزمخشري: ((إنما قال: (مرضت) دون أمرضني لأن كثيراً من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك)) وكأنه إنما عدل في التعليل عن حسن الأدب لما رأى أنه عليه السلام أضاف الإماتة إليه عز وجل وهي أشد من المرض ولم يخطر له الفرق بما مر أو نحوه وغفل عن أن المعنى الذي أبداه في المرض ينكسر بالموت أيضاً فإن المرض كما يكون بسبب تفريط / الإنسان في المطعم وغيره كذلك الموت الناشىء عن سبب هذا المرض الذي يكون بتفريط الإنسان وقد أضاف عليه السلام الإماتة مطلقاً إليه عز شأنه.

    وقال بعض الأجلة بعد التعليل بحسن الأدب في وجه إسناد الإماتة إليه تعالى: إنها حيث كانت معظم خصائصه عز وجل كالإحياء بدءاً وإعادة وقد نيطت أمور الآخرة جميعاً بها وبما بعدها من البعث نظمهما في سمط واحد في قوله: { وَظ±لَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ } على أن الموت لكونه ذريعة إلى نيله عليه السلام للحياة الأبدية بمعزل من أن يكون غير مطبوع عنده عليه السلام انتهى، وأولى من هذه العلاوة ما قيل: إن الموت لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب الأبدية التي يستحقر دونها الحياة الدنيوية وفيه تخليص العاصي من اكتساب المعاصي، ثم إن حمل المرض والشفاء على ما هو الظاهر منهما هو الذي ذهب إليه المفسرون. وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن المعنى وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفيني بالتوبة ولعله لا يصح وإن صح فهو من باب الإشارة لا العبارة، و { ثُمَّ } في قوله: { ثُمَّ يُحْيِينِ } للتراخي الزماني لأن المراد بالإحياء الإحياء للبعث وهو متراخ عن الإماتة في الزمان في نفس الأمر وإن كان كل آت قريب، وأثبت ابن أبـي إسحاق ياء المتكلم في
    { يَهْدِيَنِى }
    [الشعراء: 78] وما بعده وهي رواية عن نافع.

    وَظ±لَّذِيغ¤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ظ±لدِّينِ }

    استعظم عليه السلام ما عسى يندر منه من فعل خلاف الأولى حتى سماه خطيئة. وقيل: أراد بها قوله:
    { إِنّى سَقِيمٌ }
    [الصافات: 89] وقوله:
    { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـظ°ذَا }
    [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة هي أختي، ويدل على أنه عليه السلام عدها من الخطايا ما ورد في حديث الشفاعة من امتناعه عليه السلام من أن يشفع حياء من الله عز وجل لصدور ذلك عنه. وفيه أنه وإن صح عدها من الخطايا بالنظر إليه عليه السلام لما قالوا: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين إلا أنه لا يصح إرادتها هنا لما أنها إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين قومه. أما الثالثة فظاهرة لوقوعها بعد مهاجرته عليه السلام إلى الشام؛ وأما الأوليان فلأنهما وقعتا مكتنفتين بكسر الأصنام، ومن البين أن جريان هذه المقالات فيما بينهم كان في مبادي الأمر، وهذا أولى مما قيل: إنها من المعاريض وهي لكونها في صورة الكذب يمتنع لها من تصدر عنه من الشفاعة ولكونها ليست كذباً حقيقة لا تفتقر إلى الاستغفار فلا يصح إرادتها هنا لأن ذلك الامتناع ليس إلا لعده إياها من الخطايا ومتى عدت منها افتقرت إلى الاستغفار، وقيل: أراد بها ما صدر عنه عند رؤية الكوكب والقمر والشمس من قوله:
    { هَـظ°ذَا رَبّى }
    [الأنعام: 77] وكان ذلك قبل هذه المقاولة كما لا يخفى، وقد تقدم أن ذلك ليس من الخطيئة في شيء، وقيل: أراد بها ما عسى يندر منه من الصغائر وهو قريب مما تقدم، وقيل: أراد بها خطيئة من يؤمن به عليه السلام كما قيل نحوه في قوله تعالى:
    { لّيَغْفِرَ لَكَ ظ±للَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ }
    [الفتح: 2]، وهو كما ترى والطمع على ظاهره ولم يجزم عليه السلام لعلمه أن لا وجوب على الله عز وجل. وعن الحسن أن المراد به اليقين وليس بذاك. والظرفان متعلقان بيغفر. والإتيان بالأول للإشارة إلى أن نفع مغفرته تعالى إنما يعود إليه عليه السلام. وتعليق المغفرة بيوم الدين مع أن الخطيئة إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها يتبين يومئذ ولأن في ذلك تهويلاً لذلك اليوم وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تغفر. وفي هذه الجملة من التلطف بأبيه وقومه في الدعوة إلى الإيمان ما فيها

    وقال الرازى

    لما ثبت أن المراد من الحكم العلم، ثبت أنه عليه السلام طلب من الله أن يعطيه العلم بالله تعالى وبصفاته، وهذا يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل في قلب العبد إلا بخلق الله تعالى، وقوله: { وَأَلْحِقْنِى بِظ±لصَّـظ°لِحِينَ } يدل على أن كون العبد صالحاً ليس إلا بخلق الله تعالى وحمل هذه الأشياء على الألطاف بعيد، لأن عند الخصم كل ما في قدرة الله تعالى من الألطاف فقد فعله فلو صرفنا الدعاء إليه لكان ذلك طلباً لتحصيل الحاصل وهو فاسد. ...

    أن قوله: { وَلاَ تُخْزِنِى } يدل على أنه لا يجب على الله تعالى شيء على ما بيناه في قوله:
    { وَظ±لَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ظ±لدِينِ }
    [الشعراء: 82].

  4. #499
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الالوسي

    وفي «الكشاف» فما لنا من شافعين كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين ولا صديق كما نرى لهم أصدقاء فإنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون قال تعالى:

    { ظ±لأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ظ±لْمُتَّقِينَ }
    [الزخرف: 67] أو فما لنا من شافعين ولا صديق حميم من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع لأن ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم انتهى.

    والظاهر على هذا الأخير أن الكلام كناية عن شدة الأمر بحيث لا ينفع فيه أحد ولو أدنى نفع وهو وجه وجيه، والوجه الأول لا يكاد يتسنى على مذهب المعتزلة الذين لا يجوزون الشفاعة في الخلاص من النار بعد دخولها أو قبله لأن الظاهر من قولهم فما لنا من شافعين كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين فما لنا من شافعين يخلصونا من النار كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين يخلصونهم منها فارتضاء الزمخشري لهذا الوجه غريب اللهم إلا أن يقال: المراد التشبيه باعتبار مطلق الشفاعة والمعتزلة / يجوزون بعض أصنافها كالشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لكن لا يخلو عن بعد والله تعالى أعلم.

    وقال الرازى

    قال الجبائي: إن قولهم { فَنَكُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ } ليس بخبر عن إيمانهم لكنه خبر عن عزمهم لأنه لو كان خبراً عن إيمانهم لوجب أن يكون صدقاً، لأن الكذب لا يقع من أهل الآخرة، وقد أخبر الله تعالى بخلاف ذلك في قوله:
    { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـظ°دُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }
    [الأنعام: 28] وقد تقدم في سورة الأنعام بيان فساد هذا الكلام.

    ملحوظة

    قال الرازى فى ايه الانعام

    فأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـظ°تِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ } ففيه قولان: أحدهما: أنه داخل في التمني والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين. فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لَكَـظ°ذِبُونَ } والمتمني لا يوصف بكونه كاذباً. قلنا: لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذباً لأن من أظهر التمني، فقد أخبر ضمناً كونه مريداً لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه، ومثاله أن يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك، فهذا تمن في حكم الوعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده. القول الثاني: أن التمني تمّ عند قوله { ياليتنا نُرَدُّ } وأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـظ°تِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ } فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لَكَـظ°ذِبُونَ } عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين، ثم إنه تعالى كذبهم وبيّن أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الإيمان. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع فيهما ونكون بالنصب،وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نرد بالرفع،ونكذب ونكون بالنصب فيهما، في الثلاثة، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله { نُرَدُّ } وذلك لأنه داخلة في التمني لا محالة، فأما الذين رفعوا قوله { وَلاَ نُكَذّبَ وَنَكُونَ } ففيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفاً على قوله { نُرَدُّ } فتكون الثلاثة داخل في التمني، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. والوجه الثاني: أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول، فيكون التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير حصول الرد. والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبداً. قال سيبويه: وهو مثل قولك دعني ولا أعود، فههنا المطلوب بالسؤال تركه. فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب، فكذا هنا قوله { يا ليتنا نُرَدُّ } الداخل في هذا التمني الرد، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في التمني، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا: الوجه الثاني أقوى، وهو أن يكون الرد داخلاً في التمني، ويكون ما بعده إخباراً محضاً. واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال: { وَإِنَّهُمْ لَكَـظ°ذِبُونَ } والمتمني لا يجوز تكذيبه، وهذا اختيار أبي عمرو. وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة، وذكرنا أنها ليست قوية، وأما من قرأ { وَلاَ نُكَذِّبَ وَنَكُونَ } بالنصب ففيه وجوه: الأول: بإضمار أن على جواب التمني، والتقدير: يا ليتنا نرد وأن لا نكذب.

    والثاني: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نرد فلا نكذب، فتكون الواو ههنا بمنزلة الفاء في قوله
    { لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ظ±لْمُحْسِنِينَ }
    [الزمر: 58] ويتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ { فَلا نُكَذّبَ } بالفاء على النصب، والثالث: أن يكون معناه الحال، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب ـ لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـ أي لا تأكل السمك شارباً للبن. واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني. وأما أن المتمن كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره. وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع { وَلاَ نُكَذّبَ } وينصب { وَنَكُونَ } فالتقدير: أنه يجعل قوله { وَلاَ نُكَذّبَ } داخلاً في التمني، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله { فَقَالُواْ يظ°لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ } لا شبهة في أن المراد تمني ردهم إلى حالة التكليف لأن لفظ الرد إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال، فالمفهوم منه الرد إلى الحالة الأولى. والظاهر أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد والأحوال بسبب ذلك التقصير أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات. ومعلوم أن الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدينا فقط، ولا بترك التكذيب، و لا بعمل الإيمان بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني. فإن قيل: كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل لا ألبتة. والجواب من وجوه: الأول: لعلّهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل. والثاني: أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى:
    { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ظ±لنَّارِ }
    [المائدة: 37] وكقوله
    { أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ظ±لْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ظ±للَّهُ }
    [الأعراف: 50] فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل، فبأن يتمنوه أقرب، لأن باب التمني أوسع، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية.....

    ثم قال تعالى: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـظ°دُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } والمعنى أنه تعالى لو ردهم لم يحصل منهم ترك التكذيب وفعل الإيمان، بل كانوا يستمرون على طريقتهم الأولى في الكفر التكذيب. فإن قيل: إن أهل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة، وشاهدوا أنواع العقاب والعذاب فلو ردهم الله تعالى إلى الدنيا فمع هذه الأحوال كيف يمكن أن يقال: إنهم يعودون إلى الكفر بالله وإلى معصية الله. قلنا: قال القاضي: تقرير الآية { وَلَوْ رُدُّواْ } إلى حالة التكليف، وإنما يحصل الرد إلى هذه الحالة لو لم يحصل في القيامة معرفة الله بالضرورة، ولم يحصل هناك مشاهدة الأهوال وعذاب جهنم، فهذا الشرط يكون مضمراً لا محالة في الآية إلا أنا نقول هذا الجواب ضعيف، لأن المقصود من الآية بيان غلوهم في الاصرار على الكفر وعدم الرغبة في الإيمان، ولو قدرنا عدم معرفة الله تعالى في القيامة، وعدم مشاهدة أهوال القيامة لم يكن في إصرار القوم على كفرهم الأول مزيد تعجب، لأن إصرارهم على الكفر يجري مجرى إصرار سائر الكفار على الكفر في الدنيا، فعلمنا أن الشرط الذي ذكره القاضي لا يمكن اعتباره ألبتة.

    إذا عرفت هذا فنقول: قال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد قول المعتزلة، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك.ثم إنه تعالى بين أنهم لو شاهدوا النار والعذاب،ثم سألوا الرجعة ورُدُّوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك، وذلك القضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد، ثم قال تعالى: { وَإِنَّهُمْ لَكَـظ°ذِبُونَ } وفيه سؤال وهو أن يقال: إنه لم يتقدم ذكر خبر حتى يصرف هذا التكذيب إليه. والجواب: أنا بينا أن منهم من قال الداخل في التمني هو مجرد قوله { يا ليتنا نُرَدُّ } أما الباقي فهو إخبار، ومنهم من قال بل الكل داخل في التمني، لأن إدخال التكذيب في التمني أيضاً جائز، لأن التمني يدل على الاخبار على سبيل الضمن والصيرورة، كقول القائل ليت زيداً جاءنا فكنا نأكل ونشرب ونتحدث فكذا ههنا. والله أعلم....

    وقال السمين فى الانعام

    وقد استشكل الناسُ هذين الوجهين: بأن التمني إنشاء، والإِنشاء لا يدخله الصدق ولا الكذب، وإنما يدخلان في الإِخبار، وهذا قد دخله الكذبُ لقوله تعالى: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه أحدها - ذكره الزمشخري - قال: " هذا تمنِّ تضمَّنَ معنى العِدَة فجاز أن يدخلَه التكذيبُ كما يقول الرجل: " ليت اللَّهَ يرزقني مالاً فأُحْسِنَ إليك، وأكافئَك على صنيعك " فهذا مَتَمَنِّ في معنى الواعد، فلو رُزِق مالاً ولم يُحْسِنْ إلى صاحبه ولم يكافئه كذَّبَ، وصَحَّ أن يقال له كاذب، كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.

    والثاني: أن قوله تعالى: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } ليس متعلِّقاً بالمتمنَّى، بل هو مَحْضُ إخبار من الله تعالى بأنهم دَيْدَنهم الكذب وهِجِّيراهم ذلك، فلم يدخل الكذب في التمني. وهذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح.

    والثالث: أنَّا لا نُسَلِّم أن التمنِّي لا يَدْخُله الصدق والا الكذب، بل يدخلانه، وعُزِي ذلك إلى عيسى بن عمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:
    1894- مُنَىً إن تكن حقاً يكنْ أحسنَ المنى وإلاَّ فقد عِشنا بها زمناً رغْدا
    قال: " وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقاً بجاز أن توصف بكونها باطلاً وكذباً " وهذا الجواب ساقط جداً، فإن الذي وُصِفَ بالحق إنما هو المنى، والمُنى جمع مُنْيَة والمُنْيَةُ توصف بالصدق والكذب مجازاً؛ لأنها كأنها تَعِد النفس بوقوعها فيُقال لِما وقع منها صادق ولِما لم يقع منها كاذب، فالصدق والكذب إنما دخلا في المُنْيَةِ لا في التمني.

    والثالث من الأوجه المتقدمة ان قوله " ولا نكذِّبُ " خبر لمبتدأ محذوف، والجملة استنافية لا تعلُّقَ لها بما قبلها، وإنما عُطِفَتْ هاتان الجملتان الفعليَّتان على الجملة المشتملة على أداة التمني وما في حَيِّزها فليسَتْ داخلةً في التمني أصلاً، وإنما أخبر الله تعالى عنهم أنهم أَخْبروا عن أنفسهم بأنهم لا يُكَذِّبون بآيات ربهم، وأنَّهم يكونون من المؤمنين، فتكون هذه الجملة وما عُطِف عليها في محل نصبٍ بالقول، كأنَّ التقديرَ: فقالوا: يا ليتنا نُرَدُّ وقالوا: نحن لا نُكَذِّبُ ونكونُ من المؤمنين واختار سيبويه هذا الوجه، وشبَّهه بقولهم: " دعني ولا أعودُ " أي وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني، أي: لا أعود على كل حال، كذلك معنى الآية أَخْبروا أنهم لا يُكَذِّبون بآيات ربهم وأنهم يكونون من المؤمنين على كل حال، رُدُّوا أو لم يُرَدوا.

    وهذا الوجه وإن كان الناسُ قد ذكروه ورجَّحوه واختار سيبويه - كما مرَّ - فن بعضهم استشكل عليه إشكالاً وهو: أنَّ الكذبَ لا يقع في الآخرة فكيف وُصِفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم " ولا نكذِّب ونكون "؟ وقد أُجيب عنه بوجهين، أحدهما: أن قوله { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } استيثاقٌ لذَمِّهم بالكذب، وأن ذلك شأنهم كما تقدَّم ذلك آنفاً. والثاني: أنهم صَمَّموا في تلك الحال على أنهم لو رُدُّوا لَمَا عادوا إلى الكفر لِما شاهدوا من الأهوال والعقوبات، فأخبر الله تعالى أنَّ قولَهم في تلك الحال: " ولا نكذِّبُ " وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغيَّر على تقدير الرد ووقوع العَوْد، فيصير قولهم: " ولا نكذب " كذباً، كما يقول اللص عند ألم العقوبة: " لا أعود " ، ويعتقد ذلك ويصمم عليه، فإذا خُلِّص وعادَ كان كاذباً.

    [وقد أجاب مكي أيضاً بجوابين، أحدهما] قريبٌ مما تقدَّم، والثاني لغيره، فقال: " أي: لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل وإنكارهم البعثَ للحال التي كانوا عليها وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوعَ التكذيب في الآخرة لأنهم ادَّعَوا أنهم لو رُدُّوا لم يكذِّبوا بآيات الله، فعلمَ اللَّهُ ما لا يكون لو كان كيف يكون، وأنهم لو رُدُّوا لم يؤمنوا ولكذَّبوا بآيات الله، فأكذبهم الله في دعواهم ".

    وأمَّا نَصْبُهما فبإضمار " أَنْ " بعد الواو التي بمعنى مع، كقولك: " ليت لي مالاً وأنفقَ منه " فالفعل منصوب بإضمار " أن " و " أنْ " مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدرٌ، والواوُ حرف عطف فيستدعى معطوفاً عليه، وليس قبلها في الآية إلا فعلٌ فكيف يُعْطَفُ اسمٌ على فعل؟ فلا جَرَمَ أنَّا نقدِّر مصدراً متوهماً يُعْطَفُ هذا المصدر المنسبك من " أَنْ " وما بعدها عليه، والتقدير: يا ليتنا لنا رَدُّ وانتفاءُ تكذيب بآيات ربنا وكون من المؤمنين، أي: ليتنا لنا ردُّ مع هذين الشيئين، فيكون عدمُ التكذيب والكونُ من المؤمنين مُتَمَنَّيَيْنِ أيضاً، فهذه الثلاثةُ الأشياءِ: أعني الردَّ وعدمَ التكذيب والكونَ من المؤمنين متمنَّاةٌ بقيد الاجتماع، لا أنَّ كلَّ واحدٍ متمنَّى وحدَه؛ لأنه كما قَدَّمْتُ لك: هذه الواوُ شرطُ إضمار " أنْ " بعدها: أن تصلح " مع " في مكانها، فالنصبُ يُعَيِّنُ أحدَ محتملاِتها في قولك " لا تأكلِ السمك وتشرب اللبن " وشبهه، والإِشكالُ المتقدم وهو إدخال التكذيب على التمني واردٌ هنا، وقد تقدم جواب ذلك، إلا أن بعضَه يتعذَّر ههنا: وهو كون لا نكذِّبُ، ونكونُ " متسأنَفَيْن سِيقا لمجرد الإِخبار، فبقي: إمَّا لكون التمني دخله معنى الوعد، وإمَّا أن قوله تعالى: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } ليس راجعاً إلى تمنِّيهم، وإمَّا لأنَّ التمنِّي يدخله التكذيب، وقد تقدَّم فساده

    وقال ابن الأنباري: " أَكْذَبَهم في معنى التمني؛ لأن تمنِّيَهم راجعٌ إلى معنى: " نحن لا نكذِّب إذا رُدِدْنا " فغلَّب عزَّ وجل تأويلَ الكلام فأكذبهم، ولم يُسْتعمل لفظ التمني " وهذا الذي قاله ابن الأنباري تقدَّم معناه بأوضح من هذا. ....

  5. #500
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الرازى

    قال القاضي عبد الجبار في «تفسيره» في قوله تعالى: { وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أَزْوظ°جِكُمْ } دلالة على بطلان الجبر من جهات أحدها: أنه لا يقال تذرون إلا مع القدرة على خلافه، ولذلك لا يقال للمرء لم تذر الصعود إلى السماء، كما يقال له لم تذر الدخول والخروج وثانيها: أنه قال: { مَا خَلَقَ لَكُمْ } ولو كان خلق الفعل لله تعالى لكان الذي خلق لهم ما خلقه فيهم وأوجبه لا ما لم يفعلوه وثالثها: قوله تعالى: { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } فإن كان تعالى خلق فيهم ما كانوا يعملون فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا، وهل يقال للأسود إنك متعد في لونك؟ فنقول حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم يكن موجداً الأفعال نفسه لما توجه المدح والذم والأمر والنهي عليه، ولهذه الآية في هذا المعنى خاصية أزيد مما ورد من الأمر والنهي والمدح والذم في قصة موسى عليه السلام وإبراهيم ونوح وسائر القصص، فكيف خص هذه القصة بهذه الوجوه دون سائر القصص، وإذا ثبت بطلان هذه الوجوه بقي ذلك الوجه المشهور فنحن نجيب عنها بالجوابين المشهورين الأول: أن الله تعالى لما علم وقوع هذه الأشياء فعدمها محال لأن عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلاً وهو محال والمفضي إلى المحال محال، وإذا كان عدمها محالاً كان التكليف بالترك تكليفاً بالمحال الثاني: أن القادر لما كان قادراً على الضدين امتنع أن يترجح أحد المقدورين على الآخر إلا لمرجح وهو الداعي أو الإرادة وذلك المرجح محدث فله مؤثر وذلك المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل وهو محال وإن كان هو الله تعالى فذلك هو الجبر على قولك، فثبت بهذين البرهانين القاطعين سقوط ما قاله، والله أعلم.

    ملحوظة

    القدرة الحادثة صالحة للضدين عند المعتزلة وهي قبل الفعل وعند الاشعرى غير صالحة وهى مجرد مقارنه للفعل لاقبله

    قال الرازى فى المعالم

    الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ الِاسْتِطَاعَة لَا تُوجد إِلَّا مَعَ الْفِعْل وَقَالَت الْمُعْتَزلَة لَا تُوجد إِلَّا قبل الْفِعْل

    وَالْمُخْتَار عندنَا أَن الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ عبارَة عَن سَلامَة الْأَعْضَاء وَعَن المزاج المعتدل فَإِنَّهَا حَاصِلَة قبل حُصُول الْفِعْل إِلَّا أَن هَذِه الْقُدْرَة لَا تَكْفِي فِي حُصُول الْفِعْل الْبَتَّةَ فَإِذا انضمت الداعية الجازمة إِلَيْهَا صَارَت تِلْكَ الْقُدْرَة مَعَ هَذِه الداعية الجازمة سَببا مقتضيا للْفِعْل الْمعِين ثمَّ إِن ذَلِك الْفِعْل يجب وُقُوعه مَعَ حُصُول ذَلِك الْمَجْمُوع لِأَن الْمُؤثر التَّام لَا يتَخَلَّف عَنهُ الْأَثر الْبَتَّةَ
    فَنَقُول قَول من يَقُول الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل صَحِيح من حَيْثُ إِن ذَلِك المزاج المعتدل سَابق وَقَول من يَقُول الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل صَحِيح من حَيْثُ إِن عِنْد حُصُول مَجْمُوع الْقُدْرَة والداعي الَّذِي هُوَ الْمُؤثر التَّام يجب حُصُول الْفِعْل مَعَه
    الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ الْقُدْرَة لَا تصلح للضدين

    وَعِنْدِي إِن كَانَ المُرَاد من ذَلِك المزاج المعتدل وَتلك السَّلامَة الْحَاصِلَة فِي الْأَعْضَاء فَهِيَ صَالِحَة للْفِعْل وَالتّرْك وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ وَإِن كَانَ المُرَاد مِنْهُ أَن الْقُدْرَة مَا لم تنضم إِلَيْهَا الداعية الجازمة المرجحة فَإِنَّهَا لَا تصير مصدرا لذَلِك الْأَثر وَإِن عِنْد حُصُول الْمَجْمُوع لَا تصلح للضدين فَهَذَا حق وَتَقْرِير الْكَلَام فِيهِ مَعْلُوم مِمَّا ذَكرْنَاهُ

    وقال الرازى

    وههنا آخر الكلام في هذه القصص السبع التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما ناله من الغم الشديد، بقي ههنا سؤالان: السؤال الأول: لم لا يجوز أن يقال: إن العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان ذلك بسبب كفرهم وعنادهم، بل كان ذلك بسبب قرانات الكواكب واتصالاتها على ما اتفق عليه أهل النجوم؟ وإذا قام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص، لأن الاعتبار إنما يحصل أن لو علمنا أن نزول هذا العذاب كان بسبب كفرهم وعنادهم.

    الثاني: أن الله تعالى قد ينزل العذاب محنة للمكلفين وابتلاء لهم على ما قال:
    { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىظ° نَعْلَمَ ظ±لْمُجَـظ°هِدِينَ مِنكُمْ وَظ±لصَّـظ°بِرِينَ }
    [محمد: 31] ولأنه تعالى قد ابتلى المؤمنين بالبلاء العظيم في مواضع كثيرة وإذا كان كذلك لم يدل نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين والجواب: أن الله تعالى أنزل هذه القصص على محمد صلى الله عليه وسلم تسلية وإزالة للحزن عن قلبه، فلما أخبر الله تعالى محمداً أنه هو الذي أنزل العذاب عليهم، وأنه إنما أنزله عليهم جزاء على كفرهم، على محمد صلى الله عليه وسلم أن الأمر كذلك، فحينئذ يحصل به التسلية والفرح له عليه السلام، واحتج بعض الناس على القدح في علم الأحكام بأن قال المؤثر في هذه الأشياء، إما الكواكب أو البروج أو كون الكوكب في البرج المعين، والأول باطل، وإلا لحصلت هذه الآثار أين حصل الكوكب والثاني أيضاً باطل، وإلا لزم دوام الأثر بدوام البرج والثالث أيضاً باطل، لأن الفلك على قولهم بسيط لا مركب فيكون طبع كل برج مساوياً لطبع البرج الآخر في تمام الماهية، فيكون حال الكوكب وهو في برجه كحاله وهو في برج آخر، فيلزم أن يدوم ذلك الأثر بدوام الكوكب، وللقوم أن يقولوا لم لا يجوز أن يكون صدور الأثر عن الكوكب المعين موقوفاً على كونه مسامتاً مسامتة مخصوصة لكوكب آخر، فإذا فقدت تلك المسامتة فقد شرط التأثير فلا يحصل التأثير؟ ولهم أن يقولوا هذه الدلالة، إنما تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب ذواتها وطبائعها، ولكنها لا تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب جري العادة، فإذا أجرى الله تعالى عادته بحصول تأثيرات مخصوصة عقيب اتصالات الكواكب وقراناتها وأدوارها لم يلزم من حصول هذه الآثار القطع بأن الله تعالى إنما خلقها لأجل زجر الكفار بل لعله تعالى خلقها تكريراً لتلك العادات، والله أعلم.

  6. #501
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الرازى

    { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ظ±لْعَالَمِينَ } * { نَزَلَ بِهِ ظ±لرُّوحُ ظ±لأَمِينُ } * { عَلَىظ° قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ظ±لْمُنْذِرِينَ } * { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } * { وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ظ±لأَوَّلِينَ }

    أما المقدمة الأولى: ففيها النزاع فإن طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن معدن العقل هو الدماغ والذي يدل على قولنا وجوه: الأول: قوله تعالى:
    { أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى ظ±لأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا }
    [الحج: 46] وقوله:
    { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا }
    [الأعراف: 179] وقوله:
    { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لَذِكْرَىظ° لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }
    [ق: 37] أي عقل، أطلق عليه اسم القلب لما أنه معدنه الثاني: أنه تعالى أضاف أضداد العلم إلى القلب، وقال:
    { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ }
    [البقرة: 10]،
    { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }
    [البقرة: 7] وقولهم:
    { قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ظ±للَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ }
    [النساء: 155]،
    { يَحْذَرُ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم }
    [التوبة: 64]،
    { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ }
    [الفتح: 11]،
    { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }
    [المطففين: 14]،
    { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ظ±لْقُرْءانَ أَمْ عَلَىظ° قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }
    [محمد: 24]،
    { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ظ±لأَبْصَـظ°رُ وَلَـظ°كِن تَعْمَىظ° ظ±لْقُلُوبُ ظ±لَّتِى فِى ظ±لصُّدُورِ }
    [الحج: 46] فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هو القلب فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضاً هو القلب الثالث: وهو أنا إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة في ناحية القلب، ولذلك فإن الواحد منا إذا أمعن في الفكر وأكثر منه أحس من قلبه ضيقاً وضجراً حتى كأنه يتألم بذلك، وكل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلف هو القلب لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم الرابع: وهو أن القلب أول الأعضاء تكوناً، وآخرها موتاً، وقد ثبت ذلك بالتشريح ولأنه متمكن في الصدر الذي هو أوسط الجسد، ومن شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا في وسط المملكة لتكتنفهم الحواشي من الجوانب فيكونوا أبعد من الآفات، واحتج من قال العقل في الدماغ بأمور: أحدها: أن الحواس التي هي الآلات للإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب وثانيها: أن الأعصاب التي هي الآلات في الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب وثالثها: أن الآفة إذا حلت في الدماغ اختل العقل ورابعها: أن في العرف كل من أريد وصفه بقلة العقل قيل إنه خفيف الدماغ خفيف الرأس وخامسها: أن العقل أشرف فيكون مكانه أشرف، والأعلى هو الأشرف وذلك هو الدماغ لا القلب فوجب أن يكون محل العقل هو الدماغ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال الحواس تؤدي آثارها إلى الدماغ، ثم إن الدماغ يؤدي تلك الآثار إلى القلب، فالدماغ آلة قريبة للقلب للقلب والحواس آلات بعيدة فالحس يخدم الدماغ، ثم الدماغ يخدم القلب وتحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الأمر الفلاني يجب فعله أو يجب تركه، فإن الأعضاء تتحرك عند ذلك، ونحن نجد التعقلات من جانب القلب لا من جانب الدماغ وعن الثاني: أنه لا يبعد أن يتأدى الأثر من القلب إلى الدماغ، ثم الدماغ يحرك الأعضاء بواسطة الأعصاب النابتة منه، وعن الثالث: لا يبعد أن يكون سلامة الدماغ شرطاً لوصول تأثير القلب إلى سائر الأعضاء، وعن الرابع: أن ذلك العرف إنما كان لأن القلب إنما يعتدل مزاجه بما يستمد من الدماغ من برودته، فإذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضاً، إما لازدياد حرارته عن القدر الواجب أو لنقصان حراراته عن ذلك القدر فحينئذ يختل العقل وعن الخامس: أنه لو صح ما قالوه لوجب أن يكون موضع العقل هو القحف، ولما بطل ذلك ثبت فساد قولهم والله أعلم...

    وقال الالوسي

    وهذا كله على القول بأن جبرائيل عليه السلام ينزل بالألفاظ القرآنية المحفوظة له بعد أن نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة أو التي يحفظها من اللوح عند الأمر بالإنزال أو التي يوحي بها إليه أو التي يسمعها منه سبحانه على ما قاله بعض أجلة السلف عنده فيلقيها إلى النبـي صلى الله عليه وسلم على ما هي عليه من غير تغيير أصلاً. وكذا على القول بأن جبرائيل عليه السلام ألقى عليه المعاني القرآنية وأنه عبر عنها بهذه الألفاظ العربية ثم نزل بها كذلك فألقاها إلى النبـي صلى الله عليه وسلم. وأما على القول بأنه عليه السلام إنما نزل بالمعاني خاصة إلى النبـي عليه الصلاة والسلام وأنه عليه الصلاة والسلام علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب فقيل: إن القلب بمعنى العضو المخصوص لا غير وتخصيصه لأن المعاني إنما تدرك بالقوة المودعة فيه، وقيل: يجوز أن يراد به الروح وروحه عليه الصلاة والسلام لغاية تقدسها وكمالها في نفسها تدرك المعاني من غير توسط آلة.

    ومن الناس من ذهب إلى هذا القول وجعل الآية دليلاً له وهو قول مرجوح. ومثله القول بأن جبرائيل عليه السلام ألقى عليه المعاني فعبر عنها بألفاظ فنزل بما عبر هو به

    والقول الراجح أن الألفاظ منه عز وجل كالمعاني لا مدخل لجبرائيل عليه السلام فيها أصلاً. وكان النبـي صلى الله عليه وسلم يسمعها ويعيها بقوى إلهية قدسية لا كسماع البشر إياها منه عليه الصلاة والسلام وتنفعل عند ذلك قواه البشرية، ولهذا يظهر على جسده الشريف صلى الله عليه وسلم ما يظهر ويقال لذلك: برحاء الوحى حتى يظن في بعض الأحايين أنه أغمي عليه عليه الصلاة والسلام. وقد يظن أنه صلى الله عليه وسلم أغفى. وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم " عن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءه ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل عليَّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم { إِنَّا أَعْطَيْنَـظ°كَ ظ±لْكَوْثَرَ * فَصَلّ لِرَبّكَ وَظ±نْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ظ±لأَبْتَرُ } " [الكوثر: 1 ـ 3] ولا يحتاج من قال: إن الأشبه / أن القرآن كله نزل في اليقظة إلى تأويل هذا الخبر عليه الصلاة والسلام خطر له في تلك الإغفاءة سورة الكوثر التي نزلت قبلها في اليقظة أو عرض عليه الكوثر الذي أنزلت فيه السورة فقرأها عليهم، ثم إنه على ما قيل من أن بعض القرآن نزل عليه عليه الصلاة والسلام وهو نائم استدلالاً بهذا الخبر يبقى ما قلناه من سماعه عليه الصلاة والسلام ما ينزل إليه صلى الله عليه وسلم ووعيه إياه بقوى إلهية قدسية ونومه عليه الصلاة والسلام لا يمنع من ذلك كيف وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تنام عيني ولا ينام قلبـي "

    وقد ذكر بعض المتصدرين في محافل الحكمة من المتأخرين في بيان كيفية نزول الكلام وهبوط الوحي من عند الله تعالى بواسطة الملك على قلب النبـي صلى الله عليه وسلم أن الروح الإنساني إذا تجرد عن البدن، وخرج عن وثاقه من بيت قالبه وموطن طبعه مهاجراً إلى ربه سبحانه لمشاهدة آياته الكبرى وتطهر عن درن المعاصي واللذات والشهوات والوساوس العادية والمتعلقات لاح له نور المعرفة والايمان بالله تعالى وملكوته الأعلى وهذا النور إذا تأكد وتجوهر كان جوهراً قدسياً يسمى في لسان الحكمة النظرية بالعقل الفعال وفي لسان الشريعة النبوية بالروح القدسي وبهذا النور الشديد العقلي يتلألأ فيه أسرار ما في الأرض والسماء ويتراءى منه حقائق الأشياء كما يتراءى بالنور الحسي البصري الأشباح المثالية في قوة البصر إذا لم يمنع حجاب، والحجاب هظ°هنا هو آثار الطبيعة (وشواغل هذه الأولى فإذا عريت) النفس عن دواعي الطبيعة والاشتغال بما تحتها من الشهوة والغضب والحس والتخيل وتوجهت بوجهها شطر الحق وتلقاء عالم الملكوت الأعلى اتصلت بالسعادة القصوى فلاح لها سر الملكوت وانعكس عليها قدس اللاهوت ورأت عجائب آيات الله تعالى الكبرى، ثم إن هذه الروح إذا كانت قدسية شديدة القوى قوية الآثار لقوة اتصالها بما فوقها فلا يشغلها شأن عن شأن ولا يمنعها جهة فوقها عن جهة تحتها فتضبط الطرفين وتسع قوتها الجانبين لشدة تمكنها في الحد المشترك بين الملك والملكوت [لا] كالأرواح الضعيفة التي إذا مالت إلى جانب غاب عنها الجانب الآخر وإذا ركنت إلى مشعر من المشاعر ذهلت عن المشعر الآخر وإذا توجهت هذه الروح القدسية التي لا يشغلها شأن عن شأن ولا تصرفها نشأة عن نشأة وتلقت المعارف الإلهية بلا تعلم بشري بل من الله تعالى يتعدى تأثيرها إلى قواها ويتمثل لروحه البشري صورة ما شاهده بروحه القدسي وتبرز منها إلى ظاهر الكون فتتمثل للحواس الظاهرة سيما السمع والبصر لكونهما أشرف الحواس الظاهرة فيرى ببصره شخصاً محسوساً في غاية الحسن والصباحة ويسمع بسمعه كلاماً منظوماً في غاية الجودة والفصاحة، فالشخص هو الملك النازل بإذن الله تعالى الحامل للوحي الإلهي، والكلام هو كلام الله تعالى وبيده لوح فيه كتاب هو كتاب الله تعالى، وهذا الأمر المتمثل بما معه أو فيه ليس مجرد صورة خيالية لا وجود لها في خارج الذهن والتخيل كما يقوله من لاحظ له من علم الباطن ولا قدم له في أسرار الوحي والكتاب كبعض أتباع المشائين معاذ الله تعالى عن هذه العقيدة الناشئة عن الجهل بكيفية الإنزال والتنزيل ثم قال: إنارة قلبية وإشارة عقلية عليك أن تعلم أن للملائكة ذوات حقيقة وذوات إضافية مضافة إلى ما دونها إضافة النفس إلى البدن الكائن في النشأة الآخرة فأما ذواتها الحقيقية فإنما هي أمرية قضائية قولية وأما ذواتها الإضافية فإنما هي خلقية قدرية تنشأ منها الملائكة اللوحية وأعظمهم إسرافيل عليه السلام وهؤلاء الملائكة اللوحية يأخذون الكلام الإلهي والعلوم اللدنية من الملائكة القلمية ويثبتونها في صحائف ألواحهم القدرية الكتابية، وإنما كان / يلاقي النبـي صلى الله عليه وسلم في معراجه الصنف الأول من الملائكة ويشاهد روح القدس في اليقظة فإذا اتصلت الروح النبوية بعالمهم عالم الوحي الرباني يسمع كلام الله تعالى وهو إعلام الحقائق بالمكالمة الحقيقية وهي الإفاضة والاستفاضة في مقام قاب قوسين أو أدنى وهو مقام القرب ومقعد الصدق ومعدن الوحي والإلهام، وكذا إذا عاشر النبـي الملائكة الأعلين يسمع صريف أقلامهم وإلقاء كلامهم وهو كلام الله تعالى النازل في محل معرفتهم وهي ذواتهم وعقولهم لكونهم في مقام القرب، ثم إذا نزل عليه الصلاة والسلام إلى ساحة الملكوت السماوي يتمثل له صورة ما عقله وشاهده في لوح نفسه الواقعة في عالم الأرواح القدرية السماوية ثم يتعدى منه الأثر إلى الظاهر، وحينئذ يقع للحواس شبه دهش ونوم لما أن الروح القدسية لضبطها الجانبين تستعمل المشاعر الحسية لكن لا في الأغراض الحيوانية بل في سبيل السلوك إلى الرب سبحانه فهي تشائع الروح في سبيل معرفته تعالى وطاعته فلا جرم إذا خاطبه الله تعالى خطاباً من غير حجاب خارجي سواء كان الخطاب بلا واسطة أو بواسطة الملك واطلع على الغيب فانطبع في فص نفسه النبوية نقش الملكوت وصورة الجبروت تنجذب قوة الحس الظاهر إلى فوق ويتمثل لها صورة غير منفكة عن معناها وروحها الحقيقي لا كصورة الأحلام والخيالات العاطلة عن المعنى فيتمثل لها حقيقة الملك بصورته المحسوسة بحسب ما يحتملها فيرى ملكاً على غير صورته التي كانت له في عالم الأمر لأن الأمر إذا نزل صار خلقاً مقدراً فيرى صورته الخلقية القدرية ويسمع كلاماً مسموعاً بعد ما كان وحياً معقولاً أو يرى لوحاً بيده مكتوباً فالموحى إليه يتصل بالملك أولاً بروحه العقلي ويتلقى منه المعارف الإلهية ويشاهد ببصره العقلي آيات ربه الكبرى ويسمع بسمعه العقلي كلام رب العالمين من الروح الأعظم، ثم إذا نزل عن هذا المقام الشامخ الإلهي يتمثل له الملك بصورة محسوسة بحسه ثم ينحدر إلى حسه الظاهر ثم إلى الهواء وهكذا الكلام في كلامه فيسمع أصواتاً وحروفاً منظومة مسموعة يختص هو بسماعها دون غيره فيكون كل من الملك وكلامه وكتابه قد تأدى من غيبه إلى شهادته ومن باطن سره إلى مشاعره، وهذه التادية ليست من قبيل الانتقال والحركة للملك الموحى من موطنه ومقامه إذ كل له مقام معلوم لا يتعداه ولا ينتقل عنه بل مرجع ذلك إلى انبعاث نفسي النبـي عليه الصلاة والسلام من نشأة الغيب إلى نشأة الظهور، ولهذا كان يعرض له شبه الدهش والغشي ثم يرى ويسمع ثم يقع منه الإنباء والإخبار فهذا معنى تنزيل الكتاب وإنزال الكلام من رب العالمين انتهى

    وفيه ما تأباه الأصول الإسلامية مما لا يخفى عليك.

    وقد صرح غير واحد من المحدثين والمفسرين وغيرهم بانتقال الملك وهو جسم عندهم ولم يؤول أحد منهم نزوله فيما نعلم، نعم أولوا نزول القرآن وإنزاله. قال الأصفهاني في أوائل «تفسيره»: اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله تعالى منزل واختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال: إظهار القراءة، ومنهم من قال: إن الله تعالى ألهم كلامه جبريل عليه السلام، وهو في السماء وعلمه قراءته ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان وفي ذلك طريقتان، إحداهما: أن النبـي صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل عليه السلام، وثانيتهما: أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه النبـي صلى الله عليه وسلم منه، والأولى أصعب الحالين انتهى؛ وقال الطيبـي: لعل نزول القرآن على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتلقفه الملك تلقفاً روحانياً أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول ويلقيه عليه.

    وقال القطب في «حواشي الكشاف»: الإنزال في اللغة الإيواء وبمعنى تحريك الشيء من علو إلى سفل وكلاهما لا يتحققان في الكلام فهو مستعمل بمعنى مجازي فمن قال: القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله أن توجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ. ومن قال: القرآن هو الألفاظ الدالة على المعنى القائم بذاته تعالى فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ، وهذا المعنى مناسب لكونه مجازاً عن أول المعنيين اللغويين. ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ وهذا مناسب للمعنى الثاني، والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفاً روحانياً أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم انتهى وفيه بحث لا يخفى، وعندي أن إنزاله إظهاره في عالم الشهادة بعد أن كان في عالم الغيب.

    ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن جميع القرآن نزل به الروح الأمين على قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم وهذا ينافي ما قيل: إن آخر سورة البقرة كلمه الله تعالى بها ليلة المعراج حيث لا واسطة احتجاجاً بما أخرجه مسلم عن ابن مسعود " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي إلى سدرة المنتهى " الحديث وفيه: " فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك من أمته بالله تعالى شيئاً المقحمات " ، وأجيب بعد تسليم أن يكون ما ذكر دليلاً لذلك يجوز أن يكون قد نزل جبريل عليه السلام بما ذكر أيضاً تأكيداً وتقريراً أو نحو ذلك، وقد ثبت نزوله عليه السلاة بالآية الواحدة مرتين لما ذكر، وجوز أن تكون الآية باعتبار الأغلب، واعتبر بعضهم كونها كذلك لأمر آخر وهو أن من القرآن ما نزل به إسرافيل عليه السلام وهو ما كان في أول النبوة وفيه أن ذلك لم يثبت أصلاً.

    وفي «الإتقان» أخرج الإمام أحمد في «تاريخه» من طريق داود بن أبـي هند عن الشعبـي قال: أنزل على النبـي صلى الله عليه وسلم النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه فنزل عليه القرآن على لسانه عشر سنين انتهى، وهو صريح في خلاف ذلك وإن كان فيه ما يخالف الصحيح المشهور من أن جبريل عليه السلام هو الذي نزل عليه عليه الصلاة والسلام بالوحي من أول الأمر إلا أنه نزل عليه صلى الله عليه وسلم غيره عليه السلام من الملائكة أيضاً ببعض الأمور، وكثيراً ما ينزلون لتشييع الآيات القرآنية مع جبريل عليه وعليهم السلام.

    ومن الناس من اعتبر كونها باعتبار الأغلب لأن إنزال جبريل عليه السلام قد لا يكون على القلب بناءاً على ما ذكره الشيخ محيـى الدين قدس سره في الباب الرابع عشر من «الفتوحات» من قوله: اعلم أن الملك يأتي النبـي عليه الصلاة والسلام بالوحي على حالين تارة ينزل بالوحي على قلبه وتارة يأتيه في صورة جسدية من خارج فيلقي ما جاء به إلى ذلك النبـي على أذنه فيسمعه أو يلقيه على بصره فيبصره فيحصل له من النظر ما يحصل من السمع سواء.

    وتعقب بأنه لا حاجة إلى ما ذكر، وما نقل عن محـي الدين قدس سره لا يدل على أن نزول الوحي إلى كل نبـي يكون على هذين الحالين فيجوز أن يكون نزول الوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام على الحال الأولى فقط سلمنا دلالته على العموم وأن نزول الوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام قد يكون بتمثل الملك بناء على بعض الأخبار الصحيحة في ذلك لكن لا نسلم أنه يدل على أن نزول الوحي إذا كان الموحى قرآناً يكون على الحال الثانية سلمنا دلالته على ذلك لكن لا نسلم صحة جعله مبني لتأويل الآية، وكيف يؤول كلام الله تعالى لكلام / مناف لظاهره صدر من غير معصوم، ويكفي محـي الدين قدس سره من علماء الشريعة أن يؤولوا كلامه ليوافق كلام الله عز وجل فيسلم من الطعن، ولعل من يؤول في مثل ذلك يحسن الظن بمحـي الدين قدس سره ويقول: إنه لم يقل ذلك إلا لدليل شرعي فقد قال قدس سره في الكلام على الإذن من «الفتوحات»: اعلم أني لم أقرر بحمد الله تعالى في كتابـي هذا ولا غيره قد أمراً غير مشروع وما خرجت عن الكتاب والسنة في شيء من تصانيفي، وقال في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الكتاب المذكور جميع ما أتكلم به في مجالسي وتأليفي إنما هو من حضرة القرآن العظيم فإني أعطيت مفاتيح العلم فيه فلا أستمد قط في علم من العلوم إلا منه كل ذلك حتى لا أخرج عن مجالسة الحق تعالى في مناجاته بكلامه أو بما تضمنه كلامه سبحانه إلى غير ذلك فالداعي للتأويل في الحقيقة ذلك الدليل لا نفس كلامه قدس سره العزيز وهو اللائق بالمسلمين الكاملين....

    وقال الرازى

    المسألة الرابعة: قوله: { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ظ±لْمُجْرِمِينَ } يدل على أن الكل بقضاء الله وخلقه، قال صاحب «الكشاف»: أراد به أنه صار ذلك التكذيب متكمناً في قلوبهم أشد التمكن فصار ذلك كالشيء الجبلي والجواب: أنه إما أن يكون قد فعل الله فيهم ما يقتضي رجحان التكذيب على التصديق أو ما فعل ذلك فيهم، فإن كان الأول فقد دللنا في سورة الأنعام على أن الترجيح لا يتحقق ما لم ينته إلى حد الوجوب وحينئذ يحصل المقصود، فإن لم يفعل فيهم ما يقتضي الترجيح ألبتة، امتنع قوله: { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } كما أن طيران الطائر لما لم يكن له تعلق بكفرهم، امتنع إسناد الكفر إلى ذلك الطيران

    وقال الماتريدى

    وقوله: { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ظ±لْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ }: قال بعضهم: هكذا سلكنا الكفر والتكذيب، وأدخلناه في قلوب المجرمين.

    وقال بعضهم: كذلك سلكناه - يعني: البيان والحجج - في قلوب المجرمين حتى عقلوه، ولزمتهم الحجة، لكنهم تركوا الإيمان تعنتاً وعناداً، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، حين لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم عند معاينة العذاب إيمان دفع واضطرار لا إيمان اختيار، وهو كما قال:
    { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوغ¤اْ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَحْدَهُ }
    [غافر: 84]؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم حين خرج أنفسهم من بين أيديهم، وإيمان اضطرار لا إيمان اختيار؛ لذلك لم ينفعهم.

    وقال الالوسي

    وموقع قوله تعالى: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الخ مما قبله موقع الموضح والملخص لأنه مسوق لثباته مكذباً مجحوداً في قلوبهم فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد. ويجوز أن يكون حالاً أي سلكناه فيها غير مؤمن به اهـ.

    وتعقب بأن الأول هو الأنسب بمقام بيان غاية عنادهم ومكابرتهم مع تعاضد أدلة الإيمان وتناجد مبادىء الهداية والإرشاد وانقطاع أعذارهم بالكلية، وقد يقال: إن هذا التفسير أوفق بتسليته صلى الله عليه وسلم التي هي كالمبنى لهذه السورة الكريمة وبها صدرت حيث قال سبحانه:
    { لَعَلَّكَ بَـظ°خِعٌ نَّفْسَكَ أَن لا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }
    [الشعراء: 3] كأنه جل وعلا بعد أن ذكر فرط عنادهم وشدة شكيمتهم في المكابرة وهو تفسير واضح في نفسه فهو عندي أولى مما تقدم.

    وفي «المطلع» أن الضمير للتكذيب والكفر المدلول عليه بقوله تعالى:
    { مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ }
    [الشعراء: 199] وبه قال يحيـى بن سلام، وروي عن ابن عباس والحسن، والمعنى وكذلك سلكنا التكذيب بالقرآن والكفر به في قلوب مشركي مكة ومكناه فيها، وقوله تعالى: { لاَ يُؤْمِنُونَ } الخ واقع موقع الإيضاح لذلك ولا يظهر على هذا الوجه كونه حالاً ولا أرى لهذا المعنى كثرة بعد عن قول من قال أي على مثل هذا السلك سلكنا القرآن وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه في قلوبهم، وحاصل الأول كذلك سلكنا التكذيب بالقرآن في قلوبهم. وحاصل هذا وكذلك سلكنا القرآن بصفة التكذيب به في قلوبهم فتأمل، وجوز جعل الضمير للبرهان الدال عليه قوله تعالى:
    { أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِى إِسْرظ°ءيلَ }
    [الشعراء: 197] وهو بعيد لفظاً ومعنى.

    هذا وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمجرمين غير الكفرة المتقدمين الذين عادت عليهم الضمائر وهم مشركو مكة من المعاصرين لهم وممن يأتي بعدهم و(ذلك) إشارة إلى السلك في قلوب أولئك المشركين أي مثل ذلك السلك في قلوب مشركي مكة سلكناه في قلوب المجرمين غيرهم لاشتراكهم في الوصف، وقوله سبحانه: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الخ بيان لحال المشركين المتقدمين الذين اعتبروا في جانب المشبه به أو إيضاح لحال المجرمين وبيان لما يقتضيه التشبيه وهو كما ترى.

    وقال الرازى

    فأما قوله: { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } فمعناه ظاهر، قال الجبائي هذا يدل على أنه عليه السلام كان بريئاً من معاصيهم، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضاً بريء من عملهم كالرسول وإلا كان مخالفاً لله، كما لو رضي عمن سخط الله عليه لكان كذلك، وإذا كان تعالى بريئاً من عملهم فكيف يكون فاعلاً له ومريداً له؟ الجواب: أنه تعالى بريء من المعاصي بمعنى أنه ما أمر بها بل نهى عنها، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم والدليل عليه أنه علم وقوعها، وعلم أن ما هو معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع وإلا لانقلب علمه جهلاً وهو محال والمفضي إلى المحال محال، وعلم أن ما هو واجب الوقوع فإنه لا يراد عدم وقوعه فثبت ما قلناه...

    واعلم أن الرافضة ذهبوا إلى أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين وتمسكوا في ذلك بهذه الآية وبالخبر، أما هذه الآية فقالوا قوله تعالى: { وَتَقَلُّبَكَ فِى ظ±لسَّـظ°جِدِينَ } يحتمل الوجوه التي ذكرتم ويحتمل أن يكون المراد أن الله تعالى نقل روحه من ساجد إلى ساجد كما نقوله نحن، وإذا احتمل كل هذه الوجوه وجب حمل الآية على الكل ضرورة أنه لا منافاة ولا رجحان، وأما الخبر فقوله عليه السلام: " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " وكل من كان كافراً فهو نجس لقوله تعالى:
    { إِنَّمَا ظ±لْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ }
    [التوبة: 28] قالوا: فإن تمسكتم على فساد هذا المذهب بقوله تعالى:
    { وَإِذْ قَالَ إِبْرظ°هِيمُ لأَبِيهِ ءازَرَ }
    [الأنعام: 74] قلنا الجواب عنه أن لفظ الأب قد يطلق على العم كما قال أبناء يعقوب له:
    { نَعْبُدُ إِلَـظ°هَكَ وَإِلَـظ°هَ آبَائِكَ إِبْرظ°هِيمَ وَإِسْمَـظ°عِيلَ وَإِسْحَـظ°قَ }
    [البقرة: 133] فسموا إسماعيل أباً له مع أنه كان عماً له، وقال عليه السلام: " ردوا على أبي " يعني العباس، ويحتمل أيضاً أن يكون متخذاً لأصنام أب أمه فإن هذا قد يقال له الأب قال تعالى:
    { وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودُ وَسُلَيْمَـظ°نَ }
    [الأنعام:84] إلى قوله:
    { وَعِيسَى }
    [الأنعام: 85] فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم كان جده من قبل الأم. واعلم أنا نتمسك بقوله تعالى: { لأَبِيهِ ءازَرَ } وما ذكروه صرف للفظ عن ظاهره، وأما حمل قوله: { وَتَقَلُّبَكَ فِى ظ±لسَّـظ°جِدِينَ } على جميع الوجوه فغير جائز لما بينا أن حمل المشترك على كل معانيه غير جائز، وأما الحديث فهو خبر واحد فلا يعارض القرآن.

  7. #502
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    وقال الالوسي

    وقيل: المراد بالساجدين المؤمنون، والمعنى يراك حين تقوم لأداء الرسالة ويرى تقلبك وترددك فيما بين المؤمنين أو معهم فيما فيه إعلان أمر الله تعالى وإعلاء كلمته سبحانه، وتفسير الساجدين بالمؤمنين مروي عن ابن عباس وقتادة إلا أن كون المعنى ما ذكر لا يخلو عن خفاء. وعن ابن جبير أن المراد بهم الأنبياء عليهم السلام، والمعنى ويرى تقلبك كما يتقلب غيرك من الأنبياء عليهم السلام في تبليغ ما أمروا بتبليغه وهو كما ترى، وتفسير الساجدين بالأنبياء رواه جماعة منهم الطبراني والبزار وأبو نعيم عن ابن عباس أيضاً إلا أنه رضي الله تعالى عنه فسر التقلب فيهم بالتنقل في أصلابهم حتى ولدته أمه عليه الصلاة والسلام، وجوز على حمل التقلب على التنقل في الأصلاب أن يراد بالساجدين / المؤمنون.

    واستدل بالآية على إيمان أبويه صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه كثير من أجلة أهل السنة، وأنا أخشى الكفر على من يقول فيهما رضي الله تعالى عنهما على رغم أنف عليّ القاري وأضرابه بضد ذلك إلا أني لا أقول بحجية الآية على هذا المطلب، ورؤية الله تعالى انكشاف لائق بشأنه عز شأنه غير الانكشاف العلمي ويتعلق بالموجود والمعدوم الخارجي عند العارفين، وقالوا: إن رؤية الله تعالى للمعدوم نظير رؤية الشخص القيامة ونحوها في المنام وكثير من المتكلمين انكروا تعلقها بالمعدوم، ومنهم من أرجعها إلى صفة العلم وتحقيق ذلك في محله، وفي وصفه تعالى برؤيته حاله صلى الله عليه وسلم التي بها يستأهل ولايته بعد وصفه بما تقدم تحقيق للتوكل وتوطين لقلبه الشريف عليه الصلاة والسلام عليه.

    ملحوظة

    الاشاعرة جعلوا تعلق السمع والبصر التنجيزى القديم للموجود ولاموجود فى الازل الا الله عز وجل فلا تتعلق بالمعدوم عندهم والبحث دقيق جدا

    قال الالوسي

    إِنَّهُ هُوَ ظ±لسَّمِيعُ } بكل ما يصح تعلق السمع به ويندرج فيه ما يقوله صلى الله عليه وسلم { ظ±لْعَلِيمُ } بكل ما يصح تعلق العلم به ويندرج فيه ما يعمله أو ينويه عليه الصلاة والسلام، وفي الجملة الاسمية إشارة إلى أنه سبحانه متصف بما ذكر أزلاً وأبداً ولا توقف لذلك على وجود المسموعات والمعلومات في الخارج، والحصر فيها حقيقي أي هو تعالى كذلك لا غيره سبحانه وتعالى. وكأن الجملة متعلقة بالجملتين الواقعتين في حيز الجزاء جيء بها للتحريض على القول السابق والتوكل، وجوز أن تكون متعلقة بما في حيز الصلة المراد منها التحريض على إيقاع الأقوال والأفعال التي في الصلاة على أكمل وجه فتأمل....

    { يُلْقُونَ ظ±لسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ }

    هذا واعلم أن هظ°هنا إشكالاً وارداً على بعض الاحتمالات في الآية لأنها عليه تفيد أن الشياطين يسمعون من الملائكة عليهم السلام ما يسمعونه ويلقونه إلى الأفاكين: وقد تقدم ما يدل على منعهم عن السمع أعني قوله تعالى:
    { إِنَّهُمْ عَنِ ظ±لسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ }
    [الشعراء: 212]. وأجيب بأن المراد بالسمع فيما تقدم السمع المعتد به وفيما هظ°هنا السمع في الجملة ويراد به / الخطفة المذكورة في قوله سبحانه:
    { إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ظ±لْخَطْفَةَ }
    [الصافات: 10] والكلمة المذكورة في خبر «الصحيحين» وابن مردويه السابق آنفا.

    واعترض بأن من خطف لا يبقى حياً إلى أن يوصل ما خطفه إلى وليه لظاهر قوله تعالى:
    { إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ظ±لْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ }
    [الصافات: 10] فإن ظاهره أنه يهلك بالشهاب الذي لحقه. وأجيب بأن نفي بقائه حياً غير مسلم، ولا نسلم أن الآية ظاهرة فيما ذكر إذ ليس فيها أكثر من اتباع الشهاب الثاقب إياه وهو يحتمل الزجر كما يحتمل الإهلاك فليرد اتباعه للزجر مع بقائه حياً فإن الخبر المذكور يقتضي بقاءه كذلك. وجاء عن ابن عباس أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السماوات وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقون إلى الكهنة فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب وهو الشعلة من النار فلا يخطىء أبداً فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه ومنهم من يخبله فيصير غولاً يضل الناس في البراري، وقيل: إن المراد بالسمع فيما تقدم سمع الوحي وفيما هنا سمع المغيبات غيره وهم غير ممنوعين عنه قبل البعثة وبعدها، وهذا مأخوذ من كلام عبد الرحمن بن خلدون في «مقدمة تاريخه» التي لم ينسج على منوالها وان كان للطعن فيها مجال قال: إن الآيات إنما دلت على منع الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ولم يمنعوا مما سوى ذلك، بل ربما يقال: إن في كلامه بعد إشعاراً ما بأن المنع إنما كان بين يدي النبوة فقط لا قبل ذلك ولا بعده. ولا يخفى أن الظواهر تشهد بمنعهم مطلقاً إلى يوم القيامة، بل قد يدعى أن في الآيات ما يدل على أن حفظ السماء بالكواكب لم يحدث وان خلقها لذلك وهو ظاهر في أنهم كانوا ممنوعين أيضاً قبل ولادته صلى الله عليه وسلم من خبر السماء، ويشكل هذا على ظاهر العزل إلا أن يدعى أن المنع قبل لم يكن بمثابة المنع بعد فالعزل عما كان يجعل المنع شديداً بالنسبة إليه. وفي «اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر» لمولانا عبد الوهاب الشعراني عليه الرحمة الصحيح أن الشياطين ممنوعون من السمع منذ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وبتقدير استراقهم فلا فلا يتوصلون إلى الإنس ليخبروهم بما استرقوه بل تحرقهم الشهب وتفنيهم انتهى.

    قيل ويلزم القائلين بهذا حمل ما في خبر «الصحيحين» على كهان كانوا قبل البعثة وقد أدركهم السائلون وهو الذي يقتضيه كلام القاضي أيضاً. فقد نقل النووي عنه في «شرحه صحيح مسلم» أنه قال: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب، أحدها أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء وهذا القسم بطل من حين بعث نبينا صلى الله عليه وسلم إلى آخر ما قال: وهو ظاهر كلام البوصيري حيث يقول:
    بعث الله عند مبعثه الشهـ ـب حراساً وضاق عنها الفضاء
    تطرد الجن عن مقاعد للسمـ ـع كما يطرد الذئب الرعاء
    فمحت آية الكهانة آيا ت من الوحي ما لهن انمحاء
    وقد قيل في الجواب عن الإشكال نحو هذا وهو أن تنزل الشياطين وإلقاءهم ما يسمعونه من السماء إلى أوليائهم حسبما تفيده الآية المذكورة في أحد محاملها إنما كان قبل البعثة حيث لم يكن حينئذ منع أو كان لكنه لم يكن شديداً. والمنع من السمع الذي يفيده قوله تعالى:
    { إِنَّهُمْ عَنِ ظ±لسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ }
    [الشعراء: 212] إنما كان / بعد البعثة وكان على أتم وجه، وهذا مشكل عندي بابن الصياد وما كان منه فإنهم عدوه من الكهان، " وقد صح إنه قال للنبـي عليه الصلاة والسلام حين سأله عن أمره: يأتيني صادق وكاذب وأن النبـي صلى الله عليه وسلم امتحنه فأضمر له آية الدخان وهي قوله تعالى: { فَظ±رْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ظ±لسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } [الدخان: 10] وقال صلى الله عليه وسلم: خبأت لك خبأ فقال ابن الصياد: هو الدخ أي الدخان وهي لغة فيه كما ذهب إليه الجمهور فقال له النبـي صلى الله عليه وسلم: «أخسأ فلن تعدو قدرك» "

    وقد قال القاضي كما نقل النووي عنه أيضاً: أصح الأقوال أنه لم يهتد من الآية التي أضمرها النبـي عليه الصلاة والسلام إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " أخسأ فلن تعدو قدرك " أي القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء وما لا يبين منه حقيقته ولا يصل به إلى بيان وتحقيق أمور الغيب، وقد يقال في دفع هذا الإشكال: إن ابن الصياد كان من الضرب الثاني من الكهان وهم الذين تخبرهم الشياطين بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنهم مما قرب أو بعد، والصحيح جواز وجودهم بعد البعثة خلافاً للمعتزلة وبعض المتكلمين حيث قالوا باستحالة وجود هذا الضرب، وكذا الضرب السابق آنفاً، وأنه يحتمل أن يكون النبـي صلى الله عليه وسلم قد أسر إلى بعض أصحابه الذين كانوا معه ما أضمره أو كانت سورة الدخان مكتوبة في يده صلى الله عليه وسلم أو كتب الآية وحدها في يده عليه الصلاة والسلام، وكلا القولين الأخيرين حكاهما الداودي بعض العلماء كما في «شرح صحيح مسلم».

    وأياً ما كان يكون ابن الصياد قد أخبر بأمر طارىء تطلع عليه الشياطين بدون استراق السمع من السماء وليس ذلك من الاطلاع على ما في القلب في شيء، ومع ذلك لم يخبر به تاماً بل أخبر به على نحو إخبار الكهان السابقين على زمن البعثة الذين هم من الضرب الأول في النقص. ولعل مراد القاضي بقوله: إنه لم يهتد من الآية التي أضمرها صلى الله عليه وسلم إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف الخ تشبيه حاله مع أنه من الضرب الثاني بحال من تقدمه من الكهان الذين هم من الضرب الأول وإلا لأشكل كلامه هذا مع ما نقلناه عنه أولاً كما لا يخفى، وكأنه يقول برجم المسترقين للسمع قبل البعثة أيضاً إلا أنه لم يكن بمثابة ما كان بعد البعثة، وقد ذهب إلى هذا جمع من المحدثين....

  8. #503
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    سورة النمل

    قال الالوسي:

    وقوله تعالى: { وَهُم بِظ±لأَخِرَةِ يُوقِنُونَ } يحتمل أن يكون معطوفاً على جملة الصلة، ويحتمل أن يكون في موضع الحال من ضمير الموصول، ويحتمل أن يكون استئنافاً جىء به للقصد إلى تأكيد ما وصف المؤمنون به من حيث إن الإيقان بالآخرة يستلزم الخوف المستلزم لتحمل مشاق التكليف فلا بد من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقد أقيم الضمير فيه مقام اسم الإشارة المفيد لاكتساب الخلافة بالحكم باعتبار السوابق فكأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، وسمي الزمخشري هذا الاستئناف اعتراضاً وكونه لا يكون إلا بين شيئين يتعلق أحدهما بالآخر كالمبتدأ والخبر غير مسلم عنده. واختار هذا الاحتمال فقال: إنه الوجه ويدل عليه أنه عقد الكلام جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو { هُمْ } حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق انتهى. وأنكر ابن المنير إفادة نحو هذا التركيب الاختصاص وادعى أن تكرار الضمير للتطرية لمكان الفصل بين الضميرين بالجار والمجرور، والحق أنه يفيد ذلك كما صرحوا به / في نحو هو عرف، وكذا يفيد التأكيد لما فيه من تكرار الضمير. وزعم أبو حيان أن فيما ذكره الزمخشري دسيسة الاعتزال، ولا يخفى أنه ليس في كلامه أكثر من الإشارة إلى أن المؤمن العاصي لم يوقن بالآخرة حق الإيقان، ولعل جعل ذلك دسيسة مبني على أنه بنى ذلك على مذهبه في أصحاب الكبائر وقوله فيهم بالمنزلة بين المنزلتين. وأنت تعلم أن القول بما اختاره في الآية لا يتوقف على القول المذكور؛ وتغيير النظم الكريم على الوجهين الأولين لما لا يخفى، وتقديم { بِظ±لأَخِرَةِ } في جميع الأوجه لرعاية الفاصلة، وجوز أن يكون للحصر الإضافة كما في «الحواشي الشهابية».

    وقال الرازى


    اعلم أنه تعالى لما بين ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما على الكفار من سوء العذاب فقال: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لأَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـظ°لَهُمْ } ، واختلف الناس في أنه كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى الشيطان في قوله:
    { فَزَيَّنَ لَهُمُ ظ±لشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ }
    [النحل: 63]؟ فأما أصحابنا فقد أجروا الآية على ظاهرها وذلك لأن الإنسان لا يفعل شيئاً ألبتة إلا إذا دعاه الداعي إلى الفعل والمعقول من الداعي هو العلم والاعتقاد والظن بكون الفعل مشتملاً على منفعة، وهذا الداعي لا بد وأن يكون من فعل الله تعالى لوجهين: الأول: أنه لو كان من فعل العبد لافتقر فيه إلى داع آخر ويلزم التسلسل وهو محال الثاني: وهو أن العلم إما أن يكون ضرورياً أو كسبياً، فإن كان ضرورياً فلا بد فيه من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسباً لأن المكتسب إن كان شاعراً به فهو متصور له، وتحصيل الحاصل محال وإن لم يكن شاعراً به كان غافلاً عنه والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالباً له، فإن قلت هو مشعور به من وجه دون وجه، قلت فالمشعور به غير ما هو غير مشعور به فيعود التقسيم المتقدم في كل واحد من هذين الوجهين، وإذا ثبت أن التصور غير مكتسب ألبتة والعلم الضروري هو الذي يكون حضور كل واحد من تصوريه كافياً في حصول التصديق، فالتصورات غير كسبية وهي مستلزمة للتصديقات، فإذن متى حصلت التصورات حصل التصديق لا محالة، ومتى لم تحصل لم يحصل التصديق ألبتة، فحصول هذه التصديقات البديهية ليس بالكسب، ثم إن التصديقات البديهية إن كانت مستلزمة للتصديقات النظرية لم تكن التصديقات النظرية كسبية، لأن لازم الضروري ضروري، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن تلك الأشياء التي فرضناها علوماً نظرية كذلك بل هي اعتقادات تقليدية، لأنه لا معنى لاعتقاد المقلد إلا اعتقاد تحسيني يفعله ابتداء من غير أن يكون له موجب فثبت بهذا أن العلوم بأسرها ضرورية، وثبت أن مبادىء الأفعال هي العلوم فأفعال العباد بأسرها ضرورية، والإنسان مضطر في صورة مختار، فثبت أن الله تعالى هو الذي زين لكل عامل عمله. والمراد من التزيين هو أنه يخلق في قلبه العلم بما فيه من المنافع واللذات ولا يخلق في قلبه العلم بما فيه من المضار والآفات، فقد ثبت بهذه الدلائل القاطعة العقلية وجوب إجراء هذه الآية على ظاهرها، أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تأويلها وجوهاً: أحدها: أن المراد بينا لهم أمر الدين وما يلزمهم أن يتمسكوا به وزيناه بأن بينا حسنه وما لهم فيه من الثواب، لأن التزيين من الله تعالى للعمل ليس إلا وصفه بأنه حسن وواجب وحميد العاقبة، وهو المراد من قوله

    { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ظ±لإيمَـظ°نَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ }
    [الحجرات:7] ومعنى { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } يدل على ذلك لأن المراد فهم يعدلون وينحرفون عما زينا من أعمالهم وثانيها: أنه تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق جعلوا إنعام الله تعالى بذلك عليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وعدم الانقياد لما يلزمهم من التكاليف، فكأنه تعالى زين بذلك أعمالهم وإليه إشارة الملائكة عليهم السلام في قولهم:
    { وَلَـظ°كِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حَتَّىظ° نَسُواْ ظ±لذّكْرَ }
    [الفرقان: 18] وثالثها: أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند إليه والجواب: عن الأول أن قوله تعالى: { أَعْمَـظ°لَهُمْ } صيغة عموم توجب أن يكون الله تعالى قد زين لهم كل أعمالهم حسناً كان العمل أو قبيحاً ومعنى التزيين قد قدمناه، وعن الثاني أن الله تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق فهل لهذه الأمور أثر في ترجيح فاعلية المعصية على تركها أوليس لها فيه أثر، فإن كان الأول فقد دللنا على أن الترجيح متى حصل فلا بد وأن ينتهي إلى حد الاستلزام وحينئذ يحصل الغرض وإن لم يكن فيه أثر صارت هذه الأشياء بالنسبة إلى أعمالهم كصرير الباب ونعيق الغراب، وذلك يمنع من إسناد فعلهم إليها وهذا بعينه هو الجواب عن التأويل الثالث الذي ذكروه، والله أعلم.....

    وقال الالوسي

    ونسبة التزيين إليه عز وجل عند الجماعة حقيقة وكذا التزيين نفسه، وذهب الزمخشري إلى أن التزيين إما مستعار للتمتيع بطول العمر وسعة الرزق وإما حقيقة وإسناده إليه سبحانه وتعالى مجاز وهو حقيقة للشيطان كما في قوله تعالى:
    { زَيَّنَ لَهُمُ ظ±لشَّيْطَـظ°نُ أَعْمَـظ°لَهُمْ }
    [الأنفال: 48]. والمصحح لهذا المجاز إمهاله تعالى الشيطان وتخليته حتى يزين لهم، والداعي له إلى أحد الأمرين إيجاب رعاية الأصلح عليه عز وجل. ونسب إلى الحسن أن المراد بالأعمال الأعمال الحسنة وتزيينها بيان حسنها في أنفسها حالاً واستتباعها لفنون المنافع مآلاً أي زينا لهم الأعمال الحسنة فهم يترددون في الضلال والإعراض عنها. والفاء عليه لترتيب ضد المسبب على السبب كما في قولك: وعظته فلم يتعظ، وفيه إيذان بكمال عتوهم ومكابرتهم وتعكيسهم [في] الأمور، وتعقب هذا القول بأن التزيين قد ورد غالباً في غير الخير نحو قوله تعالى:
    { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ظ±لشَّهَوظ°تِ }
    [آل عمران: 14]
    { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ظ±لْحَيَظ°وةُ ظ±لدُّنْيَا }
    [البقرة: 212]
    { زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ ظ±لْمُشْرِكِينَ }
    [الأنعام: 137] الخ ووروده في الخير قليل نحو قوله تعالى:
    { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ظ±لإِيمَـظ°نَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ }
    [الحجرات: 7] ويبعد حمل الأعمال على الأعمال الحسنة إضافتها إلى ضميرهم وهم لم يعملوا حسنة أصلاً. وكون إضافتها إلى ذلك باعتبار أمرهم بها، وإيجابها عليهم لا يدفع البعد. وذكر الطيبـي أنه يؤيد ما ذكر أولاً أن وزان فاتحة هذه السورة إلى هظ°هنا وزان فاتحة البقرة فقوله تعالى: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لأَخِرَةِ } كقوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ }
    [البقرة: 6] وقوله سبحانه: { زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـظ°لَهُمْ } كقوله جل وعلا:
    { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }
    [البقرة: 7] وقد سبق بيان وجه دلالة ذلك على مذهب الجماعة هناك وأن التركيب من باب تحقيق الخبر وأن المعنى استمرارهم على الكفر وأنهم بحيث لا يتوقع منهم الإيمان ساعة فساعة أمارة لرقم الشقاء عليهم في الأزل والختم على قلوبهم وأنه تعالى زين لهم سوء أعمالهم فهم لذلك في تيه الضلال يترددون وفي بيداء الكفر يعمهون، ودل على هذا التأويل إيقاع لفظ المضارع في صلة الموصول والماضي في خبره وترتيب قوله تعالى: { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } بالفاء عليه، واختصاص الخطاب بما يدل على الكبرياء والجبروت من باب تحقيق الخبر نحو قول الشاعر:
    إن التي ضربت بيتاً مهاجرة بكوفة الجند غالت ودها غول
    وفي الأخبار الصحيحة ما ينصر هذا التأويل أيضاً....

    وقال الماتريدى

    وقوله: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ }: الأعمال التي هم فيها بما ركب فيهم من الشهوات والأماني.

    ويحتمل { زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ } الأعمال التي هي عليهم، أي: زين لهم الخيرات والطاعات، لكنهم أبوا أن يأتوا بها؛ فالمعتزلة قالوا بهذا التأويل، وأبوا أن يقولوا بالأول أن يكون من الله تزيين ما هم فيه من الشرك والكفر وأنواع أفعال الكفر؛ إذ أضاف تزيين ذلك إلى الشيطان حيث قال:
    { وَزَيَّنَ لَهُمُ ظ±لشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ظ±لسَّبِيلِ }
    [النمل: 24]، وقال:
    { ظ±لشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ }
    [محمد: 25]، ونحو ذلك من الآيات، فقالوا: أضاف إلى الشيطان، ولا يجوز أن يضاف إلى الله ذلك بعينه؛ فدل أن الله إنما زين لهم أعمالهم التي عليهم من الإيمان والخيرات، لا الأعمال التي هم فيها.

    لكن عندنا يجوز إضافة تزيين أعمالهم التي هم فيها إلى الله من جهة ما ركب فيهم من الشهوات والأماني التي توافق طباعهم وأنفسهم؛ لأن التزيين يقع بنفس الكفر وأفعاله؛ إذ الكفر نفسه ليس بمزين ولا مستحسن، إنما هو شتم رب العالمين، ولكن تزيينه واستحسانه هو موافقة ما يعمل من الأعمال طباعه والجهة التي تضاف إلى الله؛ إذ الجهة التي تضاف إلى الشيطان هو دعاؤه وتمنيه إلى ما يوافق طباعهم؛ فمن هذه الجهة يجوز إضافته إلى الشيطان، والجهة التي تضاف إلى الله هو ما ركب فيهم من الشهوات والأماني وجعل الطباع موافقة لها، وإلا الصدق وجميع الخيريات إنما يكون مزيناً مستحسناً في العقل للعاقبة، والكفر وجميع المعاصي مستقبح في العقل للعاقبة إذا حمد أحدهما وأثيب على فعله، وذم الآخر وعوقب لسوء اختياره.

    أو أن يكون إضافة ذلك إلى الله لما خلق أفعالهم وأعمالهم التي عملوها، وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهي من هذه الجهة فعله، وهو يرد قولهم في إبائهم خلق أفعال العباد.

    وقال الرازى

    أما قوله تعالى: { نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى ظ±لنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـظ°نَ ظ±للَّهِ رَبّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } ففيه أبحاث: البحث الأول: { أن } أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول، والمعنى قيل له بورك. البحث الثاني: اختلفوا فيمن في النار على وجوه: أحدها: { أَن بُورِكَ } بمعنى تبارك والنار بمعنى النور والمعنى تبارك من في النور، وذلك هو الله سبحانه { وَمَنْ حَوْلَهَا } يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة وثانيها: { مَن فِى ظ±لنَّارِ } هو نور الله، { وَمَنْ حَوْلَهَا } الملائكة، وهو مروي عن قتادة والزجاج وثالثها: أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة محلاً للكلام، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة. ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال: { بُورِكَ مَن فِى ظ±لنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } وهو قول الجبائي ورابعها: { مَن فِى ظ±لنَّارِ } هو موسى عليه السلام لقربه منها { مِنْ حَوْلَهَا } يعني الملائكة، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد يقال إنه فيه وخامسها: قول صاحب «الكشاف»: { بُورِكَ مَن فِى ظ±لنَّارِ } أي من في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى:
    { مِن شَاطِىء ظ±لْوَادِ ظ±لأَيْمَنِ فِي ظ±لْبُقْعَةِ ظ±لْمُبَارَكَةِ }
    [القصص: 30] ويدل عليه قراءة أبي تباركت الأرض ومن حولها وعنه أيضاً بوركت النار.....

    فإن قيل هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى، فكيف علم موسى عليه السلام أنه من الله؟ جوابه: لأهل السنة فيه طريقان: الأول: أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات فعلم بالضرورة أنه صفة الله تعالى الثاني: قول أئمة ما وراء النهر وهو أنه عليه السلام سمع الصوت من الشجرة فنقول إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور: أحدها: أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة علم أنه من قبل الله تعالى لأن أحداً منا لا يقدر عليه وهو ضعف لاحتمال أن يقال الشيطان دخل في النار والشجرة ثم نادى وثانيها: يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغاً لا يكون إلا معجزاً، وهو أيضاً ضعيف لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم وثالثها: أنه قد اقترن به معجز دل على ذلك، فقيل إن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق فصار ذلك كالمعجز، وهذا هو الأصح، والله أعلم.....

    وقال القرطبي

    وحكى أبو حاتم أن في قراءة أبيّ وابن عباس ومجاهد { أن بوركت النار ومن حولها }. قال النحاس: ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، فتكون البركة راجعة إلى النار ومن حولها الملائكة وموسى. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك. الثعلبي: العرب تقول باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات. قال الشاعر:
    فبوركتَ مولوداً وبوركتَ ناشِئاً وبوركتَ عند الشَّيبِ إذ أنتَ أشيبُ
    الطبري: قال { بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ } ولم يقل بورك (في من في) النار على لغة من يقول باركك الله. ويقال باركه الله، وبارك له، وبارك عليه، وبارك فيه بمعنًى؛ أي بورك على من في النار وهو موسى، أو على من في قرب النار؛ لا أنه كان في وسطها. وقال السّدي: كان في النار ملائكة فالتبريك عائد إلى موسى والملائكة؛ أي بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين هم حولها. وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حيّا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه؛ قال:
    { رَحْمَةُ ظ±للَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ظ±لْبَيْتِ }
    [هود: 73]. وقول ثالث قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير: قُدِّس من في النار وهو الله سبحانه وتعالى، عنى به نفسه تقدّس وتعالى. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله عز وجل؛ نادى الله موسى وهو في النور؛ وتأويل هذا أن موسى عليه السلام رأى نوراً عظيماً فظنه ناراً؛ وهذا لأن الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار لا أنه يتحيز في جهة
    { وَهُوَ ظ±لَّذِي فِي ظ±لسَّمآءِ إِلَـظ°هٌ وَفِي ظ±لأَرْضِ إِلَـظ°هٌ }
    [الزخرف: 84] لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلَم به وجود الفاعل. وقيل على هذا: أي بورك من في النار سلطانه وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة.

    قلت: ومما يدلّ على صحة قول ابن عباس ما خرّجه مسلم في «صحيحه»، وابن ماجه في «سننه» واللفظ له عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القِسط ويرفعه حجابه النور لو كشفها لأحرقت سُبُحات وجهه كل شيء أدركه بصره " ثم قرأ أبو عبيدة: { أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أخرجه البيهقي أيضاً. ولفظ مسلم عن أبي موسى قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات؛ فقال: إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يُرفَع إليه عملُ الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور ـ وفي رواية أبي بكر النار ـ لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرهُ من خلقه " قال أبو عبيد: يقال السُّبَحات إنها جلال وجهه، ومنها قيل: سبحان الله إنما هو تعظيم له وتنزيه. وقوله: «لو كشفها» يعني لو رفع الحجاب عن أعينهم ولم يثبِّتهم لرؤيته لاحترقوا وما استطاعوا لها. قال ابن جُريج: النار حجاب من الحجب وهي سبعة حجب؛ حجاب العزّة، وحجاب الملك، وحجاب السلطان، وحجاب النار، وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء. وبالحقيقة فالمخلوق المحجوب والله لا يحجبه شيء؛ فكانت النار نوراً وإنما ذكره بلفظ النار؛ لأن موسى حسبه ناراً، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. وقال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها فأسمعه تعالى كلامه من ناحيتها، وأظهر له ربوبيته من جهتها. وهو كما روي أنه مكتوب في التوراة: «جاء الله من سيناء وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران». فمجيئه من سيناء بعثه موسى منها، وإشرافه من ساعير بعثه المسيح منها، واستعلاؤه من فاران بعثه محمداً صلى الله عليه وسلم، وفاران مكة. وسيأتي في «القصص» بإسماعه سبحانه كلامه من الشجرة زيادة بيان إن شاء الله تعالى.

    قوله تعالى: { وَسُبْحَانَ ظ±للَّهِ رَبِّ ظ±لْعَالَمِينَ } تنزيهاً وتقديساً لله رب العالمين. وقد تقدّم في غير موضع، والمعنى: أي ويقول من حولها { وَسُبْحَانَ اللَّهِ } فحذف. وقيل: إن موسى عليه السلام قاله حين فرغ من سماع النداء؛ استعانة بالله تعالى وتنزيهاً له؛ قاله السدي. وقيل: هو من قول الله تعالى. ومعناه: وبورك فيمن سبح الله تعالى رب العالمين؛ حكاه ابن شجرة.

    وقال الالوسي

    هذا وفي قوله تعالى:
    { أَن بُورِكَ مَن فِى ظ±لنَّارِ }
    [النمل: 8] الخ أقوال أخر، الأول: أن المراد بمن في النار نور الله تعالى وبمن حولها الملائكة عليهم السلام وروي ذلك عن قتادة. والزجاج. والثاني: أن المراد بمن في النار الشجرة التي جعلها الله محلاً للكلام وبمن حولها الملائكة عليهم السلام أيضاً ونقل هذا عن الجبائي وفي ما ذكر إطلاق { مِنْ } على غير العالم. والثالث: ما أخرجه ابن جرير، وابن أبـي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال في قوله تعالى: { أَن بُورِكَ مَن فِى ظ±لنَّارِ } يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين في الشجرة (ومن حولها) يعني الملائكة عليهم السلام، واشتهر عنه كون المراد بمن في النار نفسه تعالى وهو مروي أيضاً عن الحسن وابن جبير وغيرهما كما في «البحر». وتعقب ذلك الإمام بأنا نقطع بأن هذه الرواية عن ابن عباس موضوعة مختلقة. وقال أبو حيان: إذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول على حذف أي بورك من قدرته وسلطانه في النار.

    وذهب الشيخ إبراهيم الكوراني في رسالته «تنبيه العقول على تنزيه الصوفية عن اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول» إلى صحة الخبر عن الحبر رضي الله تعالى عنه وعدم احتياجه إلى التأويل المذكور فإن الذي دعا المؤولين أو الحاكمين بالوضع إلى التأويل أو الحكم بالوضع ظن دلالته على الحلول المستحيل عليه تعالى وليس كذلك بل ما يدل عليه هو ظهوره سبحانه في النار وتجليه فيها وليس ذلك من الحلول في شيء فإن كون الشيء مجلي لشيء ليس كونه محلاً له فإن الظاهر في المرآة مثلاً خارج عن المرآة بذاته قطعاً بخلاف الحال في محل فإنه حاصل فيه ثم إن تجليه تعالى وظهوره في المظاهر يجامع التنزيه.

    ومعنى الآية عنده فلما جاءها نودي أن بورك أي قدس أي نحو ذلك من تجلى وظهر في صورة النار لما اقتضته الحكمة لكونها مطلوبة لموسى عليه السلام ومن حولها من الملائكة أو منهم ومن موسى عليهم السلام، وقوله تعالى: { وَسُبْحَـظ°نَ ظ±للَّهِ } دفع لما يتوهمه التجلي في مظهر النار من التشبيه أي وسبحان الله عن التقيد بالصورة والمكان والجهة وإن ظهر فيها بمقتضى الحكمة لكونه موصوفاً بصفة رب العالمين الواسع القدوس الغني عن العالمين ومن هو كذلك لا يتقيد بشيء من صفات المحدثات بل هو جل وعلا باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق في حال تجليه وظهوره فيما شاء من المظاهر. ولهذا ورد في الحديث الصحيح " سبحانك حيث كنت " فأثبت له تعالى التجلي في الحيث ونزهه عن أن يتقيد بذلك { يظ°مُوسَىظ° إِنَّهُ } أي المنادي المتجلي في النار { أَنَا ظ±للَّهُ ظ±لْعَزِيزُ } فلا أتقيد بمظهر للعزة الذاتية لكني (الحكيم) ومقتضى الحكمة الظهور في صورة مطلوبك. وذكر أن تقدير المضاف كما فعل بعض المفسرين عدول عن الظاهر لظن المحذور فيه وقد تبين أن لا محذور فلا حاجة إلى العدول انتهى.

    وكأني بك تقول: هذا طور ما وراء طور العقول. ثم إنه لا مانع على أصول الصوفية أن يريدوا بمن حولها الله عز وجل أيضاً إذ ليس في الدار عندهم غيره سبحانه ديار، ولا بعد في أن تكون الآية عند ابن عباس إن صح عنه ما ذكر من المتشابه والمذاهب فيه معلومة عندك. والأوفق بالعامة التأويل بأن يقال: المراد أن بورك من ظهر نوره في النار. ولعل في خبر الحبر السابق ما يشير إليه. وإضافة النور إليه تعالى لتشريف المضاف وهو نور خاص كان مظهراً لعظيم قدرته تعالى وعظمته. وسمعت من بعض أجلة المشايخ يقول: إن هذا النور لم يكن عيناً ولا غيراً على نحو قول الأشعري في صفاته عز وجل الذاتية وهو أيضاً، منزع صوفي يرجع بالآخرة إلى حديث التجلي والظهور كما لا يخفى فتأمل.

  9. #504
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    وقال الالوسي

    وقوله تعالى: { إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ظ±لْمُرْسَلُونَ } تعليل للنهي عن الخوف، وهو على ما قيل يؤيد أن الخوف كان للظن المذكور وأن المراد { لاَ تَخَفْ } مطلقاً، والمراد من { لَدَىَّ } في حضرة القرب مني وذلك حين الوحي. والمعنى أن الشأن لا ينبغي للمرسلين أن يخافوا حين الوحي إليهم بل لا يخطر ببالهم الخوف وإن وجد ما يخاف منه لفرط استغراقهم إلى تلقي الأوامر وانجذاب أرواحهم إلى عالم الملكوت، والتقييد بلديَّ لأن المرسلين في سائر الأحيان أخوف الناس من الله عز وجل فقد قال تعالى:
    { إِنَّمَا يَخْشَى ظ±للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ظ±لْعُلَمَاء }
    [فاطر: 28] ولا أعلم منهم بالله تعالى شأنه، وقيل: المعنى لا تخف من غيري أو لا تخف مطلقاً فإن الذي ينبغي أن يخاف منه أمثالك المرسلون إنما هو سوء العاقبة وأن الشأن لا يكون للمرسلين عندي سوء عاقبة ليخافوا منه. والمراد بسوء العاقبة ما في الآخرة لا ما في الدنيا لئلا يرد قتل بعض المرسلين عليهم الصلاة والسلام، والمراد بلدي على ما قال الخفاجي: عند لقائي وفي حكمي على ما قال ابن الشيخ.

    وأياً ما كان يلزم مما ذكر أن المرسلين عليهم السلام لا يخافون سوء العاقبة لأن الله تعالى آمنهم من ذلك فلو خافوا لزم أن لا يكونوا واثقين به عز وجل وهذا هو الصحيح كما في «الحواشي الشهابية» عند الأشعري، وظاهر الآثار يقتضي أنهم عليهم السلام كانوا يخافون ذلك، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبـي على دينك / فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها يوماً: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا أراد يقلب قلب عبده " وظاهر بعض الآيات يقتضي ذلك أيضاً مثل قوله تعالى:
    { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ظ±للَّهِ إِلاَّ ظ±لْقَوْمُ ظ±لْخَـظ°سِرُونَ }
    [الأعراف: 99] وكون الله تعالى آمنهم من ذلك إن أريد به ما جاء في ضمن تبشيرهم بالجنة فقد صح أن المبشرين بالجنة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يخافون من سوء العاقبة مع علمهم ببشارته تعالى إياهم بالجنة، ويعلم منه أن الخوف يجتمع مع البشارة، ولا يلزم من ذلك عدم الوثوق به عز وجل لأنه لاحتمال أن يكون هناك شرط لم يظهره الله تعالى لهم للابتلاء ونحوه من الحكم الإلهية، وإن أريد به ما كان بصريح ءامنتكم من سوء العاقبة كان هذا الاحتمال قائماً أيضاً فيه ويحصل الخوف من ذلك، وإن أريد به ما اقتضاه جعله تعالى إياهم معصومين من الكفر ونحوه.

    ورد أن الملائكة عليهم السلام جعلهم الله تعالى معصومين من ذلك أيضاً وهم يخافون. ففي الأثر لما مكر بإبليس بكى جبرائيل وميكائيل عليهما السلام فقال الله عز وجل لهما: ما يبكيكما؟ قالا: يا رب ما نأمن مكرك فقال تعالى: هكذا كونا لا تأمنا مكري، ولعل ذلك لأن العصمة عندنا على ما يقتضيه أصل استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار ابتداء كما في «المواقف» و«شرحه» الشريف الشريفي أن لا يخلق الله تعالى في الشخص ذنباً، وعند الحكماء بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالإيجاب واعتبار استعداد القوابل ملكة تمنع الفجور وتحصل ابتداء بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي وهي بكلا المعنيين لا تقتضي استحالة الذنب، أما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الأول فلأن عدم خلقه تعالى إياه ليس بواجب عليه سبحانه ليكون خلقه مستحيلاً عليه تعالى ومتى لم يكن الخلق مستحيلاً عليه تعالى فكيف يحصل الأمن من المكر، وأما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الثاني فلأن زوال تلك الملكة ممكن أيضاً واقتضاء العلم بالمثالب والمناقب إياها ابتداء وتأكدها بتتابع الوحي ليس من الضروريات العقلية ومتى كان الأمر كذلك لا يحصل الأمن بمجرد حصول الملكة، نعم قال قوم: العصمة تكون خاصية في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها صدور الذنب عنه، وقد يستند إليه من يقول بالأمن، ولا يخفى أنه لو سلم تمام الاستدلال به على هذا المطلب فهو في حد ذاته غير صحيح. ففي «المواقف وشرحه» أنه يكذب هذا القول أنه لو كان صدور الذنب ممتنعاً لما استحق النبـي عليه الصلاة والسلام المدح بترك الذنب إذ لا مدح بترك ما هو ممتنع لأنه ليس بمقدور داخلاً تحت الاختيار، وأيضاً فالإجماع على أن الأنبياء عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان صدور الذنب ممتنعاً عنهم لما كان الأمر كذلك، وأيضاً فقوله تعالى:
    { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىظ° إِلَىَّ }
    [الكهف: 110] يدل على مماثلتهم عليهم السلام لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية والامتياز بالوحي فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما لا يمتنع صدوره عن سائر البشر اهـ.

    وذكر الخفاجي في «شرح الشفاء» عن ابن الهمام أنه قال في «التحرير»: العصمة عدم القدرة على المعصية وخلق مانع عنها غير ملجىء، ثم قال: وهو مناسب لقول الماتريدي العصمة لا تزيل المحنة أي الابتلاء المقتضى لبقاء الاختيار، ومعناه كما في «الهداية» أنها لا تجبره على الطاعة ولا تعجزه عن المعصية بل هي لطف من / الله تعالى تحمله على فعله وتزجره عن الشر مع بقاء الاختيار وتحقيق للابتلاء اهـ، وهو ظاهر على عدم الاستحالة الذاتية لصدور الذنب، ولعل ما وقع في كلام بعض الأجلة من استحالة وقوع الذنب منهم عليهم السلام محمول على الاستحالة الشرعية كما يؤذن به كلام العلامة ابن حجر في «شرح الهمزية».

    وبالجملة الذي تقتضيه الظواهر ويشهد له العقل أن الأنبياء عليهم السلام يخافون ولا يأمنون مكر الله تعالى لأنه وإن استحال صدور الذنب عنهم شرعاً لكنه غير مستحيل عقلاً بل هو من الممكنات التي يصح تعلق قدرة الله تعالى بها ومع ملاحظة إمكانه الذاتي وأن الله تعالى لا يجب عليه شيء وقيام احتمال تقييد المطلق بما لم يصرح به لحكمة كالمشيئة لا يكاد يأمن معصوم من مكر الملك الحي القيوم فالأنبياء والملائكة كلهم خائفون ومن خشيته سبحانه عز وجل مشفقون، وليس لك أن تخص خوفهم بخوف الإجلال إذ الظاهر العموم ولا دليل على الخصوص يعود عليه عند فحول الرجال، نعم قال يقال بإمكان حصول الأمن من المكر وذلك بخلق الله تعالى علماً ضرورياً في العبد بعدم تحقق ما يخاف منه في وقت من الأوقات أصلاً لعلم الله تعالى عدم تحققه كذلك وإن كان ممكناً ذاتياً، ولعله يحصل لأهل الجنة لتتم لذتهم فيها فقد قيل:
    فإن شئت إن تحيا حياة هنية فلا تتخذ شيئاً تخاف له فقداً
    ولا يبعد حصوله لمن شاء الله تعالى من عباده يوم القيامة قبل دخولها أيضاً، ولم تقم أمارة عندي على حصوله في هذه النشأة لأحد والله تعالى أعلم فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك، وروى الإمام عن بعضهم أنه قال معنى الآية: إني إذا أمرت المرسلين بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة....

    وقال السمين فى دره

    قوله: { إَلاَّ مَن ظَلَمَ }: فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ المرسلين مَعْصُومون من المعاصي. وهذا هو الظاهرُ الصحيحُ. والثاني: أنه متصلٌ. وِلأهلِ التفسيرِ فيه عباراتٌ ليس هذا موضعَها. وعن الفراء: أنَّه متصلٌ. لكن من جملةٍ محذوفةٍ، تقديرُه: وإنما يَخاف غيرُهم إلاَّ مَنْ ظَلَمَ. وردَّه النحاس: بأنه لو جاز هذا لجازَ " لا أضرب القوم إلاَّ زيداً " أي: وإنما أَضْرِبُ غيرَهم إلاَّ زيداً، وهذا ضدُّ البيانِ والمجيءُ بما لا يُعْرَفُ معناه.

    وقَدَّره الزمخشري بـ " لكن ". وهي علامةٌ على أنه منقطعٌ، وذكر كلاماً طويلاً. فعلى الانقطاعِ يكونُ منصوباً فقط على لغةِ الحجاز. وعلى لغةِ تميمٍ يجوزُ فيه النَصبُ والرفعُ على البدلِ من الفاعلِ قبلَه. وأمَّا على الاتصالِ فيجوزُ فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيارُ البدلَ؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ.

    وقال الالوسي

    وَوَرِثَ سُلَيْمَـظ°نُ دَاوُودَ } أي قام مقامه في النبوة والملك وصار نبياً ملكاً بعد موت أبيه داود عليهما السلام فوراثته إياه مجاز عن قيامه مقامه فيما ذكر بعد موته، وقيل: المراد وراثة النبوة فقط، وقيل: وراثة الملك فقط، وعن الحسن ونسبه الطبرسي إلى أئمة أهل البيت أنها وراثة المال، وتعقب بأنه قد صح " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " وقد ذكره الصديق والفاروق رضي الله تعالى عنهما بحضرة جمع من الصحابة وهم الذين لا يخافون في الله تعالى لومة لائم ولم ينكره أحد منهم عليهما. وأخرج أبو داود والترمذي " عن أبـي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر " وروى محمد بن يعقوب الرازي في «الكافي» عن أبـي البحتري عن أبـي عبد الله جعفر الصادق أنه قال ذلك أيضاً.

    ومما يدل على أن هذه الوراثة ليست وراثة المال ما روى الكليني عن أبـي عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان صلى الله عليه وسلم، وأيضاً وراثة المال لا تختص بسليمان عليه السلام فإنه كان لداود عدة أولاد غيره كما رواه الكليني عنه أيضاً، وذكر غيره أنه عليه السلام توفي عن تسعة عشر ابناً فالإخبار بها عن سليمان ليس فيه كثير نفع وإن كان المراد الإخبار بما يلزمها من بقاء سليمان بعد داود عليهما السلام فما الداعي للعدول عما يفيده من غير خفاء مثل وقال سليمان بعد موت أبيه داود «يا أيها الناس» الخ. وأيضاً السياق والسباق يأبيان أن يكون المراد وراثة المال كما لا يخفى على منصف، والظاهر أن الرواية عن الحسن غير ثابتة وكذا الرواية عن أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم، فقد سمعت في رواية الكليني عن الصادق رضي الله تعالى عنه ما ينافي ثبوتها، ووراثة غير المال شائعة في الكتاب الكريم فقد قال عز من قائل:
    { ثُمَّ أَوْرَثْنَا ظ±لْكِتَـظ°بَ }
    [فاطر: 32]، وقال سبحانه:
    { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ }
    [الأعراف: 169] ولا يضر تفاوت القرينة فافهم. وكان عمره يوم توفي داود عليهما السلام اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة وكان داود قد أوصى له بالملك فلما توفي ملك وعمره ما ذكر، وقيل: إن داود عليه السلام ولاه على بني إسرائيل في حياته حكاه في «البحر»....


    وجملة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } حال من مجموع المتعاطفين والضمير لهما. وجوز أن تكون حالاً من الجنود والضمير لهم، وأياً ما كان ففي تقييد الحطم بعدم الشعور بمكانهم المشعر بأنه لو شعروا بذلك لم يحطموا ما يشعر بغاية أدب النملة مع سليمان عليه السلام وجنوده، وليت من طعن في أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم تأسى بها فكف عن ذلك وأحسن الأدب

    وقال الرازى

    أما قوله تعالى: { رَبّ أَوْزِعْنِى } فقال صاحب «الكشاف»: حقيقة أوزعني: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني، حتى أكون شاكراً لك أبداً، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث...

    واعلم أن ههنا بحثين: البحث الأول: أن الملاحدة طعنت في هذه القصة من وجوه: أحدها: أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا من العقلاء وذلك يجر إلى السفسطة، فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة التي نشاهدها في زماننا هذا، أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول في القملة والصئبان، ويجوز أن يكون فيهم الأنبياء والتكاليف والمعجزات، ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب وثانيها: أن سليمان عليه السلام كان بالشام فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن ثم رجع إليه؟ وثالثها: كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان، وإنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية وكان تحت راية بلقيس على ما يقال اثنا عشر ألف ملك تحت راية كل واحد منهم مائة ألف، ومع أنه يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام ورابعها: من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟ والجواب عن الأول: أن ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع، وعن البواقي أن الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك.

    البحث الثاني: قالت المعتزلة قوله: { يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ظ±للَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ظ±لشَّيْطَـظ°نُ أَعْمَـظ°لَهُمْ } يدل على أن فعل العبد من جهته لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم ولأنه أورده مورد الذم ولأنه بين أنهم لا يهتدون والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا قول الهدهد فلا يكون حجة وثانيها: أنه متروك الظاهر، فإنه قال: { فَصَدَّهُمْ عَنِ ظ±لسَّبِيلِ } وعندهم الشيطان ما صد الكافر عن السبيل إذ لو كان مصدوداً ممنوعاً لسقط عنه التكليف، فلم يبق ههنا إلا التمسك بفصل المدح والذم والجواب: قد تقدم عنه مراراً فلا فائدة في الإعادة، والله أعلم.

    وقال الالوسي

    وفي قوله تعالى: { أَحَطتُ } الخ دليل بإشارة النص والإدماج على بطلان قول الرافضة: إن الإمام ينبغي أن لا يخفى عليه شيء من الجزئيات، ولا يخفى أنهم إن عنوا بذلك أنه يجب أن يكون الإمام عالماً على التفصيل بأحكام جميع الحوادث الجزئية التي يمكن وقوعها وأن يكون مستحضراً الجواب الصحيح عن كل ما يسأل عنه فبطلان كلامهم في غاية الظهور، وقد سئل علي كرم الله تعالى وجهه وهو على منبر الكوفة عن مسألة فقال: لا أدري فقال السائل: ليس مكانك هذا مكان من يقول: لا أدري فقال الإمام كرم الله تعالى وجهه: بلى والله هذا مكان من يقول لا أدري وأما من لا يقول ذلك فلا مكان له يعني به الله عز وجل وإن عنوا أنه يجب أن يكون عالماً بجميع القواعد الشرعية وبكثير من الفروع الجزئية لتلك القواعد بحيث لو حدثت حادثة ولا يعلم حكمها يكون متمكناً من استنباط الحكم فيها على الوجه الصحيح فذاك حق وهو في معنى قول الجماعة يجب أن يكون الإمام مجتهداً. وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله.

  10. #505
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الرازى

    المسألة الثالثة: الآية دلت على وصف الله تعالى بالقدرة والعلم، أما القدرة فقوله: { يُخْرِجُ ظ±لْخَبْء فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } وسمي المخبوء بالمصدر، وهو يتناول جميع أنواع الأرزاق والأموال وإخراجه من السماء بالغيث، ومن الأرض بالنبات. وأما العلم فقوله: { وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ }. واعلم أن المقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وتحرير الدلالة هكذا: الإله يجب أن يكون قادراً على إخراج الخبء وعالماً بالخفيات، والشمس ليست كذلك فهي لا تكون إلهاً وإذا لم تكن إلهاً لم يجز السجود لها، أما أنه سبحانه وتعالى يجب أن يكون قادراً عالماً على الوجه المذكور، فلما أنه واجب لذاته فلا تختص قادريته وعالميته ببعض المقدورات والمعلومات دون البعض، وأما أن الشمس ليست كذلك فلأنها جسم متناه، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يعلم كونها قادرة على إخراج الخبء عالمة بالخفيات، فإذا لم يعلم من حالها ذلك لم يعلم من حالها كونها قادرة على جلب المنافع ودفع المضار، فرجع حاصل الدلالة إلى ما ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله:
    { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً }
    [مريم: 42] وفي قوله: { للَّهِ ظ±لَّذِى يُخْرِجُ ظ±لْخَبْء فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } وجه آخر وهو أن هذا إشارة إلى ما استدل به إبراهيم عليه السلام في قوله:
    { رَبّيَ ظ±لَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ }
    [البقرة: 258] وفي قوله:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ يَأْتِى بِظ±لشَّمْسِ مِنَ ظ±لْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ظ±لْمَغْرِبِ }
    [البقرة: 258] وذلك لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخرج الشمس من المشرق بعد أفولها في المغرب فهذا هو إخراج الخبء في السموات وهو المراد من قول إبراهيم عليه السلام:

    لا أُحِبُّ ظ±لآفِلِينَ }
    [الأنعام: 76] ومن قوله: { فَإِنَّ ظ±للَّهَ يَأْتِى بِظ±لشَّمْسِ مِنَ ظ±لْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ظ±لْمَغْرِبِ } ومن قوله موسى عليه السلام:
    { رَّبُّ ظ±لْمَشْرِقِ وَظ±لْمَغْرِبِ }
    [الشعراء: 28] وحاصله يرجع إلى أن أفول الشمس وطلوعها يدلان على كونها تحت تدبير مدبر قاهر فكانت العبادة لقاهرها والمتصرف فيها أولى، وأما إخراج الخبء من الأرض فهو يتناول إخراج النطفة من الصلب والترائب وتكوين الجنين منه، فإن قيل إن إبراهيم وموسى عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق فإن إبراهيم قال: { رَبّيَ ظ±لَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } ثم قال: { فَإِنَّ ظ±للَّهَ يَأْتِى بِظ±لشَّمْسِ مِنَ ظ±لْمَشْرِقِ } وموسى عليه السلام قال:
    { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ظ±لأَوَّلِينَ }
    [الشعراء: 26] ثم قال: { رَّبُّ ظ±لْمَشْرِقِ وَظ±لْمَغْرِبِ } فلم كان الأمر ههنا بالعكس فقدم خبء السموات على خبء الأرض؟ جوابه: أن إبراهيم وموسى عليهما السلام ناظراً مع من ادعى إلهية البشر، فلا جرم ابتدأ بإبطال إلهية البشر ثم انتقلا إلى إبطال إلهية السموات، وههنا المناظرة مع من ادعى إلهية الشمس لقوله: { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ظ±للَّهِ } فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات ثم بالأرضيات. أما قوله: { ظ±للَّهُ لاَ إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ظ±لْعَرْشِ ظ±لْعَظِيمِ } فالمراد منه أنه سبحانه لما بين افتقار السموات والأرض وما بينهما إلى المدبر ذكر بعد ذلك أن ما هو أعظم الأجسام فهي مخلوقة ومربوبة وذلك يدل على أنه سبحانه هو المنتهى في القدرة والربوبية إلى ما لا يزيد عليه، والله أعلم

  11. #506
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الرازى

    . البحث الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام لا يطيلون بل يقتصرون على المقصود، وهذا الكتاب مشتمل على تمام المقصود، وذلك لأن المطلوب من الخلق، إما العلم أو العمل والعلم مقدم على العمل فقوله: { بِسْمِ اللَّهِ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ ظ±لرَّحِيمِ } مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات كونه عالماً قادراً حياً مريداً حكيماً رحيماً. وأما قوله: { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ } فهو نهي عن الانقياد لطاعة النفس والهوى والتكبر. وأما قوله: { وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } فالمراد من المسلم إما المنقاد أو المؤمن، فثبت أن هذا الكتاب على وجازته يحوي كل ما لا بد منه في الدين والدنيا، فإن قيل النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولاً حقاً يدل على الاكتفاء بالتقليد جوابه: معاذ الله أن يكون هناك تقليد وذلك لأن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجز، والمعجز يدل على وجود الصانع وعلى صفاته ويدل على صدق المدعي فلما كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة لا جرم لم يذكر في الكتاب دليلاً آخر.

    وقال الالوسي
    وفي كيفية وصول العرش إليه عليه السلام حتى رآه مستقراً عنده خلاف. فأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس أنه قال لم يجر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان وإلى هذا ذهب مجاهد وابن سابط وغيرهما. وقيل نزل بين يدي سليمان عليه السلام من السماء وكان عليه السلام إذ ذاك في أرض الشام على ما قيل رجع إليها من صنعاء وبينها وبين مأرب محل العرش نحو من مسافة شهرين. وعلى القول بأنه كان في صنعاء فالمسافة بين محله ومحل العرش نحو ثلاثة أيام. وأياً ما كان فقطعه المسافة الطويلة في الزمن القصير أمر ممكن وقد أخبر بوقوعه الصادق فيجب قبوله. وقد اتفق البر والفاجر على وقوع ما هو أعظم من ذلك وهو قطع الشمس في طرفة عين آلافاً من الفراسخ مع أن نسبة عرش بلقيس إلى جرمها نسبة الذرة إلى الجبل، وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إن آصف تصرف في عين العرش فأعدمه في موضعه وأوجده عند سليمان من حيث لا يشعر أحد بذلك إلا من عرف الخلق الجديد الحاصل في كل آن وكان زمان وجوده عين زمان عدمه وكل منهما في آن وكان عين قول آصف عين الفعل في الزمان فإن القول من الكامل بمنزلة كن من الله تعالى. ومسألة حصول العرش من أشكل المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه من الإيجاد والإعدام فما قطع العرش مسافة ولا زويت له أرض ولا خرقها اهـ ملخصاً. وله تتمة ستأتي إن شاء الله تعالى. وما ذكره من أنه كان بالإعدام والإيجاد مما يجوز عندي وإن لم أقل بتجدد الجواهر تجدد الأعراض عند الأشعري إلا أنه خلاف ظاهر الآية. واستدل بها على ثبوت الكرامات. وأنت تعلم أن الاحتمال يسقط الاستدلال.

    وقال الرازى

    أما قوله تعالى: { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ظ±للَّهِ } ففيه وجهان: الأول: المراد: وصدها عبادتها لغير الله عن الإيمان الثاني: وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل، وقرىء أنها بالفتح على أنه بدل من فاعل صد وبمعنى لأنها، واحتجت المعتزلة بهذه الآية فقالوا لو كان تعالى خلق الكفر فيها لم يكن الصاد لها كفرها المتقدم ولا كونها من جملة الكفار، بل كان يكون الصاد لها عن الإيمان تجدد خلق الله الكفر فيها والجواب: أما على التأويل الثاني فلا شك في سقوط الاستدلال، وأما على الأول فجوابنا أن كونها من جملة الكفار صار سبباً لحصول الداعية المستلزمة للكفر، وحينئذ يبقى ظاهر الآية موافقاً لقولنا، والله أعلم.

  12. #507
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    وقال الرازى

    ، ثم إنه سبحانه قال: { وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وقد اختلفوا في مكر الله تعالى على وجوه: أحدها: أن مكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة، روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل الثلاث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فهلكوا وهلك الباقون بالصيحة وثانيها: جاؤا بالليل شاهرين سيوفهم وقد أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة، يرون الأحجار ولا يرون رامياً وثالثها: أن الله تعالى أخبر صالحاً بمكرهم فتحرز عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم

  13. #508
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الرازى

    قوله: { وَمَن يُرْسِلُ ظ±لرّيَاحَ } فإنه سبحانه هو الذي يحرك الرياح فتثير السحاب ثم تسوقه إلى حيث يشاء، فإن قيل لا نسلم أنه تعالى هو الذي يحرك الرياح، فإن الفلاسفة قالت الرياح إنما تتولد عن الدخان وليس الدخان كله هو الجسم الأسود المرتفع مما احترق بالنار، بل كل جسم أرضي يرتفع بتصعيد الحرارة سواء كانت الحرارة حرارة النار أو حرارة الشمس فهو دخان قالوا وتولد الرياح من الأدخنة على وجهين أحدهما أكثري، والآخر أقلي، أما الأكثري فهو أنه إذا صعدت أدخنة كثيرة إلى فوق فعند وصولها إلى الطبقة الباردة إما أن ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء أو لا ينكسر فإن انكسر فلا محالة يثقل وينزل فيحصل من نزولها تموج الهواء فتحدث الريح، وإن لم ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء فلا بد وأن يتصاعد إلى أن يصل إلى كرة النار المتحركة بحركة الفلك وحينئذ لا يتمكن من الصعود بسبب حركة النار فترجع تلك الأدخنة وتصير ريحاً، لا يقال لو كان اندفاع هذه الأدخنة بسبب حركة الهواء العالي لما كانت حركتها إلى أسفل بل إلى جهة حركة الهواء العالي لأنا نقول الجواب من وجهين: أحدهما: أنه ربما أوجبت هيئة صعود تلك الأدخنة وهيئة لحوق المادة بها أن يتحرك إلى خلاف جهة المتحرك المانع، كالسهم يصيب جسماً متحركاً فيعطفه تارة إلى جهته إن كان الحابس كما يقدر على صرف المتحرك عن متوجهه يقدر أيضاً على صرفه إلى جهة حركة نفسه وتارة إلى خلاف تلك الجهة إذا كان المفارق يقدر على الحبس ولا يقدر على الصرف الثاني: أنه ربما كان صعود بعض الأدخنة من تحت مانعاً للأدخنة النازلة من فوق إلى أن يتسفل ذلك فلأجل هذا السبب يتحرك إلى سائر الجوانب، واعلم أن لأهل الإسلام ههنا مقامين: الأول: أن يقيم الدلالة على فساد هذه العلة وبيانه من وجهين: الأول: أن الأجزاء الدخانية أرضية فهي أثقل من الأجزاء البخارية المائية، ثم إن البخار لما يبرد ينزل على الخط المستقيم مطراً فالدخان لما برد فلماذا لم ينزل على الخط المستقيم بل ذهب يمنة ويسرة؟ الثاني: أن حركة تلك الأجزاء إلى أسفل طبيعية وحركتها يمنة ويسرة عرضية والطبيعية أقوى من العرضية، وإذا لم يكن أقوى فلا أقل من المساواة، ثم إن الريح عند حركتها يمنة ويسرة ربما تقوى على قلع الأشجار ورمي الجدار بل الجبال، فتلك الأجزاء الدخانية عندما تحركت حركتها الطبيعية التي لها وهي الحركة إلى السفل وجب أن تهدم السقف، ولكنا نرى الغبار الكثير ينزل من الهواء ويسقط على السقف ولا يحس بنزوله فضلاً عن أن يهدمه فثبت فساد ما ذكروه المقام الثاني: هب أن الأمر كما ذكروه ولكن الأسباب الفاعلية والقابلية لها مخلوقة لله سبحانه وتعالى، فإنه لولا الشمس وتأثيرها في تصعيد الأبخرة والأدخنة ولولا طبقات الهواء، وإلا لما حدثت هذه الأمور، ومعلوم أن من وضع أسباباً فأدته إلى منافع عجيبة وحكم بالغة فذلك الواضع هو الذي فعل تلك المنافع، فعلى جميع الأحوال لا بد من شهادة هذه الأمور على مدبر حكيم واجب لذاته، قطعاً لسلسلة الحاجات...

    ثم بين بقوله: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـظ°نَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ } أن لا برهان لكم فإذن هم مبطلون، وهذا يدل على أنه لا بد في الدعوى من وعلى فساد التقليد، فإن قيل كيف قيل لهم: { أَم مَّنْ يبدؤ ظ±لْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } وهم منكرون للإعادة؟ جوابه: كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقروناً بالدلالة الظاهرة صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في الإنكار، وههنا آخر الدلائل المذكورة على كمال قدرة الله تعالى....

    { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ظ±لسَّمَظ°وظ°تِ وظ±لأَرْضِ ظ±لْغَيْبَ إِلاَّ ظ±للَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ }

    قال الرازى

    ، فإن قيل الاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت المستثنى منه ودلت الآية ههنا على استثناء الله سبحانه وتعالى عمن في السموات والأرض فوجب كونه ممن في السموات والأرض وذلك يوجب كونه تعالى في المكان والجواب: هذه الآية متروكة الظاهر لأن من قال إنه تعالى في المكان زعم أنه فوق السموات، ومن قال إنه ليس في مكان فقد نزهه عن كل الأمكنة، فثبت بالإجماع أنه تعالى ليس في السموات والأرض فإذن وجب تأويله فنقول إنه تعالى ممن في السموات والأرض كما يقول المتكلمون: الله تعالى في كل مكان على معنى أن علمه في الأماكن كلها، لا يقال إن كونه في السموات والأرض مجاز وكونهم فيهن حقيقة وإرادة المتكلم بعبارة واحدة ومجازاً غير جائزة، لأنا نقول كونهم في السموات والأرض، كما أنه حاصل حقيقة وهو حصول ذواتهم في الأحياز فكذلك حاصل مجازاً، وهو كونهم عالمين بتلك الأمكنة فإذا حملنا هذه الغيبة على المعنى المجازي وهو الكون فيها بمعنى العلم دخل الرب سبحانه وتعالى والعبيد فيه فصح الاستثناء...

    وقال السمين

    قوله: { إِلاَّ ظ±للَّهُ }: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه فاعلُ " يَعْلَمُ " و " مَنْ " مفعولُه. و " الغيبَ " بدلٌ مِنْ " مَنْ السماواتِ " أي: لا يعلمُ غيبَ مَنْ في السماواتِ والأرضِ إلاَّ اللهُ أي: الأشياءَ الغائبةَ التي تَحْدُثُ في العالَمِ. وهو وجهٌ غريبٌ ذكره الشيخ. الثاني: أنه مستثنى متصلٌ مِنْ " مَنْ " ، ولكن لا بُدَّ من الجمعِ بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدةٍ على هذا الوجهِ بمعنىظ°: أنَّ عِلْمَه في السماوات والأرضِ، فيَنْدَرِجُ في { مَن فِي ظ±لسَّمَاواتِ وظ±لأَرْضِ } بهذا الاعتبارِ وهو مجازٌ وغيرُه مِنْ مخلوقاتِه في السماواتِ والأرضِ حقيقةٌ، فبذلِك الاندراجِ المُؤَوَّل اسْتُثْنِي مِنْ " مَنْ " وكان الرفعُ على البدلِ أَوْلَى لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ.

    وقد رَدَّ الزمخشريُّ هذا: بأنه جَمْعٌ بين الحقيقةِ والمجازِ، وأوجبَ أن يكونَ منقطعاً فقال: " فإنْ قلتَ: لِمَ رُفِعَ اسمُ اللهِ، واللهُ يَتعالَىظ° أن يكونَ مِمَّنْ في السماواتِ والأرض؟ قلت: جاء على لغةِ بني تميمٍ حيث يقولون: " ما في الدار أحدٌ إلاَّ حمارٌ " يريدون: ما فيها إلاَّ حمارٌ، كأنَّ " أحداً " لم يُذْكَرْ. ومنه قولُه:
    3577ـ عَشِيَّةَ ما تُغْني الرِّماحُ مكانَها ولا النَّبْلُ إلاَّ المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ
    وقولُهم: " ما أتاني زيدٌ إلاَّ عمروٌ، وما أعانني إخوانكم إلاَّ إخوانُه ". فإنت قلت: ما الداعي إلى اختيارِ المذهبِ التميمي على الحجازي؟ قلت: دَعَتْ إليه نُكْتَةٌ سِرِّيَّةُ حيث أُخْرِج المستثنىظ° مُخْرَجَ قولِه:
    3578ـ إلاَّ اليَعافِيرُ....................
    بعد قوله:
    3579ـ.................. لَيْسَ بها أنيسُ
    ليَؤُوْلَ المعنى إلى قولك: إنْ كان الله مِمَّنْ في السماوات والأرضَ فهم يعلمون الغيبَ. يعني: أنَّ عِلْمَهم الغيبَ في استحالتِه كاستحالةِ أن يكونَ اللهُ منهم. كما أنَّ معنىظ° ما في البيت: إنْ كانت اليعافيرُ أَنيساً ففيها أنيسٌ، بَتَّاً للقولِ بخُلُوِّها من الأنيسِ. فإن قلت: هَلاَّ زَعَمْتَ أن اللهَ مِمَّنْ في السماواتِ والأرضِ، كما يقول المتكلمون: " إنَّ الله في كلِّ مكان " على معنىظ°: أنَّ عِلْمَه في الأماكن كلها، فكأنَّ ذاتَه فيها حتى لا يُحْمَل على مذهبِ بني تميمٍ " قلتُ: يَأْبَىظ° ذلك أنَّ كونَه في السمواتِ والأرضِ مجازٌ، وكونَهم فيهنَّ حقيقةٌ، وإرادةُ المتكلمِ بعبارةٍ واحدةٍ حقيقةً ومجازاً غيرُ صحيحٍ. على أنَّ قولَك " مَنْ في السماوات والأرض: وجَمْعَك بينه وبينهم في إطلاقِ اسمٍ واحدٍ، فيه إيهامُ تَسْويةٍ، والإِيهاماتُ مُزَالةٌ عنه وعن صفاتِه. ألا ترىظ° كيف " قال عليه السلام لِمَنْ قال: " ومَنْ يَعْصِهما فقد غوىظ° " " بِئْسَ خطيبُ القومِ أنت " " قلت: فقد رَجَّحَ الانقطاعَ واعتذر عن ارتكابِ مذهبِ التميمين بما ذَكَر. وأكثرُ العلماءِ أنه لا يُجْمَعُ بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدة. وقد قال به الشافعيُّ ".

    ملحوظة

    استدل اهل السنة بتنزيه الله عن المكان والجهة باحاديث منها

    انت الظاهر فليس فوقك شيء والباطن فليس دونك شيء

    وحديث

    أُذِن لي أن أُحدِّثَ عن مَلَكٍ قد مرَقَت رِجلاه الأرضَ السَّابعةَ والعرشُ على مَنْكِبِه وهو يقولُ سُبحانَك أين كُنْتُ وأين تكونُ

    هل الجارية اعلم بالملك المنزه لله عن الاين؟؟؟؟؟؟؟؟؟

    وقال الرازى

    ثم إنه سبحانه بين السبب في ترك تعجيل العذاب فقال: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ظ±لنَّاسِ } والفضل الإفضال ومعناه أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة، وأكثرهم لا يعرفون هذه النعمة ولا يشكرونها، وهذه الآية تبطل قول من قال إنه لا نعمة لله على الكفار

  14. #509
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    وقال القرطبي

    وَلاَ تُسْمِعُ ظ±لصُّمَّ ظ±لدُّعَآءَ } يعني الكفار الذين هم بمنزلة الصم عن قبول المواعظ؛ فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولّوا كأنهم لا يسمعون؛ نظيره:
    { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ }
    [البقرة: 18] كما تقدّم. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق وعباس عن أبي عمرو: { وَلاَ يَسْمَعُ } بفتح الياء والميم { الصُّمُّ } رفعاً على الفاعل. الباقون { تُسْمِعُ } مضارع أسمعت { الصُّمَّ } نصباً.

    مسألة: وقد احتجت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أن النبي صلى الله عليه وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية؛ فنظرت في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أنتم بِأَسْمَعَ مِنْهم " قال ابن عطية: فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد صلى الله عليه وسلم في أن رّد الله إليهم إدراكاً سمعوا به مقاله ولولا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين.

    قلت: روى البخاري رضي الله عنه؛ حدّثني عبد الله بن محمد سمع رَوْح بن عُبادة قال: حدّثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قال: ذَكَر لَنا أنس بن مالك " عن أبي طلحة أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقُذِفوا في طَوِيٍّ من أطواء بدر خَبيثٍ مُخْبِث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليومَ الثالث أمر براحلته فشدّ عليها رحلُها ثم مشى وتبعه أصحابُه، قالوا: ما نُرَى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الرَّكِيِّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؛ فإنا قد وجدنا ما وَعَدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وَعَد رَبُّكم حقًّا؛ قال فقال عمر: يا رسول اللهظ° ما تُكلِّم من أجساد لا أرواح لها؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» "

    قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونِقمةً وحسرةً وندماً. خرجه مسلم أيضاً. قال البخاري: حدّثنا عثمان قال حدّثنا عَبْدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قلِيب بدر فقال: «هل وجدتم ما وَعَد رَبُّكُمْ حَقًّا» ثم قال: «إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق» ثم قرأتْ { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ظ±لْمَوْتَىظ° } حتى قرأت الآية. وقد عورضت هذه الآية بقصة بدر وبالسلام على القبور، وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات، وبأن الميت يسمع قرع النعال إذا انصرفوا عنه، إلى غير ذلك؛ فلو لم يسمع الميت لم يُسلَّم عليه. وهذا واضح وقد بيّناه في كتاب «التذكرة»....

    وقال ابن عاشور

    واستدلت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية على رد ظاهر حديث ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر وفيه قتلى المشركين فناداهم بأسمائهم وقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، قال ابن عمر فقيل له يا رسول الله أتنادي أمواتنا فقال إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم " فقالت عائشة إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت { إنك لا تسمع الموتى } حتى قرأت الآية. وهذا من الاستدلال بظاهر الدلالة من القرآن ولو باحتمال مرجوح كما بيناه في المقدمة التاسعة. وإلا فإن الموتى هنا استعارة وليس بحقيقة.

    وقال الماتريدى

    وقوله: { وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ظ±لْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ } ، وفي بعض القراءات: { وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم } ، هذا يدل أن ليس كل الهدى البيان على ما قالت المعتزلة؛ لأنه لو كان الهدى كله بياناً في جميع المواضع على ما قالوا هم، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدر أن يبين للكفار عن ضلالتهم، وقد بين لهم، ثم أخبر رسوله: { وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ظ±لْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ } ، فدل هذا أن عند الله هداية ولطفاً إذا سألوه وطلبوا منه ذلك وأعطاهم لاهتدوا به وآمنوا، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم.

    وقوله: { إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ } أي: ما تسمع إلا أهل الإيمان بالآيات وأهل الإسلام منهم، فأما أهل العناد والمكابرة فلا.

    وقال الرازى

    ثم إنه سبحانه بعد أن خوفهم بأحوال القيامة ذكر كلاماً يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال: { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ظ±لَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَظ±لنَّهَارَ مُبْصِراً } أما وجه دلالته على التوحيد فلما ظهر في العقول أن التقليب من النور إلى الظلمة، ومن الظلمة إلى النور، لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية. وأما وجه دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت قدرته تعالى في هذه الصورة على القلب من النور إلى الظلمة وبالعكس، فأي امتناع في ثبوت قدرته على القلب من الحياة إلى الموت مرة، ومن الموت إلى الحياة أخرى. وأما وجه دلالته على النبوة فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار لمنافع المكلفين، وفي بعثة الأنبياء والرسل إلى الخلق منافع عظيمة، فما المانع من بعثتهم إلى الخلق لأجل تحصيل تلك المنافع؟ فقد ثبت أن هذه الكلمة الواحدة كافية في إقامة الدلالة على تصحيح الأصول الثلاثة التي منها منشؤ كفرهم واستحقاقهم العذاب،

    { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ }

    قال الالوسي

    وهذه الآية من أشهر ما استدل بها الإمامية على الرجعة. قال الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان»: واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال: إن دخول { مِنْ } في الكلام يوجب التبعيض فدل بذلك على أنه يحشر قوم دون قوم وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه
    { وَحَشَرْنَـظ°هُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً }
    [الكهف: 47]، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العقاب بالقتل على أيدي شيعته أو الذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته.

    ولا يشك عاقل أن هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه وقد فعل الله تعالى ذلك من الأمم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره عليه السلام، وصح عن النبـي صلى الله عليه وسلم قوله: " سيكون من أمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب لدخلتموه " وتأول جماعة من الإمامية ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكليف وليس كذلك لأنه ليس فيها ما يلجىء إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا ثعباناً وما أشبه ذلك / ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها، وإنما المعول عليه في ذلك إجماع الشيعة الإمامية وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده انتهى.

    وأقول: أول من قال بالرجعة عبد الله بن سبأ ولكن خصها بالنبـي صلى الله عليه وسلم، وتبعه جابر الجعفي في أول المائة الثانية فقال برجعة الأمير كرم الله تعالى وجهه أيضاً لكن لم يوقتها بوقت، ولما أتى القرن الثالث قرر أهله من الإمامية رجعة الأئمة كلهم وأعدائهم وعينوا لذلك وقت ظهور المهدي، واستدلوا على ذلك بما رووه عن أئمة أهل البيت، والزيدية كافة منكرون لهذه الدعوى إنكاراً شديداً، وقد ردّوها في كتبهم على وجه مستوفى بروايات عن أئمة أهل البيت أيضاً تعارض روايات الإمامية، والآيات المذكورة هنا لا تدل على الرجعة حسبما يزعمون ولا أظن أن أحداً منهم يزعم دلالتها على ذلك، بل قصارى ما يقول: إنها تدل على رجعة المكذبين أو رؤسائهم فتكون دالة على أصل الرجعة وصحتها لا على الرجعة بالكيفية التي يذكرونها، وفي كلام الطبرسي ما يشير إلى هذا.

    وأنت تعلم أنه لا يكاد يصح إرادة الرجعة إلى الدنيا من الآية لإفادتها أن الحشر المذكور لتوبيخ المكذبين وتقريعهم من جهته عز وجل بل ظاهر ما بعد يقتضي أنه تعالى بذاته يوبخهم ويقرعهم على تكذيبهم بآياته سبحانه، والمعروف من الآيات لمثل ذلك هو يوم القيامة مع أنها تفيد أيضاً وقوع العذاب عليهم واشتغالهم به عن الجواب ولم تفد موتهم ورجوعهم إلى ما هو أشد منه وأبقى وهو عذاب الآخرة الذي يقتضيه عظم جنايتهم، فالظاهر استمرار حياتهم وعذابهم بعد هذا الحشر، ولا يتسنى ذلك إلا إذا كان حشر يوم القيامة، وربما يقال أيضاً: ـ مما يأبـى حمل الحشر المذكور على الرجعة - إن فيه راحة لهم في الجملة حيث يفوت به ما كانوا فيه من عذاب البرزخ الذي هو للمكذبين كيفما كان أشد من عذاب الدنيا، وفي ذلك إهمال لما يقتضيه عظم الجناية، وأيضاً كيف تصح إرادة الرجعة منها، وفي الآيات ما يأبـي ذلك، منه قوله تعالى:

    قَالَ رَبّ ظ±رْجِعُونِ * لَعَلّى أَعْمَلُ صَـظ°لِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىظ° يَوْمِ يُبْعَثُونَ }
    [المؤمنون: 99-100] فإن آخر الآية ظاهر في عدم الرجعة مطلقاً وكون الإحياء بعد الإماتة والإرجاع إلى الدنيا من الأمور المقدورة له عز وجل مما لا ينتطح فيه كبشان إلا أن الكلام في وقوعه وأهل السنة ومن وافقهم لا يقولون به ويمنعون إرادته من الآية ويستندون في ذلك إلى آيات كثيرة، والأخبار التي روتها الإمامية في هذا الباب قد كفتنا الزيدية مؤنة ردها، على أن الطبرسي أشار إلى أنها ليست أدلة وأن التعويل ليس عليها، وإنما الدليل إجماع الإمامية والتعويل ليس إلا عليه، وأنت تعلم أن مدار حجية الإجماع على المختار عندهم حصول الجزم بموافقة المعصوم ولم يحصل للسني هذا الجزم من إجماعهم هذا فلا ينتهض ذلك حجة عليه مع أن له إجماعاً يخالفه وهو إجماع قومه على عدم الرجعة الكاشف عما عليه سيد المعصومين صلى الله عليه وسلم، وكل ما تقوله الإمامية في هذا الإجماع يقول السنى مثله في إجماعهم، وما ذكر من قوله صلى الله عليه وسلم: «سيكون في أمتي» الحديث لا تعلم صحته بهذا اللفظ بل الظاهر عدم صحته فإنه كان في بني إسرائيل ما لم يذكر أحد أنه يكون في هذه الأمة كنتق الجبل عليهم حين امتنعوا عن أخذ ما آتاهم الله تعالى من الكتاب والبقاء في التيه أربعين سنة حين قالوا لموسى عليه السلام:
    { ظ±ذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـظ°هُنَا قَـظ°عِدُونَ }
    [المائدة: 24] ونزول المن والسلوى عليهم فيه إلى غير ذلك. / وبالجملة القول بالرجعة حسبما تزعم الإمامية مما لا ينتهض عليه دليل، وكم من آية في القرآن الكريم تأباه غير قابلة للتأويل، وكأن ظلمة بغضهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم حالت بينهم وبين أن يحيطوا علماً بتلك الآيات فوقعوا فيما وقعوا فيه من الضلالات.

    قال القمى الشيعى فى تفسيره

    قال: يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعداء‌ك، فقال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يقولون هذه الدابة إنما تكلمهم؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام كلمهم الله في نار جهنم إنما هو يكلمهم من الكلام والدليل على أن هذا في الرجعة قوله: { ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون حتى إذا جاؤا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون } [83-84] قال: الآيات أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام فقال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن العامة تزعم أن قوله: { ويوم نحشر من كل أمة فوجاً } عني يوم القيامة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أفيحشر الله من كل أمة فوجاً ويدع الباقين؟ لا، ولكنه في الرجعة، وأما آية القيامة فهي: { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً } حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجاً } قال: ليس أحد من المؤمنين قتل إلا يرجع حتى يموت ولا يرجع إلا من محض الإِيمان محضاً من ومحض الكفر محضاً.

    قال أبو عبد الله عليه السلام قال رجل لعمار بن ياسر يا أبا اليقظان آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي وشككتني قال عمار: وأي آية هي؟ قال قول الله: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض، الآية فأي دابة هي؟ قال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها: فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يأكل تمراً وزبداً، فقال له: يا أبا اليقظان هلم فجلس عمار وأقبل يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار قال له الرجل سبحان الله يا أبا اليقظان حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس حتى ترينيها، قال عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل.

  15. #510
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,109
    قال الالوسي

    وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ظ±لصُّورِ } إما معطوف على
    { يَوْمَ نَحْشُرُ }
    [النمل: 83] منصوب بناصبه، أو منصوب بمضمر معطوف على ذلك الناصب، والصور ـ على ما في «التذكرة» - قرن من نور، وذكر البخاري عن مجاهد أنه كالبوق. وأخرج الترمذي " عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «جاء أعرابـي إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه» " ، والمشهور أن صاحب الصور هو إسرافيل عليه السلام. وذكر القرطبـي أن الأمم مجمعة على ذلك وهو مخلوق اليوم، فقد أخرج الترمذي وحسنه عن أبـي سعيد الخدري عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ؟! فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله: صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام لهم. قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل " وروي أيضاً عن أبـي هريرة مرفوعاً " ما أطرق صاحب الصور مذ وكل به مستعداً بحذاء العرش مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد طرفه كأن عينيه كوكبان دريان " وجاء عن أبـي هريرة من حديث مرفوع " إن عظم دائرة فيه كعرض السماوات والأرض " وهذا مما يؤمن به وتفوض كيفيته إلى علام الغيوب.

    وقيل: إن الصور بسكون الواو بمعنى الصور بضم الصاد وفتح الواو جمع صورة - وعليه أبو عبيدة - والكلام في الوجهين على حقيقته، وقيل: في الكلام استعارة تمثيلية شبه هيئة انبعاث الموتى من القبور إلى المحشر إذا نودوا بالقيام بهيئة قيام جيش نفخ لهم في المزمار المعروف وسيرهم إلى محل عين لهم، والأول قول الأكثرين - وعليه المعول - لأن قوله تعالى:
    { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىظ° }
    [الزمر: 68] ظاهر في أن الصور ليس جمع صورة وإلا لقال سبحانه: فيها بدل فيه، وارتكاب التأويل بجعل الكلام من باب التمثيل ظاهر في إنكار أن يكون هناك صور حقيقة، وهو خلاف ما نطقت به الأحاديث الصحاح، وقد قال أبو الهيثم على ما نقل عنه القرطبـي في «تفسيره»: من أنكر أن يكون الصور قرناً فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان وطلب لها تأويلات، وهذا النفخ قيل: المراد به النفخة الثانية، وإليه ذهب صاحب «الغنيان»، واختاره العلامة أبو السعود وقال: الذي يستدعيه سياق النظم الكريم وسباقه ذلك، وأن المراد بالفزع في قوله تعالى:

    { فَفَزِعَ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وظ°تِ وَمَن فِى ظ±لأَرْضِ } ما يعتري الكل عند البعث والنشور من الرعب والتهيب الضروريين الجبليين بمشاهدة الأمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، ثم قال: وقيل: المراد بالنفخ هي النفخة الأولى، وبالفزع هو الذي يستتبع الموت لغاية شدة الهول كما في قوله تعالى:


    { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَن فِى ظ±لأَرْضِ }
    [الزمر: 68] فيختص أثرها بمن كان حياً عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم. وقيل: إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق التي أريدت بقوله تعالى:
    { وَمَا يَنظُرُ هَـظ°ؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ }
    [ص: 15] وشنع على كلا القولين بما هو مذكور في «تفسيره». وقال العلامة الطيبـي الحق أن المراد بقوله تعالى: { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَفَزِعَ } هو النفخة الأولى، وقوله تعالى الآتي: { وَكُلٌّ } الخ إشارة إلى النفخة الثانية.

    واعلم أنهم اختلفوا في عدد النفخة فقيل: ثلاث: نفخة الصعق المذكورة في قوله تعالى:
    { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَن فِى ظ±لأَرْضِ }
    [الزمر: 68]، ونفخة البعث المذكورة في قوله تعالى:
    { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ظ±لأَجْدَاثِ إِلَىظ° رَبّهِمْ يَنسِلُونَ }
    [يس: 51] ونفخة الفزع المذكورة في الآية المذكورة هظ°هنا، وهو اختيار ابن العربي. وقيل: اثنتان، ونفخة الفزع هي نفخة الصعق لأن الأمرين: الفزع بمعنى الخوف والصعق بمعنى الموت لا زمان لها، قال القرطبي: والسنة - كحديث مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص وهو طويل منه مع حذف «ثم ينفخ في الصور فأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ثم يصعق الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» - تدل على أن النفخ مرتين لا ثلاثة وهو الصحيح. ونفخ الفزع هو نفخ الصعق بعينه لاتحاد الاستثناء في آيتيهما.

    وتعقب في الرسالة المسماة «بشرح العشر في معشر الحشر» المنسوبة لابن الكمال بأنه لا دلالة في الحديث على عدم النفخة الثالثة، غايته أنه وسائر الأحاديث الواردة على نسقه ساكت عنها، ولا يلزم من ذلك عدمها، وكذا لا دلالة في اتحاد الاستثناء في الآيتين أن يكون المذكور فيهما نفخة واحدة، وهذا ظاهر، ثم قال: والصحيح عندي ما في القول الأول، من أن نفخة الفزع غير نفخة الصعق، فإن حديث «الصحيحين» " لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى عليه السلام أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو جزي بصعقة الطور " صريح في أن الصعق يوم القيامة، وأن لا موت فيه فهو فزع بلا موت، فمن قال: هي ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ثم نفخة الصعق وهو الموت، ثم نفخة البعث فقد أصاب في التفرقة بين نفخة الفزع ونفخة الصعق، إلا أنه لم يصب في زعمه أن نفخة الفزع قبل نفخة الصعق، كيف وقد دل حديث «الصحيحين» المذكور على عموم حكم نفخة الفزع للأنبياء عليهم السلام الذين ماتوا قبل نفخة الصعق أي الموت، قال القاضي عياض: إن نفخة الفزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرض، فظهر أن النفخات ثلاث بل أربع: نفخة يميت الله تعالى جميع الخلق بها كما جاء في الحديث وعند ذلك ينادي سبحانه:


    { لِّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ }
    [غافر: 16] وينادي على ذلك قوله تعالى:
    { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    [القصص: 88]. ونفخة البعث كما نطق به قوله تعالى:
    { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ظ±لأَجْدَاثِ إِلَىظ° رَبّهِمْ يَنسِلُونَ }
    [يس: 51] ونفخة الصعق وهي نفخة الفزع بعينها وقد سمعت آيتيهما، ونفخة للإفاقة كما قال تعالى بعد ذكر نفخة الصعق
    { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىظ° فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }
    [الزمر: 68] وقد عرفت ما في زعم أن نفخة الصعق هي نفخة الفزع / بعينها فتدبر انتهى.

    وتعقبه بعضهم بأنه يلزم حينئذ على القول بالمغايرة بين نفخة الفزع ونفخة الصعق أن تكون النفخات خمساً ولم نسمع متنفساً يقول بذلك، وأيضاً فيه القول بأن نفخة الصعق بعد نفخة البعث، ويأباه قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا أول من تنشق عنه الأرض فأرفع رأسي فإذا موسى متعلق بقائمة من قوائم العرش فما أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله تعالى " فإن انشقاق الأرض عنه صلى الله عليه وسلم بعد نفخة البعث لا محالة فإذا عقبه رفع رأسه عليه الصلاة والسلام ومفاجأة كون موسى عليه السلام متعلقاً بقائمة من قوائم العرش فأين نفخة الصعق؟ ولا يخفى أن كون النفخات خمساً لم يسمع هو الغالب على الظن ويتوقف قبول ما ذكره ثانياً على صحة ما ذكره من الخبر، ولعل القائل بما تقدم من وراء المنع.

    وقيل: الأظهر أن النفخات ثلاث: الأولى نفخة الصعق بمعنى الموت كما هو أحد معنييه المدلول عليها بقوله تعالى:
    { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَصَعِقَ مَن ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَن فِى ظ±لأَرْضِ }
    [الزمر: 68]، والثانية نفخة البعث المدلول عليها بقوله تعالى:
    { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىظ° فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }
    [الزمر: 68] وقوله سبحانه:
    { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ظ±لأَجْدَاثِ إِلَىظ° رَبّهِمْ يَنسِلُونَ }
    [يس: 51] والثالثة نفخة الفزع المدلول عليها بما هنا وهي على ما سمعت عن القاضي عياض بعد النشر حين تنشق السماوات والأرض.

    وأصله كما قال الراغب ((انقباض ونفار يعترى الشخص من الشيء المخيف)) والمراد به الرعب الشديد، ولعل الصعق المذكور في حديث «الصحيحين» هو غشي يترتب عليه بلا واسطة وعلى النفخ بواسطته وقد نص في «الأساس» على هذا المعنى له قال ((يقال صعق الرجل إذا غشي عليه من هدة أو صوت شديد يسمعه)) ويدل على أنه بمعنى الغشي قوله عليه الصلاة والسلام: " فأكون أول من يفيق " لأن الإفاقة إنما تكون من الغشي دون الموت ولم يعبر هنا بالصعق مراداً به الغشي المذكور في الحديث لئلا يتوهم إرادة معنى الموت منه لخلوه هنا عن القرينة التي في الحديث واقترانه بما يلائم ذلك.

    وقد يختار ما هو المشهور من أن النفخة اثنتان ويجاب عما يشعر بالزيادة فالنفخة الأولى نفخة الصعق بمعنى الموت بحال هائلة فبها يموت من في السماوات والأرض من الأحياء قبيل ذلك إلا من شاء الله تعالى، ويدل عليها آية
    { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَصَعِقَ }
    [الزمر: 68] الخ، والنفخة الثانية نفخة البعث المدلول عليها بآية
    { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىظ° فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }
    [الزمر: 68] وبينهما في المشهور أربعون سنة، وفي «الصحيحين» عن أبـي هريرة مرفوعاً «أربعون» بدون ذكر التمييز فقيل أربعون يوماً فقال أبو هريرة أبيت فقيل أربعون شهراً فقال أبيت فقيل أربعون سنة فقال أبيت، ونفخة الفزع بمعنى الرعب والخوف هي هذه النفخة بعينها ووجه ذلك أنه ينفخ في الصور للبعث فيبعث الخلق وينشرون فإذا تحققوا يوم القيامة وشاهدوا آثار عظمة الله تعالى فزعوا ورعبوا إلا من شاء الله تعالى وترتب الفزع على النفخ بالفاء للإشارة إلى قلة الزمان الفاصل لسرعة تحققهم ومشاهدتهم ما ذكر، والإضافة في قولنا نفخة البعث وقولنا نفخة الفزع من إضافة السبب إلى المسبب إلا أن سببية النفخ للبعث بلا واسطة وسببيته للفزع بواسطة، وحديث «الصحيحين» " لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة " الخ ليس فيه سوى إثبات الصعق بمعنى الغشي كما يرشد إليه ذكر الإفاقة للناس يوم القيامة ولا تعرض له لنفخ يترتب عليه ذلك، نعم التعبير بالصعق على ما ذكروا في معناه يقتضي أن يكون هناك هدة أو صوت شديد يسمعه من يسمعه فيغشى عليه إلا أنه لا يعين النفخ لجواز أن يكون ذلك من صوت حادث من انشقاق السماوات الكائن / بعد البعث والفزع من يوم القيامة وما شاهدوا من أهواله.

    ومنع بعضهم اقتضاءه ذلك لجواز أن يراد به الغشي لحدوث أمر عظيم من أمور يوم القيامة غير النفخ، وقيل: هو من فروع النفخ للبعث وذلك أنه ينفخ فتبعث الخلائق فيتحققون ما يتحققون ويشاهدون ما يشاهدون فيفزعون فيغشى عليهم إلا تعالى، وحديث «الصحيحين» مما لا يأبـى ذلك واحتياج الإفاقة لنفخة أخرى في حيز المنع؛ وقيل: في بيان اتحاد نفخة البعث ونفخة الفزع أن المراد بالفزع الإجابة والإسراع للقيام لرب العالمين وقد صرحت الآيات بإسراع الناس عند البعث فقال تعالى:
    { وَنُفِخَ فِى ظ±لصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ظ±لأَجْدَاثِ إِلَىظ° رَبّهِمْ يَنسِلُونَ }
    [يس: 51] وقال سبحانه:
    { يَخْرُجُونَ مِنَ ظ±لأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىظ° نُصُبٍ يُوفِضُونَ }
    [المعارج: 43] ولا يخفى بعده واحتياج توجيه الاستثناء بعد عليه إلى تكلف فالأولى أن يوجه الاتحاد بما سبق فتأمل،...

    ملحوظة

    امور الاخرة من مواضيع علم التوحيد ويجب الاهتمام بها والتفكر فيها والاعتبار وصدق بعض العارفين لما قال لن ينفعك علي ارض المحشر الا علمان الاول علمك بالله وصفاته وعلمك بمواطن الاخرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •