صفحة 32 من 34 الأولىالأولى ... 2228293031323334 الأخيرةالأخيرة
النتائج 466 إلى 480 من 497

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #466
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الرازى

    واحتج أصحابنا في خلق الأفعال بقوله سبحانه: { إِنَّ ظ±للَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } قالوا: أجمعنا على أنه سبحانه يريد الإيمان ولفظة ما للعموم فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان لقوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } أجاب الكعبي عنه بأن الله تعالى يفعل ما يريد أن يفعله لا ما يريد أن يفعله غيره. والجواب: أن قوله { ما يريد } أعم من قولنا ما يريد أن يفعله ومن قولنا ما يريد أن يفعله غيره فالتقييد خلاف النص.

    ملحوظة

    تعلق القدرة التنجيزى الحادث عقب تعلق الارادة التنجيزى القديم

    أما قوله: { وَأَنَّ ظ±للَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ } فقد احتج أصحابنا به فقالوا: المراد من الهداية، إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين ولأن قوله: { يَهْدِى مَن يُرِيدُ } دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته سبحانه ووضع الأدلة عند الخصم واجب فبقي أن المراد منه خلق المعرفة قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: يكلف من يريد لأن من كلف أحداً شيئاً فقد وصفه له وبينه له. وثانيها: أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً. وثالثها: أن يكون المراد أن الله تعالى يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا زاده هدى ثبت على إيمانه كقوله تعالى:
    { وَظ±لَّذِينَ ظ±هْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى }
    [محمد:17] وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله: إن الله يهدي من قبل لا من لم يقبل، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي والجواب: عن الأول أن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان لأنهما عندك واجبان على الله تعالى وقوله: { يَهْدِي مَن يُرِيدُ } يقتضي عدم الوجوب.

    قال الماتريدى

    قوله - عز وجل -: { إِنَّ ظ±للَّهَ يُدْخِلُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَارُ إِنَّ ظ±للَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }.

    المعتزلة كذبت هذه الآية والآية التي تلي هذه الآية، وهو قوله: { وَأَنَّ ظ±للَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ }؛ لأنهم يقولون: أراد إيمان جميع الخلائق ثمّ لم يفعل ذلك، وأراد جميع الخيرات والكف عن الشرور ثم لم يقدر على وفاء ما أراد، ويقولون: لا صنع له في أفعال العباد، ولا تدبير؛ فعلى قولهم: لم يفعل الله مما أراد واحداً من ألوف، ويقولون: إن الله أراد هدى جميع الخلائق، لكنهم لم يهتدوا، وهو أخبر أنّه يهدي من يريد، وهم يقولون: يريد هدى الخلق كلهم فلم يهتدوا.

    ونحن نقول: من أراد الله هداه اهتدى، وما أراد أن يفعل فعل، وهو ما أخبر
    { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }
    [هود: 107] أخبر أنه يفعل ما يريد، فيخرج على قولهم على أحد الوجهين: إمّا على الخلاف في الوعد، وإمّا على الكذب في القول والخبر، فنعوذ بالله من السرف في القول.

  2. #467
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الرازى

    واعلم أن المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة: أحدها: الطبقة المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية في خلق الأفعال البشرية والخلاف بين مثبتي الصفات والرؤية ونفاتها. وثانيها: الذين يخالفونه في النبوة ولكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى وموسى عليهما السلام. وثالثها: الذين يخالفونه في الإله وهؤلاء هم السوفسطائية المتوقفون في الحقائق، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم، والفلاسفة الذين يثبتون مؤثراً موجباً لا مختاراً. فإذا كانت الاختلافات الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها. وهذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون في العالم المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بكل يكونون مستترين، أما القسم الثاني وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء، أو لا يكونوا معترفين بذلك، فإما أن يكونوا أتباعاً لمن كان نبياً في الحقيقة أو لمن كان متنبئاً، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى وهم الصابئون، وأما أتباع المتنبىء فهم المجوس، وأما المنكرون للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان، وهم المسمون بالمشركين، ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم. فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحدة لله تعالى وهو الإسلام وخمسة للشيطان،...

    في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال:
    { وَأَنَّ إِلَىظ° رَبّكَ ظ±لْمُنتَهَىظ° }
    [النجم: 42] وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي، وقد يتطرق إليها الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله:
    { وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ }
    [الإسراء: 44] وهذا قول القفال رحمه الله. القول الثالث: أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى:
    { يَتَفَيَّأُ ظِلَـظ°لُهُ عَنِ ظ±لْيَمِينِ وَظ±لْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دظ°خِرُونَ }
    [النحل: 48] وهو قول مجاهد...

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { هَـظ°ذَانِ خَصْمَانِ ظ±خْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ } خرّج مسلم عن قيس بن عُبَاد قال: سمعت أبا ذَرٍّ يُقسم قَسَماً إنّ «هذان خصمان اختصموا في ربهم» إنها نزلت في الذين بَرَزُوا يوم بدر: حمزةُ وعليٌّ وعبيدةُ بن الحارث رضي الله عنهم وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وبهذا الحديث ختم مسلم رحمه الله كتابه. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآيات الثلاث على النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ثلاثة نفر من المؤمنين وثلاثة نفر كافرين؛ وسمّاهم، كما ذكر أبو ذر. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأوّل من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة؛ يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه؛ ذكره البخاري. وإلى هذا القول ذهب هلال بن يَساف وعطاء بن يَسار وغيرهما. وقال عكرمة: المراد بالخصمين الجنة والنار؛ اختصمتا فقالت النار: خلقني لعقوبته. وقالت الجنة خلقني لرحمته.

    قلت: وقد ورد بتخاصم الجنة والنار حديثٌ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اِحتجت الجنة والنار فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لهذه: أنت عذابي أعذب بِك من أشاء وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها " خرّجه البخاري ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح

    ملحوظة

    اذن هما مخلوقتان كما قال اهل السنة فالاية تصلح دليل لخلق الجنة والنار

    وقال الماتريدى

    { إِنَّ ظ±للَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أشياء فلم يفعل، فهو يقول: { يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ }.

  3. #468
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    { حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِظ±للَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ظ±لطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ظ±لرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ }


    ورد فى الحديث احبابي

    خَرَجْنا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جَنازةِ رجلٍ من الأنصارِ ، فانْتَهَيْنا إلى القبرِ ولَمَّا يُلْحَدْ ، فجلس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ ، وجَلَسْنَا حَوْلَهُ ، وكأنَّ على رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ ، وفي يَدِهِ عودٌ يَنْكُتُ في الأرضِ ، فجعل يَنْظُرُ إلى السماءِ ، ويَنْظُرُ إلى الأرضِ ، وجعل يرفعُ بَصَرَهُ ويَخْفِضُهُ ، ثلاثًا ، فقال : اسْتَعِيذُوا باللهِ من عذابِ القَبْرِ ، مَرَّتَيْنِ ، أو ثلاثًا ، ثم قال : اللهم إني أعوذُ بك من عذابِ القبرِ ثلاثًا ، ثم قال: إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقِطاعٍ من الدنيا ، وإقبالٍ من الآخرةِ ، نَزَلَ إليه ملائكةٌ من السماءِ ، بِيضُ الوُجُوهِ ، كأنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ ، معهم كَفَنٌ من أكفانِ الجنةِ ، وحَنُوطٌ من حَنُوطِ الجنةِ ، حتى يَجْلِسُوا منه مَدَّ البَصَرِ ، ثم يَجِىءُ مَلَكُ الموتِ عليه السلامُ حتى يَجْلِسَ عندَ رأسِهِ فيقولُ : أَيَّتُها النَّفْسُ الطيبةُ وفي رواية : المطمئنةُ ، اخْرُجِي إلى مغفرةٍ من اللهِ ورِضْوانٍ ، قال : فتَخْرُجُ تَسِيلُ كما تَسِيلُ القَطْرَةُ من فِي السِّقَاءِ ، فيأخُذُها ، وفي روايةٍ : حتى إذا خَرَجَتْ رُوحُه صلَّى عليه كُلُّ مَلَكٍ بينَ السماءِ والأرضِ ، وكُلُّ مَلَكٍ في السماءِ ، وفُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ ، ليس من أهلِ بابٍ إلا وهم يَدْعُونَ اللهَ أن يُعْرَجَ برُوحِهِ من قِبَلِهِمْ ، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حتى يأخذوها فيَجْعَلُوها في ذلك الكَفَنِ ، وفي ذلك الحَنُوطِ ، فذلك قولُه تعالى : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ، ويخرجُ منها كأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وجهِ الأرضِ ، قال : فيَصْعَدُونَ بها فلا يَمُرُّونَ – يعني – بها على مَلَأٍ من الملائكةِ إلا قالوا : ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ ؟ فيقولونَ : فلانُ ابنُ فلانٍ – بأَحْسَنِ أسمائِهِ التي كانوا يُسَمُّونَهُ بها في الدنيا ، حتى يَنْتَهُوا بها إلى السماءِ الدنيا ، فيَسْتَفْتِحُونَ له ، فيُفْتَحُ لهم ، فيُشَيِّعُهُ من كلِّ سماءٍ مُقَرَّبُوها ، إلى السماءِ التي تَلِيها ، حتى يُنْتَهَي به إلى السماءِ السابعةِ ، فيقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ : اكْتُبُوا كتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ . كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ فيُكْتَبُ كتابُه في عِلِّيِّينَ ، ثم يُقَالُ : أَعِيدُوهُ إلى الأرضِ ، فإني وَعَدْتُهُم أني منها خَلَقْتُهُم ، وفيها أُعِيدُهُم ومنها أُخْرِجُهُم تارةً أُخْرَى ، قال : فيُرَدُّ إلى الأرضِ ، و تُعَادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ ، قال : فإنه يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ أصحابِه إذا وَلَّوْا عنه مُدْبِرِينَ ، فيَأْتِيهِ مَلَكانِ شَدِيدَا الانتهارِ فيَنْتَهِرَانِهِ ، ويُجْلِسَانِهِ فيَقُولانِ له : مَن ربُّكَ ؟ فيقولُ : رَبِّيَ اللهُ ، فيقولانِ له : ما دِينُكَ ؟ فيقولُ : دِينِيَ الإسلامُ ، فيقولانِ له : ما هذا الرجلُ الذي بُعِثَ فيكم ؟ فيقولُ : هو رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فيقولانِ له : وما [علمُكَ] ؟ فيقولُ : قرأتُ كتابَ اللهِ ، فآمَنْتُ به ، وصَدَّقْتُ ، فيَنْتَهِرُهُ فيقولُ : مَن رَبُّكَ ؟ ما دِينُكَ ؟ مَن نبيُّكَ ؟ وهي آخِرُ فتنةٍ تُعْرَضُ على المؤمنِ ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ : {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، فيقولُ : رَبِّيَ اللهُ ، ودِينِيَ الإسلامُ ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فيُنَادِي مُنَادٍ في السماءِ : أن صَدَقَ عَبْدِي ، فأَفْرِشُوهُ من الجنةِ ، وأَلْبِسُوهُ من الجنةِ ، وافْتَحُوا له بابًا إلى الجنةِ ، قال : فيَأْتِيهِ من رَوحِها وطِيبِها ، ويُفْسَحُ له في قبرِه مَدَّ بَصَرِهِ ، قال : ويَأْتِيهِ- وفي روايةٍ : يُمَثَّلُ له- رجلٌ حَسَنُ الوجهِ ، حَسَنُ الثيابِ ، طَيِّبُ الرِّيحِ ، فيقولُ : أَبْشِرْ بالذي يَسُرُّكَ ، أَبْشِرِ برِضْوانٍ من اللهِ ، وجَنَّاتٍ فيها نعيمٌ مُقِيمٌ ، هذا يومُكَ الذي كنتَ تُوعَدُ ، فيقولُ له : وأنت فبَشَّرَكَ اللهُ بخيرٍ مَن أنت ؟ فوَجْهُكَ الوجهُ يَجِئُ بالخيرِ ، فيقولُ : أنا عَمَلُكَ الصالِحُ فواللهِ ما عَلِمْتُكَ إلا كنتَ سريعًا في طاعةِ اللهِ ، بطيئًا في معصيةِ اللهِ ، فجزاك اللهُ خيرًا ، ثم يُفْتَحُ له بابٌ من الجنةِ ، وبابٌ من النارِ ، فيُقالُ : هذا مَنْزِلُكَ لو عَصَيْتَ اللهَ ، أَبْدَلَكَ اللهُ به هذا ، فإذا رأى ما في الجنةِ قال : رَبِّ عَجِّلْ قيامَ الساعةِ ، كَيْما أَرْجِعَ إلى أهلي ومالي ، فيُقالُ له : اسْكُنْ ، قال : وإنَّ العبدَ الكافرَ- وفي روايةٍ : الفاجرَ- إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا ، وإقبالٍ من الآخرةِ ، نَزَل إليه من السماءِ ملائكةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ، سُودُ الوجوهِ ، معَهُمُ المُسُوحُ من النارِ ، فيَجْلِسُونَ منه مَدَّ البَصَرِ ، ثم يَجِيءُ مَلَكُ الموتِ حتى يَجْلِسَ عند رأسِهِ ، فيقولُ : أَيَّتُهَا النَّفْسُ الخبيثةُ اخْرُجِي إلى سَخَطٍ من اللهِ وغَضَبٍ ، قال : فتفَرَّقُ في جَسَدِهِ فيَنْتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الكثيرُ الشُّعبِ من الصُّوفِ المَبْلُولِ ، فتَقْطَعُ معها العُرُوقَ والعَصَبَ ، فيَلْعَنُهُ كلُّ مَلَكٍ بينَ السماءِ والأرضِ ، وكلُّ مَلَكِ في السماءِ ، وتُغْلَقُ أبوابُ السماءِ ، ليس من أهلِ بابٍ إلا وهم يَدْعُونَ اللهَ أَلَّا تَعْرُجَ رُوحُهُ من قِبَلِهِمْ ، فيَأْخُذُها ، فإذا أخذها ، لم يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عينٍ حتى يَجْعَلُوها في تِلْكِ المُسُوحِ ، ويخرجُ منها كأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ على وجهِ الأرضِ ، فيَصْعَدُونَ بها ، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَأٍ من الملائكةِ إلا قالوا : ما هذا الرُّوحُ الخَبِيثُ ؟ فيقولونَ : فلانُ ابنُ فلانٍ – بأَقْبَحِ أسمائِهِ التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا ، حتى يُنْتَهَي به إلى السماءِ الدنيا ، فيُسْتَفْتَحُ له ، فلا يُفْتَحُ له ، ثم قرأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} فيقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ : اكْتُبُوا كتابَه في سِجِّينَ في الأرضِ السُّفْلَى ، ثم يُقالُ : أَعِيدُوا عَبْدِي إلى الأرضِ فإني وَعَدْتُهُمْ أني منها خَلَقْتُهُمْ ، وفيها أُعِيدُهُمْ ، ومنها أُخْرِجُهُمْ تارةً أُخْرَى ، فتُطْرَحُ رُوحُهُ من السماءِ طَرْحًا حتى تَقَعَ في جَسَدِهِ ثم قرأ : {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} فتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ ، قال : فإنه لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ أصحابِهِ إذا وَلَّوْا عنه . ويَأْتِيهِ مَلَكانِ شَدِيدَا الانتهارِ ، فَيَنْتَهِرَانِهِ ، ويُجْلِسَانِهِ ، فيَقُولانِ له : مَن ربُّكَ ؟ فيقولُ : هاه هاه لا أَدْرِي ، فيقولانِ له : مادِينُكَ ؟ فيقولُ : ها هاه لا أَدْرِي ، فيقولانِ : فما تَقُولُ في هذا الرجلِ الذي بُعِثَ فيكم ؟ فلا يَهْتَدِي لاسْمِهِ ، فيُقالُ : مُحَمَّدٌ ! فيقولُ : هاه هاه لا أَدْرِي سَمِعْتُ الناسَ يقولونَ ذاك ! قال : فيُقالُ : لا دَرَيْتَ ، ولا تَلَوْتَ ، فيُنادِي مُنَادٍ من السماءِ أن : كَذَبَ ، فأَفْرِشُوا له من النارِ ، وافْتَحُوا له بابًا إلى النارِ ، فيَأْتِيهِ من حَرِّها وسَمُومِها ، ويُضَيَّقُ عليه قَبْرُهُ حتى تَخْتَلِفَ فيه أضلاعُه ، ويَأْتِيهِ وفي روايةٍ : ويُمَثَّلُ له رجلٌ قبيحُ الوجهِ ، قبيحُ الثيابِ ، مُنْتِنُ الرِّيحِ ، فيقولُ : أَبْشِرْ بالذي يَسُوؤُكَ ، هذا يومُكَ الذي كنتَ تُوعَدُ ، فيقولُ : وأنت فَبَشَّرَكَ اللهُ بالشرِّ مَن أنت ؟ فوجهُك الوجهُ يَجِيءُ بالشرِّ ! فيقولُ : أنا عملُكَ الخبيثُ ، فواللهِ ما عَلِمْتُ إلا كنتُ بطيئًا عن طاعةِ اللهِ ، سريعًا إلى معصيةِ اللهِ ، فجزاك الله شرًّا ، ثم يُقَيَّضُ له أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ في يَدِهِ مِرْزَبَّةٌ ! لو ضُرِبَ بها جبلٌ كان ترابًا ، فيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حتى يَصِيرَ بها ترابًا ، ثم يُعِيدُهُ اللهُ كما كان ، فيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى ، فيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كلُّ شيءٍ إلا الثَّقَلَيْنِ ، ثم يُفْتَحُ له بابٌ من النارِ ، ويُمَهَّدُ من فُرُشِ النارِ ، فيقولُ : رَبِّ لا تُقِمِ الساعةَ . .

    وسؤال القبر احبابي ثابت عند اهل السنة اللهم ارزقنا حلاوة فهم كلام النبوة

  4. #469
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الرازى

    ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } والمراد لكي تشكروا. قالت المعتزلة: هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع، والكلام عليه قد تقدم غير مرة..

    قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور: أحدها: أن الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره وثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك، وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره وثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلاً وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم ورابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولاً وأنه لا ثواب له والجواب: أما الأولان فحقان، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم، وأما الرابع فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً ولكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم....

    السؤال الرابع: هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب؟ الجواب: نعم لأن المقصود من قوله: { قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } العلم وقوله: { يَعْقِلُونَ بِهَا } كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلاً للتعقل ويسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيراً بشبه الأعمى.

    وقال الالوسي

    وقال الإمام الرازي: ((في الآية دلالة على أن العقل هو العلم وعلى أن محله هو القلب))، وأنت تعلم أن كون العقل هو العلم هو اختيار أبـي إسحظ°ق الإسفرائيني واستدل عليه بأنه يقال لمن عقل شيئاً علمه ولمن علم شيئاً عقله، وعلى تقدير التغاير لا يقال ذلك وهو غير سديد لأنه إن أريد بالعلم كل علم يلزم منه أن لا يكون عاقلاً من فاته بعض العلوم مع كونه محصلاً لما عداه وإن أريد بعض العلوم فالتعريف غير حاصل لعدم التمييز وما ذكر من الاستدلال غير صحيح لجواز أن يكون العلم مغايراً للعقل وهما متلازمان.

    وقال الأشعري: لا فرق بين العقل والعلم إلا في العموم والخصوص والعلم أعم من العقل فالعقل إذاً علم مخصوص فقيل: هو العلم الصارف عن القبيح الداعي إلى الحسن وهو قول الجبائي، وقيل: هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين وهو قول لبعض المعتزلة أيضاً ولهم أقوال أخر، والذي اختاره القاضي أبو بكر أنه بعض العلوم الضرورية كالعلم باستحالة اجتماع الضدين وأنه لا واسطة بين النفي والإثبات وأن الموجود لا يخرج عن أن يكون قديماً أو حادثاً ونحو ذلك. واحتج إمام الحرمين على صحة ذلك وإبطال ما عداه بما ذكره الآمدي في «أبكار الأفكار» بما له وعليه. واختار المحاسبـي عليه الرحمة أنه غريزة يتوصل بها إلى المعرفة، ورد بأنه إن أراد بالغريزة العلم / لزمه ما لزم القائل بأنه العلم وإن أراد بها غير العلم فقد لا يسلم وجود أمر وراء العلم يتوصل به إلى المعرفة. وقال صاحب «القاموس» بعد نقل عدة أقوال في العقل: ((والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية))، ولعنا نحقق ذلك في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

    ثم إن في محلية القلب للعلم خلافاً بين العقلاء فالمشهور عن الفلاسفة أن محل العلم المتعلق بالكليات والجزئيات المجردة النفس الناطقة ومحل العلم المتعلق بالجزئيات المادية قوى جسمانية قائمة بأجزاء خاصة من البدن وهي منقسمة إلى خمس ظاهرة وخمس باطنة وتسمى الأولى الحواس الظاهرة والثانية الحواس الباطنة وأمر كل مشهور. وزعم بعض متفلسفة المتأخرين أن المدرك للكليات والجزئيات إنما هو النفس والقوى مطلقاً غير مدركة بل آلة في إدراك النفس وذهب إليه بعض منا. وفي «أبكار الأفكار» بعد نقل قولي الفلاسفة: وأما أصحابنا فالبنية المخصوصة غير مشترطة عندهم بل كل جزء من أجزاء بدن الإنسان إذا قام به إدراك وعلم فهو مدرك عالم، وكون ذلك مما يقوم بالقلب أو غيره مما لا يجب عقلاً ولا يمتنع لكن دل الشرع على القيام بالقلب لقوله تعالى:
    { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لَذِكْرَىظ° لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }
    [ق: 37] وقوله سبحانه: { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } وقوله عز وجل
    { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ظ±لْقُرْءانَ أَمْ عَلَىظ° قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }
    [محمد: 24] انتهى.

    ولا يخفى أن الاستدلال بما ذكر على محلية القلب للعلم لا يخلو عن شيء، نعم لا ينكر دلالة الآيات على أن للقلب الإنساني لما أودع فيه مدخلاً تاماً في الإدراك، والوجدان يشهد بمدخلية ما أودع في الدماغ في ذلك أيضاً، ومن هنا لا أرى للقول بأن لأحدهما مدخلاً دون الآخر وجهاً، وكون الإنسان قد يضرب على رأسه فيذهب عقله لا يدل على أن لما أودع في الدماغ لا غير مدخلاً في العلم كما لا يخفى على من له قلب سليم وذهن مستقيم فتأمل....

    واستدل المعتزلة بقوله تعالى: { لَنْ يُخْلِفَ ظ±للَّهُ وَعْدَهُ } على أن الله سبحانه لا يغفر للعصاة لأن الوعد فيه بمعنى الوعيد وقد أخبر سبحانه أنه لا يخلفه والمغفرة تستلزم الخلف المستلزم للكذب المحال عليه تعالى. وأجاب أهل السنة بأن وعيدات سائر العصاة إنشاءات أو إخبارات عن استحقاقهم ما أوعدوا به لا عن إيقاعه أو هي إخبارات عن إيقاعه مشروطة بعدم العفو وترك التصريح بالشرط بزيادة الترهيب ولا كذلك وعيدات الكفار فإنها محض إخبارات عن الإيقاع غير مشروطة بشرط أصلاً كمواعيد المؤمنين، والداعي للتفرقة الجمع بين الآيات، وأنت تعلم أن ظاهر هذا أن وعيدات الكفار بالعذاب الدنيوي كوعيداتهم بالعذاب الأخروي لا يتطرقها عدم الوقوع فلا يجوز العفو عن عذابهم مطلقاً متى وعد به، وعندي في التسوية بين الأمرين تردد، ويعلم من ذلك حال هذا الجواب على تقدير حمل العذاب في الآية على العذاب الدنيوي الأوفق للمقام والوعد على الوعد به. وأجاب بعضهم هنا بأن المراد بالوعد وعده تعالى بالنظرة والإمهال وهو مقابل للوعيد في نظر الممهل ولا خلاف في أن الله تعالى لا يخلف الوعد المقابل للوعيد وأن ما يؤدي به خبر محض لا شرط فيه؛ وقيل: المراد به وعده تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بإنزال العذاب المستعجل به عليهم وذلك مقابل للوعيد من حيث إن فيه خيراً له عليه الصلاة والسلام، ولا مانع من أن يكون شيء واحد خيراً وشراً بالنسبة إلى شخصين فقد قيل:
    مصائب قوم عند قوم فوائد
    وحينئذ لا دليل للمعتزلة في الآية على دعواهم.

    وقال الرازى

    إعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم، لأن الرجل إنما يكون منذراً بذكر الوعد للمطيعين والوعيد للعاصين. فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات فجمع بين الوصفين وهذا دليل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان، ويدخل في العمل الصالح أداء كل واجب وترك كل محظور، ثم بين سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم. أما المغفرة فإما أن تكون عبارة عن غفران الصغائر، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة، أو عن غفرانها قبل التوبة، والأولان واجبان عند الخصم، وأداء الواجب لا يسمى غفراناً، فبقي الثالث وهو دلالته على العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة.

  5. #470
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الرازى

    أما قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىظ° أَلْقَى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: من الناس من قال: الرسول هو الذي حدث وأرسل، والنبي هو الذي لم يرسل ولكنه ألهم أو رأى في النوم، ومن الناس من قال: إن كل رسول نبي، وليس كل نبي يكون رسولاً، وهو قول الكلبي والفراء. وقالت المعتزلة كل رسول نبي، وكل نبي رسول، ولا فرق بينهما، واحتجوا على فساد القول الأول بوجوه: أحدها: هذه الآية فإنها دالة على أن النبي قد يكون مرسلاً، وكذا قوله تعالى:
    { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نَّبِيٍّ }
    [الأعراف: 94]، وثانيها: أن الله تعالى خاطب محمداً مرة بالنبي ومرة بالرسول، فدل على أنه لا منافاة بين الأمرين، وعلى القول الأول المنافاة حاصلة وثالثها: أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين ورابعها: أن اشتقاق لفظ النبي إما من النبأ وهو الخبر، أو من قولهم نبأ إذا ارتفع، والمعنيان لا يحصلان إلا بقبول الرسالة. أما القول الثاني: فاعلم أن شيئاً من تلك الوجوه لا يبطله، بل هذه الآية دالة عليه لأنه عطف النبي على الرسول، وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص. وقال في موضع آخر
    { وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى ظ±لأَوَّلِينَ }
    [الزخرف: 6] وذلك يدل على أنه كان نبياً، فجعله الله مرسلاً وهو يدل على قولنا: " وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كم المرسلون؟ فقال ثلثمائة وثلاثة عشرة، فقيل وكم الأنبياء؟ فقال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً الجم الغفير " إذا ثبت هذا فنقول: ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي أموراً: أحدها: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله والثاني: أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعاً لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحق ويعقوب وأيوب ويونس وهرون وداود وسليمان رسلاً لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ والثالث: أن من جاءه الملك ظاهراً وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومن لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولاً، أو أخبره أحد من الرسال بأنه رسول الله، فهو النبي الذي لا يكون رسولاً وهذا هو الأولى. ....

    المسألة الثانية: ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة{ وَظ±لنَّجْمِ إِذَا هَوَىظ° }
    [النجم: 1] فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله
    { أَفَرَءيْتُمُ ظ±للَّـظ°تَ وَظ±لْعُزَّىظ° * وَمَنَوظ°ةَ ظ±لثَّالِثَةَ ظ±لأُخْرَىظ° }
    [النجم: 19، 20] ألقى الشيطان على لسانه " تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى " فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة وأبي أحيحة سعيد بن العاصي فإنهما أخذا حفنة من التراب من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال ماذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله وقلت ما لم أقل لك؟! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً عظيماً حتى نزل قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىظ° أَلْقَى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } الآية. هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجوه: أحدها: قوله تعالى:
    { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ظ±لأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِظ±لْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين }
    [الحاقة: 44 ـ 46]، وثانيها: قوله:
    { قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ }
    [يونس: 15] وثالثها: قوله:
    { وَمَا يَنطِقُ عَنِ ظ±لْهَوَىظ° إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىظ° }
    { النجم: 3] فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلي لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال وذلك لا يقوله مسلم ورابعها: قوله تعالى:
    { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ظ±لَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً }
    [الإسراء: 73] وكلمة كاد عند بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل وخامسها: قوله: { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـظ°كَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } [الإسراء: 74] وكلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل وسادسها: قوله:
    { كَذظ°لِكَ نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ }
    [الفرقان: 32]. وسابعها: قوله:
    { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىظ° }
    [الأعلى: 6]. وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال هذا وضع من الزنادقة وصنف فيه كتاباً.......

    فهذه الوجوه المذكورة في قوله تلك الغرانيق العلا قد ظهر على القطع كذبها، فهذا كله إذا فسرنا التمني بالتلاوة. وأما إذا فسرناها بالخاطر وتمنى القلب فالمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته، ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه: أحدها: أنه يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا إنه عليه السلام كان يحب أن يتألفهم وكان يردد ذلك في نفسه فعندما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه وهذا أيضاً خروج عن الدين وبيانه ما تقدم وثانيها: ما قال مجاهد من أنه عليه السلام كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك بأن عرفه بأن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها وثالثها: يحتمل أنه عليه السلام عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إن كان مجملاً فيلقى الشيطان في جملته ما لم يرده، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ما أراده الله تعالى بأدلته وآياته ورابعها: معنى الآية إذا تمنى إذا أراد فعلاً مقرباً إلى الله تعالى ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه فيرجع إلى الله تعالى في ذلك وهو كقوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ ظ±لشَّيْطَـظ°نِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }
    [الأعراف: 201] وكقوله:
    { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ظ±لشَّيْطَـظ°نِ نَزْغٌ فَظ±سْتَعِذْ بِظ±للَّهِ }
    [الأعراف: 200] ومن الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة للكفار وذلك يبطله قوله تعالى: { لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَظ±لْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } ، والجواب: لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار فهذا آخر القول في هذه المسألة. المسألة الثالثة: يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم الله تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو ووسوسة الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر فالواجب أن لا يتبعوا إلا فيما يفعلونه عن علم فذلك هو المحكم، وقال أبو مسلم معنى الآية أنه لم يرسل نبياً إلا إذا تمنى كأنه قيل: وما أرسلنا إلى البشر ملكاً وما أرسلنا إليهم نبياً إلا منهم، وما أرسلنا نبياً خلا عند تلاوته الوحي من وسوسة الشيطان وأن يلقي في خاطره وما يضاد الوحي ويشغله عن حفظه فيثبت الله النبي على الوحي وعلى حفظه ويعلمه صواب ذلك وبطلان ما يكون من الشيطان، قال وفيما تقدم من قوله: { قُلْ يظ°أَيُّهَا ظ±لنَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } تقوية لهذا التأويل فكأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين أنا نذير لكم لكني من البشر لا من الملائكة، ولم يرسل الله تعالى مثلي ملكاً بل أرسل رجالاً فقد وسوس الشيطان إليهم، فإن قيل هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز على الملائكة، قلنا إذا كانت الملائكة أعظم درجة من الأنبياء لم يلزم من استيلائهم بالوسوسة على الأنبياء استيلاؤهم بالوسوسة على الملائكة،.....

  6. #471
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    وقال ابن كثير

    قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع
    { أَفَرَءَيْتُمُ ظ±للَّـظ°تَ وَظ±لْعُزَّىظ° وَمَنَوظ°ةَ ظ±لثَّالِثَةَ ظ±لأُخْرَىظ° }
    النجم 19 ــــ 20 قال فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى، قالوا ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىظ° أَلْقَى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِىغ¤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ظ±للَّهُ مَا يُلْقِى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ ثُمَّ يُحْكِمُ ظ±للَّهُ ءَايَـظ°تِهِ وَظ±للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }. رواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة به بنحوه، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى
    { أَفَرَءَيْتُمُ ظ±للَّـظ°تَ وَظ±لْعُزَّىظ° }
    النجم 19 وذكر بقيته، ثم قال البزار لا نعلمه يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور، وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ثم رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية وعن السدي مرسلاً، وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلاً أيضاً. وقال قتادة كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه وإن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون وأجرى الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأها، فزلت بها ألسنتهم، فأنزل الله { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ } الآية، فدحر الله الشيطان، ثم قال ابن أبي حاتم حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المُسَيَّبِي، حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير، أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال

    { أَفَرَءَيْتُمُ ظ±للَّـظ°تَ وَظ±لْعُزَّىظ° وَمَنَوظ°ةَ ظ±لثَّالِثَةَ ظ±لأُخْرَىظ° أَلَكُمُ ظ±لذَّكَرُ وَلَهُ ظ±لأُنثَىظ° }
    النجم 19 ــــ 21 ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً، فرفع على كفه تراباً، فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما المسلمون، فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثهم به الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون، وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية، وقال الله { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىظ° أَلْقَى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِىغ¤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ظ±للَّهُ مَا يُلْقِى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ ثُمَّ يُحْكِمُ ظ±للَّهُ ءَايَـظ°تِهِ وَظ±للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَظ±لْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم، وهذا أيضاً مرسل. وفي تفسير ابن جرير عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " ، فلم يجز به موسى بن عقبة، ساقه في مغازيه بنحوه، قال وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة قلت وقد ذكرها محمد بن إسحاق في " السيرة " بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، والله أعلم. وقد ساقها البغوي في " تفسيره " مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل ههنا سؤالاً كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا من رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

    وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفاء لهذا، وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها. وقوله { إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىظ° أَلْقَى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِىغ¤ أُمْنِيَّتِهِ } هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، أي لا يهيدنك ذلك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء. قال البخاري قال ابن عباس { فِىغ¤ أُمْنِيَّتِهِ } إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، { ثُمَّ يُحْكِمُ ظ±للَّهُ ءَايَـظ°تِهِ }. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { إِذَا تَمَنَّىظ° أَلْقَى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِىغ¤ أُمْنِيَّتِهِ } يقول إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه. وقال مجاهد { إِذَا تَمَنَّىظ° } يعني إذا قال، ويقال أمنيته قراءته
    { إِلاَّ أَمَانِىَّ }
    البقرة 78 يقرؤون ولا يكتبون. قال البغوي وأكثر المفسرين قالوا معنى قوله { تَمَنَّىظ° } أي تلا وقرأ كتاب الله { أَلْقَى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِىغ¤ أُمْنِيَّتِهِ } أي في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل
    تَمَنَّى كتابَ اللّهِ أولَ ليلةٍ وآخرَها لاقى حِمامَ المَقادرِ
    وقال الضحاك { إِذَا تَمَنَّىظ° } إذا تلا. قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام. وقوله { فَيَنسَخُ ظ±للَّهُ مَا يُلْقِى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ } حقيقة النسخ لغة الإزالة والرفع، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان. وقال الضحاك نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته. وقوله { وَظ±للَّهُ عَلِيمٌ } أي بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية { حَكِيمٌ } أي في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ولهذا قال { لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي شك وشرك وكفر ونفاق كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان. قال ابن جريج { ظ±لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } هم المنافقون، { وَظ±لْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } هم المشركون. وقال مقاتل بن حيان هم اليهود، { وَإِنَّ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي من الحق والصواب، { وَلِيَعْلَمَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْعِلْمَ أَنَّهُ ظ±لْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } أي وليعلم الذين أوتوا العلم النافع، الذي يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم
    { لاَّ يَأْتِيهِ ظ±لْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }
    فصلت 42. وقوله { فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } أي يصدقوه وينقادوا له، { فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } أي تخضع وتذل له قلوبهم، { وَإِنَّ ظ±للَّهَ لَهَادِ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُوغ¤اْ إِلَىظ° صِرَظ°طٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.

    ملحوظة

    للالوسي فى تفسيره كلام طويل عن قصة الغرانيق يراجع

    وقال القرطبي

    قال ابن عطية: وهذا الحديث الذي فيه هي الغرانيق العلا وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاريّ ولا مسلم، ولا ذكره في علمِي مصنّف مشهور؛ بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقَى، ولا يعيّنون هذا السبب ولا غيره. ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة؛ بها وقعت الفتنة. ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ على لسانه. وحدّثني أبي رضي الله عنه أنه لَقِيَ بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ، وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفارَ عند قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: { أَفَرَأَيْتُمُ ظ±للاَّتَ وَظ±لْعُزَّىظ° وَمَنَاةَ ظ±لثَّالِثَةَ ظ±لأُخْرَىظ° } ، وقرّب صوته من صوت النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها. وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي. وقيل: الذي ألقى شيطانُ الإنس؛ كقوله عز وجل:
    { وَظ±لْغَوْاْ فِيهِ }
    [فصلت: 26]. قتادة: هو ما تلاه ناعسا.

    وقال القاضي عِياض في كتاب الشفا بعد أن ذكر الدليل على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا قصداً ولا عمداً سهواً أو غلطاً: اِعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله، والثاني: على تسليمه.

    أما المأخذ الأوّل فيكفيك أن هذا حديث لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند صحيح سليم متصل ثقةٌ؛ وإنما أولِع به وبمثله المفسِّرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم. قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره؛ إلا ما رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب، الشك في الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان بمكة... وذكر القصة. ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس؛ فقد بيّن لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبّه عليه مع وقوع الشك فيه الذي ذكرناه، الذي لا يُوثق به ولا حقيقةَ معه. وأما حديث الكلبيّ فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذِكره لقوّة ضعفه وكذبه؛ كما أشار إليه البزار رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ «والنجم» بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس؛ هذا توهينه من طريق النقل.

    وأما المأخذ الثاني فهو مبنيّ على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة؛ منها الغَثّ والسَّمين. والذي يظهر ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربّه يرتّل القرآن ترتيلاً، ويفصّل الآي تفصيلاً في قراءته؛ كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكياً نغمة النبيّ صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار. فظنّوها من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم وأشاعوها. ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققِهم من حال النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعَيْبها ما عُرف منه؛ فيكون ما روي من حزن النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة، وقد قال الله تعالى:
    { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ }
    [الحج: 52] الآية.

    قلت: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا. وقد قال سليمان بن حرب: إن «في» بمعنى عند؛ أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كقوله عز وجل:
    { وَلَبِثْتَ فِينَا }
    [الشعراء: 18] أي عندنا.

    وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي، وقال قبله: إن هذه الآية نص في غرضنا، دليل على صحة مذهبنا، أصل في براءة النبيّ صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه أنه قاله؛ وذلك أن الله تعالى قال: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىظ° أَلْقَى ظ±لشَّيْطَانُ فِيغ¤ أُمْنِيَّتِهِ } أي في تلاوته. فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرتِه في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولاً زاد الشيطان فيه من قِبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي. تقول: ألقيت في الدار كذا وألقيت في الكيس كذا؛ فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم، لا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تكلم به. ذكر معنى كلام عياض إلى أن قال: وما هُدِي لهذا إلا الطبري لجلالة قدره وصفاء فكره وسَعة باعه في العلم، وشِدّة ساعده في النظر؛ وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصوّب على هذا المرمى، وقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطل لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها، ولكنه فعال لما يريد.

    وأما غيره من التأويلات ممّا حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو محال؛ إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار، قال الله تعالى مخبراً عنه:
    { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَظ±سْتَجَبْتُمْ لِي }
    [إبراهيم: 22]؛ ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقي لأحد من بني آدم قوّة في طاعة، ومن توَهّم أن للشيطان هذه القوّة فهو قول الثَّنَوِيَّة والمجوس في أن الخير من الله والشر من الشيطان. ومن قال جرى ذلك على لسانه سهواً قال: لا يبعد أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على حفظه فجرى عند قراءة السورة ما كان في حفظه سهواً؛ وعلى هذا يجوز السهو عليهم ولا يُقَرّون عليه، وأنزل الله عز وجل هذه الآية تمهيداً لعذره وتسلية له؛ لئلا يقال: إنه رجع عن بعض قراءته، وبَيّن أن مثل هذا جرى على الأنبياء سهواً، والسهو إنما ينتفي عن الله تعالى، وقد قال ابن عباس: إن شيطاناً يقال له الأبيض كان قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل عليه السلام وألقى في قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم: تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لتُرْتَجَى. وهذا التأويل وإن كان أشبه مما قبله فالتأويل الأوّل عليه المعوّل، فلا يُعدل عنه إلى غيره لاختيار العلماء المحققين إياه، وضعفُ الحديث مُغْنٍ عن كل تأويل، والحمد لله. ومما يدل على ضعفه أيضاً وتوهينه من الكتاب قولُه تعالى:
    { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ }

    الإسراء: 73] الآيتين؛ فإنهما ترّدان الخبر الذي روَوْه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبّته لكان يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عَصَمه من أن يفتري وثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً فكيف كثيراً، وهم يروُون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال عليه الصلاة والسلام: افتريت على الله وقلت ما لم يقل. وهذا ضدّ مفهوم الآية، وهي تضعّف الحديث لو صح؛ فكيف ولا صحة له. وهذا مِثل قوله تعالى:
    { وَلَوْلاَ فَضْلُ ظ±للَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ }
    [النساء: 113]. قال القُشَيْرِيّ: ولقد طالبته قريش وثقِيف إذ مرّ بآلهتهم أن يُقبل بوجهه إليها، ووعدوه بالإيمان به إن فعل ذلك، فما فعل! ولا كان ليفعل! قال ابن الأنباري: ما قارب الرسول ولا رَكَن. وقال الزجاج: أي كادوا، ودخلت إن واللام للتأكيد. وقد قيل: إن معنى «تمنّى» حدّث، لا «تلا». روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: { إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىظ° } قال: إلا إذا حدّث { أَلْقَى ظ±لشَّيْطَانُ فِيغ¤ أُمْنِيَّتِهِ } قال: في حديثه { فَيَنسَخُ ظ±للَّهُ مَا يُلْقِي ظ±لشَّيْطَانُ } قال: فيبطل الله ما يلقي الشيطان. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل بمصر صحيفةً في التفسير، رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً. والمعنى عليه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيْلة فيقول: لو سألتَ الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون؛ ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك؛ فيبطل ما يلقي الشيطان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. وحكى الكسائي والفراء جميعاً «تمنى» إذا حدّث نفسه؛ وهذا هو المعروف في اللغة. وحَكَيَا أيضاً «تمنى» إذا تلا. وروي عن ابن عباس أيضاً وقاله مجاهد والضحاك وغيرهما. وقال أبو الحسن بن مهدي: ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شيء، وإنما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صفِرت يداه من المال، ورأى ما بأصحابه من سوء الحال، تمنّى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان. وذكر المهدويّ عن ابن عباس أن المعنى: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه؛ وهو اختيار الطبري.

    قلت: قوله تعالى: { لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ظ±لشَّيْطَانُ فِتْنَةً } الآية، يردّ حديث النفس، وقد قال ابن عطية: لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة؛ فالله أعلم. قال النحاس: ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان المعنى فيه صحيحاً، ويكون معنى سها أسقط، ويكون تقديره: أفرأيتم الّلاتَ والعُزَّى؛ وتم الكلام، ثم أسقط (والغرانيق العلا) يعني الملائكة (فإن شفاعتهم) يعود الضمير على الملائكة.

    وأما من روى: فإنهن الغرانيق العلا، ففي روايته أجوبة؛ منها أن يكون القول محذوفاً كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون توبيخاً؛ لأن قبله «أفرأيتم» ويكون هذا احتجاجاً عليهم؛ فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحاً في الصلاة. وقد روي في هذه القصة أنه كان مما يقرأ: أفرأيتم اللات والعُزّى. ومناة الثالثة الأخرى. والغرانقة العلا. وأن شفاعتهن لترتجى. روي معناه عن مجاهد. وقال الحسن: أراد بالغرانيق العلا الملائكة؛ وبهذا فسر الكلبيّ الغرانقة أنها الملائكة. وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون (أن) الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى الله تعالى عنهم، وردّ عليهم في هذه السورة بقوله: { أَلَكُمُ ظ±لذَّكَرُ وَلَهُ ظ±لاُْنثَىظ° } فأنكر الله كل هذا من قولهم. ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح؛ فلما تأوّله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتُهم ولبّس عليهم الشيطان بذلك، نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللّتين وجد الشيطان بهما سبيلاً للتلبيس، كما نُسخ كثير من القرآن؛ ورفعت تلاوته. قال القُشَيري: وهذا غير سديد؛ لقوله: { فَيَنسَخُ ظ±للَّهُ مَا يُلْقِي ظ±لشَّيْطَانُ } أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة. { وَظ±للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } «عليم» بما أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. «حكيم» في خلقه.

    وقال ابن الجوزى فى زاده

    قوله تعالى: { وما أَرْسَلْنا من قبلك من رسول } الآية. قال المفسرون: سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه سورة (النجم) قرأها حتى بلغ قوله:
    { أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى }
    [النجم: 19، 20]، فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإِن شفاعتهن لترتجى؛ فلما سمعت قريش بذلك فرحوا، فأتاه جبريل، فقال: ماذا صنعتَ؟ تلوتَ على الناس مالم آتِكَ به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً، فنزلت هذه الآية تطييباً لقلبه، وإِعلاماً له أن الأنبياء قد جرى لهم مثل هذا. قال العلماء المحققون: وهذا لا يصح، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم عن مثل هذا، ولو صح، كان المعنى أن بعض شياطين الإِنس قال تلك الكلمات، فإنهم كانوا إِذا تلا لغطوا، كما قال الله عز وجل:
    { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه }
    [فصِّلت: 26]. قال: وفي معنى «تمنى» قولان.

    أحدهما: تلا، قاله الأكثرون، وأنشدوا:
    تمنَّى كتابَ اللهِ أوّل ليلهِ وآخرَه لاقى حِمامَ المقادِرِ
    وقال آخر:
    تمنَّى كتابَ الله آخرَ ليلِه تمنِّيَ داودَ الزبورَ على رِسْلِ
    والثاني: أنه من الأُمنية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمنى يوماً أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومُه، فألقى الشيطان على لسانه لِما كان قد تمناه، قاله محمد بن كعب القرظي.

    قوله تعالى: { فيَنْسَخُ الله ما يُلقي الشيطان } أي: يُبطله ويُذهبه { ثم يُحْكِمُ الله آياته } قال مقاتل: يُحْكِمُها من الباطل.

    قوله تعالى: { ليجعل } اللام متعلقة بقوله: «ألقى الشيطان»، والفتنة هاهنا بمعنى البلية والمحنة. والمرضُ: الشك والنفاق. { والقاسيةِ قلوبهم } يعني: الجافية عن الإِيمان. ثم أعلمه أنهم ظالمون وأنهم في شقاق دائم، والشقاق: غاية العدواة.

  7. #472
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الرازى

    المسألة الثالثة: اختلفوا في معنى قوله: { وَإِنَّ ظ±للَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ظ±لرازِقِينَ } مع العلم بأن كل الرزق من عنده على وجوه: أحدها: التفاوت إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره وثانيها: أن يكون المراد أنه الأصل في الرزق، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله تعالى وثالثها: أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل نفس الرزق ورابعها: أن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به، إما لأجل أن يخرج عن الواجب، وإما لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء، وإما لأجل دفع الرقة الجنسية، فكان الواحد منا إذا رزق فقد طلب العوض، أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالاً زائداً فكان الرزق الصادر منه لمحض الإحسان وخامسها: أن غيره إنما يرزق لو حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل، وتلك الإرادة من الله، فالرازق في الحقيقة هو الله تعالى وسادسها: أن المرزوق يكون تحت منة الرازق ومنة الله تعالى أسهل تحملاً من منة الغير، فكان هو خير الرازقين وسابعها: أن الغير إذا رزق فلولا أن الله تعالى أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس وأعطاه السلامة والصحة والقدرة على الانتفاع بذلك الرزق لما أمكنه الانتفاع به، ورزق الغير لا بد وأن يكون مسبوقاً برزق الله وملحوقاً به حتى يحصل الانتفاع.

    وأما رزق الله تعالى فإنه لا حاجة به إلى رزق غيره، فثبت أنه سبحانه خير الرازقين. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة الآية تدل على أمور ثلاثة: أحدها: أن الله تعالى قادر وثانيها: أن غير الله يصح منه أن يرزق ويملك، ولولا كونه قادراً فاعلاً لما صح ذلك وثالثها: أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأن قوله { خَيْرُ ظ±لرَّازِقِينَ } دلالة على كونهم ممدوحين والجواب: لا نزاع في كون العبد قادراً، فإن عندنا القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام. وأما الثالث فبحث لفظي وقد سبق الكلام فيه....

    { ذظ°لِكَ بِأَنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ظ±لْبَاطِلُ وَأَنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لْعَلِيُّ ظ±لْكَبِيرُ }


    احبابي فى الحديث الا كل شيء ماخلا الله باطل فالله واجب الوجود لايحتاج الي مخصص فهو الغنى واما ماسواه لم يخرج من اطار الامكان والممكنات كما قال العارفون لم تشم رائحة الوجود حتى بعد تعلق القدرة التنجيزى بحدوثها وهنا ذوووق الصوفيةواهتمامهم بلفظ الحق

    قال الرازى

    الدلالة الخامسة: قوله تعالى: { وَيُمْسِكُ ظ±لسَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى ظ±لأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ظ±للَّهَ بِظ±لنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } واعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلباً. ووجب أن يكون ثقيلاً، وما كان كذلك فلا بد من الهوى لولا مانع يمنع منه، وهذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام، وقوله تعالى: { أَن تَقَعَ } قال الكوفيون: كي لا تقع، وقال البصريون كراهية أن تقع، وهذا بناء على مسألة كلامية وهي أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم؟ فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول، والمعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها.

    ملحوظة

    تعلق القدرة بالاعدام الازلي محال لانه يلزم ايجادنا ازلا وهو ممتنع فتلعق تنجيزى قديم للقدرة محال

    وتعلقها باعدامنا فى مالم يزل لانه لو لم يقع لم نوجد اصلا وهو التعلق الحادث القدرة

    وباعدامنا بعد ايجادنا مختلف فيه فمن اهل السنة قوم منعوه وقوم اثبتوه ومن منعه قال الاعدام بوقف الامداد

    وقال الالوسي

    والمراد بإمساكها عن الوقوع على الأرض حفظ تماسكها بقدرته تعالى بعد أن خلقها متماسكة آناً فآناً. وعدم تعلق إرادته سبحانه بوقوعها قطعاً قطعاً، وقيل إمساكه تعالى إياها عن ذلك بجعلها محيطة لا ثقيلة ولا خفيفة، وهذا مبني على اتحاد السماء والفلك وعلى قول الفلاسفة المشهور / بأن الفلك لا ثقيل ولا خفيف، وبنوا ذلك على زعمهم استحالة قبوله الحركة المستقيمة وفرعوا عليه أنه لا حال ولا بارد ولا رطب ولا يابس، واستدلوا على استحالة قبوله الحركة المستقيمة بما أبطله المتكلمون في «كتبهم». والمعروف من مذهب سلف المسلمين أن السماء غير الفلك وأن لها أطيطاً لقوله عليه الصلاة والسلام: " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد "

    وأنها ثقيلة محفوظة عن الوقوع بمحض إرادته سبحانه وقدرته التي لا يتعاصاها شيء لا لاستمساكها بذاتها. وذكر بعض المتكلمين لنفي ذلك أنها مشاركة في الجسمية لسائر الأجسام القابلة للميل الهابط فتقبله كقبول غيرها وللبحث فيه على زعم الفلاسفة مجال، والتعبير بالمضارع لإفادة الاستمرار التجددي أي يمسكها آناً فآناً من الوقوع.....

    سُلْطَـظ°ناً } أي حجة، والتنكير للتقليل، وهذا إشارة إلى الدليل السمعي الحاصل من جهة الوحي.

    وقوله سبحانه: { وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } إشارة إلى الدليل العقلي أي ما ليس لهم بجواز عبادته علم من ضرورة العقل أو استدلاله، والحاصل يعبدون من دون الله ما لا دليل من جهة السمع ولا من جهة العقل على جواز عبادته، وتقديم الدليل السمعي لأن الاستناد في أكثر العبادات إليه مع أن التمسك به في هذا المقام أرجى في الخلاص إن حصل لوم من التمسك بالدليل العقلي، وإن شككت فارجع إلى نفسك فيما إذا لامك شخص على فعل فإنك تجدها مائلة إلى الجواب بأني فعلت كذا لأنك أخبرتني برضاك بأن أفعله أكثر من ميلها إلى الجواب بأني فعلته لقيام الدليل العقلي وهو كذا على رضاك به وإنكار ذلك مكابرة، وقد يقال: إنما قدم هنا ما يشير إلى الدليل السمعي لأنه إشارة إلى دليل سمعي يدل على جواز تلك العبادة منزل من جهته تعالى غير مقيد بقيد بخلاف ما يشير إلى الدليل العقلي فإن فيه إشارة إلى دليل عقلي خاص بهم، وحاصله أن التقديم والتأخير للإطلاق / والتقييد وإن لم يكونا لشيء واحد فافهم.

    وقال العلامة الطيبـي: في اختصاص الدليل السمعي بالسلطان والتنزيل ومقابله بالعلم دليل واضح على أن الدليل السمعي هو الحجة القاطعة وله القهر والغلبة وعند ظهوره تضمحل الآراء وتتلاشى الأقيسة ومن عكس ضل الطريق وحرم التوفيق وبقي متزلزلاً في ورطات الشبه؛ وإن شئت فانظر إلى التنكير في { سُلْطَـظ°ناً. وَعَلَّمَ } وقسهما على قول الشاعر:
    له حاجب في كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب
    لتعلم الفرق إلى آخر ما قال، ومنه يعلم وجه للتقديم واحتمال آخر في تنوين { سُلْطَـظ°ناً } غير ما قدمنا، وظاهره أن الدليل السمعي يفيد اليقين مطلقاً وأنه مقدم على الدليل العقلي، ومذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة أنه لا يفيد اليقين مطلقاً لتوقف ذلك على أمور كلها ظنية فتكون دلالته أيضاً ظنية لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة، والحق أنه قد يفيد اليقين في الشرعيات دون العقليات بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات.

    وذكر الفاضل الرومي في «حواشيه على شرح المواقف» بعد بحث أن الحق أنه قد يفيد اليقين في العقليات أيضاً وأما أنه مقدم على الدليل العقلي فالذي عليه علماؤنا خلافه، وأنه متى عارض الدليل العقلي الدليل السمعي وجب تأويل الدليل السمعي إلى ما لا يعارضه الدليل العقلي إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما، وتقديم السمع على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال الفرع وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضاً لنفسه وكان باطلاً لكن ظاهر كلام محي الدين بن العربـي قدس سره في مواضع من «فتوحاته» القول بأنه مقدم، ومن ذلك قوله في الباب الثلاثمائة والثمانية والخمسين من أبيات:كل علم يشهد الشرع له هو علم فبه فلتعتصم
    وإذا خالفه العقل فقل طورك الزم ما لكم فيه قدم


    وقوله في الباب الأربعمائة والاثنين والسبعين:
    على السمع عولنا فكنا أولي النهي ولا علم فيما لا يكون عن السمع
    إلى غير ذلك وهو كأكثر كلامه من وراء طور العقل.

    قال الرازى

    أما قوله: { مَا قَدَرُواْ ظ±للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام، وهو قوي لا يتعذر عليه فعل شيء و عزيز لا يقدر أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك. قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام: إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم ونزل قوله تعالى:
    { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ }
    [ق: 38]. واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده، صمدي الذات سرمدي الصفات.

  8. #473
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    وقال الالوسي

    { مَا قَدَرُواْ ظ±للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } قال الحسن والفراء: أي ما عظموه سبحانه حق تعظيمه فإن تعظيمه تعالى حق تعظيمه أن يوصف بما وصف به نفسه ويعبد كما أمر أن يعبد وهؤلاء لم يفعلوا ذلك فإنهم عبدوا من دونه من لا يصلح للعبادة أصلاً وفي ذلك وصفه سبحانه بما نزه عنه سبحانه من ثبوت شريك له عز وجل. وقال الأخفش: أي ما عرفوه حق معرفته فإن معرفته تعالى حق معرفته التصديق به سبحانه موصوفاً بما وصف به نفسه وهؤلاء لم يصدقوا به كذلك لشركهم به وعبادتهم من دونه من سمعت حاله، وقيل: حق المعرفة أن يعرف سبحانه بكنهه وهذا هو المراد في قوله عليه الصلاة والسلام: " سبحانك ما عرفناك حق معرفتك " وأنت تعلم أن الظاهر أن قوله تعالى: { مَا قَدَرُواْ } الخ إخبار عن المشركين وذم لهم ومتى كان المراد منه نفي المعرفة بالكنه كان الأمر مشتركاً بينهم وبين الموحدين فإن المعرفة بالكنه لم تقع لأحد من الموحدين أيضاً عند المحققين ويشير إلى ذلك الخبر المذكور لدلالته على عدم حصولها لأكمل الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام وإذا لم تحصل له صلى الله عليه وسلم فعدم حصولها لغيره بالطريق الأولى، واحتمال حمل المعرفة المنفية فيه على اكتناه الصفات لا يخفى حاله، وكذا احتمال حصول المعرفة بالكنه له عليه الصلاة والسلام بعد الإخبار المذكور، وقوله صلى الله عليه وسلم: " تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تفكروا في ذاته فإنكم لن تقدروا قدره " والظاهر عموم الحكم دون اختصاصه بالمخاطبين إذ ذاك.

    وقول الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه: العجز عن درك الإدراك إدراك، وقول علي كرم الله تعالى وجهه متماً له بيتاً: والبحث عن سر ذات الله إشراك بل قال حجة الإسلام الغزالي وشيخه إمام الحرمين والصوفية والفلاسفة بامتناع معرفته سبحانه بالكنه. ونقل عن أرسطوا أنه قال في ذلك: كما تعتري العين عند التحديق في جرم الشمس ظلمة وكدورة تمنعها عن تمام الإبصار كذلك تعتري العقل عند إرادة اكتناه ذاته تعالى حيرة ودهشة تمنعه عن اكتناهه سبحانه. / ولا يخفى أنه لا يصلح برهاناً للامتناع وغاية ما يقال: إنه خطابـي لا يحصل به إلا الظن الغير الكافي في مثل هذا المطلب، ومثله الاستدلال بأن جميع النفوس المجردة البشرية وغيرها مهذبة كانت أو لا أنقص تجرداً وتنزهاً من الواجب تعالى والأنقص يمتنع له اكتناه من هو أشد تجرداً وتنزهاً منه كامتناع اكتناه الماديات للمجردات، وكذا الاستدلال بكونه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد فيمتنع إدراكه كما يمتنع إدراك البصر ما اتصل به، وأحسن من ذلك كله ما قيل: إن معرفة كنهه ليست بديهية بالضرورة بالنسبة إلى شخص وإلى وقت فلا تحصل لأحد في وقت بالضرورة فتكون كسبية والكسب إما بحد تام أو ناقص وهو محال مستلزم لتركب الواجب لوجوب تركب الحد من الجنس القريب أو البعيد ومن الفصل مع أن الحد الناقص لا يفيد الكنه، وأما الحد البسيط بمفرد فمحال بداهة فإن ذلك المفرد إن كان عين ذاته يلزم توقف معرفة الشيء على معرفة نفسه من غير مغايرة بينهما ولو بالإجمال والتفصيل كما في الحد المركب مع حده التام، وإن كان غيره فلا يكون حداً بل هو رسم أو مفهوم آخر غير محمول عليه وإما برسم تام أو ناقص ولا شيء منهما مما يفيد الكنه بالضرورة.

    واعترض بأن عدم إمكان البداهة بالنسبة إلى جميع الأشخاص وإلى جميع الأوقات يحتاج إلى دليل فربما تحصل بعد تهذيب النفس بالشرائع الحقة وتجريدها عن الكدورات البشرية والعوائق الجسمانية، ولو سلمنا عدم إمكان البداهة كذلك فلنا أن نختار كون المعرفة مما تكتسب بالحد التام المركب من الجنس والفصل وغاية ما يلزم منه التركب العقلي وليس بمحال إلا إن قلنا بأنه يستلزم التركب الخارجي المستلزم للاحتياج إلى الأجزاء المنافي لوجوب الوجود، ونحن لا نقول بذلك لأن المختار عند جمع أن أجزاء الماهية مأخوذة من أمر واحد بسيط وهي متحدة ماهية ووجوداً فتكون أموراً انتزاعية لا حقيقية فلا استلزام، نعم يكون ذلك إن قلنا: إن الأجزاء مأخوذة من أمور متغايرة بحسب الخارج لكن لا نقول به لأنه إن قيل حينئذ بتغاير الأجزاء أنفسها ماهية ووجوداً كما ذهب إليه طائفة يرد لزوم عدم صحة الحمل بينها ضرورة أن الموجودين بوجودين متغايرين لا يحمل أحدهما على الآخر كزيد وعمرو، وإن قيل بتغايرها ماهية لا وجوداً ليصح الحمل كما ذهب إليه طائفة أخرى يرد لزوم قيام الوجود الواحد بالشخص بموجودات متعددة متغايرة بالماهية، ولو سلمنا الاستلزام بين التركب العقلي والتركب الخارجي فلنا أن نقول: لا نسلم أنه لا شيء من الرسم مما يفيد الكنه بالضرورة كيف وهو مفيد فيما إذا كان الكنه لازماً للرسم لزوماً بيناً بالمعنى الأخص بل يمكن إفادة كل رسم إياه على قاعدة الأشعري من استناد جميع الممكنات إليه تعالى بلا شرط وإن لم تقع تلك الإفادة أصلاً إذ الكلام في امتناع حصول الكنه بالكسب كذا قالوا.

    واستدل الملا صدرا على نفي الأجزاء العقلية له تعالى بأن حقيقته سبحانه أنية محضة ووجود بحت فلو كان له عز وجل جنس وفصل لكان جنسه مفتقراً إلى الفصل لا في مفهومه ومعناه بل في أن يوجد ويحصل بالفعل فحينئذ يقال: ذلك الجنس لا يخلو إما أن يكون وجوداً محضاً أو ماهية غير الوجود، فعلى الأول يلزم أن يكون ما فرضنا فصلاً ليس بفصل إذ الفصل ما به يوجد الجنس وهذا إنما يتصور إذا لم يكن حقيقة الجنس حقيقة الوجود، وعلى الثاني يلزم أن يكون الواجب تعالى ذا ماهية وقد حقق أن نفس الوجود حقيقته بلا شوب، وأيضاً لو كان له تعالى جنس لكان مندرجاً تحت مقولة الجوهر وكان أحد الأنواع الجوهرية / فيكون مشاركاً لسائرها في الجنس؛ وقد برهن على إمكانها وحقق أن إمكان النوع يستلزم إمكان الجنس المستلزم لإمكان كل واحد من أفراد ذلك الجنس من حيث كونه مصداقاً له إذ لو امتنع الوجود على الجنس من حيث هو جنس أي مطلقاً لكان ممتنعاً على كل فرد فإذاً يلزم من ذلك إمكان الواجب - تعالى عن ذلك علواً كبيراً - ومبنى هذا أن حقيقة الواجب تعالى هو الوجود البحت وهو مما ذهب الحكماء وأجلة من المحققين، وليس المراد من هذا الوجود المعنى المصدري الذي لا يجهله أحد فإنه مما لا شك في استحالة كونه حقيقة الواجب سبحانه بل هو بمعنى مبدأ الآثار على ما حققه الجلال الدواني وأطال الكلام فيه في «حواشيه على شرح التجريد» وفي «شرحه للهياكل النورية» وفي غيرهما من «رسائله»، وللملا صدرا في هذا المقام والبحث في كلام الجلال كلام طويل عريض وقد حقق الكلام بطرز آخر يطلب من كتابه «الأسفار» بيد أنا نذكر هنا من كلامه سؤالاً وجواباً يتعلقان فيما نحن فيه فنقول:

    قال فإن قلت: كيف يكون ذات الباري سبحانه عين حقيقة الوجود والوجود بديهي التصور وذات الباري مجهول الكنه؟ قلت: قد مر أن شدة الظهور وتأكد الوجود هناك مع ضعف قوة الإدراك وضعف الوجود هظ°هنا صارا منشأين لاحتجابه تعالى عنا وإلا فذاته تعالى في غاية الإشراق والإنارة، فإن رجعت وقلت: إن كان ذات الباري نفسه الوجود فلا يخلو إما أن يكون الوجود حقيقة الذات كما هو المتبادر أو يكون صادقاً عليها صدقاً عرضياً كما يصدق عليه تعالى مفهوم الشيء، وعلى الأول إما أن يكون المراد به هذا المعنى العام البديهي التصور المنتزع من الموجودات أو معنى آخر والأول ظاهر الفساد والثاني يقتضي أن يكون حقيقته تعالى غير ما يفهم من لفظ الوجود كسائر الماهيات غير أنك سميت تلك الحقيقة بالوجود كما إذا سمي إنسان بالوجود ومن البين أنه لا أثر لهذه التسمية في الأحكام وأن هذا القسم راجع إلى الواجب ليس الوجود الذي الكلام فيه ويلزم أن يكون الواجب تعالى ذا ماهية وقد يرهن أن كل ذي ماهية معلول، وعلى الثاني وهو أن يصدق عليه تعالى صدقاً عرضياً فلا يخفى أن ذلك لا يغنيه عن السبب بل يستدعي أن يكون موجوداً ولذلك ذهب جمهور المتأخرين من الحكماء إلى أن الوجود معدوم فأقول: منشأ هذا الإشكال حسبان أن معنى كون هذا العام المشترك عرضياً أن للمعروض موجودية وللعارض موجودية أخرى كالماشي بالنسبة إلى الحيوان والضاحك بالقياس إلى الإنسان وليس كذلك بل هذا المفهوم عنوان وحكاية للوجودات العينية ونسبته إليها نسبة الإنسانية إلى الإنسان والحيوانية إلى الحيوان فكما أن مفهوم الإنسانية صح أن يقال: إنها عين الإنسان لأنها مرآة لملاحظته وحكاية عن جهته صح أن يقال: إنها غيره لأنها أمر نسبـي والإنسان ماهية جوهرية، وبالجملة الوجود ليس كالإمكان حتى لا يكون بإزائه شيء يكون المعنى المصدري حكاية عنه بل كالسواد الذي قد يراد به نفس المعنى النسبـي أعني الأسْودية وقد يراد به ما يكون به الشيء أسود أعني الكيفية المخصوصة فكما أن السواد إذا فرض قيامه بذاته صح أن يقال ذاته عين الأسودية وإذا فرض جسم متصف به لم يجز أن يقال إن ذاته عين الأسودية مع أن هذا الأمر لكونه اعتباراً ذهنياً زائد على الجميع، إذا تقرر هذا قلنا في الجواب في الترديد الأول: نختار الشق الأول وهو أن الوجود حقيقة الذات قولك في الترديد الثاني إما أن يكون ذلك الوجود ما يفهم من لفظ الوجود الخ نختار / منه ما بإزاء ما يفهم من هذا اللفظ أعني حقيقة الوجود الخارجي الذي هذا المفهوم حكاية عنه فإن للوجود عندنا حقيقة في كل موجود كما أن للسواد حقيقة في كل أسود لكن في بعض الموجودات مخلوط بالنقائص والإعدام وفي بعضها ليس كذلك وكما أن السوادات متفاوتة في السوادية بعضها أقوى وأشد وبعضها أضعف وأنقص كذلك الموجودات بل الوجودات متفاوتة في الموجودية كمالاً ونقصاناً، ولنا أيضاً أن نختار الشق الثاني من شقي الترديد الأول إلا أن هذا المفهوم الكلي وإن كان عرضياً بمعنى أنه ليس له بحسب كونه مفهوماً عنوانياً وجود في الخارج حتى يكون عيناً لشيء لكنه حكاية عن نفس حقيقة الوجود القائم بذاته وصادق عليه بحيث يكون منشأ صدقه ومصداق حمله عليها نفس تلك الحقيقة لا شيئاً آخر يقوم به كسائر العرضيات في صدقها على الأشياء فصدق هذا المفهوم على الوجود الخاص يشبه صدق الذاتيات من هذه الجهة، فعلى هذا لا يرد علينا قولك: صدق الوجود عليه لا يغنيه عن السبب لأنه لم يكن يغنيه عن السبب لو كان موجوديته بسبب عروض هذا المعنى أو قيام حصة من الوجود وليس كذلك بل ذلك الوجود الخاص بذاته موجود كما أنه بذاته وجود سواء حمل عليه مفهوم الوجود أو لم يحمل، والذي ذهب الحكماء إلى أنه معدوم ليس هو الوجودات الخاصة بل هذا الأمر العام الذهني الذي يصدق على الأنيات والخصوصيات الوجودية انتهى.

    وما أشار إليه من تعدد الوجودات قال به المشاؤون وهي عند الأكثرين حقائق متخالفة متكثرة بأنفسها لا بمجرد عارض الإضافة إلى الماهيات لتكون متماثلة الحقيقة ولا بالفصول ليكون الوجود المطلق جنساً لها، وقال بعضهم بالاختلاف بالحقيقة حيث يكون بينها من الاختلاف ما بالتشكيك كوجود الواجب ووجود الممكن وكذا وجود المجردات ووجود الأجسام؛ وقالت طائفة من الحكماء المتألهين إنه ليس في الخارج إلا وجود واحد شخصي مجهول الكنه وهو ذات الواجب تعالى شأنه وأما الممكنات المشاهدة فليس لها وجود بل ارتباط بالوجود الحقيقي الذي هو الواجب بالذات ونسبة إليه، نعم يطلق عليها أنها موجودة بمعنى أن لها نسبة إلى الواجب تعالى فمفهوم الموجود أعم من الوجود القائم بذاته ومن الأمور المنتسبة إليه نحواً من الانتساب وصدق المشتق لا ينافي قيام مبدأ الاشتقاق بذاته الذي مرجعه إلى عدم قيامه بالغير ولا كون ما صدق عليه أمراً منتسباً إلى المبدأ لا معروضاً له بوجه من الوجوه كما في الحداد والمشمس على أن أمر إطلاق أهل اللغة وأرباب اللسان لا عبرة به في تصحيح الحقائق، وقالوا: كون المشتق من المعقولات الثانية والبديهيات الأولية لا يصادم كون المبدأ حقيقة متأصلة متشخصة مجهولة الكنه وثانوية المعقول وتأصله قد يختلف بالقياس إلى الأمور ولا يخفى ما فيه من الأنظار، ومثله ما دار على ألسنة طائفة من المتصوفة من أن حقيقة الواجب المطلق تمسكاً بأنه لا يجوز أن يكون عدماً أو معدوماً وهو ظاهر ولا ماهية موجودة بالوجود أو مع الوجود تعليلاً أو تقييداً لما في ذلك من الاحتياج والتركيب فتعين أن يكون وجوداً وليس هو الوجود الخاص لأنه إن أخذ مع المطلق فمركب أو مجرد المعروض فمحتاج ضرورة احتياج المقيد إلى المطلق، ومتمسكهم هذا أوهن من بيت العنكبوت.

    والذي حققته من «كتب الشيخ الأكبر» قدس سره و«كتب أصحابه» أن الله سبحانه ليس عبارة عن الوجود المطلق بمعنى الكلي الطبيعي الموجود في الخارج في ضمن أفراده ولا بمعنى أنه معقول في النفس مطابق لكل واحد من جزئياته في الخارج على معنى أن ما في النفس لو وجد في أي شخص من الأشخاص الخارجية لكان ذلك الشخص بعينه من غير تفاوت أصلاً / بل بمعنى عدم التقيد بغيره مع كونه موجوداً بذاته، ففي الباب الثاني من «الفتوحات» أن الحق تعالى موجود بذاته لذاته مطلق الوجود غير مقيد بغيره ولا معلول من شيء ولا علة لشيء بل هو خالق المعلولات والعلل، والملك القدوس الذي لم يزل. وفي «النصوص» للصدر القونوي تصور اطلاق الحق يشترط فيه أن يتعقل بمعنى أنه وصف سلبـي لا يمعنى أنه إطلاق ضده التقييد بل هو إطلاق عن الوحدة والكثرة المعلومتين وعن الحصر أيضاً في الإطلاق والتقييد وفي الجمع بين كل ذلك والتنزيه عنه فيصح في حقه كل ذلك حال تنزهه عن الجميع.

    وذكر بعض الأجلة أن الله تعالى عند السادة الصوفية هو الوجود الخاص الواجب الوجود لذاته القائم بذاته المتعين بذاته الجامع لكل كمال المنزه عن كل نقص المتجلي فيما يشاء من المظاهر مع بقاء التنزيه ثم قال: وهذا ما يقتضيه أيضاً قول الأشعري بأن الوجود عين الذات مع قوله الأخير في كتابه «الأبانة» بإجراء المتشابهات على ظواهرها مع التنزيه بليس كمثله شيء.

    وتحقيق ذلك أنه قد ثبت بالبرهان أن الواجب الوجود لذاته موجود فهو إما الوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته أو الوجود المقترن بالماهية المتعين بحسبها أو الماهية المعروضة للوجود المتعين بحسبها أو المجموع المركب من الماهية والوجود المتعين بحسبها لا سبيل إلى الرابع لأن التركيب من لوازمه الاحتياج ولا إلى الثالث لاحتياج الماهية في تحققها الخارجي إلى الوجود ولا إلى الثاني لاحتياج الوجود إلى الماهية في تشخصه بحسبها والاحتياج في الجميع ينافي الوجوب الذاتي فتعين الأول فالواجب سبحانه الموجود لذاته هو الوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته، ثم هو إما أن يكون مطلقاً بالإطلاق الحقيقي وهو الذي لا يقابله تقييد القابل لكل إطلاق وتقييد وإما أن يكون مقيداً بقيد مخصوص لا سبيل إلى الثاني لأن المركب من القيد ومعروضه من لوازمه الاحتياج المنافي للوجوب الذاتي فتعين الأول فواجب الوجود لذاته هو الوجود المجرد عن الماهية القائم بذاته المتعين بذاته المطلق بالإطلاق الحقيقي، وأهل هذا القول ذهبوا إلى أنه ليس في الخارج إلا وجود واحد وهو الوجود الحقيقي وأنه لا موجود سواه وماهيات الممكنات أمور معدومة متميزة في أنفسها تميزاً ذاتياً وهي ثابتة في العلم لم تشم رائحة الوجود ولا تشمه أبداً لكن تظهر أحكامها في الوجود المفاض وهو النور المضاف ويسمى العماء والحق المخلوق به وهؤلاء هم المشهورون بأهل الوحدة، ولعل القول الذي نقلناه عن بعض الحكماء المتألهين يرجع إلى قولهم وهو طور ما وراء طور العقل وقد ضل بسببه أقوام وخرجوا من ربقة الإسلام، وبالجملة إن القول بأن حقيقة الواجب تعالى غير معلومة لأحد علماً اكتناهياً إحاطياً عقلياً أو حسياً مما لا شبهة عندي في صحته وإليه ذهب المحققون حتى أهل الوحدة، والقول بخلاف ذلك المحكي عن بعض المتكلمين لا ينبغي أن يلتفت إليه أصلاً، ولا أدري هل تمكن معرفة الحقيقة أو لا تمكن؟ ولعل القول بعدم إمكانها أوفق بعظمته تعالى شأنه وجل عن إحاطة العقول سلطانه، وأما شهود الواجب بالبصر ففي وقوعه في هذه النشأة خلاف بين أهل السنة وأما في النشأة الآخرة فلا خلاف فيه سوى أن بعض الصوفية قالوا: إنه لا يقع إلا باعتبار مظهر ما وأما باعتبار الإطلاق الحقيقي فلا، وأما شهوده سبحانه بالقلب فقد قيل بوقوعه في هذه النشأة لكن على معنى شهود نوره القدسي ويختلف ذلك باختلاف الاستعداد لا على معنى شهود نفس الذات والحقيقة ومن ادعى ذلك فقد اشتبه عليه الأمر فادعى ما ادعى.

    هذا ومن الناس من قال: لا مانع من أن يراد من { حَقَّ قَدْرِهِ } حق معرفته ويراد من حق معرفته المعرفة بالكنه وكونها غير حاصلة لأحد مؤمناً كان أو غيره لا يضر فيما نحن فيه لأن المراد إثبات عظمته تعالى المنافية لما عليه المشركون وكونه سبحانه لا يعرف أحد كنه حقيقته يستدعي العظمة على أتم وجه فتأمل جميع ذلك والله تعالى الموفق للصواب.

    { إِنَّ ظ±للَّهَ لَقَوِىٌّ } على جميع الممكنات { عَزِيزٌ } غالب على جميع الأشياء وقد علمت حال آلهتهم المقهورة لأذل العجزة، والجملة في موضع التعليل لما قبلها........

    وَإِلَى ظ±للَّهِ تُرْجَعُ ظ±لأُمُورُ } كلها لا إلى غيره سبحانه لا اشتراكاً ولا استقلالاً لأنه المالك لها بالذات فلا يسئل جل وعلا عما يفعل من الاصطفاء وغيره كذا قيل، ويعلم منه أنه مرتبط بقوله تعالى:
    { ظ±للَّهُ يَصْطَفِي }
    [الحج: 75] الخ وكذا وجه الارتباط، ويجوز أن يكون مرتبطاً بقوله سبحانه: { يَعْلَم } الخ على معنى وإليه تعالى ترجع الأمور يوم القيامة فلا أمر ولا نهي لأحد سواه جل شأنه هناك فيجازي كلاً حسبما علم من أعماله ولعله أولى مما تقدم ويمكن أن يقال: هو مرتبط بما ذكر لكن على طرز آخر وهو أن يكون إشارة إلى تعميم آخر للعلم أي إليه تعالى ترجع الأمور كلها لأنه سبحانه هو الفاعل لها جميعاً بواسطة وبلا واسطة أو بلا واسطة في الجميع على ما يقوله الأشعري فيكون سبحانه عالماً بها. ووجه ذلك على ما قرره بعضهم أنه تعالى عالم بذاته على أتم وجه وذاته تعالى علة مقتضية لما سواه والعلم التام بالعلة أو بجهة كونها علة يقتضي العلم التام بمعلولها فيكون علمه تعالى بجميع ما عداه لازماً لعلمه بذاته كما أن وجود ما عداه تابع لوجود ذاته سبحانه وفي ذلك بحث طويل عريض.

    وقال الرازى

    أما قوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ظ±لدّينِ مِنْ حَرَجٍ } فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً واجباً كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ظ±لدّينِ مِنْ حَرَجٍ } روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ظ±لدّينِ مِنْ حَرَجٍ } مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم، وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما الحرج في أصل اللغة؟ الجواب: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم؟ قال الضيق، وعن عائشة رضي الله عنها: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق " السؤال الثاني: ما المراد من الحرج في الآية؟ الجواب: قيل هو الإتيان بالرخص، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع ذلك فليؤم، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه. وأيضاً فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجاً منها إما بالتوبة أو بالكفارة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضي بين الناس» وعن النبي صلى الله عليه وسلم " إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما " وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهم إلا للأنبياء: «جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقال أدعوني أستجب لكم». السؤال الثالث: استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق، فقالوا: لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب: لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلاً فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلاً وذلك من أعظم الحرج، ولما استوى القدمان زال السؤال....

    واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات من وجوه: أحدها: أن قوله: { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ظ±لنَّاسِ } يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلاً مرضياً، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد تكونوا جميعاً صالحين عدولاً، وقد علمنا أن منهم فاسقاً، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلاً وثانيها: قوله: { وَظ±عْتَصِمُواْ بِظ±للَّهِ } وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه؟ وثالثها: قوله: { فَنِعْمَ ظ±لْمَوْلَىظ° } لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه. فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟ قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعاً فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين. فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى، ورابعها: أن قوله: { سَمَّـظ°كُمُ ظ±لْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص. والجواب: عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريداً لكونه شاهداً يستلزم كونه مريداً لكونه عدلاً، فنقول: إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى فيلزم كونه تعالى مريداً لجهل نفسه. وإن لم يكن ذلك واجباً سقط الكلام. وأما قوله: { وَظ±عْتَصِمُواْ بِظ±للَّهِ } فيقال هذا أيضاً وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهي وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية.

  9. #474
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    سورة المؤمنون

    قال الرازى

    السؤال الخامس: هل تدل الآية على أن هذه الصفات هي التي لها ولأجلها يكونون مؤمنين أم لا؟ الجواب: ادعى القاضي أن الأمر كذلك بناء على مذهبه أن الإيمان اسم شرعي موضوع لأداء كل الواجبات، وعندنا أن الآية لا تدل على ذلك، لأن قوله: { قَدْ أَفْلَحَ ظ±لْمُؤْمِنُونَ * ظ±لَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـظ°شِعُونَ } مثل قد أفلح الناس الأذكياء العدول، فإن هذا لا يدل على أن الزكاة والعدالة داخلان في مسمى الناس فكذا ههنا...

    وأما أنه تعالى خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها لا أنه وكله إلى غيره، وأما أن الصلاة تثنى على من قام بحقها فهو في الجواز أبعد من كلام الجنة، لأن الصلاة حركات وسكنات ولا يصح عليها أن تتصور وتتكلم فالمراد منه ضرب المثل كما يقول القائل للمنعم إن إحسانك إلي ينطق بالشكر. السؤال السابع: هل تدل الآية على أن الفردوس مخلوقة؟ الجواب: قال القاضي دل قوله تعالى:
    { أُكُلُهَا دَائِمٌ }
    [الرعد: 35] على أنها غير مخلوقة فوجب تأويل هذه الآية، كأنه تعالى قال إذا كان يوم القيامة يخلق الله الجنة ميراثاً للمؤمنين أو وإذا خلقها تقول على مثال ما تأولنا عليه قوله تعالى:
    { وَنَادَىظ° أَصْحَـظ°بُ ظ±لنَّارِ أَصْحَـظ°بَ ظ±لْجَنَّةِ }
    [الأعراف: 50] وهذا ضعيف لأنه ليس إضمار ما ذكره في هذه الآية أولى من أن يضمر في قوله:
    { أُكُلُهَا دَائِمٌ }
    [الرعد: 35] ثم إن أكلها دائم، يوم القيامة، وإذا تعارض هذان الظاهران فنحن نتمسك في أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى:
    { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }
    [آل عمران: 133]....

    وقوله: { أَحْسَنُ ظ±لْخَـظ°لِقِينَ } أي أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه وههنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة لولا أن الله تعالى قد يكون خالقاً لفعله إذا قدره لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، والخلق في اللغة هو كل فعل وجد من فاعله مقدراً لا على سهو وغفلة، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه، قال الكعبي هذه الآية، وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد كما أنه يجوز أن يقال رب الدار، ولا يجوز أن يقال رب بلا إضافة، ولا يقول العبد لسيده هو ربي، ولا يقال إنما قال الله تعالى ذلك لأنه سبحانه وصف عيسى عليه السلام بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير لأنا نجيب عنه من وجهين: أحدهما: إن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه { أَحْسَنُ ظ±لْخَـظ°لِقِينَ } الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح الثاني: أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من المصورين أيضاً بأنه يخلق؟ وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله تعالى:{ ظ±للَّهُ خَـظ°لِقُ كُلّ شَيْء }
    [الزمر: 62] فوجب حمل هذه الآية على أنه { أَحْسَنُ ظ±لْخَـظ°لِقِينَ } في اعتقادكم وظنكم، كقوله تعالى:
    { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }
    [الروم: 27] أي هو أهون عليه في اعتقادكم وظنكم والجواب الثاني: هو أن الخالق هو المقدر لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان، وذلك في حق الله سبحانه محال، فتكون الآية من المتشابهات والجواب الثالث: أن الآية تقتضي كون العبد خالقاً بمعنى كونه مقدراً، لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه موجداً. المسألة الثانية: قالت المعتزلة الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقاً للكفر والمعصية فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما؟ والجواب: من الناس من حمل الحسن على الإحكام والاتقان في التركيب والتأليف، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله تعالى كل الأشياء لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعاً له عن فعل شيء...

    السؤال الثاني: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر لأنه قال: { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذظ°لِكَ لَمَيّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ تُبْعَثُونَ } ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة والجواب: من وجهين: الأول: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة والثاني: أن الغرض من ذكر هذه الأجناس الثلاثة الإنشاء والإماتة والإعادة، والذي ترك ذكره فهو من جنس الإعادة...


    ورابعها: وما كنا عن خلق السموات غافلين بل نحن لها حافظون لئلا تخرج عن التقدير الذي أردنا كونها عليه كقوله تعالى:
    { مَّا تَرَىظ° فِى خَلْقِ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ مِن تَفَـظ°وُتٍ }
    [الملك: 3]. واعلم أن هذه الآية دالة على كثير من المسائل: إحداها: أنها دالة على وجود الصانع فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على تلك الصفة يدل على أنه لابد من محول ومغير. وثانيتها: أنها تدل على فساد القول بالطبيعة فإن شيئاً من تلك الصفات لو حصل بالطبيعة لوجب بقاؤها وعدم تغيرها ولو قلت إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجد وثالثتها: تدل على أن المدبر قادر عالم لأن الموجب والجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة ورابعتها: تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات وخامستها: تدل على جواز الحشر والنشر نظراً إلى صريح الآية ونظراً إلى أن الفاعل لما كان قادراً على كل الممكنات وعالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب إلى تلك الأجزاء كما كانت وسادستها: أن معرفة الله تعالى يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية وإلا لكان ذكر هذه الدلائل عبثاً.

    وقال الالوسي فى الاية 14

    وقال الإمام: ((قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام: إن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه تعالى بين فيها أن الإنسان مركب من هذه الأشياء، وعلى بطلان قول الفلاسفة: إن الإنسان لا ينقسم وإنه ليس بجسم)) وكأنهم أرادوا أن الإنسان هو النفس الناطقة والروح الأمرية المجردة فإنها التي ليست بجسم عندهم ولا تقبل الانقسام بوجه وليست داخل البدن ولا خارجه....

    أَحْسَنُ ظ±لْخَـظ°لِقِينَ } نعت للاسم الجليل، وإضافة أفعل التفضيل محضة فتفيده تعريفاً إذا أضيف إلى معرفة على الأصح. وقال أبو البقاء: لا يجوز أن يكون نعتاً لأنه نكرة وإن أضيف لأن المضاف إليه عوض عن ـ من ـ وهكذا جميع باب أفعل منك وجعله بدلاً وهو يقل في المشتقات أو خبر مبتدأ مقدر أي هو أحسن الخالقين والأصل عدم التقدير، وتميز أفعل محذوف لدلالة الخالقين عليه أي أحسن الخالقين خلقاً فالحسن للخلق قيل: نظيره قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى جميل يحب الجمال " أي جميل فعله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً فاستتر، والخلق بمعنى التقدير وهو وصف يطلق على غيره تعالى كما في قوله تعالى:
    { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ظ±لطّينِ كَهَيْئَةِ ظ±لطَّيْرِ }
    [المائدة: 110] وقول زهير:
    ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
    وفي معنى ذلك تفسيره بالصنع كما فعل ابن عطية، ولا يصح تفسيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير. والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم بأن العبد خالق لأفعاله وموجود لها استقلالاً فالخالق الموجد متعدد عندهم، وقد تكفلت «الكتب الكلامية» بردهم. ومعنى حسن خلقه تعالى اتقانه وإحكامه، ويجوز أن يراد بالحسن مقابل القبح وكل شيء منه عز شأنه حسن لا يتصف بالقبح أصلاً من حيث إنه منه فلا دليل فيه للمعتزلة بأنه تعالى لا يخلق الكفر والمعاصي كما لا يخفى.

    وقال الماتريدى

    وقوله: { فَتَبَارَكَ ظ±للَّهُ أَحْسَنُ ظ±لْخَالِقِينَ }.

    من الناس من يستدل على أنه إذا لم يكن سواه خالقاً لم يكن لقوله: { أَحْسَنُ ظ±لْخَالِقِينَ } معنى؛ كقوله:
    { أَرْحَمُ ظ±لرَّاحِمِينَ }
    [يوسف: 64، 92 الأنبياء: 83]، و
    { أَحْكَمُ ظ±لْحَاكِمِينَ }
    [هود: 45]، ونحوه، إنما قال هذا لما يكون سواه رحيماً حكيماً كريماً؛ فأخبر أنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين؛ فعلى ذلك ما قال: { أَحْسَنُ ظ±لْخَالِقِينَ }.

    ولكن جائز القول بمثل هذا عند الناس على غير إثبات آخر سواه في ذلك حقيقة، وهو يخرج على وجوه:

    أحدهما: { أَحْسَنُ ظ±لْخَالِقِينَ } مما تنسبون أنتم إليه، وتجعلونه خالقاً عندكم؛ كقوله:

    فَرَاغَ إِلَىظ° آلِهَتِهِمْ }
    [الصافات: 91]: إبراهيم لم يسمّ معبودهم الذي عبدوه إلها على جعل الألوهية له، ولكن على ما سموا هم ونسبوا الألوهية إليه، وكذلك قول موسى، حيث قال:
    { وَظ±نظُرْ إِلَىظ° إِلَـظ°هِكَ ظ±لَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً }
    [طه: 97] على ما عندهم، ليس على تسمية الإله له حقيقة؛ دل ما ذكرنا على أن تسمية ما ذكر وذكره يجوز، وإن لم يكن هنالك سواه إلهاً خالقاً، وكذلك قوله:
    { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ظ±لشَّافِعِينَ }
    [المدثر: 48]: ليس على أن لهم شفعاء يشفعون لهم؛ ولكن لا شفعاء لهم؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.

    والثاني: تأويل { أَحْسَنُ ظ±لْخَالِقِينَ } ، أي: لو جاز أن يكون خالق آخر سواه لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، وهو كقوله:
    { لَّوْ أَرَادَ ظ±للَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىظ° مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ }
    [الزمر: 4] أي: لو جاز أن يتخذ ولداً لاصطفى مما ذكر، لكن لا يجوز، وكذلك قوله:
    { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ }
    [الأنبياء: 17]، أي: لو جاز أن يكون كذا لكان كذا، ليس على أنه يجوز أن يكون، وكذلك قوله:
    { مَا ظ±تَّخَذَ ظ±للَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـظ°هٍ بِمَا خَلَقَ... }
    الآية [المؤمنون: 91]، أي: لو جاز أن يكون معه إله لذهب بما ذكر، لكن لا يجوز؛ فعلى ذلك قوله: { فَتَبَارَكَ ظ±للَّهُ أَحْسَنُ ظ±لْخَالِقِينَ } ، أي: لو جاز أن يكون هنالك خالق غيره لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، والله الموفق.

    والثالث: ذكر أحسن الخالقين؛ لما أن العرب تسمّي كل صانع شيء خالقاً؛ فخرج الذكر لهم على ما يسمونهم، ليس على حقيقة الخلق لمن دونه؛ كقول عيسى حيث قال:
    { أَنِيغ¤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ظ±لطِّينِ }
    [آل عمران: 49]، أو أن يكون ذكر هذا القول من يقول: إن العالم أصله من أربع طبائع: من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة.

    أو أن يكون كقول بعض الفلاسفة: إن العالم أصله من أربع أو من خمس: من الماء، والأرض، والنار، وغيره.

    فأخبر أنه ليس كذا، ولكن هو خالقهم لا من الأشياء التي توهموا هم.

    وعلى قول من يقول: إنه يكون غيره خالقاً لكان الخالق غير دالّ على الخالق، وقد جعل الله الخلق سبباً لمعرفة الخالق، فلو كان غيره خالقاً، لكان الخلق غير دالّ على معرفة الخالق؛ لأنه قال:
    { خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ظ±لْخَلْقُ عَلَيْهِمْ }
    [الرعد: 16]: أخبر أنه لو كان سواه في ذلك تشابه الخلق عليهم، فإذا تشابه لم يكن سبباً لمعرفة، على ما أخبر في إثبات عدد الآلهة؛ كقوله:
    { وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـظ°هٍ بِمَا خَلَقَ }
    [المؤمنون: 91]، فإذا بطل هذا ولم يجز عدد الآلهة وإثبات الألوهية لغيره، فعلى ذلك في الخلق على الوجوه التي ذكرنا.

  10. #475
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الرازى

    ولما أجاب الله دعاءه قال: { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ ظ±صْنَعِ ظ±لْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } أي بحفظنا وكلئنا كأن معه من الله حافظاً يكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله، ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة، وهذه الآية دالة على فساد قول المشبهة في تمسكهم بقوله عليه السلام: " إن الله خلق آدم على صورته " لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك، واختلفوا في أنه عليه السلام كيف صنع الفلك فقيل إنه كان نجاراً وكان عالماً بكيفية اتخاذها، وقيل إن جبريل عليه السلام علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها، وهذا هو الأقرب لقوله { بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا }......

    ملحوظة

    قال الحافظ ابن خزيمة فى كتاب التوحيد

    قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدِ افْتُتِنَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ عَطَاءٍ عَالِمٌ مِمَّنْ لَمْ يَتَحَرَّ الْعِلْمَ ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ إِضَافَةَ الصُّورَةِ إِلَى الرَّحْمَنِ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ إِضَافَةِ صِفَاتِ الذَّاتِ ، فَغَلَطُوا فِي هَذَا غَلَطًا بَيِّنًا ، وَقَالُوا مَقَالَةً شَنِيعَةً مُضَاهِيَةً لِقَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ.

    وَالَّذِي عِنْدِي فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْخَبَرِ إِنْ صَحَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ مَوْصُولا : فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ عِلَلا ثَلاثًا , إِحْدَاهُنَّ : أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَدْ خَالَفَ الأَعْمَشَ فِي إِسْنَادِهِ ، فَأَرْسَلَ الثَّوْرِيُّ وَلَمْ يَقُلْ : عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالثَّانِيَةُ : أَنَّ الأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ ، لَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَالثَّالِثَةُ : أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ : أَيْضًا مُدَلِّسٌ ، لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءٍ ، سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، يَقُولُ : ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، قَالَ : قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ : لَوْ حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْكَ بِحَدِيثٍ لَمْ أُبَالِ أَنْ أَرْوِيَهُ عَنْكَ ، يُرِيدُ لَمْ أُبَالِ أَنْ أُدَلِّسَهُ.

    قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَمِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ ، لا يَكَادُ يَحْتَجُّ بِهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَهْلِ الأَثَرِ ، لا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْجِنْسِ ، فِيمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ لَوْ ثَبَتَ ، وَلا فِيمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ بِمَا قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى صِحَّتِهِ وَثُبُوتِهِ بِدَلائِلَ مِنْ نَظَرٍ ، وَتَشْبِيهٍ ، وَتَمْثِيلٍ بِغَيْرِهِ مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ الأَحْكَامِ وَالْفِقْهِ.

    فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ مُسْنَدًا ، بِأَنْ يَكُونَ الأَعْمَشُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَحَبِيبٌ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَصَحَّ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا رَوَاهُ الأَعْمَشُ فَمَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ عِنْدَنَا أَنَّ إِضَافَةَ الصُّورَةِ إِلَى الرَّحْمَنِ فِي هَذَا الْخَبَرِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ ، لأَنَّ الْخَلْقَ يُضَافُ إِلَى الرَّحْمَنِ ، إِذِ اللَّهُ خَلَقَهُ ، وَكَذَلِكَ الصُّورَةُ تُضَافُ إِلَى الرَّحْمَنِ ، لأَنَّ اللَّهَ صَوَّرَهَا ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ سورة لقمان آية 11 ، فَأَضَافَ اللَّهُ الْخَلْقَ إِلَى نَفْسِهِ ، إِذِ اللَّهُ تَوَلَّى خَلْقَهُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً سورة الأعراف آية 73 ، فَأَضَافَ اللَّهُ النَّاقَةَ إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ : تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ سورة الأعراف آية 73 وَقَالَ : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا سورة النساء آية 97 ؟ وَقَالَ : إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ سورة الأعراف آية 128 , فَأَضَافَ اللَّهُ الأَرْضَ إِلَى نَفْسِهِ ، إِذِ اللَّهُ تَوَلَّى خَلْقَهَا فَبَسَطَهَا ، وَقَالَ : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا سورة الروم آية 30 ، فَأَضَافَ اللَّهُ الْفِطْرَةَ إِلَى نَفْسِهِ إِذِ اللَّهُ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، فَمَا أَضَافَ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إِضَافَةُ الذَّاتِ ، وَالآخَرُ : إِضَافَةُ الْخَلْقِ.

    فَتَفَهَّمُوا هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ ، لا تَغَالَطُوا فَمَعْنَى الْخَبَرِ إِنْ صَحَّ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ مُسْنَدًا ، فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهَا الرَّحْمَنُ ، حِينَ صَوَّرَ آدَمَ ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلا : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ سورة الأعراف آية 11 وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ

    حديث مرفوع) أَنَّ أَبَا مُوسَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثنا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثنا الْمُغِيرَةُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا " .....

    قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَصُورَةُ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُلِقَ عَلَيْهَا ، لا عَلَى مَا تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَحَرَّ الْعِلْمَ ، فَظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ : عَلَى صُورَتِهِ ، صُورَةِ الرَّحْمَنِ ، صِفَةً مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ جَلَّ وَعَلا عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِالْمُوتَانِ وَالأَبْشَارِ ، قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ وَقَدَّسَ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ، فَقَالَ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ سورة الشورى آية 11 وَهُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ، لا كَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَلا مِنَ الْمُوتَانِ ، كَمَا شَبَّهَ الْجَهْمِيَّةُ مَعْبُودَهُمْ بِالْمُوتَانِ ، وَلا كَمَا شَبَّهَ الْغَالِيَةُ مِنَ الرَّوَافِضِ مَعْبُودَهُمْ بِبَنِي آدَمَ ، قَبَّحَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَقَائِلَهُمَا

    ملحوظة

    رحم الله ابن خزيمة

    وقال الرازى

    أما الطعن في صحة الحشر فهو قولهم: { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـظ°ماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم { هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ } ثم أكدوا الشبهة بقولهم: { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ظ±لدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر. فلذلك قالوا: { وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمَبْعُوثِينَ } ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه الطعن في نبوته، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد { ظ±فْتَرَىظ° عَلَى ظ±للَّهِ كَذِبًا } ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا: { وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ } لأن القوم كالتبع لهم، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أما الشبهة الأولى: فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية: فلأنهم استبعدوا الحشر، ولا يستبعد الحشر لوجهين: الأول: أنه سبحانه لما كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر والثاني: وهو أنه لولا الإعادة لكن تسليط القوى على الضعيف في الدنيا ظلماً. وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله:
    { إِنَّ ظ±لسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىظ° كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىظ° }.....

    أما قوله: { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـأخِرُونَ } فيحتمل في هذا الأجل أن يكون المراد آجال حياتها وتكليفها، ويحتمل آجال موتها وهلاكها، وإن كان الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة في الحياة والموت، لا يتقدم ولا يتأخر، منبهاً بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها، فلا توجد إلا على وفق العلم، ونظيره قوله تعالى:
    { إِنَّ أَجَلَ ظ±للَّهِ إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }
    [نوح:4] وههنا مسألتان: المسألة الأولى: قال أصحابنا: هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص. المسألة الثانية: قال الكعبي: المراد من قوله: { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ } أي لا يتقدمون الوقت المؤقت لعذابهم إن لم يؤمنوا ولا يتأخرون عنه، ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم، ولا ضرر على أحد في هلاكهم، وهو كقول نوح عليه السلام:
    { إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً }
    [نوح: 27]....

    أما قوله: { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىظ° ظ±لْكِتَـظ°بَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } فقال القاضي معناه أنه سبحانه خص موسى عليه السلام بالكتاب الذي هو التوراة لا لذلك التكذيب لكن لكي يهتدوا به فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا أن يهلكوا، واعترض صاحب «الكشاف» عليه فقال لا يجوز أن يرجع الضمير في لعلهم إلى فرعون وملائه لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملائه بدليل قوله تعالى:
    { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ظ±لْكِتَـظ°بَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ظ±لْقُرُونَ ظ±لأُولَىظ° }
    [القصص: 43] بل المعنى الصحيح: ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها ومواعظها فذكر موسى والمراد آل موسي كما يقال هاشم وثقيف والمراد قولهما.

  11. #476
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الرازى

    وأما مريم فقد جعلها الله تعالى آية لأنها حملته من غير ذكر. وقال الحسن تكلمت مريم في صغرها كما تكلم عيسى عليه السلام وهو قولها:
    { هُوَ مِنْ عِندِ ظ±للَّهِ إنَّ ظ±للَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ }
    [آل عمران: 37] ولم تلقم ثدياً قط، قال القاضي إن ثبت ذلك فهو معجزة لزكريا عليه السلام لأنها لم تكن نبية، قلنا القاضي إنما قال ذلك لأن عنده الإرهاص غير جائز وكرامات الأولياء غير جائزة وعندنا هما جائزان فلا حاجة إلى ما قال، والأقرب أنه جعلهما آية بنفس الولادة لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعاً في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجهان: أحدهما: أنه تعالى قال: { وَجَعَلْنَا ظ±بْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } لأن نفس الإعجاز طهر فيهما لا أنه ظهر على يدهما وهذا أولى من أن يحمل على الآيات التي ظهرت على يده نحو إحياء الموتى وذلك لأن الولادة فيه وفيها آية فيهما وكذلك أن نطقا في المهد وما عدا ذلك من الآيات ظهر على يده لا أنه آية فيه الثاني: أنه تعالى قال آية ولم يقل آيتين، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتم إلا بمجموعهما أولى وذلك هو أمر الولادة لا المعجزات التي كان عيسى عليه السلام مستقلاً بها....

    قوله: { وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } وفي الوسع قولان: أحدهما: أنه الطاقة عن المفضل والثاني: أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي واحتجوا عليه بأن الوسع إنما سمي وسعاً لأنه يتسع عليه فعله ولا يصعب ولا يضيق، فبين أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع جالساً فليوم إيماء لأنا لا نكلف نفساً إلا وسعها، واستدلت المعتزلة به في نفي تكليف ما لا يطاق وقد تقدم القول فيه....

    وأما قوله: { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } فنظيره قوله:
    { وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا }
    [الكهف: 49] فقالت المعتزلة الظلم إما أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب أو بأن يعذب على ما لم يعلم أو بأن يكلفهم ما لا يطيقون فتكون الآية دالة على كون العبد موجداً لفعله وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً ودالة على أنه سبحانه لا يكلف ما لا يطاق الجواب: أنه لما كلف أبا لهب أن يؤمن، والإيمان يقتضي تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أن أبا لهب لا يؤمن فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فيلزمكم كل ما ذكرتموه

  12. #477
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الالوسي

    لَنَـظ°كِبُونَ } أي لعادلون وقيل: المراد بالصراط جنسه أي أنهم عن جنس الصراط فضلاً عن الصراط المستقيم الذي تدعوهم إليه لناكبون، ورجح بأنه أدل على كمال ضلالهم وغاية غوايتهم لما أنه ينبىء عن كون ما ذهبوا إليه مما لا يطلق عليه اسم الصراط ولو كان معوجاً، وفيه أن التعليل بمضمون الصلة لا يساعد إلا على إرادة الصراط المستقيم، وأظن أنه قد نكب عن الصراط من زعم أن المراد به هنا الصراط الممدود على متن جهنم وهو طريق الجنة أي أنهم يوم القيامة عن طريق الجنة لمائلون يمنة ويسرة إلى النار.....

    { مَا ظ±تَّخَذَ ظ±للَّهُ مِن وَلَدٍ } لتنزهه عز وجل عن الاحتياج وتقدسه تعالى عن مماثلة أحد. { وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـظ°هٍ } يشاركه سبحانه في الألوهية { إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـظ°هٍ بِمَا خَلَقَ } أي لاستبد بالذي خلقه واستقل به تصرفاً وامتاز ملكه عن ملك الآخر { وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىظ° بَعْضٍ } ولوقع التحارب والتغالب بينهم كما هو الجاري فيما بين الملوك والتالي باطل لما يلزم من ذلك نفي ألوهية الجميع أو ألوهية ما عدا واحداً منهم وهو خلاف المفروض أو لما أنه يلزم أن لا يكون بيده تعالى وحده ملكوت كل شيء وهو باطل في نفسه لما برهن عليه في الكلام وعند الخصم لأنه يقول باختصاص ملكوت كل شيء به تعالى كما يدل عليه السؤال والجواب السابقان آنفاً كذا قيل، ولا يخفى أن اللزوم في الشرطية المفهومة من الآية عادي لا عقلي ولذا قيل: إن الآية إشارة إلى دليل إقناعي للتوحيد لا قطعي.

    وفي «الكشف»: قد لاح لنا من لطف الله تعالى وتأييده أن الآية برهان نير على توحيده سبحانه، وتقريره أن مرجح الممكنات الواجب الوجود تعالى شأنه جل عن كل كثرة أما كثرة المقومات أو الأجزاء الكمية فبينة الانتفاء لإيذانها بالإمكان، وأما التعدد مع الاتحاد في الماهية فكذلك للافتقار إلى المميز ولا يكون مقتضى الماهية لاتحادهما فيه فيلزم الإمكان، ثم المميزان في الطرفين صفتا كمال لأن الاتصاف بما لا كمال فيه نقص فهما ناقصان ممكنان مفتقران في الوجود إلى مكمل خارج هو الواجب بالحقيقة، وكذلك الافتقار في كمال ما للوجود يوجب الإمكان لإيجابه أن يكون فيه أمر بالفعل وأمر بالقوة واقتضائه التركيب والإمكان. ومن هنا قال العلماء: إن واجب الوجود بذاته واجب بجميع صفاته ليس له أمر منتظر ومع الاختلاف في الماهية يلزم أن لا يكون المرجح مرجحاً أي لا يكون الإلظ°ه إلظ°هاً لأن كل واحد واحد من الممكنات إن استقلا بترجيحه لزم توارد العلتين التامتين على معلول شخصي وهو ظاهر الاستحالة فكونه مرجحاً إلظ°هاً يوجب الافتقار إليه وكون غيره مستقلاً بالترجيح يوجب الاستغناء عنه فيكون مرجحاً غير مرجح في حالة واحدة، وإن تعاونا فكمثل إذ ليس ولا واحد منهما بمرجح وفرضاً مرجحين مع ما فيه من العجز عن الإيجاد والافتقار إلى الآخر، وإن اختص كل منهما ببعض مع أن الافتقار إليهما على السواء لزم اختصاص ذلك المرجح بمخصص يخصصه بذلك البعض بالضرورة وليس الذات لأن الافتقار إليهما على السواء فلا أولوية للترجيح من حيث الذات ولا معلول الذات لأنه يكون ممكناً والكلام فيه عائد فيلزم الحال من الوجهين الأولين أعني الافتقار إلى مميز غير الذات ومقتضاها ولزوم النقص لكل واحد لأن هذا المميز صفة كمال ثم مخصص كل بذلك التمييز هو الواجب الخارج لا هما، وإلى المحال الأول الإشارة بقوله تعالى: { إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـظ°هٍ بِمَا خَلَقَ } وهو لازم على تقدير التخالف في الماهية واختصاص كل ببعض، وخص هذا القسم لأن ما سواه أظهر استحالة، وإلى / الثاني الإشارة بقوله سبحانه: { وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىظ° بَعْضٍ } أي إما مطلقاً وإما من وجه فيكون العالي هو الإلظ°ه أو لا يكون ثم إلظ°ه أصلاً وهذا لازم على تقديري التخالف والاتحاد والاختصاص وغيره فهو تكميل للبرهان من وجه وبرهان ثان من آخر، فقد تبين ولا كفرق الفجر أنه تعالى هو الواحد الأحد جعل وجوده زائداً على الماهية أولاً فاعلاً بالاختيار أولا، وليس برهان الوحدة مبنياً على أنه تعالى فاعل بالاختيار كما ظنه الإمام الرازي قدس سره انتهى، وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق، وربما يورد عليه بعض مناقشات تندفع بالتأمل الصادق.


    وما أشرنا إليه من انفهام قضية شرطية من الآية ظاهر جداً على ما ذهب إليه الفراء فقد قال: إن { إذاً } حيث جاءت بعدها اللام فقبلها لو مقدرة إن لم تكن ظاهرة نحو { إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـظ°هٍ بِمَا خَلَقَ } فكأنه قيل: لو كان معه ءالهة كما تزعمون لذهب كل الخ. وقال أبو حيان: { إذاً } حرف جواب وجزاء ويقدر قسم يكون { لَذَهَبَ } جواباً له، والتقدير والله إذاً أي إن كان معه من إلظ°ه لذهب وهو في معنى ليذهبن كقوله تعالى:
    { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ }
    [الروم: 51] أي ليظلن لأن إذاً تقتضي الاستقبال وهو كما ترى. وقد يقال: إن { إِذاً } هذه ليست الكلمة المعهودة وإنما هي إذاً الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في يومئذ والأصل إذا كان معه من إلظ°ه لذهب الخ، والتعبير بإذاً من قبيل مجاراة الخصم، وقيل: { كُلُّ إِلَـظ°هٍ } لما أن النفي عام يفيد استغراق الجنس و { مَا } في { بِمَا خَلَقَ } موصولة حذف عائدها كما أشرنا إليه. وجوز أن تكون مصدرية ويحتاج إلى نوع تكلف لا يخفى. ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما لغاية ظهور فساده أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إلظ°ه بناء على ما قيل إن ابن الإلظ°ه يلزم أن يكون إلظ°هاً إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره وفيه بحث.

    وقال ابن عاشور

    فقوله { إذن لذهب كل إلظ°ه بما خلق } استدلال على امتناع أن يكون مع الله آلهة. وإنما لم يستدل على امتناع أن يتخذ الله ولداً لأن الاستدلال على ما بعده مغن عنه لأن ما بعده أعم منه وانتفاء الأعم يقتضي انتفاء الأخص فإنه لو كان لله ولد لكان الأولاد آلهة لأن ولد كل موجود إنما يتكون على مثل ماهية أصله كما دل عليه قوله تعالى
    { قل إن كان للرحمظ°ن ولد فأنا أول العابدين }
    الزخرف 81 أي له. والذهاب في قوله { لذهب كل إلظ°ه } مستعار للاستقلال بالمذهوب به وعدم مشاركة غيره له فيه.

    وبيان انتظام هذا الاستدلال أنه لو كان مع الله ءالهة لاقتضى ذلك أن يكون الآلهة سواء في صفات الإلهية وتلك الصفات كمالات تامة فكان كل إلظ°ه خالقاً لمخلوقات لثبوت الموجودات الحادثة وهي مخلوقة، فلا جائز أن تتوارد الآلهة على مخلوق واحد لأن ذلك إما لعجز عن الانفراد بخلق بعض المخلوقات وهذا لا ينافي الإلهية، وإما تحصيل للحاصل وهو محال، فتعين أن ينفرد كل إلظ°ه بطائفة من المخلوقات. ولنفرض أن تكون مخلوقات كل إلظ°ه مساوية لمخلوقات غيره بناء على أن الحكمة تقتضي مقداراً معيناً من المخلوقات يعلمها الإلظ°ه الخالق لها فتعين أن لا تكون للإلظ°ه الذي لم يخلق طائفة من المخلوقات ربوبيةٌ على ما لم يخلقه وهذا يفضي إلى نقص في كل من الآلهة وهو يستلزم المحال لأن الإلظ°هية تقتضي الكمال لا النقص. ولا جرم أن تلك المخلوقات ستكون بعد خلقها معرضة للزيادة والنقصان والقوة والضعف بحسب ما يحف بها عن عوارض الوجود التي لا تخلو عنها المخلوقات كما هو مشاهد في مخلوقات الله تعالى الواحد. ولا مناص عن ذلك لأن خالق المخلوقات أودع فيها خصائص ملازمة لها كما اقتضته حكمته، فتلك المخلوقات مظاهر لخصائصها لا محالة فلا جرم أن ذلك يقتضي تفوق مخلوقات بعض الآلهة على مخلوقات بعض آخر بعوارض من التصرفات والمقارنات لازمة لذلك، لا جرم يستلزم ذلك كله لازمين باطلين أولهما أن يكون كل إلظ°ه مختصاً بمخلوقاته فلا يتصرف فيها غيره من الآلهة ولا يتصرف هو في مخلوقات غيره، فيقتضي ذلك أن كل إلظ°ه من الآلهة عاجز عن التصرف في مخلوقات غيره. وهذا يستلزم المحال لأن العجز نقص والنقص ينافي حقيقة الإلهية. وهذا دليل برهاني على الوحدانية لأنه أدى إلى استحالة ضدها. فهذا معنى قوله تعالى { لذهب كل إلظ°ه بما خلق }. وثاني اللازمين أن تصير مخلوقات بعض الآلهة أوفر أو أقوى من مخلوقات إلظ°ه آخر بعوارض تقتضي ذلك من آثار الأعمال النفسانية وآثار الأقطار والحوادث كما هو المشاهد في اختلاف أحوال مخلوقات الله تعالى الواحد، فلا جرم أن ذلك يفضي إلى اعتزاز الإلظ°ه الذي تفوقت مخلوقاته على الإلظ°ه الذي تنحط مخلوقاته، وهذا يقتضي أن يصير بعض تلك الآلهة أقوى من بعض وهو مناف للمساواة في الإلهية. وهذا معنى قوله تعالى { ولعلا بعضهم على بعض }. وهذا الثاني بناء على المعتاد من لوازم الإلهية في أنظار المفكرين، وإلا فيجوز اتفاق الآلهة على أن لا يخلقوا مخلوقات قابلة للتفاوت بأن لا يخلقوا إلا حجارة أو حديداً مثلاً إلا أن هذا ينافي الواقع في المخلوقات. ويجوز اتفاق الآلهة أيضاً على أن لا يعتز بعضهم على بعض بسبب تفاوت ملكوت كل على ملكوت الآخر بناء على ما اتصفوا به من الحكمة المتماثلة التي تعصمهم عن صدور ما يؤدي إلى اختلال المجد الإلهي إلا أن هذا المعنى لا يخلو من المصانعة وهي مشعرة بضعف المقدرة.

    فبذلك كان الاستدلال الذي في هذه الآية برهانياً، وهو مثل الاستدلال الذي في قوله تعالى
    { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }
    الأنبياء 22 إلا أن هذا بني على بعض لزوم النقص في ذات الآلهة وهو ما لا يجوزه المردود عليهم، والآخر بني على لزوم اختلال أحوال المخلوقات السماوية والأرضية وهو ما تبطله المشاهدة. أما الدليل البرهاني الخالص على استحالة تعدد الآلهة بالذات فله مقدمات أخرى قد وفّى أيمة علم الكلام بسطها بما لارواج بعده لعقيدة الشرك. وقد أشار إلى طريقة منها المحقق عمر القزويني في هذا الموضع من «حاشيته» على «الكشاف» ولكنه انفرد بادعاء أنه مأخوذ من الآية وليس كما ادعى. وقد ساقه الشهاب الآلوسي فإن شئت فتأمله. ولما اقتضى هذا الدليل بطلان قولهم عقب الدليل بتنزيه الله تعالى عن أقوال المشركين بقوله تعالى { سبحان الله عما يصفون } وهو بمنزلة نتيجة الدليل. وما يصفونه به هو ما اختصوا بوصفهم الله به من الشركاء في الإلهية ومن تعذر البعث عليه ونحو ذلك وهو الذي جرى فيه غرض الكلام. وإنما أتبع الاستدلال على انتفاء الشريك بقوله { علام الغيب والشهادة } المراد به عموم العلم وإحاطته بكل شيء كما أفادته لام التعريف في { الغيب والشهادة } من الاستغراق الحقيقي، أي عالم كل مغيب وكل ظاهر، لدفع توهم أن يقال إن استقلال كل إلظ°ه بما خلق قد لا يفضي إلى علو بعض الآلهة على بعض، لجواز أن لا يعلم أحد من الآلهة بمقدار تفاوت ملكوته على ملكوت الآخر فلا يحصل علو بعضهم على بعض لاشتغال كل إله بملكوته. ووجه الدفع أن الإله إذا جاز أن يكون غير خالق لطائفة من المخلوقات التي خلقها غيره لئلا تتداخل القُدَر في مقدورات واحدة لا يجوز أن يكون غير عالم بما خلقه غيره لأن صفات العلم لا تتداخل، فإذا علم أحد الآلهة مقدار ملكوت شركائه فالعالم بأشدية ملكوته يعلو على من هو دونه في الملكوت. فظهر أن قوله { عالم الغيب والشهادة } من تمام الاستدال على انتفاء الشركاء، ولذلك فرع عنه بالفاء قوله { فتعالى عما يشركون

    وقال الالوسي

    وفي «الكشف» أن في قوله سبحانه: { عَـظ°لِمُ } الخ إشارة إلى برهان آخر راجع إلى إثبات العلو أو لزوم الجهل الذي هو نقص وضد العلو لأن المتعددين لا سبيل لهما إلى أن يعلم كل واحد حقيقة الآخر كعلم ذلك الآخر بنفسه بالضرورة وهو نوع جهل وقصور، ثم علمه به يكون انفعالياً تابعاً لوجود المعلوم فيكون في إحدى صفات الكمال ـ أعني العلم ـ مفتقراً وهو يؤذن بالنقصان والإمكان.

    وقال حبيبي الحافظ ابن كثير

    فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى { وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىظ° يَوْمِ يُبْعَثُونَ }. وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى { وَمِن وَرَآئِهِمْ } يعني أمامهم. وقال مجاهد البرزخ الحاجز ما بين الدنيا والآخرة. وقال محمد بن كعب البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم. وقال أبو صخر البرزخ المقابر، لا هم في الدنيا، ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون، وفي قوله تعالى { وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ } تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال تعالى
    { مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ }
    الجاثية 10 وقال تعالى
    { وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }
    إبراهيم 17. وقوله تعالى { إِلَىظ° يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي يستمر به العذاب إلى يوم البعث كما جاء في الحديث " فلا يزال معذباً فيها " أي في الأرض.

  13. #478
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    قال الرازى

    وطعن بعض الملحدة فقال قوله: { وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } وقوله:
    { وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً }
    [المعارج: 10] يناقض قوله:
    { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىظ° بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ }
    [الصافات: 27] وقوله:
    { يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ }
    [يونس: 45] الجواب: عنه من وجوه: أحدها: أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة ففيه أزمنة وأحوال مختلفة فيتعارفون ويتساءلون في بعضها، ويتحيرون في بعضها لشدة الفزع وثانيها: أنه إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا:
    { يظ°وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ظ±لرَّحْمـظ°نُ }
    [يس: 52] وثالثها: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب ورابعها: أن قوله: { لاَ يَتَسَاءَلُونَ } صفة للكفار وذلك لشدة خوفهم. أما قوله: { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىظ° بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها، واعلم أنه سبحانه قد بين أن بعد النفخ في الصور تكون المحاسبة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، وقيل لما بين سبحانه أنه ليس في الآخرة إلا ثقل الموازين وخفتها، وجب أن يكون كل مكلف لا بد وأن يكون من أهل الجنة وأهل الفلاح أو من أهل النار فيبطل بذلك القول بأن فيهم من لا يستحق الثواب والعقاب أو من يتساوى له الثواب والعقاب، ثم إنه سبحانه شرح حال السعداء بقوله: { فَمَن ثَقُلَتْ مَوظ°زِينُهُ فَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْمُفْلِحُونَ }...

    ثم إنه سبحانه لما شرح عذابهم، حكى ما يقال لهم عند ذلك تقريعاً وتوبيخاً، وهو قوله تعالى: { أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـظ°تِي تُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ } ثم إنكم كنتم تكذبون بها مع وضوحها، فلا جرم صرتم مستحقين لما أنتم فيه من العذاب الأليم. قالت المعتزلة: الآية تدل على أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب لسوء أفعالهم، ولو كان فعل العباد بخلق الله تعالى لما صح ذلك والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إن صدرت المعصية عنه لا لمرجح ألبتة كان صدورها عنه اتفاقياً لا اختيارياً، فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح، فذاك المرجح ليس من فعله وإلا لزم التسلسل، فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً، فوجب أن لا يستحق الثواب...

    قولهم: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: غلبت علينا ملكتنا من قولك غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك، والشقاوة سوء العاقبة، قرىء: شقوتنا وشقاوتنا بفتح الشين وكسرها فيهما، قال أبو مسلم: الشقوة من الشقاء كجرية الماء، والمصدر الجري، وقد يجيء لفظ فعله، والمراد به الهيئة والحال، فيقول جلسة حسنة وركبة وقعدة وذلك من الهيئة، وتقول عاش فلان عيشة طيبة ومات ميتة كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فعلى هذا المراد من الشقوة حال الشقاء. المسألة الثانية: قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب. وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم في سوء صنيعهم، قلنا إنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذات المحرمة، وطلب تلك اللذات حصل باختيارهم أو لا باختيارهم فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث، فإن استغنى عن المؤثر فلم لا يجوز في كل الحوادث ذلك، وحينئذ ينسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى محدث فمحدثه إما العبد أو الله تعالى؟ فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أن قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقف صدور تلك الإرادة عنها إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجح فقد جوزت رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وذلك يسد باب إثبات الصانع وثانيها: أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال ولا كيفيتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلا لبطلت دلالة الإحكام والإتقان على العلم والثاني: أن أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا تحصيل العلم، فالكافر ما قصد إلا تحصيل العلم، فإن كان الموجد لفعله هو فوجب أن لا يحصل إلا ما قصد إيقاعه، لكنه لم يقصد إلا العلم فكيف حصل الجهل؟ فثبت أن الموجد للدواعي والبواعث هو الله تعالى، ثم إن الداعية إن كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة الوجه الثاني: لهم في الجواب قولهم: { وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } وهذا الضلال الذي جعلوه كالعلة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس ذلك التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، ولما بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون ذلك الضلال عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم وما ذاك إلا خلق الداعي إلى الضلال...

    ثم إن القوم لما أوردوا هذين العذرين، قال لهم سبحانه: { ظ±خْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } وهذا هو صريح قولنا في أن المناظرة مع الله تعالى غير جائزة، بل لا يسأل عما يفعل...

    قال القاضي في قوله: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } دلالة على أنه لا عذر لهم إلا الاعتراف، فلو كان كفرهم من خلقه تعالى وبإرادته وعلموا ذلك لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر وإلى العذر أقرب، فنقول قد بينا أن الذي ذكروه ليس إلا ذلك ولكنهم مقرون أن لا عذر لهم فلا جرم،...

    وقال الالوسي

    شقاوتنا } بالألف وكسر الشين وهي في جميع ذلك مصدر ومعناها ضد السعادة، وفسرها جماعة بسوء العاقبة التي علم الله تعالى أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم ونسب ذلك لجمهور المعتزلة، وعن الأشاعرة أن المراد بها ما كتبه الله تعالى عليهم في الأزل من الكفر والمعاصي، وقال الجبائي: المراد بها الهوى وقضاء اللذات مجازاً من باب إطلاق المسبب على السبب، وأياً ما كان فنسبة الغلب إليها لاعتبار تشبيهها بمن يتحقق منه ذلك ففي الكلام استعارة مكنية تخييلية.

    ولعل الأولى أن يخرج الكلام مخرج التمثيل ومرادهم بذلك على جميع الأقوال في الشقوة الاعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم لأن منشأها على جميع الأقوال عند التحقيق ما هم عليه في أنفسهم فكأنهم قالوا: ربنا غلب علينا أمر منشؤه ذواتنا { وَكُنَّا } بسبب ذلك { قَوْماً ضَالّينَ } عن الحق مكذبين بما يتلى من الآيات فما تنسب إلى حيف في تعذيبنا، ولا يجوز أن يكون اعتذاراً بما علمه الله تعالى فيهم وكتبه عليهم من الكفر أي غلب علينا ما كتبته علينا من الشقاوة وكنا في علمك قوماً ضالين أو غلب علينا ما علمته وكتبته وكنا بسبب ذلك قوماً ضالين فما وقع منا من التكذيب بآياتك لا قدرة لنا على رفعه وإلا لزم انقلاب العلم جهلاً وهو محال لأن ذلك باطل في نفسه لا يصلح للاعتذار فإنه سبحانه ما كتب إلا ما علم وما علم إلا ما هم عليه في نفس الأمر من سوء الاستعداد المؤدي إلى سوء الاختيار فإن العلم على ما حقق في موضعه تابع للمعلوم، ويؤيد دعوى الاعتراف قوله تعالى حكاية عنهم.

  14. #479
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    سورة النور

    قال الرازى

    فإن قيل الإنزال إنما يكون من صعود إلى نزول، فهذا يدل على أنه تعالى في جهة، قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن جبريل عليه السلام كان يحفظها من اللوح المحفوظ ثم ينزلها عليه صلى الله عليه وسلم، فلهذا جاز أن يقال أنزلناها توسعاً وثانيها: أن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب في السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزلها بعد ذلك نجوماً على لسان جبريل عليه السلام وثالثها: معنى { أَنزَلْنَـظ°هَا } أي أعطيناها الرسول، كما يقول العبد إذا كلم سيده رفعت إليه حاجتي، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال قال الله تعالى:
    { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ظ±لْكَلِمُ ظ±لطَّيّبُ وَظ±لْعَمَلُ ظ±لصَّـظ°لِحُ يَرْفَعُهُ }
    [فاطر: 10].

    ملحوظة وسؤال

    كيف تلقي سيدنا جبريل القرآن ؟


    اريد اجابة بشاهد عدل من الكتاب او السنة؟

    ان قال الاشاعرة لم يسمع من الله كلامه الازلي الذى اثبته الامام الاشعرى فهذا مخالف لاصول الاشعرى بسماع الازلي مع نفي صوت وحرف

    وان قالوا سمع مالاصوت ولا حرف قلنا لاصوت ولاحرف وقد تلاه جبريل علي رسول الله فبماذا تلا !!!

    وان قالوا لم يسمعه من الله قلنا من اين سمعه !!!

    ملحوظة

    المناظرة عميقة وليست بالسطحية التى قد تبدو للبعض والمسألة من اعمق مسائل علم الكلام باعتراف اهل السنة الاشاعرة والاشاعرة انفسهم اختلفوا في عقيدة قدم المدلول وماالقديم وماالحادث؟

    وانا اشعرى سنى ولله الحمد من صغرى واهل السنة عندى الاشاعرة والماتريدية والحنابلة والثلاثة علي خير والفقير فى هذه المسألة تحديدا اميل للسادة الحنابلة واري مذهبهم اقرب المذاهب للسلف اقول الاقرب وليس الصحيح فالكل علي خير عندى

    قال الرازى

    فهذا ما أردنا ذكره من بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الآية. أما المباحث العقلية: فاعلم أن من الناس من قال: لا شك أن البدن مركب من أجزاء كثيرة، فإما أن يقوم بكل جزء حياة وعلم وقدرة على حدة أو يقوم بكل الأجزاء حياة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة، والثاني محال لاستحالة قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة فتعين الأول، وإذا كان كذلك كان كل جزء من أجزاء البدن حياً على حدة وعالماً على حدة وقادراً على حدة، وإذا ثبت هذا فنقول الزاني هو الفرج لا الظهر، فكيف يحسن من الحكيم أن يأمر بجلد الظهر، ولأنه ربما كان الإنسان حال إقدامه على الزنا عجيفاً نحيفاً ثم يسمن بعد ذلك فكيف يجوز إيلام تلك الأجزاء الزائدة مع أنها كانت بريئة عن فعل الزنا، فإن قال قائل هذا مدفوع من وجهين: الأول: وهو أنه ليس كل واحد من أجزاء البدن فاعلاً على حدة وحياً على حدة وذلك محال، بل الحياة والعلم والقدرة تقوم بالجزء الواحد ثم توجب حكم الحيية والعالمية والقادرية لمجموع الأجزاء، فيكون المجموع حياً واحداً عالماً واحداً قادراً واحداً، وعلى هذا التقدير يزول السؤال الثاني: أن يقال الذي هو الفاعل والمحرك والمدرك شيء ليس بجسم ولا جسماني. وإنما هو مدبر لهذا البدن، وعلى هذا التقدير أيضاً يزول السؤال والجواب: أما الأول فضعيف، وذلك لأن العلم إذا قام بجزء واحد، فإما أن يحصل بمجموع الأجزاء عالمية واحدة فيلزم قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وهو محال، أو يقوم بكل جزء عالمية على حدة فيعود المحذور المذكور، وأما الثاني ففي نهاية البعد لأنه إذا كان الفاعل للقبيح هو ذلك المباين فلم يضرب هذا الجسد؟ واعلم أن المقصود من أحكام الشرع رعاية المصالح، ونحن نعلم أن شرع الحد يفيد الزجر، فكان المقصود حاصلاً والله أعلم

    وقال الالوسي

    وقد أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن تقدم من السلف وعلماء الأمة وأئمة المسلمين على أن المحصن يرجم بالحجارة حتى يموت، وإنكار الخوارج ذلك باطل لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة رضي / الله تعالى عنهم فجعل مركب، وإن أنكروا وقوعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنكارهم حجية خبر الواحد فهو بعد بطلانه بالدليل ليس مما نحن فيه لأن ثبوت الرجم منه عليه الصلاة والسلام متواتر المعنى كشجاعة علي كرم الله تعالى وجهه وجود حاتم، والآحاد في تفاصيل صوره وخصوصياته وهم كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر معنى كالمتواتر لفظاً إلا أن انحرافهم عن الصحابة والمسلمين وترك التردد إلى علماء المسلمين والرواة أوقعهم في جهالات كثيرة لخفاء السمع عنهم والشهرة، ولذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز في القول بالرجم من كونه ليس في كتاب الله تعالى ألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزكوات فقالوا: ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فقال لهم: وهذا أيضاً كذلك، وقد كوشف بهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وكاشف بهم حيث قال كما روى البخاري: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى عز وجل فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله عز وجل ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، وروى أبو داود أنه رضي الله تعالى عنه خطب وقال:إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه كتاباً فكان فيما أنزل عليه آية الرجم يعني بها قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم فقرأناها ووعيناها إلى أن قال وإني خشيت أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد الرجم " الحديث بطرقه، وقال: لولا أن يقال: إن عمر زاد في الكتاب لكتبتها على حاشية المصحف الشريف.

    ومن الناس من ذهب إلى أن الناسخ الآية المنسوخة التي ذكرها عمر رضي الله تعالى عنه.

    وقال العلامة ابن الهمام: إن كون الناسخ السنة القطعية أولى من كون الناسخ ما ذكر من الآية لعدم القطع بثبوتها قرآناً، ثم نسخ تلاوتها وإن ذكرها عمر رضي الله تعالى عنه وسكت الناس فإن كون الإجماع السكوتي حجة مختلف فيه وبتقدير حجيته لا نقطع بأن جميع المجتهدين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا إذ ذاك حضوراً ثم لا شك في أن الطريق في ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه ظني ولهذا والله تعالى أعلم قال علي كرم الله تعالى وجهه حين جلد شراحة ثم رجمها: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلل الرجم بالقرآن المنسوخ التلاوة، ويعلم من قوله المذكور كرم الله تعالى وجهه أنه قائل بعدم نسخ عموم الآية فيكون رأيه أن الرجم حكم زائد في حق المحصن ثبت بالسنة وبذلك قال أهل الظاهر وهو رواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود من قوله صلى الله عليه وسلم: " الثيب بالثيب جلد مائة ورمي الحجارة " وفي رواية غيره " ورجم بالحجارة ....

  15. #480
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,715
    { وَظ±لَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِظ±للَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ظ±لصَّادِقِينَ } * { وَظ±لْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ظ±للَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ظ±لْكَاذِبِينَ } * { وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ظ±لْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِظ±للَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ظ±لْكَاذِبِينَ } * { وَظ±لْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ظ±للَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ظ±لصَّادِقِينَ } * { وَلَوْلاَ فَضْلُ ظ±للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ظ±للَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ }


    قال الرازى

    احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان قول الخوارج في أن الزنا والقذف كفر من وجهين: الأول: أن الرامي إن صدق فهي زانية، وإن كذب فهو قاذف فلا بد على قولهم من وقوع الكفر من أحدهما، وذلك يكون ردة فيجب على هذا أن تقع الفرقة ولا لعان أصلاً، وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق بذلك توارث ألبتة الثاني: أن الكفر إذا ثبت عليها بلعانه، فالواجب أن تقتل لا أن تجلد أو ترجم، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد في الزنا....

    المسألة الثالثة: قالت المعتزلة دلت الآية على أن القاذف مستحق للعن الله تعالى إذا كان كاذباً وأنه قد فسق، وكذلك الزاني والزانية يستحقان غضب الله تعالى وعقابه وإلا لم يحسن منهما أن يلعنا أنفسهما، كما لا يجوز أن يدعو أحد ربه أن يلعن الأطفال والمجانين، وإذا صح ذلك فقد استحق العقاب، والعقاب يكون دائماً كالثواب ولا يجتمعان فثوابهما أيضاً محبط، فلا يجوز إذا لم يتوبا أن يدخلا الجنة، لأن الأمة مجمعة على أن من دخل الجنة من المكلفين فهو مثاب على طاعاته وذلك يدل على خلود الفساق في النار، قال أصحابنا لا نسلم أن كونه مغضوباً عليه بفسقه ينافي كونه مرضياً عنه لجهة إيمانه، ثم لو سلمناه فلم نسلم أن الجنة لا يدخلها إلا مستحق الثواب والإجماع ممنوع.

    ملحوظة

    بمناسبة الغضب الالهى اجمع اهل السنة ان الله لاتحل به الحوادث ولكن هناك احاديث تشعر بذلك مثل

    فيَقولُ لَهمْ آدَمُ : إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضبًا لَمْ يَغضَبْ قَبلهُ مِثْلَهُ ، ولَنْ يَغضبَ بعدَهُ مِثلَهُ

    فماتفسير ذلك عند اهل السنة ؟؟؟

    تفكروا فى كلام المصطفى وتلذذوا فى فهم معانيه

    قال الرازى

    قال الجبائي قوله تعالى: { لِكُلّ ظ±مْرِىء مّنْهُمْ مَّا ظ±كْتَسَبَ مِنَ ظ±لإثْمِ } أي عقاب ما اكتسب، ولو كانوا لا يستحقون على ذلك عقاباً لما جاز أن يقول تعالى ذلك، وفيه دلالة على أن من لم يتب منهم صار إلى العذاب الدائم في الآخرة، لأن مع استحقاق العذاب لا يجوز استقاق الثواب والجواب: أن الكلام في المحابطة قد مر غير مرة فلا وجه للإعادة

    { وَلَوْلاغ¤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـظ°ذَا سُبْحَانَكَ هَـظ°ذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ }

    قال الالوسي

    وجوز أن يكون { سُبْحَـظ°نَكَ } هنا مستعملاً في حقيقته والمراد تنزيه الله تعالى شأنه من أن يصم نبيه عليه الصلاة والسلام ويشينه فإن فجور الزوجة وصمة في الزوج تنفر عنه القلوب وتمنع عن اتباعه النفوس ولذا صان الله تعالى أزواج الأنبياء عليهم السلام عن ذلك، وهذا بخلاف الكفر فإن كفر الزوجة ليس وصمة في الزوج، وقد ثبت كفر زوجتي نوح عليهما السلام كذا قيل، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما يتعلق به، وعلى هذا يكون { سُبْحَـظ°نَكَ } تقريراً لما قبله وتمهيداً لقوله سبحانه { هَـظ°ذَا بُهْتَـظ°نٌ } أي كذب يبهت ويحير سامعه لفظاعته { عظِيمٌ } لا يقدر قدره لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها كثيراً ما يكونان باعتبار متعلقاتها، والظاهر أن التوبيخ للسامعين الخائضين لا للسامعين مطلقاً، فقد روي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها قال: سبحانك هذا بهتان عظيم. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: كان رجلان من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئاً من ذلك قالا ما ذكر أسامة بن زيد بن حارثة وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: إن امرأة أبـي أيوب الأنصاري قالت له: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث به الناس؟ فقال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، ومنشأ هذا الجزم على ما قاله الإمام الرازي العلم بأن زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن تكون فاجرة، وعلل بأن ذلك ينفر عن الاتباع فيخل بحكمة البعثة كدناءة الآباء وعهر الأمهات، وقد نص العلامة الثاني على أن من شروط النبوة السلامة عن ذلك بل / عن كل ما ينفر عن الاتباع.

    واستشكل ذلك بأنه إذا كان ما ذكر شرطاً فكيف علمه من سمعت حتى قالوا ما قالوا وخفي الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال كما في «صحيح البخاري» وغيره: " يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبـي إليه " وجاء في بعض الروايات " يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله تعالى لك " وكذا خفي على صاحبه أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه رأسها فقالت: ألا عذرتني فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم؟

    وأجيب بأن ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوة كالأمانة والصدق بل هو من الشروط الشرعية والعادية كما قال اللقاني فيجوز أن يقال: إنه لم يكن معلوماً قبل وإنما علم بعد نزول آيات براءة عائشة رضي الله تعالى عنها، وعدم العلم بمثل ذلك لا يقدح في منصب النبوة، وأما دعوى علم من ذكر به فلا دليل عليها، وقولهم ذلك يجوز أن يكون ناشئاً عن حسن الظن لا عن علم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة، ويشهد لهذا نظراً إلى بعض القائلين والظاهر تساويهم ما أخرجه ابن إسحظ°ق وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبـي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله تعالى عنها؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة يا أم أيوب؟ قالت: لا والله فقال: فعائشة رضي الله تعالى عنها والله خير منك وأطيب إنما هذا كذب وإفك باطل، وروى قريباً منه الحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبـي أيوب، ولعله المعنى ببعض الأنصار في الخبر السابق، ولم يقل صلى الله عليه وسلم نحو ذلك لحسن الظن لشدة غيرته عليه الصلاة والسلام والغيور لا يكاد يعول في مثل ذلك على حسن الظن، ويمكن أن يكون قولهم ذلك ناشئاً عن العلم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة بأن يكونوا قد تفطنوا لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامة وقد يتفطن العالم لما لا يتفطن له من هو أعلم منه.

    وجوز أن يدعي أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بعدم جواز فجور نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما فيه من النفرة المخلة بحكمة البعثة لكن أراد عليه الصلاة والسلام أن يظهر أمر براءة الصديقة رضي الله تعالى عنها ظهور الشمس في رابعة النهار بحيث لا يبقى فيها خفاء عند أحد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، وما عراه من الهم إنما هو أمر طبيعي حصل بسبب خوض المنافقين ومن تبعهم وشيوع ما لا أصل له من الباطل بين الناس، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأن السلامة من المنفر من شروط النبوة لكن خشي من الله عز وجل الذي لا يجب عليه شيء أن لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعهم فيه من المنفر بأن لا يرتب سبحانه خلق النفرة في القلوب عليه ليمنع من الاتباع فتختل حكمة البعثة فداخله عليه الصلاة والسلام من الهم ما داخله وجعل يتتبع الأمر على أتم وجه وما ذلك إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم، ونظيره من وجه خوفه عليه الصلاة والسلام من قيام الساعة عند اشتداد الريح بحيث لا يستطيع أن ينام ما دام الأمر كذلك حتى تمطر السماء. وقيل: يجوز أن لا يعد فجور الزوجة منفراً إلا إذا أمسكت بعد العلم به فلم لا يجوز أن يقع فيجب طلاقها / وإذا طلقت لا يتحقق المنفر المخل بالحكمة.

    هذا ولا يخفى عليك ما في بعض الاحتمالات من البحث بل بعضها في غاية البعد عن ساحة القبول، ولعل الحق أنه عليه الصلاة والسلام قد أخفى عليه أمر الشرطية إلى أن اتضح أمر البراءة ونزلت الآيات فيها لحكمة الابتلاء وغيره مما الله تعالى أعلم به، وأن قول أولئك الأصحاب رضي الله تعالى عنهم: سبحانك هذا بهتان عظيم لم يكن ناشئاً إلا عن حسن الظن، ولم يتمسك به صلى الله عليه وسلم لأنه لا يحسم القال والقيل ولايرد به شيء من الأباطيل، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن. ونسب للشيعة قذف عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله تعالى منه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار وليس في كتبهم المعول عليها عندهم عين منه ولا أثر أصلاً، وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وليس له أيضاً في كتبهم عين ولا أثر.

    والظاهر أنه ليس في الفرق الإسلامية من يختلج في قلبه ذلك فضلاً عن الإفك الذي برأها الله عز وجل منه.

    ملحوظة

    قال القمى فى تفسيره

    أما قوله: { إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم } فإن العامة رووا أنها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عايشة‌ والمنافقات.

    حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال قال: حدثنا عبد الله (محمد خ ل) بن بكير عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله حزن عليه حزناً شديداً فقالت عايشة: ما الذي يحزنك عليه فما هو إلا ابن جريح، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله علياً وأمره بقتله فذهب علي عليه السلام إليه ومعه السيف وكان جريح القبطي في حائط وضرب علي عليه السلام باب البستان فأقبل إليه جريح ليفتح له الباب فلما رأى علياً عليه السلام عرف في وجهه الغضب فأدبر راجعاً ولم يفتح الباب فوثب علي عليه السلام على الحائط ونزل إلى البستان واتبعه وولى جريح مدبراً فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة وصعد علي عليه السلام في أثره فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته فإذا ليس له ما للرجال ولا ما للنساء فانصرف علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إذا بعثتني في الأمر أكون فيه كالمسمار المحمى في الوتر أم أثبت؟

    قال فقال: لا بل أثبت، فقال: والذي بعثك بالحق ما له ما للرجال ولا ما للنساء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله الحمد لله الذى يصرف عنا السوء أهل البيت.


    ملحوظة

    يقصد بالعامة اهل السنة والخاصة الشيعة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •