صفحة 28 من 30 الأولىالأولى ... 1824252627282930 الأخيرةالأخيرة
النتائج 406 إلى 420 من 439

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #406
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    قال الرازى

    وقوله: { عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } تطميع وتطميع الإنسان في الشيء الذي وعده في الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً سيصل منه حصل له بعد ذلك إلى الناس وما ذاك إلا شفاعته عند الله فدل هذا على أن لفظ الآية وهو قوله: { عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } يدل على هذا المعنى وأيضاً التنكير في قوله مقاماً محموداً يدل على أنه يحصل للنبي عليه السلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلم أن حمد الإنسان على سعيه في التخليص عن العقاب أعظم من حمده في السعي في زيادة من الثواب لا حاجة به إليها لأن احتياج الإنسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: { عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعاراً قوياً ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حل اللفظ عليه ومما يؤكد هذا الوجه الدعاء المشهور وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون واتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة....

    القول الرابع: قال الواحدي روى عن ابن مسعود أنه قال: «يقعد الله محمداً على العرش» وعن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي وهذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه. الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد. والثاني: أنه تعالى قال مقاماً محموداً ولم يقل مقعداً والمقام موضع القيام لا موضع القعود. والثالث: لو كان تعالى جالساً على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدوداً متناهياً ومن كان كذلك فهو محدث. والرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة. والخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلاناً فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين، والله أعلم ...

    وقال الالوسي

    وأبو عمر لم يطلع إلا على رواية ذلك عن مجاهد فقال: إن مجاهداً وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن حتى قيل: إذا جاءك التأويل عن مجاهد فحسبك إلا أن له قولين معجورين عند أهل العلم، أحدهما تأويل المقام المحمود بهذا الإجلاس، والثاني تأويل
    { إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }
    [القيامة: 23] بانتظار الثواب. وذكر النقاش عن أبـي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم فما زال أهل العلم يحدثون به، قال ابن عطية: أراد من أنكره على تأويله فهو متهم وقد يؤول قوله صلى الله عليه وسلم «يجلسني معه» على رفع محله وتشريفه على خلقه كقوله تعالى:
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ }
    [الأعراف: 206] وقوله سبحانه: حكاية
    { ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً }
    [التحريم: 11] وقوله تعالى:
    { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }
    [العنكبوت: 69] إلى غير ذلك مما هو كناية عن المكانة لا عن المكان.

    وأنت تعلم أنه لا ينبغي لمجاهد ولا لغيره أن يفسر المقام المحمود بالإجلاس على العرش حسبما سمعت من غير أن يثبت عنده ذلك الإجلاس في خبر كخبر الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: { عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ } الخ يجلسني معه على السرير " فإن تمسك المفسر بهذا أو نحوه لم يناظر إلا بالطعن في صحته وبعد إثبات الصحة لا مجال للمؤمن إلا التسليم، وما ذكره الواحدي لا يستلزم عدم الصحة فكم وكم من حديث نصوا على صحته ويلزم من ظاهره المحال كحديث أبـي سعيد الخدري المشتمل على رؤية المؤمنين الله عز وجل ثم إتيانه إياهم في أدنى صورة من التي رأوه فيها، وقوله تعالى لهم:
    { أَنَاْ رَبُّكُمُ }
    [المؤمنون: 52] وقولهم نعوذ بالله تعالى منك حتى يكشف لهم عن ساق فيسجدون ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة وهو في «الصحيحين»، وحديث لقيط بن عامر المشتمل على قوله صلى الله عليه وسلم:

    " تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة ـ لعمر إلٰهك ـ لا تدع على ظهرها شيئاً إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد " الحديث، وقد رواه أئمة السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد إلى ما لا يحصى من هذا القبيل، ومذاهب المحدثين وأهل الفكر من العلماء في الكلام على ذلك مما لا تخفى، ومتى أجريت هناك فلتجر هنا فالكل قريب من قريب. والصوفية يقولون: إن لله عز وجل الظهور فيما يشاء على ما يشاء وهو سبحانه في حال ظهوره باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق فإنه العزيز الحكيم ومتى ظهر جل وعلا في / صورة أجريت عليه سبحانه أحكامها من حيث الظهور فيوصف عز مجده عندهم بالجلوس ونحوه من تلك الحيثية وينحل بذلك أمور كثيرة إلا أنه مبني على ما دون إثباته خرط القتاد.

    ويرد على ما ذكره الواحدي في الوجه الثالث أن المقام وإن كان في الأصل بمعنى محل القيام إلا أنه شاع في مطلق المحل ويطلق على الرتبة والشرف، وعلى ما ذكره في الوجه الأول أنه ليس هناك إلا تفسير المقام المحمود بالإجلاس لا تفسير البعث بالإجلاس نعم فيه مسامحة، والمراد أن إحلاله في المحل المحمود هو إجلاسه على العرش، وهذا المعنى يتأتى بإبقاء البعث على معناه وتقدير فيقيمك بمعنى فيحلك وبتفسيره بالإقامة بمعنى الإحلال، وقد يقال: لا مسامحة والمراد من المقام الرتبة، والبعث متضمن معنى الإعطاء أي عسى يعطيك ربك رتبة محمودة وهي إجلاسه إياك على عرشه باعثاً، وما ذكره في الوجه الثاني حق لو أريد من الجلوس على العرش ظاهره إن أريد معنى آخر فلا نسلم اللازم وباب التأويل واسع، وقد أول الإجلاس معه على رفع المحل والتشريف وهو مقول بالتشكيك فمتى صح أن أهل الجنة كلهم يجلسون معه آمنا به مع إثبات المزية للرسول صلى الله عليه وسلم فاندفع ما ذكره في الوجه الرابع؛ ويرد على ما في الوجه الخامس أن الإجلاس معه لم يفهم من مجرد البعث وما ادعى أحد ذلك فكون بعث السلطان فلاناً يفهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه لا يضرنا كما لا يخفى على منصف.

    وبالجملة كل ما قيل أو يقال لا يصغى إليه إن صح التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن يبقى حينئذ أنه يلزم التعارض بين ظواهر الروايات، ومن هنا قال بعضهم: المراد بالمقام المحمود ما ينتظم كل مقام يتضمن كرامة له صلى الله عليه وسلم، والاقتصار في بعض الروايات على بعض لنكتة نحو ما مر، ووصفه بكونه محموداً إما باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم يحمد الله تعالى عليه أبلغ الحمد أو باعتبار أن كل من يشاهده يحمده ولم يشترط أن يكون الحمد في مقابلة النعمة ويدخل في هذا كل مقام له صلى الله عليه وسلم محمود في الجنة.

    وكذا يدخل فيه ما جوز مفتى الصوفية سيدي شهاب الدين السهروردي أن يكون المقام المحمود وهو إعطاؤه عليه الصلاة والسلام مرتبة من العلم لم تعط لغيره من الخلق أصلاً فإنه ذكر في «رسالة له في العقائد» أن علم عوام المؤمنين يكون يوم القيامة كعلم علمائهم في الدنيا ويكون علم العلماء إذ ذاك كعلم الأنبياء عليهم ويكون علم الأنبياء كعلم نبينا صلى الله عليه وسلم ويعطي نبينا عليه الصلاة والسلام من العلم ما لم يعط أحد من العالمين ولعله المقام المحمود ولم أر ذلك لغيره عليه الرحمة والله تعالى أعلم. ثم هذا الاختلاف في المقام المحمود هنا لم يقع فيه في دعاء الأذان بل ادعى العلامة ابن حجر الهيتمي أنه فيه مقام الشفاعة العظمى لفصل القضاء اتفاقاً فتأمل في هذا المقام والله تعالى ولي الإنعام والإفهام.

    وقال القرطبي

    إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهي الأمر إلى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجّل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به صلى الله عليه وسلم؛ ولأجل ذلك قال: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " قال النقاش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. ابن عطية: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء. وقال القاضي أبو الفضل عِياض: شفاعات نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة خمس شفاعات: العامة. والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب. الثالثة في قوم من موحِّدِي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومَن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبنيّ على التحسين والتقبيح. الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين.

    القول الثالث ـ ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يُجلس الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم معه على كرسيّه؛ وروت في ذلك حديثاً. وعَضَد الطبريّ جواز ذلك بشططٍ من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطُّف في المعنى، وفيه بُعْدٌ. ولا يُنْكَر مع ذلك أن يروَى، والعلم يتأوّله. وذكر النقاش عن أبي داود السِّجسْتَانيّ أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا مُتَّهَم، ما زال أهل العلم يتحدّثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله. قال أبو عمر: ومجاهد وإن كان أحد الأئمة يتأوّل القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا والثاني في تأويل قوله تعالى:
    { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌإِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }
    [القيامة: 22] قال: تنتظر الثواب؛ ليس من النظر.

    قلت: ذكر هذا في باب ٱبنُ شهاب في حديث التنزيل. وروي عن مجاهد أيضاً في هذه الآية قال: يُجلسه على العرش. وهذا تأويل غير مستحيل؛ لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلَّها والعرشَ قائماً بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها، بل إظهاراً لقدرته وحكمته، وليُعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشاً استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماساً، أو كان العرش له مكاناً.

    قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان؛ فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمد على العرش أو على الأرض؛ لأن استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كَيْفٍ. وليس إقعاده محمداً على العرش موجباً له صفة الربوبية أو مُخرجاً له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على خلقه. وأما قوله في الإخبار: «معه» فهو بمنزلة قوله:
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ }
    [الأعراف: 206]،
    { رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ }
    [التحريم: 11]،
    { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }
    [العنكبوت: 69] ونحو ذلك. كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحُظْوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان....

    وقال السيوطى فى دره

    وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر... فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحاً. فيأتون نوحاً فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقول: ائتوا موسى. فيأتون موسى عليه الصلاة والسلام فيقول: إني قتلت نفساً، ولكن ائتوا عيسى. فيأتون عيسى عليه السلام فيقول: إني عُبِدْتُ من دون الله، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم. فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد. فيفتحون لي ويقولون: مرحباً. فأخرّ ساجداً فيلهمني الله عز وجل من الثناء والحمد والمجد، فيقال: ارفع رأسك... سل تُعْطَ، واشفع تُشَفّعْ، وقل يسمع لقولك. فهو المقام المحمود الذي قال الله: { عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً } ".

  2. #407
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    قال الرازى

    وأقول: العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا؟ منهم من قال: إنها مختلفة بالماهية وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها، ومنهم من قال إنها متساوية في الماهية واختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها. والمختار عندي هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك، وذلك لأنه تعالى بين في الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد الخسارة والخزي ثم أتبعه بقوله: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىظ° شَاكِلَتِهِ } ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه. وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال.

    ملحوظة

    للامدى فى ابكار الافكار كلام طويل عن النفس يراجع

    وقال الالوسي

    وَإِذَا مَسَّهُ ظ±لشَّرُّ } من مرض أو فقر أو نازلة من النوازل { كَانَ يَؤُساً } شديد اليأس من رحمتنا لأنه لم يحسن معاملتنا في الرخاء حتى يرجو فضلنا في الشدة. وفي إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الأنعام إلى ضميره تعالى إيذان بأن الخير مراد بالذات والشر ليس كذلك لأن ذلك هو الذي يقتضيه الكرم المطلق والرحمة الواسعة وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك " وللفلاسفة ومن يحذو حذوهم في ذلك بحث طويل لا بأس بالاطلاع عليه ليؤخذ منه ما صفا ويترك منه ما كدر قالوا: إن الأول تعالى تام القدرة والحكمة والعلم كامل في جميع أفاعيله لا يتصور بخله بإفاضة الخيرات وليس الداعي له لذلك إلا علمه بوجوه الخير ومصالح الغير الذي هو عين ذاته كسائر صفاته وأما النقائص والشرور الواقعة في ضرب من الممكنات وعدم وصولها إلى كمالها المتصور في حقها فهي لقصور قابلياتها ونقص استعداداتها لا من بخل الحق تعالى مجده عن ذلك. / وقصور القابلية ينتهي في الآخرة إلى لوازم الماهيات الإمكانية ومنبعها الإمكان وتحقيق ذلك أن الشر يطلق عرفاً على معنيين: أحدهما ما هو عدم كالفقر والجهل البسيط وهذا على ضربين، الأول عدم محض ليس بإزاء الوجود الذي يطلبه طباع الشيء ولا مما يمكن حصوله له من الكمالات والخيرات كقصور الممكن عن الوجود الواجبـي والوجوب الذاتي وقصور بعض الممكنات عن بعض كقصور الأجسام عن النفوس فالخير الذي يقابل هذا منحصر في الواجب تعالى إذ له الكمال المطلق والوجود الحق بلا جهة إمكانية بوجه من الوجوه وما عداه من المهيآت المعروضة للوجود لا يخلو من شوب شرية ما وظلم ما على تفاوت إمكاناتهم حسب تفاوت طبقاتهم في البعد عن ينبوع الوجود ومطلع نور الخير والجود، وهذا الشر منبعه الإمكان الذاتي، والثاني ما يكون عدم ما يطلبه الشيء أو ما يمكن حصوله له من الكمالات ولا يتصور هذا في غير الماديات إذ الإبداعيات يكون وجودها على أكمل ما يتصور في حقها فلا يكون لها شرية بهذا المعنى وما عداها من المتعلقة بالمادة لا تخلو من شرية على تفاوت إمكاناتها الاستعدادية بحسب تفاوت مراتبها في التعلق بالهيولى وهذا الشر منبعه الهيولى ومنبعها الإمكان إذ لولاه ما صدرت من مصدرها فآل الشر إلى الإمكان كما سمعت أولاً......

    ملحوظة

    قول الرسول الشر ليس اليك ادبا مثل قول الخضر فاردت ان اعيبها فالخير والشر خلقه او يكون المعنى وليس الشر مما يتقرب به اليك

    وقال الالوسي

    وقال بعض المتأخرين من فلاسفة الإسلام المتصدين للجمع برأيهم بين الشريعة؛ والفلسفة: إن ذات الإنسان بحسب الفطرة الأصلية لا تقتضي إلا الطاعة واقتضاؤها للمعصية بحسب العوارض الغريبة الجارية مجرى المرض والخروج عن الحالة الطبيعية فيكون ميلها للمعصية مثل ميل منحرف المزاج الأصلي إلى أكل الطين، وقد ثبت في الحكمة أن الطبيعة بسبب عارض غريب تحدث في جسم المريض مزاجاً خاصاً يسمى مرضاً فالمرض من الطبيعة بتوسط العارض الغريب كما أن الصحة منها، وفي الحديث القدسي:

    إني خلقت عبادي كلهم حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم " ، وفي الأثر " كل مولود يولد على فطرة الإسلام ثم أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " أي بواسطة الشياطين أو المراد بهم ما يعم شياطين الإنس والجن أو الشياطين كناية عن العوارض الغريبة فالخلق لو لم يحصل لهم مس من الشيطان ماعصوا ولبقوا على / فطرتهم لكن مسهم الشيطان ففسدت عليهم فطرتهم الأصلية فاقتضوا أشياء منافية لهم مضادة لجوهرهم البهي الإلظ°هي من الهيئات الظلمانية ونسوا أنفسهم وما جبلوا عليه
    ولولا المزعجات من الليالي لما ترك القطا طيب المنام
    ولذا احتاجوا إلى رسل يبلغونهم آيات الله تعالى ويسنون لهم ما يذكرهم عهد ذواتهم من نحو الصلاة والصيام والزكاة وصلة الأرحام ليعودوا إلى فطرتهم الأصلية ومقتضى ذاتهم البهية ويعتدل مزاجهم ويتقوم اعوجاجهم، ولذا قيل: الأنبياء أطباء وهم أعرف بالداء والدواء، ثم إن ذلك المرض الذي عرض لذواتهم والحالة المنافية التي قامت بهم لولا أن وجدوا من ذواتهم قبولاً لعروضهما لهم ورخصة في لحوقهما بهم لم يكونا يعرضان ولا يلحقان فإذا كان مما تقتضيه ذواتهم أن تلحقهم أمور منافية مضادة لجواهرهم فإذا لحقتهم تلك الأمور اجتمعت فيها جهتان الملاءمة والمنافاة أما كونها ملائمة فلكون ذواتهم اقتضتها، وأما كونها منافية فلأنها اقتضتها على أن تكون منافية لهم فلو لم تكن منافية لم يكن ما فرض مقتضى لها بل أمراً آخر، وانظر إلى طبيعة التي تقتضي يبوسة حافظة لأي شكل كان حتى صارت ممسكة للشكل القسري المنافي لكرويتها الطبيعية ومنعت عن العود إليها فعروض ذلك الشكل للأرضية لكونها مقسورة من وجه ومطبوعة من وجه فالإنسان عند عروض مثل هذا المنافي ملتذ متألم سعيد شقي ملتذ ولكن لذته ألمه سعيد ولكن سعادته شقاوته وهذا لعمرك أمر عجيب لكنه أوضح بنمط غريب، ومن تأمل وأنصف ظهر له أن لا ملخص لكثير من الشبهات في هذا الفصل إلا بالذهاب إلى القول بالاستعداد الأزلي وأن لكل شيء حالة في نفسه مع قطع النظر عن سائر الاعتبارات لا يفاض عليه إلا هي لئلا يلزم انقلاب العلم جهلاً وهو من أعظم المستحيلات والإثابة والتعذيب تابعان لذلك فسبحان الحكيم المالك فتثبت فكم قد زلت في هذا المقام أقدام أعلام كالأعلام نسأل الله تعالى أن ينور أفهامنا ويثبت أقدامنا ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  3. #408
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }

    قال الالوسي

    وظاهر كلام بعضهم أن الوقوف على كنه الروح غير ممكن فلا فرق عنده بين الجوابين. وفرق الخفاجي بأن بيان كنه الروح ممكن بخلاف كنه الذات الأقدس. وفي «الكشف» أن سبيل معرفة الروح إزالة الغشاء عن أبصار القلوب باجتلاء كحل الجواهر من كلام علام الغيوب فهو عند المكتحلين أجلى جلي وعند المشتغلين أخفى خفي. ويشكل على هذا ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن عبد الله بن بريدة قال: لقد قبض النبـي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح، ولعل عبد الله هذا يزعم أنها يمتنع العلم بها وإلا فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى علم كل شيء يمكن العلم به كما يدل عليه ما أخرجه الإمام أحمد. والترمذي وقال: حديث صحيح وسئل البخاري عنه فقال: حديث حسن صحيح عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: " إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربـي عز وجل في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري رب فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري وتجلى لي كل شيء وعرفت " الحديث و (رأيت) يعلم في الخبر السابق في بعض الكتب مضبوطاً بالبناء للمفعول والروح مضبوطاً بالرفع والاشكال على ذلك أوهن إلا أنه خلاف الظاهر. ويفهم من كلام بعض متأخري الصوفية أنه يمتنع الوقوف على حقيقة الروح بل ذكر هذا البعض أن حقيقة جميع الأشياء لا يوقف عليها وهو مبني على ما لا يخفى عليك ورده أو قبوله مفوض إليك. ثم إن لي في هذا الوجه وقفة فإن الظاهر أن إطلاق عالم الأمر على الكائن من غير تحصل من مادة وتولد من أصل وإطلاق عالم الخلق على خلافه محض اصطلاح لا يعرف للعرب ولا يعرفونه، وفي الاستدلال عليه بقوله تعالى:


    { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ }
    [الأعراف: 54] ما لا يخفى على منصف.

    هذا وذكر الإمام ((أن السؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة وليس في قوله تعالى: { وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ } ما يدل على وجه منها إلا أن الجواب المذكور لا يليق إلا بوجهين منها الأول كونه سؤالاً عن الماهية؛ والثاني كونه سؤالاً عن القدم والحدوث، وحاصل الجواب على الأول أنها جوهر بسيط مجرد محدث بأمر الله تعالى وتكوينه وتأثيره إفادة الحياة للجسد ولا يلزم من عدم العلم / بحقيقته المخصوصة [نفيه] فإن أكثر حقائق الأشياء [و] ماهياتها مجهولة ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها ويشير إليه { وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } ومبنى هذا أيضاً الفرق بين عالم الأمر وعالم الخلق وقد سمعت ما فيه، وحاصل الجواب على الثاني أنه حادث حصل بفعل الله تعالى وتكوينه وإيجاده، وجعل قوله تعالى: { وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } احتجاجاً على الحدوث بمعنى أن الأرواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم يحصل فيها ذلك فلا تزال في تغير من حال إلى حال وهو من أمارات الحدوث)) وأنت تعلم أن حمل السؤال على ما ذكر وجعل الجواب إخباراً بالحدوث مع عدم ملاءمته لحال السائلين لا يساعده التعرض لبيان قلة علمهم فإن ما سألوا عنه مما يفي به علمهم حينئذٍ وقد أخبر عنه وجعل ذلك احتجاجاً على الحدوث من أعجب الحوادث كما لا يخفى على ذي روح والله تعالى أعلم.

    وهٰهنا أبحاث لا بأس بإيرادها: البحث الأول: في شرح مذاهب الناس في حقيقة الإنسان، وظاهر كلام الإمام أن الاختلاف في حقيقته عين الاختلاف في حقيقة الروح، وفي القلب من ذلك ما فيه فذهب جمهور المتكلمين إلى أنه عبارة عن هذه البنية المحسوسة والهيكل المجسم المحسوس وهو الذي يشير إليه الإنسان بقوله أنا، وأبطل ذلك الإمام بسبع عشرة حجة نقلية وعقلية لكن للبحث في بعضها مجال، منها ما تقدم من أن أجزاء البنية متغيرة زيادة ونقصاناً وذبولاً ونمواً والعلم الضروري قاض بأن الإنسان من حيث هو أمر باق من أول العمر إلى آخره وغير الباقي غير الباقي، ومنها أن الإنسان قد يعتريه ما يشغله عن الالتفات إلى أجزاء بنيته كلاً وبعضاً ولا يغفل عن نفسه المعينة بدليل أنه يقول مع ذلك الشاغل فعلت وتركت مثلاً وغير المعلوم غير المعلوم. ومنها أنه قد توجد البنية المخصوصة وحقيقة الإنسان غير حاصلة فإن جبريل عليه السلام كثيراً ما رؤي في صورة دحية الكلبـي وإبليس عليه اللعنة رؤي في صورة شيخ نجدي وقد تنتفي البنية مع بقاء حقيقة الإنسان فإن الممسوخ مثلاً قرداً باقية حقيقته مع انتفاء البنية المخصوصة وإلا لم يتحقق مسخ بل إماتة لذلك الإنسان وخلق قرد، ومنها أنه جاء في الخبر أن الميت إذا حمل على النعش رفرف روحه فوق النعش ويقول: يا أهلي، ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بـي جمعت المال من حله ومن غير حله ثم تركته لغيري فالهناء له والتبعة عليَّ فاحذروا مثل ما حل بـي فصرح صلى الله عليه وسلم بأن هناك شيئاً ينادي غير المحمول كان الأهل أهلاً له وكان الجامع للمال من الحلال والحرام وليس ذلك إلا الإنسان إلى غير ذلك مما ذكره في «تفسيره».

    وقيل إن الإنسان هو الروح الذي في القلب، وقيل: إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، وقيل: إنه أجزاء نارية مختلطة بالأرواح القلبية والدماغية وهي المسماة بالحرارة الغريزية، وقيل: هو الدم الحال في البدن، وقيل وقيل إلى نحو ألف قول والمعول عليه عند المحققين قولان:

    الأول أن الإنسان عبارة عن جسم نوراني علوي حي متحرك مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس سار فيه سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون والنار في الفحم لا يقبل التحلل والتبدل والتفرق والتمزق مفيد للجسم المحسوس الحياة وتوابعها ما دام صالحاً لقبول الفيض لعدم حدوث ما يمنع من السريان كالأخلاط الغليظة ومتى حدث ذلك حصل الموت لانقطاع السريان والروح عبارة عن ذلك الجسم واستحسن هذا الإمام فقال هو مذهب قوي وقول شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الإلٰهية من أحوال الحياة والموت، وقال ابن القيم في كتابه «الروح»: إنه الصواب ولا يصح غيره وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة وذكر له مائة دليل وخمسة أدلة فليراجع.

    / الثاني أنه ليس بجسم ولا جسماني وهو الروح وليس بداخل العالم ولا خارجه ولا متصل به، ولا منفصل عنه ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف وهو قول أكثر الإلٰهيين من الفلاسفة. وذهب إليه جماعة عظيمة من المسلمين منهم الشيخ أبو القاسم الراغب الأصفهاني وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي ومن المعتزلة معمر بن عباد السلمي ومن الشيعة الشيخ المفيد ومن الكرامية جماعة ومن أهل المكاشفة والرياضة أكثرهم وقد قدمنا لك الأدلة على ذلك، ومن أراد الإحاطة بذلك فليرجع إلى كتب الشيخين أبـي علي وشهاب الدين المقتول وإلى كتب الإمام الرازي كـ «المباحث المشرقية» وغيره، وللشيخ الرئيس رسالة مفردة في ذلك سماها بـ «الحجج الغر» أحكمها وأتقنها ما يبتني على تعقل النفس لذاتها وابن القيم زيف حججه في «كتابه» وهو كتاب مفيد جداً يهب للروح روحاً ويورث للصدر شرحاً، واستدل الإمام على ذلك في «تفسيره» بالآية المذكورة فقال: إن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخر فإذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا حتى صار روحاً مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة فلما لم يقل ذلك وقال: هو من أمر ربـي بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له كن فيكون دل ذلك على أنه جوهر ليس من جنس الأجسام بل هو جوهر قدسي مجرد، ولا يخفى أن ذلك من الإقناعيات الخطابية وهي كثيرة في هذا الباب، منها قوله تعالى:

    { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى }
    [الحجر: 29] وقوله سبحانه:
    { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ }
    [النساء: 171] فإن هذه الإضافة مما تنبه على شرف الجوهر الإنسي وكونه عرياً عن الملابس الحسية، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: " أنا النذير العريان " ففيه إلى تجرد الروح عن علائق الأَجرام، وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن " وفي رواية «على صورته»، وقوله عليه الصلاة والسلام: " أبيت عند ربـي يطعمني ويسقيني " ففي ذلك إيذان بشرف الروح وقربه من ربه قرباً بالذات والصفات مجرداً عن علائق الأَجرام وعوائق الأجسام إلى غير ذلك مما لا يحصى وهو على هذا المنوال وللبحث فيه مجال أي مجال. وكان ثابت بن قرة يقول: إن الروح متعلق بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون والفساد والتفرق والتمزق وتلك الأجسام سارية في البدن وهي ما دامت سارية كان الروح مدبراً للبدن وإذا انفصلت عنه انقطع التعلق، وهو قول ملفق وأنا لا أستبعده.

    البحث الثاني في اختلاف الناس في حدوث الروح وقدمه: أجمع المسلمون على أنه حادث حدوثاً زمانياً كسائر أجزاء العالم إلا أنهم اختلفوا في أنه هل هو حادث قبل البدن أم بعده؟ فذهب طائفة إلى الحدوث قبل منهم محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم الظاهري وحكاه إجماعاً وقد افترى، واستدل لذلك بما في «الصحيحين» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " قال ابن الجوزي في «تبصرته»: قال أبو سليمان الخطابـي معنى هذا الحديث الإخبار عن كون الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وزعم ابن حزم أنها في برزخ وهو منقطع العناصر فإذا استعد جسد لشيء منها هبط إليه وأنها تعود إلى ذلك البرزخ بعد الوفاة ولا دليل لهذا من كتاب أو سنة.

    وبعضهم استدل على ذلك بخبر «خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بألفي عام»، وتعقبه ابن القيم بأنه لا يصح إسناده، وذهب آخرون منهم حجة الإسلام الغزالي إلى الحدوث بعد، ومن أدلة ذلك كما قال ابن القيم / الحديث الصحيح " إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً دماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح " ووجه الاستدلال أن الروح لو كان مخلوقاً قبل لقيل، ثم يرسل إليه الملك بالروح فيدخله فيه، وصرح في «روضة المحبين و نزهة المشتاقين» باختيار هذا القول فقال إن القول بأن الأرواح خلقت قبل الأجساد قول فاسد وخطأ صريح، والقول الصحيح الذي دل عليه الشرع والعقل أنها مخلوقة مع الأجساد وأن الملك ينفخ الروح أي يحدثه بالنفخ في الجسد إذا مضى على النطفة أربعة أشهر ودخلت في الخامس، ومن قال إنها مخلوقة قبل فقد غلط، وأقبح منه قول من قال إنها قديمة انتهى، وفيه تأمل، ويوافق مذهب الحدوث قوله تعالى:
    { ثم أنشأناه خلقاً آخر }
    [المؤمنون: 14] فليفهم.

    وذهب أفلاطون ومن تقدمه من الفلاسفة إلى قدم الروح وذهب المعلم الأول إلى حدوثها مع حدوث البدن المستعد له كما ذهب إليه بعض الإسلاميين، وقد تقدم الكلام في استدلال كل جرحاً وتعديلاً. ويقال هنا: إن المعلم الأول قائل كغيره من الفلاسفة بتجرد الروح المسماة بالنفس الناطقة عندهم عن المادة فكيف يسعه القول بحدوثها مع قولهم كل حادث زماني يحتاج إلى مادة؟ وأجيب بأن المادة هٰهنا أعم من المحل والمتعلق به والبدن مادة للنفس بهذا المعنى، وأنت تعلم أن استعداد الشيء للشيء لا يكون إلا فيما إذا كان ذلك مقترناً به لا مبايناً عنه فالأولى أن يقال: إن البدن الإنساني لما استدعى لمزاجه الخاص صورة مدبرة له متصرفة فيه أي أمراً موصوفاً بهذه الصفة من حيث هو كذلك وجب على مقتضى جود الواهب الفياض وجود أمر يكون مبدأ للتدابير الإنسية والأفاعيل البشرية ومثل هذا الأمر لا يمكن إلا أن يكون ذاتاً مدركة للكليات مجردة في ذاتها فلا محالة قد فاض عليه حقيقة النفس لا من حيث إن البدن استدعاها بل من حيث عدم انفكاكها عما استدعاه فالبدن استدعى باستعداده الخاص أمراً مادياً وجود المبدأ الفياض أفاد جوهراً قدسياً وكما أن الشيء الواحد قد يكون على ما قرروه جوهراً وعرضاً باعتبارين كذلك يكون أمر واحد مجرداً ومادياً باعتبارين فالنفس الإنسانية مجردة ذاتاً مادية فعلاً فهي من حيث الفعل من التدبير والتحريك مسبوقة باستعداد البدن مقترنة به وأما من حيث الذات والحقيقة فمنشأ وجودها وجود المبدأ الواهب لا غير فلا يسبقها من تلك الحيثية استعداد البدن ولا يلزمها الاقتران في وجودها به ولا يلحقها شيء من مثالب الماديات إلا بالعرض.

    ويمكن تأويل ما نقل عن أفلاطون في باب قدم النفس إلى هذا بوجه لطيف كذا قاله بعض صدور المتأخرين فتأمله.

    البحث الثالث: اختلف الناس في الروح والنفس هل هما شيء واحد أم شيئان؟ فحكى ابن زيد عن أكثر العلماء أنهما شيء واحد فقد صح في الأخبار إطلاق كل منهما على الآخر وما أخرجه البزار بسند صحيح عن أبـي هريرة رفعه " إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين يود لو خرجت نفسه والله تعالى يحب لقاءه وأن المؤمن تصعد روحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفه من أهل الدنيا " الحديث ظاهر في ذلك. وقال ابن حبيب: هما شيئان فالروح هو النفس المتردد في الإنسان والنفس أمر غير ذلك لها يدان ورجلان ورأس وعينان وهي التي تلتذ وتتألم وتفرح وتحزن وإنها هي التي تتوفى في المنام وتخرج وتسرح وترى الرؤيا ويبقى الجسد دونها بالروح فقط لا يلتذ ولا يفرح حتى تعود، واحتج بقوله تعالى:
    { ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ }
    [الزمر: 42] الآية. وحكى ابن منده عن بعضهم أن النفس طينية نارية والروح نورية روحانية، وعن آخر أن / النفس ناسوتية والروح لاهوتية، وذكر أن أهل الأثر على المغايرة وأن قوام النفس بالروح والنفس صورة العبد والهوى والشهوة والبلاء معجون فيها ولا عدو أعدى لابن آدم من نفسه لا تريد إلا الدنيا ولا تحب إلا إياها، والروح تدعو إلى الآخرة وتؤثرها. وظاهر كلام بعض محققي الصوفية القول بالمغايرة ففي «منتهى المدارك» للمحقق الفرغاني أن النفس المضافة إلى الإنسان عبارة عن بخار ضبابـي منبعث من باطن القلب الصنوبري حامل لقوة الحياة متجنس بأثر الروح الروحانية المرادة بقوله تعالى:
    { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى }
    [الحجر: 29] الثابت تعينها في عالم الأرواح وأثرها واصل إلى هذا البخار الحامل للحياة فالنفس إذن أمر مجتمع من البخار ووصف الحياة وأثر الروح الروحانية وهذه النفس بحكم تجنسها بأثر الروح الروحانية متعينة لتدبير البدن الإنساني قابلة لمعالي الأمور وسفاسفها كما قال سبحانه وتعالى:
    { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }
    [الشمس: 8] والروح الروحانية أمر لا يكتنه والحق أنهما قد يتحدان إطلاقاً وقد يتغايران، وابن القيم اعتمد ما عليه الأكثرون من الاتحاد ذاتاً، وذكر غير واحد أنه هو الذي عليه الصوفية بيد أنهم قالوا: إن النفس هي الأصل في الإنسان فإذا صقلت بالرياضة وأنواع الذكر والفكر صارت روحاً ثم قد تترقى إلى أن تصير سراً من أسرار الله تعالى.

    وتفصيل الكلام حينئذٍ في هذا المقام أن للنفس مراتب تترقى فيها، الأولى: تهذيب الظاهر باستعمال النواميس الإلٰهية من القيام والصيام وغيرهما، الثانية: تهذيب الباطن عن الملكات الردية والأخلاق الدنية، الثالثة: تحلي النفس بالصور القدسية، الرابعة: فناؤها عن ذاتها وملاحظتها جلال رب العالمين جل جلاله، ويقال في كيفية الترقي في هذه المراتب أن الإنسان أول ما يولد فهو كباقي الحيوانات لا يعرف إلا الأكل والشرب ثم بالتدريج يظهر له باقي صفات النفس من الشهوة والغضب والحرص والحسد وغير ذلك من الهيآت التي هي نتائج الاحتجاب والبعد من معدن الجود والصفات الكمالية ثم إذا تيقظ من سنة الغفلة وقام من نوم الجهل وبان له أن وراء هذه اللذات البهيمية لذات أخر وفوق هذه المراتب مراتب أخر كمالية يتوب عن اشتغاله بالمنهيات الشرعية وينيب إلى الله تعالى بالتوجه إليه فيشرع في ترك الفضول الدنيوية طلباً للكمالات الأخروية ويعزم عزماً تاماً ويتوجه إلى السلوك إلى ملك الملوك من مقام نفسه فيهاجر منه ويقع في الغربة ويا طوبـى للغرباء وإن قيل: إنما الغربة للأحرار ذبح ثم إذا دخل في الطريق يزهد عن كل ما يعوقه عن مقصوده ويصده عن معبوده فيتصف بالورع والتقوى والزهد الحقيقي ثم يحاسب نفسه دائماً في أقواله وأفعاله ويتهمها في كل ما تأمر به وإن كان عبادة فإنها مجبولة على حب الشهوات ومطبوعة على الدسائس الخفيات فلا ينبغي أن يأمنها ويكون على ثقة منها.

    يحكى عن بعض الأكابر أن نفسه لم تزل تأمره بالجهاد وتحثه عليه فاستغرب ذلك ثم فطن أنها تريد أن تستريح من نصب القيام والصيام بالموت فلم يجبها إلى ذلك فإذا خلص منها وصفا وقته وطاب عيشه بما يجده في طريق المحبوب يتنور باطنه ويظهر له لوامع أنوار الغيب وينفتح له باب الملكوت وتلوح منه لوائح مرة بعد أخرى فيشاهد أموراً غيبية في صور مثالية فإذا ذاق شيئاً منها يرغب في العزلة والخلوة والذكر والمواظبة على الطهارة والعبادة والمراقبة والمحاسبة ويعرض عن الملاذ الحسية كلها ويفرغ القلب عن محبتها فيتوجه باطنه إلى الحق تعالى بالكلية فيظهر له الوجد والسكر والشوق والعشق والهيمان ويجعله فانياً عن نفسه غافلاً عنها فيشاهد الحقائق السرية والأنوار الغيبية فيتحقق بالمشاهدة والمعاينة والمكاشفة ويظهر له أنوار / حقيقية تارة وتختفي أخرى حتى يتمكن ويتخلص من التلوين وينزل عليه السكينة الروحية والطمأنينة الإلٰهية ويصير ورود هذه البوارق والأحوال له ملكة فيدخل في عوالم الجبروت ويشاهد العقول المجردة والأنوار القاهرة من الملائكة المقربين والمهيمين ويتحقق بأنوارهم فيظهر له أنوار سلطان الأحدية وسواطع العظمة والكبرياء الإلٰهية فتجعله هباءاً منثوراً ويندك حينئذٍ جبال إنيته فيخر لله تعالى خروراً ويتلاشى في التعين الذاتي ويضمحل وجوده في الوجود الإلٰهي وهذا مقام الفناء والمحو وهو غاية السفر الأول للسالكين فإن بقي في الفناء والمحو ولم يجيء إلى البقاء والصحو صار مستغرقاً في عين الجمع محجوباً بالحق عن الخلق لا يزيغ بصره عن مشاهدة جماله عز شأنه وأنوار ذاته وجلاله فاضمحلت الكثرة في شهوده واحتجب التفصيل عن وجوده وذلك هو الفوز العظيم، وفوق ذلك مرتبة يرجع فيها إلى الصحو بعد المحو وينظر إلى التفصيل في عين الجمع ويسع صدره الحق والخلق فيشاهد الحق في كل شيء ويرى كل شيء بالحق على وجه لا يوجب التكثر والتجسم وهو طور وراء طور العقل، ووقع في عبارة بعضهم أنه قد يصير العارف متخلقاً بأخلاق الله تعالى بالحقيقة لا بمعنى صيرورة صفاته تعالى عرضاً قائماً بالنفس فإن هذا مما لا يتصور أبداً، والقول به خروج عن الشريعة والطريقة والحقيقة بل بمعنى علاقة أخرى أتم من علاقتها مع الصفات الكونية البدنية وغيرها لا تعلم حقيقتها، ولعل مرادهم بالمرتبة التي تترقى إليها النفس فتكون سراً من أسرار الله تعالى هي هذه المرتبة والاطلاع عليها يحتاج إلى سلوك طريقة الأبرار ولا يتم بمجرد الأنظار والأفكار والله تعالى الموفق للسلوك والمتفضل بالغنى على الصعلوك.

  4. #409
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    نستكمل مع الالوسي

    البحث الرابع: اختلف الناس في الروح هل تموت أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أنها تموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت وقد دل الكتاب على أنه لا يبقى إلا الله تعالى وحده وهو يستدعي هلاك الأرواح كغيرها من المخلوقات وإذا كانت الملائكة عليهم السلام يموتون فالأرواح البشرية أولى، وأيضاً أخبر سبحانه عن أهل النار أنهم يقولون
    { أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ }
    [غافر: 11] ولا تحقق الإماتتان إلا بإماتة البدن مرة وإماتة الروح أخرى. وقالت طائفة: إنها لا تموت للأحاديث الدالة على نعيمها وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله تعالى إلى الجسد، وإن قلنا بموتها لزم انقطاع النعيم والعذاب، والصواب أن يقال: موت الروح هو مفارقتها الجسد فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها تعدم وتضمحل فهي لا تموت بل تبقى مفارقة تعالى ثم تعود إلى الجسد وتبقى معه في نعيم أو عذاب أبد الآبدين ودهر الداهرين وهي مستثناة ممن يصعق عند النفخ في الصور على أن الصعق لا يلزم منه الموت والهلاك ليس مختصاً بالعدم بل يتحقق بخروج الشيء عن حد الانتفاع به ونحو ذلك، وما ذكر في تفسير الإماتتين غير مسلم، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه.

    وإلى أنها لا تموت بموت البدن ذهبت الفلاسفة أيضاً، واحتج الشيخ عليه بأن قال: قد ثبت أن النفس يجب حدوثها عند حدوث البدن فلا يخلو إما أن يكونا معاً في الوجود أو لأحدهما تقدم على الآخر فإن كانا معاً فلا يخلو إما أن يكونا معاً في الماهية أولا في الماهية والأول باطل وإلا لكانت النفس والبدن متضايفين لكنهما جوهران هذا خلف وإن كانت المعية في الوجود فقط من غير أن يكون لأحدهما حاجة في ذلك الوجود إلى الآخر فعدم كل واحد منهما يوجب عدم تلك المعية أما ما لا يوجب عدم الآخر وأما إن كان لأحدهما حاجة في الوجود إلى الآخر فلا يخلو إما أن يكون المقدم هو النفس أو البدن فإن كان المقدم في الوجود هو النفس فذلك التقدم إما أن يكون زمانياً أو ذاتياً والأول باطل لما ثبت أن / النفس ليست موجودة قبل البدن، وأما الثاني فباطل أيضاً لأن كل موجود يكون وجوده معلول شيء كان عدمه معلول عدم ذلك الشيء إذ لو انعدم ذلك المعلول مع بقاء العلة لم تكن تلك العلة كافية في إيجابها فلا تكون العلة علة بل جزء من العلة هذا خلف فإذاً لو كان البدن معلولاً لامتنع عدم البدن إلا لعدم النفس، والتالي بطلان البدن قد ينعدم لأسباب أخر مثل سوء المزاج أو سوء التركيب أو تفرق الاتصال فبطل أن تكون النفس علة للبدن، وباطل أيضاً أن يكون البدن علة للنفس لأن العلل كما عرف أربع ومحال أن يكون البدن علة فاعلية للنفس فإنه لا يخلو إما أن يكون علة فاعلية لوجود النفس بمجرد جسميته أو لأمر زائد على جسميته والأول باطل وإلا لكان كل جسم كذلك، والثاني باطل أما أولاً فلما ثبت أن الصور المادية إنما تفعل بواسطة الوضع وكل ما لا يفعل إلا بواسطة الوضع استحال أن يفعل أفعالاً مجردة عن الحيز والوضع، وأما ثانياً فلأن الصور المادية أضعف من المجرد القائم بنفسه والأضعف لا يكون سبباً للأقوى ومحال أن يكون البدن علة قابلية لما ثبت أن النفس مجردة مستغنية عن المادة، ومحال أن يكون علة صورية للنفس أو تمامية فإن الأمر أولى أن يكون بالعكس فإذاً ليس بين البدن والنفس علاقة واجبة الثبوت أصلاً فلا يكون عدم أحدهما علة لعدم الآخر.

    فإن قيل: ألستم جعلتم البدن علة لحدوث النفس؟ فنقول: قد بين أن الفاعل إذا كان منزهاً عن التغير ثم صدر عنه الفعل بعد أن كان غير صادر فلا بد وأن يكون لأجل أن شرط الحدوث قد حصل في ذلك الوقت دون ما قبله ثم إن ذلك الشرط لما كان شرطاً للحدوث فقط وكان غنياً في وجوده عن ذلك الشيء استحال أن يكون عدم ذلك الشرط مؤثراً في عدم ذلك الشيء، ثم لما اتفق أن كان ذلك الشرط مستعداً لأن يكون آلة للنفس في تحصيل الكمالات والنفس لذاتها مشتاقة إلى الكمال لا جرم حصل للنفس شوق طبيعي إلى التصرف في ذلك البدن والتدبير فيه على الوجه الأصلح ومثل ذلك لا يمكن أن يكون عدمه علة لعدم ذلك الحادث بل ذهب الفلاسفة إلى استحالة انعدام النفس وبرهنوا على ذلك بما برهنوا وعندنا لا استحالة في ذلك.

    البحث الخامس في تمايز الأرواح بعد مفارقتها الأبدان: نص ابن القيم على أن كل روح تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها وأن تمايز الأرواح أعظم من تمايز الأبدان إلا أنه زعم أنه لا يمكن التمايز بينها على القول بأنها جوهر مجرد عن المادة وفيه نظر فإن القائلين بذلك قائلون بالتمايز أيضاً باعتبار ما يحصل لها من التعلق بالبدن أو بنحو آخر من التمايز. وذكر الشيخ إبراهيم الكوراني في بعض «رسائله» أن الأرواح بعد مفارقتها أبدانها المخصوصة تتعلق بأبدان أخر مثالية حسبما يليق بها وإلى ذلك الإشارة بالطير الخضر في حديث الشهداء ففي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، وأخرج سعيد بن منصور عن مكحول عن النبـي صلى الله عليه وسلم " أن ذراري المؤمنين أرواحهم في عصافير في شجر في الجنة " أي أنها تكون في أبدان على تلك الصور، ويؤيد ذلك رواية ابن ماجه عن ابن مسعود أرواح الشهداء عند الله تعالى كطير خضر، وفي لفظ عن كعب أرواح الشهداء طير خضر، ولفظ ابن عمر في صورة طير بيض، وفي رواية علي بن عثمان اللاحقي عن مكحول أن ذراري المؤمنين أرواحهم عصافير في الجنة، وعلى هذا يكون إنكار قوم من المتكلمين خبر في أجواف طير وكذا خبر في عصافير لما في ذلك من تعلق روحين في بدن واحد وقد قالوا باستحالته ناشئاً من عدم التأمل والتثبت لأنه على ما قررنا لا يكون للطائر روح غير روح الشهيد على أنه لو بقي الخبر على ظاهره لم يلزم محال لجواز أن تكون الروح في جوف الطير على نحو كون الجنين في بطن أمه فتدبر.

    / البحث السادس في مستقر الأرواح بعد مفارقة الأبدان: الذي دلت عليه الأخبار أن مستقر الأرواح بعد المفارقة مختلف فمستقر أرواح الأنبياء عليهم السلام في أعلى عليين وصح أن آخر كلمة تكلم بها صلى الله عليه وسلم اللهم الرفيق الأعلى وهو يؤيد ما ذكر، ومستقر أرواح الشهداء في الجنة ترد من أنهارها وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل معلقة بالعرش، وروي في أرواح أطفال المؤمنين ما هو قريب من ذلك، وروي ابن المبارك عن كعب قال: جنة المأوى جنة فيها طير خضر ترعى فيها أرواح الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياًَ، ولعل هذا كما قال ابن رجب في عوام الشهداء وما تقدم في خواصهم أو لعل هذا في شهداء الآخرة كالغريق والمبطون إلى غير ذلك، وأما مستقر أرواح سائر المؤمنين فقيل في الجنة أيضاً وهو نص الإمام الشافعي، وقد أخرج الإمام مالك عن كعب بن مالك مرفوعاً «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى في جسده حين يبعثه، ورواه الإمام أحمد في «مسنده» وخرجه النسائي من طريق مالك وخرجه ابن ماجه ورواه خلق كثير، وروى ابن منده من حديث أم بشر مرفوعاً ما هو نص في أن مستقر أرواح المؤمنين نحو مستقر أرواح الشهداء، وقال وهب بن منبه: إن لله تعالى في السماء السابعة داراً يقال لها البيضاء يجتمع فيها أرواح المؤمنين ومستقر أرواح الكفار في سجين، وفي حديث أم بشر أن أرواح الكفار في حواصل طير سود تأكل من النار وتشرب من النار وتأوي إلى حجر في النار يقولون ربنا لا تلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا، وقيل: مستقر أرواح الموتى أفنية قبورهم، وحكى هذا ابن حزم عن عامة أهل الحديث، واستدل له بعضهم بحديث ابن عمر عن النبـي صلى الله عليه وسلم:

    " إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى " وبأنه صلى الله عليه وسلم حين زار الموتى قال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " ورجح ابن عبد البر أن مستقر أرواح ما عدا الشهداء بأفنية القبور، وفيه أنه إن أريد أن الأرواح لا تفارق الأفنية فهو خطأ يرده نصوص الكتاب والسنة وإن أريد أنها تكون هناك وقتاً من الأوقات كما روي عن مجاهد الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت أولها إشراق على قبورها وهي في مقرها فهو حق لكن لا يقال مستقرها أفنية القبور، وعول بعض المحققين على أن الأرواح حيث كانت لها اتصال لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى وبذلك ترد السلام وتعرف المسلم ويعرض عليها مقعدها من الجنة أو النار، وقال بعضهم: لا مانع من انتقالها من مستقرها وعودها إليه في أسرع وقت حيث يشاء الله تعالى ذلك. نعم جاء في حديث البراء بن عازب ما يدل على أن أرواح المؤمنين تستقر في الأرض ولا تعود إلى السماء بعد عرضها حيث قال فيه في صفة قبض روح المؤمن فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين ويقول الرب تعالى شأنه: ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، وفي لفظ ردوا روح عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أن أردهم فيها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
    { مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ }
    [طه: 55] الآية لكن قال الحافظ ابن رجب: إن حديث البراء وحده لا يعارض الأحاديث الكثيرة المصرحة بأن الأرواح في الجنة لا سيما الشهداء، وقوله تعالى:
    { مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ }
    [طه: 55] الخ باعتبار الأبدان، وقالت طائفة: مستقر الأرواح مطلقاً في السماء الدنيا عن يمين آدم عليه السلام وعن شماله ويدل عليه ما في «الصحيحين» عن أبـي ذر من حديث المعراج ففيه

    " لما فتح علونا السماء الدنيا / فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحباً بالنبـي الصالح والإبن الصالح قلت لجبريل من هذا قال آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه وأهل اليمين هم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار " ويجاب بأن المراد أنه عليه السلام يرى هذين الصنفين من جهة يمينه وجهة شماله وهو يجامع كون أرواح كل فريق في مستقرها من الجنة والنار فقد رأى النبـي صلى الله عليه وسلم الجنة والنار في صلاة الكسوف وهو في الأرض والجنة ليست فيها ورآهما وهو في السماء والنار ليست فيها، وفي حديث لأبـي هريرة في الإسراء ما يؤيد ما قلنا.

    والنسفي في «بحر الكلام» جعل الأرواح على أربعة أقسام أرواح الأنبياء عليهم السلام تخرج من جسدها ويصير مثل صورتها مثل المسك والكافور وتكون في الجنة تأكل وتشرب وتتنعم وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأرواح الشهداء تخرج من جسدها وتكون في أجواف طير خضر في الجنة تأكل وتتنعم وتأوي إلى قناديل كأرواح الأنبياء عليهم السلام، وأرواح المطيعين من المؤمنين بربض الجنة لا تأكل ولا تتمتع ولكن تنظر إلى الجنة، وأرواح العصاة منهم تكون بين السماء والأرض في الهواء، وأما أرواح الكفار ففي سجين في جوف طير سود تحت الأرض السابعة وهي متصلة بأجسادها فتعذب الأرواح وتتألم من ذلك الأجساد اهـ. وما ذكره في أرواح المطيعين مخالف لما صح من أنها تتمتع في الجنة. وفي «الإفصاح» أن المنعم من الأرواح على جهات مختلفة منها ما هو طائر في شجر الجنة ومنها ما هو في حواصل طير خضر ومنها ما يأوي إلى قناديل تحت العرش ومنها ما هو في حواصل طير بيض ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص صور من صور الجنة ومنها ما هو في صورة تخلق من ثواب أعمالهم ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها وتزورها ومنها ما تتلقى أرواح المقبوضين وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل عليه السلام ومنها ما هو في كفالة آدم عليه السلام ومنها ما هو في كفالة إبراهيم عليه السلام اهـ، قال القرطبـي: وهذا قول حسن يجمع الأخبار حتى لا تتدافع واترضاه الجلال السيوطي. وأخرج ابن أبـي الدنيا عن مالك قال: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت وهو إن صح ليس على إطلاقه. وقيل في مستقر الأرواح غير ذلك حتى زعم بعضهم أن مستقرها العدم المحض وهو مبني على أنها من الأعراض وهي الحياة وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد يرده الكتاب والسنة والإجماع والعقل السليم.

    ويعجبني في هذا الفصل ما ذكره الإمام العارف ابن بَرَّجان في «شرح أسماء الله تعالى الحسنى» حيث قال: والنفس مبراة من باطن ما خلق منه الجسم وهي روح الجسم وأوجد تبارك وتعالى الروح من باطن ما برأ منه النفس وهو للنفس بمنزلة النفس للجسم والنفس حجابه والروح يوصف بالحياة بإحياء الله تعالى شأنه له وموته خمود إلا تعالى يوم خمود الأرواح والجسم يوصف بالموت حتى يحيى بالروح وموته مفارقة الروح إياه وإذا فارق هذا العبد الروحاني الجسم صعد به فإن كان مؤمناً فتحت له أبواب السماء حتى يصعد إلى ربه عز وجل فيؤمر بالسجود فيسجد ثم يجعل حقيقته النفسانية تعمر السفل من قبره إلى حيث شاء الله تعالى من الجو وحقيقته الروحانية تعمر العلو من السماء الدنيا إلى السابعة في سرور ونعيم ولذلك لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام قائماً في قبره يصلي وإبراهيم عليه السلام تحت الشجرة قبل صعوده إلى السماء الدنيا ولقيهما في السمٰوات العلى فتلك أرواحهما وهذه نفوسهما وأجسادهما في قبورهما، وإن كان شقياً لم يفتح له فرمى من علو إلى الأرض اهـ، وفيه القول / بالمغايرة بين الروح والنفس، وبهذا التحقيق تندفع معارضات كثيرة واعتراضات وفيرة، ويعلم أن حديث " ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام " ليس نصاً في أن الروح على القبر إذ يفهم منه أن الذي في القبر حقيقته النفسانية المتصلة بالروح اتصالاً لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. وللروح مع ذلك أحوالاً وأطواراً لا يعلمها إلا الله تعالى فقد تكون مستغرقة بمشاهدة جمال الله تعالى وجلاله سبحانه ونحو ذلك وقد تصحو عن ذلك الاستغراق وهو المراد برد الروح في خبر " ما من أحد يسلم عليَّ إلاّ رد الله تعالى روحي فأرد عليه السلام "

    والذي ينبغي أن يعول عليه مع ما ذكر أن الأرواح وإن اختلف مستقرها بمعنى محلها الذي أعطيته بفضل الله تعالى جزاء عملها لكن لها جولاناً في ملك الله تعالى حيث شاء جل جلاله ولا يكون إلا بعد الإذن وهي متفاوتة في ذلك حسب تفاوتها في القرب والزلفى من الله تعالى حتى أن بعض الأرواح الطاهرة لتظهر فيراها من شاء الله تعالى من الأحياء يقظة وأن أرواح الموتى تتلاقى وتتزاور وتتذاكر وقد تتلاقى أرواح الأموات والأحياء مناماً ولا ينكر ذلك إلا من يجعل الرؤيا خيالات لا أصل لها وذلك لا يلتفت إليه لكن لا ينبغي أن يبني على ذلك حكم شرعي لاحتمال عدم الصحة وإن قامت قرينة عليها، وما صح من أن ثابت بن قيس بن شماس خرج مع خالد بن الوليد إلى حرب مسيلمة فاستشهد رضي الله تعالى عنه وكان عليه درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينا رجل من الجند نائم إذ أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس مر بـي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد كفى على الدرع برمة وفوق البرمة رحل فات خالداً فمره أن يبعث إليَّ درعي فيأخذها وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: إن عليَّ من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق فأتى الرجل خالداً فأخبره فبعث إليَّ الدرع وأتى بها وحدث أبا بكر رضي الله تعالى عنه برؤياه فأجاز وصيته، وقد ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره مجاب عنه بأن ذلك كان بإجازة الوارث وهي بنته لغلبة ظن صدق الرؤيا بما قام من القرينة ولو لم تجز لم يسغ لأبـي بكر رضي الله تعالى عنه ذلك بمجرد الرؤيا، وقيل: إن أبا بكر لم ير الرد ففعل ذلك من حصة بيت المال، ومثل هذه القصة قصة مصعب بن جثامة وعوف بن مالك وقد ذكرها ابن القيم في كتاب «الروح» وهي أغرب مما ذكر بكثير، وربما يؤذن لأرواح بعض الناس في زيارة أهليهم كما ورد في بعض الآثار وبعض الأرواح تحبس في قبرها أو حيث شاء الله تعالى عن مقامها كروح من يموت وعليه دين استدانه في محرم لا مطلقاً كما هو المشهور، وتحقيقه في «شرح الشمائل» للعلامة ابن حجر.

    ثم اعلم أن اتصال الروح بالبدن لا يختص بجزء دون جزء بل هي متصلة مشرقة على سائر أجزائه وإن تفرقت وكان جزء بالمشرق وجزء بالمغرب، ولعل هذا الإشراق على الأجزاء الأصلية لأنها التي يقوم بها الإنسان من قبره يوم القيامة على ما اختاره جمع، واعلم أيضاً أن الروح على القول بتجردها لا مستقر لها بل لا يقال إنها داخل العالم أو خارجه كما سمعت وإنما المستقر حينئذ للبدن الذي تتعلق به، وقد نص بعض الصوفية على أنه لا مانع من أن تتعلق نفس ببدنين فأكثر بل هو واقع عندهم، وذكر بعضهم أن أحد البدنين هو البدن الأصلي والآخر مثالي يظهر للعيان على وجه خرق العادة، وقال آخر: إن الآخر من باب تطور الروح وظهورها بصورة على نحو ظهور جبريل عليه السلام بصورة دحية الكلبـي وظهور القرآن لحافظه بصورة الرجل الشاحب / يوم القيامة. والفلاسفة قالوا لا يجوز أن تتعلق نفس واحدة بأبدان كثيرة لأنه يلزم أن يكون معلوم أحدها معلوم الآخر ومجهول أحدها مجهول الآخر ومعلوم أن الأمر ليس كذلك، ولا يخفى أن هذا الدليل يدل على أن كل إنسانين يعلم أحدهما ما لا يعلم الآخر فإن نفسهما متغايرتان فلم لا يجوز وجود إنسانين يتعلق ببدنهما نفس واحدة ويكون كل ما علمه أحدهما علمه الآخر لا محالة وما يجهله أحدهما يكون مجهولاً للآخر لا بد لعدم الجواز من دليل، وعلى ما ذكره هؤلاء الصوفية يجوز أن تتعلق الروح ببدن في الجنة وببدن آخر حيث شاء الله تعالى بل يجوز أن تظهر في صور شتى في أماكن متعددة على حد ما قالوه في جبريل عليه السلام انه في حال ظهوره في صورة دحية أو أعرابـي غيره بين يدي النبـي صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة المنتهى، وأنت تعلم ما يقولون في تجلي الله تعالى في الصور وسمعت خبر

    " إن الله تعالى خلق آدم على صورته " ومن هنا قالوا: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» فافهم الإشارة ولعمري هي عبارة.

    ثم إن أرواح سائر الحيوانات من البهائم ونحوها قيل: تكون بعد المفارقة في الهواء ولا اتصال لها بالأبدان، وقيل: تعدم ولا يعجز الله تعالى شيء، ومن الناس من قال: إن كان للحيوانات حشر يوم القيامة كما هو المشهور الذي تقتضيه ظواهر الآيات والأخبار فالأولى أن يقال ببقاء أرواحها في الهواء أو حيث شاء الله تعالى وإن لم يكن لها حشر كما ذهب إليه الغزالي وأول الظواهر فالأولى أن يقال بانعدامها. هذا وبقيت أبحاث كثيرة تركناها لضيق القفص واتساع دائرة الغصص، ولعل فيما ذكرناه هنا مع ما ذكرناه فيما قبل كفاية لأهل البداية وهداية لمن ساعدته العناية والله عز وجل ولي الكرم والجود، ومنه سبحانه بدء كل شيء وإليه جل وعلا يعود.

  5. #410
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    وقال الرازى

    .... فهذه الوجوه الخمسة أمارات قوية في أن النفس ليست بجسم، وفي المسألة الأولى كثير من دلائل المتقدمين ذكرناها في كتبنا الحكمية فلا فائدة في الإعادة. المسألة السادسة: في إثبات أن النفس ليست بجسم من الدلائل السمعية. الحجة الأولى: قوله تعالى:
    { وَلاَ تَكُونُواْ كَظ±لَّذِينَ نَسُواْ ظ±للَّهَ فَأَنسَـظ°هُمْ أَنفُسَهُمْ }
    [الحشر: 19] ومعلوم أن أحداً من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شيء آخر غير هذا البدن. الحجة الثانية: قوله تعالى:
    { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ }
    [الأنعام: 93] وهذا صريح أن النفس غير البدن وقد استقصينا في تفسير هذه فليرجع إليه. الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال:
    { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ظ±لإِنْسَـظ°نَ مِن سُلَـظ°لَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـظ°هُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ }
    [المؤمنون: 12، 13] إلى قوله:
    { فَكَسَوْنَا ظ±لْعِظَـظ°مَ لَحْماً }
    [المؤمنون: 14] ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال:
    { ثم أنشأناه خلقاً آخر }
    [المؤمنون:14] وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية وذلك يدل على أن الروح شيء مغاير للبدن فإن قالوا هذه الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال:
    { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ظ±لإِنْسَـظ°نَ مِن سُلَـظ°لَةٍ مّن طِينٍ }
    [المؤمنون:12] وكلمة من للتبعيض وهذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من أصلها لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ظ±لإِنْسَـظ°نَ مِن سُلَـظ°لَةٍ مّن طِينٍ } يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلاً من هذه السلالة ونحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولاً ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من السلالة. الحجة الرابعة: قوله:
    { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى }
    [الحجر: 29] ميز تعالى بين البشرية وبين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء وتعديل المزاج والأشباح فلما ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله: { مِن رُّوحِى } دل ذلك على أن جوهر الروح معنى مغاير لجوهر الجسد. الحجة الخامسة: قوله تعالى:
    { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }
    [الشمس: 7، 8] وهذه الآية صريحة في وجود شيء موصوف بالإدراك والتحريك حقاً لأن الإلهام عبارة عن الإدراك، وأما الفجور والتقوى فهو فعل وهذه الآية صريحة في أن الإنسان شيء واحد وهو موصوف أيضاً بالإدراك والتحريك وموصوف أيضاً بفعل الفجور تارة وفعل التقوى تارة أخرى ومعلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين فلا بد من إثبات جوهر آخر يكون موصوفاً بكل هذه الأمور.

    الحجة السادسة: قوله تعالى:
    { إنا خَلَقْنَا ظ±لإِنسَـظ°نَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـظ°هُ سَمِيعاً بَصِيراً }
    [الإنسان: 2] فهذا تصريح بأن الإنسان شيء واحد وذلك الشيء هو المبتلي بالتكاليف الإلهية والأمور الربانية وهو الموصوف بالسمع والبصر ومجموع البدن ليس كذلك وليس عضواً من أعضاء البدن كذلك فالنفس شيء مغاير لجملة البدن ومغاير لأجزاء البدن وهو موصوف بكل هذه الصفات. واعلم أن الأحاديث الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد وبعد انفصالها من الأجساد كثيرة وكل ذلك يدل على أن النفس شيء غير هذا الجسد، والعجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة ويروي هذه الأخبار الكثيرة ثم يقول توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يعرف الروح وهذا من العجائب، والله أعلم. المسألة السابعة: في دلالة الآية التي نحن في تفسيرها على صحة ما ذكرناه أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى فإذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا حتى صار روحاً مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة، ثم مضغة فلما لم يقل ذلك بل قال إنه: { مِنَ أَمَرِ رَبّي } بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له:
    { كُنْ فَيَكُونُ }
    [البقرة: 117] دل ذلك على أنه جوهر ليس من جنس الأجسام بل هو جوهر قدسي مجرد واعلم أن أكثر العارفين المكاشفين من أصحاب الرياضيات وأرباب المكاشفات والمشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب قال الواسطي: خلق الله الأرواح من بين الجمال والبهاء فلولا أنه سترها لسجد لها كل كافر، وأما بيان أن تعلقه الأول بالقلب ثم بواسطته يصل تأثيره إلى جملة الأعضاء فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى:
    { نَزَلَ بِهِ ظ±لرُّوحُ ظ±لأَمِينُ * عَلَىظ° قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ظ±لْمُنْذِرِينَ }
    [الشعراء: 193، 194] واحتج المنكرون بوجوه. الأول: لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية وذلك محال. الثاني: قوله تعالى:
    { قُتِلَ ظ±لإِنسَـظ°نُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ ظ±لسَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ }
    [عبس: 17 ـ 22] وهذا تصريح بأن الإنسان شيء مخلوق من النطفة، وأنه يموت ويدخل القبر ثم إنه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثة لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة.

    الثالث: قوله:
    { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ظ±للَّهِ }
    [آل عمران: 169] إلى قوله:
    { يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ }
    [آل عمران: 170] وهذا يدل على أن الروح جسم لأن الأرزاق والفرح من صفات الأجسام. الجواب عن الأول: أن المساواة في أنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز مساواة في صفة سلبية والمساواة في الصفة السلبية لا توجب المماثلة واعلم أن جماعة من الجهال يظنون أنه لما كان الروح موجوداً ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وجب أن يكون مثلاً للإله أو جزءاً للإله وذلك جهل فاحش وغلط قبيح وتحقيقه ما ذكرناه من أن المساواة في السلوب لو أوجبت المماثلة لوجب القول باستواء كل المختلفات وأن كل ماهيتين مختلفتين فلا بد أن يشتركا في سلب كل ما عداهما، فلتكن هذه الدقيقة معلومة فإنها مغلطة عظيمة للجهال، والجواب عن الثاني: أنه لما كان الإنسان في العرف والظاهر عبارة عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الإنسان في العرف، والجواب عن الثالث: أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما يقوي حالهم ويكمل كمالهم وهو معرفة الله ومحبته بل نقول هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا لأن أبدانهم قد بليت تحت التراب والله تعالى يقول إن أرواحهم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش وهذا يدل على أن الروح غير البدن وليكن هذا آخر كلامنا في هذا الباب ولنرجع إلى علم التفسير ثم قال تعالى: { وَمَا أُوتِيتُم مّن ظ±لْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } وعلى قولنا قد ذكرنا فيه احتمالين، أما المفسرون فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً " فقالوا ما أعجب شأنك يا محمد ساعة تقول:
    { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً }
    [البقرة:269] وساعة تقول هذا. فنزل قوله:
    { وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ظ±لأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ }
    [لقمان: 27] إلى آخره وما ذكروه ليس بلازم لأن الشيء قد يكون قليلاً بالنسبة إلى شيء كثيراً بالنسبة إلى شيء آخر فالعلوم الحاصلة عند الناس قليلة جداً بالنسبة إلى علم الله وبالنسبة إلى حقائق الأشياء ولكنها كثيرة بالنسبة إلى الشهوات الجسمانية واللذات الجسدانية.

  6. #411
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    اتماما للفائدة انقل كلام نفيس للسيوطى

    قال السيوطى فى الحاوى للفتاوى

    القول الأشبه

    في حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . وبعد فقد كثر السؤال عن معنى الحديث الذي اشتهر على الألسنة : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " وربما فهم منه معنى لا صحة له ، وربما نسب إلى قوم أكابر ، فرقمت في هذه الكراسة ما يبين الحال ويزيل الإشكال ، وفيه مقالات :

    المقال الأول : إن هذا الحديث ليس بصحيح ، وقد سئل عنه النووي في فتاويه فقال : إنه ليس بثابت ، وقال ابن تيمية : موضوع ، وقال الزركشي في الأحاديث المشتهرة : ذكر ابن السمعاني : إنه من كلام يحيى بن معاذ الرازي .

    المقال الثاني في معناه : قال النووي في فتاويه : معناه من عرف نفسه بالضعف والافتقار إلى الله والعبودية له عرف ربه بالقوة والربوبية والكمال المطلق والصفات العلى ، وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في " لطائف المنن " : سمعت شيخنا أبا العباس المرسي يقول : في هذا الحديث تأويلان :

    أحدهما : أي من عرف نفسه بذلها وعجزها وفقرها عرف الله بعزه وقدرته وغناه ، فتكون معرفة النفس أولا ثم معرفة الله من بعد .

    والثاني : أن من عرف نفسه فقد دل ذلك منه على أنه عرف الله من قبل ، فالأول حال السالكين ، والثاني حال المجذوبين .

    وقال أبو طالب المكي في " قوت القلوب " : معناه إذا عرفت صفات نفسك في معاملة الخلق وأنك تكره الاعتراض عليك في أفعالك وأن يعاب عليك ما تصنعه عرفت منها صفات خالقك ، وأنه يكره ذلك فارض بقضائه وعامله بما تحب أن تعامل به .

    وقال الشيخ عز الدين : قد ظهر لي من سر هذا الحديث ما يجب كشفه ويستحسن وصفه وهو أن الله سبحانه وتعالى وضع هذه الروح الروحانية في هذه الجثة الجثمانية لطيفة لاهوتية موضوعة في كثيفة ناسوتية دالة على وحدانيته وربانيته .

    ووجه الاستدلال بذلك من عشرة أوجه :

    الأول : أن هذا الهيكل الإنساني لما كان مفتقرا إلى مدبر ومحرك وهذه الروح مدبرة ومحركة علمنا أن هذا العالم لا بد له من مدبر ومحرك .

    [ ص: 289 ] الوجه الثاني : لما كان مدبر الهيكل واحدا وهو الروح علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا شريك له في تدبيره ، ولا جائز أن يكون له شريك في ملكه ، قال الله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) وقال تعالى : ( لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ) وقال تعالى : ( وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ) .

    الوجه الثالث : لما كان هذا الجسد لا يتحرك إلا بإرادة الروح وتحريكها له علمنا أنه مريد لما هو كائن في كونه لا يتحرك متحرك بخير أو شر إلا بتقديره وإرادته وقضائه .

    الوجه الرابع : لما كان لا يتحرك في الجسد شيء إلا بعلم الروح وشعورها به لا يخفى على الروح من حركات الجسد وسكناته شيء علمنا أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .

    الوجه الخامس : لما كان هذا الجسد لم يكن فيه شيء أقرب إلى الروح من شيء ، بل هو قريب إلى كل شيء في الجسد ، علمنا أنه أقرب إلى كل شيء ، ليس شيء أقرب إليه من شيء ، ولا شيء أبعد إليه من شيء ولا بمعنى قرب المسافة ؛ لأنه منزه عن ذلك .

    الوجه السادس : لما كان الروح موجودا قبل وجود الجسد ويكون موجودا بعد عدم الجسد علمنا أنه سبحانه وتعالى موجود قبل كون خلقه ، ويكون موجودا بعد فقد خلقه ما زال ولا يزال وتقدس عن الزوال .

    الوجه السابع : لما كان الروح في الجسد لا يعرف له كيفية علمنا أنه مقدس عن الكيفية .

    الوجه الثامن : لما كان الروح في الجسد لا يعلم له أينية علمنا أنه منزه عن الكيفية والأينية فلا يوصف بأين ولا كيف بل الروح موجودة في كل الجسد ما خلا منها شيء من الجسد ، وكذلك الحق سبحانه وتعالى موجود في كل مكان ما خلا منه مكان وتنزه عن المكان والزمان .

    [ ص: 290 ] الوجه التاسع : لما كان الروح في الجسد لا يدرك بالبصر ولا يمثل بالصور علمنا أنه لا تدركه الأبصار ولا يمثل بالصور والآثار ولا يشبه بالشموس والأقمار : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .

    الوجه العاشر : لما كان الروح لا يحس ولا يمس علمنا أنه منزه عن الحس والجسم واللمس والمس ، فهذا معنى قوله : من عرف نفسه عرف ربه ، فطوبى لمن عرف وبذنبه اعترف .

    وفي هذا الحديث تفسير آخر وهو أنك تعرف أن صفات نفسك على الضد من صفات ربك ، فمن عرف نفسه بالفناء عرف ربه بالبقاء ، ومن عرف نفسه بالجفاء والخطأ عرف ربه بالوفاء والعطاء ، ومن عرف نفسه كما هي عرف ربه كما هو ، واعلم أنه لا سبيل لك إلى معرفة إياك كما إياك ، فكيف لك سبيل إلى معرفة إياه كما إياه ؟ فكأنه في قوله : من عرف نفسه عرف ربه ، علق المستحيل ؛ لأنه مستحيل أن تعرف نفسك وكيفيتها وكميتها ، فإنك إذا كنت لا تطيق بأن تصف نفسك التي هي بين جنبيك بكيفية وأينية ولا بسجية ولا هيكلية ولا هي بمرئية ، فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بكيف وأين وهو مقدس عن الكيف والأين ؟ وفي ذلك أقول :


    قل لمن يفهم عني ما أقول قصر القول فذا شرح يطول هو سر غامض من دونه
    ضربت والله أعناق الفحول أنت لا تعرف إياك ولا
    تدر من أنت ولا كيف الوصول لا ولا تدر صفات ركبت
    فيك حارت في خفاياها العقول أين منك الروح في جوهرها
    هل تراها فترى كيف تجول هذه الأنفاس هل تحصرها
    لا ولا تدري متى منك تزول أين منك العقل والفهم إذا
    غلب النوم فقل لي يا جهول أنت أكل الخبز لا تعرفه
    كيف يجري منك أم كيف تبول فإذا كانت طواياك التي
    بين جنبيك كذا فيها خلول كيف تدري من على العرش استوى
    لا تقل كيف استوى كيف النزول كيف تجلى الله أم كيف يرى
    فلعمري ليس ذا إلا فضول [ ص: 291 ] هو لا كيف ولا أين له
    وهو رب الكيف والكيف يحول وهو فوق الفوق لا فوق له
    وهو في كل النواحي لا يزول جل ذاتا وصفاتا وسما
    وتعالى قدره عما أقول
    وقال القونوي في شرح التعرف : ذكر بعضهم في هذا الحديث أنه من باب التعليق بما لا يكون وذلك أن معرفة النفس قد سد الشارع بابها لقوله : ( قل الروح من أمر ربي ) فنبه بذلك على أن الإنسان إذا عجز عن إدراك نفسه التي هي من جملة المخلوقات وهي أقرب الأشياء إليه فهو عن معرفة خالقه أعجز ، بل هو عاجز عن إدراك حقيقة قوله وحواسه كسمعه وبصره وشمه وكلامه وغير ذلك ، فإن للناس في كل منها اختلافات ومذاهب لا يحصل الناظر منها على طائل كاختلافهم في أن الأبصار بالانطباع أو بخروج الشعاع ، وأن الشم بتكيف الهواء أو بانبثاث الأجزاء من ذي الرائحة ، إلى غير ذلك من الاختلافات المشهورة ، فإذا كان الحال في هذه الأشياء الظاهرة التي يلابسها الإنسان على هذا المنوال ، فكيف يكون الحال في معرفة الكبير المتعال وقد تحصل مما سقناه في معنى هذا الأثر أقوال والله أعلم .

    وقال الماتريدى فى تفسيره

    وروى عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه كان ينهى عن الخوض في الكلام، ويحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث سألوه عن الروح، فلم يجبهم، ولكن فوض أمره إلى الله، وما سئل من الأحكام إلا وقد بين لهم كقوله:
    { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لْخَمْرِ وَظ±لْمَيْسِرِ... }
    الآية [البقرة: 219]، و
    { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لأَنْفَالِ... }
    الآية [الأنفال: 1]، و
    { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لْيَتَامَىظ° }
    [البقرة: 220]
    { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لْمَحِيضِ }
    [البقرة: 222]،
    { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ظ±لنِّسَآءِ قُلِ ظ±للَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ }
    [النساء: 127]، مثل هذا ما سئل عن شيء من الأحكام إلا وقد أجابهم وبين لهم بياناً شافياً، وقال هاهنا: { قُلِ ظ±لرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي }.

    وقال جعفر بن حرب: إن الله قد أمر بالتكلم في الكلام بقوله:
    { وَجَظ°دِلْهُم... }
    الآية [النحل: 125]، وقال:
    { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ... }
    الآية [الكهف: 22]. ونحوه، فكيف نهى عن الخوض في الكلام؟

    لكن أبا يوسف إنما نهى عن الخوض في الكلام الذي لا يدرك ولا يزيد الخوض فيه إلا حيرة وضلالاً نحو ما روى عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق " لأنه لا يدرك، فالتفكر فيما لا يدرك لا يزيد إلا عمى وحيرة وتيهاً، وأمّا الخوض في الذي يدرك ويعقل فإنه لم ينه عن مثله.

    وأصله: ما ذكرنا من إباحة التكلم في الدين والخوض في الكلام في كثير من الآيات من ذلك قوله:
    { وَجَظ°دِلْهُم بِظ±لَّتِي هِيَ أَحْسَنُ... }
    الآية [النحل: 125]. ونحوه.

  7. #412
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً }

    قال الرازى

    احتج الكعبي بهذه الآية على أن القرآن مخلوق فقال والذي يقدر على إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً بل يجب أن يكون محدثاً. وهذا الاستدلال بعيد لأن المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب وإزالة النقوش الدالة عليه عن المصحف وذلك لا يوجب كون ذلك المعلوم المدلول محدثاً

    وقال الالوسي

    والآية ظاهرة في أن مشيئة الذهاب به غير متحققة وأن فقدان المسترد إلا الرحمة إنما هو على فرض تحقق المشيئة لكن جاء في الأخبار أن القرآن يذهب به قبل يوم القيامة، فقد أخرج البيهقي والحاكم وصححه وابن ماجه بسند قوي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك ويسري على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها " وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أيها الناس ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها مع كتاب الله تعالى يوشك أن يغضب الله تعالى لكتابه فيسري عليه ليلاً لا يترك في قلب ولا ورق منه حرف إلا ذهب به فقيل: يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات؟ قال: من أراد الله تعالى خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا الله "

    وأخرج ابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن أبـي هريرة قال: يسري على كتاب الله تعالى فيرفع إلى السماء فلا يبقى في الأرض آية من القرآن ولا من التوراة والإنجيل والزبور فينزع من قلوب الرجال فيصبحون في الضلالة لا يدرون ما هم فيه. وأخرج الديلمي عن ابن عمر مرفوعاً " لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الله عز وجل: مالك؟ فيقول منك خرجت وإليك أعود أتلى ولا يعمل بـي " ؛ وأخرج محمد بن نصر نحوه موقوفاً على عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال: سيرفع القرآن من المصاحف والصدور، ثم قرأ
    { وَلَئِن شِئْنَا }
    [الإسراء: 86] الآية، وفي «البهجة» أنه يرفع أولاً من المصاحف ثم يرفع لأعجل زمن من الصدور والذاهب به هو جبريل عليه السلام كما أخرجه ابن أبـي حاتم من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده فيا لها من مصيبة ما أعظمها وبلية ما أوخمها فإن دلت الآية على الذهاب به فلا منافاة بينها وبين هذه الأخبار وإذا دلت على إبقائه فالمنافاة ظاهرة إلا أن يقال: إن الإبقاء لا يستلزم الاستمرار ويكفي فيه إبقاؤه إلى قرب قيام الساعة فتدبر.

    ومما يرشد إلى أن سوق الآية للامتنان قوله تعالى: { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ } لم يزل ولا يزال { عَلَيْكَ كَبِيرًا } ومنه إنزال القرآن واصطفاؤه على جميع الخلق وختم الأنبياء عليهم السلام به وإعطاؤه المقام المحمود إلى غير ذلك وقال أبو سهل: أنها / سيقت لتهديد غيره صلى الله عليه وسلم بإذهاب ما أوتوا ليصدهم عن سؤال ما لم يؤتوا كعلم الروح وعلم الساعة. وقال صاحب «التحرير» يحتمل أن يقال: أنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الروح وذي القرنين وأهل الكهف وأبطأ عليه الوحي شق عليه ذلك وبلغ منه الغاية فأنزل الله تعالى هذه الآية تسكيناً له صلى الله عليه وسلم والتقدير أيعز عليك تأخر الوحي فإنا إن شئنا ذهبنا بما أوحينا إليك جميعه فسكن ما كان يجده صلى الله عليه وسلم وطاب قلبه انتهى، وكلا القولين كما ترى.

    قُل لَّئِنِ ظ±جْتَمَعَتِ ظ±لإِنْسُ وَظ±لْجِنُّ عَلَىظ° أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }

    قال الالوسي

    هذا واستدل صاحب «الكشاف» بإعجاز القرآن على حدوثه إذ لو كان قديماً لم يكن مقدوراً فلا يكون معجزاً كالمحال، وتعقبه في «الكشف» بأنه لا نزاع في حدوث النظم وإن تحاشى أهل السنة من إطلاق المخلوق عليه للإيهام وهو المعجز إنما النزاع في المعبر بهذه العبارة المعجزة وهو المسمى بالكلام النفسي فهو استدلال لا ينفعه، وذكر نحوه ابن المنير وقال صاحب «التقريب»: الجواب منع الملازمة إذ مصحح المقدورية الإمكان وهو حاصل لا الحدوث وأيضاً المعجز لفظه ولا يقال بقدمه والقديم كلام النفس ولا يقال بإعجازه وأيضاً سلمنا أن القديم لا يقدر البشر على عينه لكن لم لا يقدر على مثله، واختار العلامة الطيبـي هذا الأخير في الجواب. وقد ذكرنا في المقدمات من الكلام ما ينفعك في هذا المقام فتدبر والله تعالى ولي الأنعام ومسدد الأفهام.

    قال الزمخشري

    ومن زعمهم أن القرآن قديم مع اعترافهم بأنه معجز، وإنما يكون العجز حيث تكون القدرة، فيقال: الله قادر على خلق الأجسام والعباد عاجزون عنه. وأما المحال الذي لا مجال فيه للقدرة، ولا مدخل لها فيه كثاني القديم، فلا يقال للفاعل. قد عجز عنه، ولا هو معجز، ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز. لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا أن يكابروا فيقولوا هو قادر على المحال، فإن رأس مالهم المكابرة وقلب الحقائق.

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من يقول بأن الروح الذي سألوه عنه هو الوحي والقرآن الذي أنزل عليه يحتج بهذه الآية، وبقوله: { قُل لَّئِنِ ظ±جْتَمَعَتِ ظ±لإِنْسُ وَظ±لْجِنُّ عَلَىظ° أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } لما خرج ذكرها على أثر سؤال الروح، فدلّ أنه ما ذكرنا، وقد ضل بهذه الآية فريقان: الحشوية، والمعتزلة.

    أمّا الحشوية فإنهم يقولون: إن القرآن والكلام هو صفة الله الذي هو لم يزل به موصوفاً، وإنه لا يزايله، ثم [إنهم] يقولون: القرآن في المصاحف بعينه وهو في الأرض وفي القلوب، فقولهم مناقض؛ لأنه إذا كان صفته لا هو ولا غيره، لا يجوز أن يكون في المصاحف بعينه أو في الأرض أو في القلوب.

    قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: أمّا الذي في المصاحف هذا ما يفهم به ذلك أو ما يوافق به ذاك - أعني: القرآن - ويقال: هذا حكاية عن ذلك.

    وأما المعتزلة: فإنهم ينكرون خلق أفعال العباد، ثم يقولون: إن القرآن مخلوق؛ فعلى زعمهم يكون القرآن والكلام ما يكتب ويثبت ويمحى، وذلك فعل العباد، ثم يقولون: أفعالهم غير مخلوقة؛ فذلك تناقض في القول بيِّن.

    وعلى قولنا: ما ذكر من الذهاب والمجيء كله على المجاز، أي: الموافقة لا على الحقيقة، كما يقال: سمعت كلام فلان وقول فلان، وكتبت حديث فلان ونحوه؛ فذلك كله على المجاز لا على التحقيق؛ لأنه لا يسمع قول فلان حقيقة ولا كلامه ولا حديثه، ولكن يسمع صوتاً يفهم به قوله وكلامه وحديثه، فعلى ذلك الأول يذهب بالذي يسمع ويكتب، فأما حقيقة ذلك فلا يوصف بشيء من ذلك.

    وبعد: فإنه قد أضيف المجيء إلى الذي لا يعرف منه ذلك، ثم يحتمل قوله: { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } ، أن يكون صلة قوله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لرُّوحِ قُلِ ظ±لرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } حتى لا يظفر به، وإلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لو شاء لذهب بالذي أوحى إليه وقادر عليه وله رفعه، وكذلك يعرف هذا كل مؤمن.

    وإن كانت الآية على الابتداء فهو يخرج على ذكر المنة والرحمة، أي: له أن يرفع هذا الذي أوحى إليه؛ ليعلموا أن إبقاء النبوة والوحي فضل منه ورحمة، وكذلك الوحي إليه في الابتداء وبعثه رسولاً إليهم فضلاً واختصاصاً لا استحقاقاً منه واستيجاباً، كقوله:

    وَظ±للَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ }
    [البقرة: 105]، وقوله:
    { قُلْ إِنَّ ظ±لْفَضْلَ بِيَدِ ظ±للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ }
    [آل عمران: 73] أخبر أن النبوة له وما أرسل إليه اختصاصاً منه وفضلاً، لا استحقاقاً منه؛ فعلى ذلك إبقاء النبوة والوحي رحمة وفضل منه.

    وفيه دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه:

    أحدها: ما قالوا: إنه لا يختار الله أحداً لرسالته ونبوته إلا من كان مستحقّاً لها ومستوجباً لذلك، وقد أخبر أنه بفضله واختصاصه أرسله رسولاً، وبفضله ورحمته أبقاها وتركها بعدما أوحى إليه وأرسله رسوله.

    والثاني: فيه أن له أن يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين، حيث أوعد لهم برفع ما أوحى إليه [وأرسله] وإذهابه إياه، ولا يوعد إلا بما له أن يفعل ما أوعد؛ إذ لا يوعد بما ليس له الفعل في الحكمة، ثم لا شك أن إبقاء النبوة وترك ما أوحى إليه أصلح لهم من رفعها وتركه إياهم خلوّاً عن ذلك، دلّ أنه قد يفعل ما ليس لهم بأصلح لهم في الدين.

    وفيه أنه قد يكلف خلقه التوحيد والإيمان وإن لم يرسل رسولاً ولا أوحى إليه وحياً؛ لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم، لكان خلقه إياهم عبثاً ليتركهم سدى؛ فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته وإن لم يرسل ولا أوحى؛ حيث أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله: { إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً }:

    وقوله: { إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ }.

    أي: إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفضله - أيضاً - في إبقاء ذلك كبيراً.

    وفيه أن الحفظ والنسيان - وإن كانا من العبد - فلله فيهما صنع به يحفظ؛ حيث قال: { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } ، أخبر أنه لو شاء، لذهب بالمحفوظ في القلب وينسيه؛ دلّ أن له قدرة في فعل العبد.

    وفي قوله: { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } وجه آخر من الحكمة؛ وهو أن يعلم المؤمنون: أن الفضل كله من الله؛ لئلا يروا لأنفسهم في ذلك فضلاً ومعنى، وإليه يضيفون جميع ما يجرى على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، والله أعلم.

    وقال الرازى

    ولما حكى الله تعالى عن الكفار اقتراح هذه المعجزات قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { قُلْ سُبْحَـظ°نَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } وفيه مباحث: المبحث الأول: أنه تعالى حكى من قول الكفار قولهم: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىظ° تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ظ±لأَرْضِ يَنْبُوعًا } إلى قوله: { قُلْ سُبْحَـظ°نَ رَبّى } [الإسراء:90-93] وكل ذلك كلام القوم وإنا لا نجد بين تلك الكلمات وبين سائر آيات القرآن تفاوتاً في النظم فصح بهذا صحة ما قاله الكفار لو نشاء لقلنا مثل هذا. والجواب: أن هذا القرآن قليل لا يظهر فيه التفاوت بين مراتب الفصاحة والبلاغة فزال هذا السؤال. البحث الثاني: هذه الآيات من أدل الدلائل على أن المجيء والذهاب على الله محال لأن كلمة سبحان للتنزيه عما لا ينبغي، وقوله { سبحان ربي } تنزيه لله تعالى عن شيء لا يليق به أو نسب إليه مما تقدم ذكره وليس فيما تقدم ذكره شيء لا يليق بالله إلا قولهم أو { تأتي بالله } فدل هذا على أن قوله: { سُبْحَـظ°نَ رَبّى } تنزيه لله عن الإتيان والمجيء وذلك يدل على فساد قول المشبهة في أن الله تعالى يجيء ويذهب، فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى عن أن يتحكم عليه المتحكمون في اقتراح الأشياء؟ قلنا القوم لم يتحكموا على الله، وإنما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً صادقاً فاطلب من الله أن يشرفك بهذه المعجزات فالقوم تحكموا على الرسول وما تحكموا على الله فلا يليق حمل قوله: { سُبْحَـظ°نَ رَبّى } على هذا المعنى فوجب حمله على قولهم أو تأتي بالله....

    اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة وأردفها بالوعيد الإجمالي وهو قوله:
    { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا }
    [الإسراء:96] ذكر بعده الوعيد الشديد على سبيل التفصيل، أما قوله: { مَن يَهْدِ ظ±للَّهُ فَهُوَ ظ±لْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ } فالمقصود تسلية الرسول وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال واستحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال، واحتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم في الهدى والضلال والمعتزلة حملوا هذا الإضلال تارة على الإضلال عن طريق الجنة وتارة على منع الألطاف وتارة على التخلية وعدم التعرض له بالمنع وهذه المباحث قد ذكرناها مراراً فلا فائدة في الإعادة،

  8. #413
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    وقال الماتريدى

    وإن احتج علينا بعض المعتزلة بقوله: { وَمَا مَنَعَ ظ±لنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوغ¤اْ إِذْ جَآءَهُمُ ظ±لْهُدَىظ° } ، يقولون له: منعنا القضاء والقدر؛ إذ من قولهم: إن ما يفعل الإنسان من فعل أو معصية أو طاعة، فإنما يفعل بقضائه وتقديره؛ فيكون لهم الاحتجاج عليه بأن يقولوا: منعنا قضاؤك وتقديرك.

    لكن هذا فاسد؛ لأنهم لا يفعلون هم ما يفعلون عند وقت فعلهم لأن الله - تعالى - قضى ذلك وقدر، ولو جاز لهم [هذا] الاحتجاج لأنه كذلك قضى وقدر، فإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون ما يفعلون؛ لأنه كذلك قضى وقدر، لم يكن لهم الاحتجاج عليه بذلك؛ لأن القضاء والقدر، لم يضطرهم إلى ذلك، ولا قهرهم عليه، بل كان غيره ممكناً لهم؛ لذلك لم يكن لهم الاحتجاج [عليه بذلك؛ لأن القضاء] بهذا أعني بالقضاء والقدر، لكان لهم الاحتجاج عليه - أيضاً - بالعلم؛ إذ لا شك أنه علم ذلك منهم، فإذا لم يكن الاحتجاج عليه بما علم منهم ذلك؛ إذ لا يقدرون أن يفعلوا غير الذي علم منهم، فعلى ذلك لم يكن الاحتجاج عليه بالقضاء والقدر [لأن القضاء والقدر] لما علم أنه يختار ذلك ويؤثره على ضدّه لجاز ذلك لهم بالعلم ونحوه، دلّ أن ذلك ليس بشيء لما قضى ذلك عليهم وقدر، وإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون وقت فعلهم؛ لما كذلك قضى عليهم؛ فلم يكن الاحتجاج لهم عليه بذلك؛ إذ القضاء والقدر لم يمنعهم عن ذلك لما لا يضطرون على ذلك، وإنما قضى ذلك لما علم أنهم يفعلون ويختارون ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وكذلك كل من قضى في الشاهد على آخر إنما يقضي؛ لما سبق منه العلم به.

    { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ظ±للَّهَ ظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىظ° أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَىظ° ظ±لظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً }


    قال الالوسي

    ثم اعلم أن ظاهر الآية أن الكفرة أنكروا إعادتهم يوم القيامة على معنى جمع أجزائهم المتفرقة وعظامهم المتفتتة وتأليفها وإفاضة الحياة عليها كما كانت في الدنيا فهو الذي عنوه بقولهم
    { أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً }
    [الإسراء: 98] بعد قولهم
    { أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً }
    [الإسراء: 98] فرد عليهم بإثبات ذلك بطريق برهاني. وعلى هذا تكون الآية أحد أدلة من يقول: إن الحشر بإعادة أجزاء الأبدان التي تتفرق - كأبدان ما عدا الأنبياء عليهم السلام ومن لم يعمل خطيئة قط والمؤذنين احتساباً ونحوهم ممن حرمت أجسادهم على الأرض كما جاء في الأخبار - وجمعها بعد تفرقها وعنوا بذلك الأجزاء الأصلية وهي الحاصلة في أول الفطرة حال نفخ الروح وهي عندهم محفوظة من أن تصير جزءاً لبدن آخر فضلاً عن أن تصير جزأً أصلياً له، والذاهبون إلى هذا هم الأقل وحكاه الآمدي بصيغة قيل لكن رجحه الفخر الرازي وذكر أن الأكثر على أن الله سبحانه يعدم الذوات بالكلية ثم يعيدها وقال: إنه الصحيح، وكذا قال البدر الزركشي، وذكر اللقاني أنه قول أهل السنة والمعتزلة القائلين بصحة الفناء والعدم على الأجسام بل بوقوعه وإن اختلفوا في أن ذلك هل هو بحدوث ضد أو بانتفاء شرط أو بلا ولا فذهب إلى الأخير القاضي من أهل السنة وأبو الهذيل من المعتزلة قالا: إن الله تعالى يعدم ما يريد إعدامه على نحو إيجاده إياه فيقول له عند أبـي الهذيل افن فيفنى كما يقول له كن فيكون. وذهب جمهور المعتزلة إلى الأول فقالوا: إن فناء الجوهر بحدوث ضد له وهو الفناء ثم اختلفوا فذهب ابن الأخشيد إلى أن الله تعالى يخلق الفناء في جهة من جهات الجواهر فتعدم الجواهر بأسرها، وقال ابن شبيب: إنه تعالى يحدث في كل جوهر بعينه فناءً يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني وذهب أبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إلى أن الله تعالى يعدم الجوهر بخلق فناء لا في محل معين منه ثم اختلفا فقال أبو علي وأتباعه: إن الله سبحانه يخلق فناءً واحداً لا في محل فيفنى به الجواهر بأسرها وقال أبو هاشم وأتباعه إنه تعالى يخلق لكل جوهر فناء لا في محل

    وذهب إمام الحرمين وأكثر أهل السنة وبشر المريسي والكعبـي من المعتزلة إلى الثاني ثم اختلفوا في تعيين الشرط فقال بشر: إنه بقاء يخلقه سبحانه لا في محل فإن لم يخلقه عدم الجوهر. وقال الأكثر والكعبـي: إنه بقاء قائم بالجوهر يخلقه جل وعلا فيه حالاً فحالاً فإذا لم يخلقه تعالى فيه انتفى الجوهر. وقال إمام الحرمين: إنه الأعراض التي يجب اتصاف الجسم بها فإن الله تعالى شأنه يخلقها في الجسم حالاً فحالاً فمتى لم يخلقها سبحانه فيه انعدم. وقال النظام: إنه خلق الله تعالى الجوهر حالاً فحالاً فإن الجواهر عنده لا بقاء لها بل هي متجددة بتجدد الأعراض فإذا لم يوالي عز مجده على الجوهر خلقه فني. وأنت تعلم أن أكثر هذه الأقاويل من قبيل الأباطيل سيما القول بأن الفناء أمر محقق في الخارج ضد للبقاء قائم بنفسه أو بالجوهر وكون البقاء موجوداً لا في محل، ولعل وجه البطلان غني عن البيان. واحتجوا لهذا المذهب بقوله سبحانه:
    { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    [القصص: 88] وقوله تعالى:
    { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ }
    [الرحمن: 26] وأجابوا عن الآية بأن الكفار اكتفوا بأقل اللازم وأرادوا المبالغة في الإنكار لأنه إذا لم يمكن بزعمهم الحشر بعد كونهم عظاماً ورفاتاً فعدم إمكانه بعد فنائهم بالمرة أظهر وأظهر، وفيه أن هلاك كل شيء خروجه عن صفاته المطلوبة منه والتفرق كذلك فيقال له هلاك ويسمى أيضاً فناء عرفاً فالاحتجاج بالآيتين غير تام وأن ما قالوه في الجواب عن الآية خلاف الظاهر. ولا يرد عليهم أن إعادة المعدوم محال لما / ذكره الفلاسفة من الأدلة لما ذكره المسلمون في إبطالها.

    ومن الناس من قال: إن عجب الذنب لا يفنى وإن فنى ما عداه من أجزاء البدن لحديث «الصحيحين» " ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب منه خلق الخلق يوم القيامة " وفي رواية مسلم " كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب " وصحح المزني أنه يفنى أيضاً وتأول الحديث بأن المراد منه أن كل الإنسان يبلى بالتراب ويكون سبب فنائه إلا عجب الذنب فإن الله تعالى يفنيه بلا تراب كما يميت ملك الموت بلا ملك موت، والخلق منه والتركيب يمكن أي يكون بعد إعادته فليس ما ذكر نصاً في بقائه، ووافقه على ذلك ابن قتيبة، وأنت تعلم أن ظواهر الأخبار تدل على عدم فنائه مطلقاً، وتوقف بعض العلماء عن الجزم بأحد المذهبين السابقين في كيفية الحشر.

    وقال السعد: إنه الحق وهو اختيار إمام الحرمين. وفي «المواقف» و«شرحه» للسيد السند هل يعدم الله تعالى الأجزاء البدنية ثم يعيدها أو يفرقها ويعيد فيها التأليف؟ الحق أنه لم يثبت في ذلك شيء فلا جزم فيه نفياً ولا إثباتاً لعدم الدليل على شيء من الطرفين. وقال حجة الإسلام الغزالي في كتاب «الاقتصاد»: فإن قيل ما تقولون هل تعدم الجواهر والأعراض ثم يعادان جميعاً أو تعدم الأعراض دون الجواهر ثم تعاد الأعراض فقط؟ قلنا: كل ذلك ممكن، والحق أنه ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد الأمرين الممكنين. وقال بعضهم: الحق وقوع الأمرين جميعاً إعادة ما انعدم بعينه وإعادة ما تفرق بأعراضه وهو حسن. والكلام في هذا المقام طويل جداً ولعل الله سبحانه وتعالى يمن علينا باستيفائه ولو في مواضع متعددة.

    ملحوظة

    مبحث اعادة المعدوم طويل فى كتب علم الكلام

  9. #414
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    قال الرازى

    الفائدة الثانية: أن قوله: { وَبِظ±لْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ } يفيد الحصر ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحق وقالت المعتزلة، وهذا يدل على أنه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من الخلق ولا إغواؤه ولا منعه عن دين الله. الفائدة الثالثة: قوله: { وَبِظ±لْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِظ±لْحَقّ نَزَلَ } يدل على أن الإنزال غير النزول، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق وأن يكون التكوين غير المكون على ما ذهب إليه قوم

    ملحوظة

    الماتريدية عندهم التكوين غير المكون وصفات الافعال قديمة

    { قُلِ ظ±دْعُواْ ظ±للَّهَ أَوِ ظ±دْعُواْ ظ±لرَّحْمَـظ°نَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ظ±لأَسْمَآءَ ظ±لْحُسْنَىظ° وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَظ±بْتَغِ بَيْنَ ذظ°لِكَ سَبِيلاً }

    قال الرازى

    واحتج الجبائي بهذه الآية فقال: لو كان تعالى هو الخالق للظلم والجور لصح أن يقال يا ظالم وحينئذ يبطل ما ثبت في هذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة. والجواب: أنا لا نسلم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد لصح وصفه بأنه ظالم وجائر كما أنه لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون والسواد والبياض أن يقال يا متحرك ويا ساكن ويا أسود ويا أبيض فإن قالوا فيلزم جواز أن يقال يا خالق الظلم والجور قلنا فيلزمكم أن تقولوا يا خالق العذرات والديدان والخنافس وكما أنكم تقولون أن ذلك حق في نفس الأمر ولكن الأدب أن يقال يا خالق السموات والأرض فكذا قولنا هنا...

    واعلم أنه تعالى لما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى علمه كيفية التحميد فقال: { وَقُلِ ظ±لْحَمْدُ لِلَّهِ ظ±لَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ظ±لْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ظ±لذُّلّ وكبرهُ تكْبِيراً } فذكر ههنا من صفات التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع من الصفات. النوع الأول: من الصفات أنه لم يتخذ ولداً والسبب فيه وجوه. الأول: أن الولد هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء شيء آخر فكل من له ولد فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد. الثاني: أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده فإذا لم يكن له ولد أفاض كل تلك النعم على عبيده. الثالث: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضياً ومن كان كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات فوجب أن لا يستحق الحمد على الإطلاق.

    والنوع الثاني: من الصفات السلبية قوله: { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ظ±لْمُلْكِ } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك فحينئذ لا يعرف كونه مستحقاً للحمد والشكر. والنوع الثالث: قوله: { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ظ±لذُّلّ } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو جاز عليه ولي من الذل لم يجب شكره لتجويز أن غيره حمله على ذلك الإنعام أو منعه منه، أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وكان منزهاً عن أن يكون له ولي يلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجل أقسام الشكر ثم قال تعالى: { وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا } ومعناه أن التحميد يجب أن يكون مقروناً بالتكبير ويحتمل أنواعاً من المعاني. أولها: تكبيره في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غني عن كل ما سواه. وثانيها: تكبيره في صفاته وذلك من ثلاثة أوجه. أولها: أن يعتقد أن كل ما كان صفة له فهو من صفات الجلال والعز والعظمة والكمال وهو منزه عن كل صفات النقائص. وثالثها: أن يعتقد أن كل واحد من تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من المعلومات وقدرته متعلقة بما لا نهاية له من المقدورات والممكنات. ورابعها: أن يعتقد أنه كما تقدست ذاته عن الحدوث وتنزهت عن التغير والزوال والتحول والانتقال فكذلك صفاته أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال والتحول والانتقال. النوع الثالث: من تكبير الله تكبيره في أفعاله وعند هذا تختلف أهل الجبر والقدر فقال أهل السنة إنا نحمد الله ونكبره ونعظمه على أن يجري في سلطانه شيء لا على وفق حكمه وإرادته فالكل واقع بقضاء الله وقدرته ومشيئته وإرادته، وقالت المعتزلة إنا نكبر الله ونعظمه عن أن يكون فاعلاً لهذه القبائح والفواحش بل نعتقد أن حكمته تقتضي التنزيه والتقديس عنها وعن إرادتها وسمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني فلما رآه قال سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال الأستاذ أبو إسحاق: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

  10. #415
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    سورة الكهف

    { ظ±لْحَمْدُ لِلَّهِ ظ±لَّذِي أَنْزَلَ عَلَىظ° عَبْدِهِ ظ±لْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا }

    قال الرازى

    قال القاضي: الآية دالة على صحة قولنا في مسائل، أحدها: أن القرآن مخلوق وبيانه من وجوه.

    الأول: أنه تعالى وصفه بالإنزال والنزول وذلك من صفات المحدثات فإن القديم لا يجوز عليه التغير. الثاني: وصفه بكونه كتاباً والكتب هو الجمع وهو سمي كتاباً لكونه مجموعاً من الحروف والكلمات وما صح فيه التركيب والتأليف فهو محدث. الثالث: أنه تعالى أثبت الحمد لنفسه على إنزال الكتاب والحمد إنما يستحق على النعمة والنعمة محدثة مخلوقة. الرابع: أنه وصف الكتاب بأنه غير معوج وبأنه مستقيم والقديم لا يمكن وصفه بذلك فثبت أنه محدث مخلوق. وثانيها: مسألة خلق الأعمال فإن هذه الآيات تدل على قولنا في هذه المسألة من وجوه. الأول: نفس الأمر بالحمد لأنه لو لم يكن للعبد فعل لم ينتفع بالكتاب إذ الانتفاع به إنما يحصل إذا قدر على أن يفعل ما دل الكتاب على أنه يجب فعله ويترك ما دل الكتاب على أنه يجب تركه وهو إنما يفعل ذلك لو كان مستقلاً بنفسه، أما إذا لم يكن مستقلاً بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثر في اعوجاج فعله ولم يكن لكون الكتاب قيماً أثر في استقامة فعله، أما إذا كان العبد قادراً على الفعل مختاراً فيه بقي لعوج الكتاب واستقامته أثر في فعله. والثاني: أنه تعالى لو كان أنزل بعض الكتاب ليكون سبباً لكفر البعض وأنزل الباقي ليؤمن البعض الآخر فمن أين أن الكتاب قيم لا عوج فيه؟ لأنه لو كان فيه عوج لما زاد على ذلك. والثالث: قوله: { لّيُنذِرَ } وفيه دلالة على أنه تعالى أراد منه صلى الله عليه وسلم إنذار الكل وتبشير الكل وبتقدير أنه يكون خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى لم يبق للإنذار والتبشير معنى لأنه تعالى إذا خلق الإيمان فيه حصل شاء أو لم يشأ وإذا خلق الكفر فيه حصل شاء أو لم يشاء فبقي الإنذار والتبشير على الكفر والإيمان جارياً مجرى الإنذار والتبشير على كونه طويلاً قصيراً وأسود وأبيض مما لا قدرة له عليه.

    والرابع: وصفه المؤمنين بأنهم يعملون الصالحات فإن كان ما وقع خلق الله تعالى فلا عمل لهم ألبتة. الخامس: إيجابه لهم الأجر الحسن على ما عملوا فإن كان الله تعالى يخلق ذلك فيهم فلا إيجاب ولا استحقاق. المسألة الرابعة: قال قوله: { لّيُنذِرَ } يدل على أنه تعالى إنما يفعل أفعاله لأغراض صحيحة وذلك يبطل قول من يقول إن فعله غير معلل بالغرض، واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت في هذا الكتاب فلا فائدة في الإعادة.

    وقال الالوسي

    { لّيُنذِرَ } متعلق بـ
    { أَنْزَلَ }
    [الكهف: 1] واللام للتعليل، واستدل به من قال بتعليل أفعال الله تعالى بالأَغراض كالسلف والماتريدية، ومن يأبـى ذلك يجعلها لام العاقبة

    ملحوظة

    قال المعتزلة بحدوث مابين الدفتين والصوت والحرف فاثبت الاشاعرة الكلام النفسي وفرقوا بين الدال الحادث والمدلول القديم علي خلاف بينهم فى تفاصيل الدال والمدلول للرد علي المعتزلة

    اما الحنابلة لم يفرقوا وقالوا مابين الدفتين قديم وردوا علي المعتزلة بأن كما ان الاشتراك فى السلوب (نفى صوت وحرف)لايلزم الاشتراك فى الماهية كذلك الاشتراك فى الثبوت (اثبات صوت وحرف وقدم مابين الدفتين)لايقتضي الاشتراك فى الماهية وصوتنا وحرفنا وكلامنا النفسي حادث فلاحاجة لاثبات كلام نفسي للرد علي المعتزلة وان قال الاشاعرة الاشتراك فى السلب فقط وهو نفي الصوت والحرف

    الخلاصة كى لاتتعب اخى العزيز

    اثبت ان القران قديم غير مخلوق وان مابين الدفتين قديم ودعك من الغوص فى مسائل الخلاف

    وللسبكى فى طبقات الشافعية فى ترجمة الاشعرى كلام جميل عن عقيدته فى قدم القرآن وانه كلام الله علي الحقيقة لا علي المجاز فليراجع

    ولا تظن ان الاشاعرة قائلون بحدوث مابين الدفتين كما يعتقد بعض طلاب العلم لتفريفهم بين الدال والمدلول

    الامر يحتاج تأمل وتدبر وليست بالسطحية التى يظنها البعض من قدم الاوراق والحبر حاشا لله عقيدة الحنابلة اكبر من ذلك وراجع كتاب التوحيد فى صحيح البخارى تجد درر مع شرح ابن حجر

    قال الرازى

    البحث الرابع: قوله { إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـظ°ذَا ظ±لْحَدِيثِ } المراد بالحديث القرآن. قال القاضي: وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث وذلك يدل على فساد قول من يقول: إنه قديم وجوابه أنه محمول على الألفاظ وهي حادثة

    وقال الالوسي

    وقرأ الحسن وابن يعمر وابن محيصن والقواس عن ابن كثير { كلمة } بالرفع على الفاعلية والنصب أبلغ وأوكد. واستدل النظام على أن الكلام جسم بهذه الآية لوصفه فيها بالخروج الذي هو من خواص الأجسام. وأجيب بأن الخارج حقيقة هو الهواء الحامل له وإسناده إلى الكلام الذي هو كيفية مجاز وتعقب بأن النظام القائل بجسمية الكلام يقول هو الهواء المكيف لا الكيفية. واستدلاله على ذلك مبني على أن الأصل هو الحقيقة إلا أن الخلاف لفظي لا ثمرة فيه.

  11. #416
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    قال الرازى

    أما قوله: { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا عند دخولها في الوجود، فعلى هذا الابتلاء والامتحان على الله جائز، واحتج عليه بأنه تعالى لو كان عالماً بالجزئيات قبل وقوعها لكان كل ما علم وقوعه واجب الوقوع وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوع وإلا لزم انقلاب علمه جهلاً وذلك محال والمفضي إلى المحال محال ولو كان ذلك واجباً فالذي علم وقوعه يجب كونه فاعلاً له ولا قدرة له على الترك والذي علم عدمه يكون ممتنع الوقوع ولا قدرة له على الفعل وعلى هذا يلزم أن لا يكون الله قادراً على شيء أصلاً بل يكون موجباً بالذات وأيضاً فيلزم أن لا يكون للعبد قدرة لا على الفعل ولا على الترك لأن ما علم الله وقوعه امتنع من العبد تركه وما علم الله عدمه امتنع منه فعله، فالقول بكونه تعالى عالماً بالأشياء قبل وقوعها يقدح في الربوبية وفي العبودية وذلك باطل فثبت أنه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها وعلى هذا التقدير فالابتلاء والامتحان والاختبار جائز عليه وعند هذا قال: يجري قوله تعالى: { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } على ظاهره. وأما جمهور علماء الإسلام فقد استبعدوا هذا القول وقالوا: إنه تعالى من الأزل إلى الأبد عالم بجميع الجزئيات فالابتلاء والامتحان محالان عليه وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان ذلك على سبيل الابتلاء والامتحان وقد ذكرنا هذه المسألة مراراً كثيرة....

    المسألة الثالثة: اللام في قوله: { لِنَبْلُوَهُمْ } تدل ظاهراً على أن أفعال الله معللة بالأغراض عند المعتزلة، وأصحابنا قالوا: هذا محال لأن التعليل بالغرض إنما يصح في حق من لا يمكنه تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة، وهذا يقتضي العجز وهو على الله محال....

    ملحوظة

    علم الله عند اهل السنة صفة كشف لا تأثير فليتأمل

    وقال الرازى

    قوله: { ثُمَّ بَعَثْنَـظ°هُمْ لِنَعْلَم } اللام لام الغرض فيدل على أن أفعال الله معللة بالأغراض وقد سبق الكلام فيه. المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يقتضي أنه تعالى إنما بعثهم ليحصل له هذا العلم وعند هذا يرجع إلى أنه تعالى هل يعلم الحوادث قبل وقوعها أم لا، فقال هشام: لا يعلمها إلا عند حدوثها واحتج بهذه الآية والكلام فيه قد سبق، ونظائر هذه الآية كثيرة في القرآن منها ما سبق في هذه السورة ومنها قوله في سورة البقرة:
    { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ظ±لرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىظ° عَقِبَيْهِ }
    [البقرة: 143] وفي آل عمران
    { وَلَمَّا يَعْلَمِ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ جَـظ°هَدُواْ مِنكُمْ }
    [آل عمران:142] وقوله:
    { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ظ±لأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ }
    [الكهف: 7] وقوله:
    { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىظ° نَعْلَمَ ظ±لْمُجَـظ°هِدِينَ مِنكُمْ }
    [محمد: 31]

  12. #417
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    الكرامات عند أهل السنة

    { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ظ±لْكَهْفِ وَظ±لرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً }

    قال الرازى

    المسألة السادسة: احتج أصحابنا الصوفية بهذه الآية على صحة القول بالكرامات وهو استدلال ظاهر ونذكر هذه المسألة ههنا على سبيل الاستقصاء فنقول قبل الخوض في الدليل على جواز الكرامات نفتقر إلى تقديم مقدمتين:المقدمة الأولى: في بيان أن الولي ما هو فنقول ههنا وجهان، الأول: أن يكون فعيلاً مبالغة من الفاعل كالعليم والقدير فيكون معناه من توالت طاعاته من غير تخلل معصية. الثاني: أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح. وهو الذي يتولى الحق سبحانه حفظه وحراسته على التوالي عن كل أنواع المعاصي ويديم توفيقه على الطاعات واعلم أن هذا الاسم مأخوذ من قوله تعالى:
    { ظ±للَّهُ وَلِيُّ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ }
    [البقرة: 257] وقوله:
    { وَهُوَ يَتَوَلَّى ظ±لصَّـظ°لِحِينَ }
    [الأعراف: 196] وقوله تعالى:
    { أَنتَ مَوْلَـظ°نَا فَظ±نْصُرْنَا عَلَى ظ±لْقَوْمِ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ }
    [البقرة: 286] وقوله:
    { ذَلِكَ بِأَنَّ ظ±للَّهَ مَوْلَى ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَأَنَّ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ لاَ مَوْلَىظ° لَهُمْ }
    [محمد: 11] وقوله:
    { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ظ±للَّهُ وَرَسُولُهُ }
    [المائدة: 55] وأقول الولي هو القريب في اللغة فإذا كان العبد قريباً من حضرة الله بسبب كثرة طاعاته وكثرة إخلاصه وكان الرب قريباً منه برحمته وفضله وإحسانه فهناك حصلت الولاية. المقدمة الثانية: إذا ظهر فعل خارق للعادة على الإنسان فذاك إما أن يكون مقروناً بالدعوى أو لا مع الدعوى والقسم الأول وهو أن يكون مع الدعوى فتلك الدعوى إما أن تكون دعوى الإلهية أو دعوى النبوة أو دعوى الولاية أو دعوى السحر وطاعة الشياطين، فهذه أربعة أقسام. القسم الأول: إدعاء الإلهية وجوز أصحابنا ظهور خوارق العادات على يده من غير معارضة كما نقل، أن فرعون كان يدعي الإلهية وكانت تظهر خوارق العادات على يده وكما نقل ذلك أيضاً في حق الدجال. قال أصحابنا: وإنما جاز ذلك لأن شكله وخلقته تدل على كذبه فظهور الخوارق على يده لا يفضي إلى التلبيس.

    والقسم الثاني: وهو ادعاء النبوة فهذا القسم على قسمين لأنه إما أن يكون ذلك المدعي صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً وجب ظهور الخوارق على يده وهذا متفق عليه بين كل من أقر بصحة نبوة الأنبياء، وإن كان كاذباً لم يجز ظهور الخوارق على يده وبتقدير أن تظهر وجب حصول المعارضة. وأما القسم الثالث: وهو ادعاء الولاية والقائلون بكرامات الأولياء اختلفوا في أنه هل يجوز أن يدعي الكرامات ثم إنها تحصل على وفق دعواه أم لا. وأما القسم الرابع: وهو ادعاء السحر وطاعة الشيطان فعند أصحابنا يجوز ظهور خوارق العادات على يده وعند المعتزلة لا يجوز. وأما القسم الثاني: وهو أن تظهر خوارق العادات على يد إنسان من غير شيء من الدعاوى، فذلك الإنسان إما أن يكون صالحاً مرضياً عند الله، وإما أن يكون خبيثاً مذنباً. والأول هو القول بكرامات الأولياء، وقد اتفق أصحابنا على جوازه وأنكرها المعتزلة إلا أبا الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي. وأما القسم الثالث: وهو أن تظهر خوارق العادات على بعض من كان مردوداً عن طاعة الله تعالى فهذا هو المسمى بالاستدراج فهذا تفصيل الكلام في هاتين المقدمتين، إذا عرفت ذلك فنقول: الذي يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول. أما القرآن فالمعتمد فيه عندنا آيات: الحجة الأولى: قصة مريم عليها السلام، وقد شرحناها في سورة آل عمران فلا نعيدها. الحجة الثانية: قصة أصحاب الكهف وبقاؤهم في النوم أحياء سالمين عن الآفات مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين وأنه تعالى كان يعصمهم من حر الشمس كما قال:
    { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ }
    [الكهف: 18] إلى قوله:
    { وَتَرَى ظ±لشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ظ±لْيَمِينِ }
    [الكهف: 17] ومن الناس من تمسك في هذه المسألة بقوله تعالى:
    { قَالَ ظ±لَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ظ±لْكِتَـظ°بِ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ }
    [النمل: 39] وقد بينا أن ذلك الذي كان عنده علم من الكتاب هو سليمان فسقط هذا الاستدلال. أجاب القاضي عنه بأن قال: لا بد من أن يكون فيهم أو في ذلك الزمان نبي يصير ذلك علماً له لما فيه من نقض العادة كسائر المعجزات، قلنا: إنه يستحيل أن تكون هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء لأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأن الناس لا يصدقونه في هذه الواقعة لأنهم لا يعرفون كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤوا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة سنين وتسع سنين وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء فلم يبق إلا أن تجعل كرامة للأولياء وإحساناً إليهم.

    أما الأخبار فكثيرة: الخبر الأول: ما أخرج في «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم عليه السلام وصبي في زمن جريج الناسك وصبي آخر، أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً ببني إسرائيل وكانت له أم فكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى فدعته ثانياً فقال مثل ذلك حتى قال ثلاث مرات وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمه قالت: اللهم لا تمته حتى تريه المومسات، وكانت زانية هناك فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر على شيء، وكان هناك راعٍ يأوي بالليل إلى أصل صومعته قلما أعياها راودت الراعي على نفسها فأتاها فولدت ثم قالت ولدي هذا من جريج فأتاها بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قال بيده يا غلام من أبوك؟ فقال: الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه. وقالوا: نبني صومعتك من ذهب أو فضة فأبى عليهم، وبناها كما كانت، وأما الصبي الآخر فإن امرأة كان معها صبي لها ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة حسنة فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله ثم مرت بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذا، فقال الصبي: اللهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه في ذلك: فقال إن الشاب كان جباراً من الجبابرة فكرهت أن أكون مثله وإن هذه قيل إنها زنت ولم تزن وقيل إنها سرقت ولم تسرق وهي تقول حسبي الله " الخبر الثاني: وهو خبر الغار وهو مشهور في «الصحاح» عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل وسدت عليهم باب الغار فقالوا: والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي انتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه، ثم قال الآخر: كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت: لا يجوز لك أن تفك الخاتم إلا بحقهظ° فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين وقال: يا عبد الله أد إلي أجرتي، فقلت له: كل ما ترى من أجرتك من الإبل والغنم والرقيق فقال: يا عبد الله أتستهزىء بي؟ فقلت: إني لا أستهزىء بك فأخذ ذلك كله اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون "....

    أما الآثار» فلنبدأ بما نقل أنه ظهر عن الخلفاء الراشدين من الكرامات ثم بما ظهر عن سائر الصحابة، أما أبو بكر رضي الله عنه فمن كراماته أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي صلى الله عليه وسلم ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد انفتح وإذا بهاتف يهتف من القبر ادخلوا الحبيب إلى الحبيب، وأما عمر رضي الله عنه فقد ظهرت أنواع كثيرة من كراماته وأحدها ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن الحصين فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته وهو على المنبر: يا سارية الجبل الجبل قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فكتبت تاريخ تلك الكلمة فقدم رسول مقدم الجيش فقال: يا أمير المؤمنين غزونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فهزمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة ببركة ذلك الصوت قلت سمعت بعض المذكرين قال: كان ذلك معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال لأبي بكر وعمر أنتما مني بمنزلة السمع والبصر فلما كان عمر بمنزلة البصر لمحمد صلى الله عليه وسلم، لا جرم قدر على أن يرى من ذلك البعد العظيم......

    السادس: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم ومشوا على الماء. وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات متجاوزة عن الحد والحصر فمن أرادها طالعها. وأما الدلائل العقلية القطعية على جواز الكرامات فمن وجوه: الحجة الأولى: أن العبد ولي الله قال الله تعالى:
    { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ظ±للَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
    [يونس: 62] والرب ولي العبد قال تعالى:
    { ظ±للَّهُ وَلِيُّ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ }
    [البقرة: 257] وقال:
    { وَهُوَ يَتَوَلَّى ظ±لصَّـظ°لِحِينَ }
    [الأعراف: 196] وقال:
    { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ظ±للَّهُ وَرَسُولُهُ }
    [المائدة: 55] وقال:
    { أَنتَ مَوْلَـظ°نَا }
    [البقرة: 286] وقال:
    { ذَلِكَ بِأَنَّ ظ±للَّهَ مَوْلَى ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ }
    [محمد: 11] فثبت أن الرب ولي العبد وأن العبد ولي الرب وأيضاً الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب قال تعالى:
    { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }
    [المائدة: 54] وقال:
    { وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ }
    [البقرة: 165] وقال:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ يُحِبُّ ظ±لتَّوابِينَ وَيُحِبُّ ظ±لْمُتَطَهّرِينَ }
    [البقرة: 222] وإذا ثبت هذا فنقول: العبد إذا بلغ في الطاعة إلى حيث يفعل كل ما أمره الله وكل ما فيه رضاه وترك كل ما نهى الله وزجر عنه فكيف يبعد أن يفعل الرب الرحيم الكريم مرة واحدة ما يريده العبد بل هو أولى لأن العبد مع لؤمه وعجزه لما فعل كل ما يريده الله ويأمره به فلأن يفعل الرب الرحيم مرة واحدة ما أراده العبد كان أولى ولهذا قال تعالى:
    { أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }
    [البقرة: 40]. الحجة الثانية: لو امتنع إظهار الكرامة لكان ذلك إما لأجل أن الله ليس أهلاً لأن يفعل مثل هذا الفعل أو لأجل أن المؤمن ليس أهلاً لأن يعطيه الله هذه العطية، والأول: قدح في قدرة الله وهو كفر، والثاني: باطل فإن معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ومحبة الله وطاعاته والمواظبة على ذكر تقديسه وتمجيده وتهليله أشرف من إعطاء رغيف واحد في مفازة أو تسخير حية أو أسد فلما أعطى المعرفة والمحبة والذكر والشكر من غير سؤال فلأن يعطيه رغيفاً في مفازة فأي بعد فيه؟ الحجة الثالثة: قال النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن رب العزة: " ما تقرب عبد إلي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً وقلباً ويداً ورجلاً بي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يمشي

    وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في سمعهم نصيب لغير الله ولا في بصرهم ولا في سائر أعضائهم إذ لو بقي هناك نصيب لغير الله لما قال أنا سمعه وبصره. إذا ثبت هذا فنقول: لا شك أن هذا المقام أشرف من تسخير الحية والسبع وإعطاء الرغيف وعنقود من العنب أو شربة من الماء فلما أوصل الله برحمته عبده إلى هذه الدرجات العالية فأي بعد في أن يعطيه رغيفاً واحداً أو شربة ماء في مفازة. الحجة الرابعة: قال عليه السلام حاكياً عن رب العزة: " من آذى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " فجعل إيذاء الولي قائماً مقام إيذائه وهذا قريب من قوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ظ±للَّهَ }
    [الفتح: 10] وقال:
    { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ظ±للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً }
    [الأحزاب: 36] وقال:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يُؤْذُونَ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ظ±للَّهُ فِى ظ±لدُّنْيَا وَظ±لأَخِرَةِ }
    [الأحزاب: 57] فجعل بيعة محمد صلى الله عليه وسلم بيعة مع الله ورضاء محمد صلى الله عليه وسلم رضاء الله وإيذاء محمد صلى الله عليه وسلم إيذاء الله فلا جرم كانت درجة محمد صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات إلى أبلغ الغايات فكذا ههنا لما قال: " من آذى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " دل ذلك على أنه تعالى جعل إيذاء الولي قائماً مقام إيذاء نفسه ويتأكد هذا بالخبر المشهور أنه تعالى يقول: " يوم القيامة مرضت فلم تعدني، استسقيتك فما سقيتني، استطعمتك فما أطعمتني فيقول يا رب كيف أفعل هذا وأنت رب العالمينظ° فيقول إن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي " وكذا في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أن أولياء الله يبلغون إلى هذه الدرجات فأي بعد في أن يعطيه الله كسرة خبز أو شربة ماء أو يسخر له كلباً أو ورداً. الحجة الخامسة: أنا نشاهد في العرف أن من خصه الملك بالخدمة الخاصة وأذن له في الدخول عليه في مجلس الأنس فقد يخصه أيضاً بأن يقدره على ما لا يقدر عليه غيره، بل العقل السليم يشهد بأنه متى حصل ذلك القرب فإنه يتبعه هذه المناصب فجعل القرب أصلاً والمنصب تبعاً وأعظم الملوك هو رب العالمين فإذا شرف عبداً بأنه أوصله إلى عتبات خدمته ودرجات كرامته وأوقفه على أسرار معرفته ورفع حجب البعد بينه وبين نفسه وأجلسه على بساط قربه فأي بعد في أن يظهر بعض تلك الكرامات في هذا العالم مع أن كل هذا العالم بالنسبة إلى ذرة من تلك السعادات الروحانية والمعارف الربانية كالعدم المحض. الحجة السادسة: لا شك أن المتولي للأفعال هو الروح لا البدن ولا شك أن معرفة الله تعالى للروح كالروح للبدن على ما قررناه في تفسير قوله تعالى:

    { يُنَزّلُ ظ±لْمَلَـظ°ئِكَةَ بِظ±لْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ }
    [النمل: 20] وقال عليه السلام: " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ولهذا المعنى نرى أن كل من كان أكثر علماً بأحوال عالم الغيب كان أقوى قلباً وأقل ضعفاً ولهذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية. وذلك لأن علياً كرم الله وجهه في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد وأشرقت الملائكة بأنوار عالم الكبرياء فتقوى روحه وتشبه بجواهر الأرواح الملكية وتلألأت فيه أضواء عالم القدس والعظمة فلا جرم حصل له من القدرة ما قدر بها على ما لم يقدر عليه غيره وكذلك العبد إذا واظب على الطاعات بلغ إلى المقام الذي يقول الله كنت له سمعاً وبصراً فإذا صار نور جلال الله سمعاً له سمع القريب والبعيد وإذا صار ذلك النور بصراً له رأى القريب والبعيد وإذا صار ذلك النور يداً له قدر على التصرف في الصعب والسهل والبعيد والقريب. الحجة السابعة: وهي مبنية على القوانين العقلية الحكمية، وهي أنا قد بينا أن جوهر الروح ليس من جنس الأجسام الكائنة الفاسدة المتعرضة للتفرق والتمزق، بل هو من جنس جواهر الملائكة وسكان عالم السموات ونوع المقدسين المطهرين إلا أنه لما تعلق بهذا البدن واستغرق في تدبيره صار في ذلك الاستغراق إلى حيث نسي الوطن الأول والمسكن المتقدم وصار بالكلية متشبهاً بهذا الجسم الفاسد فضعفت قوته وذهبت مكنته ولم يقدر على شيء من الأفعال، أما إذا استأنست بمعرفة الله ومحبته وقل انغماسها في تدبير هذا البدن، وأشرقت عليها أنوار الأرواح السماوية العرشية المقدسة، وفاضت عليها من تلك الأنوار قويت على التصرف في أجسام هذا العالم مثل قوة الأرواح الفلكية على هذه الأعمال، وذلك هو الكرامات، وفيه دقيقة أخرى وهي أن مذهبنا أن الأرواح البشرية مختلفة بالماهية ففيها القوية والضعيفة، وفيها النورانية والكدرة، وفيها الحرة والنذلة والأرواح الفلكية أيضاً كذلك، ألا ترى إلى جبريل كيف قال الله في وصفه:
    { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ظ±لْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَـظ°عٍ ثَمَّ أَمِينٍ }
    [التكوير: 19 ـ 21] وقال في قوم آخرين من الملائكة:
    { وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَـظ°عَتُهُمْ شَيْئاً }
    [النجم: 26] فكذا ههنا فإذا اتفق في نفس من النفوس كونها قوية، القوة القدسية العنصرية مشرقة الجوهر علوية الطبيعة، ثم انضاف إليها أنواع الرياضات التي تزيل عن وجهها غبرة عالم الكون والفساد أشرقت وتلألأت وقويت على التصرف في هيولي عالم الكون والفساد بإعانة نور معرفة الحضرة الصمدية وتقوية أضواء حضرة الجلال والعزة.

    ولنقبض ههنا عنان البيان فإن وراءها أسراراً دقيقة وأحوالاً عميقة من لم يصل إليها لم يصدق بها، ونسأل الله الإعانة على إدراك الخيرات، واحتج المنكرون للكرامات بوجوه. الشبهة الأولى: وهي التي عليها يعولون وبها يضلون أن ظهور الخارق للعادة جعله الله دليلاً على النبوة فلو حصل لغير نبي لبطلت هذه الدلالة لأن حصول الدليل مع عدم المدلول يقدح في كونه دليلاً، وذلك باطل. والشبهة الثانية: تمسكوا بقوله عليه السلام حكاية عن الله سبحانه: " لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم " قالوا: هذا يدل على أن التقرب إلى الله بأداء الفرائض أعظم من التقرب إليه بأداء النوافل، ثم إن المتقرب إليه بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى أن لا يحصل له ذلك. الشبهة الثالثة: تمسكوا بقوله تعالى:
    { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىظ° بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـظ°لِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ظ±لأَنفُسِ }
    [النحل: 7] والقول بأن الولي ينتقل من بلد إلى بلد بعيد ـ لا على الوجه ـ طعن في هذه الآية، وأيضاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يصل من مكة إلى المدينة إلا في أيام كثيرة مع التعب الشديد فكيف يعقل أن يقال أن الولي ينتقل من بلد نفسه إلى الحج في يوم واحد. الشبهة الرابعة: قالوا: هذا الولي الذي تظهر عليه الكرامات إذا ادعى على إنسان درهماً فهل نطالبه بالبينة أم لا؟ فإن طالبناه بالبينة كان عبثاً لأن ظهور الكرامات عليه يدل على أنه لا يكذب، ومع قيام الدليل القاطع كيف يطلب الدليل الظني، وإن لم نطالبه بها فقد تركنا قوله عليه السلام: " البينة على المدعي " فهذا يدل على أن القول بالكرامة باطل. الشبهة الخامسة: إذا جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء جاز ظهورها على الباقين، فإذا كثرت الكرامات حتى خرقت العادة جرت وفقاً للعادة وذلك يقدح في المعجزة والكرامة. «والجواب» عن الشبهة الأولى: أن الناس اختلفوا في أنه هل يجوز للولي دعوى الولاية؟ فقال قوم من المحققين: إن ذلك لا يجوز، فعلى هذا القول يكون الفرق بين المعجزات والكرامات أن المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوة والكرامة لا تكون مسبوقة بدعوى الولاية، والسبب في هذا الفرق أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا إلى الخلق ليصيروا دعاة للخلق من الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة فلو لم تظهر دعوى النبوة لم يؤمنوا به وإذا لم يؤمنوا به بقوا على الكفر وإذا ادعوا النبوة وأظهروا المعجزة آمن القوم بهم فإقدام الأنبياء على دعوى النبوة ليس الغرض منه تعظيم النفس بل المقصود منه إظهار الشفقة على الخلق حتى ينتقلوا من الكفر إلى الإيمان، أما ثبوت الولاية للولي فليس الجهل بها كفراً ولا معرفتها إيماناً فكان دعوى الولاية طلباً لشهوة النفس، فعلمنا أن النبي يجب عليه إظهار دعوى النبوة والولي لا يجوز له دعوى الولاية فظهر الفرق أما الذين قالوا: يجوز للولي دعوى الولاية فقد ذكروا الفرق بين المعجزة والكرامة من وجوه: الأول: أن ظهور الفعل الخارق للعادة يدل على كون ذلك الإنسان مبرءاً عن المعصية، ثم إن اقترن هذا الفعل بادعاء النبوة دل على كونه صادقاً في دعوى النبوة، وإن اقترن بادعاء الولاية دل على كونه صادقاً في دعوى الولاية، وبهذا الطريق لا يكون ظهور الكرامة على الأولياء طعناً في معجزات الأنبياء عليهم السلام.

    الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعي المعجزة ويقطع بها، والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها لأن المعجزة يجب ظهورها، أما الكرامة فــلا يجب ظهورها. الثالث: أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة. الرابع: أنا لا نجوز ظهور الكرامة على الولي عند ادعاء الولاية إلا إذا أقر عند تلك الدعوى بكونه على دين ذلك النبي ومتى كان الأمر كذلك صارت تلك الكرامة معجزة لذلك النبي ومؤكدة لرسالته وبهذا التقدير لا يكون ظهور الكرامة طاعناً في نبوة النبي بل يصير مقوياً لها. «والجواب» عن الشبهة الثانية: أن التقرب بالفرائض وحدها أكمل من التقرب بالنوافل أما الولي فإنما يكون ولياً إذا كان آتياً بالفرائض والنوافل، ولا شك أنه يكون حاله أتم من حال من اقتصر على الفرائض فظهر الفرق. «والجواب» على الشبهة الثالثة: أن قوله تعالى: { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىظ° بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـظ°لِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ظ±لأَنفُسِ } محمول على المعهود المتعارف، وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة عن ذلك العموم. وهذا هو «الجواب» عن الشبهة الرابعة وهي التمسك بقوله عليه السلام البينة على المدعي. «والجواب» عن الشبهة الخامسة أن المطيعين فيهم قلة كما قال تعالى:
    { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ظ±لشَّكُورُ }
    [سبأ: 13] وكما قال إبليس:
    { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـظ°كِرِينَ }
    [الأعراف: 17] وإذا حصلت القلة فيهم لم يكن ما يظهر عليهم من الكرامات في الأوقات النادرة قادحاً في كونها على خلاف العادة

  13. #418
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    نستكمل مع الرازى

    المسألة السابعة: في الفرق بين الكرامات والاستدراج، اعلم أن من أراد شيئاً فأعطاه الله مراده لم يدل ذلك على كون ذلك العبد وجيهاً عند الله تعالى سواء كانت العطية على وفق العادة أو لم تكن على وفق العادة بل قد يكون ذلك إكراماً للعبد وقد يكون استدراجاً له ولهذا الاستدراج أسماء كثيرة من القرآن، أحدها: الاستدراج قال الله تعالى:
    { سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ }
    [الأعراف: 182] ومعنى الاستدراج أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وجهله وعناده فيزداد كل يوم بعداً من الله وتحقيقه أنه ثبت في العلوم العقلية أن تكرر الأفعال سبب لحصول الملكة الراسخة فإذا مال قلب العبد إلى الدنيا ثم أعطاه الله مراده فحينئذ يصل الطالب إلى المطلوب وذلك يوجب حصول اللذة وحصول اللذة يزيد في الميل وحصول الميل يوجب مزيد السعي ولا يزال يتأدى كل واحد منهما إلى الآخر وتتقوى كل واحدة من هاتين الحالتين درجة فدرجة ومعلوم أن الاشتغال بهذه اللذات العاجلة مانع عن مقامات المكاشفات ودرجات المعارف فلا جرم يزداد بعده عن الله درجة فدرجة إلى أن يتكامل فهذا هو الاستدراج.

    وثانيها: المكر قال تعالى:
    { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ظ±للَّهِ إِلاَّ ظ±لْقَوْمُ ظ±لْخَـظ°سِرُونَ }
    [الأعراف: 99]،
    { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ظ±للَّهُ وَظ±للَّهُ خَيْرُ ظ±لْمَـظ°كِرِينَ }
    [آل عمران: 54] وقال:
    { وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }
    [النمل: 50]. وثالثها: الكيد قال تعالى:
    { يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }
    [النساء: 142] وقال:
    { يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ }
    [البقرة: 9]. ورابعها: الإملاء قال تعالى:
    { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرًا لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }
    [آل عمران: 178]. وخامسها: الإهلاك قال تعالى:
    { حَتَّىظ° إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـظ°هُمْ }
    [الأنعام: 44] وقال في فرعون:
    { وَظ±سْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ظ±لأَرْضِ بِغَيْرِ ظ±لْحَقّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَـظ°هُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـظ°هُمْ فِى ظ±لْيَمّ }
    [القصص: 39، 40] فظهر بهذه الآيات أن الإيصال إلى المرادات لا يدل على كمال الدرجات والفوز بالخيرات بقي علينا أن نذكر الفرق بين الكرامات وبين الاستدراجات. فنقول: إن صاحب الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة بل عند ظهور الكرامة يصير خوفه من الله تعالى أشد وحذره من قهر الله أقوى فإنه يخاف أن يكون ذلك من باب الاستدراج، وأما صاحب الاستدراج فإنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه ويظن أنه إنما وجد تلك الكرامة لأنه كان مستحقاً لها وحينئذ يستحقر غيره ويتكبر عليه ويحصل له أمن من مكر الله وعقابه ولا يخاف سوء العاقبة فإذا ظهر شيء من هذه الأحوال على صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجاً لا كرامة. فلهذا المعنى قال المحققون: أكثر ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات كما يخافون من أنواع البلاء.

    والذي يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه: الحجة الأولى: أن هذا الغرور إنما يحصل إذا اعتقد الرجل أنه مستحق لهذ الكرامة لأن بتقدير أن لا يكون مستحقاً لها امتنع حصول الفرح بها بل يجب أن يكون فرحه بكرم المولى وفضله أكبر من فرحه بنفسه فثبت أن الفرح بالكرامة أكثر من فرحه بنفسه وثبت أن الفرح بالكرامة لا يحصل إلا إذا اعتقد أنه أهل ومستحق لها وهذا عين الجهل لأن الملائكة قالوا:

    { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا }
    [البقرة: 32] وقال تعالى:
    { وَمَا قَدَرُواْ ظ±للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }
    [الأنعام: 91] وأيضاً قد ثبت بالبرهان اليقيني أنه لا حق لأحد من الخلق على الحق فكيف يحصل ظن الاستحقاق. الحجة الثانية: أن الكرامات أشياء مغايرة للحق سبحانه فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق والفرح بغير الحق حجاب عن الحق والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور. الحجة الثالثة: أن من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقاً للكرامة بسبب عمله حصل لعمله وقع عظيم في قلبه ومن كان لعمله وقع عنده كان جاهلاً ولو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير وكل شكرهم في جنب آلائه ونعمائه قصور وكل معارفهم وعلومهم فهي في مقابلة عزته حيرة وجهل. رأيت في بعض الكتب أنه قرأ المقرىء في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى:
    { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ظ±لْكَلِمُ ظ±لطَّيّبُ وَظ±لْعَمَلُ ظ±لصَّـظ°لِحُ يَرْفَعُهُ }
    [فاطر: 10] فقال علامة أن الحق رفع عملك أن لا يبقى ذكره عندك فإن بقي عملك في نظرك فهو مدفوع وإن لم يبق معك فهو مرفوع مقبول. الحجة الرابعة: أن صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لإظهار الذل والتواضع في حضرة الله فإذا ترفع وتجبر وتكبر بسبب تلك الكرامات فقد بطل ما به وصل إلى الكرامات فهذا طريق ثبوته يؤديه إلى عدمه فكان مردوداً ولهذا المعنى لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مناقب نفسه وفضائلها كان يقول في آخر كل واحد منها ولا فخر يعني لا أفتخر بهذه الكرامات وإنما أفتخر بالمكرم والمعطي. الحجة الخامسة: أن ظاهر الكرامات في حق إبليس وفي حق بلعام كان عظيماً ثم قيل لإبليس وكان من الكافرين وقيل لبلعام فمثله كمثل الكلب وقيل لعلماء بني إسرائيل:
    { مَثَلُ ظ±لَّذِينَ حُمّلُواْ ظ±لتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ظ±لْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }
    [الجمعة: 5] وقيل أيضاً في حقهم:
    { وَمَا ظ±خْتَلَفَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ظ±لْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ }
    [آل عمران: 19] فبين أن وقوعهم في الظلمات والضلالات كان بسبب فرحهم بما أوتوا من العلم والزهد. الحجة السادسة: أن الكرامة غير المكرم وكل ما هو غير المكرم فهو ذليل وكل من تعزز بالذليل فهو ذليل، ولهذا المعنى قال الخليل صلوات الله عليه: أما إليك فلا، فالاستغناء بالفقير فقر والتقوى بالعاجز عجز والاستكمال بالناقص نقصان والفرح بالمحدث بله والإقبال بالكلية على الحق خلاص، فثبت أن الفقير إذا ابتهج بالكرامة سقط عن درجته. أما إذا كان لا يشاهد في الكرامات إلا المكرم ولا في الإعزاز إلا المعز ولا في الخلق إلا الخالق فهناك يحق الوصول. الحجة السابعة: أن الافتخار بالنفس وبصفاتها من صفات إبليس وفرعون، قال إبليس:

    أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ }
    [الأعراف: 12] وقال فرعون:
    { أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ }
    [الزخرف: 51] وكل من ادعى الإلهية أو النبوة بالكذب فليس له غرض إلا تزيين النفس وتقوية الحرص والعجب ولهذا قال عليه السلام: " ثلاث مهلكات، وختمها بقوله: وإعجاب المرء بنفسه " الحجة الثامنة: أنه تعالى قال:
    { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ ظ±لشَّـظ°كِرِينَ }
    [الأعراف: 144]
    { وَظ±عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىظ° يَأْتِيَكَ ظ±لْيَقِينُ }
    [الحجر: 99] فلما أعطاه الله العطية الكبرى أمره بالاشتغال بخدمة المعطى لا بالفرح بالعطية. الحجة التاسعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيره الله بين أن يكون ملكاً نبياً وبين أن يكون عبداً نبياً ترك الملك، ولا شك أن وجدان الملك الذي يعم المشرق والمغرب من الكرامات بل من المعجزات ثم إنه صلى الله عليه وسلم ترك ذلك الملك واختار العبودية لأنه إذا كان عبداً كان افتخاره بمولاه وإذا كان ملكاً كان افتخاره بعبيده، فلما اختار العبودية لا جرم جعل السنة التي في التحيات التي رواها ابن مسعود «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» وقيل في المعراج:
    { سُبْحَانَ ظ±لَّذِى أَسْرَىظ° بِعَبْدِهِ }
    [الإسراء: 1]. الحجة العاشرة: أن محب المولى غير، ومحب ما للمولى غير، فمن أحب المولى لم يفرح بغير المولى ولم يستأنس بغير المولى، فالاستئناس بغير المولى والفرح بغيره يدل على أنه ما كان محباً للمولى بل كان محباً لنصيب نفسه ونصيب النفس إنما يطلب للنفس فهذا الشخص ما أحب إلا نفسه. وما كان المولى محبوباً له بل جعل المولى وسيلة إلى تحصيل ذلك المطلوب. والصنم الأكبر هو النفس كما قال تعالى:
    { أَفَرَأَيْتَ مَنِ ظ±تَّخَذَ إِلَـظ°هَهُ هَوَاهُ }
    [الجاثية: 23] فهذا الإنسان عابد للصنم الأكبر حتى أن المحققين قالوا لا مضرة في عبادة شيء من الأصنام مثل المضرة الحاصلة في عبادة النفس ولا خوف من عبادة الأصنام كالخوف من الفرح بالكرامات. الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى:
    { وَمَن يَتَّقِ ظ±للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ظ±للَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }
    [الطلاق:2، 3] وهذا يدل على أن من لم يتق الله ولم يتوكل عليه لم يحصل له شيء من هذه الأفعال والأحوال. المسألة الثامنة: في أن الولي هل يعرف كونه ولياً، قال الأستاذ أبو بكر بن فورك لا يجوز وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري يجوز، وحجة المانعين وجوه: الحجة الأولى: لو عرف الرجل كونه ولياً لحصل له الأمن بدليل قوله تعالى:
    { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ظ±للَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
    [يونس:62] لكن حصول الأمن غير جائز ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله مالي:
    { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ظ±للَّهِ إِلاَّ ظ±لْقَوْمُ ظ±لْخَـظ°سِرُونَ }
    [الأعراف:99] واليأس أيضاً غير جائز لقوله تعالى:
    { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون }

    [يوسف:87] ولقوله تعالى:
    { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ظ±لضَّآلُّونَ }
    [الحجر:56] والمعنى فيه أن الأمن لا يحصل إلا عند اعتقاد العجز، واليأس لا يحصل إلا عند اعتقاد البخل واعتقاد العجز والبخل في حق الله كفر، فلا جرم كان حصول الأمن والقنوط كفراً. الثاني: أن الطاعات وإن كثرت إلا أن قهر الحق أعظم ومع كون القهر غالباً لا يحصل الأمن. الثالث: أن الأمن يقتضي زوال العبودية وترك الخدمة والعبودية يوجب العداوة والأمن يقتضي ترك الخوف. الرابع: أنه تعالى وصف المخلصين بقوله:
    { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـظ°شِعِينَ }
    [الأنبياء:90] قيل رغباً في ثوابنا، ورهباً من عقابنا. وقيل: رغباً في فضلنا، ورهباً من عدلنا. وقيل رغباً في وصالنا، ورهباً من فراقنا. والأحسن أن يقال رغباً فينا، ورهباً منا. الحجة الثانية: على أن الولي لا يعرف كونه ولياً، أن الولي إنما يصير ولياً لأجل أن الحق يحبه لا لأجل أنه يحب الحق، وكذلك القول في العدو، ثم إن محبة الحق وعداوته سران لا يطلع عليهما أحد فطاعات العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأن الطاعات والمعاصي محدثة، وصفات الحق قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يصير غالباً للقديم غير المتناهي. وعلى هذا التقدير فربما كان العبد في الحال في عين المعصية إلا أن نصيبه من الأزل عين المحبة. وربما كان العبد في الحال في عين الطاعة ولكن نصيبه من الأزل عين العداوة وتمام التحقيق أن محبته وعداوته صفة، وصفة الحق غير معللة، ومن كانت محبته لا لعلة، فإنه يمتنع أن يصير عدواً بعلة المعصية، ومن كانت عدواته لا لعلة يمتنع أن يصير محباً لعلة الطاعة، ولما كانت محبة الحق وعداوته سرين لا يطلع عليهما لا جرم قال عيسى عليه السلام:
    { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـظ°مُ ظ±لْغُيُوبِ }
    [المائدة: 116] الحجة الثالثة: على أن الولي لا يعرف كونه ولياً أن الحكم بكونه ولياً وبكونه من أهل الثواب والجنة يتوقف على الخاتمة، والدليل عليه قوله تعالى:
    { مَن جَاء بِظ±لْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }
    [الأنعام:160] ولم يقل من عمل حسنة فله عشر أمثالها، وهذا يدل على أن استحقاق الثواب مستفاد من الخاتمة لا من أول العمل، والذي يؤكد ذلك أنه لو مضى عمره في الكفر ثم أسلم في آخر الأمر كان من أهل الثواب وبالضد، وهذا دليل على أن العبرة بالخاتمة لا بأول العمل، ولهذا قال تعالى:
    { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ }
    [الأنفال:38] فثبت أن العبرة في الولاية والعداوة وكونه من أهل الثواب أو من أهل العقاب بالخاتمة، فظهر أن الخاتمة غير معلومة لأحد، فوجب القطع بأن الولي لا يعلم كونه ولياً، أما الذين قالوا إن الولي قد يعرف كونه ولياً فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الولاية لها ركنان.

    أحدهما: كونه في الظاهر منقاداً للشريعة. الثاني: كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة، فإذا حصل الأمران وعرف الإنسان حصولهما عرف لا محالة كونه ولياً، أما الانقياد في الظاهر للشريعة فظاهر، وأما استغراق الباطن في نور الحقيقة فهو أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله، وأن لا يكون له استقرار مع شيء سوى الله. والجواب: أن تداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة غامضة والقضاء عسر، والتجربة خطر، والجزم غرور. ودون الوصول إلى عالم الربوبية أستار، تارة من النيران، وأخرى من الأنوار، والله العالم بحقائق الأسرار

    وقال الالوسي

    وقرأ الزهري { ليعلم } بالياء على إسناد الفعل إليه تعالى بطريق الالتفات. وأياً ما كان فالعلم غاية للبعث وليس ذلك على ظاهره وإلا تكن الآية دليلاً لهشام على ما يزعمه تعالى الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً. فقيل هو غاية بجعله مجازاً عن الإظهار والتمييز، وقيل: المراد ليتعلق علمنا تعلقاً حالياً مطابقاً لتعلقه أولاً تعلقاً استقبالياً كما في قوله تعالى:
    { لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ظ±لرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىظ° عَقِبَيْهِ }
    [البقرة: 143] واعترضه بعض الأجلة بأن بعث هؤلاء الفئة لم يترتب عليه تفرقهم إلى المحصي وغيره حتى يتعلق بهما العلم تعلقاً حالياً أو الإظهار والتمييز ويتسنى نظم شيء من ذلك في سلك الغاية كما ترتب على تحويل القبلة انقسام الناس إلى متبع ومنقلب فصح تعلق العلم الحالي والإظهار بكل من القسمين وإنما الذي ترتب على ذلك تفرقهم إلى مقدر تقديراً غير مصيب ومفوض العلم إلى الله عز وجل وليس في شيء منهما إحصاء أصلاً، ثم قال: إن جعل ذلك غاية بحمل النظم الكريم على التمثيل المبني على جعل العلم عبارة عن الاختبار مجازاً بإطلاق اسم المسبب على السبب وليس من ضرورة الاختبار صدور الفعل المختبر به عن المختبر قطعاً بل قد يكون لإظهاره عجزه عنه على سنن التكاليف التعجيزية كقوله تعالى:
    { فَأْتِ بِهَا مِنَ ظ±لْمَغْرِبِ }
    [البقرة: 258] وهو المراد هنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم معاملة من يختبرهم أيهم أحصى لما لبثوا أمداً فيظهر لهم عجزهم ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير ويتعرفوا حالهم وما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانهم فيزدادوا يقيناً بكمال قدرته تعالى وعلمه ويستبصروا به أمر البعث ويكون ذلك لطفاً لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم ((وقد اقتصر هظ°هنا من تلك الغايات الجليلة على مبدئها الصادر عنه سبحانه وفيما سيأتي إن شاء الله تعالى على ما صدر عنهم من التساؤل المؤدي إليها وهذا أولى من تصوير التمثيل بأن يقال بعثناهم بعث من يريد أن يعلم إذ ربما يتوهم منه استلزام الإرادة لتحقق المراد فيعود المحذور فيصار إلى جعل إرادة العلم عبارة عن الاختبار فاختبر واختر)) انتهى.

    وتعقبه الخفاجي بأن ما ذكره مع تكلفه وقلة جدواه غير مستقيم لأن الاختبار الحقيقي لا يتصور ممن أحاط بكل شيء علماً فحيث وقع جعلوه مجازاً عن العلم أو ما يترتب عليه فلزمه بالآخرة الرجوع إلى ما أنكره واختار جعل العلم كناية عن ظهور أمرهم ليطمئن بازدياد الإيمان قلوب المؤمنين وتنقطع حجة المنكرين وعلم الله تعالى حيث تعذر إرادة حقيقته في كتابه تعالى جعل كناية عن بعض لوازمه المناسبة لموقعه والمناسب هنا ما ذكر، ثم قال: وإنما علق العلم بالاختلاف في أمده أي المفهوم من { أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىظ° لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً } لأنه أدعى لإظهاره وأقوى لانتشاره.

    وقال الرازى

    ، أما قوله: { هَـؤُلاء قَوْمُنَا ظ±تَّخَذْواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } هذا من قول أصحاب الكهف ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام { لَّوْلاَ يَأْتُونَ } - هلا يأتون - { عَلَيْهِم بِسُلْطَـظ°نٍ بَيّنٍ } بحجة بينة، ومعنى عليهم أي على عبادة الآلهة، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدلائل على ذلك لا يدل على عدم المدلول، ومن الناس من يحتج بعدم الدليل على عدم المدلول ويستدل على صحة هذه الطريقة بهذه الآية. فقال إنه تعالى استدل على عدم الشركاء والأضداد بعدم الدليل عليها فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة قوية

    ملحوظة

    لايلزم من عدم الدليل عدم المدلول راجع شرح المعالم لابن التلمسانى

  14. #419
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    قال الرازى

    المسألة الثانية: قوله: { إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ } ليس فيه بيان أنه شاء الله ماذا، وفيه قولان: الأول: التقدير: { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذظ°لِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ } أن يأذن لك في ذلك القول، والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك أنك تفعل الفعل الفلاني إلا إذا أذن الله لك في ذلك الإخبار. القول الثاني: أن يكون التقدير: { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذظ°لِكَ غَداً } إلا أن تقول: { إِن شَاء ظ±للَّهُ } والسبب في أنه لا بد من ذكر هذا القول هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد، ولم يبعد أيضاً لو بقي حياً أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من العوائق، فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في ذلك الوعد، والكذب منفرد وذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، فلهذا السبب أوجب عليه أن يقول: { إِن شَاء ظ±للَّهُ } حتى أن بتقدير أن يتعذر عليه الوفاء بذلك الموعود لم يصر كاذباً فلم يحصل التنفير. المسألة الثالثة: اعلم أن مذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه فيقع مراد العبد ولا يقع مراد الله فتكون إرادة العبد غالبة وإرادة الله تعالى مغلوبة، وأما عندنا فكل ما أراد الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر ويريد الإيمان من المؤمن وعلى هذا التقرير فإرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة إذا عرفت هذا فنقول إذا قال العبد لأفعلن كذا غداً إلا أن يشاء الله والله إنما يدفع عنه الكذب إذا كانت إرادة الله غالبة على إرادة العبد فإن على هذا القول يكون التقدير أن العبد قال أنا أفعل الفعل الفلاني إلا إذا كانت إرادة الله بخلافه فأنا على هذا التقدير لا أفعل لأن إرادة الله غالبة على إرادتي فعند قيام المانع الغالب لا أقوى على الفعل، أما بتقدير أن تكون إرادة الله تعالى مغلوبة فإنها لا تصلح عذراً في هذا الباب، لأن المغلوب لا يمنع الغالب.

    إذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنه إذا قال والله لأفعلن كذا ثم قال: إن شاء الله دافعاً للحنث فلا يكون دافعاً للحنث إلا إذا كانت إرادة الله غالبة، فلما حصل دفع الحنث بالإجماع وجب القطع بكون إرادة الله تعالى غالبة وأنه لا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله وأصحابنا أكدوا هذا الكلام في صورة معينة وهو أن الرجل إذا كان له على إنسان دين وكان ذلك المديون قادراً على أداء الدين فقال والله لأقضين هذا الدين غداً، ثم قال إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض هذا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة أنه تعالى يريد منه قضاء الدين وعلى هذا التقدير فقوله: { إِن شَاء ظ±للَّهُ } تعليق لذلك الحكم على شرط واقع فوجب أن يحنث، ولما أجمعوا على أن لا يحنث علمنا أن ذلك إنما كان لأن الله تعالى ما شاء ذلك الفعل مع أن ذلك الفعل قد أمر الله به ورغب فيه وزجر عن الإخلال به وثبت أنه تعالى قد ينهى عن الشيء ويريده وقد يأمر بالشيء ولا يريده وهو المطلوب، فإن قيل هب أن الأمر كما ذكرتم إلا أن كثيراً من الفقهاء قالوا: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق فما السبب فيه؟ قلنا السبب هو أنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئة الله لم يقع إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا أولاً حصول هذه المشيئة لكن مشيئة الله تعالى غيب فلا سبيل إلى العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة قد وقع وحصل وهو الطلاق فعلى هذا الطريق لا نعرف حصول المشيئة إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا وقوع المشيئة فيتوقف العلم بكل واحد منها على العلم بالآخرة، وهو دور والدور باطل فلهذا السبب قالوا الطلاق غير واقع.

    المسألة الرابعة: احتج القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذظ°لِكَ غَداً * أَن يَشَاء ظ±للَّهُ } قالوا: الشيء الذي سيفعله الفاعل غداً سماه الله تعالى في الحال بأنه شيء لقوله: { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } ومعلوم أن الشيء الذي سيفعله الفاعل غداً فهو معدوم في الحال، فوجب تسمية المعدوم بأنه شيء. والجواب أن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم مسمى بكونه شيئاً وعندنا أن السبب فيه أن الذي سيصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً في الحال كما أنه قال:
    { أَتَىظ° أَمْرُ ظ±للَّهِ }
    [النحل: 1] والمراد سيأتي أمر الله،...

    المسألة الخامسة: اعلم أن مدار القول بإثبات البعث والقيامة على أصول ثلاثة. أحدها: أنه تعالى قادر على كل الممكنات. والثاني: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات. وثالثها: أن كل ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات فإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث والقيامة، فكذلك ها هنا ثبت أنه تعالى عالم قادر على الكل، وثبت أن بقاء الإنسان حياً في النوم مدة يوم ممكن فكذلك بقاؤه مدة ثلثمائة سنة يجب أن يكون ممكناً بمعنى أن إله العالم يحفظه ويصونه عن الآفة. وأما الفلاسفة فإنهم يقولون أيضاً: لا يبعد وقوع أشكال فلكية غريبة توجب في هيولي عالم الكون والفساد حصول أحوال غريبة نادرة، وأقول: هذه السور الثلاثة المتعاقبة اشتمل كل واحد منها على حصول حالة عجيبة نادرة في هذا العالم فسورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بجسد محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام وهو حالة عجيبة، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم في النوم مدة ثلثمائة سنة وأزيد وهو أيضاً حالة عجيبة، وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب وهو أيضاً حالة عجيبة. والمعتمد في بيان إمكان كل هذه العجائب والغرائب المذكورة في هذه السور الثلاثة المتوالية هو الطريقة التي ذكرناها. ومما يدل على أن هذا المعنى من الممكنات أن أبا علي بن سينا ذكر في باب الزمان من كتاب الشفاء أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف، ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف...

    وقال الالوسي

    وقال الخفاجي: إذا كان الاستثناء متعلقاً بِـ
    { إِنّى فَاعِلٌ }
    [الكهف: 23] والمشيئة متعلقة بالعدم صار المعنى إني فاعل في كل حال إلا إذا شاء الله تعالى عدم فعلي وهذا لا يصح النهي عنه، أما على مذهب أهل السنة فظاهر، وأما على مذهب المعتزلة فلأنهم لا يشكون في أن مشيئة الله تعالى لعدم فعل العبد الاختياري إذا عرضت دونه بإيجاد ما يعوق عنه من الموت ونحوه منعت عنه وإن لم تتعلق عندهم بإيجاده وإعدامه، وكذا لا يصح النهي إذا كانت المشيئة متعلقة بالفعل في المذهبين، فما قيل: إن تعلق الاستثناء بما ذكر صحيح والمعنى عليه النهي عن أن يذهب مذهب الاعتزال في خلق الأعمال فيضيفها لنفسه قائلاً إن لم تقترن مشيئة الله تعالى بالفعل فأنا فاعله استقلالاً فإن اقترنت فلا لا يخفى ما فيه على نبيه فتأمل.

    وقد شاع الاعتراض على المعتزلة في زعمهم أن المعاصي واقعة من غير إرادة الله تعالى ومشيئته وإنه تعالى لا يشاء إلا الطاعات بأنه لو كان كذلك لوجب فيما إذا قال الذي عليه دين لغيره قد طالبه به والله لأعطيتك حقك غداً إن شاء الله تعالى أن يكون حانثاً إذا لم يفعل لأن الله تعالى قد شاء ذلك لكونه طاعة وإن لم يقع فتلزمه الكفارة عن يمينه ولم ينفعه الاستثناء / كما لو قال: والله لأعطينك إن قام زيد فقام ولم يفعل، وفي التزام الحنث في ذلك خروج عن الإجماع. وقد أجاب عنه المرتضى بأن للاستثناء الداخل في الكلام وجوهاً مختلفة فقد يدخل في الأيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجري مجراها من الأخبار وهذا يقتضي التوقف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به ويصير به الكلام كأنه لا حكم له، ويصح في هذا الوجه الاستثناء في الماضي فيقال: قد دخلت الدار إن شاء الله تعالى ليخرج بذلك من أن يكون خبراً قاطعاً أو يلزم به حكم، ولا يصح في المعاصي لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى والمعاصي لا يصلح ذلك فيها قال: وهذا الوجه أحد محتملات الآية، وقد يدخل في الكلام ويراد به التسهيل والإقدار والتخلية والبقاء على ما هو عليه من الأحوال وهذا هو المراد إذا دخل في المباحات وهو ممكن في الآية، وقد يدخل لمجرد غرض الانقطاع إلى الله تعالى ويكون على هذا غير معتد به في كون الكلام صادقاً أو كاذباً وهو أيضاً ممكن في الآية، وقد يدخل ويراد به اللطف والتسهيل وهذا يختص بالطاعات ولا يصح أن تحمل الآية عليه لأنها تتناول كل ما لم يكن قبيحاً....

    وأياً ما كان ففيه إشارة إلى أن شأن بصره تعالى وسمعه عز وجل وهما صفتان غير راجعتين إلى صفة العلم خارج عما عليه بصر المبصرين وسمع السامعين فإن اللطيف والكثيف والصغير والكبير والجلي والخفي والسر والعلن على حد سواء في عدم الاحتجاب عن بصره وسمعه تبارك وتعالى بل من الناس من قال: إن المعدوم والموجود في ذلك سواء وهو مبني على شيئية المعدوم / والخلاف في ذلك معلوم

    ملحوظة

    كلام هام جدا عن شيئية المعدوم والماهيات المجعولة من حواشي الاشاعرة

    Screenshot_????-??-??-??-??-??.png

    Screenshot_????-??-??-??-??-??.png

    وقال الالوسي

    لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـظ°تِهِ } لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها غيره وأما هو سبحانه فقدرته شاملة لكل شيء يمحو ما يشاء ويثبت، ويعلم مما ذكر اندفاع ما قيل: إن التبديل واقع لقوله تعالى:
    { وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً }
    [النحل: 101] الآية. والظاهر عموم الكلمات الأخبار وغيرها، ومن هنا قال الطبرسي: المعنى لا مغير لما أخبر به تعالى ولا لما أمر والكلام على حذف مضاف أي لا مبدل لحكم كلماته انتهى. لكن أنت تعلم أن الخبر لا يقبل التبديل أي النسخ فلا تتعلق به الإرادة حتى تتعلق به القدرة لئلا يلزم الكذب المستحيل عليه عز شأنه. ومنهم من خص الكلمات بالأخبار لأن المقام للإخبار عن قصة أصحاب الكهف وعليه لا يحتاج إلى تخصيص النكرة المنفية لما سمعت من حال الخبر. وقول الإمام: إن النسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالمغاير فكيف يكون تبديلاً توهم لا يقتدى به.


    ملحوظة

    ارادة الله قديمه ومعنى المذكور فى كتب الحنابلة يتكلم اذا شاء ليس معناها ارادة ومشيئة حادثة فليزم حدوث الكلام حاشا لله بل المعنى اذا شاء الاسماع فتسمع الكلام الازلي والقول بحدوث الكلام فى ذاته قديم النوع حادث الحاد تبعا للمشيئة مخالف للحنابلة فارادة الله قديمة لاتتعلق بشيء يتجدد فى ذاته حاشا لله فالله ليس محل للحوادث عند جميع طوائف اهل السنة اشاعرة ماتريدية حنابلة فتأمل

    فالقول بارجاع الكلام الحادث لارادة حادثة فى الذات مخالف لاهل السنة لان كلا من الارادة والكلام صفتان ازليتان منزهان عن سمات الحدوث والتعاقب

  15. #420
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,553
    قال الرازى

    احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهال لأن قوله: { أَغْفَلْنَا } يدل على هذا المعنى، قالت المعتزلة: المراد بقوله تعالى: { أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } أنا وجدنا قلبه غافلاً وليس المراد خلق الغفلة فيه، والدليل عليه ما روي عن عمرو بن معديكرب الزبيدي أنه قال لبني سليم: قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهجوناكم فما أفحمناكم، أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين.

    ثم نقول: حمل اللفظ على هذا المعنى أولى ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان كذلك لما استحقوا الذم. الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه لما صح ذلك. الثالث: لو كان المراد هو أنه تعالى جعل قلبه غافلاً لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه. لأن على هذا التقدير يكون ذلك من أفعال المطاوعة، وهي إنما تعطف بالفاء لا بالواو، ويقال: كسرته فانكسر ودفعته فاندفع ولا يقال: وانكسر واندفع. الرابع: قوله تعالى: { وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } ولو كان تعالى أغفل في الحقيقة قلبه لم يجز أن يضاف ذلك إلى اتباعه هواه. والجواب: قوله المراد من قوله: { أَغْفَلْنَا } أي وجدناه غافلاً، وليس المارد تحصيل الغفلة فيه. قلنا: الجواب عنه من وجهين. الأول: أن الاشتراك خلاف الأصل فوجب أن يعتقد أن وزن الأفعال حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وجعله حقيقة في التكوين مجازاً في الوجدان أولى من العكس وبيانه من وجوه: أحدها: أن مجيء بناء الأفعال بمعنى التكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان والكثرة دليل الرجحان. وثانيها: أن مبادرة الفهم من هذا البناء إلى التكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان ومبادرة الفهم دليل الرجحان. وثالثها: أنا إن جعلناه حقيقة في التكوين أمكن جعله مجازاً في الوجدان لأن العلم بالشيء تابع لحصول المعلوم، فجعل اللفظ حقيقة في المتبوع ومجازاً في التبع موافق للمعقول، أما لو جعلناه حقيقة في الوجدان مجازاً في الإيجاد لزم جعله حقيقة في التبع مجازاً في الأصل وأنه عكس المعقول فثبت أن الأصل جعل هذا البناء حقيقة في الإيجاد لا في الوجدان. الوجه الثاني: في الجواب عن السؤال أنا نسلم كون اللفظ مشتركاً بالنسبة إلى الإيجاد وإلى الوجدان إلا أنا نقول يجب حمل قوله: { أَغْفَلْنَا } على إيجاد الغفلة وذلك لأن الدليل العقلي دل على أنه يمتنع كون العبد موجداً للغفلة في نفسه والدليل عليه أنه إذا حاول إيجاد الغفلة، فأما أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معين والأول باطل، وإلا لم يكن بأن تحصل له الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن تحصل له الغفلة عن شيء آخر، لأن الطبيعة المشترك فيها بين الأنواع الكثيرة تكون نسبتها إلى كل تلك الأنواع على السوية، أما الثاني فهو أيضاً باطل لأن الغفلة عن كذا عبارة عن غفلة لا تمتاز عن سائر أقسام الغفلات إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعين بعينه، فعلى هذا لا يمكنه أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا إذا تصور أن تلك الغفلة غفلة عن كذا، ولا يمكنه أن يتصور كون تلك الغفلة غفلة عن كذا إلا إذا تصور كذا لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروط بتصور كل واحد من المنتسبين.

    فثبت أنه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا مع الشعور بكذا لكن الغفلة عن كذا ضد الشعور بكذا فثبت أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة إلا عند اجتماع الضدين وذلك محال، والموقوف على المحال محال، فثبت أن العبد غير قادر على إيجاد الغفلة، فوجب أن يكون خالق الغفلات وموجدها في العباد هو الله، وهذه نكتة قاطعة في إثبات هذا المطلوب، وعند هذا يظهر أن المراد بقوله تعالى: { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } هو إيجاد الغفلة لا وجدانها، أما حديث المدح والذم فقد عارضناه مراراً وأطواراً بالعلم والداعي، أما قوله تعالى بعد هذه الآية:
    { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }
    [الكهف:29] فالبحث عنه سيأتي إن شاء الله تعالى، أما قوله: { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } لو كان المراد إيجاد الغفلة لوجب ذكر الفاء، لا ذكر الواو، فنقول: هذا إنما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول اتباع الهوى كما أن الكسر من لوازمه حصول الانكسار، وليس الأمر كذلك لأنه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى لاحتمال أن يصير غافلاً عن ذكر الله، ومع ذلك فلا يتبع الهوى بل يبقى متوقفاً لا ينافي مقام الحيرة والدهشة والخوف من الكل فسقط هذا السؤال، وذكر القفال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوهاً أخرى. فأحدها: أنه تعالى لما صب عليهم الدنيا صباً وأدى ذلك إلى رسوخ الغفلة في قلوبهم صح على هذا التأويل أنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم كما في قوله تعالى:
    { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً }
    [نوح: 6]. والوجه الثاني: أن معنى قوله: { أَغْفَلْنَا } أي تركناه غافلاً فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وهو من قولهم بعير غفل أي لا سمة عليه. وثالثها: أن المراد من قوله أغفلنا قلبه أي خلاه مع الشيطان ولم يمنع الشيطان منه فيقال في: الوجه الأول: إن فتح باب لذات الدنيا عليه هل يؤثر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر، فإن أثر كان أثر إيصال اللذات إليه سبباً لحصول الغفلة في قلبه.

    وذلك عين القول بأنه تعالى فعل ما يوجب حصول الغفلة في قلبه، وإن كان لا تأثير له في حصول هذه الغفلة بطل إسناده إليه، وقد يقال في: الوجه الثاني: إن قوله أغفلنا قلبه بمنزلة قوله سودنا قلبه وبيضنا وجهه ولا يفيد إلا ما ذكرناه، ويقال في الوجه الثالث إن كان لتلك التخلية أثر في حصول تلك الغفلة فقد صح قولنا، وإلا بطل استناد تلك الغفلة إلى الله تعالى. ....

    وقال الالوسي

    والآية ظاهرة في مذهب أهل السنة، وأولها المعتزلة فقيل المراد أغفلنا قلبه بالخذلان وهذا هو التأويل المشهور عندهم في أمثال ذلك وحاله معلوم عندك، وقيل: المراد صادفناه غافلاً كما في قولهم: سألناكم فما أفحمناكم وقاتلناكم فما أجبناكم. وتعقب بأنه لا ينبغي أن يتجرأ على تفسير فعل أسنده الله تعالى إليه بالمصادفة التي تفهم وجدان الشيء بغتة عن جهل سابق وعدم علم، وقيل: المراد نسبناه إلى الغفلة كما في قول الكميت:
    وطائفة قد أكفروني بحبكم وطائفة قالوا مسيء ومذنب
    وهو كما ترى. وقال الرماني: المراد لم نسم قلبه بالذكر ولم نجعله من القلوب التي كتبنا فيها الإيمان كقلوب المؤمنين من قولهم: أغفل فلان إبله إذا تركها غفلاً من غير سمة وعلامة بِكَيٍّ ونحوه، ومنه إغفال الخط لعدم إعجامه فالإغفال المذكور استعارة لجعل ذكر الله تعالى الدال على الإيمان به كالسمة لأنه علامة للسعادة كما / جعل ثبوت الإيمان في القلب بمنزلة الكتابة، وهو تأويل رقيق الحاشية لطيف المعنى وإن كان خلاف الظاهر فهو مما لا بأس به لمن لم يكن غرضه منه الهرب من مذهب أهل السنة.

    واحتج بعضهم على أنه ليس المراد ظاهر الآية بقوله سبحانه: { وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } في طلب الشهوات حيث أسند اتباع الهوى إلى العبد فيدل على أنه فعله لا فعل الله تعالى ولو كان ذلك فعل الله سبحانه والإسناد مجازي لقيل فاتبع بالفاء السببية لتفرعه عليه. وأجيب بأن فعل العبد لكونه بكسبه وقدرته، وخلق الله تعالى يجوز إسناده إليه بالاعتبار الأول وإلى الله تعالى بالثاني، والتنصيص على التفريع ليس بلازم فقد يترك لنكتة كالقصد إلى الإخبار به استقلالاً لأنه أدخل في الذم وتفويضاً إلى السامع في فهمه ولا حاجة إلى تقدير فقيل واتبع هواه. وقرأ عمرو بن فائد وموسى الأسواري وعمرو بن عبيد { أغفلنا } بفتح الفاء واللام { قَلبه } بالرفع على أنه فاعل { أغفلنا } ، وهو على هذه القراءة من أغفله إذا وجده غافلاً، والمراد ظننا وحسبنا غافلين عن ذكرنا له ولصنيعه بالمؤاخذة بجعل ذكر الله تعالى له كناية عن مجازاته سبحانه.

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا }.

    تأويل الآية على قولنا ظاهر، نحن نقول على ما نطق ظاهر الآية: من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، أي: من خلقنا ظلمة الكفر بكفرهم في قلوبهم، أو خذلناهم بكفرهم الذي فعلوا.

    وأما المعتزلة فإنهم قد تحيروا فيه وتاهوا وأكثروا التأويلات فيها، حتى أن منهم من صرف القراءة عن وجهها فقال: { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا } بنصب اللام، و { قَلْبَهُ } برفع الباء، معناه: أن من أغفل قلبه عن ذكرنا على قول المعتزلة، على صرف الفعل إلى القلب، وكذلك قالوا في قوله:

    { مِن شَرِّ مَا خَلَقَ }
    [الفلق: 2]؛ ليصح على مذهبهم ويستقيم.

    ومنهم من قال: { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } ، أي: لا تطع من وجدنا قلبه غافلا، وقال: ذلك مستقيم في اللغة؛ يقال: قاتلناهم فيما أجبَنَّاهم، أي: ما وجدناهم جبناء، ويقال: فسألناهم فما أبخلناهم، أي: ما وجدناهم بخلاء، ونحوه من الكلام، وهو تأويل الجبائي فيما أظن.

    وقال بعضهم: { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } ، أي: من خلينا بينه وبين ما يفعل وهو كما يقال لمن خلى عبده حتى أفسده كثيراً من الناس يقال: سلطت عبدك على الناس، وهو لم يسلطه عليهم، لكنه يقال له؛ لما قدر على منعه عن ذلك والحيلولة بينه وبين ما فعل أضيف ذلك إليه؛ فعلى ذلك قوله: { أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } أي: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، وهو تأويل جعفر بن حرب.

    وقال بعضهم: أضاف ذلك إلى نفسه للأسباب التي أعطاهم من السعة والغناء والشرف في الدنيا، فتلك الأسباب التي أعطاهم هي التي حملتهم على ذلك؛ فأضيف إليه ذلك لذلك، وهو ما قال:
    { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً }
    [الزخرف: 32] وهو تأويل أبي بكر الأصم.

    وقال الحسن: { أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } أي: خذلناهم وطبعنا على قلوبهم، وهو يقول: إن للكفر حدّاً إذا بلغ ذلك الحد يخذله ويطبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.

    فيقال: خذله في أول حال الكفر أو بعد ذلك بأوقات وزمان.

    فإن قال: في أول حال كفره فهو قولنا.

    وإن قال: لا في أول حاله، ولكن بعد زمان، فهو كافر موفق ومؤمن مخذول على قوله، فنعوذ بالله مما قال.

    ثم الجواب للأول ما ذكرنا من صرف التنزيل عن وجهه وظاهره، فلو جاز لهم ذلك، [لجاز] لغيرهم صرف جميع الآيات عن ظاهر التنزيل، وذلك بعيد محال.

    وأما تأويل الجبائي، أي: ما وجدناهم كذا، فإنما يسوغ له هذا إذا كان جميع حروف (أفعل) يخرج على ما يقوله في اللغة، فأمّا أن يقال في بعض، فإن ذلك غير مستقيم.

    وبعد فإنه لو كان كما ذكر لكان يقول: (ولا تطع من أغفلته عن ذكرنا)، أي: وجدته غافلا عن ذكرنا؛ لأنه نهى عن أن يطيع من وجده غافلا، فهو لا يعلم من وجده الله غافلا، إنما يعلم من وجده بنفسه غافلا.

    فأما إذا كان ما ذكرنا لم يكن للنهي عما ذكر معنى؛ فدل أن تأويله فاسد وخيال، وأن إضافته إليه لمعنى يكون من الله.

    وأما جواب جعفر بن حرب أنه على التخلية والتسليط، فهو إنما يقال: سلطت عبدك على كذا على الذم لا على المدح؛ فلا يجوز أن يقال ذلك في الله على الذم ويضاف إليه أيضاً ذلك.

    وكذلك يقال لأبي بكر حيث قال: إنما أضاف ذلك إليه للأسباب التي ذكر أنه أعطاهم، يقال له: ذلك يضاف على الذم: إنك أعطيت كذا حتى فعل كذا، فأما أن يقال على المدح فلا؛ فيبطل قوله وتأويله؛ فدل إضافة ذلك إلى نفسه أنه كان منه في ذلك معنى يستقيم إضافته إليه، وهو ما ذكرنا من خلق الظلمة في قلوبهم بكفرهم الذي اختاروا وخذلانه إياهم لما اختاروا وآثروا، والله أعلم.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •