صفحة 27 من 29 الأولىالأولى ... 1723242526272829 الأخيرةالأخيرة
النتائج 391 إلى 405 من 434

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #391
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الالوسي

    وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ } وهو كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نبيهم الذي بعث فيهم في الدنيا، ومعنى كونه { مّنْ أَنفُسِهِمْ } أنه منهم، وذلك ليكون أقطع للمعذرة، ولا يرد لوط عليه السلام فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عد منهم أيضاً، وقال ابن عطية: يجوز أن يبعث الله تعالى شهداء من الصالحين مع الأنبياء عليهم السلام، وقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: إذا رأيت أحداً على معصية فانهه فإن/ أطاعك وإلا كنت شهيداً عليه يوم القيامة، وذكر الإمام في الآية قولين الأول أن كل نبـي شاهد على قومه كما تقدم، والثاني إن كل قرن وجمع يحصل في الدنيا فلا بد أن يحصل فيهم من يكون شهيداً عليهم ولا بد أن لا يكون جائز الخطأ وإلا لاحتاج إلى آخر وهكذا فيلزم التسلسل، ووجود الشهيد كذلك في عصر النبـي صلى الله عليه وسلم ظاهر وأما بعده فلا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وهم قائمون مقام الشهيد المعصوم، ثم قال: وهذا يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة انتهى، وإلى أنه لا بد في كل عصر ممن يكون قوله حجة على أهل عصره ذهب الجبائي وأكثر المعتزلة، قال الطبرسي في «مجمع البيان»: ومذهبهم يوافق مذهب أصحابنا. يعني الشيعة. وإن خالفه في أن ذلك الحجة من هو. وأنت تعلم أن الاستدلال بالآية على هذا المطلب ضعيف، وتحقيق الكلام في ذلك يطلب من محله. وقال الأصم: المراد بالشهيد أجزاء من الإنسان، وذلك أنه تعالى ينطق عشرة أجزاء منه وهي الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان فتشهد عليه لأنه سبحانه قال في صفة الشهيد من أنفسهم.

    وتعقبه القاضي وغيره بأن كونه شهيداً على الأمة يقتضي أن يكون غيرهم، وأيضاً قوله تعالى: { مِن كُلّ أمَّةٍ } يأبـى ذلك إذ لا يصح وصف آحاد الأعضاء بأنها من الأمة؛ وأيضاً مقابلة ذلك بقوله سبحانه: { وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىظ° هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ } يبعد ما ذكر كما لا يخفى، والمراد بهؤلاء أمته صلى الله عليه وسلم عند أكثر المفسرين، ولم يستبعد أن يكون المراد بهم ما يشمل الحاضرين وقت النزول وغيرهم إلى يوم القيامة فإن أعمال أمته عليه الصلاة والسلام تعرض عليه بعد موته. فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم " بل جاء أن أعمال العبد تعرض على أقاربه من الموتى، فقد أخرج ابن أبـي الدنيا عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال:

    " لا تفضحوا أمواتكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور " وأخرج أحمد عن أنس مرفوعاً " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا "....

    وقال الرازى

    وإما أعمال الجوارح. أما الاعتقادات: فالعدل في كلها واجب الرعاية فأحدها: قال ابن عباس: إن المراد بالعدل هو قول لا إله إلا الله، وتحقيق القول فيه أن نفي الإله تعطيل محض وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتشبيه وهما مذمومان، والعدل هو إثبات الإله الواحد وهو قول لا إله إلا الله.

    وثانيها: أن القول بأن الإله ليس بموجود ولا شيء تعطيل محض، والقول بأنه جسم وجوهر مركب من الأعضاء، ومختص بالمكان تشبيه محض، والعدل إثبات إله موجود متحقق بشرط أن يكون منزهاً عن الجسمية والجوهرية والأعضاء والأجزاء والمكان، وثالثها: أن القول بأن الإله غير موصوف بالصفات من العلم والقدرة تعطيل محض، والقول بأن صفاته حادثة متغيرة تشبيه محض. والعدل هو إثبات أن الإله عالم قادر حي مع الإعتراف بأن صفاته ليست حادثة ولا متغيرة. ورابعها: أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محض، والقول بأن العبد مستقل بأفعاله قدر محض وهما مذمومان، والعدل أن يقال: إن العبد يفعل الفعل لكن بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله تعالى فيه، وخامسها: القول بأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده على شيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه تعالى يخلد في النار عبده العارف بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار كل من قال واعتقد أنه لا إله إلا الله، فهذه أمثلة ذكرناها في رعاية معنى العدل في الاعتقادات، .....


    ومن العجائب في هذا الباب أن العقلاء قالوا: أخس هذه القوى الثلاثة هي الشهوانية، وأوسطها الغضبية وأعلاها الوهمية. والله تعالى راعى هذا الترتيب فبدأ بالفحشاء التي هي نتيجة القوة الشهوانية، ثم بالمنكر الذي هو نتيجة القوة الغضبية، ثم بالبغي الذي هو نتيجة القوة الوهمية، فهذا ما وصل إليه عقلي وخاطري في تفسير هذه الألفاظ، فإن يك صواباً فمن الرحمن، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله عنه بريئان والحمد لله على ما خصنا بهذا النوع من الفضل والإحسان إنه الملك الديان


    ملحوظة

    لو تدبرت عقيدة اهل السنة لعلمت انها عدل ووسط فى كل شيء

    وقال الالوسي

    { وَلَوْ شَاء ظ±للَّهُ لَجَعَلَكُمْ } أيها الناس { أُمَّةً وَاحِدَةً } متفقة على الإسلام { وَلَـظ°كِنْ } لا يشاء ذلك رعاية للحكمة بل { يُضِلُّ مَن يَشَاء } إضلاله بأن يخلق فيه الضلال حسبما يصرف اختياره التابع/ لاستعداده له { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } هدايته حسبما يصرف اختياره التابع لاستعداده لتحصيلها { وَلَتُسْأَلُنَّ } جميعاً يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة لا سؤال استفسار وتفهم { عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تستمرون على عمله في الدنيا بقدركم المؤثرة بإذن الله تعالى، والآية ظاهرة في أن مشيئة الله تعالى لإسلام الخلق كلهم ما وقعت وأنه سبحانه إنما شاء منهم الافتراق والاختلاف، فإيمان وكفر وتصديق وتكذيب ووقع الأمر كما شاء جل وعلا، والمعتزلة ينكرون كون الضلال بمشيئته تعالى ويزعمون أنه سبحانه إنما شاء من الجميع الإيمان ووقع خلاف ما شاء عز شأنه. وأجاب الزمخشري عن الآية بأن المعنى لو شاء على طريقة الإلجاء والقسر لجعلكم أمة واحدة مسلمة فإنه سبحانه قادر على ذلك لكن اقتضت الحكمة أن يضل ويخذل من يشاء ممن علم سبحانه أنه يختار الكفر ويصمم عليه ويهدي من يشاء بأن يلطف بمن علم أنه يختار الايمان، والحاصل أنه تعالى بني الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحق به شيء ولو كان العبيد مضطرين للهداية والضلال لما أثبت سبحانه لهم عملاً يسئلون عنه بقوله: { وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } اهـ، وللعسكري نحوه.

    وقد قدمنا لك غير مرة أن المذهب الحق على ما بينه علامة المتأخرين الكوراني وألف فيه عدة " رسائل " أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى لا أنه لا قدرة له أصلاً كما يقول الجبرية ولا أن له قدرة مقارنة غير مؤثرة كما هو المشهور عند الأشعرية ولا أن له قدرة مؤثرة وإن لم يؤذن لله تعالى كما يقول المعتزلة وأن له اختياراً أعطيه بعد طلب استعداده الثابت في علم الله تعالى له فللعبد في هذا المذهب اختيار والعبد مجبور فيه بمعنى أنه لا بد من أن يكون له لأن استعداده الأزلي الغير المجعول قد طلبه من الجواد المطلق والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها والإثابة والتعذيب إنما يترتبان على الاستعداد للخير والشر الثابت في نفس الأمر والخير والشر يدلان على ذلك نحو دلالة الأثر على المؤثر والغاية على ذي الغاية وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ومن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجه غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وقال ابن المنير: إن أهل السنة عن الإجبار بمعزل لأنهم يثبتون للعبد قدرة واختياراً وأفعالاً وهم مع ذلك يوحدون الله تعالى حق توحيده فيجعلون قدرته سبحانه هي الموجدة والمؤثرة وقدرة العبد مقارنة فحسب وبذلك يميز بين الاختياري والقسري وتقوم [بها] حجة الله تعالى على عباده اهـ وهذا هو المشهور من مذهب الأشعرية وهو كما ترى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام وما فيه من النقض والإبرام.

    ملحوظة

    كلام الالوسي من المباحث العميقة جدا التى غرق فيها الفحول فى علم الكلام

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَلَوْ شَآءَ ظ±للَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً }.

    قال الحسن: { وَلَوْ شَآءَ ظ±للَّهُ } المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، أي: لو شاء لجبرهم وقهرهم على الإيمان فآمنوا جميعاً. فهذا فاسد؛ لأنه لا يكون بالقهر والجبر إيمان؛ لأنه لا صنع للعبد في حال القهر والجبر؛ فيبطل تأويله؛ إذ لا يجوز أن يثبت إيمان في تلك الحال.

    وقال أبو بكر: تأويله قوله: لو شاء لأنزل لهم آية حتى يؤمنوا جميعاً بتلك الآية، كقوله:
    { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }
    [الشعراء: 4]: أخبر أنه لو أنزل آية [يكونون] لها خاضعين، لكن عندنا أنهم ليسوا يؤمنون ويخضعون للآية، ولكن بما شاء لهم ذلك، ولا يحتمل أن تحملهم الآية على الإيمان، شاءوا أو أبوا؛ ألا ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات، وهو قوله:
    { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ }
    إلى قوله:
    { وَظ±للَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
    [الأنعام: 22-23]: أخبر أنهم يكذبون وقد عاينوا الآيات، وليست الآية التي تنزل عليهم في الدنيا بأعظم من الآيات التي يعاينونها يوم القيامة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب؛ دلّ أن الآية ليست تحملهم على الإيمان، ولا تضطرهم عليه، ولكن لو شاء لآمنوا بالاختيار فيبطل تأويله.

    ثم الآية تحتمل عندنا وجهين:

    أحدهما: قوله: { وَلَوْ شَآءَ ظ±للَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } بظاهر السبب الذي إذا أعطاهم لآمنوا له،
    { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ظ±لنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً... }
    الآية [الزخرف: 33]: أخبر أنه لو ما يرغب الناس في الكفر فيكونون كفاراً كلهم، وإلا جعل سقف أهل الكفر ومعارجهم من فضة؛ فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام وفي أيديهم لآمنوا - أيضاً - كلهم؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في أيدي الكفرة؛ فيحمل أهل الإسلام على الكفر، وإذا كان ذلك بعينه لأهل الإسلام - لا يحمل أهل الكفر على ترك الكفر والدخول في الإسلام.

    والوجه الثاني: لو شاء لجعلهم أمّة واحدة بلطف منه: يشرح صدره للإسلام من غير أن يعلم أن أحداً ألقى ذلك في قلبه، من نحو ما مكّن للشيطان عدو الله؛ حتى يقذف في قلوب الخلق ويلقي وساوس، من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك وألقى إلى قلوبهم؛ ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم - عليه السلام - ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربّه لو علم أنه إبليس لما أجابه؛ وكذلك ما مكن للملائكة من تثبيت قلوب الذين آمنوا، وإلقاء أشياء في قلوبهم، ويلهمونهم، وهو قوله:
    { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ }
    [الأنفال: 12] من غير أن يعلموا [أنَّ] أحداً دعاهم إلى ذلك، أو ألقى أحد ذلك في قلوبهم؛ فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا يملك شرح الصّدر للإسلام والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلموا أن أحداً فعل ذلك.

    وقوله - عزّ وجلّ -: { وَلـظ°كِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ }.

    على قول الحسن: على الحكم لذلك.

    وقال أبو بكر الأصم: يضل بالنهي من نهى، ويهدي بالأمر. لكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان بالنهي مضلاًّ وبالأمر هادياً - لكان مضلاًّ للأنبياء والرسل؛ لأنه قد نهاهم بمناهٍ؛ فيكون مضلاًّ لهم.

    فإن قيل: لم يصر ما ذكرت؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل: الارتكاب فعلهم؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد، وعلى قولهم يكون بالنهي عاصياً مضلاًّ، وعندنا قوله: { يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } أي: يخلق فعل الضلال منهم، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم.

    ملحوظة

    هناك خلاف حقيقي بين الاشاعرة والماتريدية فى الارادة الجزئية والكلية فى باب خلق الافعال والمسألة فى مطولات كتب علم الكلام

    وقال الرازى

    البحث الثاني: أن قوله: { وَمَا عِندَ ظ±للَّهِ بَاقٍ } يدل على أن نعيم أهل الجنة باق لا ينقطع. وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه....

    ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الثاني وهو الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام فقال: { مَنْ عَمِلَ صَـظ°لِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىظ° وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوظ°ةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لفظة «من» في قوله: { مَّنْ عَمِلَ صَـظ°لِحاً } تفيد العموم فما الفائدة في ذكر الذكر والأنثى؟ والجواب: أن هذه الآية للوعد بالخيرات والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتاً للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص. السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن الأيمان مغاير للعمل الصالح؟ والجواب: نعم لأنه تعالى جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح موجباً للثواب. وشرط الشيء مغاير لذلك الشيء

    وقال الالوسي

    فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَظ°وةً طَيّبَةً } الخ، والمراد بالحياة الطيبة الحياة التي تكون في الجنة إذ هناك حياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا شقاوة، أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الحسن قال: ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة، وروي نحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد، ولله تعالى در من قال:
    لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
    وقال شريك: هي حياة تكون في البرزخ فقد جاء " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار

  2. #392
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    ولما ذكر الله تعالى هذا الجواب أردفه بالتهديد والوعيد، فقال: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـظ°تِ ظ±للَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ظ±للَّهُ } أما تفسير أصحابنا لهذه الآية فظاهر، وقال القاضي: أقوى ما قيل في ذلك إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة، ولذلك قال بعده: { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } والمراد أنهم لما تركوا الإيمان بالله لا يهديهم الله إلى الجنة بل يسوقهم إلى النار، ثم إنه تعالى بين كونهم كذابين في ذلك القول فقال: { إِنَّمَا يَفْتَرِي ظ±لْكَذِبَ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـظ°تِ ظ±للَّهِ وَأُوْلـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْكَـظ°ذِبُونَ }

    المسألة العاشرة: قوله: { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِظ±لإِيمَـظ°نِ } يدل على أن محل الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الاعتقاد، وإما كلام النفس، فوجب أن يكون الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس، والله أعلم. ثم قال تعالى: { وَلَـظ°كِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدراً على أنه مفعول لشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة. ثم قال: { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ ظ±للَّهِ } والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم وصف ذلك العذاب فقال: { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }. ثم قال تعالى: { ذظ°لِكَ بِأَنَّهُمُ ظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْحَيَوظ°ةَ ظ±لْدُّنْيَا عَلَىظ° ظ±لأَخِرَةِ } أي رجحوا الدنيا على الآخرة، والمعنى: أن ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر. قال القاضي: المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف، لأن قوله: { وَأَنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِى ظ±لْقَوْمَ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ } معطوف على قوله: { ذظ°لِكَ بِأَنَّهُمُ ظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْحَيَوظ°ةَ ظ±لْدُّنْيَا عَلَىظ° ظ±لأَخِرَةِ } فوجب أن يكون قوله: { وَأَنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِى ظ±لْقَوْمَ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ } علة وسبباً موجباً لإقدامهم على ذلك الارتداد، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سبباً لذلك الارتداد، ولا علة له بل مسبباً عنه ومعلولاً له فبطل هذا التأويل، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن الإيمان فقال: { أُولَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ طَبَعَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـظ°رِهِمْ } قال القاضي: الطبع ليس يمنع من الإيمان ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه. والثاني: أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمناً فضلاً عن طبع يلحقهما في القلب. والثالث: وصفهم بالغفلة. ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة

    وقال الالوسي


    { أُوْلَـظ°ئِكَ } أي الموصوفون بما ذكر { ظ±لَّذِينَ طَبَعَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـظ°رِهِمْ } فلم تفتح لإدراك الحق واكتساب ما يوصل إليه، واستظهر أبو حيان كون { ذظ°لِكَ } إشارة إلى ما استحقوه من الغضب والعذاب، وقال: إن قوله تعالى
    { ظ±سْتَحَبُّواْ }
    [النحل: 107] إشارة إلى الكسب
    { وَأَنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِى ظ±لْقَوْمَ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ }
    [النحل: 107] إشارة إلى الاختراع فجمعت الآية الأمرين وذلك عقيدة أهل السنة فافهم، وقد تقدم للكلام على الطبع { وَأُولَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْغَافِلُونَ } أي الكاملون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من الغفلة عن تدبر العواقب والنظر في المصالح، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: غافلون عما يراد منهم في الآخرة.

  3. #393
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { وَتُوَفَّىظ° كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } فيه محذوف، والمعنى: توفى كل نفس جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان، وقوله: { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } قال الواحدي: معناه لا ينقضون. قال القاضي: هذه الآية من أقوى ما يدل على ما نذهب إليه في الوعيد، لأنها تدل على أنه تعالى يوصل إلى كل أحد حقه من غير نقصان، ولو أنه تعالى أزال عقاب المذنب بسبب الشفاعة لم يصح ذلك. والجواب: لا نزاع أن ظاهر العمومات يدل على قولكم، إلا أن مذهبنا أن التمسك بظواهر العمومات لا يفيد القطع، وأيضاً فظواهر الوعيد معارضة بظواهر الوعد، ثم بينا في سورة البقرة في تفسير قوله:
    { بَلَىظ° مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـظ°طَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ }
    [البقرة: 81] أن جانب الوعد راجح على جانب الوعيد من وجوه كثيرة، والله أعلم....

    ونقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابـي الأديب: هل يذاق اللباس؟ قال ابن الأعرابـي: لا باس ولا لباس يا أيها النسناس، هب أنك تشك أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس فكان الواجب أن يقال: فكساهم الله لباس الجوع، أو يقال: فأذاقهم الله طعم الجوع. وأقول جوابه من وجوه: الوجه الأول: أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان. أحدهما: أن المذوق هو الطعم فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع. والثاني: أن ذلك الجوع كان شديداً كاملاً فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات، فأشبه اللباس. فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس، فاعتبر الله تعالى كلا الاعتبارين، فقال: { فَأَذَاقَهَا ظ±للَّهُ لِبَاسَ ظ±لْجُوعِ وَظ±لْخَوْفِ }. والوجه الثاني: أن التقدير أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة وأصل الذوق بالفم، ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف وهو الاختبار، تقول: ناظر فلاناً وذق ما عنده. قال الشاعر:
    ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها
    ولباس الجوع والخوف هو ما ظهر عليهم من الضمور وشحوب اللون ونهكة البدن وتغير الحال وكسوف البال فكما تقول: تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، كذلك يجوز أن تقول: ذقت لباس الجوع والخوف على فلان. والوجه الثالث: أن يحمل لفظ اللبس على المماسة، فصار التقدير: فأذاقها الله مساس الجوع والخوف...

    ومن لطائف هذه الآية أنه قال: { ظ±دْعُ إِلِىظ° سَبِيلِ رَبّكَ بِظ±لْحِكْمَةِ وَظ±لْمَوْعِظَةِ ظ±لْحَسَنَةِ } فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام فلهذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيهاً على أنه لا يحصل الدعوة، وإنما الغرض منه شيء آخر، والله أعلم. واعلم أن هذه المباحث تدل على أنه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار العالية الشريفة مع أن أكثر الخلق كانوا غافلين عنها، فظهر أن هذا الكتاب الكريم لا يهتدي إلى ما فيه من الأسرار إلا من كان من خواص أولي الأبصار..

  4. #394
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    سورة الاسراء

    { سُبْحَانَ ظ±لَّذِى أَسْرَىظ° بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ظ±لْمَسْجِدِ ظ±لْحَرَامِ إِلَىظ° ظ±لْمَسْجِدِ ظ±لأَقْصَا ظ±لَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ظ±لسَّمِيعُ ظ±لبَصِيرُ }


    قال الالوسي

    وذكر الإمام في «الأربعين» أن الأجسام متساوية في الذوات والحقائق فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على غيره من الأعراض لأن قابلية ذلك العرض إن كان من لوازم تلك الماهية فأينما حصلت حصل لزم حصول تلك القابلية فوجب أن يصح على كل منها ما يصح على الآخر، وإن لم يكن من لوازمها كان من عوارضها فيعود الكلام فإن سلم وإلا دار أو تسلسل وذلك محال فلا بد من القول بالصحة المذكورة والله تعالى قادر على جميع الممكنات فيقدر على أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبـي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمله.

    وقال العلامة البيضاوي: الاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفاً وستين مرة ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية إلى آخر ما قال، وما ذكرناه هو الصواب في التعبير فإن المقدمتين اللتين ذكرهما ممنوعتان، أما الأولى بأن النسبة التي ذكرها إنما هي نسبة جرم الشمس إلى جرم الأرض كما برهنوا عليه في باب مقادير الأجرام والأبعاد من «كتب الهيئة» لكنهم قالوا جرم الشمس مثل جرم الأرض مائة وستة وستين مرة وربع مرة وثمن مرة. والعلامة جعل ذلك نسبة القطر إلى القطر لأنه المتبادر مما بين الطرفين، وإرادة الجرم منه خلاف الظاهر جداً، وكان يكفيه لو أراد ذلك أن يقول: قرص الشمس ضعف كرة الأرض فأي معنى لما زاده، وأما الثانية فإن أراد بالثانية الثانية من دقيقة الدرجة الفلكية التي هي ستون دقيقة فمنعها بما حرره العلامة القطب الشيرازي في «نهاية الإدراك» حيث قال: مقدار الدرجة الواحدة من مقعر الفلك الأطلس بالأميال 9343593 ميلاً فالفلك الأعلى يقطع فيما مقداره من الزمان جزء واحد من خمسة عشر جزءاً من ساعة مستوية وهو ثلث خمسها هذا المقدار من الأميال فإذا تحرك مقدار دقيقة وهي جزء من تسعمائة جزء من ساعة مستوية كان قدر قطعه من المسافة 155718 ميلاً وسدس ميل وخمس ربع أو ربع خمس ميل، ولأن حين ما يبدو قرن الشمس إلى أن تطلع بالتمام يكون بقدر ما يعد واحد من واحد إلى ثلثمائة فبمقدار ما يعد ثلاثين يتحرك الفلك 155718 ميلاً وهو ألف وسبعمائة واثنان وثلاثون فرسخاً من مقعره والله تعالى أعلم بما يتحرك محدبه حينئذ فسبحان الله تعالى ما أعظم شأنه اهـ.

    وحاصل ذلك أن الفلك الأعظم يتحرك من ابتداء طلوع جرم الشمس إلى أن يطلع بتمامه سدس درجة وهو عشر دقائق من ستين دقيقة من درجة فلكية ومقدار مساحة هذه الدقائق 519600 أي خمسمائة ألف وتسعة عشر ألفا وستمائة فرسخ وإذا جعلنا هذه الدقائق ثواني كانت ستمائة ثانية فأين الأقل من ثانية. وإن أراد بالثانية الثانية من دقيقة الساعة التي هي ربع الدرجة الفلكية فسدس الدرجة هظ°هنا يكون ثلثي دقيقة وإذا جعلنا ثلثي الدقيقة ثواني كانا أربعين ثانية وهذه الثواني هي الثواني الستمائة بعينها إلا أن المنجمين لما / جعلوا الساعة ستين دقيقة تسهيلاً للحساب والساعة عبارة عن خمسة عشر درجة فلكية اقتضى أن تكون الدرجة الفلكية وكل ثانية من ثواني دقيقة الساعة بخمسة عشر ثانية من ثواني دقيقة الدرجة الفلكية فالخلاف بين ثواني دقائق الدرجة الفلكية وثواني دقيقة الساعة اعتبار لفظي وأجاب عبد الرحمن الكردي الشهير بالفاضل بأن الثانية جزء من ستين جزأ من دقيقة والدقيقة قد تطلق على جزء من ستين جزأً من درجة وقد تطلق على جزء من ستين جزءاً من ساعة وقد تطلق على جزء من ستين جزأً من يوم بليلته، ومراد العلامة البيضاوي من الثانية الثانية الثالثة لا الثانية الأولى وهو ظاهر ولا الثانية الثانية كما ذهب إليه سعدي جلبـي وتبعه ابن صدر الدين، وفيه أنه يفهم منه أن الفلكيين قد يقسمون اليوم بليلته إلى ستين دقيقة كما يقسمونها إلى الساعات والدرجات والدقائق قسمة يتميز بها أجزاء الزمان ولم يقل بذلك أحد منهم وإنما ذكر ذلك بعضهم تسهيلاً لمعرفة الكسر الزائد على الأيام التامة من السنة لتعرف منه السنة الكبيسة في ثلاث سنين أو أربع سنين وهو بمعزل عما نحن فيه من قطع المسافة البعيدة بالزمان القليل ولو سلمنا ما زعمه كان ناقصاً من مدة حركة الفلك الأعظم من ابتداء طلوع قرص الشمس إلى انتهائه وهو ثلثا دقيقة هما أربعون ثانية وذلك جزء من تسعين جزأً من ساعة مستوية كما حرره العلامة الشيرازي، وما ذكره من أن الثانية من دقيقة اليوم بليلته عبارة عن أربعة وعشرين ثانية من ثواني دقيقة الساعة، وهي أقل من ثلثي دقيقة بستة عشر ثانية خطأ على خطأ تلك إذن قسمة ضيزى، نعم قد أصاب في الرد على الفاضلين وقد أخطأ الفاضل الأول في غير ذلك في هذا المقام كما لا يخفى على من وقف على كلامه وكان له أدنى اطلاع على كتب القوم، ولتداول هذا المبحث بين الطلبة وعدم وجدانهم من يبل غليلهم تعرضنا له بما نرجو أن يبل به الغليل

    هذا والعلماء درجات والله تعالى الموفق لفهم الدقائق فتأمل مرة وثانية وثالثة فلعل الله سبحانه أن يفتح عليك غير ذلك. وما ذكر من تساوي الأجسام مبني على ما قيل على تركبها من الجواهر الفردة وفيه خلاف النظام والفلاسفة، والبحث في ذلك طويل، ولا يستدل على الاستحالة بلزوم الخرق والالتئام، وقد برهنوا على استحالة ذلك لأنا نقول: إن برهانهم على ذلك أوهن من بيت العنكبوت كما بين في محله، ولم تتعرض الآية لأنه صلى الله عليه وسلم كان في الإسراء به محمولاً على شيء لكن صحت الأخبار بأنه عليه الصلاة والسلام أسري به على البراق....

    والظاهر أن المسافة التي قطعها عليه الصلاة والسلام في مسيره كانت باقية على امتدادها، ويؤيد ذلك ما ذكره الثعلبـي في «تفسيره» في وصف البراق أنه إذا أتى وادياً طالت يداه وقصرت رجلاه وإذا أتى عقبة طالت رجلاه وقصرت يداه؛ وكانت المسافة في غاية الطول، ففي «عقائق الحقائق» كانت المسافة من مكة إلى المقام الذي أوحى الله تعالى فيه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام ما أوحى قدر ثلثمائة ألف سنة، وقيل: خمسين ألفاً، وقيل غير ذلك، وأنه ليس هناك طي مسافة على نحو ما يثبته الصوفية وبعض الفقهاء للأولياء كرامة، وجَهَّلَ بعضُ الحنفية مثبتيه لهم وكَفَّرَهُم آخرون وليس له وجه ظاهر، وربما يلزم مثبتيه القول بتداخل الجواهر والفلاسفة والمتكلمون سوى النظام يحيلونه ويبرهنون على استحالته، وادعى بعضهم الضرورة في ذلك وقالوا: المنع مكابرة، وقد أثبت الصوفية للأولياء نشر الزمان ولهم في ذلك حكايات عجيبة والله تعالى أعلم بصحتها، ولم أر من تعرض لذلك من المتشرعين وهو أمر وراء عقولنا المشوبة بالأوهام، ومثله في ذلك قول من قال: الأزل والأبد نقطة واحدة الفرق بينهما بالاعتبار، وليس لفهم ذلك عندي إلا المتجردون من جلابيب أبدانهم وقليل ما هم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة حكاية إنكار طي المسافة أيضاً وذكر ما فيه والله تعالى الموفق.

    ملحوظة

    جاء فى مرقاة المفاتيح


    ومما يؤيد تشكل الأنبياء وتصورهم على وجه الجمع بين أجسادهم وأرواحهم قوله : ( فإذا موسى قائم يصلي ) : فإن حقيقة الصلاة وهي الإتيان بالأفعال المختلفة إنما تكون للأشباح لا للأرواح ، لا سيما وكالتصريح في المعنى المراد قوله : ( فإذا رجل ضرب ) أي : نوع وسط من الرجال أو خفيف اللحم على ما في النهاية ( جعد ) : بفتح فسكون ، وفيه معنيان . أحدهما : جعودة الجسم ، وهو اجتماعه . والثاني : جعودة الشعر ، والأول أصح هاهنا لما جاء في رواية أبي هريرة : أنه رجل الشعر كذا قاله صاحب التحرير ، وقال النووي : يجوز أن يراد به المعنى الثاني أيضا لأنه يقال : شعر رجل إذا لم يكن شديد الجعودة ، ( كأنه من رجال شنوءة ) ، وهي قبيلة مشهورة ( وإذا عيسى قائم يصلي ) : فيه إيماء إلى أن الصلاة معراج المؤمن من حيث أنها حالة حضور الرب ، وكمال القرب في الحالات ، وأنواع الانتقالات ، وهو من أعظم اللذات عند عشاق الذات والصفات ، ( أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي ) ، نسبة إلى ثقيف قبيلة ، وليس هذا أخا لعبد الله بن مسعود ، كما في بعض حواشي المصابيح ، فإنه هذلي ( وإذا بإبراهيم قائم يصلي ، أشبه الناس به ) : أخبار متعاقبة لإبراهيم . قال الطيبي : والمعنى أكثر الناس شبها بإبراهيم ( صاحبكم - يعني نفسه ) : هذا من كلام أبي هريرة أو من بعده أي يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : صاحبكم نفسه وذاته إشارة إلى قوله تعالى : وما صاحبكم بمجنون ثم رؤيته إياهم يصلون يحتمل أنها كانت في أثناء الإسراء إلى بيت المقدس ، أو في نفس المسجد الأقصى ، وهو المعبد الأعلى ، ويؤيده الفاء التعقيبية في قوله : ( فحانت الصلاة ) أي : دخل وقتها ، ولعل المراد بها صلاة التحية ، أو يراد بها صلاة المعراج على الخصوصية ( فأممتهم ) ، أي صرت لهم إماما وكنت لهم إماما . في شرح مسلم للنووي : قال القاضي عياض ، فإن قيل : كيف رأى موسى عليه السلام يصلي وأم - صلى الله عليه وسلم - الأنبياء في بيت المقدس ، ووجدهم على مراتبهم في السماوات ؟ فالجواب : يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - رآهم وصلى بهم في بيت المقدس ، ثم صعدوا إلى السماء ، فوجدهم فيها ، وأن يكون اجتماعهم وصلاته معهم بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى اهـ .

    والأظهر أنه لا منع من الجمع حيث لا يخالفه العقل والسمع ، مع أن الأمور الخارقة للعادة عن الكيفية العقلية خارجة ، فقد روي أنه قيل للسيد عبد القادر - رحمه الله - : إن قضيب البان ما يصلي ، فقال : لا تقولوا فإن رأسه دائما على باب الكعبة ساجد ، وتشكله بصوره المتعددة في الأماكن المختلفة معروف عند طبقة الصوفية ، فكأن الأنبياء عليهم السلام كانوا يصلون في قبورهم ، ويستزيدون في سرورهم بنورهم وظهورهم ، فلما تبين لهم إسراء سيد الأنبياء إلى جهة السماء استقبلوه ، واجتمعوا معه في بيت المقدس الذي هو مقر الأصفياء ، واقتدوا بالإمام الحي الذي هو أفضل رجال الطي ، ثم تقدموا بطريق المشايعة وآداب المتابعة إلى السماوات ، وتوقف كل فيما أعطاه الله تعالى من المقامات ، فمر عليهم وخص كلا بالسلام عليه وهم أظهر ، والترحيب والتعظيم لديه مع سائر الملائكة المقربين وحملة العرش والكروبيين إلى أن تجاوز عن سدرة المنتهى ، وانتهى إلى مقام قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى

    ملحوظة اخرى

    لاتظن اخى الحبيب ان ماذهب اليه القائلون بالعلو الحسي فى حق الله واستدلالهم بحادثة المعراج وقول الكليم ارجع الي ربك فسله التخفيف دليل علي العلو الحسي ...ليس الامر كذلك بل ليس سيدنا محمد فى السدرة بأقرب الي الله مكانا من سيدنا يونس فى بطن الحوت كما ذكر عن امام الحرمين فى من قال انا خير من يونس بن متى فقد كذب ...فليس صعود النبي الي اعلي الغرض منه القرب المكانى من الذات العلية لان الله كما هو مقرر عند اهل السنة لاتشغلة الجهات ولا الاماكن بل كان الله يفتح علي النبي من الكشوفات والفيوضات الالهية بما يناسب ترقيه فى مشاهدة اعاجيب مخلوقاته فى الاسراء والمعراج ولو اراد الله ان يكشف عن ذاته للنبي وهو فى الارض لفعل ...واقرب مايكون العبد من ربه وهو ساجد فليس القرب هناك قرب اشباح فلا مسافات هناك ولا حدود بل القرب قرب ارواح وكشوفات والله اعلم

    وحديث الجارية مذهب السلف فيه معروف ايمان مع تفويض معنى ونفى الظاهر وان قالوا نأخذ بظاهره قلنا لهم هل الجارية عندكم اعلم من الملك

    أُذِن لي أحدثُ عن ملَكٍ قد مرقت رجلاه في الأرضِ السابعةِ والعرشُ على منكبِه وهو يقولُ : سبحانَك أينَ كنتَ وأينَ تكونُ .

  5. #395
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    المسألة الثانية احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في مسألة القضاء والقدر من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: { وَقَضَيْنَا إِلَىظ° بَنِى إِسْرظ°ءيلَ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ظ±لأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } وهذا القضاء أقل احتمالاته الحكم الجزم، والخبر الحتم، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبراً جزماً لا يقبل النسخ، لأن القضاء معناه الحكم الجزم على ما شرحناه. ثم إنه تعالى أكد ذلك القضاء مزيد تأكيد فقال: { وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً }. إذا ثبت هذا فنقول: عدم وقوع ذلك الفساد عنهم يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذباً وانقلاب حكمه الجازم باطلاً، وانقلاب علمه الحق جهلاً، وكل ذلك محال، فكان عدم إقدامهم على ذلك الفساد محالاً، فكان إقدامهم عليه واجباً ضرورياً لا يقبل النسخ والرفع، مع أنهم كلفوا بتركه ولعنوا على فعله، وذلك يدل على قولنا: إن الله قد يأمر بشيء ويصد عنه وقد ينهى عن شيء ويقضي بتحصيله، فهذا أحد وجوه الاستدلال بهذه الآية. الوجه الثاني: في الاستدلال بهذه الآية قوله تعالى: { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } والمراد أولئك الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنهب والأسر، فبين تعالى أنه هو الذي بعثهم على بني إسرائيل، ولا شك أن قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملاً على الظلم الكثير والمعاصي العظيمة. ثم إنه تعالى أضاف كل ذلك إلى نفسه بقوله: { ثُمَّ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } وذلك يدل على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من الله تعالى. أجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: المراد من { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } هو أنه تعالى أمر أولئك الأقوام بغزو بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الفساد، فأضيف ذلك الفعل إلى الله تعالى من حيث الأمر. والثاني: أن يكون المراد خلينا بينهم وبين بني إسرائيل، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم. وحاصل الكلام أن المراد من هذا البعث التخلية وعدم المنع. واعلم أن الجواب الأول ضعيف لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظ التوراة لا يجوز أن يقال إنهم فعلوا ذلك بأمر الله تعالى. والجواب الثاني أيضاً ضعيف، لأن البعث على الفعل عبارة عن التقوية عليه وإلقاء الدواعي القوية في القلب، وأما التخلية فعبارة عن عدم المنع، والأول فعل، والثاني ترك، فتفسير البعث بالتخلية تفسير لأحد الضدين بالآخر وأنه لا يجوز، فثبت صحة ما ذكرناه، والله أعلم.

    وقال الماتريدى

    وقال بعضهم: بعث - أولاً - بختنصر، ثم فلاناً وفلاناً، وهو ما قال: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } إلى قوله: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } [الإسراء: 8]، أي: عدتم إلى العصيان عدنا إلى العقوبة، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من وجوه الحكمة والدلالة:

    أحدهما: فيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عما كان في كتبهم من غير أن علم ما في كتبهم، ولا اختلف إلى أحد منهم؛ فكان - على ما أخبر - دل أنه إنما عرف ذلك بالله بما أخبره في كتابه.

    وفيه أنه لم يُهْلَك قوم بنفس الكفر إهلاك استئصال، حتى كان منهم مع الكفر السّعي في الأرض بالفساد، والعناد للآيات.

    وفيه أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم وإعطاؤه في الدين؛ حيث لم يُمِتهُم على الإيمان، ولكن تركهم حتى عصوا ربهم، ثم سلّط عليهم من قتلهم على تلك الحال، ودعاهم إلى دينه وهو كفر؛ فلو كان عليه إعطاء الأصلح لأماتهم على الإسلام؛ فذلك أصلح لهم في الدين.

    { وأَنَّ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }


    قال الالوسي

    وفي «الكشاف» أنه تعالى ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة لأن الناس حينئذ إما مؤمن تقي وإما مشرك وأصحاب المنزلة بين المنزلتين إنما حدثوا بعد ذلك. وتعقبه أبو حيان بأنه مكابرة فقد وقع في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم من بعض المؤمنين هفوات وسقطات بعضها مذكور في القرآن وبعضها مذكور في الأحاديث الصحيحة اهـ. والمقرر في الأصول أن الأكثر على عدالة الصحابة ومن طرأ له منهم قادح كسرقة وزنا عمل بمقتضاه، ثم ما ذكره من المنزلة بين المنزلتين الظاهر أنه أراد به ما ذهب إليه إخوانه المعتزلة من أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر وإذا مات من غير توبة خلد في النار وقد رد ذلك في علم الكلام فتدبر.

    وقال الرازى

    ومعنى المحو في اللغة: إذهاب الأثر، تقول: محوته أمحوه وانمحى وامتحى إذا ذهب أثره، وأقول: حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأول أولى، وذلك لأن اللام في قوله: { لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ظ±لسِّنِينَ وَظ±لْحِسَابَ } متعلق بما هو مذكور قبل، وهو محو آية الليل. وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله. إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه، لأن سبب حصول هذه الحالة يختلف بأحوال نور القمر، وأهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه، مثل أحوال البحار في المد والجزر، ومثل أحوال التجربات على ما تذكره الأطباء في كتبهم، وأيضاً بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور، وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلة كما قال: { وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ظ±لسِّنِينَ وَظ±لْحِسَابَ } فثبت أن حمل المحو على ما ذكرناه أولى. وأقول أيضاً: لو حملنا المحو على الكلف الحاصل في وجه القمر، فهو أيضاً برهان عظيم قاهر على صحة قول المسلمين في المبدأ والمعاد، أما دلالته على صحة قولهم في المبدأ، فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة، فوجب أن يكون متشابه الصفات، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة، بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي، وبعض أجزائه بالنور الضعيف، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذات. وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه، أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء، مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان، وهذا لا يفيد مقصود الخصم، لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء؟ وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب، وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب؟ وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار، وكل هذه الدلائل إنما يراد من تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم فاعل بالاختيار لا موجب بالذات، والله أعلم.

    وقال الالوسي

    وللفلاسفة في هذا المحو المرئي في وجه القمر كلام طويل لا بأس بأن تحيط به خبراً فنقول: ذكر الإمام في «المباحث المشرقية» أن امتناع بعض المواضع في وجه القمر عن قبول الضوء التام إما أن يكون بسبب خارج عن جرم القمر أو غير خارج عنه فإن كان بسبب خارج فإما أن يكون لمثل ما يعرض للمرايا من وقوع أشباح الأشياء فيها فإذا رؤيت تلك الأشياء لم تر براقة فكذلك القمر لما تصورت فيه أشباح الجبال والبحار وجب أن لا ترى تلك المواضع في غاية الاستنارة، وإما أن يكون ذلك بسبب ساتر والأول باطل، أما أولا فلأن الأشباح لا تنحفظ هيآتها مع حركة المرآة وبتقدير سكونها لا تستقر تلك الأشباح فيها عند اختلاف مقامات الناظرين والآثار التي في وجه القمر ليست كذلك، وأما ثانياً فلأن القمر ينعكس الضوء عنه إلى البصر وما كان كذلك لم يصلح للتخييل، وأما ثالثاً فلأنه كان يجب أن تكون تلك الآثار كالكرات لأن الجبال في الأرض كتضريس أو خشونة في سطح كرة وليس لها من المقدار قدر ما يؤثر في كرية الأرض فكيف لأشباحها المرئية في المرآة.

    وأما إن كان ذلك بسبب ساتر فذلك الساتر إما أن يكون عنصرياً أو سماوياً والأول باطل، أما أولا فلأنه كان يجب أن يكون المواضع المتسترة من جرم القمر مختلفة باختلاف مقامات الناظرين، وأما ثانياً فلأن ذلك الساتر لا يكون هواء صرفاً ولا ناراً صرفة لأنهما شفافان فلا يحجبان بل لا بد وأن يكون مركباً إما بخاراً وإما دخاناً وذلك لا يكون مستمراً، وأما إن كان الساتر سماوياً فهو الحق وذلك إنما يكون لقيام أجسام سماوية قريبة المكان جداً من القمر وتكون من الصغر بحيث لا يرى كل واحد منها بل جملتها على نحو مخصوص من الشكل وتكون إما عديمة الضوء أو لها ضوء أضعف من ضوء القمر فترى في حالة إضاءته مظلمة، وأما إن كان ذلك بسبب عائد إلى ذات القمر فلا يخلو إما أن يكون جوهر ذلك الموضع مساوياً لجواهر المواضع المستنيرة من القمر في الماهية أو لا يكون فإن لم يكن كان ذلك لارتكاز أجرام سماوية مخالفة بالنوع للقمر في جرمه كما ذكرناه قبل وهو قريب منه. وإما أن تكون تلك المواضع مساوية الماهية لجرم القمر فحينئذ يمتنع اختصاصها بتلك الآثار إلا بسبب خارجي لكنه قد ظهر لنا أن الأجرام السماوية لا تتأثر بشيء عنصري وبذلك أبطل قول من قال: إن ذلك المحو بسبب انسحاق عرض القمر من مماسة النار، أما أولاً فلأن ذلك يوجب أن يتأدى ذلك في الأزمان الطويلة إلى العدم والفساد بالكلية والأرصاد المتوالية مكذبة لذلك، وأيضاً القمر غير مماس للنار لأنه مفرق في ذلك تدويره الذي هو في حامله الذي بينه وبين النار بعد بعيد بدليل أن النار لو كانت ملاقية لحامله لتحركت بحركته إلى المشرق وليس كذلك لأن حركات الشهب في الأكثر لا تكون إلا إلى جهة المغرب وتلك الحركة تابعة لحركة النار والحركة المستديرة ليست للنار بذاتها فإنها مستقيمة الحركة فذلك لها بالعرض تبعاً لحركة الكل فبطل ما قالوه اهـ.

    وذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» زيادة على ما يفهم مما ذكر من الأقوال وهي أن منهم من قال: إن ما يرى خيال لا حقيقة له، ورده بأنه لو كان كذلك لاختلف الناظرون فيه؛ ومنهم من قال: إنه السواد الكائن في القمر في الجانب الذي لا يلي الشمس، ورده بأنه لو كان كذلك لما رؤي متفرقاً، ومنهم من قال: إنه وجه القمر فإنه مصور بصورة وجه الإنسان وله عينان وحاجبان وأنف وفم، ورده بأنه مع بعده يوجب أن يكون فعل الطبيعة عندهم معطلاً عن الفائدة لأن فائدة الحاجبين عندهم دفع أذى العرق عن العينين وفائدة الأنف الشم وفائدة الفم دخول الغذاء وليس للقمر ذلك، وقد رد عليهم رحمة الله تعالى عليه سائر ما ذكروه.

  6. #396
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    وأما قوله: { كَفَىظ° بِنَفْسِكَ ظ±لْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } أي محاسباً. قال الحسن: عدل والله في حقك من جعلك حسيب نفسك. قال السدي: يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: { ظ±قْرَأْ كَتَـظ°بَكَ كَفَىظ° بِنَفْسِكَ ظ±لْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } ، والله أعلم. المسألة الرابعة: قال حكماء الإسلام: هذه الآية في غاية الشرف، وفيها أسرار عجيبة في أبحاث: البحث الأول: أنه تعالى جعل فعل العبد كالطير الذي يطير إليه، وذلك لأنه تعالى قدر لكل أحد في الأزل مقداراً من الخير والشر، فذلك الحكم الذي سبق في علمه الأزلي وحكمه الأزلي لا بد وأن يصل إليه، فذلك الحكم كأنه طائر يطير إليه من الأزل إلى ذلك الوقت، فإذا حضر ذلك الوقت وصل إليه ذلك الطائر وصولاً لا خلاص له ألبتة ولا انحراف عنه ألبتة. وإذا علم الإنسان في كل قول وفعل ولمحة وفكرة أنه كان ذلك بمنزلة طائر طيره الله إليه على منهج معين وطريق معين، وأنه لا بد وأن يصل إليه ذلك الطائر، فعند ذلك عرف أن الكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية. والبحث الثاني: أن هذه التقديرات إنما تقدرت بإلزام الله تعالى. وذلك باعتبار أنه تعالى جعل لكل حادث حادثاً متقدماً عليه لحصول الحادث المتأخر، فلما كان وضع هذه السلسلة من الله لا جرم كان الكل من الله، وعند هذا يتخيل الإنسان طيوراً لا نهاية لها ولا غاية لأعدادها، فإنه تعالى طيرها من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب، وأنها صارت وطارت طيراناً لا بداية له ولا غاية له، وكان كل واحد منها متوجهاً إلى ذلك الإنسان المعين في الوقت المعين بالصفة المعينة، وهذا هو المراد من قوله: { أَلْزَمْنَـظ°هُ طَـظ°ئِرَهُ فِى عُنُقِهِ }.....

    مَّنِ ظ±هْتَدَىظ° فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } يعني أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، ولا يتعدى منه إلى غيره، ويتأكد هذا بقوله:
    { وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـظ°نِ إِلاَّ مَا سَعَىظ° * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىظ° }
    [النجم: 39، 40] قال الكعبي: الآية دالة على أن العبد متمكن من الخير والشر، وأنه غير مجبور على عمل بعينه أصلاً لأن قوله: { مَّنِ ظ±هْتَدَىظ° فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد، أما المجبور على أحد الطرفين، الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا يليق به. المسألة الثانية: أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عل نفسه بقوله: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىظ° } قال الزجاج: يقال وزر يزر فهو وازر ووزر وزرا وزرة، ومعناه: أثم يأثم إثماً قال: وفي تأويل الآية وجهان: الأول: أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره، وأيضاً غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل أحد مختص بذنب نفسه. والثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم، لأن غيره عمله كما قال الكفار:
    { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون }
    [الزخرف: 32]

    . واعلم أن الناس تمسكوا بهذه الآية في إثبات أحكام كثيرة. الحكم الأول: قال الجبائي في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم، وإلا لكان الطفل مؤاخذاً بذنب أبيه، وذلك على خلاف ظاهر هذه الآية.الحكم الثاني: روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله " فعائشة طعنت في صحة هذا الخبر، واحتجت على صحة ذلك الطعن بقوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىظ° } فإن تعذيب الميت بسبب بكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره، وذلك خلاف هذه الآية

    .الحكم الثالث: قال القاضي: دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من فعل الله تعالى. وبيانه من وجوه: أحدها: أنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره. وثانيها: أنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلاً، لأن الوازر إنما يصح أن يوصف بذلك إذا كان مختاراً يمكنه التحرز، ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بهذا....

    المسألة الثالثة: قال أصحابنا وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع، والدليل عليه قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىظ° نَبْعَثَ رَسُولاً } وجه الاستدلال أن الوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية، فوجب أن لا يتحقق الوجوب قبل الشرع. ثم أكدوا هذه الآية بقوله تعالى:
    { رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ظ±للَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ظ±لرُّسُلِ }
    [النساء: 165] وبقوله:
    { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـظ°هُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـظ°تِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىظ° }
    [طه: 134]. ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال ضعيف، وبيانه من وجهين: الأول: أن نقول: لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي ألبتة، وهذا باطل فذاك باطل بيان الملازمة من وجوه: أحدها: أنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة، فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أو لا يجب؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة. وإن وجب، فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي، وإن وجب بالشرع فهو باطل، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي، وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان ذلك الشارع غيره كان الكلام فيه كما في الأول: ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان. وثانيها: أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال، وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم، إلا أن يقول: لو تركت كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب ألبتة، وهذا باطل فذاك باطل، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب، فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع، فإن وجب بالعقل فهو المقصود، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه، وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال. وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، فلم يبق إلا أن يقال: إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل، فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل، فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمحض العقل.

    فإن قالوا: ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم؟ قلنا: إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل، فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه. وإذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: أن نجري الآية على ظاهرها. ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء، فالعقل هو الرسول الأصلي، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل. والثاني: أن نخصص عموم الآية فنقول: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة، على أنا لو نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي، والله أعلم. واعلم أن الذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد العقل سبب في أن يجب علينا فعل ما ينتفع به، وترك ما يتضرر به، أما مجرد العقل لا يدل على أنه يجب على الله تعالى شيء. وذلك لأنا مجبولون على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، فلا جرم كان العقل وحده كافياً في الوجوب في حقنا والله تعالى منزه عن طلب النفع والهرب من الضرر، فامتنع أن يحكم العقل عليه بوجوب فعل أو ترك فعل، والله أعلم.

  7. #397
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    وقال الالوسي

    واستدل بها الجبائي على أن أطفال المشركين لا يعذبون وإلا كانوا مؤاخذين بذنب آبائهم وهو خلاف ظاهر الآية، وزعم بعضهم أنها نزلت فيهم وليس بصحيح، نعم أخرج ابن عبد البر في «التمهيد» بسند ضعيف عن عائشة قالت:

    سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: هم من آبائهم ثم سألته بعد ذلك فقال: الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين ثم سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت { ولا تزر وازرة وزر أخرى } فقال: هم على الفطرة أو قال في الجنة " ، والمسألة خلافية وفيها مذاهب فقال الأكثرون: هم في النار تبعاً لآبائهم واستدل لذلك بما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» " عن عائشة أيضاً قالت «سألت النبـي صلى الله عليه وسلم عن ولدان المسلمين أين هم؟ قال: في الجنة وسألته عن ولدان المشركين أين هم؟ قال في النار قلت: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام قال: وربك أعلم بما كانوا عاملين والذي نفسي بيده إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار " ، وفيه أن هذا الخبر قد ضعفه ابن عبد البر فلا يحتج به، نعم صح أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين فقال: الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين وليس فيه تصريح بأنهم في النار وحقيقة لفظه «الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين لو بلغوا» ولم يبلغوا والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ. وأخرج الشيخان وأصحاب «السنن» وغيرهم " عن ابن عباس قال: حدثني الصعب بن جثامة قلت: يا رسول الله أنا نصيب في البيات من ذراري المشركين، قال: هم منهم " وهو عند المخالفين محمول على أنهم منهم في الأحكام / الدنيوية كالاسترقاق.

    وتوقفت طائفة فيهم ومن هؤلاء أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وقيل: فيهم من يدخل الجنة ومن يدخل النار لما أخرج الحكيم الترمذي في «النوادر» عن عبد الله بن شداد " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغاراً فوضع رأسه ساعة ثم قال: أين السائل؟ فقال: ها أنذا يا رسول الله فقال: إن الله تبارك وتعالى إذا قضى بين أهل الجنة والنار ولم يبقى غيرهم عجوا فقالوا: اللهم ربنا لم تأتنا رسلك ولم نعلم شيئاً فأرسل إليهم ملكاً والله تعالى أعلم بما كانوا عاملين فقال: إني رسول ربكم إليكم فانطلقوا فاتبعوا حتى أتوا النار فقال إن الله تعالى يأمركم أن تفتحموا فيها فاقتحمت طائفة منهم ثم خرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم فجعلوا في السابقين المقربين ثم جاءهم الرسول فقال إن الله تعالى يأمركم أن تقتحموا في النار فاقتحمت طائفة أخرى ثم أخرجوا من حيث لا يشعرون فجعلوا في أصحاب اليمين ثم جاء الرسول فقال: إن الله تعالى يأمركم أن تقتحموا في النار فقالوا: ربنا لا طاقة لنا بعذابك فأمر بهم فجمعت نواصيهم وأقدامهم ثم ألقوا في النار "

    وذهب المحققون إلى أنهم من أهل الجنة وهو الصحيح ويستدل له بأشياء منها الآية على ما سمعت عن الجبائي، ومنها حديث إبراهيم الخليل عليه السلام " حين رآه النبـي صلى الله عليه وسلم في الجنة وحوله أولاد الناس قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين قال: وأولاد المشركين " رواه البخاري في «صحيحه»، ومنها ما أخرجه الحكيم الترمذي أيضاً في «النوادر». وابن عبد البر عن أنس قال: " سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: هم خدام أهل الجنة " ، ومنها الآية الآتية حيث أفادت أن لا تعذيب قبل التكليف ولا يتوجه على المولود التكليف ويلزمه قول الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يبلغ، ولم يخالف أحد في أن أولاد المسلمين في الجنة إلا بعض من لا يعتد به فإنه توقف فيهم " لحديث عائشة توفى صبـي من الأنصار فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا عائشة إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم " وأجاب العلماء عنه بأنه لعله عليه الصلاة والسلام نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون لها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبـي وقاص في قوله: «اعطه إني لأراه مؤمناً قال أو مسلماً» الحديث، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم قال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله تعالى الجنة بفضله ورحمته إياهم " إلى غير ذلك من الأحاديث، وقال القاضي: دلت الآية على أن الوزر ليس من فعله تعالى لأنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره ولأنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلاً لأن الوازر إنما يوصف بذلك إذا كان مختاراً يمكنه التحرز ولهذا المعنى لا يوصف الصبـي بذلك، وأنت تعلم أن هذا إنما ينتهض على الجبرية لا على الجماعة القائلين لا جبر ولا تفويض...

    وألزم المعتزلة القائلون بالوجوب العقلي قبل البعثة بهذه الآية لأنه تعالى نفى فيها التعذيب مطلقاً قبل البعثة وهو من لوازم الوجوب بشرط ترك الواجب عندهم إذ لا يجوزون العفو فينتفي الوجوب قبل البعثة لانتفاء لازمه، ومحصوله أنه لو كان وجوب عقلي لثبت قبل البعثة ولا شبهة في أن العقلاء كانوا يتركون الواجبات حينئذ فيلزم أن يكونوا معذبين قبلها وهو باطل للآية. وتعقب بأنه إنما يتم إذا أريد بالعذاب ما يشمل الدنيوي والأخروي كما أشير إليه لكن المناسب لما بعد أن يراد عذاب الاستئصال في الدنيا ولا يلزم من انتفاء العذاب الدنيوي قبل البعث انتفاء الوجوب لأن لازم الوجوب عندهم هو العذاب الأخروي. وأجيب بعد تسليم أن المناسب لما بعد أن يراد العذاب الدنيوي بأن الآية لما دلت على أنه لا يليق بحكمته إيصال العذاب الأدنى على ترك الواجب قبل التنبيه ببعثة الرسول فدلالتها على عدم إيصال العذاب الأكبر على تركه قبل ذلك أولى.

    وأورد الأصفهاني في «شرح المحصول» على من استدل بالآية على نفي الوجوب العقلي قبل البعثة أموراً، الأول: أن المراد بالرسول فيها العقل، الثاني: أنا سلمنا أن المراد النبـي المرسل لكن الآية دلت على نفي تعذيب المباشرة قبل البعثة ولا يلزم منه نفي مطلق التعذيب. الثالث: أنا سلمنا ذلك لكن ليس في الآية دلالة على نفي التعذيب قبلها عن كل الذنوب. الرابع: أنا سلمنا الدلالة لكن لا يلزم من نفي المؤاخذة انتفاء الاستحقاق لجواز سقوط المؤاخذة بالمغفرة، ثم أجاب عن الأول بأن حقيقة الرسول هو النبـي المرسل والأصل في الكلام الحقيقة، وعن الثاني بأن من شأن عظيم القدر التعبير عن نفي التعذيب مطلقاً بنفي المباشرة، وعن الثالث بما أشرنا إليه من أن تقدير الكلام وما كنا معذبين أحداً ويلزم من ذلك انتفاء تعذيب كل واحد من الناس وذلك هو المطلوب لأن الخصم لا يقول به. وعن الرابع بأن الآية تدل على انتفاء التعذيب قبل البعثة وانتفاؤه قبلها ظاهراً يدل على عدم الوجوب قبلها فمن ادعى أن الوجوب ثابت وقد وقع التجاوز بالمغفرة فعليه البيان اهـ.

    وأنت تعلم أنه إذا كان الاستدلال إلزامياً كما قال به غير واحد لا يرد الأمر الرابع أصلاً لأن المعتزلة لا يجوزون العفو عن تارك الواجب العقلي وقد أشرنا إلى ذلك، نعم قال المراغي في «شرح منهاج الأصول» للقاضي: لا حاجة إلى جعل الدليل إلزامياً بل يجوز إتمامه على تقدير جواز العفو أيضاً بأن يقال وقوع العذاب وإن لم يكن لازماً للوجوب لكن عدم الأمن من وقوعه لازم له ضرورة إذ يجوز العقاب على ترك الواجب عندنا وإن لم يجب وهذا اللازم أعني عدم الأمن منتف لدلالة الآية على عدم وقوعه فينتفي الملزوم.

    ورد ذلك أولاً بمنع أن عدم الأمن من وقوع العذاب من لوازم ترك الواجب مطلقاً بل عدم الأمن إذا لم يتيقن عدم وقوع العذاب بدليل آخر، وأما ثانياً فبأن انتفاء عدم الأمن إنما هو بالآية إذ قبل ورودها كان العقاب جائزاً ولا شك أن انتفاءه بها انتفاء بالعفو لأن معنى العفو عدم العقاب والآية تدل عليه فلم يتم الدليل على تقدير جواز العفو وهو كما ترى، وقيل: نجعل اللازم جواز العقاب فيتم الدليل تحقيقاً لأن جواز العفو / لا ينافي جواز العقاب. ورد بأن الملازمة القائلة بأنه لو كان الوجوب ثابتاً قبل الشرع لعذب تارك الواجب وإن كانت مسلمة حينئذ لكن بطلان التالي ممنوع لأن الآية إنما تدل على نفي وقوع العذاب لا على نفي جوازه. وفيه أن معنى { مَا كُنَّا مُعَذّبِينَ } ما سمعت وهو يدل على نفي الجواز، وقد كثر استعمال هذا التركيب في ذلك كقوله تعالى:
    { وَمَا كُنَّا ظَـظ°لِمِينَ }
    [الشعراء: 209]
    { وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ }
    [الأعراف: 7] إلى غير ذلك ولو أريد نفي الوقوع لقيل وما نعذب حتى نبعث رسولاً

    وضعف الإمام الاستدلال بالآية بأنه «لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي البتة وهذا باطل فذاك باطل قال: بيان الملازمة من وجوه، أحدها: أنه إذا جاء الشارع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة وإن وجب فإما أن يجب بالشرع أو بالعقل فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي وإن وجب بالشرع فهو باطل لأن ذلك الشارع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن يقول ذلك الرجل الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول يجب قبول قولي وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان غيره كان الكلام فيه كما في الأول ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان، وثانيها: أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم إلا أن يقول لو تركت كذا أو فعلت كذا لعاقبتك، فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب فإن لم يجب لم يتقرر معنى الوجوب البتة [وهذا باطل فذاك باطل] وإن وجب فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع فإن وجب بالعقل فهو المقصود وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال.

    وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى العفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب فلم يبق إلا أن يقال: إن ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب وهذا الخوف حاصل بمحض العقل فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف وإن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمجرد العقل، فإن قالوا: ماهية الوجوب إنما تقرر بسبب حصول الذم، قلنا: إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه» اهـ.

    وتعقبه العبادي بأنه يمكن الجواب عن الأول بأنه إذا أظهر المعجزة على دعواه أنه رسول ثبت صدقه كما تقرر في محله فيجب قبول قوله في كل ما يخبر عن الله تعالى من غير لزوم محذور من إثبات الشيء بنفسه أو الدور أو التسلسل، وإن كان ثبوت ما أخبر بالشرع بمعنى أن ثبوته بإخبار من ثبتت رسالته بالمعجزة عن الله تعالى بذلك وليس حاصل الكلام على هذا أنه يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول يجب [قبول] قولي حتى يلزم ما يلزم بل حاصله أنه يقول: يجب قبول قولي لأنه ثبت أني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعالى فيجب صدقي وتصديقي في كل ما أدعيه، وليس في هذا شيء من المحاذير السابقة، وقد صرَّح السيد السند في «شرح المواقف» بأنه يثبت الشرع وتجب المتابعة بمجرد دعوى الرسالة مع اقتران المعجزة وتمكن المبعوث إليه العاقل من النظر وإن لم ينظر، وذكر أنه حينئذ لا يجوز للمكلف الاستمهال ولو استمهل لم يجب الإمهال لجريان العادة بإيجاب العلم عقيب النظر الذي هو متمكن منه فعلم أنه بمجرد دعوى الرسالة مع ما ذكر يثبت الوجوب بأخباره / وهو ثبوت الشرع لأن معنى الثبوت به هو الثبوت بالإخبار عن الله تعالى حقيقة أو حكماً وعلى هذا لا يتأتى الترديد الذي ذكره بقوله لأن ذلك الشرع إما أن يكون الخ فليتأمل. وعن الثاني بأن وجوب الاحتراز عن العقاب ليس أمراً أجنبياً عن وجوب كذا حتى يتوجه عليه الترديد الذي ذكره بل هو نفس وجوب كذا أو لازمه إذ الاحتراز ليس إلا بالإتيان بكذا الذي هو الواجب فوجوب الاحتراز إما وجوب كذا أو لازمه فوجوبه بوجوبه فلا يلزم الترديد المذكور، وعن الثالث بأنه إن أراد بقوله إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب أن حصول الواجب في الخارج بالإتيان به إنما هو بسبب حصول الخوف فليس الكلام فيه ومع ذلك إنا لا نسلم أن الإتيان بالواجب متوقف على حصول الخوف وإن أراد أن تحقق وجوب الواجب أي تعلق وجوبه بالمكلف الذي هو التكليف التنجيزي متوقف على حصول الخوف المذكور فهو ممنوع كما هو ظاهر اهـ فتدبر.

    وأنت تعلم أن الاستدلال بالآية على تقدير تمامه لا يختص بالمعتزلة بل يشاركهم في ذلك أحد فريقي الحنفية من أهل السنة وهم الماتريدية وعامة مشايخ سمرقند لأنهم وإن لم يقولوا كالمعتزلة بأن العقل حاكم بالحسن والقبح اللذين أثبتوها جميعاً لكنهم قالوا: إن العقل آلة للعلم بهما فيخلقه الله تعالى عقيب نظر العقل نظراً صحيحاً وأوجبوا الإيمان بالله تعالى وتعظيمه وحرموا نسبة ما هو شنيع إليه سبحانه حتى روي عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو لم يبعث الله تعالى رسولاً لوجب على الخلق معرفته، وقد صرح غير واحد من علمائهم بأن العقل حجة من حجج الله تعالى ويجب الاستدلال به قبل ورود الشرع، واحتجوا في ذلك بما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام من قوله لأبيه وقومه
    { إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـظ°لٍ مُّبِينٍ }
    [الأنعام: 74] حيث قال ذلك ولم يقل أوحى إلي ومن استدلاله بالنجوم ومعرفة الله تعالى بها وجعلها حجة على قومه وكذاك كل الرسل حاجوا قومهم بحجج العقل كما ينبىء عنه قوله تعالى:
    { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى الِلَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ }
    [إبراهيم: 10] الآية وبقوله تعالى:
    { وَمَن يَدْعُ مَعَ ظ±للَّهِ إِلَظ°هَاً ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }
    [المؤمنون: 117] الآية حيث لم يقل ومن يدع مع الله إلظ°هاً آخر بعدما أوحى إليه أو بلغته الدعوة وبقوله سبحانه خبراً عن أهل النار
    { وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيغ¤ أَصْحَابِ ظ±لسَّعِيرِ }
    [الملك: 10] حيث أخبروا أنهم صاروا في النار لتركهم الانتفاع بالسمع والعقل.

    وفيه أنهم لو انتفعوا بالعقول في معرفة الصانع قبل ورود الشرع لم يصيروا في النار وبأن الحجج السمعية لم تكن حججاً إلا باستدلال عقلي، وبأن المعجزة بعد الدعوة لا تعرف إلا بدليل عقلي وآيات الأنفس والآفاق أدل على الصانع من دلالة المعجزة على أنها من الله تعالى فلما كان بالعقل كفاية معرفة المعجزة كان به كفاية معرفة الله تعالى من طريق الأولى، وبأن دعاء جميع الكفرة إلى دين الإسلام واجب على الأمة ومعلوم أن الدهرية لا يحتج عليهم بكلام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فلم يبق إلا حجج العقول إلى غير ذلك، وحينئذ يقال لهم: لو وجب على الخلق معرفة الله تعالى والإيمان به قبل بعثة رسول لزم تعذيب الكافر قبلها لإخباره تعالى بأنه لا يغفر الشرك به وقد نفى التعذيب في الآية فلا وجوب ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم على نهج ما فعل مع المعتزلة

    والإمام الرازي بعد أن ضعف الاستدلال بالآية وأثبت الوجوب العقلي ذكر في الآية وجهين، الأول: حمل الرسول على العقل، والثاني: تخصيص العموم بأن يقال المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى / معرفتها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع ثم قال: والذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد العقل سبب في أن يجب علينا فعل ماينتفع به وترك ما يتضرر به ويمتنع أن يحكم العقل عليه تعالى بوجوب فعل أو ترك فعل اهـ. وأنت تعلم ما قيل من حمل الرسول على العقل وهو خلاف استعمال القرآن الكريم، ويبعده توبيخ الخزنة الكفار بقولهم
    { أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رَسُلُكُمْ بِظ±لْبَيِّنَـظ°تِ }
    [غافر: 50] ولم يقولوا أو لم تكونوا عقلاء، وحمل الرسول فيه على العقل مما لا يرتضيه العقل، واعتذر هو عن التخصيص بأنه وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه إذا قام الدليل عليه وقد قام بزعمه.

    وأبو منصور الماتريدي ومتبعوه حملوا الآية على نفي تعذيب الاستئصال في الدنيا، وذهب هؤلاء إلى تعذيب أهل الفترة بترك الايمان والتوحيد وهم كل من كان بين رسولين ولم يكن الأول مرسلاً إليهم ولا أدركوا الثاني، واعتمد القول بتعذيبهم النووي في «شرح مسلم» فقال: إن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل عليهم السلام. والظاهر أن النووي يكتفي في وجوب الإيمان على كل أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل وإن لم يكن مرسلاً إليه فلا منافاة بين حكمه بأنهم أهل فترة بالمعنى السابق وحكمه بأن الدعوة بلغتهم خلافاً للأبـي في زعمه ذلك، نعم إنما تلزم المنافاة لو ادعي أن من تقدمهم من الرسل مرسل إليهم وليس فليس. وإلى ذلك ذهب الحليمي فقال في «منهاجه»: إن العاقل المميز إذا سمع أية دعوة كانت إلى الله تعالى فترك الاستدلال بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر كان بذلك معرضاً عن الدعوة فكفر ويبعد أن يوجد شخص لم يبلغه خبر أحد من الرسل على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق ولو أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبـي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلظ°هاً ولا نرى أن ذلك يكون فأمره على الاختلاف في أن الإيمان هل يجب بمجرد العقل أو لا بد من انضمام النقل، وهذا صريح في ثبوت تكليف كل أحد بالإيمان بعد وجود دعوة أحد من الرسل وإن لم يكن رسولاً إليه، وبالغ بعضهم في اعتماد ذلك حتى قال: فمن بلغته دعوة أحد من الرسل عليهم السلام بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر من أهل النار فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة مع اخبار النبـي صلى الله عليه وسلم بأن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار اهـ.

  8. #398
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    نستكمل مع الالوسي

    والذي عليه الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء أن أهل الفترة لا يعذبون وأطلقوا القول في ذلك، وقد صح تعذيب جماعة من أهل الفترة. وأجيب بأن أحاديثهم آحاد لا تعارض القطع بعدم التعذيب قبل البعثة، وبأنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر مختص به يقتضي ذلك علمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم نظير ما قيل في الحكم بكفر الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام مع صباه، وقيل إن تعذيب هؤلاء المذكورين في الأحاديث مقصور على من غير وبدل من أهل الفترة بما لا يعذر به كعبادة الأوثان / وتغيير الشرائع كما فعل عمرو بن لحي ولا يخفى أن هذا لا يوافق إطلاق هؤلاء الأئمة ولا القول بأنه لا وجوب إلا بالشرع ولو أمكن أن يكون من ثبت تعذيبه من أتباع من بقي شرعه إذ ذاك كعيسى عليه السلام لم يبق إشكال أصلاً.

    واستدل بعض من يقول بتعذيبهم مطلقاً بما أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» والطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيراً فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني ويقول الهالك في الفترة: يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني ويقول الهالك صغيراً: يا رب لو آتيتني عمراً ما كان من آتيته عمراً بأسعد بعمره مني فيقول لهم الرب تبارك وتعالى: فاذهبوا فادخلوا جهنم ولو دخلوها ما ضرتهم شيئاً فتخرج عليهم قوابص من نار يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله تعالى من شيء فيرجعون سراعاً ويقولون: يا ربنا خرجنا وعزتك نريد دخولها فخرجت علينا قوابص من نار ظننا أن قد أهلكت ما خلق الله تعالى من شيء ثم يأمرهم ثانية فيرجعون لذلك ويقولون كذلك فيقول الرب تعالى خلقتكم على علمي وإلى علمي تصيرون يا نار ضميهم فتأخذهم النار " وبعض الأخبار يقتضي أن منهم من يعذب ومنهم من لا يعذب.

    فقد أخرج أحمد وابن راهويه وابن مردويه والبيهقي عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: " أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئاً ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول فيأخذ سبحانه مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها سحب إليها " وأخرج قاسم بن أصبغ والبزار وأبو يعلى وابن عبد البر في «التمهيد» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى يوم القيامة بأربعة بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الهرم الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من جهنم: ابرزي ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم فيقول لهم: ادخلوا هذه فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفر وأما من كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها فيقول الرب تعالى: قد عاينتموني فعصيتموني فأنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار " إلى غير ذلك من الأخبار.

    ويحتج بها من قال بانقسام ذراري المشركين بل وذراري المؤمنين وفي القلب من صحتها شيء وإن قال في «الإصابة»: إنها وردت من عدة طرق وعلى تقدير صحتها فمعارضها أصح منها. والذي يميل إليه القلب أن العقل حجة في معرفة الصانع تعالى ووحدته وتنزهه عن الولد سبحانه قبل ورود الشرع للأدلة السابقة وغيرها وإن كان في بعضها ما يقال وإرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة منه تعالى أو أن ذلك لبيان ما لا ينال بالعقول من أنواع العبادات والحدود فلا يرد أنه لو كان العقل حجة ما أرسل الله تعالى رسولاً ولاكتفى به.

    وقيل في جوابه: لما كان أمر البعث والجزاء مما يشكل مع العقل وحده إلا بعظيم تأمل فيه حرج يعذر الإنسان بمثله ولا إيمان بدونه بعث الله تعالى الرسل عليهم السلام لبيان ما به تتمة الدين لا لنفس معرفة الخالق فإنها تنال ببداية العقول فالبعرة / تدل على البعير والأثر على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير. وأيضاً إن الله تعالى لم يدعنا ورسولاً من أول الأمر إلى آخره والحجة كانت قائمة بالواحد كما بقيت بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ولم يدل ذلك على أن الأول لم يكن حجة كافية، وكذلك لم يدعنا سبحانه والبيان بآية واحدة بل من علينا جل شأنه بآيات متكررة ولا يدل ذلك أن الآية الواحدة لم تكن حجة كافية.

    وقوله تعالى خبراً عن قول الخزنة لأهل النار:
    { أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِظ±لْبَيّنَـظ°تِ }
    [غافر: 50] توبيخ بالأظهر وهو لا يدل على أن الآخر ليس بحجة، وقوله تعالى:
    { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ظ±للَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ظ±لرُّسُلِ }
    [النساء: 165] على معنى لئلا يكون لهم احتجاج بزعمهم بأن يقولوا
    { لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً }
    [طه: 134]، وقوله تعالى:
    { ذظ°لِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ظ±لْقُرَىظ° بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـظ°فِلُونَ }
    [الأنعام: 131] محمول على الإهلاك بعذاب الاستئصال في الدنيا على تكذيب الرسل وأما جزاء الكفر فالنار في العقبـى، وكذا يقال في الآية التي نحن فيها لكثرة ما يدعو إليه فلا عذر لمن لم يعرف ربه سبحانه من أهل الفترة إذا كان عاقلاً مميزاً متمكناً من النظر والاستدلال لا سيما إذا بلغته دعوة رسول من الرسل عليهم السلام ولا يكاد يوجد من لم تبلغه كما سمعت عن الحليمي، وقيل: بوجوده في أمريقا وهي المسماة بيكي دنيا قبل أن يظفر بها في حدود الألف بعد الهجرة كرشتوفيل المشهور بقلونبو فإن أهلها على ما بلغنا إذ ذاك لم يسمعوا بدعوة رسول أصلاً.

    ثم المفهوم من كلام الأجلة أن النزاع إنما هو بالنسبة لأحكام الإيمان بالله تعالى بخلاف الفروع فلا خلاف في أنها لا تثبت إلا في حق من بلغته دعوة من أرسل إليه وهو الظاهر، نعم ما اتفق عليه الملل من الفروع هل هو كالإيمان حتى يجري فيه النزاع المتقدم؟ فيه نظر، وأما الإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم فليس بواجب على من لم تبلغه دعوته إذ ليس للعقل في ذلك مجال كما لا يخفى على ذي عقل بل قال حجة الإسلام الغزالي: الناس بعد بعثته عليه الصلاة والسلام أصناف، صنف لم تبلغهم دعوته ولم يسمعوا به أصلاً فأولئك مقطوع لهم بالجنة، وصنف بلغتهم دعوته وظهور المعجزة على يده وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق العظيمة والصفات الكريمة ولم يؤمنوا به كالكفرة الذين بين ظهرانينا فأولئك مقطوع لهم بالنار، وصنف بلغتهم دعوته عليه الصلاة والسلام وسمعوا به لكن كما يسمع أحدنا بالدجال وحاشا قدره الشريف صلى الله عليه وسلم عن ذلك فهؤلاء أرجو لهم الجنة إذ لم يسمعوا ما يرغبهم في الإيمان به اهـ، ولعل القطع بالجنة للأولين ورجاءها للآخرين إنما يكونان إذا كانوا مؤمنين بالله تعالى وأما إذا لم يكونوا كذلك فهم على الخلاف.

    ثم إن مسألة عدم الوجوب قبل ورود الشرع إنما يتم الاستدلال عليه بالآية عند المستدلين بها كما قال الأصفهاني إذا كان المقصود تحصيل غلبة الظن فيها فإن كانت علمية فلا يمكن إثباتها بالدلائل الظنية، وفيها عندهم نوع اكتفاء أي وما كنا معذبين ولا مثيبين حتى نبعث رسولاً، قالوا: واستغنى عن ذكر الثواب بذكر مقابله من العذاب ولم يعكس لأنه أظهر منه في تحقق معنى التكليف فتأمل.

    وقال القرطبي

    مسألة ـ نزعت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية في الردّ على ابن عمر حيث قال: إن الميت ليعَذَّبُ ببكاء أهله. قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنه لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإِنكارها، فإن الرواة لهذا المعنى كثير؛ كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقَيْلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية؛ فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارَضة بين الآية والحديث؛ فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصيّة الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طَرَفة:
    إذا مِتّ فانعيني بما أنا أهله وشُقّي عليّ الجيب يا بنت مَعْبَدِ
    وقال:
    إلى الحَوْل ثم ظ±سم السلام عليكما ومن يَبْك حولاً كاملاً فقد اعتذر
    وإلى هذا نحا البخاري. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث، وأنه إنما يعذَّب بنَوْحِهم؛ لأنه أهمل نهيهَم عنه قبل موته وتأديبَهم بذلك، فيعذَّب بتفريطه في ذلك؛ وبترك ما أمره الله به من قوله:
    { قُوغ¤اْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً }
    [التحريم: 6] لا بذنب غيره، والله أعلم.

    قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىظ° نَبْعَثَ رَسُولاً } أي لم نترك الخلق سُدًى، بل أرسلنا الرسل. وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافاً للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبّح ويحسّن ويبيح ويحظر. وقد تقدّم في البقرة القول فيه. والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا؛ أي أن الله لا يهلك أمة بعذابٍ إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار. وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى:

    { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌقَالُواْ بَلَىظ° قَدْ جَآءَنَا }
    [الملك: 8] قال ابن عطية: والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم عليه السلام بالتوحيد وبَثّ المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفِطَر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار. وهذه الآية أيضاً يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة، وهم أهل الفَتَرات الذين قد قدّر وجودَهم بعضُ أهل العلم. وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح، ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف. قال المهدوِيّ: وروي عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولاً إلى أهل الفترة والأبكم والأخرس والأصم؛ فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا، وتلا الآية؛ رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، ذكره النحاس.

    قلت: هذا موقوف، وسيأتي مرفوعاً في آخر سورة طه إن شاء الله تعالى؛ ولا يصح وقد استدلّ قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى؛ وهذا صحيح، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل، والله أعلم

    وقال ابن كثير

    بقي ههنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديماً وحديثاً، وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة؟ وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلاً ملخصاً من كلام الأئمة في ذلك والله المستعان. فالحديث الأول عن الأسود بن سريع. قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس. عن الأسود بن سريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول رب قد جاء الإسلام، والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها، لكانت عليهم برداً وسلاماً " وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره " فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها يسحب إليها " ، وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث أحمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به، وقال هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أربعة كلهم يدلي على الله بحجة " فذكر نحوه، ورواه ابن جرير من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة، فذكره موقوفاً، ثم قال أبو هريرة فاقرؤوا إن شئتم { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىظ° نَبْعَثَ رَسُولاً } وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفاً. الحديث الثاني عن أنس بن مالك. قال أبو داود الطيالسي حدثنا الربيع عن يزيد هو ابن أبان قال قلنا لأنس يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

    " لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها، فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها، فيكونوا من أهل الجنة ". الحديث الثالث عن أنس أيضاً. قال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير عن ليث عن عبد الوارث، عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهرم، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار - ابرز، ويقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه - قال - فيقول من كتب عليه الشقاء يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ - قال - ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعاً - قال - فيقول الله تعالى أنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار...

    ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في " صحيح البخاري " أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل هذا إبراهيم عليه السلام، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال " نعم وأولاد المشركين " ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله عليه السلام " هم مع آبائهم " ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخراً، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة، وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد....

    فصل وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين، فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله عز وجل، فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة، قال أبو عمر ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث، منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، قالوا وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة، انتهى كلامه، وهو غريب جداً، وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب " التذكرة " نحو ذلك أيضاً، والله أعلم.

    ملحوظة

    سؤال حيرنى شخصيا

    يا رسول اللهِ ! ذراري المؤمنين ؟ فقال : من آبًائهم . فقلت : يا رسول اللهِ بلا عمل ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين . قلت : يا رسول اللهِ فذراري المشركين ؟ قال : من آبًائهم . قلت : بلا عمل ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين

    كيف يحاسبهم علي علم لم تتعلق ارادة الله الازلية بتخصيصه بالوقوع فى الخارج او الواقع بتعلق القدرة التنجيزى الحادث له؟

  9. #399
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    وقوله: { فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } أي أهلكناها إهلاك الاستئصال. والدمار هلاك على سبيل الاستئصال. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجوه: الأول: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أراد إيصال الضرر إليهم ابتداء ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق. الثاني: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما خص المترفين بذلك الأمر لعلمه بأنهم يفسقون، وذلك يدل على أنه تعالى أراد منهم الفسق، والثالث: أنه تعالى قال: { فَحَقَّ عَلَيْهَا ظ±لْقَوْلُ } بالتعذيب والكفر، ومتى حق عليها القول بذلك امتنع صدور الإيمان منهم، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذباً وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال. قال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه تعالى لا يبتدىء بالتعذيب والإهلاك لقوله:
    { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىظ° يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ }
    [الرعد: 11] وقوله:
    { مَّا يَفْعَلُ ظ±للَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ }
    [النساء: 147] وقوله:
    { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ظ±لْقُرَىظ° إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـظ°لِمُونَ }
    [القصص: 59] فكل هذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يبتدىء بالإضرار، وأيضاً ما قبل هذه الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله:
    { مَّنِ ظ±هْتَدَىظ° فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىظ° }
    [الإسراء: 15] ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض، فثبت أن الآيات التي تلوناها محكمة، وكذا الآية التي نحن في تفسيرها، فيجب حمل هذه الآية على تلك الآيات هذا ما قاله الكعبي، واعلم أن أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية على وجه يوافق قول المعتزلة: القفال. فإنه ذكر فيه وجهين: الوجه الأول: قال إنه تعالى أخبر أنه لا يعذب أحداً بما يعلمه منه ما لم يعمل به، أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره فإذا ظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه فقوله: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } معناه: وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم أمرنا المتنعمين المتعززين الظانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم ترد عنهم بأسنا بالإيمان بي والعمل بشرائع ديني على ما بلغهم عني رسولي، ففسقوا فحينئذ يحق عليهم القضاء السابق بإهلاكهم لظهور معاصيهم فحينئذ دمرناها، والحاصل أن المعنى: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على المعصية لم نكتف في تحقيق ذلك الإهلاك بمجرد ذلك العلم، بل أمرنا مترفيها ففسقوا، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق فحينئذ نوقع عليهم العذاب الموعود به.

    والوجه الثاني: في التأويل أن نقول: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها لم نعاجلها بالعذاب في أول ظهور المعاصي منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي، وإنما خص المترفين بذلك الأمر، لأن المترف هو المتنعم ومن كثرت نعم الله عليه كان قيامه بالشكر أوجب، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع مرة بعد أخرى مع أنه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم بل يزيدها حالاً بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمردهم وبعدهم عن الرجوع عن الباطل إلى الحق، فحينئذ يصب الله البلاء عليهم صباً، ثم قال القفال: وهذان التأويلان راجعان إلى أن الله تعالى أخبر عباده أنه لا يعاجل بالعقوبة أمة ظالمة حتى يعذر إليهم غاية الأعذار الذي يقع منه اليأس من إيمانهم، كما قال في قوم نوح:
    { وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً }
    [نوح: 27] وقال:
    { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن }
    [هود: 36] وقال في غيرهم:
    { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ }
    [يونس: 74] فأخبر تعالى أولاً أنه لا يظهر العذاب إلا بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام. ثم أخبر ثانياً في هذه الآية أنه إذا بعث الرسول أيضاً فكذبوا لم يعاجلهم بالعذاب، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ، فإن بقوا مصرين على الذنوب فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال، وهذا التأويل الذي ذكره القفال في تطبيق الآية على قول المعتزلة لم يتيسر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله. وأجاب الجبائي بأن قال: ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقوا، وذلك لأنه ظلم وهو على الله محال، بل المراد من الإرادة قرب تلك الحالة فكان التقدير وإذا قرب وقت إهلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدة، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة، وليس المراد أن المريض يريد أن يموت، والتاجر يريد أن يفتقر وإنما يعنون أنه سيصير كذلك فكذا ههنا. واعلم أن جميع الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في التمسك بهذه الآية، لا شك أن كلها عدول عن ظاهر اللفظ، أما الوجه الثاني والثالث فقد بقي سليماً عن الطعن، والله أعلم

    وقال الماتريدى

    وفي قوله: { وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً } دلالة أن الإرادة غير المراد؛ لأنه أخبر بتقدم الإرادة عن وقت الإهلاك؛ دل أنها غيره، وفيه أنه أراد السبب الذي به يهلكون، وهو التكذيب والعناد؛ لما علم منهم أنهم يختارون ذلك؛ إذ لا يحتمل أن يريد هلاكهم، وهو يعلم منهم غير سبب الهلاك؛ فهذا يرد قول المعتزلة: إن الإرادة هي المراد، وأنه لم يرد ما كان منهم من سبب الهلاك، والله أعلم.

    وقال السمين

    قوله تعالى: { أَمَرْنَا }: قرأ العامَّةُ بالقصرِ والتخفيفِ وفيه وجهان، أحدُهما: أنه من الأمرِ الذي هو ضِدُّ النهيِ. ثم اختلف القائلون بذلك في متعلَّق هذا الأمرِ: فعن ابن عباس في آخرين: أنه أَمَرْناهم بالطاعةِ فَفَسَقُوا، وقد ردَّ هذا الزمخشريُّ رداً شديداً وأنكره إنكاراً بليغاً في كلامٍ طويلٍ، حاصلُه: أنه حَذْفُ ما لا دليلَ عليه، وقدَّر هو متعلِّق الأمرِ: الفسق، أي: أَمَرْناهم بالفسق قال: " أي: أَمَرْناهم بالفِسْق، فعملوا، والأمرُ مجازٌ؛ لأنَّ حقيقةَ أمرِهم بالفسقِ أَنْ يقول لهم: افْسُقوا، وهذا لا يكونُ، فبقي أن يكونَ مجازاً. ووجهُ المجازِ: أنه صَبَّ عليهم النعمة صَبَّاً، فجعلوها ذريعةً إلى المعاصي واتِّباع الشهوات، فكأنهم مَأمورون بذلك لِتَسَبُّبِ إيلاءِ النِّعْمَةِ فيه، وإنما خَوَّلهم فيها ليشكروا ".

    ثم قال: " فإنْ قلت: فهلاَّ زَعَمْتَ أنَّ معناه: أَمَرْناهم بالطاعةِ ففسَقُوا. قلت: لأنَّ حَذْفَ ما لا دليلَ عليه غيرُ جائزٍ، فكيف حَذْفُ ما الدليلُ قائمٌ على نَقِيضِه؟ وذلك أنَّ المأمورَ به إنما حُذِفَ لأنَّ " فَفَسَقُوا " يدلُّ عليه، وهو كلامٌ مستفيضٌ يقال: " أَمَرْتُه فَقام " ، و " أَمَرْتُه فَقَرأ " ، لا يُفهم منه إلا أنَّ المأمورَ به قيامُ أو قراءةُ، ولو ذَهَبْتَ تُقَدِّر غيرَه رُمْتَ مِنْ مخاطَبِك عِلْمَ الغيبِ، ولا يَلْزَمُ [على] هذا قولُهم: و " أَمَرْتُه فعصاني " أو " فلم يمتثلْ " لأنَّ ذلك منافٍ للأمرِ مناقِضٌ له، ولا يكونُ ما يناقض الأمرَ مأموراً به، فكان محالاً أن يُقْصَدَ أصلاً حتى يُجْعَلَ دالاًّ على المأمورِ به، فكان المأمورُ به في هذا الكلامِ غيرَ مَنْوِيٍّ ولا مُرادٍ؛ لأن مَنْ يتكلمُ بهذا الكلامِ لا يَنْوي لآمرهِ مأموراً به، فكأنه يقول: كان مني أَمْرٌ فكان منه طاعةٌ، كما أنَّ مَنْ يقول: [ " فلان] يبأمرُ ويَنْهى ويعطي ويمنع " لا يَقْصِدُ مفعولاً. فإن قلت: هلاَّ كان ثبوتُ العلمِ بأنَّ اللهَ لا يأمرُ بالفحشاء دليلاً على أنَّ المراد: أَمَرْناهم بالخيرِ، قلت: لأنَّ قوله " فَفَسَقوا " يدافعه، فكأنَّك أظهَرْتَ شيئاً وأنت تُضْمِرُ خلافَه، ونظيرُ " أمر ": " شاء " في أنَّ مفعولَه استفاضَ حَذْفُ مفعولِه لدلالةِ ما بعدَه عليه. تقول: لو شاءَ لأحسنَ إليك، ولو شاءَ لأساءَ إليك، تريد: لو شاء الإِحسانَ، ولو شاء الإِساءةَ، ولو ذَهَبْتَ تُضْمِرُ خلافَ ما أظهرْتَ، وقلت: قد دَلَّتْ حالُ مَنْ أُسْنِدَتْ إليه المشيئةُ أنه من أهلِ الإِحسان أو من أهلِ الإِساءةِ فاتركِ الظاهرَ المنطوقَ وأَضْمِرْ ما دَلَّتْ عليه حالُ المسندِ إليه المشيئةُ، لم تكنْ على سَدادٍ ".

    وتَتَبَّعه الشيخُ في هذا فقال: " أمَّا ما ارتكبه من المجاز فبعيدٌ جداً، وأمَّا قولُه: " لأنَّ حَذْفَ ما لا دليلَ عليه غيرُ جائزٍ " فتعليلٌ لا يَصِحُّ فيما نحن بسبيلِه، بل ثَمَّ ما يَدُلُّ على حَذْفِه.

    وقوله: " فكيف يُحْذَفُ ما الدليلُ على نقيضِه قائمٌ " إلى " عِلْم/ الغيب " فنقول: حَذْفُ الشيءِ تارةً يكونُ لدلالةِ موافِقِه عليه، ومنه ما مَثَّل به في قولِه " أَمَرْتُه فقامَ " ، وتارة يكونُ لدلالةِ خِلافِه أو ضدِّه أو نقيضِه كقولِه تعالى:
    { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ظ±لَّيْلِ وَظ±لنَّهَارِ }
    [الأنعام: 13]، أي: ما سَكَنَ وتحرَّك، وقوله:
    { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ظ±لْحَرَّ }
    [النحل: 81]، أي: والبردَ، وقول الشاعر:
    3041- وما أَدْرِيْ إذا يَمَّمْتُ أرْضاً أريدُ الخيرَ ايُّهما يَلِينْي
    أالخيرُ الذي أنا أَبْتَغِيْهِ أم الشرُّ الذي هو يَبْتَغيني
    أي: وأَجْتَنِبُ الشرَّ، وتقول: " أَمَرْتُه فلم يُحْسِنْ " فليس المعنى: أمرتُه بعدم الإِحسانِ، بل المعنى: أَمَرْتُه بالإِحسانِ فلم يُحْسِنْ، والآيةُ من هذا القبيل، يُستدلُّ على حذف النقيض بنقيضه كما يُسْتَدَلُ على حَذْفِ النظير بنظيره، وكذلك " أَمَرْتُه فأساء إليَّ " ليس المعنى: أَمَرْتُه بالإِساءة بل أَمَرْتُه بالإِحسان. وقوله: " ولا يَلْزم هذا قولَهم: " أَمَرْتُه فعصاني ". نقول: بل يَلْزَمُ. وقوله: " لأنَّ ذلك منافٍ " ، أي: لأنَّ العِصْيانَ منافٍ. وهو كلامٌ صحيح. وقوله: " فكان المأمورُ به غيرَ مدلولٍ عليه ولا مَنْويٌّ " لا يُسَلَّم بل مَدْلُولٌ عليه ومنوِيٌّ لا دلالةُ الموافقِ بل دلالةُ المناقِض، كما بَيَّنَّا. وقوله: " لا يَنْوِي مأموراً به " لا يُسَلَّم. وقوله: " لأنَّ فَفَسَقُوا يدافعُه، إلى آخره " قلنا: نعم نَوَى شيئاً ويُظهِرُ خلافَه، " لأنَّ نقيضَه يَدُلُّ عليه. وقولُه: " ونظيرُ " أمر " " شاء " ليس نظيرَه؛ لأنَّ مفعولَ " أمر " كَثُر التصريحُ به. قال الله [تعالى]:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِظ±لْفَحْشَآءِ }
    [الأعراف: 28]
    { أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ إِيَّاهُ }
    [يوسف: 40]
    { يَأْمُرُ بِظ±لْعَدْلِ }
    [النحل: 67]
    { أَمَرَ رَبِّي بِظ±لْقِسْطِ }
    [الأعراف: 29]
    { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـظ°ذَآ }
    [الطور: 32]وقال الشاعر:
    3042- أَمَرْتُك الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به ...............................
    قلت: والشيخُ رَدَّ عليه رَدَّ مُسْتَريحٍ من النظرِ، ولولا خَوفُ السآمةِ على الناظرِ لكان للنظرِ في كلامهما مجالٌ.

    والوجه الثاني: أنَّ " أَمَرْنا " بمعنى كَثَّرْنا، ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ في ظاهرِ عبارتِه فإنَّه قال: " وفسَّرَ بعضُهم " أَمَرْنا " بـ " كَثَّرْنا " ، وجَعَلَه من بابِ: فَعَّلْتُه فَفَعَلَ، كَثَبَّرْتُه فَثَبَر. وفي الحديثِ: " خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُوْرة ومُهْرَةٌ مَأْمورة " ، أي: كثيرةُ النِّتاج ". قلت: وقد حكى أبو حاتم هذه اللغةَ، يقال: أَمِر القومُ، وأَمَرهم اللهُ، ونقله الواحديُّ أيضاً عن أهل اللغة، وقال أبو علي: " الجيِّد في " أَمَرْنا " أن يكونَ بمعنى كَثَّرْنا ".

    واستدل أبو عبيدة بما جاء في الحديثِ فذكره. يقال: أَمَرَ اللهُ المُهْرَة، أي: كَثَّر ولدَها. قال " ومَن أنكر " أمرَ اللهُ القومَ " أي: كَثَّرهم لم يُلتفَتْ إليه لثبوتِ ذلك لغةً


    ويكون ممَّا لَزِمَ وتعدَّى بالحركةِ المختلفةِ؛ إذ يُقال: أَمِر القومُ كَثُروا، وأَمَرَهم الله كثَّرهم، وهو من بابِ المطاوعة: أَمَرهم الله فَأْتَمَروا كقولِك: شَتَرَ اللهُ عَيْنَه فَشَتِرَتْ، وجَدَعَ اَنْفَه فَجَدِع، وثَلَمَ سِنَّه فَثَلِمَتْ.

    وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمةُ: " أَمِرْنا " بكسر الميم بمعنى " أَمَرْنا " بالفتح. حكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه يُقال: " أَمَرَ اللهُ مالَه، وأَمِرَه " بفتح الميم وكسرِها، وقد رَدَّ الفراء هذه القراءةَ، ولا يُلْتَفَتُ لِرَدِّه لثبوتِها لغةً بنَقْلِ العُدولِ، وقد نَقَلها قراءةً عن ابن عباس أبو جعفر وأبو الفضل الرازي في " لوامِحه " فكيف تُرَدُّ؟

    وقرأ عليُّ بن أبي طالب وابنُ أبي إسحاق وأبو رجاء في آخرين " آمَرْنا " بالمَدِّ، ورُوِيَتْ هذه قراءةً عن ابنِ كثير وأبي عمرو وعاصم ونافعٍ، واختارها يعقوبُ، والهمزةُ فيه للتعديةِ؟

    وقرأ عليٌّ أيضاً وابنُ عباس وأبو عثمان النهدي: " أمَّرْنا " بالتشديد. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ التضعيفَ للتعديةِ، عدَّاه تارةً بالهمزة وأخرى بتضعيفِ العين، كأَخْرَجْته وخَرَّجته. والثاني: أنه بمعنى جعلناهم أُمَراءَ، واللازمُ من ذلك " أُمِّر ". قال الفارسيُّ، " لا وجهَ لكون " أَمَّرْنا " / من الإِمارة؛ لأنَّ رئاستَهم لا تكونُ إلاَّ لواحدٍ بَعْدَ واحدٍ، والإِهلاكُ إنما يكون في مُدَّة واحدة ". وقد رُدَّ على الفارسي: بأنَّا لا نُسَلِّم أن الأميرَ هوالمَلِك حتى يَلْزَمَ ما قلتُ، لأنَّ الأميرُ عند العرب مَنْ يَأْمُرُ ويُؤْتَمَرُ به. ولَئِنْ سُلِّم ذلك لا يلزم ما قال؛ لأنَّ المُتْرَفَ إذا مَلَكَ فَفَسَق ثم آخرَ بعده فَفَسَق، ثم كذلك كَثُر الفسادُ، ونزل بهم على الآخِر مِنْ ملوكهم.

    ملحوظة

    الارادة عند اهل السنة لها تعلقان قديمان احدهما خاص والاخر عام فالخاص هو التنجيزى والعام هو الصلوحى فالله اراد ازلا اهلاك القري مع صلاحية تعلق ارادته بعدم الاهلاك ...ومع ارادته للاهلاك ازلا المترتب علي فسقهم امرهم بالطاعة رغم ارادته لاهلاكهم والاهلاك مترتب علي الفسق ومن هنا قال اهل السنة الامر غير الارادة امرهم بالطاعة واراد لهم الفسق والهلاك والله اعلم

  10. #400
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    قوله تعالى: { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } وهذا الشرط معتبر، لأن الشرط في كون أعمال البر موجبة للثواب تقدم الإيمان، فإذا لم يوجد الشرط لم يحصل المشروط، ثم إنه تعالى أخبر أن عند حصول هذه الشرائط يصير السعي مشكوراً والعمل مبروراً. واعلم أن الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عن ذلك الشاكر، والله تعالى يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة، فإنه تعالى عالم بكونهم محسنين في تلك الأعمال، وأنه تعالى يثني عليهم بكلامه وأنه تعالى يعاملهم بمعاملات دالة على كونهم معظمين عند الله تعالى، وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلاً كانوا مشكورين على طاعاتهم من قبل الله تعالى، ورأيت في كتب المعتزلة أن جعفر بن حرب حضر عنده واحد من أهل السنة وقال: الدليل على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى أنا نشكر الله على الإيمان، ولو لم يكن الإيمان حاصلاً بإيجاده لامتنع أن نشكره عليه، لأن مدح الإنسان وشكره على ما ليس من عمله قبيح. قال الله تعالى:
    { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ }
    [آل عمران: 188] فعجز الحاضرون عن الجواب، فدخل ثمامة بن الأشرس وقال: إنما نمدح الله تعالى ونشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل. وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل، والله تعالى يشكرنا على فعل الإيمان.

    قال تعالى: { فَأُولَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } قال فضحك جعفر بن حرب وقال: صعب المسألة فسهلت. واعلم أن قولنا: مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل كلام واضح، لأنه تعالى هو الذي أعطى الموجب التام لحصول الإيمان فكان هو المستحق للشكر، ولما حصل الإيمان للعبد وكان الإيمان موجباً للسعادة التامة صار العبد أيضاً مشكوراً ولا منافاة بين الأمرين....

    وقال الالوسي

    وفي «إرشاد العقل السليم» «من كان يريد أي بأعماله التي يعملها سواء كان ترتب المراد عليها بطريق الجزاء كأعمال البر أو بطريق ترتب المعلولات على العلل كالأسباب أو بإعمال الآخرة فالمراد بالمريد على الأول الكفرة وأكثر الفسقة وعلى الثاني أهل الرياء والنفاق والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة»، وأنت تعلم أن أدراج / الفاسق والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة إذا كان مؤمناً في التمثيل على القول بدلالة الآية على الخلود مما لا يستقيم على أصولنا نعم يصح على أصول المعتزلة، وقد أدرج الزمخشري الفاسق في ذلك ودسائس الاعتزال منه عامله الله تعالى بعدله أكثر من أن تحصى.

    وظاهر كلام أبـي حيان اختيار كون المريد من الكفرة حيث قال «العاجلة هي الدنيا ومعنى إرادتها إيثارها على الآخرة ولا بد من تقدير محذوف دل عليه المقابل في قوله تعالى:
    { وَمَنْ أَرَادَ ظ±لاْخِرَةَ }
    [الإسراء: 19] الخ أي من كان يريد العاجلة وسعى لها سعيها وهو كافر عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، وقيل المراد من كان يريد العاجلة بعمل الآخرة كالمنافق والمرائي والمجاهد للغنيمة والذكر والمهاجر للدنيا» إلى آخر ما قال فحكى غير القول الأول الذي يكون يتعين عليه كون المريد من الكفرة بعد أن قدمه بقيل. ويؤيده تفسير كثير من كان يريد العاجلة بمن كان همه مقصوراً عليها لا يريد غيرها أصلاً فإن ذلك مما لا يكاد يصدق على مؤمن فاسق فإنه لو لم يكن له إرادة للآخرة ما آمن بها، وعلى القول بدخول الفاسق ونحوه ممن لا يحكم له عندنا بالخلود يمنع القول بدلالة الآية على الخلود ويقال لمن أدخل النار مبعد عن رحمة الله تعالى ما دام فيها فيصدق على الفاسق ما دام فيها كما يصدق على الكافر المخلد.

    وزعم بعضهم أن المريد هو المنافق الذي يغزو مع المسلمين للغنيمة لا للثواب فإن الآية نزلت فيه، وفيه أنه يأبـى ذلك ما سبق من أن السورة مكية غير آيات معينة ليست هذه منها على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فافهم.

    واعلم أن التقسيم الذي تضمنته الآية غير حاصر وذلك غير مضر والتقسيم الحاصر أن كل فاعل إما أن يريد بفعله العاجلة فقط أو يريد الآخرة فقط أو يريدهما معاً أو لم يرد شيئاً والقسمان الأولان قد علم حكمهما من الآية، والقسم الثالث ينقسم إلى ثلاثة أقسام لأنه إما تكون إرادة الآخرة أرجح أو تكون مرجوحة أو تكون الإرادتان متعادلتين، وفي قبول العمل في القسم الأول بحث عند الإمام قال: يحتمل عدم القبول لما روى عن رب العزة جل شأنه: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه " ويمكن أن يقال: إذا كانت إرادة الآخرة راجحة على إرادة الدنيا تعارض المثل بالمثل فيبقى القدر الزائد خالصاً للآخرة يجب كونه مقبولاً، وإلى عدم القبول ذهب العز بن عبد السلام، ومال إلى القول بأصل الثواب حجة الإسلام الغزالي حيث قال: لو كان اطلاع الناس مرجحاً أو مقوياً لنشاطه ولو فقد لم تترك العبادة ولو انفرد قصد الرياء لما أقدم فالذي نظنه والعلم عند الله تعالى أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب. وهذا ظاهر في أن الرياء ولو محرماً لا يمنع أصل الثواب عنده إذا كان باعث العبادة أغلب. وذكر ابن حجر أن الذي يتجه ترجيحه أنه متى كان المصاحب بقصد العبادة رياء مباحاً لم يقتضِ إسقاط ثوابها من أصله بل يثاب على مقدار قصد العبادة وإن ضعف أو محرماً اقتضى سقوطه من أصله للاخبار، وقوله تعالى

    { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ }
    [الزلزلة: 7] قد لا يعكر على ذلك لأن تقصيره بقصد المحرم / اقتضى سقوط قصد الأجر فلم تبق له ذرة من خير فلم تشمله الآية. واتفقوا على عدم قبول ما ترجح فيه باعث الدنيا أو كان الباعثان فيه متساويين، وخص الغزالي الأحاديث الدالة بظاهرها على عدم القبول مطلقاً بهذين القسمين، وتمام الكلام في هذا المقام في «الزواجر عن اقتراف الكبائر». وأما القسم الرابع عند القائلين بأن صدور الفعل من القادر يتوقف على حصول الداعي فهو ممتنع الحصول والذين قالوا إنه لا يتوقف قالوا ذلك الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر لأنه عبث والله تعالى أعلم.

    وقال القرطبي

    الأولى ـ { وَقَضَىظ° } أي أمر وألزم وأوجب. قال ابن عباس والحسن وقتادة: وليس هذا قضاء حُكْم بل هو قضاء أمر. وفي مصحف ابن مسعود «ووصَّى» وهي قراءة أصحابه وقراءة ابن عباس أيضاً وعليّ وغيرهما، وكذلك عند أُبَيّ بن كعب. قال ابن عباس: إنما هو «ووصى ربك» فالتصقت إحدى الواوين فقرئت «وقضى ربك» إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد. وقال الضحاك: تصحفت على قوم «وصى بقضى» حين اختلطت الواو بالصاد وقت كَتْب المصحف. وذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثلَ قول الضحاك. وقال عن ميمون بن مهْران أنه قال: إن على قول ابن عباس لنورا؛ قال الله تعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ظ±لدِّينِ مَا وَصَّىظ° بِهِ نُوحاً وَظ±لَّذِيغ¤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك. وقال: لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم القضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الأمر؛ كقوله تعالى: { وَقَضَىظ° رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ إِيَّاهُ } معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق؛ كقوله تعالى:
    { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ }
    [فصلت: 12] يعني خلقهن. والقضاء بمعنى الحكم؛ كقوله تعالى:
    { فَظ±قْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ }
    [طه: 72] يعني احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ؛ كقوله:
    { قُضِيَ ظ±لأَمْرُ ظ±لَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ }
    [يوسف: 41] أي فُرغ منه؛ ومنه قوله تعالى
    { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ }
    [البقرة: 200]. وقوله تعالى:
    { فَإِذَا قُضِيَتِ ظ±لصَّلاَةُ }
    [الجمعة: 10]. والقضاء بمعنى الإرادة؛ كقوله تعالى:
    { إِذَا قَضَىظ° أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    [آل عمران: 47]. والقضاء بمعنى العهد؛ كقوله تعالى:
    { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ظ±لْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىظ° مُوسَى ظ±لأَمْرَ }
    [القصص: 44].

    فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك، لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن فقال إنه طلّق امرأته ثلاثا. فقال: إنك قد عصيت ربك وبانَتْ منك. فقال الرجل: قضى الله ذلك علي فقال الحسن وكان فصيحاً: ما قضى الله ذلك! أي ما أمر الله به، وقرأ هذه الآية: { وَقَضَىظ° رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ إِيَّاهُ }.

    وقال الرازى

    اعلم أنه تعالى لما أمر بالأشياء الخمسة التي تقدم ذكرها، وحاصلها يرجع إلى شيئين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، أتبعها بذكر النهي عن أشياء. أولها: أنه تعالى نهى عن الزنا فقال: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا } قال القفال: إذا قيل للإنسان لا تقربوا هذا فهذا آكد من أن يقول له لا تفعله ثم إنه تعالى علل هذا النهي بكونه: { فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً }. واعلم أن الناس قد اختلفوا في أنه تعالى إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء فهل يصح أن يقال إنه تعالى إنما أمر بذلك الشيء أو نهى عنه لوجه عائد إليه أم لا؟ فقال القائلون بتحسين العقل وتقبيحه الأمر كذلك. وقال المنكرون: لتحسين العقل وتقبيحه ليس الأمر كذلك، احتج القائلون بتحسين العقل وتقبيحه على صحة قولهم بهذه الآية قالوا إنه تعالى نهى عن الزنا، وعلل ذلك النهي بكونه فاحشة فيمتنع أن يكون كونه فاحشة عبارة عن كونه منهياً عنه. وإلا لزم تعليل الشيء بنفسه وهو محال، فوجب أن يقال: كونه فاحشة وصف حاصل له باعتبار كونه زنا، وذلك يدل على أن الأشياء تحسن وتقبح لوجوه عائدة إليها في أنفسها، ويدل أيضاً على أن نهي الله تعالى عنها معلل بوقوعها في أنفسها على تلك الوجوه، وهذا الاستدلال قريب، والأولى أن يقال: إن كون الشيء في نفسه مصلحة أو مفسدة أمر ثابت لذاته لا بالشرع، فإن تناول الغذاء الموافق مصلحة، والضرب المؤلم مفسدة، وكونه كذلك أمر ثابت بالعقل لا بالشرع. وإذا ثبت هذا فنقول: تكاليف الله تعالى واقعة على وفق مصالح العالم في المعاش والمعاد فهذا هو الكلام الظاهري، وفيه مشكلات هائلة ومباحث عميقة نسأل الله التوفيق لبلوغ الغاية فيها. إذا عرفت هذا فنقول: الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد: أولها: اختلاط الأنساب واشتباهها فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره، فلا يقوم بتربيته ولا يستمر في تعهده، وذلك يوجب ضياع الأولاد، وذلك يوجب انقطاع النسل وخراب العالم. وثانيها: أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل أولى بهذه المرأة من غيره لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل، وذلك يفضي إلى فتح باب الهرج والمرج والمقاتلة، وكم سمعنا وقوع القتل الذريع بسبب إقدام المرأة الواحدة على الزنا. وثالثها: أن المرأة إذا باشرت الزنا وتمرنت عليه يستقذرها كل طبع سليم، وكل خاطر مستقيم، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة ولا يتم السكن والإزدواج، ولذلك فإن المرأة إذا اشتهرت بالزنا تنفر عن مقارنتها طباع أكثر الخلق. ورابعها: أنه إذا انفتح باب الزنا فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة، وكل رجل يمكنه التواثب على كل امرأة شاءت وأرادت.


    وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب. وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته من المطعوم والمشروب والملبوس، وأن تكون ربة البيت وحافظة للباب وأن تكون قائمة بأمور الأولاد والعبيد، وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد منقطعة الطمع عن سائر الرجال، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا وسد هذا الباب بالكلية. وسادسها: أن الوطء يوجب الذل الشديد، والدليل عليه أن أعظم أنواع الشتم عند الناس ذكر ألفاظ الوقاع، ولولا أن الوطء يوجب الذل، وإلا لما كان الأمر كذلك، وأيضاً فإن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا في المواضع المستورة، وفي الأوقات التي لا يطلع عليهم أحد، وأن جميع العقلاء يستنكفون عن ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم لما يقدمون على وطئهن، ولولا أن الوطء ذل، وإلا لما كان كذلك. وإذا ثبت هذا فنقول: لما كان الوطء ذلاً كان السعي في تقليله موافقاً للعقول، فاقتصار المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعى في تقليل ذلك العمل، وأيضاً ما فيه من الذل يصير مجبوراً بالمنافع الحاصلة في النكاح، أما الزنا فإنه فتح باب لذلك العمل القبيح ولم يصر مجبوراً بشيء من المنافع فوجب بقاؤه على أصل المنع والحجر، فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضي على الزنا بالقبح. وإذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى وصف الزنا بصفات ثلاثة كونه فاحشة، ومقتاً في آية أخرى: { وَسَاء سَبِيلاً } أما كونه فاحشة فهو إشارة إلى اشتماله على فساد الأنساب الموجبة لخراب العالم وإلى اشتماله على التقاتل والتواثب على الفروج وهو أيضاً يوجب خراب العالم. وأما المقت: فقد ذكرنا أن الزانية تصير ممقوتة مكروهة، وذلك يوجب عدم حصول السكن والازدواج وأن لا يعتمد الإنسان عليها في شيء من مهماته ومصالحه. وأما أنه ساء سبيلاً، فهو ما ذكرنا أنه لا يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث، وأيضاً يبقى ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة من غير أن يصير مجبوراً بشيء من المنافع، فقد ذكرنا في قبح الزنا ستة أوجه والله تعالى ذكر ألفاظاً ثلاثة، فحملنا كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة على وجهين من تلك الوجوه الستة، والله أعلم بمراده.

  11. #401
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    وأما قوله: { مَكْرُوهًا } فذكروا في تصحيحه على هذه القراءة وجوهاً: الأول: التقدير: كل ذلك كان سيئة وكان مكروهاً. الثاني: قال صاحب «الكشاف»: السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه، ولا فرق بين من قرأ سيئة ومن قرأ سيئه. ألا ترى أنك تقول: الزنا سيئة كما تقول السرقة سيئة، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث. الثالث: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: كل ذلك كان مكروهاً وسيئة عند ربك. الرابع: أنه محمول على المعنى لأن السيئة هي الذنب وهو مذكر. المسألة الثانية: قال القاضي: دلت هذه الآية على أن هذه الأعمال مكروهة عند الله تعالى، والمكروه لا يكون مراداً له، فهذه الأعمال غير مرادة لله تعالى فبطل قول من يقول: كل ما دخل في الوجود فهو مراد لله تعالى. وإذا ثبت أنها ليست بإرادة الله تعالى وجب أن لا تكون مخلوقة له لأنها لو كانت مخلوقة لله تعالى لكانت مرادة له لا يقال: المراد من كونها مكروهة أن الله تعالى نهى عنها، وأيضاً معنى كونها مكروهة أن الله تعالى كره وقوعها وعلى هذا التقدير فهذا لا يمنع أن الله تعالى أراد وجودها، لأن الجواب عن الأول أنه عدول عن الظاهر، وأيضاً فكونها سيئة عند ربك يدل على كونها منهياً عنها فلو حملنا المكروه على النهي لزم التكرار. والجواب عن الثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الزجر عن هذه الأفعال، ولا يليق بهذا الموضع أن يقال: إنه يكره وقوعها هذا تمام هذا الاستدلال. والجواب: أن المراد من المكروه المنهي عنه ولا بأس بالتكرير لأجل التأكيد، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال القاضي: دلت هذه الآية على أنه تعالى كما أنه موصوف بكونه مريداً فكذلك أيضاً موصوف بكونه كارهاً. وقال أصحابنا: الكراهية في حقه تعالى محمولة إما على النهي أو على إرادة العدم، والله أعلم.

    وقال الالوسي

    عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } أي مبغضاً وإن كان مراداً له تعالى بالإرادة التكوينية وإلا لما وقع كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم " تعالى كان وما لم يشأ لم يكن " وغير ذلك. وليست هذه الإرادة مرادفة أو ملازمة للرضا ليلزم اجتماع الضدين الإرادة المذكورة والكراهة كما يزعمه المعتزلة

  12. #402
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    المسألة الثانية: قال الجبائي: قوله: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لِيَذَّكَّرُواْ } يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن، وإنما أكثر فيه من ذكر الدلائل لأنه تعالى أراد منهم فهمها والإيمان بها، وهذا يدل على أنه تعالى يفعل أفعاله لأغراض حكمية، ويدل على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل سواء آمنوا أو كفروا، والله أعلم. ثم قال تعالى: { وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الأصم: شبههم بالدواب النافرة، أي ما ازدادوا من الحق إلا بعداً وهو كقوله:
    { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا }
    [التوبة: 125]. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكفار، وقالوا: إنه تعالى عالم بأن تصريف القرآن لا يزيدهم إلا نفوراً، فلو أراد الإيمان منهم لما أنزل عليهم ما يزيدهم نفرة ونبوة عنه، لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لمزيد النفرة والنبوة عنه، فإنه عندما يحاول تحصيل ذلك المقصود يحترز عما يوجب مزيد النفرة والنبوة. فلما أخبر تعالى أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً، علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم، والله أعلم. أما قوله تعالى: { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسيره وجهان: الوجه الأول: أن المراد من قوله: { إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } هو أنا لو فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى لغلب بعضهم بعضاً، وحاصله يرجع إلى دليل التمانع وقد شرحناه في سورة الأنبياء في تفسير قوله:

    { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }
    [الأنبياء: 22] فلا فائدة في الإعادة. الوجه الثاني: أن الكفار كانوا يقولون
    { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }
    [الزمر:3]، فقال الله لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها أيضاً قربة إلى الله تعالى وسبيلاً إليه ولطلبت لأنفسها المراتب العالية، والدرجات الشريفة من الأحوال الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله...

    ثم قال تعالى: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّا كَبِيرًا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لما أقام الدليل القاطع على كونه منزهاً عن الشركاء. وعلى أن القول بإثبات الآلهة قول باطل، أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا القول الباطل فقال: { سُبْحَـٰنَهُ } وقد ذكرنا أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ثم قال: { وَتَعَالَىٰ } والمراد من هذا التعالي الارتفاع وهو العلو، وظاهر أن المراد من هذا التعالي ليس هو التعالي في المكان والجهة، لأن التعالي عن الشريك والنظير والنقائص والآفات لا يمكن تفسيره بالتعالي بالمكان والجهة، فعلمنا أن لفظ التعالي في حق الله تعالى غير مفسر بالعلو بحسب المكان والجهة. المسألة الثانية: جعل العلو مصدر التعالي فقال تعالى: { عُلُوّاً كَبِيراً } وكان يجب أن يقال تعالى تعالياً كبيراً إلا أن نظيره قوله تعالى:
    { وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً }
    [نوح: 17]. فإن قيل: ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير؟ قلنا: لأن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها، لأن المنافاة بين الواجب لذاته والممكن لذاته، وبين القديم والمحدث، وبين الغني والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبير...

    واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالماً متكلماً لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى عالماً قادراً على كونه حياً وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه حياً وذلك كفر فإنه يقال: إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء عالماً قادراً متكلماً كونه حياً فلم يلزم من كونه تعالى عالماً قادراً كونه حياً وذلك جهل وكفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالماً قادراً متكلماً، هذا هو القول الذي أطبق العلماء المحققون عليه، ومن الناس من قال: إن الجمادات وأنواع النبات والحيوان كلها تسبح الله تعالى، واحتجوا على صحة قولهم بأن قالوا: دل هذا النص على كونها مسبحة لله تعالى ولا يمكن تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته لأنه تعالى قال: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا. ودلالتها على وجود قدرة الله وحكمته معلوم، والمعلوم مغاير لما هو غير معلوم فدل على أنها تسبح الله تعالى وأن تسبيحها غير معلوم لنا، فوجب أن يكون التسبيح المذكور في هذه الآية مغايراً لكونها دالة على وجود قدرة الله تعالى وحكمته. والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثير من الأجزاء التي لا تتجزأ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ صفات مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجائزات فلا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم. إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الإله وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيضاً دليل تام على وجود الإله تعالى، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم، وأحوال تلك الصفات غير معلومة، فلهذا المعنى قال تعالى: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }. ...

    وقال الالوسي

    { إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ } جواب عن قولهم إن مع الله سبحانه آلهة وجزاء للوأى لطلب الآلهة { إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ } أي إلى من له الملك والربوبية على الإطلاق { سَبِيلاً } بالمغالبة والممانعة كما اطردت العادة بين الملوك، وهي إشارة إلى برهان التمانع كقوله تعالى:
    { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }
    [الأنبياء: 22] وذلك بتصوير قياس استثنائي استثني فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم المطلوب، وسيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في محله، وإلى هذا ذهب سعيد بن جبير كما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم. وعن مجاهد وقتادة أن المعنى إذاً لطلبوا الزلفى إليه تعالى والتقرب بالطاعة لعلمهم بعلوه سبحانه عليهم وعظمته وهذا كقوله تعالى:
    { أُولَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ }
    [الإسراء: 57] وهو إشارة إلى قياس اقتراني هكذا لو كان كما زعمتم آلهة لتقربوا إليه تعالى وكل من كان كذلك ليس إلٰهاً فهم ليسوا بآلهة. قيل و { لَوْ } على الأول امتناعية وعلى هذا شرطية، والقياس مركب من مقدمتين شرطية اتفاقية وحملية

    ملحوظة

    برهان التمانع من الادلة المشهورة والمطولة فى كتب الاشاعرة وعليه نقاشات فى المطولات وسيأتى بالتفصيل باذن الله

  13. #403
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    قال الرازى

    جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } وفيه سؤال: وهو أنه كان يجب أن يقال حجاباً ساتراً. والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن ذلك الحجاب حجاب يخلقه الله تعالى في عيونهم بحيث يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا يراه فكان مستوراً من هذا الوجه، احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة ويكون المرئي حاضراً مع أنه لا يراه ذلك الإنسان لأجل أن الله تعالى خلق في عينيه مانعاً يمنعه عن رؤيته بهذه الآية قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضراً وكانت حواس الكفار سليمة، ثم إنهم ما كانوا يرونه، وأخبر الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أنه جعل بينه وبينهم حجاباً مستوراً، والحجاب المستور لا معنى له إلا المعنى الذي خلقه الله تعالى في عيونهم، وكان ذلك المعنى مانعاً لهم من أن يروه ويبصروه....

    ثم قال تعالى: { وَجَعَلْنَا عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءاذَانِهِمْ وَقْراً } وهذه الآية مذكورة بعينها في سورة الأنعام وذكرنا استدلال أصحابنا بها وذكرنا سؤالات المعتزلة ولا بأس بإعادة بعضها قال الأصحاب: دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل قلوبهم في الأكنة. والأكنة جمع كنان وهو ما ستر الشيء مثل كنان النبل وقوله: { أَن يَفْقَهُوهُ } أي لئلا يفقهوه. وجعل في آذانهم وقراً. ومعلوم أنهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين، فعلمنا أن المراد منعهم عن الإيمان ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره ولا يفهمون دقائقه وحقائقه. قالت المعتزلة: ليس المراد من الآية ما ذكرتم بل المراد منه وجوه أخرى. الأول: قال الجبائي: كانوا يطلبون موضعه في الليالي لينتهوا إليه ويؤذونه، ويستدلون على مبيته باستماع قراءته فأمنه الله تعالى من شرهم، وذكر له أنه جعل بينه وبينهم حجاباً لا يمكنهم الوصول إليه معه، وبين أنه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته، ويجوز أن يكون ذلك مرضاً شاغلاً يمنعهم من المصير إليه والتفرغ له، لا أنه حصل هناك كن للقلب ووقر في الأذن. الثاني: قال الكعبي: إن القوم لشدة امتناعهم عن قبول دلائل محمد صلى الله عليه وسلم صاروا كأنه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب مانع وساتر، وإنما نسب الله تعالى ذلك الحجاب إلى نفسه لأنه لما خلاهم مع أنفسهم، وما منعهم عن ذلك الإعراض صارت تلك التخلية كأنها هي السبب لوقوعهم في تلك الحالة، وهذا مثل أن السيد إذا لم يراقب أحوال عبده فإذا ساءت سيرته فالسيد يقول: أنا الذي ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك مع رأيك وما راقبت أحوالك.

    الثالث: قال القفال: إنه تعالى لما خذلهم بمعنى أنه لم يفعل الألطاف الداعية لهم إلى الإيمان صح أن يقال: إنه فعل الحجاب السائر. واعلم أن هذه الوجوه مع كلمات أخرى ذكرناها في سورة الأنعام وأجبنا عنها، فلا فائدة في الإعادة....

    وقال الالوسي

    وجعل الزمخشري ما تقدم حكاية لما قالوا
    { قُلُوبُنَا فِيغ¤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ }
    [فصلت: 5] على معنى جعلنا على زعمهم ولم يرتضه شيخ الإسلام لأن قصدهم بذلك إنما هو الإخبار بما اعتقدوه في حق القرآن والنبـي صلى الله عليه وسلم جهلاً وكفراً من اتصافهما بأوصاف مانعة من التصديق والإيمان ككون القرآن سحراً وشعراً وأساطير وقس عليه حال النبـي عليه الصلاة والسلام لا الإخبار بأن هناك أمراً وراء ما أدركوه / قد حال بينهم وبين إدراكه حائل من قبلهم، ولا ريب في أن ذلك المعنى مما لا يكاد يلائم المقام انتهى، وقد يقال: حيث كان الكلام مسوقاً لتعداد قبائحهم والإنكار عليهم فالملاءمة مما لا ريب فيها، نعم اختيار الزمخشري هذا الوجه مما لا يخلو عن دسيسة اعتزالية ولا أظنها تخفى عليك

    قال الزمخشري

    { حِجَابًا مَّسْتُورًا } ذا ستر كقولهم. سيل مفعم ذو إفعام. وقيل: هو حجاب لا يرى فهو مستور. ويجوز أن يراد أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب، فهو مستور بغيره. أو حجاب يستر أن يبصر، فكيف يبصر المحتجب به، وهذه حكاية لما كانوا يقولونه
    { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ }
    [فصلت: 5] كأنه قال: وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم { أَن يَفْقَهُوهُ } كراهة أن يفقهوه. أو لأنّ قوله { وَجَعَلْنَا عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } فيه معنى المنع من الفقه، فكأنه قيل: ومنعناهم أن يفقهوه

    { وَقَالُوغ¤اْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } * { قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } * { أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ظ±لَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىظ° هُوَ قُلْ عَسَىظ° أَن يَكُونَ قَرِيباً } * { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً }

    قال الرازى

    اعلم أنه تعالى لما تكلم أولاً في الإلهيات ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوات، ذكر في هذه الآية شبهات القوم في إنكار المعاد والبعث والقيامة، وقد ذكرنا كثيراً أن مدار القرآن على المسائل الأربعة وهي: الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، وأيضاً أن القوم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه مسحوراً فاسد العقل، فذكروا من جملة ما يدل على فساد عقله أنه يدعي أن الإنسان بعدما يصير عظاماً ورفاتاً فإنه يعود حياً عاقلاً كما كان، فذكروا هذا الكلام رواية عنه لتقرير كونه مختل العقل. قال الواحدي رحمه الله: الرفت كسر الشيء بيدك، تقول: رفته أرفته بالكسر كما يرفت المدر والعظم البالي، والرفات الأجزاء المتفتتة من كل شيء يكسر. يقال: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها، ويقال للتبن: الرفت لأنه دقاق الزرع. قال الأخفش: رفت رفتاً، فهو مرفوت نحو حطم حطماً فهو محطوم والرفات والحطام الاسم، كالجذاد والرضاض والفتات، فهذا ما يتعلق باللغة. أما تقرير شبهة القوم: فهي أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في حوالي العالم فاختلط بتلك الأجزاء سائر أجزاء العالم. أما الأجزاء المائية في البدن فتختلط بمياه العالم، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب العالم، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم، وأما الأجزاء النارية فتختلط بنار العالم وإذا صار الأمر كذلك فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى. وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى، فهذا هو تقرير الشبهة. والجواب عنها: أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله وفي كمال قدرته. أما إذا سلما كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات فحينئذ هذه الأجزاء وإن اختلطت بأجزاء العالم إلا أنها متمايزة في علم الله تعالى ولما سلمنا كونه تعالى قادراً على كل الممكنات كان قادراً على إعادة التأليف والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فثبت أنا متى سلمنا كمال علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية. أما قوله تعالى: { قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } فالمعنى أن القوم استبعدوا أن يردهم إلى حال الحياة بعد أن صاروا عظاماً ورفاتاً. وهي وإن كانت صفة منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر لكن قدروا انتهاء هذه الأجسام بعد الموت إلى صفة أخرى أشد منافاة لقبول الحياة من كونها عظاماً ورفاتاً مثل أن تصير حجارة أو حديداً، فإن المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة، وذلك أن العظم قد كان جزءاً من بدن الحي. أما الحجارة والحديد فما كانا ألبتة موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان الناس موصوفة بصفة الحجرية والحديدية بعد الموت، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها ويجعلها حياً عاقلاً كما كان، والدليل على صحة ذلك أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل إذ لو لم يكن هذا القبول حاصلاً لما حصل العقل والحياة لها في أول الأمر.

    وإله العالم عالم بجميع الجزئيات فلا تشتبه عليه أجزاء بدن زيد المطيع بأجزاء بدن عمرو العاصي. وقادر على كل الممكنات، وإذا ثبت أن عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكن في نفسه وثبت أن إله العالم عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات، كان عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكناً قطعاً، سواء صارت عظاماً ورفاتاً أو صارت شيئاً أبعد من العظم في قبول الحياة وهي أن تصير حجارة أو حديداً، فهذا تقرير هذا الكلام بالدليل العقلي القاطع، وقوله: { كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } ليس المراد منه الأمر بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة، وذلك كقول القائل للرجل: أتطمع في وأنا فلان فيقول: كن من شئت كن ابن الخليفة، فسأطلب منك حقي. فإن قيل: ما المراد بقوله: { أَوْ خَلْقًا }. قلنا: المراد أن كون الحجر والحديد قابلاً للحياة أمر مستبعد، فقيل لهم: فافرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث يستبعد عقلكم كونه قابلاً للحياة وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى أن يتعين ذلك الشيء، لأن المراد أن أبدان الناس وإن انتهت بعد موتها إلى أي صفة فرضت وأي حالة قدرت وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة فإن الله تعالى قادر على إعادة الحياة إليها، وإذا كان المراد من الآية هذا المعنى فلا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء، وقال ابن عباس: المراد منه الموت، يعني لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها، واعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره على سبيل المبالغة مثل أن يقال: لو كنت عين الحياة فالله يميتك ولو كنت عين الغنى فإن الله يفقرك، فهذا قد ذكر على سبيل المبالغة، أما في نفس الأمر فهذا محال، لأن أبدان الناس أجسام والموت عرض والجسم لا ينقلب عرضاً ثم بتقدير أن ينقلب عرضاً فالموت لا يقبل الحياة لأن أحد الضدين يمتنع اتصافه بالضد الآخر، وقال مجاهد: يعني السماء والأرض...

    قال الرازى

    والله تعالى احتج على بطلان قولهم في هذه الآية فقال: { قُلِ ظ±دْعُواْ ظ±لَّذِينَ زَعَمْتُم مّن دُونِهِ } وليس المراد الأصنام لأنه تعالى قال في صفتهم: { أُولَـئِكَ ظ±لَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىظ° رَبّهِمُ ظ±لْوَسِيلَةَ } وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام ألبتة. إذا ثبت هذا فنقول: إن قوماً عبدوا الملائكة فنزلت هذه الآية فيهم، وقيل: إنها نزلت في الذين عبدوا المسيح وعزيراً، وقيل: إن قوماً عبدوا نفراً من الجن فأسلم النفر من الجن، وبقي أولئك الناس متمسكين بعبادتهم فنزلت هذه الآية، قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله تعالى ورد فيه لفظ زعم فهو كذب، ثم إنه تعالى احتج على فساد مذهب هؤلاء أن الإله المعبود هو الذي يقدر على إزالة الضرر، وإيصال المنفعة، وهذه الأشياء التي يعبدونها وهي الملائكة والجن والمسيح وعزير لا يقدرون على كشف الضر ولا على تحصيل النفع، فوجب القطع بأنها ليست آلهة. ولقائل أن يقول: هذا الدليل إنما يتم إذا دللتم على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر ولا على تحصيل النفع فما الدليل على أن الأمر كذلك حتى يتم دليلكم؟ فإن قلتم: لأنا نرى أن أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها فلا تحصل الإجابة. قلنا: معارضة لذلك قد نرى أيضاً أن المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى فلا تحصل الإجابة، والمسلمون يقولون: إن القدر الحاصل من كشف الضر وتحصيل النفع إنما يحصل من الله تعالى لا من الملائكة، وأولئك الكفار يقولون إنه يحصل من الملائكة لا من الله تعالى، وعلى هذا التقدير فالدليل غير تام. والجواب: أن الدليل تام كامل، وذلك لأن الكفار كانوا مقرين بأن الملائكة عباد الله. وخالق الملائكة، وخالق العالم لا بد وأن يكون أقدر من الملائكة، وأقوى منهم، وأكمل حالاً منهم. وإذا ثبت هذا فنقول: كمال قدرة الله تعالى معلوم متفق عليه، وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الله تعالى أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة، لأن كون الله مستحقاً للعبادة معلوم، وكون الملائكة كذلك مجهول والأخذ بالمعلوم أولى، وأما أصحابنا المتكلمون من أهل السنة والجماعة فلهم في هذا الباب طريقة أخرى وهو أنهم يقيمون بالحجة العقلية على أنه لا موجد إلا الله تعالى ولا مخرج لشيء من العدم إلى الوجود إلا الله تعالى

    وإذا ثبت هذا ثبت أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى، فوجب القطع بأنه لا معبود إلا الله تعالى، وهذه الطريقة لا تتم للمعتزلة لأنهم لما جوزوا كون العبد موجداً لأفعاله امتنع عليهم الاستدلال على أن الملائكة لا قدرة لها على الإحياء والإماتة وخلق الجسم. وإذا عجزوا عن ذلك لم يتم لهم هذا الدليل فهذا هو ذكر الدليل القاطع على صحة قوله: { لاَّ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ظ±لضُّرّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً }

  14. #404
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىظ° بِرَبِّكَ وَكِيلاً }


    قال الرازى

    هذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة، لأنه لو كان الإقدام على الحق والاحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه لوجب أن يقال: وكفى الإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان، فلما لم يقل ذلك بل قال: { وَكَفَىظ° بِرَبّكَ } علمنا أن الكل من الله، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: أن إبليس هل كان عالماً بأن الذي تكلم معه بقوله: { وَظ±سْتَفْزِزْ مَنِ ظ±سْتَطَعْتَ مِنْهُمْ } هو إله العالم أو لم يعلم ذلك؟ فإن علم ذلك ثم إنه تعالى قال:
    { فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوفُورًا }
    [الإسراء:63] فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعاً له من المعصية مع أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة؟ وإن لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم، فكيف قال:
    { قَالَ أَرَءيْتَكَ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي كَرَّمْتَ عليَّ }
    [الإسراء:62]. والجواب: لعله كان شاكاً في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر بباله على سبيل الظن. والسؤال الثاني: ما الحكمة في أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه من الوسوسة؟ والحكيم إذا أراد أمراً وعلم أن شيئاً من الأشياء يمنع من حصوله فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع. والجواب: أما مذهبنا فظاهر في هذا الباب، وأما المعتزلة فلهم قولان: قال الجبائي: علم الله تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون بتقدير أن لا يوجد إبليس، وإذا كان كذلك لم يكن في وجوده مزيد مفسدة، وقال أبو هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة، إلا أنه تعالى أبقاه تشديداً للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثواب، وهذان الوجهان قد ذكرناهما في سورة الأعراف والحجر، وبالغنا في الكشف عنهما، والله أعلم.

    وقال الالوسي

    وأنا أقول: إن إبليس ليس مانعاً مما يريده الله جل مجده وتعالى جده ف سبحانه كان وما لم يشأ لم يكن والله تبارك وتعالى خلق الخلق طبق علمه وعلم به طبق ما هو عليه في نفسه فافهم والله تعالى أعلم.

    { وَإِذَا مَسَّكُمُ ظ±لْضُّرُّ فِي ظ±لْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ظ±لْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ظ±لإِنْسَانُ كَفُوراً }

    قال الالوسي

    هذا ومن اللطائف أن بعض الناس قال لبعض الأئمة: أثبت لي وجود الله تعالى ولا تذكر لي الجوهر والعرض فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم قال: فهل عصفت الريح؟ قال: نعم قال: فهل أشرفت بك السفينة على الغرق؟ قال: نعم قال: فهل يئست من نفع من في السفينة ونحوهم من المخلوقين لك وإنجائهم مما أنت فيه إياك؟ قال: نعم قال: فهل بقي قلبك متعلقاً بشيء غير أولئك؟ قال: نعم قال: ذلك هو الله عز وجل فاستحسن ذلك.

    { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ظ±لْبَرِّ وَظ±لْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ظ±لطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىظ° كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }


    قال الالوسي

    والمراد بالكثير من عدا الملائكة عليهم السلام عند الكثير ومنهم الزمخشري وزعم أن الآية صريحة في تفضيل الملك على البشر وشنع على أهل السنة تشنيعاً أقذع فيه. والحق أنها لا تصلح للاحتجاج على التفضيل المتنازع فيه، ففي «الكشف» أن الظاهر من سياق الآية أنه حث للإنسان على الشكر وعلى أن لا يشرك به تعالى حيث ذكر ما في البر والبحر من حسن كلاءته سبحانه له وضمن فيه أنه جل وعلا هداهم إلى الفلك وصنعته وما يترتب عليه من الفوائد في قوله سبحانه:
    { رَبَّكُمُ ظ±لَّذِي يُزْجِى لَكُمُ ظ±لْفُلْكَ }
    [الإسراء: 66] الآيات فقال عز وجل: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } أي هذا النوع من بين سائر الأنواع باصطناعات خصصناهم بها فذكر تعالى منها حملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وتفضيلهم على كثير من المخلوقات وهذا التفضيل لا يراد منه عظم الدرجة وزيادة القربة عند الله تعالى وهو المتنازع فيه لأن الحكم للنوع من حيث هو وذكر / الله تعالى لذلك موجبات تعم الصالح والطالح فسواء دخل في هذا الكثير الملائكة أو لم يدخل لم يدل على الأفضلية بالمعنى المذكور فلا يصلح لاحتجاج إحدى الطائفتين اهـ.

    ثم إن على فرض أن التفضيل بالمعنى المتنازع فيه لا تدل الآية على أن الملك أفضل من البشر إلا بطريق المفهوم وفي حجيته خلاف، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لا يقول به على أنه يدل على أنهم فضلوا على الكثير ولم يفضلوا على مقابله وهو يحتمل المساواة وتفضيل المقابل فليس نصاً في مذهب الزمخشري. وجعل الطيبـي (من) بيانية كما في قولك بذلت له العريض من جاهي أي فضلناهم على الكثيرين الذين خلقناهم من ذوي العقول كما هو الظاهر من { مِنْ } وهم منحصرون في الملك والجن والبشر فحيث خرج البشر لأن الشيء لا يفضل على نفسه بقي الملك والجن فيكون المراد بيان تفضيل البشر عليهم جميعاً وهو الذي يقتضيه مقام المدح فإن الآية مسوقة له وإذا جعلت للتبعيض كان { مّمَّنْ خَلَقْنَا } بدلاً أي فضلناهم على بعض المخلوقين.

    وذكر البعض في هذا المقام يدل على تعظيم المفضل عليه كما قرر في قوله تعالى:
    { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـظ°تٍ }
    [البقرة: 253] وأي مدح لبني آدم وإثبات للفضل والكرامة بالجملة القسمية إذا جعلوا مفضلين على الجن والشياطين على أن صفة الكثرة إذا جعلت مخصصة لإخراج البعض كانت الملائكة أولى من الجن والشياطين لأنهم هم الموصوفون بالكثرة كما تدل عليه الأخبار الكثيرة كخبر أطيط السماء وخبر نزول قطرات المطر وخبر ما يدخل البيت المعمور في كل يوم من الملائكة إلى غير ذلك، وإليه ينظر قول صاحب «التقريب» إنه يحتمل أن يراد بكثير ممن خلقنا الملائكة إذ هم كثير من العقلاء المخلوقين اهـ.

    وتعقب بأن ما ذكره من حمل (من خلقنا) على تعميم ذوي العقول مقبول فإن تفضيلهم على غير ذوي العقول حينئذ آت من طريق مفهوم الموافقة فلا حاجة إلى ارتكاب خلاف الظاهر واعتبار تغليبهم ليعمهم وغيرهم لكن حمل (من) على البيان غير مقبول فإنه بعيد جداً لأن قيد الكثرة يضيع عليه حمل (من) على التعميم التغليبـي أو الوضعي ولأن استعماله في التبعيض شائع أينما وقع في التنزيل واستعمالات الفصحاء وهو أكثر تعسفاً من حمله على الغاية في قوله تعالى:
    { فَظ±مْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ }
    [المائدة: 6] على ما ذكره الزمخشري فيه وأنه إذا قوبل بشيء آخر دل على القلة في المقابل كما في قوله تعالى:
    { فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـظ°سِقُونَ }
    [الحديد: 26] فإنه صرح بأنه يدل على أن الغلبة للفساق للمقابلة. أما ورد ابتداء فربما كان الأكثر خلاف ذلك كما في قوله تعالى:
    { فَضَّلَنَا عَلَىظ° كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ }
    [النمل: 15] فقوله إن صفة الكثرة إذا جعلت مخصصة الخ كلام لم يصدر عن ثبت، ولهذه النكتة قال صاحب «التقريب»: يحتمل دلالة على أنه مرجوح.

    هذا ثم إن مسألة التفضيل مختلف فيها بين أهل السنة فمنهم من ذهب إلى تفضيل الملائكة وهو مذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في «البسيط»، ومنهم من فصل فقال: إن الرسل من البشر أفضل مطلقاً ثم الرسل من الملائكة على من سواهم من البشر والملائكة ثم عموم الملائكة على عموم البشر وهذا ما عليه أصحاب الإمام أبـي حنيفة عليه الرحمة وكثير من الشافعية والأشعرية، ومنهم من عمم / تفضيل الكمل من نوع الإنسان نبياً كان أو ولياً، ومنهم من فضل الكروبيين من الملائكة مطلقاً ثم الرسل من البشر ثم الكمل منهم ثم عموم الملائكة على عموم البشر. وهذا ما عليه الإمام الرازي وبه يشعر كلام الغزالي في مواضع عديدة في «كتبه»، ومن هذا يعلم أن إطلاق القول بأن أهل السنة يفضلون البشر على الملك ليس على ما ينبغي. وهذه المسألة ومسألة تفضيل الأئمة ليستا مما يبدع الذاهب إلى أحد طرفيهما على ما في «الكشف» إذ لا يرجع إلى أصل في الاعتقاد ولا يستند إلى قطعي بعد أن يسلم من الطعن وما يخل بتعظيم في المسألتين لكن المشهور في مسألة تفضيل الأئمة أن القول بخلاف ما استقر عليه رأي أهل السنة ابتداع ومن أنصف قال بما في «الكشف» فهذر الزمخشري على من خالفه محض جهالة إذا لم يكن بتلك الغاية فكيف وهو قد بلغ فيه السفاهة غايتها ومن البذاذة نهايتها وسيرى جزاء ذلك.

    وقال الزمخشري

    والعجب من المجبرة كيف عكسوا في كل شيء وكابروا، حتى جسرتهم عادة المكابرة على العظيمة التي هي تفضيل الإنسان على الملك، وذلك بعد ما سمعوا تفخيم الله أمرهم وتكثيره مع التعظيم ذكرهم، وعلموا أين أسكنهم، وأنى قربهم، وكيف نزلهم من أنبيائه منزلة أنبيائه من أممهم، ثم جرّهم فرط التعصب عليهم إلى أن لفقوا أقوالاً وأخباراً منها:

    (623) قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة. فقال: وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرّية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان). ورووا عن أبي هريرة أنه قال: لمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده. ومن ارتكابهم أنهم فسروا { كثيراً } بمعنى «جميع» في هذه الآية، وخذلوا حتى سلبوا الذوق فلم يحسوا ببشاعة قولهم: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا، على أن معنى قولهم { عَلَىظ° جَمِيعٌ مّمَّنْ خَلَقْنَا } أشجى لحلوقهم وأقذى لعيونهم، ولكنهم لا يشعرون. فانظر إلى تمحلهم وتشبثهم بالتأويلات البعيدة في عداوة الملأ الأعلى، كأنّ جبريل عليه السلام غاظهم حين أهلك مدائن قوم لوط، فتلك السخيمة لا تنحل عن قلوبهم

    ملحوظة

    رغم الهجوم الشديد من الزمخشري علي اهل السنة فى تفسيره استفاد منه اهل السنة استفادة عظيمة وكل يؤخذ منه ويرد والحكمة ضالة المؤمن اينما وجدها اخذها والزمخشري امام فى النحو والبلاغة وتفسيره لامثيل له فى ذلك

    قال الطيبي فى مقدمة حاشيته علي الكشاف

    فإن كتاب الله المجيد هو قانون الأصول الدينية، ودستور الأحكام الشرعية، وهو المختص من بين سائر الكتب السماوية بصفة البلاغة، التي تقطعت عليها أعناق العتاق، وونت عنها خطى الجياد في السباق. والموفق من العلماء الأعلام، وأنصار ملة الإسلام من كانت مطامح نظره، ومسارح فكره، الجهات التي تضمنت لطائف النكت المكنونة، واشتملت على أسرار المعاني المصونة، فلم يوفق لتصنيف أجمع لتلك الدقائق، وتأليف أنفع لدرك تلك الحقائق، وأكشف للقناع عن وجه إعجاز التنزيل، وأعون في مداحض الكلام على تعاطي التفسير والتأويل إلا الحبر الهمام: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، شكر الله سعيه؛ إذ مصنفه: "الكشاف عن حقائق التنزيل"، مصنف لا يخفى مقداره، ولا يشق

    غباره. اتضح بيانه، وأضاء برهانه، وعمت أضواؤه، وانجلت سماؤه، تغرق الأفكار في بحار عباراته، ولا تنتهي الأوهام إلى ساحل إشاراته، هزت أريحية الفضل من أعطاف الفضلاء، لاعتلاء ذروته الشامخة، وابتغاء غاياته الباذخة، فكل غاص في تياره لاستخراج درر معان أبهج من نيل الأماني في ظل صحة وأمان، فإن من أراد عظيماً خاطر بعظيمته، ومن رام جسيماً راهن بكريمته، ومن هاب خاب، ومن أحجم أخفق.
    فقد استخرت الله- مع قلة البضاعة، وقصور الباع في الصناعة- لتصدي شرح مجمله، وحل معضله، وتلخيص مشكله، وتخليص مبهمه، وفسر عويصه، وفك عقوده الموربة، وتبين قيوده المكربة، وانتهاض إحراز قصبات عيون التفاسير، للعلماء النحارير، وخلاصة أفكار المحققين، ونقاوة أنظار المتبحرين، المتقدمين منهم والمتأخرين، لتسهيل وعره، وتيسير صعبه، بعد تتبع مظان العلمين المختصين بالقرآن آونة من الأزمان، والإتقان على الأساليب البديعية، والأفانين البيانية، وتحصيل غرائب اللغة ما لا يكاد إحصاء، ولطائف الإعراب ما لا يضبط إملاء، وعلى نكات علم أصول الدين: فقهه وكلامه، واستنباط فروعه وأحكامه، ولم آل جهداً في جهات المنقول استناداً إلى الأصول، وانتساب القراءات المشهورة

    والشاذة، وبيان وجوهها، وكشف ستورها.
    هذا: وإن أصعب السبل تقييد القيود المبهمة؛ فإنه بلغ في الغموض وراء حد حل الإلغاز. وهو الذي يعجز الناظر فيه كل الإعجاز. ولم أقتصر على ذلك، بل جمعت معارضات عظماء الشرق، ومناقضات فضلاء الغرب، وتجنبت التعصب في الرد إلا فيما لم يساعد عليه النص القاهر، والنظم الباهر.
    وعثرت بعد طول المباحثات على أن معرفة إبراز النظم هي أعظم المطالب، وأسنى المقاصد والمآرب، فإنها مسبار البلاغة، ومعيار البراعة؛ إذ بها تنتقد الأقاويل، ويرجح تأويل على تأويل. ثم إن تر خللاً فانسبه إلى الونى والقصور، وإن تعثر على ما تقر به العين فأحله إلى فيضان النور من جناب سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم؛ فإني رأيت- والله الواهب- فيما يرى النائم في أثناء الشروع أو قبيله أنه صلى الله عليه وسلم ناولني قدحاً من اللبن وأشار إلي، فأصبت منه، ثم ناولته صلوات الله عليه وسلامه فأصاب منه، وسميت الكتاب بـ:
    "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب"
    وبالله أستعين على ما نويته واعتقدته، وأستعيذ من الزلل فيما نحوته واعتمدته

  15. #405
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,539
    { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ظ±لَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } * { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } * { إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ظ±لْحَيَاةِ وَضِعْفَ ظ±لْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً }

    قال الرازى

    المسألة الثالثة: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية فقالوا هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم عنهم من وجوه. الأول: أن الآية دلت على أنه عليه السلام قرب من أن يفتري على الله، والفرية على الله من أعظم الذنوب. والثاني: أنها تدل على أنه لولا أن الله تعالى ثبته وعصمه لقرب من أن يركن إلى دينهم ويميل إلى مذهبهم. والثالث: أنه لولا سبق جرم وجناية وإلا فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشديد والجواب عن الأول: أن كاد معناه المقاربة فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا القدر لا يدل على الوقوع في تلك الفتنة فإنا إذا قلنا كاد الأمير أن يضرب فلاناً لا يفهم منه أنه ضربه، والجواب عن الثاني: أن كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، تقول لولا علي لهلك عمر، معناه أن وجود علي منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك ههنا قوله: { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـظ°كَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ } معناه أنه حصل تثبيت الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان حصول ذلك التثبيت مانعاً من حصول ذلك الركون، والجواب عن الثالث: أن ذلك التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها والدليل عليه آيات منها قوله:
    { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ظ±لأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِظ±لْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ظ±لْوَتِينَ }
    [الحاقة: 44 ـ 46] ومنها قوله:
    { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }
    [الزمر: 65] ومنها قوله:
    { وَلاَ تُطِعِ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ وَظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
    [الأحزاب: 48]، والله أعلم. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأنه لا عصمة عن المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى بقوله: { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـظ°كَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } قالوا إنه تعالى بين أنه لولا تثبيت الله تعالى له لمال إلى طريقة الكفار ولا شك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أقوى من غيره في قوة الدين وصفاء اليقين فلما بين الله تعالى أن بقاءه معصوماً عن الكفر والضلال لم يحصل إلا باعانة الله تعالى وإغاثته كان حصول هذا المعنى في حق غيره أولى. قالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة له عن ذلك وهي ما خطر بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أن كونه نبياً من عند الله تعالى يمنع من ذلك، والجواب: لا شك أن هذا التثبيت عبارة عن فعل فعله الله يمنع الرسول من الوقوع في ذلك العمل المحذور، فنقول: لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك العمل المحذور في حق الرسول لما كان إلى إيجاد هذا المانع حاجة وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أن المقتضى قد حصل في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وأن هذا المانع الذي فعله الله منع ذلك المقتضى من العمل وهذا لا يتم إلا إذا قلنا إن القدرة مع الداعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضة للداعية الأولى اختل المؤثر فامتنع الفعل ونحن لا نريد إلا إثبات هذا المعنى، والله أعلم

    وقال الرازى

    ثم قال: { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } والمعنى أن ما أجرى الله تعالى به العادة لم يتهيأ لأحد أن يقلب تلك العادة وتمام الكلام في هذا الباب أن اختصاص كل حادث بوقته المعين وصفته المعينة ليس أمراً ثابتاً له لذاته وإلا لزم أن يدوم أبداً على تلك الحالة وأن لا يتميز الشيء عما يماثله في تلك الصفات بل إنما يحصل ذلك الاختصاص بتخصيص المخصص وذلك ((((((التخصيص هو أنه تعالى يريد تحصيله في ذلك الوقت ثم تتعلق قدرته بتحصيله في ذلك الوقت ثم يتعلق علمه بحصوله في ذلك الوقت ))))ثم نقول هذه الصفات الثلاثة التي هي المؤثرة في حصول ذلك الاختصاص إن كانت حادثة افتقر حدوثها إلى تخصيص آخر ولزم التسلل وهو محال وإن كانت قديمة فالقديم يمتنع تغيره لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ولما كان التغير على تلك الصفات المؤثرة في ذلك الاختصاص ممتنعاً كان التغير في تلك الأشياء المقدرة ممتنعاً فثبت بهذا البرهان صحة قوله تعالى: { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً }

    ملحوظة

    كلام الرازى الاخير يحتاج تأمل

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •