صفحة 26 من 29 الأولىالأولى ... 162223242526272829 الأخيرةالأخيرة
النتائج 376 إلى 390 من 432

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #376
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    { وَمَا خَلَقْنَا ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِظ±لْحَقِّ وَإِنَّ ظ±لسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَظ±صْفَحِ ظ±لصَّفْحَ ظ±لْجَمِيلَ } * { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ظ±لْخَلاَّقُ ظ±لْعَلِيمُ }

    قال الرازى

    اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار فكأنه قيل: الإهلاك والتعذيب كيف يليق بالرحيم الكريم. فأجاب عنه بأني إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة فإذا تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير وجه الأرض منهم، وهذا النظم حسن إلا أنه إنما يستقيم على قول المعتزلة، قال الجبائي: دلت الآية على أنه تعالى ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا حقاً وبكون الحق لا يكون الباطل، لأن كل ما فعل باطلاً وأريد بفعله كون الباطل لا يكون حقاً ولا يكون مخلوقاً بالحق، وفيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلقه الله تعالى بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل. واعلم أن أصحابنا قالوا: هذه الآية تدل على أنه سبحانه هو الخالق لجميع أعمال العباد، لأنها تدل على أنه سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ولكل ما بينهما. ولا شك أن أفعال العباد بينهما فوجب أن يكون خالقها هو الله سبحانه،..

    ثم قال: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ظ±لْخَلَّـظ°قُ ظ±لْعَلِيمُ } ومعناه أنه خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم وتفاوت أحوالهم مع علمه بكونهم كذلك، وإذا كان كذلك فإنما خلقهم مع هذا التفاوت، ومع العلم بذلك التفاوت. أما على قول أهل السنة فلمحض المشيئة والإرادة. وأما على قول المعتزلة فلأجل المصلحة والحكمة، والله أعلم.

    وقال الالوسي

    وفي " التفسير الكبير " في وجه النظم أنه تعالى لما ذكر إهلاك الكفار فكأنه قيل: كيف يليق ذلك بالرحيم؟ فأجاب سبحانه بأنه إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة فإذا تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض. وتعقبه المفسر بأنه إنما يستقيم على قول المعتزلة، ثم ذكر وجهاً آخر لذلك وهو أن المقصود من هذه القصة تصبير النبـي صلى الله عليه وسلم على سفاهة قومه فإنه عليه الصلاة والسلام إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياءهم عليهم السلام بمثل هذه المعاملات الفاسدة هان عليه عليه الصلاة والسلام تحمل سفاهة قومه، ثم إنه تعالى لما بين انزال العذاب على الأمم السالفة المكذبة قال له صلى الله عليه وسلم إن الساعة لآتية وإن الله تعالى ينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيآتهم فإنه سبحانه ما خلق السمظ°وات والأرض وما بنيهما إلا بالعدل والإنصاف فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك، وإلى جواز تفسير الحق بالعدل ذهب شيخ الإسلام وأشار إلى أن الباء للسببية وأن المعنى ما خلقنا ذلك إلا بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال، وذكر أنه ينبىء عن ذلك الجملة الثانية؛ ولعل جعل كل جملة إشارة إلى شيء حسبما أشرنا إليه أولى. واستدل بالأولى بعض الأشاعرة على أن أفعال العباد مطلقاً مخلوقة له تعالى لدخولها فيما بينهما، وزعم بعض المعتزلة الرد بها على القائلين بذلك لأن المعاصي من الأفعال باطلة فإذا كانت مخلوقة له سبحانه لكانت مخلوقة بالحق والباطل لا يكون مخلوقاً بالحق، وهو كلام خال عن التحقيق.

    وقال الرازى

    فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: { لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وبين قوله:
    { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ }
    [الرحمن: 39] أجابوا عنه من وجوه: الوجه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يسئلون سؤال الاستفهام لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم، وإنما يسئلون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا؟ ولقائل أن يقول: هذا الجواب ضعيف، لأنه لو كان المراد من قوله: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على الله تعالى محال في كل الأوقات. والوجه الثاني: في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات، والإثبات إلى وقت آخر، لأن يوم القيامة يوم طويل. ولقائل أن يقول: قوله
    { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ }
    [الرحمن: 39] هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض. والوجه الثالث: أن نقول: قوله: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } يفيد عموم النفي وقوله: { فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } عائد إلى المقتسمين وهذا خاص ولا شك أن الخاص مقدم على العام....

    اعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون وأولئك المستهزؤون قال له: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال له: { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فأمره بأربعة أشياء بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة واختلف الناس في أنه كيف صار الإقبال على هذه الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب والحزن؟ فقال العارفون المحققون إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الإنكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم. وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله تعالى عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق، فإنه يعلم أنه عدل منزه عن إنزال المشاق به من غير غرض ولا فائدة فحينئذ يطيب قلبه، وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات كأنه يقول: تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات،

    ملحوظة

    فى الحديث اقرب مايكون العبد من ربه وهو ساجد ولم يقل صاعد فكلما وضعت رأسك فى التراب كلما اقتربت من محل الانوار والتجليات وانسلخت من ظلمة الجسد الي نور الروح

    وقال الالوسي فى التفسير الاشارى

    { وَلَقَدْ ءاتَيْنَـظ°كَ سَبْعًا مّنَ ظ±لْمَثَانِي }
    [الحجر: 85] وهي الصفات السبعة أعني الحياة والعلم والقدرة والإرادة والبصر والسمع والكلام، ومعنى كونها مثاني أنها ثني وكرر ثبوتها له صلى الله عليه وسلم، فكانت له عليه الصلاة والسلام أولاً: في مقام وجود القلب وتخلقه بأخلاقه واتصافه بأوصافه، وثانياً: في مقام البقاء بالوجود الحقاني، وقيل: معنى كونها مثاني أنها ثواني الصفات القائمة بذاته سبحانه عز وجل ومواليدها، وجاء " لا زال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به " الحديث
    { والقرآن العظيم }
    [الحجر: 87] وهو عندهم: الذات الجامع لجميع الصفات
    { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم }
    [الحجر: 88] إلى آخره. قال بعضهم في ذلك غار الحق سبحانه عليه عليه الصلاة والسلام أن يستحسن من الكون شيئاً ويعيره طرفه وأراد منه صلى الله عليه وسلم أن تكون أوقاته مصروفة إليه وحالاته موقوفة عليه وأنفاسه النفيسة حبيسة عنده، وكان صلى الله عليه وسلم كما أراد منه سبحانه ولذلك وقع في المحل الأعلى
    { مَا زَاغَ ظ±لْبَصَرُ وَمَا طَغَىظ° }
    [النجم: 17]
    { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ ظ±لسَّـظ°جِدِينَ * وَظ±عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىظ° يَأْتِيَكَ ظ±لْيَقِينُ }
    [الحجر: 98-99] قد مر عن " الكشف " ما فيه مقنع لمن أراد الإشارة من المسترشدين، هذا وأسأل الله سبحانه أن يحفظنا من سوء القضا ويمن علينا بالتوفيق إلى ما يحب ويرضى بحرمة النبـي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين ما جرى في تفسير كتاب الله تعالى قلم.

    ملحوظة

    لاتعتقد ان اهل السنة يقولون ان لله عز وجل سبعة صفات فقط فهذا جهل عظيم بمذهبهم

  2. #377
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قبل استكمال رحلتنا والانتقال الي سورة النحل

    اذكر لطيفة عقائدية فى الاية 97 من سورة ال عمران

    قال الالوسي

    { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ظ±لله غَنِىٌّ عَنِ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } يحتمل أن يراد بمن كفر من لم يحج وعبر عن ترك الحج بالكفر تغليظاً وتشديداً على تاركه كما وقع مثل ذلك فيما أخرجه سعيد بن منصور وأحمد وغيرهما عن أبـي أمامة من قوله صلى الله عليه وسلم: " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حالة شاء يهودياً أو نصرانياً " ومثله ما روي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين، ويحتمل إبقاء الكفر على ظاهره بناءاً على ما أخرج ابن جرير وعبد بن حميد وغيرهما عن عكرمة «أنه " لما نزلت { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ظ±لإسْلَـظ°مِ دِينًا } [آل عمران: 85] الآية قال اليهود: فنحن مسلمون فقال لهم النبـي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى فرض على المسلمين حج البيت فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا " فنزل { وَمَن كَفَرَ } » الآية. ومن طريق الضحاك أنه لما نزلت آية الحج " جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين فقال: إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فحجوا البيت فلم يقبله إلا المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نستقبله " فأنزل الله سبحانه { وَمَن كَفَرَ } الخ وإلى إبقائه على ظاهره ذهب ابن عباس، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية: { وَمَن كَفَرَ } بالحج فلم ير حجه براً ولا تركه مأثماً، وروى ابن جرير أن الآية لما نزلت " قام رجل من هذيل فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟ قال: «من تركه لا يخاف عقوبته ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك " ، وعلى كلا الاحتمالين لا تصلح الآية دليلاً لمن زعم أن مرتكب الكبيرة كافر،

    وقال الرازى

    ثم قال تعالى: { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ظ±لله غَنِىٌّ عَنِ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: القول الأول: أنها كلام مستقل بنفسه ووعيد عام في حق كل من كفر بالله ولا تعلق له بما قبله. القول الثاني: أنه متعلق بما قبله والقائلون بهذا القول منهم من حمله على تارك الحج ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج، أما الذين حملوه على تارك الحج فقد عولوا فيه على ظاهر الآية فإنه لما تقدم الأمر بالحج ثم أتبعه بقوله { وَمَن كَفَرَ } فهم منه أن هذا الكفر ليس إلا ترك ما تقدم الأمر به ثم إنهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً " وعن أبي أمامة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً " وعن سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه، فإن قيل: كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج؟ أجاب القفال رحمه الله تعالى عنه: يجوز أن يكون المراد منه التغليظ، أي قد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج، ونظيره قوله تعالى:
    { وَبَلَغَتِ ظ±لْقُلُوبُ ظ±لْحَنَاجِرَ }
    [الأحزاب: 10] أي كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام: " من ترك صلاة متعمداً فقد كفر " وقوله عليه الصلاة والسلام: " من أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد كفر " وأما الأكثرون: فهم الذين حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج، قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الأديان الستة المسلمين، والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم وقال: " إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا " فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس، وقالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى قوله { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ظ±لله غَنِىٌّ عَنِ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } وهذا القول هو الأقوى

    ملحوظة

    هذه المشاركة مكانها اخر المشاركة رقم 120 فى اخر الصفحة الثامنة من هذا الموضوع فى رحلتنا السابقة مع سورة ال عمران

  3. #378
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    سورة النحل

    قال الالوسي

    عَلَىظ° مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي أن ينزل عليهم لا لاختصاصهم بصفات تؤهلهم لذلك. والآية دليل على أن النبوة عطائية كما هو المذهب الحق، ويرد بها أيضاً على بعض المتصوفة القائلين بأنه لا حاجة للخلق إلى إرسال الرسل عليهم السلام قالوا: الرسل سوى الله تعالى وكل ما سواه سبحانه حجاب عنه جل شأنه فالرسل حجاب عنه تعالى وكل ما هو حجاب لا حاجة للخلق إليه فالرسل لا حاجة إليهم، وهذا جهل ظاهر، ولعمري إنه زندقة وإلحاد، وفساده مثل كونه زندقة في الظهور، ويكفي في ذلك منع الكبرى القائلة بأن كل ما سواه سبحانه الخ فإن الرسل وسيلة إلى الله تعالى والوصول إليه عز وجل لا حجاب، وهل يقبل ذو عقل أن نائب السلطان في بلاده حجاب عنه؟ وهب هذا القائل أمكنه الوصول إليه سبحانه بلا واسطة بقوة الرياضة والاستعداد والقابلية فالسواد الأعظم الذين لا يمكنهم ما أمكنه كيف يصنعون.

    وممن ينتظم في سلك هؤلاء الملحدين البراهمة فإنهم أيضاً نفوا النبوة لكنهم استدلوا بأن العقل كاف فيما ينبغي أن يستعمله المكلف فيأتي بالحسن ويجتنب القبيح ويحتاط في المشتبه بفعل أو ترك، فالأنبياء عليهم السلام إما أن يأتوا بما يوافق العقل فلا حاجة معه إليهم أو بما يخالفه فلا التفات إليهم، وجوابه أن هذا مبني على القول بالحسن والقبح العقليين، وقد رفعت الأقلام وجفت الصحف وتم الأمر في إبطاله، وعلى تقدير تسليمه لا نسلم أن العقل يستقل بجميع ما ينبغي، ولا نسلم أيضاً أنهم إن جاؤوا بما يوافق العقل لا حاجة إليهم لجواز أن يعرفوا المكلف بعض ما يخفى عليه مما ينبغي له أو يؤكدوا حكمه بحكمهم، ودليلان أقوى من دليل، ولا نسلم أيضاً أنهم إن جاؤا بما يخالف العقل لا يلتفت إليهم لجواز أن يخالفوه فيما يخفى عليه، على أن ذلك فرض محال لإجماع الناس على أن الشرع لا يأتي بخلاف العقل في نفس الأمر وإنما يأتي بما يقصر عن إدراكه بنفسه كوجوب صوم آخر يوم من رمضان وحرمة صوم أول يوم من شوال، وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله...

    ثم إنه تعالى شرع في تحرير الدلائل العقلية الدالة على توحيده الذي هو المقصد الأعظم من بعثة الرسل عليهم السلام فقال عز قائلاً: { خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ بِظ±لْحَقّ... }.....

    واستدل بالآية على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام والأجسام كما يقوله المجسمة، ووجه ذلك أنها تدل على احتياج الأجرام والأجسام إلى خالق سبحانه وتعالى لا يجانسها وإلا لاحتاج إليه فلا يكون خالقاً، وبإرادة الجهتين يكون وجه الدلالة من الآية أظهر، وقرأ الكسائي { تشركون } بالتاء.

    وقال الرازى سيف السنة

    واعلم أنا بينا أن دلائل الإلهيات، إما التمسك بطريقة الإمكان في الذوات أو في الصفات. أو التمسك بطريقة الحدوث في الذوات أو في الصفات أو بمجموع الإمكان والحدوث في الذوات أو الصفات، فهذه طرق ستة، والطريق المذكور في كتب الله تعالى المنزلة، هو التمسك بطريقة حدوث الصفات وتغيرات الأحوال. ثم هذا الطريق يقع على وجهين: أحدهما: أن يتمسك بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، وهذا الطريق هو المذكور في أول سورة البقرة، فإنه تعالى قال: { ظ±عْبُدُواْ رَبَّكُمُ ظ±لَّذِىْ خَلَقَكُمْ } فجعل تعالى تغير أحوال نفس كل واحد دليلاً على احتياجه إلى الخالق. ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الآباء والأمهات، وإليه الإشارة بقوله:
    { وَظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ }
    [البقرة: 21] ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الأرض، وهي قوله: { ظ±لَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ظ±لأَرْضَ فِرَاشاً } لأن الأرض أقرب إلينا من السماء، ثم ذكر في المرتبة الرابعة قوله: { وَظ±لسَّمَاء بِنَاء } ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب السماء بالأرض، فقال:
    { وَأَنزَلَ مِنَ ظ±لسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ظ±لثَّمَرظ°تِ رِزْقاً لَّكُمْ }
    [البقرة: 22]. الثاني من الدلائل القرآنية أن يحتج الله تعالى بالأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأدون فالأدون، وهذا الطريق هو المذكور في هذه السورة، وذلك لأنه تعالى ابتدأ في الاحتجاج على وجود الإله المختار بذكر الأجرام العالية الفلكية، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان، ثم ثلث بذكر الاستدلال بأحوال الحيوان، ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة، وهذا الترتيب في غاية الحسن. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: النوع الأول: من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال بأحوال السموات والأرض فقال: { خُلِقَ * ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ بِظ±لْحَقّ تَعَـظ°لَىظ° عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى:
    { ظ±لْحَمْدُ للَّهِ ظ±لَّذِى خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ }
    [الأنعام: 1] إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه ههنا فنقول: الخلق عبارة عن التقدير بمقدار مخصوص، وهذا المعنى حاصل في السموات من وجوه: الأول: أن كل جسم متناه فجسم السماء متناه، وكل ما كان متناهياً في الحجم والقدر، كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص امراً جائزاً، وكل جائز فلا بد له من مقدر ومخصص، وكل ما كان مفتقراً إلى الغير فهو محدث.


    الثاني: وهو أن الحركة الأزلية ممتنعة، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، والأزل ينافيه فالجمع بين الحركة والأزل محال. إذا ثبت هذا فنقول: إما أن يقال أن الأجرام والأجسام كانت معدومة في الأزل، ثم حدثت أو يقال إنها وإن كانت موجودة في الأزل إلا أنها كانت ساكنة ثم تحركت. وعلى التقديرين فلحركتها أول، فحدوث الحركة من ذلك المبدأ دون ما قبله أو ما بعده خلق وتقدير، فوجب افتقاره إلى مقدر وخالق ومخصص له. الثالث: أن جسم الفلك مركب من أجزاء بعضها حصلت في عمق جرم الفلك وبعضها في سطحه، والذي حصل في العمق كان يعقل حصوله في السطح وبالعكس، وإذا ثبت هذا كان اختصاص كل جزء بموضعه المعين أمراً جائزاً فيفتقر إلى المخصص والمقدر، وبقية الوجوه مذكورة في أول سورة الأنعام....

    واعلم أنه سبحانه لما احتج بالخلق والتقدير على حدوث السموات والأرض قال بعده: { تَعَـظ°لَىظ° عَمَّا يُشْرِكُونَ } والمراد أن القائلين بقدم السموات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكاً في كونه قديماً أزلياً فنزه نفسه عن ذلك، وبين أنه لا قديم إلا هو، وبهذا البيان ظهر أن الفائدة المطلوبة من قوله:
    { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىظ° عَمَّا يُشْرِكُونَ }
    [يونس: 18] في أول السورة غير الفائدة المطلوبة من ذكر هذه الكلمة ههنا، لأن المطلوب هناك إبطال قول من يقول: إن الأصنام تشفع للكفار في دفع العقاب عنهم، والمقصود ههنا إبطال قول من يقول: الأجسام قديمة، والسموات والأرض أزلية، فنزه الله سبحانه نفسه عن أن يشاركه غيره في الأزلية والقدم، والله أعلم....

    اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان، فلما ذكر الله تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان. واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس، فقوله تعالى: { خَلَقَ ظ±لإِنْسَـظ°نَ مِن نُّطْفَةٍ } اشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم، وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم. أما الطريق الأول: فتقريره أن نقول: لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء بحسب الحس والمشاهدة، إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة، وذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، فإن الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد هضم ثان. وفي العروق هضم ثالث. وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع. ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة، وكذا القول في اللحم والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء، وذلك هو النطفة، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسماً مختلف الأجزاء والطبائع. إذا عرفت هذا فنقول: النطفة في نفسها إما أن تكون جسماً متشابه الأجزاء في الطبيعة والماهية، أو مختلف الأجزاء فيها، فإن كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار. والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة، لوجب أن يكون شكلها الكرة. وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة، بل فاعل مختار، وهو يخلق بالحكمة والتدبير والاختيار. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة والماهية فنقول: بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فإنه يجب أن يكون تولد البدن منها بتدبير فاعل مختار حكيم وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة، وإذا كان كذلك كانت الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمراً دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان الأمر كذلك، علمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبيرالفاعل المختار الحكيم


    والوجه الثاني: أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسماً بسيطاً، وإذا كان الأمر كذلك، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض، وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات الأنجم والأفلاك، لأن تلك التأثيرات متشابهة، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم، وهو المطلوب، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار. وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى: { خَلَقَ ظ±لإِنْسَـظ°نَ مِن نُّطْفَةٍ } وأما الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو المراد من قوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في بيان وجه الاستدلال وتقريره: أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والغذاء الذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم، لا يميز ألبتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع، فظهر أن الإنسان في أول الحدوث أنقص حالاً وأقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على مساحة السموات والأرض ويقوى على معرفة ذات الله وصفاته وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله تعالى والخصومات الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الإنسان من تلك البلاد المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: { خَلَقَ ظ±لإِنْسَـظ°نَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ }. وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة: المسألة الثانية: أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى:
    { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ظ±لإِنْسَـظ°نَ مِن سُلَـظ°لَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـظ°هُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ }
    [المؤمنون: 12، 13] إلا أنه تعالى اختصر ههنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات

    ملحوظة

    جميل أن يفسر كتاب الله متكلم عالم بالمعقولات مثل الرازى رحمه الله وجميل ان يفسر كتاب الله حافظ مثل ابن كثير ولى سؤال هل اجتمع العلمان فى مفسر؟

    وقال الالوسي

    { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىظ° بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ظ±لأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }

    واحتج كما قال الإمام منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية لأنها تدل على أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى آخر إلا بشق الأنفس وحمل الأثقال على الجمال. ومثبتو الكرامات يقولون: إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى آخر بعيد في زمان قليل من غير تعب وتحمل مشقة فكان ذلك على خلاف الآية فيكون باطلاً وإذا بطلت في هذه الصورة بطلت في الجميع إذ لا قائل بالفرق. وأجاب بأنا نخصص عموم الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرامات اهـ، ولعل القائلين بعدم ثبوت طي المسافة للأولياء يستندون إلى هذه الآية لكن هؤلاء لا ينفون الكرامات مطلقاً فلا يصح قوله إذ لا قائل بالفرق، ومن أنصف علم أن الاستدلال بها على هذا المطلب مما لا يكاد يلتفت إليه بناء على أنها مسوقة للامتنان ويكفي فيه/ وجود هذا في أكثر الأحايين لأكثر الناس فافهم

    ملحوظة

    فى الحديث

    عليكم بًالدلجة فإن الأرض تطوى بًالليل

    وهناك طى مكان وهناك طى زمان

    والكلام فيهما عسير

    وقال الالوسي

    وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي ويخلق غير ذلك الذي فصله سبحانه لكم، والتعبير عنه بما ذكر لأن مجموعه غير معلوم ولا يكاد يكون معلوماً فالكلام إجمالاً لما عدا الحيوانات المحتاج غالباً احتياجاً ضرورياً أو غير ضروري، والعدول إلى صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار والتجدد أو لاستحضار الصورة، ويجوز أن يكون إخباراً منه تعالى بأن له سبحانه ما لا علم لنا به من الخلائق فما لا تعلمون على ظاهره، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مما خلق الله تعالى لأرضا لؤلؤة بيضاء مسيرة ألف عام عليها جبل من ياقوتة حمراء محدق بها في تلك الأرض ملك قد ملأ شرقها وغربها له ستمائة رأس في كل رأس ستمائة وجه في كل وجه ستمائة ألف وستون ألف فم في كل فم ستون ألف لسان يثني على الله تعالى ويقدسه ويهلله ويكبره بكل لسان ستمائة ألف وستين ألف مرة فإذا كان يوم القيامة نظر إلى عظمة الله تعالى فيقول: وعزتك ما عبدتك حق عبادتك " فذلك قوله تعالى: { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفي رواية أخرى عنه أن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السمظ°وات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل فيزداد جمالاً إلى جماله وعظماً إلى عظمه ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك فيدخل منهم كل يوم سبعون/ ألف ملك البيت المعمور وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون إلى يوم القيامة. وروي هذا أيضاً عن الضحاك ومقاتل وعطاء.

    ومما لا نعلمه أرض السمسمة التي ذكر عنها الشيخ الأكبر قدس سره ما ذكر، وجابرصا وجابلقا حسبما ذكر غير واحد، وان زعمت ذلك من الخرافات كالذي ذكره عصرينا - رئيس الطائفة الذين سموا أنفسهم بالكشفية ودعاهم أعداؤهم من الإمامية بالكفشية في غالب كتبه مما تضحك منه لعمر أبيك الثكلى ويتمنى العالم عند سماعه لمزيد حيائه من الجهلة نزوله إلى الأرض السفلى فاقنع بما جاء في الآثار، ولا يثنينك عنه شبه الفلاسفة إذا صح سنده فإنها كسراب بقيعة، والذي أظنه أنه ليس أحد من الكفار فضلاً عن المؤمنين يشك في أن لله تعالى خلقاً لا نعلمهم ليحتاج إلى إيراد الشواهد على ذلك، ويجوز أن يكون المراد بهذا الخلق الخلق في الجنة أي ويخلق في الجنة غير ما ذكر من النعم الدنيوية ما لا تعلمون أي ما ليس من شأنكم أن تعلموه، وهو ما أشير إليه بقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: " «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ".

    وقال الرازى

    المسألة الثالثة: القائلون بأن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح والحكم، احتجوا بظاهر هذه الآية فإنه يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة الفلانية، ونظيره قوله:
    { كِتَابٌ أَنزَلْنَـظ°هُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ظ±لنَّاسَ مِنَ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ إِلَى ظ±لنُّورِ }
    [إبراهيم: 1] وقوله:
    { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
    [الذاريات: 56] والكلام فيه معلوم

    ملحوظة

    بالنسبة للارض التى ذكرها الالوسي

    قال ابن عربي

    الباب الثامن) في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم ع وهي أرض الحقيقة وذكر بعض ما فيها من الغرائب والعجائب يا أخت بل يا عمتي المعقوله * أنت الأميمة عندنا المجهولة نظر البنون إليك أخت أبيهمو * فتنافسوا عن همة مغلوله إلا القليل من البنين فإنهم * عطفوا عليك بأنفس مجبولة يا عمتي قل كيف أظهر سره * فيك الأخى محققا تنزيله حتى بدا من مثل ذاتك عالم * قد يرتضي رب الورى توكيله أنت الإمامة والإمام أخوك والمأموم * أمثال له مسلوله اعلم أن الله تعالى لما خلق آدم ع الذي هو أول جسم إنساني تكون وجعله أصلا لوجود الأجسام الإنسانية وفضلت من خميرة طينته فضلة خلق منها النخلة فهي أخت لآدم ع وهي لنا عمة وسماها الشرع عمة وشبهها بالمؤمن ولها أسرار عجيبة دون سائر النبات وفضل من الطينة بعد خلق النخلة قدر السمسمة في الخفاء فمد الله في تلك الفضلة أرضا واسعة الفضاء إذا جعل العرش وما حواه والكرسي والسماوات والأرضون وما تحت الثرى والجنات كلها والنار في هذه الأرض كان الجميع فيها كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض وفيها من العجائب والغرائب ما لا يقدر قدره ويبهر العقول أمره وفي كل نفس خلق الله فيها عوالم يسبحون الليل والنهار لا يفترون وفي هذه الأرض ظهرت عظمة الله وعظمت عند المشاهد

    لها قدرته وكثير من المحالات العقلية التي قام الدليل الصحيح العقلي على إحالتها هي موجودة في هذه الأرض وهي مسرح عيون العارفين العلماء بالله وفيها يجولون وخلق الله من جملة عوالمها عالما على صورنا إذا أبصرهم العارف يشاهد نفسه فيها وقد أشار إلى مثل ذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنه فيما روى عنه في حديث هذه الكعبة وإنها بيت واحد من أربعة عشر بيتا وأن في كل أرض من السبع الأرضين خلقا مثلنا حتى إن فيهم ابن عباس مثلي وصدقت هذه الرواية عند أهل الكشف فلنرجع إلى ذكر هذه الأرض واتساعها وكثرة عالمها المخلوقين فيها ومنها ويقع للعارفين فيها تجليات إلهية أخبر بعض العارفين بأمر أعرفه شهودا قال دخلت فيها يوما مجلسا يسمى مجلس الرحمة لم أر مجلسا قط أعجب منه فبينا أنا فيه إذ ظهر لي تجل إلهي لم يأخذني عني بل أبقاني معي وهذا من خاصية هذه الأرض فإن التجليات الواردة على العارفين في هذه الدار في هذه الهياكل تأخذهم عنهم وتفنيهم عن شهودهم من الأنبياء والأولياء وكل من وقع له ذلك وكذلك عالم السماوات العلى والكرسي الأزهى وعالم العرش المحيط الأعلى إذا وقع لهم تجل إلهي أخذهم عنهم وصعقوا وهذه الأرض إذا حصل فيها صاحب الكشف العارف ووقع له تجل لم يفنه عن شهوده ولا اختطفه عن وجوده وجمع له بين الرؤية والكلام قال واتفق لي في هذا المجلس أمور وأسرار لا يسعني ذكرها لغموض معانيها وعدم وصول الإدراكات قبل أن يشهد مثل هذه المشاهد لها وفيها من البساتين والجنات والحيوان والمعادن ما لا يعلم قدر ذلك إلا الله تعالى وكل ما فيها من هذا كله حي ناطق كحياة كل حي ناطق ما هو مثل ما هي الأشياء في الدنيا وهي باقية لا تفني ولا تتبدل ولا يموت عالمها وليست تقبل هذه الأرض شيئا من الأجسام الطبيعية الطينية البشرية سوى عالمها أو عالم الأرواح منا بالخاصية وإذا دخلها العارفون إنما يدخلونها بأرواحهم لا بأجسامهم فيتركون هياكلهم في هذه الأرض الدنيا ويتجردون وفي تلك الأرض صور عجيبة النشء بديعة الخلق قائمون على أفواه السكك المشرفة على هذا العالم الذي نحن فيه من الأرض والسماء والجنة والنار فإذا أراد واحد منا الدخول لتلك الأرض من العارفين من أي نوع كان من إنس أو جن أو ملك أو أهل الجنة بشرط المعرفة وتجرد عن هيكله وجد تلك الصور على أفواه السكك قائمين موكلين بها قد نصبهم الله سبحانه لذلك الشغل فيبادر واحد منهم إلى هذا الداخل فيخلع عليه حلة على قدر مقامه ويأخذ بيده ويجول به في تلك الأرض ويتبوأ منها حيث يشاء ويعتبر في مصنوعات الله ولا يمر بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شئ ويريد أن يكلمه إلا كلمه كما يكلم الرجل صاحبه ولهم لغات مختلفة وتعطي هذه الأرض بالخاصية لكل من دخلها الفهم بجميع ما فيها من الألسنة فإذا قضى منها وطره وأراد الرجوع إلى موضعه مشى معه رفيقه إلى أن يوصله إلى الموضع الذي دخل منه يوادعه ويخلع عنه تلك الحلة التي كساه وينصرف عنه وقد حصل علوما جمة ودلائل وزاد في علمه بالله ما لم يكن عنده مشاهدة وما رأيت الفهم ينفد أسرع مما ينفد إذا حصل في هذه الأرض وقد ظهر عندنا في هذه الدار وهذه النشأة ما يعضد هذا القول فمن ذلك ما شاهدناه ولا أذكره ومنها ما حدثني أوحد الدين حامد بن أبي الفخر الكرماني وفقه الله قال كنت أخدم شيخا وأنا شاب فمرض الشيخ وكان في محارة وقد أخذه البطن فلما وصلنا تكريت قلت له يا سيدي اتركني أطلب لك دواء ممسكا من صاحب مارستان سنجار من السبيل فلما رأى احتراقي قال لي رح إليه قال فرحت إلى صاحب السبيل وهو في خيمته جالس ورجاله بين يديه قائمون والشمعة بين يديه وكان لا يعرفني ولا أعرفه فرآني واقفا بين الجماعة فقام إلي وأخذ بيدي وأكرمني وسألني ما حاجتك فذكرت له حال الشيخ فاستحضر الدواء وأعطاني إياه وخرج معي في خدمتي والخادم بالشمعة بين يديه فخفت أن يراه الشيخ فيخرج فحلفت عليه أن يرجع فرجع فجئت الشيخ وأعطيته الدواء وذكرت له كرامة الأمير صاحب السبيل بي فتبسم الشيخ وقال لي يا ولدي إني أشفقت عليك لما رأيت من احتراقك من أجلي فأذنت لك فلما مشيت خفت أن يخجلك الأمير بعدم إقباله عليك فتجردت عن هيكلي هذا ودخلت في هيكل ذلك الأمير وقعدت في موضعه فلما جئت أكرمتك وفعلت معك ما رأيت ثم عدت إلى هيكلي هذا ولا حاجة لي في هذا الدواء وما استعمله فهذا شخص قد ظهر في صورة غيره فكيف أهل تلك الأرض قال لي بعض العارفين لما دخلت هذه الأرض رأيت فيها أرضا كلها مسك عطر لو شمه أحد...

    ملحوظة

    سلم لاهل الكشف تسلم وسل الله الكشوفات الربانية لتذوق علم التوحيد واصول الدين

  4. #379
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قال الماتريدى


    وقوله - عز وجل -: { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة.

    وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم يتألمون [بالضرب، والقتل، والذبح]؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله سبحانه موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة.

    فيجاب لهم بوجوه:

    أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إمّا ثواباً وإمّا عقاباً، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل.

    فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن [تحمل المكروهات وأنواع الشدائد] والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا تزيل الرحمة والرأفة [إذا قصد به النفع] في العاقبة، وطمع فيه الخير.

    وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا، فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر


    قال الرازى

    قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار، لأنه تعالى قال: { وَعَلَى ظ±للَّهِ قَصْدُ ظ±لسَّبِيلِ } وكلمة «على» للوجوب قال تعالى:
    { وَللَّهِ عَلَى ظ±لنَّاسِ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ }
    [آل عمران: 97] ودلت الآية أيضاً على أنه تعالى لا يضل أحداً ولا يغويه ولا يصده عنه، وذلك لأنه تعالى لو كان فاعلاً للضلال لقال: { وَعَلَى ظ±للَّهِ قَصْدُ ظ±لسَّبِيلِ } وعليه جائرها أو قال: وعليه الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه عليه، ولم يقل في جور السبيل أنه عليه بل قال { وَمِنْهَا جَائِرٌ } دل على أنه تعالى لا يضل عن الدين أحداً. أجاب أصحابنا أن المراد على الله بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح فإما أن يبين كيفية الاغواء والإضلال فذلك غير واجب فهذا هو المراد، والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } يدل على أنه تعالى ما شاء هداية الكفار، وما أراد منهم الإيمان، لأن كلمة لو تفيد انتفاء شيء لانتفاء شيء غيره قوله { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ } معناه: لو شاء هدايتكم لهداكم، وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم، وذلك يدل على المقصود. وأجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم، وهذا يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل. وأجاب الجبائي بأن المعنى: ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل الثواب لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه، ولم يرد به الهدى إلى الإيمان، لأنه مقدور جميع المكلفين. وأجاب بعضهم فقال المراد: ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل التفضل، إلا أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبين، فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب، والله أعلم. واعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مراراً وأطواراً مع الجواب فلا فائدة في الإعادة.

    وقال الالوسي

    وزعم الزمخشري أن المخالفة بين أسلوبـي الجملتين للإيذان بما يجوز إضافته من السبيلين إليه تعالى وما لا يجوز وعنى الإشارة إلى ما ذهب إليه إخوانه المعتزلة من عدم جواز إضافة الضلال إليه سبحانه لأنه غير خالقه وجعلوا الآية للمخالفة حجة لهم في هذه المخالفة. وأجاب بعض الجماعة بأن المراد على الله تعالى بحسب الفضل والكرم بيان الدين الحق والمذهب الصحيح فأما بيان كيفية الإغواء والإضلال فليس عليه سبحانه، وبحث فيه بأنه كما أن بيان الهداية وطريقها متحتم فكذا ضده وليس إرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب إلا لذلك.

    وقال ابن المنير: ((إن المخالفة بين الأسلوبين لأن سياق الكلام لإقامة الحجة على الخلق بأنه تعالى بين السبيل القاصد والجائر وهدى قوماً اختاروا الهدى وأضل آخرين اختاروا الضلالة، وقد حقق أن كل فعل صدر على يد العبد فله اعتباران هو من حيث كونه موجوداً مخلوق لله تعالى ومضاف إليه سبحانه بهذا الاعتبار، وهو من حيث كونه مقترناً باختيار العبد له وتيسره عليه يضاف إلى العبد وأن تعدد هذين الاعتبارين ثابت في كل فعل فناسب إقامة الحجة على العباد إضافة الهداية إلى الله تعالى باعتبار خلقه لها وإضافة الضلال إلى العبد باعتبار اختياره له. والحاصل أنه ذكر في كل واحد من الفعلين نسبة غير النسبة المذكورة في الآخر ليناسب ذلك إقامة الحجة ألا لله الحجة البالغة)).

    وأنكر بعض المحققين أن يكون هناك تغيير الأسلوب لأمر مطلوب بناء على أن ذلك إنما يكون فيها اقتضى الظاهر سبكاً معيناً ولكن يعدل عن ذلك لنكتة أهم منه، وليس المراد من بيان قصد السبيل مجرد إعلام أنه مستقيم حتى يصح إسناد أنه جائر إليه تعالى فيحتاج إلى الاعتذار عن عدم ذلك على أنه لو أريد ذلك لم يوجد لتغيير الأسلوب نكتة، وقد بين ذلك في مواضع غير معدودة بل المراد نصب الأدلة للهداية إليه ولا إمكان لإسناد مثله إليه تعالى بالنسبة إلى الطريق الجائر بأن يقال: وجائرها حتى يصرف ذلك الإسناد منه تعالى إلى غيره سبحانه لنكتة ولا يتوهمه متوهم حتى يقتضي الحال دفع ذلك بأن يقال لا جائرها ثم يغير سبك النظم عنه لداعية أقوى منه، وذكر أن الجلمة اعتراضية حسبما نقلناه سابقاً، وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق، بيد أن لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يراد ببيان السبيل المستقيم وببيان السبيل الجائر نصب الأدلة الدالة على حقية الأول ليهدي إليه وبطلان الثاني ليحذر ولا يعول عليه وهذا غير مجرد الإعلام الذي ذكره؛ ونسبته إليه تعالى ممكنة بل قال بعضهم: إن الحق أن المعنى على الله تعالى بيان طريق الهداية ليهتدوا إليه وبيان غيرها ليحذروه لكن اكتفى بأحدهما للزوم الآخر له.

    وفي «الكشف» أن تغاير الأسلوبين على أصل أهل السنة واضح أيضاً إذ لا منكر أن الأول هو المقصود لذاته فبيان طريق الضلالة إجمالاً قدر ما يمتاز قصد السبيل منه في ضمن بيان قصد السبيل ضرورة وبيانه التفصيلي ليس مما لا بد من وقوعه ولا أن الوعد جرى به على مذهب اهـ فليتأمل، ثم إن الآية منادية على خلاف ما زعمه المعتزلة ومنهم الزجاج من عدم استلزام تعلق مشيئته تعالى بشيء وجوده وقد التجأوا إلى التزام تفسيرها بالقسرية، وقال أبو علي منهم: المعنى لو شاء لهداكم إلى الثواب أو إلى الجنة بغير استحقاق وكل ذلك خلاف الظاهر كما لا يخف

    وقال ابن عطية

    وقوله { ولو شاء لهداكم أجمعين } معناه لخلق الهداية في قلوب جميعكم ولم يضل أحد، وقال الزجاج معناه لو شاء لعرض عليكم آية تضطركم إلى الإيمان والاهتداء.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا قول سوء لأهل البدع الذين يرون أن الله لا يخلق أفعال العباد لم يحصله الزجاج، ووقع فيه رحمه الله عن غير قصد

    ملحوظة

    الزجاج اللغوى سلفي حنبلي

    قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (6/87) :
    ( إِبْرَاهِيم بْن السري بْن سهل، أَبُو إِسْحَاق النحوي الزجاج , صاحب كتاب «معاني القرآن» . كَانَ من أهل الفضل وَالدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، وله مصنفات حسان فِي الأدب) .

    وقال الزمخشري

    فإن قلت: لم غير أسلوب الكلام في قوله { وَمِنْهَا جَائِرٌ }؟ قلت: ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل: وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر.

    وقال الرازى

    ثم قال: { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وههنا بحثان: البحث الأول: في شرح كون هذه الأشياء آيات دالة على وجود الله تعالى فنقول: إن الحبة الواحدة تقع في الطين فإذا مضت على هذه الحالة مقادير معينة من الوقت نفذت في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها وأسفلها، فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء. ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة، ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى، ثم يخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب، فإن قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان، ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان. إذا عرفت هذا فنقول: نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة ونسبة التأثيرات الفلكية والتحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة. ومع تشابه نسب هذه الأشياء ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع والطعم واللون والرائحة والصفة، فدل صريح العقل على أن ذلك ليس إلا لأجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا تقدير هذه الدلالة. البحث الثاني: أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } والسبب فيه أنه تعالى ذكر أنه: { أَنزَلَ مِنَ ظ±لْسَّمَآءِ مَآءً... يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ظ±لزَّرْعَ وَظ±لزَّيْتُونَ وَظ±لنَّخِيلَ وَظ±لأَعْنَـظ°بَ }. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها ولم لا يجوز أن يقال: إن هذه الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب؟ وإذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاماً وافياً بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقياً، فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله: { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }.

    { وَسَخَّرَ لَكُمُ ظ±لَّيلَ وَظ±لْنَّهَارَ وَظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ وَظ±لْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } * { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ظ±لأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }

    في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما أجاب في هذه الآية عن السؤال الذي ذكرناه من وجهين: الأول: أن نقول: إن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مسندة إلى الاتصالات الفلكية والتشكلات الكوكبية إلا أنه لا بد لحركاتها واتصالاتها من أسباب، وأسباب تلك الحركات إما ذواتها وإما أمور مغايرة لها، والأول باطل لوجهين: الأول: أن الأجسام متماثلة، فلو كان جسم علة لصفة لكان كل جسم واجب الاتصاف بتلك الصفة وهو محال، والثاني: أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من الحركة بدوام تلك الذات، ولو كان كذلك، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير أصلاً، وذلك يوجب كونه ساكناً، ويمنع من كونه متحركاً، فثبت أن القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكناً لذاته وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلاً، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركاً لكونه جسماً، فبقي أن يكون متحركاً لغيره، وذلك الغير إما أن يكون سارياً فيه أو مبايناً عنه، والأول باطل، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام، فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب أمور مباينة عنها، وذلك المباين إن كان جسماً أو جسمانياً عاد التقسم الأول فيه، وإن لم يكن جسماً ولا جسمانياً فإما أن يكون موجباً بالذات أو فاعلاً مختاراً والأول باطل، لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على السوية، فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى من بعض، ولما بطل هذا ثبت أن محرك الأفلاك والكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن كونه جسماً وجسمانياً، وذلك هو الله تعالى، فالحاصل أنا ولو حكمنا بإسناد حوادث العالم السفلي إلى الحركات الفلكية والكوكبية فهذه الحركات الكوكبية والفلكية لا يمكن إسنادها إلى أفلاك أخرى وإلا لزم التسلسل وهو محال، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو الله تعالى، وإذا كانت الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية، وثبت أن الحركات الفلكية حادثة بتخليق الله تعالى وتقديره وتكوينه، فكان هذا اعترافاً بأن الكل من الله تعالى وبإحداثه وتخليقه، وهذا هو المراد من قوله: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ظ±لَّيْلَ وَظ±لْنَّهَارَ وَظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ } يعني إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل تعاقب الليل والنهار وحركات الشمس والقمر، فهذه الأشياء لا بد وأن يكون حدوثها بتخليق الله تعالى وتسخيره قطعاً للتسلسل، ولما تم هذا الدليل في هذا المقام لا جرم ختم هذه الآية بقوله: { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لآيَـظ°تٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يعني أن كل من كان عاقلاً علم أن القول بالتسلسل باطل ولا بد من الانتهاء في آخر الأمر إلى الفاعل المختار القدير فهذا تقرير أحد الجوابين

    والجواب الثاني عن ذلك السؤال أن نقول: نحن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث النبات والحيوان لأجل تأثير الطباع والأفلاك والأنجم، وذلك لأن تأثير الطبائع والأفلاك والأنجم والشمس والقمر بالنسبة إلى الكل واحد، ثم نرى أنه إذا تولد العنب كان قشره على طبع وعجمه على طبع ولحمه على طبع ثالث وماؤه على طبع رابع، بل نقول: إنا نرى في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة، والوجه الثاني من تلك الورقة في غاية الحمرة وتلك الورقة تكون في غاية الرقة واللطافة، ونعلم بالضرورة أن نسبة الأنجم والأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة، نسبة واحدة، والطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلاً واحداً، ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابهاً، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، وأيضاً إذا وضعنا الشمع فإذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد الجوانب، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب، لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب. إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن نسبة الشمس والقمر والأنجم والأفلاك والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة، وثبت أن الطبيعة المؤثرة متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابهاً وثبت أن الأثر غير متشابه، لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية الصفرة، والوجه الثاني في غاية الحمرة فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات والألوان والأحوال ليس هو الطبيعة، بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار الحكيم، وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المراد من قوله: { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ظ±لأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ }. واعلم أنه لما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة يجب أن يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة، فلما دل الحس في هذه الأجسام النباتية على اختلاف صفاتها وتنافر أحوالها ظهر أن المؤثر فيها ليس واجباً بالذات بل فاعلاً مختاراً فهذا تمام تقرير هذه الدلائل وثبت أن ختم الآية الأولى بقوله: { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } والآية الثانية بقوله: { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } والآية الثالثة بقوله: { لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } هو الذي نبه على هذه الفوائد النفيسة والدلائل الظاهرة والحمد لله على ألطافه في الدين والدنيا.

  5. #380
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قال الالوسي

    { وَأَلْقَىظ° فِي ظ±لأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }

    { وَأَلْقَىظ° فِى ظ±لأَرْضِ رَوَاسِىَ } أي جبالاً ثوابت، وقد مر تمام الكلام في ذلك { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد، والميد اضطراب الشيء العظيم، ووجه كون الإلقاء مانعاً عن اضطراب الأرض بأنها كسفينة على وجه الماء والسفينة إذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة تضطرب وتميل من جانب إلى جانب بأدنى شيء وإذا وضعت فيها أجرام ثقيلة تستقر فكذا الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت فالجبال بالنسبة إليها كالأجرام الثقيلة الموضوعة في السفينة بالنسبة إليها.

    وتعقبه الإمام لوجوه. الأول: على مذهب الحكماء القائلين بأن حركة الأجسام أو سكونها لطبائعها أن الأرض أثقل من الماء فيلزم أن تغوص فيه لا أن تطفو أو ترسي بالجبال وهذا بخلاف السفينة فإنها متخذة من الخشب/ وبين أجزائه هواء يمنعه من السكون ويفضي به إلى الميد لولا الثقيل. والثاني: على مذهب أهل الحق القائلين بأنه ليس للأجسام طبائع تقتضي السكون أو الحركة فما سكن ساكن وما تحرك متحرك في بر وبحر إلا بمحض قدرة الله تعالى وحده. والثاني: أن إرساء الأرض بالجبال لئلا تميد وتبقى واقفة على وجه الماء إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت على وجهه ساكناً وحينئذ يقال: إن قيل إن سبب سكونه في حيزه المخصوص طبيعته المخصوصة فلم لا يقال في سكون الأرض في هذا الحيز أنه بسبب طبيعتها المخصوصة أيضاً، وإن قلنا: إنه بمحض قدرته سبحانه فلم لم يقل: إن سكون الأرض أيضاً كذلك فلا يعقل الإرساء بالجبال على التقديرين. والثالث: أنه يجوز أن تميد الأرض بكليتها ولا تظهر حركتها ولا يشعر بها أهلها ويكون ذلك نظير حركة السفينة من غير شعور راكبها بها ولا يأبى ذلك الشعور بحركتها عند احتقان البخار فيها لأن ذلك يكون في قطعة صغيرة منها وهو يجري مجرى الاختلاج الذي يحصل في عضو معين من البدن، ثم قال: والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال: ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة وثبت أن هذه الجبال على سطح الكرة جارية مجرى خشونات تحصل على وجه هذه الكرة وحينئذ نقول لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت ملساء خالية عنها لصارت بحيث تتحرك على الاستدارة كالأفلاك لبساطتها أو تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت هذه الجبال وكانت كالخشونات على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد لمنعها إياها عن الحركة المستديرة اهـ؛

    وقد تابع الإمامَ في هذا الحل العلامة البيضاوي، واعترض عليه بأنه لا وجه لما ذكره على مذهب أهل الحق ولا على مذهب الفلاسفة، أما الأول: فلأن ذات شيء لا تقتضي تحركه وإنما ذلك بإرادة الله تعالى، وأما الثاني: فلأن الفلاسفة لم يقولوا: إن حق الأرض أن تتحرك بالاستدارة لأن في الأرض ميلاً مستقيماً وما هو كذلك لا يكون فيه مبدأ ميل مستدير على ما ذكروا في الطبيعي.

    وأورد أيضاً على منع الجبال لها من الحركة أنه قد ثبت في الهندسة أن أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى قطر الأرض نسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع ولا ريب في أن ذلك القدر من الشعيره لا يخرج تلك الكرة عن الاستدارة بحيث يمنعها عن الحركة، وكذا حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض، ثم قيل: الصحيح أن يقال خلق الله تعالى الأرض مضطربة لحكمة لا يعلمها إلا هو ثم أرساها بالجبال على جريان عادته في جعل الأشياء منوطة بالأسباب، وقال بعض المحققين في الجواب: إن المقصود أن الأرض من حيث كونها كرة حقيقية بسيطة مع قطع النظر عن كونها عنصراً كان حقها أحد الأمرين لأنها من تلك الحيثية إما ذو ميل مستدير كالأفلاك فكان حقها حينئذ أن تتحرك مثلها على الاستدارة وإما ذو ميل مستقيم فحقها السكون لكنها تتحرك بأدنى قاسر، أما السكون فلأن الجسم الحاصل في الحيز الطبيعي لما يتحرك حركة طبيعية آنية لاستلزامها الخروج عن الحيز الطبيعي ولا يتصور من الأرض الحركة الإرادية لكونها عديمة الشعور، وأما التحرك بأدنى قاسر فيحكم به بالضرورة من له تخيل صحيح، واستوضح ذلك من كرة حقيقية على سطح حقيقي فإنها لا تماسه إلا بنقطة فبأدنى شيء ولو نفخة تتدحرج عن مكانها. نعم الواقع في نفس الأمر أحد الأمرين معيناً وذكرهما توسيع للدائرة وهو أمر شائع فيما بينهم فيندفع قوله. وأما الثاني: فلأن الفلاسفة الخ، وأما قوله: إنه قد ثبت في الهندسة الخ فجوابه أنهم قد صرحوا في " كتب الهيئة " بأن في كل اقليم ثلاثين جبلاً بل أكثر فنسبة كل جبل وإن كانت كالنسبة المذكورة لكن يجوز أن يكون مجموعها مانعاً عن حركتها كالحبل المؤلف من الشعرات المخالف/ حكمه حكم كل شعرة، على أن تلك النسبة باعتبار الحجم ومنعها عن حركتها باعتبار الثقل وثقل هذه الجبال يكاد أن يقاوم ثقل الأرض لأن الجبال أجسام صلبة حجرية والأرض رخوة متخلخلة كالكرة الخشبية التي ألزقت عليها حبات من حديد، وما يقال: من أن فيه غير ذلك ابتناء على قواعد الفلسفة فلا يطعن فيه لأن ذلك الابتناء غير مضر إن لم يخالف القواعد الشرعية كما فيما نحن فيه، واعترض على ما ادعى المعترض صحته بأنه يرد عليه ما أورده، وظني أنه بعد الوقوف على مراده لا يرد عليه شيء مما ذكر، ونحن قد أسلفنا نحوه واطنبنا الكلام في هذا المقام ومنه يظهر ما هو الأوفق بقواعد الإسلام، ثم ما ذكره المجيب من أن المصرح به في " كتب الهيئة " أن في كل إقليم ثلاثين جبلاً بل أكثر خلاف المشهور وهو أن في الإقليم الأول عشرين وفي الثاني سبعة وعشرين وفي الثالث ثلاثة وثلاثين وفي الرابع خمسة وخمسين وفي الخامس ثلاثين وفي كل من السادس والسابع أحد عشر والمجموع مائة وسبعة وثمانون جبلاً على أن كلامه لا يخلو عن مناقشة فتدبر.

  6. #381
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قال الرازى

    المسألة الثالثة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه فقال: إنه تعالى ميز نفسه عن سائر الأشياء التي كانوا يعبدونها بصفة الخالقية لأن قوله: { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } الغرض منه بيان كونه ممتازاً عن الأنداد بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والمعبودية بسبب كونه خالقاً، فهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقاً لبعض الأشياء لوجب كونه إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد قالت المعتزلة الجواب: عنه من وجوه: الوجه الأول: أن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والنجوم والجبال كمن لا يقدر على خلق شيء أصلاً، فهذا يقتضي أن من كان خالقاً لهذه الأشياء فإنه يكون إلهاً ولم يلزم منه أن من يقدر على أفعال نفسه أن يكون إلهاً. والوجه الثاني: أن معنى الآية: أن من كان خالقاً كان أفضل ممن لا يكون خالقاً، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً. والدليل عليه قوله تعالى:
    { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا }
    [الأعراف: 195] ومعناه: أن الذي حصل له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي حصل له رجل لا يقدر أن يمشي بها، وهذا يوجب أن يكون الإنسان أفضل من الصنم، والأفضل لا يليق به عبادة الأخس، فهذا هو المقصود من هذه الآية، ثم إنها لا تدل على أن من حصل له رجل يمشي بها أن يكون إلهاً، فكذلك ههنا المقصود من هذه الآية بيان أن الخالق أفضل من غير الخالق، فيمتنع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، ولا يلزم منه أن بمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلهاً. والوجه الثالث في الجواب: أن كثيراً من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق على العبد. قال الكعبي في «تفسيره» إنا لا نقول: إنا نخلق أفعالنا: قال ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى كقوله:
    { وَإِذَ تَخْلُقُ مِنَ ظ±لطّينِ كَهَيْئَةِ ظ±لطَّيْرِ }
    [المائدة: 110] وقوله:
    { فَتَبَارَكَ ظ±للَّهُ أَحْسَنُ ظ±لْخَـظ°لِقِينَ }
    [المؤمنون: 14]. واعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد، حتى أن أبا عبد الله البصير بالغ وقال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز، لأن الخالق عبارة عن التقدير، وذلك عبارة عن الظن والحسبان، وهو في حق العبد حاصل وفي حق الله تعالى محال. واعلم أن هذه الأجوبة قوية والاستدلال بهذه الآية على صحة مذهبنا ليس بقوي، والله أعلم....


    قال بعضهم: إنه ليس لله على الكافر نعمة وقال الأكثرون: لله على الكافر والمؤمن نعم كثيرة. والدليل عليه: أن الإنعام بخلق السموات والأرض والإنعام بخلق الإنسان من النطفة، والإنعام بخلق الأنعام وبخلق الخيل والبغال والحمير، وبخلق أصناف النعم من الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، وبتسخير البحر ليأكل الإنسان منه لحماً طرياً ويستخرج منه حلية يلبسها كل ذلك مشترك فيه بين المؤمن والكافر، ثم أكد تعالى ذلك بقوله تعالى: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ظ±للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } وذلك يدل على أن كل هذه الأشياء نعم من الله تعالى في حق الكل، وهذا يدل على أن نعم الله واصلة إلى الكفار، والله أعلم.

    وقال الالوسي

    واستدل بالآية على بطلان مذهب المعتزلة في زعمهم أن العباد خالقون لأفعالهم. وقال الشهاب بعد أن قرر تقدير المفعول عاماً على طرز ما ذكرنا: وجوز أن يكون العموم فيه مأخوذاً من تنزيل الفعل منزلة اللازم أنه علم من هذا عدم توجه الاحتجاج بها على المعتزلة في إبطال قولهم بخلق العباد أفعالهم كما وقع في كتب الكلام لأن السلب الكلي لا ينافي الإيجاب الجزئي اهـ حسبما وجدناه في النسخ التي بأيدينا ولعلها سقيمة وإلا فلا أظن ذلك إلا كبوة جواد وهو ظاهر.


    ملحوظة

    قبل استكمال رحلتنا مع سورة النحل اشير للطيفة عقائدية قالها الرازى فى اول السورة

    قال

    والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئاً نسبوه إلى الكذب. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: { أَتَىظ° أَمْرُ ظ±للَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } وفي تقرير هذا الجواب وجهان: الوجه الأول: أنه وإن لم يأت ذلك العذاب إلا أنه كان واجب الوقوع والشيء إذا كان بهذه الحالة والصفة فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: قد جاءك الغوث فلا تجزع. والوجه الثاني: وهو أن يقال أن أمر الله بذلك وحكمه به قد أتى وحصل ووقع، فأما المحكوم به فإنما لم يقع، لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود والحاصل كأنه قيل: أمر الله وحكمه بنزول العذاب قد حصل ووجد من الأزل إلى الأبد فصح قولنا أتى أمر الله، إلا أن المحكوم به والمأمور به إنما لم يحصل، لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

    ملحوظة

    الرازى يقصد وان لم تتعلق القدرة تعلق تنجيزى حادث بالممكن ولكن هذا الممكن اصبح واجب الوقوع بسبب تخصيص الارادة الازلية له بالايجاد وان لم تتعلق القدرة بايجاده بعد فامر الله اتى بتخصيص الارادة الازلية فلاتستعجلوا تعلق القدرة التنجيزى الحادث وتعلق القدرة بعد تعلق الارادة فى ترتب التعلقات

  7. #382
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قال الرازى

    أما قوله تعالى: { فَأَتَى ظ±للَّهُ بُنْيَـظ°نَهُمْ مّنَ ظ±لْقَوَاعِدِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الإتيان والحركة على الله محال، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس..

    وقوله: { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } أي قالوا ما كنا نعمل من سوء! والمراد من هذا السوء الشرك، فقالت الملائكة رداً عليهم وتكذيباً: بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك، ومعنى بلى رداً لقولهم: { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت. والقول الثاني: أنه تم الكلام عند قوله: { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة، والمعنى: أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء، ثم ههنا اختلفوا، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة، قالوا: هذا القول منهم على سبيل الكذب وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا: معنى الآية، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا؟ فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى:

    { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَظ±للَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
    [الأنعام: 23] ....

    وقال الالوسي

    وأياًَ ما كان فذلك العطف يقتضي وقوع هذا القول منهم يوم القيامة وهو كذب صريح ولا يجوز وقوعه يومئذ. وأجيب بأن المراد ما كنا عاملين السوء في اعتقادنا أي كان اعتقادنا أن عملنا غير سيء، وهذا نظير ما قيل في تأويل قولهم
    { وَظ±للَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
    [الأنعام: 23] وقد تعقب بأنه لا يلائمه الرد عليهم بـِ { بَلَى إِنَّ ظ±للَّهَ } إلى آخره لظهور أنه لإبطال النفي ولا يقال: الرد على من جحد واستيقنت نفسه لأنه يكون كذباً أيضاً فلا يفيد التأويل. ومن الناس من قال بجواز وقوع الكذب يوم القيامة، وعليه فلا إشكال، ولا يخفى أن هذا البحث جار على تقدير كون العطف على
    { قَالَ ظ±لَّذِينَ }
    [النحل: 27] أيضاً إذ يقتضي كالأول وقوع القول يوم القيامة وهو مدار البحث. واختار شيخ الإسلام عليه الرحمة العطف السابق وقال: إنه جواب عن قوله سبحانه:
    { أَيْنَ شُرَكَائِىَ }
    [النحل: 27] وأرادوا بالسوء الشرك منكرين صدوره عنهم، وإنما عبروا عنه بما ذكر اعترافاً بكونه سيئاً لا إنكاراً لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره عنهم، ونفى أن يكون جواباً عن قول أولي العلم ادعاء لعدم استحقاقهم لما دهمهم من الخزي والسوء، ولعله متعين على تقدير العطف على
    { قَالَ ظ±لَّذِينَ }
    [النحل: 27] إلى آخره، وإذا كان العطف على { تَتَوَفَّـظ°هُمُ ظ±لْمَلَـظ°ئِكَةُ } كان الغرض من قولهم هذا الصادر منهم عند معاينتهم الموت استعطاف الملائكة عليهم السلام بنفي صدور ما يوجب استحقاق ما يعانونه عند ذلك، وقيل: المراد بالسوء الفعل السيء أعم من الشرك وغيره ويدخل فيه الشرك دخولاً أولياً أي ما كنا نعمل سوأ ما فضلاً عن الشرك، و { مِنْ } على كل حال زائدة و { سُوء } مفعول لنعمل.

    { بَلَىظ° } رد عليهم من قبل الله تعالى أو من قبل أولي العلم أو من قبل الملائكة عليهم السلام، ويتعين الأخير على كون القول عند معاينة الموت ومعاناته أي بلى كنتم تعلمون ما تعملون. { إنَّ اللَّهَ عَليمٌ بمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فهو يجازيكم عليه وهذا أوانه.

    ملحوظة

    قال الرازى فى تفسير سورة الانعام

    المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي: أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا مشركين، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة، وللناس فيه قولان: الأول: وهو قول أبي علي الجبائي، والقاضي: أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه: الأول: أن أهل القيامة يرعفون الله تعالى بالاضطرار، إذ لو يعرفون بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف، وذلك باطل، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار، وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح، وأنه لا يجوز، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح.

    فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه لا يجوز منهم فعل القبيح، إذا كانوا عقلاء إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم، فقالوا: هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم، أو يقال: إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا. والجواب عن الأول: أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم: ويورد عليهم التوبيخ بقوله
    { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ }
    [الأنعام: 22] ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى، وأيضاً فالمكلفون لا بدّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة، ليعلموا أنهم بما يعاملهم الله به غير مظلومين. والجواب عن الثاني: أن النسيان: لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال، وإن بعد العهد، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهراً طويلاً، ومع ذلك فقد نسيه، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة. الحجة الثانية: أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال: إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب. الحجة الثالثة: أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب، فتصير الدار الآخرة دار التكليف، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقاباً وذماً، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب، وأنه باطل، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب. وإذا ثبت هذا: فعند ذلك قالوا يحمل قوله { وَظ±للَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك.

    فإن قيل: فعلى هذا التقدير: يكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم أخبروا بأنهم كانوا غير مشركين عد أنفسهم، فلماذا قال الله تعالى { ظ±نظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ } ولنا أنه ليس تحت قوله { ظ±نظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ } أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله { وَظ±للَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } حتى يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم: إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا، وإنما ينفى ذلك عنهم في الآخرة، والحاصل أن المقصود من قوله تعالى: { ظ±نظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ } اختلاف الحالين، وأنهم في دار الدنيا كانوا يكذبون ولا يحترزون عنه وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم الصدق فلتعلق أحد الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم كيف يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على أنفسهم ويزعمون أنهم على صواب. هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي اختاره أبو علي الجبائي. والقول الثاني: وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول قالوا: والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون
    { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـظ°لِمُونَ }
    [المؤمنون: 107] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله
    { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }
    [الأنعام: 28] والثاني: قوله تعالى:
    { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ظ±للَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىظ° شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ظ±لْكَـظ°ذِبُونَ }
    [المجادلة: 18] بعد قوله
    { وَيَحْلِفُونَ عَلَى ظ±لْكَذِبِ }
    [المجادلة: 14] فشبّه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. والثالث: قوله تعالى حكاية عنهم
    { قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }
    [الكهف: 19] وكل ذلك يدل على إقدامهم في بعض الأوقات على الكذب. والرابع: قوله حكاية عنهم
    { وَنَادَوْاْ يظ°مَـظ°لِكُ مَـظ°لِكَ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }
    [الزخرف: 77] وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص. والخامس: أنه تعالى في هذه الآية حكى عنهم أَنَّهُمْ قَالُواْ { وَظ±للَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وحمل هذا على أن المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر. ثم حمل قوله بعد ذلك { ظ±نظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ } على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد. أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال نقصان العقل فنقول: لا يبعد أن يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت وقوله: كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال كونهم في الدنيا ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات إلا ذلك.

    وأما قوله ثانياً المكلفون لا بدّ أن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول: اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات. فهذا تمام الكلام في هذه المسألة والله أعلم. أما قوله تعالى: { ظ±نظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ } فالمراد إنكارهم كونهم مشركين

    ملحوظة

    جاءَ رجلٌ ابنَ عبَّاسٍ فقالَ : سَمِعْتُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ ، يقولُ - يعني إخبارًا عنِ المشرِكينَ يومَ القيامةِ أنَّهُم قالوا - : وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعامِ : 23] وقالَ في الآيةِ الأُخرَى : ولا يَكْتُمونَ اللَّهَ حديثًا فقالَ ابنُ العبَّاسِ : أمَّا قولُهُ : وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ - فإنَّهم لمَّا رأوا أنَّهُ لا يدخلُ الجنَّةَ إلَّا أَهْلُ الإسلامِ ، قالوا : تعالَوا فلنجحَدْ ، فقالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فختمَ اللَّهُ علَى أفواهِهِم وتَكَلَّمتْ أيديهِم وأرجلُهُم ولا يَكْتُمونَ اللَّهَ حديثًا .

    قال الرازى

    المسألة الأولى: قال القاضي: يدخل تحت التقوى أن يكون تاركاً لكل المحرمات فاعلاً لكل الواجبات، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان، وقال أصحابنا: يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقول: هذا أولى مما قاله القاضي، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتياً بقتل واحد وضرب واحد، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتياً بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب، فعلى هذا قوله: { وَقِيلَ لِلَّذِينَ ظ±تَّقَوْاْ } يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة للأصل، وأيضاً فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك، والله أعلم...

    وفي المراد بقوله: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } قولان، أما الذين يقولون: إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الاعتقاد الحق، وأما المعتزلة الذين يقولون: إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحملون قوله: { أَحْسَنُواْ } على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات.....

  8. #383
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    { وَقَالَ ظ±لَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ظ±للَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاغ¤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذظ°لِكَ فَعَلَ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ظ±لرُّسُلِ إِلاَّ ظ±لْبَلاغُ ظ±لْمُبِينُ } * { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ظ±عْبُدُواْ ظ±للَّهَ وَظ±جْتَنِبُواْ ظ±لْطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ظ±للَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ظ±لضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي ظ±لأَرْضِ فَظ±نظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ظ±لْمُكَذِّبِينَ } * { إِن تَحْرِصْ عَلَىظ° هُدَاهُمْ فَإِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }

    قال الرازى

    اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة، وتقريرها: أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا: لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان، سواء جئت أو لم تجىء، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجىء، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك، فكان القول بالنبوة باطلاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله:
    { سَيَقُولُ ظ±لَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء ظ±للَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء كَذظ°لِكَ كَذَّبَ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }
    [الأنعام: 148] واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية. والكلام فيه استدلالاً واعتراضاً عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة، ولا بأس بأن نذكر منه القليل فنقول: الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا: لما كان الكل من الله تعالى كان بعثة الأنبياء عبثاً. فنقول: هذا اعتراض على الله تعالى، فإن قولهم: إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله، وذلك باطل، بل الله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد، ولا يجوز أن يقال له: لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك؟ والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ظ±عْبُدُواْ ظ±للَّهَ وَظ±جْتَنِبُواْ ظ±لْطَّـظ°غُوت } فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت. ثم قال: { َ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ظ±للَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ظ±لضَّلَـظ°لَةُ } والمعنى: أنه تعالى وإن أمر الكل بالإيمان، ونهى الكل عن الكفر، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض، فهذه سنة قديمة لله تعالى مع العباد، وهي أنه يأمر الكل بالإيمان وينهاهم عن الكفر، ثم يخلق الإيمان في البعض والكفر في البعض. ولما كانت سنة الله تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق كل الأنبياء وكل الأمم والملل وإنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلهاً منزهاً عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين، كان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجباً للجهل والضلال والبعد عن الله فثبت أن الله تعالى إنما حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي واللعن، لا لأنهم كذبوا في قولهم: { لَوْ شَآء ظ±للَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ } بل لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الأنبياء والرسل وهذا باطل، فلا جرم استحقوا على هذا الاعتقاد مزيد الذم واللعن.

    فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب. وأما من تقدمنا من المتكلمين والمفسرين فقد ذكروا فيه وجهاً آخر فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام له:
    { إِنَّكَ لأَنتَ ظ±لْحَلِيمُ ظ±لرَّشِيدُ }
    [هود: 87] ولو قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين، والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال: { كَذَلِكَ فَعَلَ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي هؤلاء للكفار أبداً كانوا متمسكين بهذه الشبهة. ثم قال: { فَهَلْ عَلَى ظ±لرُّسُلِ إِلاَّ ظ±لْبَلَـظ°غُ ظ±لْمُبِينُ } أما المعتزلة فقالوا: معناه أن الله تعالى ما منع أحداً من الإيمان وما أوقعه في الكفر، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ، فلما بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحداً عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة. أما أصحابنا فقالوا: معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ. فهذا التبليغ واجب عليهم، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا يحصل فذلك لا تعلق للرسول به، ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في بيان أن الهدى والضلال من الله بقوله: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ظ±عْبُدُواْ ظ±للَّهَ وَظ±جْتَنِبُواْ ظ±لْطَّـظ°غُوتَ } وهذا يدل على أنه تعالى كان أبداً في جميع الملل والأمم آمراً بالإيمان وناهياً عن الكفر. ثم قال: { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ظ±للَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ظ±لضَّلَـظ°لَةُ } يعني: فمنهم من هداه الله إلى الإيمان والصدق والحق، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن الصدق وأوقعه في الكفر والضلال، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق إرادته، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا. والحاصل أن المعتزلة يقولون: الأمر والإرادة متطابقان أما العلم والإرادة فقد يختلفان، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض. أجاب الجبائي: بأن المراد: { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ظ±للَّهُ } لنيل ثوابه وجنته: { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ظ±لضَّلَـظ°لَةُ } أي العقاب. قال: وفي صفة قوله: { حَقَّتْ عَلَيْهِ } دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق. وأيضاً قال تعالى بعده: { فَسِيرُواْ فِى ظ±لأَرْضِ فَظ±نْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـظ°قِبَةُ ظ±لْمُكَذّبِينَ } وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال. وأجاب الكعبي عنه بأنه قال: قوله: { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ظ±للَّهُ } أي من اهتدى فكان في حكم الله مهتدياً، { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ظ±لضَّلَـظ°لَةُ } يريد: من ظهرت ضلالته، كما يقال للظالم: حق ظلمك وتبين، ويجوز أن يكون المراد: حق عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله:

    { وَيُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ }
    [إبراهيم: 27]. واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مراراً، فلا حاجة إلى الإعادة...

    المسألة الخامسة: قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ظ±لضَّلَـظ°لَةُ } يدل على مذهبنا، لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة، وإلا لانقلب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محال ومستلزم المحال محال، فكان عدم الضلالة منهم محالاً، ووجود الضلالة منهم واجباً عقلاً، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة، والله أعلم. ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله:
    { فَرِيقًا هَدَىظ° وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ظ±لضَّلَـظ°لَةُ }
    [الأعراف: 30] وقوله:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    [يونس: 96] وقوله:
    { لَقَدْ حَقَّ ظ±لْقَوْلُ عَلَىظ° أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ }
    [يس: 7]. ثم قال تعالى: { فَسِيرُواْ فِى ظ±لأَرْضِ فَظ±نْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـظ°قِبَةُ ظ±لْمُكَذّبِينَ } والمعنى: سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي، فقال: { إِن تَحْرِصْ عَلَىظ° هُدَاهُمْ } أي إن تطلب بجهدك ذلك، فإن الله لا يهدي من يضل، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي { يَهْدِي } بفتح الياء وكسر الذال والباقون: { لاَّ يَهِدِّى } بضم الياء وفتح الدال. أما القراءة الأولى: ففيها وجهان: الأول: فإن الله لا يرشد أحداً أضله، وبهذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما. والثاني: أن يهدي بمعنى يهتدي. قال الفراء: العرب تقول: قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى، والمعنى أن الله إذا أضل أحداً لم يصر ذلك مهتدياً. وأما القراءة المشهورة: فالوجه فيها إن الله لا يهدي من يضل، أي من يضله، فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر وهذا كقوله:
    { مَن يُضْلِلِ ظ±للَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ }
    [الأعراف: 186] وكقوله:
    { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ظ±للَّهِ }
    [الجاثية: 23] أي من بعد إضلال الله إياه. ثم قال تعالى: { وَمَا لَهُم مّن نَّـظ°صِرِينَ } أي وليس لهم أحد ينصرهم أي يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة. وأقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة، وآخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا، وأكثر الآيات كذلك مشتملة على الوجهين، والله أعلم.

    ملحوظة

    انظر المشاركة 238

    وقال الالوسي

    وفي " إرشاد العقل السليم " أن هذه الآية بيان لفن آخر من كفر أهل مكة فهم المراد بالموصول، والعدول عن الضمير إليه لتقريعهم بما في حيز الصلة وذمهم بذلك من أول الأمر، والمعنى لو شاء الله تعالى عدم عبادتنا لشيء غيره سبحانه كما تقول ما عبدنا ذلك { نَّحْنُ وَلا ءابَاؤُنَا } الذين نهتدي بهم في ديننا { وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } من السوائب والبحائر وغيرها ـ فمن ـ الأولى بيانية والثانية زائدة لتأكيد الاستغراق وكذا الثالثة { وَنَحْنُ } لتأكيد ضمير { عَبَدْنَا } لا لتصحيح العطف لوجود الفاصل وإن كان محسناً له، وتقدير مفعول { شَاء } عدم العبادة مما صرح به بعضهم، وكان الظاهر أن يضم إليه عدم التحريم. واعترض تقدير ذلك بأن العدم لا يحتاج إلى المشيئة كما ينبىء عنه قوله صلى الله عليه وسلم: " تعالى كان وما لم يشأ لم يكن " حيث لم يقل عليه الصلاة والسلام تعالى كان وما شاء عدم كونه لم يكن بل يكفي فيه عدم مشيئة الوجود، وهو معنى قولهم: علة العدم عدم علة الوجود، فالأولى أن يقدر المفعول وجودياً كالتوحيد والتحليل وكامتثال ما جئت به والأمر في ذلك سهل. وفي تخصيص الإشراك والتحريم بالنفي لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه، وغرضهم من ذلك كما قال بعض المحققين تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام والطعن في الرسالة رأساً، فإن حاصله أن تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع فلو أنه سبحانه شاء أن نوحده ولا نشرك به شيئاً ونحلل ما أحله ولا نحرم شيئاً مما حرمنا كما تقول الرسل/ وينقلونه من جهته تعالى لكان الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك وتحليل ما أحله وعدم تحريم شيء من ذلك وحيث لم يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئاً من ذلك بل شاء ما نحن عليه وتحقق أن ما تقوله الرسل عليهم السلام من تلقاء أنفسهم ورد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه عز وجل: { كَذظ°لِكَ } أي مثل ذلك الفعل الشنيع { فَعَلَ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم أي أشركوا بالله تعالى وحرموا من دونه ما حرموا وجادلوا رسلهم بالباطل ليدحضوا به الحق.

    فَهَلْ عَلَى ظ±لرُّسُلِ } الذين أمروا بتبليغ رسالات الله تعالى وعزائم أمره ونهيه. { إِلاَّ ظ±لْبَلَـظ°غُ ظ±لْمُبِينُ } أي ليست وظيفتهم إلا الإبلاغ للرسالة الموضح طريق الحق والمظهر أحكام الوحي التي منها تحتم تعلق مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق لقوله تعالى:
    { وَظ±لَّذِينَ جَـظ°هَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }
    [العنكبوت: 69]. واما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذ قولهم عليهم شاؤوا أو أبوا كما هو مقتضى استدلالهم فليس ذلك من وظيفتهم ولا من الحكمة التي يدور عليها فلك التكليف حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم حقية الرسل عليهم السلام أو على عدم تعلق مشيئة الله تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لا بد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين؛ والفاء على هذا للتعليل كانه قيل كذلك فعل أسلافهم وذلك باطل فإن الرسل عليهم السلام ليس شأنهم إلا تبليغ الأوامر والنواهي لا تحقيق مضمونهما قسراً وإلجاء اهـ، وكأني بك لا تبريه من تكلف. وهو متضمن للرد على الزمخشري فقد سلك في هذا المقام الغلو في المقال وعدل عن سنن الهدى إلى مهواة الضلال فذكر ((أن هؤلاء المشركين فعلوا ما فعلوا من القبائح ثم نسبوا فعلهم إلى الله تعالى وقالوا: { لَوْ شَاء ظ±للَّهُ } إلى آخره وهذا مذهب المجبرة بعينه كذلك فعل أسلافهم فلما نبهوا على قبح فعلهم وركوه على ربهم فهل على الرسل إلا أن يبلغوا الحق وأن الله سبحانه لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه وبراءة الله تعالى من أفعال العباد وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، والله تعالى باعثهم على جميلها وموفقهم له وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه)) إلى آخر ما قال مما هو على هذا المنوال، ولعمري إنه فسر الآيات على وفق هواه وهي عليه لا له لو تدبر ما فيها وحواه، وقد رد عليه غير واحد من المحققين وأجلة المدققين وبينوا أن الآية بمعزل عن أن تكون دليلاً لأهل الاعتزال كما أن الشرطية لا تنتج مطلوب أولئك الضلال، وقد تقدم نبذة من الكلام في ذلك.

    ثم إن كون غرض المشركين من الشرطية تكذيب الرسل عليهم السلام هو أحد احتمالين في ذلك، قال المدقق في " الكشف " في نظير الآية: إن قولهم هذا إما لدعوى مشروعية ما هم عليه رداً للرسل عليهم السلام أو لتسليم أنهم على الباطل اعتذاراً بأنهم مجبورون، والأول باطل لأن المشيئة تتعلق بفعلهم المشروع وغيره ف تعالى أن يقع منهم مشروعاً وقع كذلك و تعالى أن يقع لا كذلك وقع لا كذلك، ولا شك أن من توهم أن كون الفعل بمشيئته تعالى ينافي مجيء الرسل عليهم السلام بخلاف ما عليه المباشر من الكفر والضلال فقد كذب التكذيب كله وهو كاذب في استنتاج المقصود من هذه اللزومية، وظاهر الآية مسوق لهذا المعنى.

    والثاني على ما فيه حصول المقصود وهو الاعتراف بالبطلان باطل أيضاً إذ لا جبر لأن المشيئة تعلقت بأن يشركوا اختياراً منهم والعلم تعلق كذلك/ ومثله في التحريم فهو يؤكد دفع العذر لا أنه يحققه، وذكر أن معنى { فهو على الرسل } أن الذي على الرسل أن يبلغوا ويبينوا معالم الهدى بالإرشاد إلى تمهيد قواعد النظر والإمداد بأدلة السمع والبصر ولا عليهم من مجادلة من يريد أن يدحض بباطله الحق الأبلج إذ بعد ذلك التبيين يتضح الحق للناظرين ولا تجدي نفعاً مجادلة المعاندين، وجوز أن يكون قولهم هذا منعاً للبعثة والتكليف متمسكين بأن تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع فما الفائدة فيهما أو إنكاراً لقبح ما أنكر عليهم من الشرك والتحريم محتجين بأن ذلك لو كان مستقبحاً ل تعالى صدوره عنا أو لشاء خلافه ملجأ إليه، وأشير إلى جواب الشبهة الأولى بقوله سبحانه: { فَهَلْ عَلَى ظ±لرُّسُلِ } إلى آخره كأنه قيل: إن فائدة البعثة البلاغ الموضح للحق فإن تعالى وجوده أو عدمه لا يجب ولا يمتنع مطلقاً كما زعمتم بل قد يجب أو يمتنع بتوسط أسباب أخر قدرها سبحانه ومن ذلك البعثة فإنها تؤدي إلى هدى من شاء الله تعالى على سبيل التوسط، وأما الشبهة الثانية فقد أشير إلى جوابها في قوله تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ... }...


    وقال الإمام: إن المشركين أرادوا من قولهم ذلك أنه لما كان الكل من الله تعالى كان بعثه الأنبياء عليهم السلام عبثاً فنقول: هذا اعتراض على الله تعالى وجار مجرى طلب العلة في أحكامه تعالى وأفعاله وذلك باطل إذ لله سبحانه أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يجوز أن يقال له لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذاك. والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله سبحانه: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا } إلى آخره حيث بين فيه أن سنته سبحانه في عباده إرسال الرسل إليهم وأمرهم بعبادته ونهيهم عن عبادة غيره، وأفاد أنه تعالى وإن أمر الكل ونهاهم إلا أنه جل جلاله هدى البعض وأضل البعض، ولا شك أنه إنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلهاً منزهاً عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين، فكان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجباً للجهل والضلال والبعد عن الله المتعال، فثبت أن الله تعالى إنما ذم هؤلاء القائلين لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل لا لأنهم كذبوا في قولهم ذلك، وهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب، ومعنى
    { فَهَلْ عَلَى ظ±لرُّسُلِ }
    [النحل: 35] إلى آخره أنه تعالى أمر الرسل عليهم السلام بالتبليغ فهو الواجب عليهم، وأما أن الإيمان هل يحصل أَو لا يحصل فذاك لا تعلق للرسل به ولكن الله تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه اهـ وهو كما ترى.

    / ونقل الواحدي في " الوسيط " عن الزجاج أنهم قالوا ذلك على الهزو ولم يرتضه كثير من المحققين، وذكر بعضهم أن حمله على ذاك لا يلائم الجواب.

    نعم قال في «الكشف» عند قوله تعالى:
    { وَقَالُواْ لَوْ شَاء ظ±لرَّحْمَـظ°نُ مَا عَبَدْنَـظ°هُمْ }
    [الزخرف: 20] إنهم دفعوا قول الرسل عليهم السلام بدعوتهم إلى عبادته تعالى ونهيهم عن عبادة غيره سبحانه بهذه المقالة وهم ملزمون على مساق هذا القول لأنه إذا استند الكل إلى مشيئته تعالى فقد شاء إرسال الرسل وشاء دعوتهم إلى العباد وشاء جحودهم وشاء دخولهم النار، فالإنكار والدفع بعد هذا القول دليل على أنهم قالوه لا عن اعتقاد بل مجازفة، وقال في موضع آخر عند نظير الآية أيضاً: إنهم كاذبون في هذا القول لجزمهم حيث لا ظن مطلقاً فضلاً عن العلم، وذلك لأن من المعلوم أن العلم بصفات الله تعالى فرع العلم بذاته والإيمان بها كذلك والمحتجون به كفرة مشركون مجسمون، وأطال الكلام في هذا المقام في سورة الزخرف. وذكر أن في كلامهم تعجيز الخالق بإثبات التمانع بين المشيئة وضد المأمور به فيلزم أن لا يريد إلا أمر به ولا ينهى إلا وهو لا يريده، وهذا تعجيز من وجهين إخراج بعض المقدورات عن أن يصير محلها وتضييق محل أمره ونهيه وهذا بعينه مذهب إخوانهم القدرية اهـ ويجوز أن يقال: إن المشركين إنما قالوا ذلك إلزاماً بزعمهم حيث سمعوا من المرسلين وأتباعهم أن تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإلا فهم أجهل الخلق بربهم جل شأنه وصفاته
    { إِنْ هُمْ إِلاَّ كَظ±لأَنْعَـظ°مِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ }
    [الفرقان: 44] ومرادهم إسكات المرسلين وقطعهم عن دعوتهم إلى ما يخالف ما هم عليه والاستراحة عن معارضتهم فكأنهم قالوا: إنكم تقولون تعالى كان وما لم يشأ لم يكن فما نحن عليه مما شاءه الله تعالى وما تدعونا إليه مما لم يشأه وإلا لكان، واللائق بكم عدم التعرض لخلاف مشيئة الله تعالى، فإن وظيفة الرسول الجري على إرادة المرسل لأن الإرسال إنما هو لتنفيذ تلك الإرادة وتحصيل المراد بها، وهذا جهل منهم بحقيقة الأمر وكيفية تعلق المشيئة وفائدة البعثة، وذلك لأن مشيئته تعالى إنما تتعلق وفق علمه وعلمه إنما يتعلق وفق ما عليه الشيء في نفسه، فالله تعالى ما شاء شركهم مثلاً إلا بعد أن علم ذلك وما علمه إلا وفق ما هو عليه في نفس الأمر فهم مشركون في الأزل ونفس الأمر إلا أنه سبحانه حين أبرزهم على وفق ما علم فيهم لو تركهم وحالهم كان لهم الحجة عليه سبحانه إذا عذبهم يوم القيامة إذ يقولون حينئذ: ما جاءنا من نذير فأرسل جل شأنه الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فليس على الرسل إلا تبليغ الأوامر والنواهي لتقوم الحجة البالغة لله تعالى، فالتبليغ مراد الله تعالى من الرسل عليهم السلام لإقامة حجته تعالى على خلقه به، وليس مراده من خلقه إلا ما هم عليه في نفس الأمر خيراً كان أو شراً.

    وفي الخبر يقول الله تعالى: " يا عبادى إنما أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " ولا منافاة بين الأمر بشيء وإرادة غيره منه تعالى لأن الأمر بذلك حسبما يليق بجلاله وجماله، والإرادة حسبما يستدعيه في الآخرة الشيء في نفسه، وقد قرر الجماعة انفكاك الأمر عن الإرادة في الشاهد أيضاً وذكر بعض الحنابلة الانفكاك أيضاً لكن عن الإرادة التكوينية لا مطلقاً، والبحث مفصل في موضعه.

    وإذا علم ذلك فاعلم أن قوله سبحانه:
    { فَهَلْ عَلَى ظ±لرُّسُلِ إِلاَّ ظ±لْبَلَـظ°غُ }
    [النحل: 35] يتضمن الإشارة إلى ردهم كأنه قيل: ما أشرتم إليه من أن اللائق بالرسل ترك الدعوة إلى خلاف ما شاءه الله تعالى منا والجري على وفق المشيئة والسكوت عنا باطل لأن وظيفتهم والواجب عليهم هو التبليغ وهو مراد الله تعالى منهم لتقوم به حجة الله تعالى عليكم لا السكوت وترك الدعوة، وفي قوله سبحانه: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا } الخ إشارة/ يتفطن لها من له قلب إلى أن المشيئة حسب الاستعداد الذي عليه الشخص في نفس الأمر فتأمل فإن هذا الوجه لا يخلو عن بعد ودغدغة. والذي ذكره القاضي في قوله تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا } الخ أنه بين فيه أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سبباً لهدي من أراد سبحانه اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله كالغذاء الصالح ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المنحرف ويفنيه.

    وفي " إرشاد العقل السليم " أنه تحقيق لكيفية تعلق مشيئته تعالى بأفعال العباد بعد بيان أن الإلجاء ليس من وظائف الرسالة ولا من باب المشيئة المتعلقة بما يدور عليه فلك الثواب والعقاب من الأفعال الاختيارية، والمعنى إنا بعثنا في كل أمة رسولاً يأمرهم بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت فأمروهم فتفرقوا فمنهم من هداه الله تعالى بعد صرف قدرته واختياره الجزئي إلى تحصيل ما هدى إليه ومنهم من ثبت على الضلالة لعناده وعدم صرف قدرته إلى تحصيل الحق،...

    فَإِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } جواب الشرط على معنى فاعلم ذلك أو علة للجواب المحذوف أي إن تحرص على هداهم لم ينفع حرصك شيئاً فإن الله تعالى لا يهدي من يضل، والمراد بالموصول قريش المعبر عنهم فيما مر بالذين أشركوا، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتنصيص على أنهم ممن حقت عليهم الضلالة وللإشعار بعلة الحكم. ويجوز أن يراد به ما يشملهم ويدخلون فيه دخولاً أولياً، ومعنى الآية على ما قيل: إنه سبحانه لا يخلق الهداية جبراً وقسراً فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره ولا بد من نحو هذا التأويل لأن الحكم بدون ذلك مما لا يكاد يجهل، و { مَنْ } على هذا مفعول { يهدي } كما هو الظاهر، وقيل: إن { يهدي } مضارع هدى بمعنى اهتدى فهو لازم و { من } فاعله وضمير الفاعل في { يُضِلَّ } لله تعالى والعائد محذوف أي من يضله، وقد حكى مجيء هدى بمعنى اهتدى الفراء.

    وقرأ غير واحد من السبعة والحسن والأعرج ومجاهد وابن سيرين والعطاردي ومزاحم الخراساني وغيرهم { لاَّ يَهِدِّى } بالبناء للمفعول ـ فمن ـ نائب الفاعل والعائد وضمير الفاعل كما مر، وهذه القراءة أبلغ من الأولى لأنها تدل على أن من أضله الله تعالى لا يهديه كل أحد بخلاف الأولى فإنها تدل على أن الله تعالى لا يهديه فقط وإن كان من لم يهد الله فلا هادي له، وهذا ـ على ما قيل ـ إن لم نقل بلزوم هدى وأما إذا/ قلنا به فهما بمعنى إلا أن هذه صريحة في عموم الفاعل بخلاف تلك مع أن المتعدي هو الأكثر. وقرأت فرقة منهم عبد الله { لا يهدي } بفتح الياء وكسر الهاء والدال وتشديدها، وأصله يهتدي فأدغم كقولك في يختصم يخصم. وقرأت فرقة أخرى { لا يهدي } بضم الياء وكسر الدال، قال ابن عطية: وهي ضعيفة، وتعقبه في " البحر " بأنه إذا ثبت هدى لازماً بمعنى اهتدى لم تكن ضعيفة لأنه أدخل على اللازم همزة التعدية، فالمعنى لا يجعل مهتدياً من أضله. وأجيب بأنه يحتمل أن وجه الضعف عنده عدم اشتهار أهدى المزيد. وقرىء { يضل } بفتح الياء، وفي مصحف أبـي { فإن الله لا هادي لمن أضل }.

    وقال الزمخشري

    لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } أي لا يلطف بمن يخذل، لأنه عبث، والله تعالى متعال عن العبث؛ لأنه من قبيل القبائح التي لا تجوز عليه. وقرىء: «لا يُهدَى» أي: لا تقدر أنت ولا أحد على هدايته وقد خذله الله

  9. #384
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قبل ان نكمل الرحلة اقول تعليقا علي قول الالوسى علة العدم عدم العلة



    قيل اخى الحبيب لماذا تعلقت قدرة الله بالايجاد فى مالم يزل ولم تتعلق باعدامنا الازلية الجواب لان العدم لايحتاج لتعلق القدرة بل علة العدم فى الازل عدم العلة فى الايجاد وهى تعلق القدرة التى من شأنها ايجاد الممكن فتأمل اخي

    ثم قد يقول قائل ان كان الممكن يستوى فيه طرفي الوجود والعدم ازلا فلماذا ترجح جانب العدم ازلا عن الايجاد قلنا علة العدم عدم العلة

    ثم ان كان جانب العدم ارجح ازلا لعدم العلة كان ايجاد هذا الممكن وترجيح ايجاده علي عدمه الازلي دليل اكبر علي وجوب وجود مخصص لترجيح جانب الايجاد عن العدم....

    { وَأَقْسَمُواْ بِظ±للَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ظ±للَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىظ° وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـظ°كِنَّ أَكْثَرَ ظ±لْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ظ±لَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ } * { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

    قال الرازى

    وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلاً. أما المقام الأول: فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه، لأن الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فالذي يعود يجب أن يكون شيئاً مغايراً للأول فلا يكون عينه. وأما المقام الثاني: وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من وجهين: الأول: أن محمداً كان داعياً إلى تقرير القول بالمعاد، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعياً إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولاً صادقاً. الثاني: أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { وَأَقْسَمُواْ بِظ±للَّهِ جَهْدَ أَيْمَـظ°نِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ظ±للَّهُ مَن يَمُوتُ } معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدماً محضاً ونفياً صرفاً، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر غيره. وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل: { وَأَقْسَمُواْ بِظ±للَّهِ جَهْدَ أَيْمَـظ°نِهِمْ } على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر. ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان: الوجه الأول: أنه وعد حق على الله تعالى، فوجب تحقيقه، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعداً حقاً على الله تعالى، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي، وبين المحق والمبطل، وبين الظالم والمظلوم، وهو قوله: { لِيُبَيّنَ لَهُمُ ظ±لَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـظ°ذِبِينَ } وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس. والوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجداً للأشياء ومكوناً لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشئته، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وإذا كان كذلك، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الإبتداء وجب أن يكون قادراً عليه في الإعادة، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق، والقول إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضاً طعنهم في النبوة، والله أعلم....

    . ثم قال تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: قوله: { كُنَّ } إن كان خطاباً مع المعدوم فهو محال، وإن كان خطاباً مع الموجود كان هذا أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال. والجواب: أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون، وليس خطاباً للمعدوم، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم. المسألة الثانية: قوله تعالى: { قَوْلُنَا } مبتدأ و { أَن نَّقُولَ } خبره و { كُنْ فَيَكُونُ } من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف. المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر والكسائي { فَيَكُونُ } بنصب النون، والباقون بالرفع قال الفراء: القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله: { أَن نَّقُولَ لَهُ } كلاماً تاماً ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال: إن زيداً يكفيه إن أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاماً مبتدأ، وأما القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفاً على أن نقول، والمعنى: أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين، قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصباً على جواب { كُنَّ } قال أبو علي لفظة «كن» وإن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها ههنا الأمر إنما هو والله أعلم الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب { كُنْ } ، والله أعلم. المسألة الرابعة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون، فلو كان قوله { كُنْ } حادثاً لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن وذلك يوجب التسلسل، وهو محال فثبت أن كلام الله قديم

    واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن كلمة { إِذَا } لا تفيد التكرار، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانياً لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل. والوجه الثاني: أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظه «كن» وهذا معلوم البطلان بالضرورة، لأن لفظة: كن، مركبة من الكاف والنون، وعند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف، وذلك يدل على أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديماً صفة مغايرة للفظة كن، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به. والوجه الثالث: أن الرجل إذا قال إن فلاناً لا يقدم على قول، ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلاً لا يقول: إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه. والوجه الرابع: أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ } يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة، وما كان كذلك فهو محدث. والوجه الثاني: أنه علق القول بكلمة إذا، ولا شك أن لفظة «إذا» تدخل للاستقبال. والوجه الثالث: أن قوله: { أَن نَّقُولَ لَهُ } لا خلاف أن ذلك ينبىء عن الاستقبال. والوجه الرابع: أن قوله: { كُنْ فَيَكُونُ } يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله: { كُنْ } فتكون كلمة { كُنْ } متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً. والوجه الخامس: أنه معارض بقوله تعالى:
    { وَكَانَ أَمْرُ ظ±للَّهِ مَفْعُولاً }
    [النساء: 47]،
    { وَكَانَ أَمْرُ ظ±للَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً }
    [الأحزاب: 38].
    { ظ±للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ظ±لْحَدِيثِ }
    [الزمر: 23].
    { فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ }
    [الطور: 34]،
    { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىظ° إماماً وَرَحْمَةً }
    [الأحقاف: 12]. فإن قيل: فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه؟. قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات، ونحن نقول بكونه محدثاً مخلوقاً. والله أعلم....

    وقال الالوسي

    وأنت تعلم أنه إذا جوز إعادة المعدوم بعينه كما هو رأي جمهور المتكلمين فلا إشكال في البعث أصلاً، وأما إن قلنا بعدم جواز الإعادة لقيام القاطع على ذلك فقد قيل: نلتزم القول بعدم انعدام شيء من الأبدان حتى يلزم في البعث إعادة المعدوم وإنما عرض لها التفرق ويعرض لها في البعث الاجتماع فلا إعادة لمعدوم، وفيه بحث وإن أيد بقصة إبراهيم عليه السلام ومن هنا قال المولى ميرزاجان: لا مخلص إلا بأن يقال ببقاء النفس المجردة وأن البدن المبعوث مثل البدن الذي كان في الدنيا وليس عينه بالشخص ولا ينافي هذا قانون العدالة إذ الفاعل هو النفس ليس إلا والبدن بمنزلة السكين بالنسبة إلى القطع فكما أن الأثر المترتب على القطع من المدح والذم والثواب والعقاب إنما هو للقاطع لا للسكين كذلك الأثر المترتب على أفعال الإنسان إنما هو للنفس وهي المتلذذة والمتألمة تلذذاً أو تألماً عقلياً أو حسياً فليس يلزم خلاف العدالة، وأما الظواهر الدالة على عود ذلك الشخص بعينه فمؤولة لفرض القاطع الدال على الامتناع، وذلك بأن يقال: المراد إعادة مادته مع صورة كانت/ أشبه الصور إلى الصورة الأولى فتدبر؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يس تحقيق هذا المطلق على أتم وجه....

    قيل: { وَلِيَعْلَمَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } دون وليجعل الذين كفروا عالمين، وخص الإسناد بهم حيث لم يقل وليعلموا أن الذين كفروا كانوا كاذبين تنبيهاً على أن الأهم علمهم، وقيل: لم يقل ذلك لأن علم المؤمنين بما ذكر حاصل قبل ذلك أيضاً. وتعقب بأن حصول مرتبة من مراتب العلم لا يأبى حصول مرتبة أعلا منها فلم لم يقل ذلك إيذاناً بحصول هذه المرتبة من العلم لهم حينئذ، ولعل فيه غفلة عن مراد القائل. وجوز أن يراد من علم الكفرة بأنهم كانوا كاذبين تعذيبهم على كذبهم فكأنه قيل: ليظهر للمؤمنين والكافرين الحق وليعذب الكافرون على كذبهم فيما كانوا يقولونه من أنه تعالى لا يبعث من يموت ونحوه، وهذا كما يقال للجاني: غداً تعلم جنايتك، وحينئذ وجه تخصيص الإسناد بهم ظاهر، وهو كما ترى.

    وزعم بعض الشيعة أن الآية في علي كرم الله تعالى وجهه والأئمة من بنيه رضي الله تعالى عنهم وأنها من أدلة الرجعة التي قال بها أكثرهم، وهو زعم باطل، والقول بالرجعة محض سخافة لا يكاد يقول بها من يؤمن بالبعث، وقد بين ذلك على أتم وجه في " التحفة الاثني عشرية " ، ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى بيانه، وما أخرجه ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إن قوله تعالى:
    { وَأَقْسَمُواْ بِظ±للَّهِ }
    الآية [النحل: 38] نزلت في غير مسلم الصحة، وعلى فرض التسليم لا دليل فيه على ما يزعمونه من الرجعة بأن يقال: إنه رضي الله تعالى عنه أراد أنها نزلت بسببـي، ويكون رضي الله تعالى عنه هو الرجل الذي تقاضى ديناً له على رجل من المشركين فقال ما قال كما مر عن ابن الجوزي وأبـي العالية، وأخرجه عن أبـي العالية عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم واستنبط الشيخ بهاء الدين من الآية دليلاً على أن الكذب مخالفة الواقع ولا عبرة بالاعتقاد، وهو ظاهر فافهم....

    إِنَّمَا قَوْلُنَا } استئناف لبيان التكوين على الإطلاق ابتداء أو إعادة بعد التنبيه على أنية البعث ومنه يعلم كيفيته ـ فما ـ كافة و { قَوْلُنَا } مبتدأ، وقوله تعالى: { لِشَىْء } متعلق به واللام للتبليغ كما في قولك: قلت لزيد قم فقام، وقال الزجاج: هي لام السبب أي لأجل إيجاد شيء، وتعقب بأنه ليس بواضح والمتبادر من الشيء/ هنا المعدوم وهو أحد إطلاقاته، وقد برهن الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة على أن إطلاق الشيء على المعدوم حقيقة كإطلاقه على الموجود وألف في ذلك رسالة جليلة سماها " جلاء الفهوم " ، ويعلم منها أن القول بذلك الإطلاق ليس خاصاً بالمعتزلة كما هو المشهور، ولهذا أول هنا من لم يقف على التحقيق من الجماعة فقال: إن التعبير عنه بذلك باعتبار وجوده عند تعلق مشيئته تعالى به لا أنه كان شيئاً قبل ذلك. وفي «البحر» نقلاً عن ابن عطية أن في قوله تعالى: { لِشَىْء } وجهين: أحدهما: أنه لما كان وجوده حتماً جاز أن يسمى شيئاً وهو في حال العدم، والثاني: أن ذلك تنبيه على الأمثلة التي ينظر فيها وأن ما كان منها موجوداً كان مراداً وقيل له كن فكان فصار مثالاً لما يتأخر من الأمور بما تقدم، وفي هذا مخلص من تسمية المعدوم شيئاً اهـ، وفيه من الخفاء ما فيه، وأياً ما كان فالتنوين للتنكير أي لشيء أي شيء كان مما عز وهان.

    { إِذَا أَرَدْنَاهُ } ظرف ـ لقولنا ـ أي وقت تعلق إرادتنا بإيجاده { أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ } في تأويل مصدر خبر للمبتدأ، والسلام في { لَهُ } كاللام في { لِشَىْء } { فَيَكُونُ } إما عطف على مقدر يفصح عنه الفاء وينسحب عليه الكلام أي فنقول ذلك فيكون، وإما جواب لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون، وقيل: إنه بعد تقدير هو تكون الجملة خبراً لمبتدأ محذوف أي ما أردناه فهو يكون، وكان في الموضعين تامة، والذي ذهب إليه أكثر المحققين وذكره مقتصراً عليه شيخ الإسلام أنه ليس هناك قول ولا مقول له ولا أمر ولا مأمور حتى يقال: إنه يلزم أحد المحالين أما خطاب المعدوم أو تحصيل الحاصل؛ أو يقال: { إِنَّمَا } مستدعية انحصار قوله تعالى في قوله تعالى: { كُنْ } وليس يلزم منه انحصار أسباب التكوين فيه كما يفيده قوله سبحانه:
    { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }
    [يس: 82] فإن المراد بالأمر الشأن الشامل للقول والفعل ومن ضرورة انحصاره في كلمة كن انحصار أسبابه على الإطلاق في ذلك بل إنما هو تمثيل لسهولة تأتي المقدورات حسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة حدوثها بما هو علم في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر المطاع، فالمعنى إنما إيجادنا لشيء عند تعلق مشيئتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون، ولما عبر عنه بالأمر الذي هو قول مخصوص وجب أن يعبر عن مطلق الإيجاد بالقول المطلق.

    وقيل: إن الكلام على حقيقته وبذلك جرت العادة الإلهية ونسب إلى السلف، وأجيب لهم عن حديث لزوم أحد المحذورين تارة بأن الخطاب تكويني ولا ضير في توجهه إلى المعدوم، وتعقب بأنه قول بالتمثيل وتارة بأن المعدوم ثابت في العلم ويكفي في صحة خطابه ذلك حتى أن بعضهم قال بأنه مرئي له تعالى في حال عدمه، وتعقب بما يطول، وأما حديث الانحصار فقالوا إن الأمر فيه هين، وقد مر بعض الكلام في هذا المقام.

    واحتج بعض أهل السنة بالآية بناء على الحقيقة على قدم القرآن قال: إنها تدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فلو كان كن حادثاً لزم التسلسل وهو محال فيكون قديماً ومتى قيل بقدم البعض فليقل بقدم الكل، وتعقب بأن كلمة إذا لا تفيد التكرار ولذا إذا قال لامرأته: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرات لا تطلق إلا طلقة واحدة فلا يلزم أن يكون كل محدث محدثاً بكلمة كن فلا يلزم التسلسل على أن القول بقدم { كُنْ } ضروري البطلان لما فيه من ترتب الحروف، وكذا يقال في سائر الكلام اللفظي. وقال الإمام: ((إن الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ } يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث، والثاني: أنه علق القول بكلمة { إِذَا } / ولا شك أنها تدخل للاستقبال، والثالث: أن قوله تعالى: { أَن نَّقُولَ } لا خلاف في أنه ينبىء عن الاستقبال، والرابع: أن قوله سبحانه: { كُنْ فَيَكُونُ } كن فيه مقدمة على حدوث المكون ولو بزمان واحد والمقدم على المحدث كذلك محدث فلا بد من القول بحدوث الكلام)). نعم إنها تشعر بحدوث الكلام اللفظي الذي يقول به الحنابلة ومن وافقهم ولا تشعر بحدوث الكلام النفسي. والأشاعرة في المشهور عنهم لا يدعون إلا قدم النفسي وينكرون قدم اللفظي، وهو بحث أطالوا الكلام فيه فليراجع.

    وما ذكر من دلالة { إِذَا } و { نَّقُولَ } على الاستقبال هو ما ذكره غير واحد، لكن نقل أبو حيان عن ابن عطية أنه قال: ((ما في ألفاظ هذه الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد لا إلى الإرادة، وذلك أن الأشياء المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به لأن ذينك قديمان فمن أجل المراد عبر بإذا ونقول)). وأنت تعلم أنه لا كلام في قدم الإرادة لكنهم اختلفوا في أنها هل لها تعلق حادث أم لا؛ فقال بعضهم بالأول، وقال آخرون: ليس لها إلا تعلق أزلي لكن بوجود الممكنات فيما لا يزال كل في وقته المقدر له.

    فالله تعالى تعلقت إرادته في الأزل بوجود زيد مثلاً في يوم كذا وبوجود عمرو في يوم كذا وهكذا، ولا حاجة إلى تعلق حادث في ذلك اليوم، وأما الأمر فالنفسي منه قديم واللفظي حادث عن القائلين بحدوث الكلام اللفظي، وأما الزمان فكثيراً ما لا يلاحظ في الأفعال المستندة إليه تعالى، واعتبر كان الله تعالى ولا شيء معه وخلق الله تعالى العالم ونحو ذلك ولا أرى هذا الحكم مخصوصاً فيما إذا فسر الزمان بما ذهب إليه الفلاسفة بل يطرد في ذلك وفيما إذا فسر بما ذهب إليه المتكلمون فتأمل والله تعالى الهادي.

    وجعل غير واحد الآية لبيان إمكان البعث، وتقريره أن تكوين الله تعالى بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد وإلا لزم التسلسل، وكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده، وظاهره أنه قول بإعادة المعدوم، وظواهر كثير من النصوص أن البعث بجمع الأجزاء المتفرقة، وسيأتي تحقيق ذلك كما وعدناك آنفاً إن شاء الله تعالى...

    وقال ابن الجوزى فى زاده

    { إِنما قولنا لشيء إِذا أردناه أن نقول له كن فيكون } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة «فيكونُ» رفعاً، وكذلك في كل القرآن. وقرأ ابن عامر، والكسائي «فيكونَ» نصباً. قال مكي بن إِبراهيم: من رفع، قطعه عمَّا قبله، والمعنى: فهو يكون، ومن نصب، عطفه على «يقول»، وهذا مثل قوله: { وإِذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } ، وقد فسرناه في [البقرة:117].

    فإن قيل: كيف سمي الشيء قبل وجوده شيئاً؟.

    فالجواب: أن الشيء وقع على المعلوم عند الله قبل الخلق، لأنه بمنزلة ما قد عُوِينَ وشَوهِدَ.

    ملحوظة

    علم التوحيد بحر لاساحل له ولا قعر خض بحاره بجناحى الكتاب والسنة فالغرق فى بحاره من المهلكات

  10. #385
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قال الالوسي

    وقال الرماني والزجاج والأزهري: المراد بأهل الذكر علماء أخبار الأمم السالفة كائناً من كان فالذكر بمعنى الحفظ كأنه قيل: اسألوا المطلعين على أخبار الأمم يعلموكم بذلك { إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } وجواب { إن } إما محذوف لدلالة ما قبله عليه أي فاسألوا، وأما نفس ما قبله بناءً على جواز تقدم الجواب على الشرط.

    واستدل بالآية على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا صبياً لا ينافيه نبوة عيسى عليه السلام في المهد فإن النبوة أعم من الرسالة؛ ولا يقتضي صحة القول بنبوة مريم أيضاً لأن غايته نفي رسالة المرأة، ولا يلزم من ذلك إثبات نبوتها، وذهب إلى صحة نبوة النساء جماعة وصحح ذلك ابن السيد، ولا ينافي ما دلت عليه الآية من نفي إرسال الملائكة عليهم السلام قوله تعالى:
    { جَاعِلِ ظ±لْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً }
    [فاطر: 1] لأن المراد جاعلهم/ رسلاً إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم السلام لا للدعوة العامة وهو المدعى كما علمت فالرسول إما بالمعنى المصطلح أو بالمعنى اللغوي، وقال الجبائي: إن الملائكة عليهم السلام لم يبعثوا إلى الأنبياء عليهم السلام إلا ممثلين بصور الرجال ورد بما روي أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين، وهو وارد على الحصر المقتضي للعموم فلا يرد عليه أنه لا دلالة فيما روي على رؤية من قبل نبينا عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام على صورته مع أنه إذا ثبت ذلك للنبـي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أنه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام فلا مانع من ثبوته لغيره قاله الشهاب، وذكر أنه نقل الإمام عن القاضي أن مراد الجبائي أنهم لم يبعثوا إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحضرة أممهم إلا وهم على صور الرجال كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحضر من أصحابه في صورة دحية الكلبـي وفي صورة سراقة وفي صورة أعرابـي لم يعرفوه.

    واستدل بها أيضاً على وجوب المراجعة للعلماء فيما لا يعلم.


    وفي " الإكليل " للجلال السيوطي أنه استدل بها على جواز تقليد العامي في الفروع وانظر التقييد بالفروع فإن الظاهر العموم لا سيما إذا قلنا إن المسألة المأمورين بالمراجعة فيها والسؤال عنها من الأصول، ويؤيد ذلك ما نقل عن الجلال المحلي أنه يلزم غير المجتهد عامياً كان أو غيره التقليد للمجتهد لقوله تعالى: { فَظ±سْأَلُواْ أَهْلَ ظ±لذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } والصحيح أنه لا فرق بين المسائل الاعتقادية وغيرها وبين أن يكون المجتهد حياً أو ميتاً اهـ....

    وقال الرازى

    فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس، لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره؟ قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكوناً لا حركة، فالقول بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكناً لذاته وأنه محال، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركاً لذاته، وأيضاً فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لا بد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم.

    إذا ثبت هذا فنقول: هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلاً على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع، ونظيره قوله:
    { وَظ±لنَّجْمُ وَظ±لشَّجَرُ يَسْجُدَانِ }
    [الرحمن: 6] وقوله:
    { وَظِلَـظ°لُهُم بِظ±لْغُدُوّ وَظ±لأَصَالِ }
    [الرعد: 15] قد مر بيانه وشرحه. والقول الثاني: في تفسير هذا السجود، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد. قال أبو العلاء المعري في صفة واد:
    بحرف يطيل الجنح فيه سجوده وللأرض زي الراهب المتعبد
    فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ، وكان الحسن يقول: أما ظلك فسجد لربك، وأما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت، وقال مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي، وقيل: ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجداً أم لا. واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية، والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة...

    وأما قوله: { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } فهذا أيضاً يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به، وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب. فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟ قلنا: لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه، وحينئذ يدخل في اللفظ، وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب، وثبت أن إبليس ما كان معصوماً من الذنوب بل كان كافراً، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة. والوجه الثاني: في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة: { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } ثم قال لإبليس:
    { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ظ±لْعَـظ°لِينَ }
    [ص: 75] وقال أيضاً له:
    { فَظ±هْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا }
    [الأعراف: 13] فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضاً لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل، فإن الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة، والله أعلم....

    واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى وصفهم بالخوف، ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف. والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال:
    { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـظ°هٌ مّن دُونِهِ فَذظ°لِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ }
    [الأنبياء: 29] وهم لهذا الخوف يتركون الذنب. والثاني: وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى:
    { إِنَّمَا يَخْشَى ظ±للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ظ±لْعُلَمَاء }
    [فاطر: 28] وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء، والله أعلم. المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: { يَخَـظ°فُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات. واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى:
    { وَهُوَ ظ±لْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ }
    [الأنعام: 18] والذي نزيده ههنا أن قوله: { يَخَـظ°فُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى سقط قولهم، وأيضاً يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله:
    { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـظ°هِرُونَ }
    [الأعراف: 127] والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال: { يَخَـظ°فُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف. إذا ثبت هذا فنقول: هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر. المسألة الرابعة: تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشرمن وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى قال: { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَا فِي ظ±لأَرْضِ مَن دَآبَّةٍ وَظ±لْمَلَـئِكَةُ } وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبهاً على الباقي، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى. الوجه الثاني: أن قوله تعالى: { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله: { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة، وأما البشر فليسوا كذلك.

    ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى:
    { قُتِلَ ظ±لإِنسَـظ°نُ مَا أَكْفَرَهُ }
    [عبس: 17] وهذا الحكم عام في الإنسان، وأقل مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة، وأما الخبر فقوله عليه السلام: " ما منا إلا وقد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا " ومن المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها. الوجه الثالث: أنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة وأزمان ممتدة، ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه المدة، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين: الأول: قوله عليه السلام: " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " فضل الشيخ على الشاب، وما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل. والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال: " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة، وهي طاعة الخالق القديم الرحيم، والبشر إنما جاؤوا بعدهم واستنوا سنتهم، فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم. الوجه الرابع: في دلالة الآية على هذا المعنى قوله: { يَخَـظ°فُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة، فظاهر الآية يدل على أنه لا شيء فوقهم في الشرف والرتبة إلا الله تعالى، وذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات، والله أعلم.

    وقال القرطبي

    ومعنى { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ } أي عقاب ربهم وعذابه، لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء. وقيل: المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم؛ ففي الكلام حذف. وقيل: معنى «يخافون ربهم من فوقهم» يعني الملائكة، يخافون ربهم وهي من فوق ما في الأرض من دابة ومع ذلك يخافون؛ فلأن يخاف مَن دونهم أولى؛ دليل هذا القول قوله تعالى: { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } يعني الملائكة.

    ملحوظة

    مذهب السلف الامرار علي الظاهر مع تفويض معنى لا اعتقاد ظاهر معنى نقول الله فى السماء كما هو منصوص فى حديث الجارية واستوى علي العرش و...فليتأمل ومايعلم تأويله الا الله=تفويض معنى=نفى كيف=امروها كما جاءت بلاتفسير=عدم خوض فى المتشابهات=عدم اعتقاد ظاهر المعنى=عدم الخوض فى التأويل =عقيدة السلف والحنابلة ولاينكرها اشعرى حتى المؤولة منهم

  11. #386
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قال الرازى

    المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن الإلهين لا بد وأن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله: { إِلـظ°هَيْنِ ظ±ثْنَيْنِ }. وجوابه من وجوه: أحدها: قال صاحب «النظم»: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين. وثانيها: وهو الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكراً مستقبحاً، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سبباً لوقوف العقل على ما فيه من القبح. إذا عرفت هذا فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول، ولهذا المعنى فإن أحداً من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال، فقوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـظ°هَيْنِ ظ±ثْنَيْنِ } المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح. وثالثها: أن قوله: { إِلـظ°هَيْنِ } لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله وثبوت التعدد، فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما. فلما قال: { لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـظ°هَيْنِ ظ±ثْنَيْنِ } ثبت أن قوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـظ°هَيْنِ } نهي عن إثبات التعدد فقط. ورابعها: أن الأثنينية منافية للإلهية، وتقريره من وجوه: الأول: أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجباً لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة، فكل واحد منهما مركب من جزأين، وكل مركب فهو ممكن، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود. والثاني: أنا لو فرضنا إلهين وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة أصلاً ولا التفاوت أصلاً، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية، وإذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ألبتة. فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً. فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلهاً.

    الثالث: أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر ذاك إله والآخر ضعيف، وإن لم يقدر فهو ضعيف، والرابع: وهو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف، وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف، وإن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف. فثبت أن الأثنينية والإلهية متضادتان. فقوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـظ°هَيْنِ ظ±ثْنَيْنِ } المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين الإلهية وبين الأثنينية. والله أعلم. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: { إِنَّمَا هُوَ إِلـظ°هٌ وَاحِدٌ } والمعنى: أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد...

    ثم قال بعده: { فَإيَّـظ°يَ فَظ±رْهَبُونِ } وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور، والتقدير: أنه لما ثبت أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله، فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور، ويقول: { فَإيَّـظ°يَ فَظ±رْهَبُونِ } وفيه دقيقة أخرى وهو أن قوله: { فَإيَّـظ°يَ فَظ±رْهَبُونِ } يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما محدث، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد، وأما ما سواه فمحدث، وإنما حدث بتخليق ذلك القديم وبإيجاده، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه ولا رهبة إلا منه، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات. ثم قال بعده: { وَلَهُ مَا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ } وهذا حق، لأنه لما كان الإله واحداً، والواجب لذاته واحداً، كان كل ما سواه حاصلاً بتخليقه وتكوينه وإيجاده، فثبت بهذا البرهان صحة قوله: { وَلَهُ مَا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض، فوجب أن تكون أفعال العباد لله تعالى، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض طاعته، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة، لا لغرض الطاعة، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب...

    وأقول: الدين قد يعني به الانقياد. يقال: يا من دانت له الرقاب أي انقادت. فقوله: { وله الدين واصباً } أي انقياد كل ما سواه له لازم أبداً، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجاً إلى السبب في طرفي الوجود والعدم والماهيات يلزمها الإمكان لزوماً ذاتياً، والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتياً، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتياً فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد لله تعالى أتصافاً دائماً واجباً لازماً ممتنع التغير. وأقول: في الآية دقيقة أخرى، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب؟ قال المحققون: إنه محتاج لأن علة الحاجة هي الإمكان والإمكان من لوازم الماهية فيكون حاصلاً للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن وحال بقائه، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها. إذا عرفت هذا فقوله: { وله ما في السموات والأرض } معناه: أن كل ما سوى الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم إلى مرجح ومخصص، وقوله: { وله الدين واصباً } معناه أن هذا الانقياد وهذا الاحتياج حاصل دائماً أبداً، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح والمخصص، وهذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة. ثم قال تعالى: { أفغير الله تتقون } والمعنى: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه، ومحتاج إليه أيضاً في وقت دوامه وبقائه، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة عن غير الله تعالى؟ فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب: { أفغير الله تتقون }....

    المسألة الثانية احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى فقالوا الإيمان نعمة، وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله: { وما بكم من نعمة فمن الله } ينتج أن الإيمان من الله وإنما قلنا: إن الإيمان نعمة، لأن المسلمين مطبقون على قولهم: الحمد لله على نعمة الإيمان، وأيضاً فالنعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعاً به، وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان، فثبت أنا لإيمان نعمة. وإذا ثبت هذا فنقول: وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله } وهذه اللفظة تفيد العموم، وأيضاً مما يدل علىأن كل نعمة فهي من الله، لأن كل ما كان موجوداً فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى، والممكن لذاته لا يوجد إلا لمرجح، وذلك المرجح إن كان واجباً لذاته كان حصول ذلك الممكن بإيجاد الله تعالى وإن كان ممكناً لذاته عاد التقسيم الأول فيه، ولا يذهب إلى التسلسل، بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذته، فثبت بهذا البيان أن كل نعمة فهي من الله تعالى. المسألة الثالثة: النعم إما دينية وإما دنيوية، أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به، وأما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية، وإما بدنية وإما خارجية وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال:
    { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }
    [إبراهيم: 34] والإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مراراً فلا نعيدها....

    وقال الالوسي

    وما يصيبكم ضر إلا منه ليقوي إنكار اتقاء غيره سبحانه لكن ذكر النفع الذي يفهم بواسطته الضر واقتصر عليه إشارة إلى سبق رحمته وعمومها وبملاحظة هذا المعنى قيل: يظهر ارتباط { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ظ±للَّهِ } بما قبله، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك، واستدل بالآية على أن لله تعالى نعمة على الكافر وعلى أن الإيمان مخلوق له تعالى...

    وقد أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في قوله سبحانه: { وَإِذَا بُشّرَ } الخ هذا صنيع مشركي العرب أخبركم الله تعالى بخبثه فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله تعالى له وقضاء الله تعالى خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما ندري أي خير لرب جارية خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله عز وجل بصنيعهم لتجتنبوه ولتنتهوا عنه.

    واستدل القاضي بالآية على بطلان مذهب القائلين بنسبة أفعال العباد إليه تعالى لأن في ذلك إضافة فواحش لو أضيفت إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منها والتباعد عنها قال: فحكم هؤلاء القائلين مشابه لحكم هؤلاء المشركين بل أعظم لأن إضافة البنات إليه سبحانه إضافة لقبيح واحد وهو أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إليه عز وجل. وأجيب عن ذلك بأنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد عليه سبحانه أردفه عز وجل بذكر هذا الوجه الإقناعي وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح منه تعالى، ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهم وصورهن ثم بالغ في تقوية/ الشهوة فيهم وفيهن ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع وبقي ينظر ما يحدث بينهم من الوقاع وغيره عد من أسفه السفهاء وعد صنيعه أقبح كل صنيع مع أن ذلك لا يقبح منه تعالى بل قد صنعه جل جلاله فعلم أن التعويل على مثل هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية، وقد ثبت بها امتناع الولد عليه سبحانه فلا جرم حسنت تقويتها لهذه الوجوه الإقناعية، وأما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل القاطعة أن خالقها هو الله تعالى فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا سوء التعصب.

  12. #387
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قال الرازى

    المسألة الأولى: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } من وجهين: الأول: أنه قال: { ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم } فأضاف الظلم إلى كل الناس، ولا شك أن الظلم من المعاصي، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتياً بالذنب والمعصية، والأنبياء عليهم السلام من الناس، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية. والثاني: أنه تعالى قال: ما ترك على ظهرها من دابة وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب، حتى يلزم من إفناء كل ما كان ظالماً إفناء كل الناس. أما إذا قلنا: الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة، ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك. والجواب: ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال:
    { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات }
    [فاطر: 32] أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق، ولو كان المقتصد والسابق ظالماً لفسد ذلك التقسيم، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون. وإذا ثبت هذا فنقول: الناس المذكورون في قوله: { ولو يؤاخذ الله الناس } إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات. وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال. والله أعلم..

    المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلاً لله تعالى، بل تكون أفعالاً للعباد، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم، وما أضافه إلى نفسه. فقال: { ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم } وأيضاً فلو كان خلقاً لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلماً من الله تعالى، ولما منع الله العباد من الظلم في هذه الآية فبأن يكون منزهاً عن الظلم كان أولى، قالوا: ويدل أيضاً على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أو قوله: { بظلمهم } الباء فيه تدل على العلية كما في قوله:
    { ذلك بأنهم شاقوا الله }
    [الأنفال: 13]. واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مراراً فلا نعيده. والله أعلم. ...

    قالت المعتزلة: الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه: الأول: أنه إذا كان خالق أعمالهم هو الله تعالى، فلا فائدة في التزيين. والثاني: أن ذلك التزيين لما كان بخلق الله تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه. والثالث: أن التزيين هو الذى يدعو الإنسان إلى الفعل، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضرورياً فلم يكن التزيين داعياً. والرابع: أن على قولهم، الخالق لذلك العمل، أجدر أن يكون ولياً لهم من الداعي إليه. والخامس: أنه تعالى أضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان كذباً. وجوابه: إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان، فمزين تلك الوساوس في عين الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل. وإن كان هو الله تعالى فهو المطلوب....

    المسألة الثانية: اللام في قوله: { لِتُبَيِّنَ } تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض، ونظيره آيات كثيرة منها قوله:
    { كِتَابٌ أَنزَلْنَـظ°هُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ظ±لنَّاسَ }
    [إبراهيم: 1] وقوله:
    { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
    [الذاريات: 56]. وجوابه: أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل.

    وقال الماتريدى

    ثم في قوله: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ظ±للَّهُ ظ±لنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ... } الآية - دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يهلك قوماً قد علم منهم الإيمان في وقت، أو يكون في أصلابهم من يؤمن؛ إذ قد كان ممن أوعد ذلك الوعيد من بعضهم الإيمان أو في أصلابهم من قد كان آمن، فدل الوعيد لهم أنه قد يهلك من يعلم أنه يؤمن في آخر عمره؛ إذ لا يوعد إلا بما له أن يفعل لكنه بفضله أخره إلى وقت [وفيه] دلالة أن له أن يفعل بما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين....

    وفي قوله: { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } دلالة [نقض] قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يجعل الله للخلق آجالا، ثم يجيء كافر فيقتله دون بلوغ الأجل الذي جعله الله؛ حيث أخبر أنهم لا يستأخرون [ساعة] - بعد الأجل المضروب لهم - ولا يستقدمون قبل ذلك، وهم يقولون: بل يستقدمه كافر فيقتله، فذلك سرف في القول.

    وهذا يخرج على وجهين:

    أحدهما: لا يتأخر الأجل الذي جعل لهم ساعة ولا يتقدم عن ذلك.

    والثاني: لا يجاب في التأخير ولا في التقديم....

    قال الرازى

    المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض، فخالق العالم دبر تدبيراً، فقلب ذلك الطين نباتاً وعشباً، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك العشب دماً، ثم دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدم لبناً، ثم دبر تدبيراً آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع، والله أعلم

    وقال الالوسي

    مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا } الفرث على ما في «الصحاح» السرجين ما دام في الكرش والجمع فروث. وفي «البحر» كثيف ما يبقى من المأكول في الكرش أو المعي، و { بَيْنَ } تقتضي متعدداً وهو هنا الفرث والدم فيكون مقتضى ظاهر النظم توسط اللبن بنيهما، وروى ذلك الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن البهيمة إذا اعتلفت وأنضج العلف في كرشها كان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً. وروي نحوه عن ابن جبير فالبينية على حقيقتها وظاهرها وتعقب ذلك الإمام الرازي بقوله: ولقائل أن يقول: اللبن والدم لا يتولدان في الكرش والدليل عليه الحس فإن الحيوانات تذبح دائماً ولا يرى في كرشها شيء من ذلك ولو كان تولد ما ذكر فيه لوجب أن يشاهد في بعض الأحوال والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده/ لم يجز المصير إليه بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل إلى معدته [إن كان إنساناً] وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء ثم ذلك الذي يحصل في الكبد ينطبخ ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني ويكون ذلك مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة والسوداء إلى الطحال والماء إلى الكلية ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة والعروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم فيه إلى صورة اللبن، لا يقال: إن هذه المعنى حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن؟ لأنا نقول: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته فأوجبت أن يكون مزاج الذكر حاراً يابساً ومزاج الأنثى بارداً رطباً فإن الولد إنما يتولد في داخل بدن الأنثى فكان اللائق بها اختصاصها بالرطوبة لتصير مادة للتولد وسبباً لقبول التمدد فتتسع للولد، ثم إن تلك الرطوبة بعد انفصال الجنين تنصب إلى الضرع فتصير مادة لغذائه كما كانت كذلك قبل في الرحم، ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها وتسخير القوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه سبحانه وقدرته وحكمته وتناهي رأفته ورحمته.

    ملحوظة

    مذهب اهل السنة لبنا خالصا من بين فرث ودم مذهب اهل البدع

    وقال الرازى

    قوله: { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } وفيه قولان: القول الأول: وهو الصحيح أنه صفة للعسل. فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة؟ قلنا: إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء للبعض من بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل، وأيضاً فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع. والقول الثاني: وهو قول مجاهد أن المراد: أن القرآن شفاء للناس، وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } ثم ابتدأ وقال: { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة، مثل هذا الذي في قصة النحل. وعن ابن مسعود: أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان: الأول: أن الضمير في قوله: { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: { شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق، فهو غير مناسب. والثاني: ما روى أبو سعيد الخدري: أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: " اسقه عسلاً " فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: " اذهب واسقه عسلاً " فذهب فسقاه، فكأنما نشط من عقال، فقال: " صدق الله وكذب بطن أخيك " وحملوا قوله: " صدق الله وكذب بطن أخيك " على قوله: { فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل. فإن قال قائل: ما المراد بقوله عليه السلام: " صدق الله وكذب بطن أخيك " قلنا: لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان هذا جارياً مجرى الكذب، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } واعلم أن تقرير هذه الآية من وجوه: الأول: اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها. والثاني: اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق. والثالث: خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة، والله أعلم.

  13. #388
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قال الرازى

    وقد كنت أقرأ يوماً من الأيام سورة المرسلات فلما وصلت إلى قوله تعالى:
    { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَـظ°هُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَىظ° قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ظ±لْقَـظ°دِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ }
    [المرسلات: 20 ـ 24] فقلت: لا شك أن المراد بهؤلاء المكذبين هم الذين نسبوا تكون الأبدان الحيوانية إلى الطبائع وتأثير الحرارة في الرطوبة، وأنا أؤمن من صميم قلبي يا رب العزة بأن هذه التدبيرات ليست من الطبائع بل من خالق العالم الذي هو أحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين. إذا عرفت هذا فقد صح بالدليل العقلي صدق قوله: { وَظ±للَّهُ خَلَقَكُمْ } لأنه ثبت أن خالق أبدان الناس وسائر الحيوانات ليس هو الطبائع بل هو الله سبحانه وتعالى، وقوله: { ثُمَّ يَتَوَفَّـظ°كُمْ } قد بينا أن السبب الذي ذكروه في صيرورة الموت فاسد باطل، وأنه يلزم عليه القول بالدور، ولما بطل ذلك ثبت أن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله، وبتقديره، وقوله: { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىظ° أَرْذَلِ ظ±لْعُمُرِ } قد بينا بالدليل أن الطبائع لا يجوز أن تكون علة لانتقال الإنسان من الكمال إلى النقصان ومن القوة إلى الضعف فلزم القطع بأن انتقال الإنسان من الشباب إلى الشيخوخة، ومن الصحة إلى الهرم، ومن العقل الكامل إلى أن صار خَرِفاً غافلاً ليس بمقتضى الطبيعة بل بفعل الفاعل المختار، وإذا ثبت ما ذكرنا ظهر أن الذي دل عليه لفظ القرآن قد ثبت صحته بقاطع القرآن. ثم قال تعالى: { إِنَّ ظ±للَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } وهذا كالأصل الذي عليه تفريع كل ما ذكرناه، وذلك لأن الطبيعة جاهلة لا تميز بين وقت المصلحة ووقت المفسدة، فهذه الإنفعالات في هذا الإنسان لا يمكن إسنادها إليها أما إله العالم ومدبره وخالقه، فهو الكامل في العلم، الكامل في القدرة، فلأجل كمال علمه يعلم مقادير المصالح والمفاسد، ولأجل كمال قدرته يقدر على تحصيل المصالح ودفع المفاسد، فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم، فلا يمكن إسناده إلى الطبائع، والله أعلم...

    وقوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ عَلِيمٌ } قال ابن عباس: يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه { قدير } على ما يريد. المسألة الثالثة: هذه الآية كما تدل على وجود إله العالم الفاعل المختار، فهي أيضاً تدل على صحة البعث والقيامة، وذلك لأن الإنسان كان عدماً محضاً فأوجده الله ثم أعدمه مرة ثانية، فدل هذا على أنه لما كان معدوماً في المرة الأولى، وكان عوده إلى العدم في المرة الثانية جائزاً، فكذلك لما صار موجوداً، ثم عدم وجب أن يكون عوده إلى الوجود في المرة الثانية جائزاً، وأيضاً كان ميتاً حين كان نطفة ثم صار حياً ثم مات فلما كان الموت الأول جائزاً كان عود الموت جائزاً، فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة، وجب أن يكون عود الحياة جائزاً في المرة الثانية، وأيضاً الإنسان في أول طفوليته جاهل لا يعرف شيئاً، ثم صار عالماً عاقلاً فاهماً، فلما بلغ أرذل العمر عاد إلى ما كان عليه في زمان الطفولية، وهو عدم العقل والفهم، فعدم العقل والفهم في المرة الأولى عاد بعينه في آخر العمر، فكذلك العقل الذي حصل، ثم زال وجب أن يكون جائز العود في المرة الثانية، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن الذي مات وعدم فإنه يجوز عود وجوده وعود حياته وعود عقله مرة أخرى ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنشر حق، والله أعلم.

    قال الماتريدى

    ثم في الآية وجوه من الدلائل. إحداها: أن القدرة لا تفارق الفعل، حيث قال: { عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىظ° شَيْءٍ } ثم قال: { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ } جعل مقابل الفعل القدرة، فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة [قدرة] مثلها، أو مقابل الفعل فعلا مثله، فلما ذكر مقابل القدرة الفعل دل أنها لا تفارق الفعل، وفيه أن العبد لا يملك حقيقة الملك، حيث ذكر عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وإن قدر [على] ما يملك إنما يملك بإذن من له الملك، وكذلك الخلائق كلهم لا يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله وإن قدر[وا على] ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم.

    وقال الرازى

    وقوله: { أو هو أقرب } معناه أن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، ولا شك أن الحدقة مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف سطح الحدقة، ولا شك أن تلك الأجزاء كثيرة، والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة، والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلهذا قال: { أو هو أقرب } إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره. ثم قال: { أو هو أقرب } تنبيهاً على ما ذكرناه، ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك، بل المراد. بل هو أقرب، وقال الزجاج: المراد به الإبهام عن المخاطبين أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع. قال القاضي: هذا لا يصح، لأن إقامة الساعة ليست حال تكليف حتى يقال إنه تعالى يأتي بها في زمان، بل الواجب أن يخلقها دفعة واحدة في وقت واحد، ويفارق ما ذكرناه في ابتداء خلق السموات والأرض لأن تلك الحال حال تكليف، فلم يمتنع أن يخلقهما كذلك لما فيه من مصحلة الملائكة. واعلم أن هذا الاعتراض إنما يستقيم على مذهب القاضي، أما على قولنا في أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فليس له قوة والله أعلم،...

    وأما قوله تعالى: { ما يمسكهن إلا الله } فالمعنى: أن جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقاً من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى، ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقاً فعله وحاصل باختياره، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى. قال القاضي: إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه، لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال، فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى. والجواب: أن هذا ترك للظاهر بغير دليل وأنه لا يجوز، لا سيما والدلائل العقلية دلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.

    ملحوظة

    سبحان من تعلقت قدرته بالمخلوقات بلا واسطة وهذا شيء محير للعقول

    وقال الالوسي

    وَمَا أَمْرُ ظ±لسَّاعَةِ } التي هي أعظم ما وقع فيه المماراة من الغيوب المتعلقة بالسمظ°وات والأرض من حيث الغيبة عن أهلهما أو ظهور آثارها فيهما عند وقوعها أي وما شأنها في سرعة المجيء { إِلاَّ كَلَمْحِ ظ±لْبَصَرِ } أي كرجع الطرف من أعلا الحدقة إلى أسفلها. وفي " البحر " اللمح النظر بسرعة يقال: لمحه لمحاً ولمحاناً إذا نظره بسرعة { أَوْ هُوَ } أي أمرها { أَقْرَبُ } أي من ذلك وأسرع [زماناً] بأن يقع في بعض أجزاء زمانه فإن رجع الطرف من أعلا الحدقة إلى أسفلها وإن قصر [عن] حركة أينية لها هوية اتصالية منطبقة على زمان له هوية كذلك قابل للانقسام إلى أبعاض هي أزمنة أيضاً بل بأن يقع فيما يقال له آن وهو جزء غير منقسم من أجزاء الزمان كآن ابتداء الحركة، و { أَوْ } قال الفراء: بمعنى بل. ورده في " البحر " بأن بل للإضراب وهو لا يصح هنا بقسميه، أما الإبطال فلأنه يؤل إلى أن الحكم السابق غير مطابق فيكون الإِخبار به كذباً والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، وأما الانتقال فلأنه يلزمه التنافي بين الإخبار بكونه مثل لمح البصر وكونه أقرب فلا يمكن صدقهما معا ويلزم الكذب المحال أيضاً.

    وأجيب باختيار الثاني ولا تنافي بين تشبيهه في السرعة بما هو غاية ما يتعارفه الناس في بابه وبين كونه في الواقع أقرب من ذلك، وهذا بناء على أن الغرض من التشبيه بيان سرعته لا بيان مقدار زمان وقوعه وتحديده. وأجيب أيضاً بما يصححه بشقيه وهو أنه ورد على عادة الناس يعني أن أمرها إذا سئلتم عنها أن يقال فيه: هو كلمح البصر ثم يضرب عنه إلى ما هو أقرب.

    وقيل: هي للتخيير ورده في " البحر " أيضاً بأنه إنما يكون في المحظورات كخذ من مالي ديناراً أو درهماً أو في التكليفات كآية الكفارات. وأجيب بأن هذا مبني على مذهب ابن مالك من أن (أو) تأتي للتخيير وأنه غير مختص بالوقوع/ بعد الطلب بل يقع في الخبر ويكثر في التشبيه حتى خصه بعضهم به. وفي " شرح الهادي " اعلم أن التخيير والإباحة مختصان بالأمر إذ لا معنى لهما في الخبر كما أن الشك والإبهام مختصان بالخبر. وقد جاءت الإباحة في غير الأمر كقوله تعالى: { كَمَثَلِ ظ±لَّذِى ظ±سْتَوْقَدَ نَاراً } إلى قوله سبحانه:
    { أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ ظ±لسَّمَاء }
    [البقرة: 19] أي بأي هذين شبهت فأنت مصيب وكذا ان شبهت بهما جميعاً، ومثله في الشعر كثير، وقيل: إن المراد تخيير المخاطب بعد فرض الطلب والسؤال فلا حاجة إلى البناء على ما ذكر، وهو كما ترى، وزعم بعضهم أن التخيير مشكل من جهة أخرى وهي أن أحد الأمرين من كونه كلمح البصر أو أقرب غير مطابق للواقع فكيف يخير الله تعالى بين ما لا يطابقه، وفيه أن المراد التخيير في التشبيه وأي ضرر في عدم وقوع المشبه به بل قد يستحسن فيه عدم الوقوع كما في قوله:
    أعلام ياقوت نشر ن على رماح من زبرجد
    وقال ابن عطية: هي للشك على بابها على معنى أنه لو اتفق أن يقف على أمرها شخص من البشر لكانت من السرعة بحيث يشك هل هو كلمح البصر أو أقرب. وتعقبه في " البحر " أيضاً بأن الشك بعيد لأن هذا إخبار من الله تعالى عن أمر الساعة والشك مستحيل عليه سبحانه أي فلا بد أن يكون ذلك بالنسبة إلى غير المتكلم، وفي ارتكابه بعد، ويدل على أن هذا مراده تعليله البعد بالاستحالة فليس اعتراضه مما يقضي منه العجب كما توهم، وقال الزجاج: هي للإبهام وتعقب بأنه لا فائدة في إبهام أمرها في السرعة وإنما الفائدة في إبهام وقت مجيئها. وأجيب بأن المراد أنه يستبهم على من يشاهد سرعتها هل هي كلمح البصر أو أقل فتدبر. والمأثور عن ابن جريج أنها بمعنى بل وعليه كثيرون، والمراد تمثيل سرعة مجيئها واستقرابه على وجه المبالغة، وقد كثر في النظم مثل هذه المبالغة، ومنه قول الشاعر:
    قالت له البرق وقالت له الريح جميعا وهما ما هما
    أأنت تجري معنا قال إن نشطت أضحكتكما منكما
    إن ارتداد الطرف قد فته إلى المدى سبقا فمن أنتما
    وقيل: المعنى وما أمر إقامة الساعة المختص علمها به سبحانه وهي إماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين وتبديل صور الأكوان أجمعين وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل ما لا يدخل تحت دائرة الإمكان في سرعة الوقوع وسهولة التأتي إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من الأقوال في { أَوْ }.

  14. #389
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    { وَظ±للَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ظ±لْسَّمْعَ وَظ±لأَبْصَارَ وَظ±لأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

    كيف الجمع بين لاتعلمون شيئا وبين كل مولود يولد علي الفطرة والفطرة فى الظاهر التوحيد؟؟

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } والمعنى: أن النفس الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله، فالله أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم، وتمام الكلام في هذا الباب يستدعي مزيد تقرير فنقول: التصورات والتصديقات إما أن تكون كسبية، وإما أن تكون بديهية، والكسبيات إنما يمكن تحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات، فلا بد من سبق هذه العلوم البديهية، وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول: هذه العلوم البديهية إما أن يقال إنها كانت حاصلة منذ خلقنا أو ما كانت حاصلة. والأول باطل لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا جنيناً في رحم الأم ما كنا نعرف أن النفي والإثبات لا يجتمعان، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء. وأما القسم الثاني: فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنها ما كانت حاصلة، فحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب، وكل ما كان كسبياً فهو مسبق بعلوم أخرى، فهذه العلوم البديهية تصير كسبية، ويجب أن تكون مسبوقة بعلوم أخرى إلى غير نهاية، وكل ذلك محال، وهذا سؤال قوي مشكل. وجوابه أن نقول: الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا. ثم إنها حدثت وحصلت، أما قوله فيلزم أن تكون كسبية. قلنا: هذه المقدمة ممنوعة، بل نقول: أنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر، وتقريره أن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر، فإذا أبصر الطفل شيئاً مرة بعد أخرى ارتسم في خياله ماهية ذلك المبصر، وكذلك إذا سمع شيئاً مرة بعد أخرى ارتسم في سمعه وخياله ماهية ذلك المسموع وكذا القول في سائر الحواس، فيصير حصول الحواس سبباً لحضور ماهيات المحسوسات في النفس والعقل ثم إن تلك الماهيات على قسمين: أحد القسمين: ما يكون نفس حضوره موجباً تاماً في جزم الذهن بإسناد بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو، وأن نصف الاثنين ما هو كان حضور هذين التصورين في الذهن علة تامة في جزم الذهن بأن الواحد محكوم عليه بأنه نصف الاثنين، وهذا القسم هو عين العلوم البديهية. والقسم الثاني: ما لا يكون كذلك وهو العلوم النظرية، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الجسم ما هو وأن المحدث ما هو، فإن مجرد هذين التصورين في الذهن لا يكفي في جزم الذهن بأن الجسم محدث، بل لابد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة.

    والحاصل: أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية، وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها. وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب إعانة هذه الحواس على جزيئاتها، فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس. فلهذا السبب قال تعالى: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } ليصير حصول هذه الحواس سبباً لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق الذي ذكرناه، وهذه أبحاث شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات

  15. #390
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,536
    قبل استكمال رحلتنا مع سورة النحل

    اشير للطيفة فى سورة ال عمران مكانها اول المشاركة 133 صفحة 9

    { إِنَّ فِي خَلْقِ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَظ±خْتِلاَفِ ظ±لَّيلِ وَظ±لنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ظ±لأَلْبَابِ }

    قال الرازى

    اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق الى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد الى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال، فذكر هذه الآية. قال ابن عمر: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال لي: يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي، فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك قد أذنت لك. فقام الى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي، فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: " يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا " ، ثم قال: " ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة: { إِنَّ فِي خَلْقِ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } " ثم قال: " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " وروي: ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها. وعن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر الى السماء ويقول: إن في خلق السموات والأرض. وحكى أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة. فعبدها فتى من فتيانهم فما أظلته السحابة، فقالت له أمه: لعل فرطة صدرت منك في مدتك، قال: ما أذكر، قالت: لعلك نظرة مرة الى السماء ولم تعتبر قال نعم، قالت: فما أتيت إلا من ذلك. واعلم أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة البقرة، وذكرها هنا أيضا، وختم هذه الآية في سورة البقرة بقوله:
    { لآيَـظ°تٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }
    [البقرة: 164] وختمها ههنا بقوله: { لأَيَـظ°تٍ لأُوْلِى ظ±لأَلْبَـظ°بِ } وذكر في سورة البقرة مع هذه الدلائل الثلاثة خمسة أنواع أخرى، حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الدلائل، وههنا اكتفى بذكر هذه الأنواع الثلاثة: وهي السموات والأرض، والليل والنهار، فهذه أسئلة ثلاثة: السؤال الأول: ما الفائدة في إعادة الآية الواحدة باللفظ الواحد في سورتين؟ والسؤال الثاني: لم اكتفى ههنا باعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف الخمسة الباقية؟ والسؤال الثالث: لم قال هناك:
    { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }
    [البقرة: 164] وقال ههنا: { لأُوْلِى ظ±لأَلْبَـظ°بِ }. فأقول والله أعلم بأسرار كتابه: إن سويداء البصيرة تجري مجرى سواد البصر فكما أن سواد البصر لا يقدر أن يستقصي في النظر إلى شيئين، بل إذا حدق بصره نحو شيء تعذر عليه في تلك الحالة تحديق البصر نحو شيء آخر، فكذلك ههنا إذا حدق الانسان حدقة عقله نحو ملاحظة معقول امتنع عليه في تلك الحالة تحديق حدقة العقل نحو معقول آخر، فعلى هذا كلما كان اشتغال العقل بالالتفات إلى المعقولات المختلفة أكثر، كان حرمانه عن الاستقصاء في تلك التعقلات والادراكات أكثر، فعلى هذا: السالك إلى الله لا بد له في أول الأمر من تكثير الدلائل، فإذا استنار القلب بنور معرفة الله صار اشتغاله بتلك الدلائل كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله، فالسالك في أول أمره كان طالباً لتكثير الدلائل، فعند وقوع هذا النور في القلب يصير طالباً لتقليل الدلائل، حتى إذا زالت الظلمة المتولدة من اشتغال القلب بغير الله كمل فيه تجلى أنوار معرفة الله، وإليه الإشارة بقوله:


    { فَظ±خْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِظ±لْوَادِ ظ±لْمُقَدَّسِ طُوًى }
    [طه: 12] والنعلان هما المقدمتان اللتان بهما يتوصل العقل إلى المعرفة فلما وصل إلى المعرفة أمر بخلعهما، وقيل له: إنك تريد أن تضع قدميك في وادي قدس الوحدانية فاترك الاشتغال بالدلائل. إذا عرفت هذه القاعدة، فذكر في سورة البقرة ثمانية أنواع من الدلائل، ثم أعاد في هذه السورة ثلاثة أنواع منها، تنبيها على أن العارف بعد صيرورته عارفا لا بد له من تقليل الالتفات الى الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فكان الغرض من إعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف البقية، التنبيه على ما ذكرناه، ثم إنه تعالى استقصى في هذه الآية الدلائل السماوية وحذف الدلائل الخمسة الباقية، التي هي الدلائل الأرضية، وذلك لأن الدلائل السماوية أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها الى عظمة الله وكبريائه أشد، ثم ختم تلك الآية بقوله: { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وختم هذه الآية بقوله: { لأُوْلِى ظ±لأَلْبَـظ°بِ } لأن العقل له ظاهر وله لب، ففي أول الأمر يكون عقلا، وفي كمال الحال يكون لبا، وهذا أيضا يقوي ما ذكرناه، فهذا ما خطر بالبال، والله أعلم بأسرار كلامه العظيم الكريم الحكيم.

    ملحوظة

    الاية احد ادلة اهل السنة فى باب النظر ووجوبه شرعا ام عقلا ومناقشة المعتزلة فيه مشهورة وللدردير فى اول الخريدة كلام مفيد فى هذا يراجع والحديث الوارد فيها يؤكد هذا

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •