صفحة 25 من 30 الأولىالأولى ... 15212223242526272829 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 361 إلى 375 من 436

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #361
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ظ±لأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَظ±للَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ظ±لْحِسَابِ } * { وَقَدْ مَكَرَ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ظ±لْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ظ±لْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ظ±لدَّارِ }

    قال الرازى

    { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } يريد أن اكساب العباد بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فكل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله تعالى. قالت المعتزلة: الآية الأولى إن دلت على قولكم فالآية الثانية وهي قوله: { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } دلت على قولنا، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة، ولو كان حدوث الفعل بخلق الله تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر، فوجب أن لا يكون للعبد كسب. وجوابه: أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا التقدير فالكسب حاصل للعبد

    ملحوظة

    الرازى اقر فى المطالب ان الرد علي استدلالات المعتزلة بالايات لايأتى الا بمذهبه خاصة فى الكسب وهو المذكور هنا وان ادلة الفريقين قوية من القران فلزم الترجيح العقلي

    وتأمل قول سريع الحساب تفهم قول اهل السنة ان كلام الله واحد ازلي والمتجدد الاسماع لا الكلام ومن هنا افهم قول الحنابلة يتكلم اذا شاء اى الاسماع لا الكلام فالكلام قديم عندهم فتأملها فقد زلت فيها اقدام اخى ولاتظن ان هناك كلام حادث فى الذات... فيحاسب الخلق كله فى وقت واحد وهى من المسائل التى يصعب تصورها عقلا والعجز عن الادراك ادراك والبحث فى كيفية ذات الله اشراك

    وافهم حديث

    ما منكُم من أحدٍ إلَّا سيُكلِّمُهُ ربُّه، ليسَ بينَهُ وبينَهُ ترجمانٌ، فينظرُ أمامَهُ فتستقبلُهُ النَّارُ، وينظرُ عن أيمنَ منهُ فلا يرى إلَّا شيئًا قدَّمَهُ، وينظرُ عن أشأمَ منْهُ فلا يرى إلَّا شيئًا قدَّمَه، فمنِ استطاعَ منْكم أن يتَّقيَ النَّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعَل .

  2. #362
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    سورة ابراهيم

    قال الرازى

    وقوله: { أَنزَلْنَـظ°هُ إِلَيْكَ } صفة لذلك الخبر وفيه مسائل: المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلاً من عند الله تعالى. قالت المعتزلة: النازل والمنزل لا يكون قديماً. وجوابنا: أن الموصوف بالنازل والمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة بلا نزاع. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: اللام في قوله: { لِتُخْرِجَ ظ±لنَّاسَ } لام الغرض والحكمة، وهذا يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض، وذلك يدل على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية المصالح. أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلاً لأجل شيء آخر فهذا إنما يفعله لو كان عاجزاً عن تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حق الله تعالى محال، وإذا ثبت بالدليل أنه يمتنع تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ثبت أن كل ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر. المسألة الثالثة: إنما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية وشبه الإيمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته. المسألة الرابعة: قال القاضي: هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات: أحدها: أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح إخراجه منه بالكتاب. وثانيها: أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن كان خالق ذلك الكفر هو الله تعالى فكيف يصح من الرسول عليه الصلاة والسلام إخراجهم منه وكان للكافر أن يقول: إنك تقول: إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن تخرجنا منه فإن قال لهم: أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع، فلهم أن يقولوا: إن كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج وإن لم يخلقه فنحن خارجون منه بلا إخراج. وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم إنما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليهم ليتدبروه وينظروا فيه فيعلموا بالنظر والاستدلال كونه تعالى عالماً قادراً حكيماً ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع، وذلك لا يصح إلا إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم، ويصح منهم أن يقدموا عليه ويتصرفوا فيه.

    والجواب عن الكل أن نقول: الفعل الصادر من العبد إما أن يصدر عنه حال استواء الداعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر، والأول: باطل، لأن صدور الفعل رجحان لجانب الوجود على جانب العدم، وحصول الرجحان حال حصول الاستواء محال. والثاني: عين قولنا لأنه يمتنع صدور الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان، فإن كان ذلك الرجحان منه عاد السؤال، وإن لم يكن منه بل من الله تعالى، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو الله تعالى وذلك هو المطلوب والله أعلم. المسألة الخامسة: احتج أصحابنا على صحة قولهم في أن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله تعالى: { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } فإن معنى الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن ربهم، والمراد بهذا الإذن إما الأمر، وإما العلم، وإما المشيئة والخلق. وحمل الإذن على الأمر محال، لأن الإخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على الأمر، فإنه سواء حصل الأمر أو لم يحصل، فإن الجهل متميز عن العلم والباطل متميز عن الحق، وأيضاً حمل الإذن على العلم محال، لأن العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه فالعلم بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج ويمتنع أن يقال إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج ولما بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن يكون المراد من الإذن المشيئة والتخليق، وذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بمشيئة الله وتخليقه. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف. قلنا: لفظ اللطف لفظ مجمل ونحن نفصل القول فيه فنقول: المراد بالإذن إما أن يكون أمراً يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم أو لا يقتضي ذلك، فإن كان الثاني لم يكن فيه أمر ألبتة، فامتنع أن يقال: إنه مما حصل بسببه ولأجله فبقي الأول وهو أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم. وقد دللنا في «الكتب العقلية» على أنه متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو عين قولنا، والله أعلم. المسألة السادسة: القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام، احتجوا عليه بهذه الآية وقالوا: إنه تعالى صرح في هذه الآية بأن الرسول هو الذي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وذلك يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم. وجوابنا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون كالمنبه، وأما المعرفة فهي إنما تحصل بالدليل، والله أعلم.

    قالت المعتزلة: الفاعل إنما يكون آتياً بالصواب والصلاح، تاركاً للقبيح والعبث إذا كان قادراً على كل المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات، فإنه إن لم يكن قادراً على الكل فربما فعل القبيح بسبب العجز، وإن لم يكن عالماً بكل المعلومات فربما فعل القبيح بسبب الجهل، وإن لم يكن غنياً عن كل الحاجات فربما فعل القبيح بسبب الحاجة، أما إذا كان قادراً على الكل عالماً الكل غنياً عن الكل امتنع منه الإقدام على فعل القبيح، فقوله: { ظ±لْعَزِيزِ } إشارة إلى كمال القدرة، وقوله: { ظ±لْحَمِيدِ } إشارة إلى كونه مستحقاً للحمد في كل أفعاله، وذلك إنما يحصل إذا كان عالماً بالكل غنياً عن الكل فثبت بما ذكرنا أن صراط الله إنما كان موصوفاً بكونه شريفاً رفيعاً عالياً لكونه صراطاً مستقيماً للإله الموصوف بكونه عزيزاً حميداً، فلهذا المعنى: وصف الله نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام

    وقال الالوسي

    وذكر الإمام أن المعتزلة استدلوا بهذه الآية على أن أفعال الله تعالى تعلل برعاية المصالح، ثم ساق دليل أصحابه على امتناع ذلك وذكر أنه إذا ثبت الامتناع يلزم تأويل كل ما أشعر بخلافه، وتأويله بحمل اللام على لام العاقبة ونحوها، ونُقِلَ عن ابن القيم وغيره القول بالتعليل وأنه مذهب السلف وأن في الكتاب والسنة ما يزيد على عشرة آلاف موضع ظاهرة في ذلك وتأويل الجميع خروج عن الإنصاف، وليس الدليل على امتناع ذلك من المتانة على وجه يضطر معه إلى التأويل، وللشيخ إبراهيم الكوراني في بعض " رسائله " كلام نفيس في هذا الغرض سالم فيما أرى عن العلة إن أردته فارجع إليه، والباء متعلقة ـ بتخرج ـ على ما هو الظاهر، وجوز أن يكون متعلقاً بمضمر وقع حالاً من مفعوله أي ملتبسين بإذن ربهم، ومنهم من جوز كونه حالاً من فاعله أي ملتبساً بإذن ربهم. وتعقب بأنه يأباه إضافة الرب إليهم لا إليه صلى الله عليه وسلم. وردَّ بما رد فتأمل.

    واستدل بالآية القائلون بأن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ذكر فيها أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي يخرج الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهدى. وأجيب بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كالمنبه وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل، واستدل بها أيضاً كل من المعتزلة وأهل السنة على مذهبه في أفعال العباد وتفصيل ذلك في " تفسير الإمام " [الرازي].

    وقال الرازى

    قوله: { ظ±للَّهِ ظ±لَّذِى لَهُ مَا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَا فِي ظ±لأَرْضِ } يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو ألبتة، وذلك لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء، فلو حصل ذات الله تعالى في جهة فوق، لكان حاصلاً في السماء، وهذه الآية دالة على أن كل ما في السموات فهو ملكه، فلزم كونه ملكاً لنفسه وهو محال، فدلت هذه الآية على أنه منزه عن الحصول في جهة فوق. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خالق لأعمال العباد لأنه قال: { لَّهُ مَا فِي ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَا فِي ظ±لأَرْضِ } وأعمال العباد حاصلة في السموات والأرض فوجب القول بأن أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله تعالى، وإذا ثبت أنها مقدورة لله تعالى وجب وقوعها بقدرة الله تعالى، وإلا لكان العبد قد منع الله تعالى من إيقاع مقدوره وذلك محال.

  3. #363
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الرازى

    المسألة الثالثة: زعم طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أن محمداً رسول الله لكن إلى العرب لا إلى سائر الطوائف، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين: الأول: أن القرآن لما كان نازلاً بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا على العرب، ومن لا يكون عربياً لم يكن القرآن حجة عليه. الثاني: قالوا: إن قوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } [إبراهيم: 4] المراد بذلك اللسان لسان العرب، وذلك يقتضي أن يقال: إنه ليس له قوم سوى العرب، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط. والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد من { قَوْمِهِ } أهل بلده، وليس المراد من { قَوْمِهِ } أهل دعوته. والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى:
    { قُلْ يظ°أَيُّهَا ظ±لنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ظ±للَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا }
    [الأعراف: 158] بل إلى الثقلين، لأن التحدي كما وقع مع الإنس فقد وقع مع الجن بدليل قوله تعالى:
    { قُل لَّئِنِ ظ±جْتَمَعَتِ ظ±لإِنسُ وَظ±لْجِنُّ عَلَىظ° أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }
    [الإسراء: 88]. المسألة الرابعة: تمسك أصحابنا بقوله تعالى: { فَيُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } على أن الضلال والهداية من الله تعالى، والآية صريحة في هذا المعنى.

    قال الأصحاب: ومما يؤكد هذا المعنى ما روي: أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس وقد ارتفعت أصواتهما، فقال عليه السلام " ما هذا " فقال بعضهم: يا رسول الله يقول أبو بكر الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا، ويقول: عمر كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر وبعضهم عمر، فتعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه ثم قال: " أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين جبريل وميكائيل، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر فقضاء اسرافيل أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما " قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } والمعنى: أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل ووقوفهم على المقصود والغرض أكمل، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين، فأما لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائماً لهذا المقصود. والثاني: أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر والضلال فيكم، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك، وما المقصود من إرسالك، وهل يمكننا أن نزيل كفراً خلقه الله تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل. الثالث: أنه إذا كان الكفر حاصلاً بتخليق الله تعالى ومشيئته، وجب أن يكون الرضا به واجباً لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، وذلك لا يقوله عاقل. والرابع: أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية وهو قوله:
    { لِتُخْرِجَ ظ±لنَّاسَ مِنَ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ إِلَى ظ±لنُّورِ }
    [إبراهيم: 1] يدل على مذهب العدل، وأيضاً مؤخرة الآية يدل عليه، وهو قوله: { وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ } فكيف يكون حكيماً من كان خالقاً للكفر والقبائح ومريداً لها، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله: { فَيُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد، فوجب المصير إلى التأويل، وقد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى:
    { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }
    [البقرة: 26] ولا بأس بإعادة بعضها، فالأول: أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافراً ضالاً كما يقال: فلان يكفر فلاناً ويضلله، أي يحكم بكونه كافراً ضالاً، والثاني: أن يكون الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار، والهداية عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة.

    والثالث: أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله ولم يتعرض له صار كأنه أضله، والمهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو الذي هداه. قال صاحب «الكشاف»: المراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف وبالهداية التوفيق واللطف. والجواب عن قولهم أولاً أن قوله تعالى: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } لا يليق به أن يضلهم. قلنا: قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر، فإن كان الفعل الثاني مشاكلاً للأول نسقته عليه، وإن لم يكن مشاكلاً له استأنفته ورفعته. ونظيره قوله تعالى:
    { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ظ±للَّهِ بِأَفْوظ°هِهِمْ وَيَأْبَىظ° ظ±للَّهُ }
    [التوبة: 32] فقوله: { وَيَأْبَىظ° ظ±للَّهُ } في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك، لأنه لا يحسن أن يقال: يريدون أن يأبى الله، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف، ونظيره أيضاً قوله:
    { لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ظ±لأَرْحَامِ }
    [الحج: 5] ومن ذلك قولهم: أردت أن أزورك فيمنعني المطر بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه، ومثله قول الشاعر:
    يريد أن يعربه فيعجمه
    إذا عرفت هذا فنقول: ههنا قال تعالى: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } ثم قال: { فَيُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَاءُ } ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله، وأقول تقرير هذا الكلام من حيث المعنى، كأنه تعالى قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه، ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه، ثم قال ومع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان وحصلت الهداية، وإنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى. أما قوله ثانياً: لو كان الضلال حاصلاً بخلق الله تعالى لكان الكافر أن يقول له: ما الفائدة في بيانك ودعوتك؟ فنقول: يعارضه أن الخصم يسلم أن هذه الآيات أخبار عن كونه ضالاً فيقول له الكافر: لما أخبر إلهك عن كوني كافراً فإن آمنت صار إلهك كاذباً فهل أقدر على جعل إلهك كاذباً، وهل أقدر على جعل علمه جهلاً. وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضاً وارد عليه. وأما قوله ثالثاً: يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجباً، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قلنا: ويلزمك أيضاً على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي تجهيله، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره وعلم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً.

    وأما قوله رابعاً: إن مقدمة الآية وهي قوله تعالى:
    { لِتُخْرِجَ ظ±لنَّاسَ مِنَ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ إِلَى ظ±لنُّورِ }
    [إبراهيم: 1] يدل على صحة الاعتزال فنقول: قد ذكرنا أن قوله: { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } يدل على صحة مذهب أهل السنة. وأما قوله خامساً: أنه تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيماً وذلك ينافي كونه تعالى خالقاً للكفر مريداً له. فنقول: وقد وصف نفسه بكونه عزيزاً والعزيز هو الغالب القاهر فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل أو أراد عمل الكفر منهم، وقد حصل لما بقي عزيزاً غالباً. فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة، وأما التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مراراً فلا فائدة في الإعادة.

    وقال السمين

    قوله: { فَيُضِلُّ } استئنافُ إخبارٍ، ولا يجوز نصبُه عطفاً على ما قبله، لأنَّ المعطوفَ كالمعطوف عليه في المعنى، والرسلُ اُرْسِلَتْ للبيانِ لا للإِضلالِ. قال الزجاج: لو قَرِئ بنصبِه على أنًّ اللامَ لامُ العاقبة جاز ".

    { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }

    قال الالوسي

    واستدل بالآية على أن شكر المنعم واجب وهو مما أجمع عليه السنيون والمعتزلة إلا أن الأولين على وجوبه شرعاً والآخرين على وجوبه عقلاً، وهو مبني على قولهم بالحسن والقبح العقليين، وقد هد أركانه أهل السنة، على أنه لو قيل به لم يكد يتم لهم الاستدلال بذلك في هذا المقام كما بين في محله.

    وقال الرازى

    إِنَّ ظ±للَّهَ لَغَنِىٌّ } وتفسيره أنه واجب الوجود لذاته واجب الوجود بحسب جميع صفاته واعتباراته، فإنه لو لم يكن واجب الوجود لذاته، لافتقر رجحان وجوده على عدمه إلى مرجح فلم يكن غنياً، وقد فرضناه غنياً هذا خلف، فثبت أن كونه غنياً يوجب كونه واجب الوجود في ذاته، وإذا ثبت أنه واجب الوجود لذاته، كان أيضاً واجب الوجود بحسب جميع كمالاته، إذ لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك الكمال، لافتقر في حصول ذلك الكمال إلى سبب منفصل، فحينئذ لا يكون غنياً، وقد فرضناه غنياً هذا خلف، فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته، وإذا كان الأمر كذلك كان حميداً لذاته، لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق الحمد، فثبت بهذا التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنياً حميداً يقتضي أن لا يزداد بشكر الشاكرين، ولا ينتقص بكفران الكافرين، فلهذا المعنى قال: { إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ظ±لأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ظ±للَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ } وهذه المعاني من لطائف الأسرار.

    ملحوظة

    اقول انا العبد الفقير فى وجودى الي الله اسامة بن محمد خيري بن عبد الرحمن الاشعري عقيدة القاهرى موطنا المنصورى نسبا

    الله واجب الوجود لذاته اى لا يفتقر الي مخصص لايجاده فهو الغنى عن كل شيء وكلنا فقراء اليه لان وجودنا مفتقر الي مرجح لترجيح جانب العدم علي الوجود فتعلقت القدرة باعدامنا فى مالم يزل فترجح وجودنا فى مالم يزل ولم تتعلق باعدامنا الازلية لانه لو تعلقت تعلق تنجبزى قديم باعدامنا للزم قدم المخلوق ففرق بين تعلق القدرة باعدامنا الازلية وفى مالم يزل فالاول تنجبزى قديم محال والثانى تنجيزى حادث وقع ومن هنا جاء الفرق بين ازلية الامكان وامكان الازلية فالاول جائز والثانى محال لان القدرة لم تتعلق تعلق تنجيزى قديم بالممكن فتوجده بل تعلق صلوحى قديم به فهو ازلي فى رتبه امكانه والامكان عدم لم يخرج لحيز الوجود

    فاعدامنا الازلية واجب لم تتعلق به القدرة لانها صفة ايجاد واعدامنا فى مالم يزل محال بالنسبة لعلم الله بايجادنا فخصصت ارادته الازلية ايجادنا فى مالم يزل لا فى الازل فاصبح وجودنا واجب فتعلقت به القدرة تعلق تنجبزى حادث

  4. #364
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الرازى

    قوله: { يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } قال صاحب «الكشاف»: لو قال قائل ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم، ثم أجاب فقال: ما جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله:
    { أَنِ ظ±عْبُدُواْ ظ±للَّهَ وَظ±تَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ }
    [نوح: 3، 4].
    { يظ°قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ظ±للَّهِ وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذنوبكم }

    الأحقاف: 31] وقال في خطاب المؤمنين:
    { هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىظ° تِجَـظ°رَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }
    [الصف: 10] إلى أن قال:
    { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ }
    [آل عمران: 31] والاستقراء يدل على صحة ما ذكرناه، ثم قال: وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوي بين الفريقين في المعاد، وقيل: إنه أراد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم. هذا كلام هذا الرجل، وقال الواحدي في «البسيط»، قال أبو عبيدة من زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب، وإذا قلنا إنها ليست زائدة فههنا وجهان: أحدهما: أنه ذكر البعض ههنا وأريد به الجميع توسعاً. والثاني: أن من ههنا للبدل والمعنى لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب فدخلت من لتضمن المغفرة معنى البدل من السيئة، وقال القاضي: ذكر الأصم أن كلمة من ههنا تفيد التبعيض، والمعنى أنكم إذا تبتم فإنه يغفر لكم الذنوب التي هي من الكبائر، فأما التي تكون من باب الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة، قال القاضي: وقد أبعد في هذا التأويل، لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر إلا بالتوبة وإنما تكون الصغيرة مغفورة من المؤمنين الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابها فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا يكون شيء منها مغفوراً. ثم قال وفيه وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإنابته فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه فهذا جملة أقوال الناس في هذه الكلمة. المسألة الرابعة: أقول هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من غير توبة في حق أهل الإيمان والدليل عليه أنه قال: { يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقاً من غير التوبة وذلك البعض ليس هو الكفر لإنعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان فوجب أن يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عد الكفر من الذنوب. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال كلمة من صلة على ما قاله أبو عبيدة أو نقول: المراد من البعض ههنا هو الكل على ما قاله الواحدي. أو نقول: المراد منها إبدال السيئة بالحسنة على ما قاله الواحدي أيضاً أو نقول: المراد منه تمييز المؤمن عن الكافر في الخطاب على ما قاله صاحب «الكشاف» أو نقول: المراد منه تخصيص هذا الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم. أو نقول: المراد منه الذنوب التي يذكرها الكافر عند الدخول في الإيمان على ما قاله القاضي، فنقول: هذه الوجوه بأسرها ضعيفة أما قوله: إنها صلة فمعناه الحكم على كلمة من كلام الله تعالى بأنها حشو ضائع فاسد، والعاقل لا يجوز المصير إليه من غير ضرورة، فأما قول الواحدي: المراد من كلمة من ههنا هو الكل فهو عين ما قاله أبو عبيدة لأن حاصله أن قوله: { يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } هو أنه يغفر لكم ذنوبكم وهذا عين ما نقله عن أبي عبيدة، وحكي عن سيبويه إنكاره، وأما قوله: المراد منه إبدال السيئة بالحسنة فليس في اللغة أن كلمة من تفيد الإبدال، وأما قول صاحب «الكشاف»: المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من باب الطامات، لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، وإن لم يحصل كان هذا الجواب فاسداً، وأما قول الأصم فقد سبق إبطاله، وأما قول القاضي فجوابه: أن الكافر إذا أسلم صارت ذنوبه بأسرها مغفورة لقوله عليه السلام:


    " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " فثبت أن جميع ما ذكروه من التأويلات تعسف ساقط بل المراد ما ذكرنا أنه تعالى يغفر بعض ذنوبه من غير توبة وهو ما عدا الكفر، وأما الكفر فهو أيضاً من الذنوب وأنه تعالى لا يغفره إلا بالتوبة، وإذا ثبت أنه تعالى يغفر كبائر كافر من غير توبة بشرط أن يأتي بالإيمان فبأن تحصل هذه الحالة للمؤمن كان أولى، هذا ما خطر بالبال على سبيل الارتجال والله أعلم بحقيقة الحال

    وقال الالوسي

    مّن ذُنُوبِكُمْ } أي بعضها وهو ما عدا المظالم وحقوق العباد على ما قيل، وهو مبني على أن الإسلام إنما يرفع ما هو من حقوق الله تعالى الخالصة له دون غيره، والذي صححه المحدثون في شرح ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الإسلام يهدم ما قبله " أنه يرفع ما قبله مطلقاً حتى المظالم وحقوق العباد، وأيد ذلك بظاهر قوله تعالى في آية أخرى:
    { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ }
    [الأحزاب: 71] بدون من، و من هنا ذهب أبو عبيدة والأخفش إلى زيادة { مِنْ } فيما هي فيه، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها في الموجب ولا إذا جرت المعرفة كما هنا فلا يتأتى التوفيق بذلك بين الآيتين، وجعلها الزجاج للبيان ويحصل به التوفيق، وقيل: هي للبدل أي ليغفر لكم بدل ذنوبكم ونسب للواحدي.

    وجوز أيضاً أن تكون للتبعيض ويراد من البعض الجميع توسعاً. ورد الإمام الأول بأن { مِنْ } لا تأتي للبدل، والثاني بأنه عين ما نقل عن أبـي عبيدة والأخفش وهو منكر عند سيبويه والجمهور وفيه نظر ظاهر، ولو قال: إن استعمال البعض في الجميع مسلم وأما استعمال من التبعيضية في ذلك فغير مسلم لكان أولى. وفي " البحر " يصح التبعيض ويراد بالبعض ما كان قبل الإسلام وذلك لا ينافي الحديث وتكون الآية وعداً بغفران ما تقدم لا بغفران ما يستأنف ويكون ذاك مسكوتاً عنه باقياً تحت المشيئة في الآية والحديث، ونقل عن الأصم القول بالتبعيض أيضاً على معنى أنكم إذا آمنتم يغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر واما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في نفسها مغفورة، واستطيب ذلك الطيبـي قال: والذي يقتضيه المقام هذا لأن الدعوة عامة لقوله سبحانه: { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ظ±للَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } كأنه قيل: أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك والمعاصي إن الله تعالى يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أخباث أنجاس الذنوب فلا وجه للتخصيص أي بحقوق الله تعالى الخالصة له، وقد ورد

    { إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ }
    [الأنفال: 38] و { مَا } للعموم سيما في الشرط، ومقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، والكفار إذا أسلموا إنما اهتمامهم في الشرك ونحوه لا في الصغائر، ويؤيده ما روي أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله تعالى لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وعبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرم الله تعالى فنزلت
    { قُلْ يا عِبَادِى ظ±لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ }
    [الزمر: 53] الآية، وقصة وحشي مشهورة، وجرح ذلك القاضي فقال: إن الأصم قد أبعد في هذا التأويل لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر وإنما تكون الصغيرة مغفورة من الموحدين من حيث إنه يزيد ثوابهم على عقابها وأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا يكون شيء منها مغفوراً، ثم قال: وفي ذلك وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسي بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور إلا ما ذكره وتاب منه اهـ. ولو سمع الأصم هذا التوجيه لأخذ ثأره من القاضي فإنه لعمري توجيه غير وجيه؛ ولو أن أحداً سخم وجه القاضي لسخمت وجهه، وقال الزمخشري: إن الاستقراء في الكافرين أن يأتي { مّن ذُنُوبِكُمْ } وفي المؤمنين { ذُنُوبَكُمْ } وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوى في الميعاد بين الفريقين.

    وحاصلة على ما في " الكشف " أن ليس مغفرة بعض الذنوب للدلالة على أن بعضاً آخر لا يغفر فإنه من قبيل دلالة مفهوم اللقب ولا اعتداد به، كيف وللتخصيص فائدة أخرى هي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل وإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان. وفيه أيضاً أن هذا معنى حسن لا تكلف فيه. واعترض ابن الكمال بأن حديث التفرقة إنما يتم لو لم يجيء خطاب على العموم وقد جاء كذلك في سورة الأنفال [38] / في قوله سبحانه:
    { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ }
    وأجيب بأن هذا غير وارد إذ المراد التفرقة فيما ذكر فيه صيغة ويغفر ذنوبكم لا مطلق ما كان بمعناه ولذا أسند الأمر إلى الاستقراء، ومثل الزمخشري لا يخفى عليه ما أورد ولا يلزم رعاية هذه النكتة في جميع المواد، وذكر البيضاوي في وجه التفرقة بين الخطابين ما حاصله لعل المعنى ذلك أنها لما ترتبت المغفرة في خطاب الكفرة على الإيمان لزمَ فيه { مِنْ } التبعيضية لإخراج المظالم لأنها غير مغفورة، وأما في خطاب المؤمنين فلما ترتبت على الطاعة واجتناب المعاصي التي من جملتها المظالم لم يحتج إلى { مِنْ } لإخراجها لأنها خرجت بما رتبت عليه، وهو مبني على خلاف ما صححه المحدثون، وينافيه ما ذكره في تفسير { مّن ذُنُوبِكُمْ } في سورة نوح عليه السلام [4]؛ ومع ذا أورد عليه قوله تعالى:

    { يظ°قَوْمِ إِنّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ ظ±عْبُدُواْ ظ±للَّهَ وَظ±تَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ }
    [نوح: 2-4] حيث ذكرت { مِنْ } مع ترتيب المغفرة على الطاعة واجتناب المعاصي الذي أفاده { ظ±تَّقَوْاْ } وقوله تعالى:
    { يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىظ° تِجَارَةٍ }
    [الصف: 10] الآية لعدم ذكر { مِنْ } مع ترتبها على الإيمان، والجواب بأنه لا ضير إذ يكفي ترتيب ذلك على الإيمان في بعض المواد فيحمل مثله على أن القصد إلى ترتيبه عليه وحده بقرينة ذلك البعض وما ذكر معه يحمل على الأمر به بعد الإيمان أدنى من أن يقال فيه ليس بشيء، وبالجملة توجيه الزمخشري أوجه مما ذكره البيضاوي فتأمل وتذكر

    وقال السمين

    مِنْ " في { مِّن ذُنُوبِكُمْ } قيل: مزيدةٌ. وقيل: تبعيضيةٌ. وقيل: بمعنى البدلِ, أي: بدلَ عقوبةِ ذنوبكم، كقوله:
    { أَرَضِيتُمْ بِظ±لْحَيَاةِ ظ±لدُّنْيَا مِنَ ظ±لآخِرَةِ }
    [التوبة: 38].

  5. #365
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الرازى

    { لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا. والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة. فإن قيل: هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها. قلنا: الجواب من وجوه: الوجه الأول: أن أولئك الأنبياء عليهم السلام إنما نشأوا في تلك البلاد وكانوا من تلك القبائل في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا: { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا }. الوجه الثاني: أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه. الوجه الثالث: لعل الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال: إنهم كانوا قبل ذلك لوقت على دين أولئك الكفار. الوجه الرابع: قال صاحب «الكشاف»: العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب. الوجه الخامس: لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل، ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي الأقوام على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر، وعلى هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة. الوجه السادس: لا يبعد أن يكون المعنى: أو لتعودن في ملتنا، أي إلى ما كنتم عليه قبل إدعاء الرسالة من السكوت عن ذكر معايبة ديننا وعدم التعرض له بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل، والله أعلم

    وقال السمين

    والعَوْدُ هنا: يُحتمل أن يكونَ على بابِه، أي: لَتَرْجِعُنَّ. و { فِي مِلَّتِنَا } متعلقٌ به، وأن يكونَ بمعنى الصيرورةِ، فيكونَ الجارُّ في محلِّ نصبٍ خبراً لها، ولم يذكُرْ الزمخشريُّ غيرَه. [قال:] " فإنْ قلتَ: كأنَّهم على مِلَّتهم حتى يَعُودوا فيها. قلت: مَعاذَ اللهِ، ولكنَّ العَوْدَ بمعنى الصيرورة، وهو كثيرٌ في كلام العرب كثرةً فاشيةً، لا تكاد تسمعهم يستعملون " صار " ، ولكن " عاد ": ما عُدْتُ أراه، عاد لا يكلمني، ما عاد لفلان مالٌ، أو خاطبوا به كلَّ رسولٍ ومَنْ آمن به، فَغَلَّبوا في الخطاب الجماعةَ على الواحد ". فقوله " أو خاطبوا " إلى آخره هو الوجهُ الأولُ بالتأويلِ المذكورِ، وهون تأويلٌ حسنٌ

    ملحوظة

    حتى عاد كالعرجون اى صار واصبح

    وقال الرازى

    قوله: { وَبَرَزُواْ } ورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال، لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره قوله:
    { وَنَادَىظ° أَصْحَـظ°بُ ظ±لنَّارِ أَصْحَـظ°بَ ظ±لْجَنَّةِ }
    [الأعراف: 50]. البحث الثاني: قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد الاستتار وهذا في حق الله تعالى محال، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه: الأول: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية. الثاني: أنهم خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه. الثالث: وهو تأويل الحكماء أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء والوطاء وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله. البحث الثالث: قال أبو بكر الأصم قوله: { وَبَرَزُواْ للَّهِ } هو المراد من قوله في الآية السابقة:
    { وَمِن وَرآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }
    [إبراهيم: 17]. واعلم أن قوله: { وَبَرَزُواْ للَّهِ } قريب من قوله:
    { يَوْمَ تُبْلَىظ° ظ±لسَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ }
    [الطارق: 9، 10] وذلك لأن البواطن تظهر في ذلك اليوم والأحوال الكامنة تنكشف فإن كانوا من السعداء برزوا للحاكم الحكيم بصفاتهم القدسية، وأحوالهم العلوية، ووجوههم المشرقة، وأرواحهم الصافية المستنيرة فيتجلى لها نور الجلال ويعظم فيها إشراق عالم القدس، فما أجل تلك الأحوال وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف العظمة، ومنازل الكبرياء ذليلين مهينين خاضعين خاشعين واقعين في خزي الخجالة، ومذلة الفضيحة، وموقف المهانة والفزع، نعوذ بالله منها....

    لَوْ هَدَانَا ظ±للَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } وفيه وجوه الأول: قال ابن عباس: معناه لو أرشدنا الله لأرشدناكم، قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال، لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم فدعوا أتباعهم إلى الضلال ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى قال صاحب «الكشاف»: لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين:
    { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ظ±للَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ }
    [المجادلة: 18]. واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فكان هذا القول منه مخالفاً لأصول مشايخه فلا يقبل منه، الثاني: قال صاحب «الكشاف»: يجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال: لا يجوز حمل هذا على اللطف، لأن ذلك قد فعله الله تعالى. والثالث: أن يكون المعنى لو خلصنا الله من العقاب وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم، والدليل على أن المراد من الهدى هذا الذي ذكرناه أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه فوجب أن يكون المراد من الهداية هذا المعنى

  6. #366
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ظ±للَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ }.

    قال بعض أهل العلم: إن الكفرة جميعاً - أتباعهم ومتبوعهم - أعلم بهداية الله من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: { لَوْ هَدَانَا ظ±للَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } علموا أن الله - عز وجل - لو هداهم لاهتدوا؛ ويملك هدايتهم، والمعتزلة يقولون: قد هدى الله جميع الكفرة وجميع الخلائق؛ فلم يهتدوا، وأنه لو أراد أن يهدي أحدا لم يملك، والكفرة - حيث قالوا: { لَوْ هَدَانَا ظ±للَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } رأوا وعلموا أن الله لو هداهم لاهتدوا؛ لأنهم لو لم يهتدوا بهدايته إذا هداهم لم يعتذروا إلى أتباعهم { لَهَدَيْنَاكُمْ } ، [وكذلك] قال إبليس:

    { رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي }
    [الحجر: 39] أضاف الإغواء إليه؛ وهم يقولون: لا يُغوي الله أحداً، فإبليس [أعلم بهذا] من المعتزلة.

    وقولهم: { لَوْ هَدَانَا ظ±للَّهُ } أي: لو رزقنا الله الهدى وأكرمنا به لهديناكم؛ ولكن لم يرزقنا ذلك ولم يكرمنا.

    وقال أبو بكر الأصم: تأويل قولهم: { لَوْ هَدَانَا ظ±للَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ }: لو كان الذي كنا عليه هدى لهديناكم؛ فهذا صرف ظاهر الآية عن وجهها بلا دليل؛ فلو جاز له هذا جاز لغيره صرف جميع الآيات عن ظاهرها بلا دليل مع [أن] الأتباع؛ قد علموا أن الذي كانوا عليه لم يكن هدى؛ فلا معنى لهذا.

    ملحوظة

    المعتزلة وان كانوا من المخطئين فى باب الاعتقاد لكن لهم جهود فى الدفاع عن الاسلام ضد اعدائه

    { وَقَالَ ظ±لشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ظ±لأَمْرُ إِنَّ ظ±للَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ظ±لْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَظ±سْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوغ¤اْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ظ±لظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }


    قال الرازى

    قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء: الأول: أنه لو كان الكفر والمعصية من الله لوجب أن يقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه. الثاني: ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وعلى إزالة العقل عنه كما تقول الحشوية والعوام. الثالث: أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم. أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك به. وأجاب الخصم عنه: بأنه لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، وأيضاً فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل والقول الفاسد. ألا ترى أن قوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ظ±لْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } كلام حق وقوله: { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـظ°نٍ } قول حق بدليل قوله تعالى:
    { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـظ°نٌ إِلاَّ مَنِ ظ±تَّبَعَكَ مِنَ ظ±لْغَاوِينَ }
    [الحجر: 42]...

    فإن قال قائل: بينوا لنا حقيقة الوسوسة. قلنا: الفعل إنما يصدر عن الإنسان عند حصول أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيباً لازماً طبيعياً وبيانه أن أعضاء الإنسان بحكم السلامة الأصلية والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك، والإقدام والإحجام، فما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل، وذلك الميل هو الإرادة الجازمة، والقصد الجازم. ثم إن تلك الإرادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم أو اعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر فإن لم يحصل فيه هذا الإعتقاد لم يحصل الميل لا إلى الفعل ولا إلى الترك، فالحاصل أن الإنسان إذا أحس بشيء ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له أو بكونه منافراً له أو بكونه غير ملائم ولا منافر، فإن حصل الشعور بكونه ملائماً له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل وإن حصل الشعور بكونه منافراً له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك، وإن لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشيء ولا إلى ضده، بل بقي الإنسان كما كان، وعند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة للفعل. إذا عرفت هذا فنقول: صدور الفعل عن مجموع القدرة والداعي الحاصل أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه وصدور الميل عن تصور كونه خيراً أو تصور كونه شراً أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل وحصول كونه خيراً أو تصوراً كونه شراً عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه، فلم يبق للشيطان مدخل في شيء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئاً بأن يلقي إليه حديثه مثل أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام، وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال: { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـظ°نٍ إِلآَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَظ±سْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى } يعني ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت مني وما كان لي فيها أثر ألبتة..

    وقال الالوسي

    وفي «الكشاف» أن في هذه الآية دليلاً على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة والسعادة/ ويحصلهما لنفسه وليس من الله تعالى إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله تعالى قد قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وليس قوله المحكي باطلاً لا يصح التعلق به وإلا لبين الله سبحانه بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل [له] في النطق بالباطل في ذلك المقام، ألا ترى كيف أتى بالصدق الذي لا ريب فيه في قوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ وَعَدَكُمْ } إلى آخره. وقوله: { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ } إلى آخره اهـ.

    واعترض قوله: وإلا لبين سبحانه بطلانه بأنه ينقلب عليه في قول المستكبرين
    { لَوْ هَدَانَا ظ±للَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ }
    [إبراهيم: 21] إذ لم يعقب بالبطلان على وجه التوريك الذي ادعاه، وكذلك قوله: على أنه لا طائل إلى آخره. والجواب أن الأول غير متعين لذلك الوجه كما سمعت، ومع ذلك قد عقب بالبطلان في مواضع عديدة، ويكفي حكاية الكذب عنهم في ذلك الموطن، وذلك في الموطن على توهم أنه نافع كما حكى الله تعالى عنهم، أما بعد قضاء الأمر ودخول أهل الجنة الجنة والنار النار فلا يتوهم لذلك طائل البتة؛ لا سيما والشيطان لا غرض له في ذلك فافترقا قائلاً وموطناً وحكماً، بل الجواب أن أهل الحق لا ينكرون توجه اللائمة عليهم وأن الله تعالى مقدس عن ذلك وحجته البالغة وقضاؤه سبحانه الحق، حيث أثبتوا للعبد القدرة الكاسبة التي يدور عليها فلك التكليف وجعلوا لها مدخلاً في ذلك فإنه سبحانه إنما يخلق أفعاله حسبما يختاره، وسلبهم التأثير الذاتي عن قدرته لا ينفي اللوم عنهم كما بين في محله، وما ذكره من أنه لو كان الأمر إلى آخره مبني على عدم الفرق بين مذهب أهل الحق الملقبين عنده بالمجبرة وبين مسلك المجبرة في الحقيقة والفرق مثل الصبح ظاهر.

    هذا واستدل بظاهر الآية على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان أو تعويج أعضائه وجوارحه أو على إزالة عقله لأنه نفى أن يكون له تسلط إلا بالوسوسة. وأجاب من زعم القدرة على نحو ذلك بأن المقصود في الآية نفي أن يكون له تسلط في أمر الإضلال إلا بمحض الوسوسة لا نفي أن يكون له تسلط أصلاً والسياق أدل قرينة على ذلك.

    وانتزع بعضهم من الآية إبطال التقليد في الاعتقاد، قال ابن الفرس: وهو انتزاع حسن لأنهم اتبعوا الشيطان بمجرد دعواه ولم يطلبوا منه برهاناً فحكى ذلك متضمناً لذمهم، ثم الظاهر أن هذه الدعوة من الشيطان ـ أعني إبليس ـ بلا واسطة، وهي إن كانت في وقت واحد لمتعددين مما يعسر تصوره، ولا يبعد أن يقال: إن له أعواناً يفعلون كما يفعل لكن لما كان ذلك بأمره تصدى وحده لما تصدى ونسبت الدعوة إليه، وللإمام الرازي في الآية كلام طويل ساقه لبيان كيفية الدعوة وإلقاء الشيطان الوسوسة في قلب الإنسان، وأكثره عند المحدثين والسلف الصالحين أشبه شيء بوساوس الشياطين، ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تحقيق ذلك بعون الله تعالى القادر المالك....

    و { مَا } مصدرية و { مِنْ } متعلقة بأشركتموني أي كفرت بإرشراككم إياي لله تعالى في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع الله تعالى أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه، والكفر مجاز عن التبري كما في قوله تعالى:
    { وَيَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ }
    [فاطر: 14] ومراد اللعين أنه إن كان إشراككم لي بالله تعالى هو الذي أطمعكم في نصرتي لكم وخيل إليكم أن لكم حقاً علي فإني تبرأت من ذلك ولم أحمده فلم يبق بيني وبينكم علاقة، وإرادة اليوم حسبما ذكرنا هو الظاهر فيكون الكلام محمولاً على إنشاء التبري منهم يوم القيامة. وجوز النسفي أن يكون إخباراً عن أنه تبرأ منهم في الدنيا فيكون { مِن قَبْلُ } متعلقاً ـ بكفرت ـ أو متنازعاً فيه.

    وجوز غير واحد أن تكون { مَا } موصولة بمعنى من كما قيل في قولهم: سبحانه ما سخركن لنا، والعائد محذوف و { مِن قَبْلُ } متعلق ـ بكفرت ـ أي إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتمونيه أي جعلتموني شريكاً له بالطاعة وهو الله عز وجل، فأشرك منقول من شركت زيداً للتعدية إلى مفعول ثان، والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره وبيان لأن خطيئته سابقة عليهم فلا إغاثة لهم منه فهو في المعنى تعليل لعدم إصراخه إياهم. وزعم الإمام أنه لنفي تأثير الوسوسة كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وكان الظاهر على هذا تقديمه على قوله: { مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } إلى آخره ولا يظهر لتأخيره نكتة يهش لها الخاطر. ومنهم من جعله تعليلاً لعدم إصراخهم إياه وهو مما لا وجه له إذ لا احتمال لذلك حتى يحتاج إلى التعليل، وقيل: لأن تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا المانع من جهته.

    واعترض بأن نحو هذا الإيهام جار في الوجه الأول وهم الكفرة الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين. وتعقب في «البحر» القول بالموصولية بأن فيه إطلاق { مَا } على الله تعالى والأصح فيها أنها لا تطلق على آحاد من يعلم، و { مَا } في سبحان ما سخركن يجوز أن تكون مصدرية بتقدير مضاف أي سبحان موجد أو ميسر تسخيركن لنا.

    وقال الطيبـي: إن { مَا } لا تستعمل في ذي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه وتعظيم شأنه والمثال على ذلك أي سبحان العظيم الشأن الذي سخركن للرجال مع مكركن وكيدكن، وكون { مَا } موصولة عبارة عن الصنم أي إني كفرت بالصنم الذي إشركتمونيه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه....

    ملحوظة

    قولان لابليس اري فيها حل لكل المعضلات فى باب القدر

    فبما اغويتنى نسب الاغواء لله والخلق لله

    ولوموا انفسكم نفى الجبر

    وكل فرقة ترى قول ابليس مخالف او موافق لها وحقيقة اراه موافق لاعتقاد اهل الحق فى المسألة

    وحقيقة كثير من الاوقات اتفكر ماعقيدة ابليس فى مختلف ابواب الاعتقاد فقد كان من اكابر اهل المعرفة بالله واشراكه لم يكن فى باب التوحيد بل هو مقر بالوحدانية وان لا اله الا الله بل شركه فى معصية وعدم تقبل الامر الالهى اصلا فكان امام اهل النار وخطيبهم

    والله اعلم

    وقال الزمخشري المعتزلي

    فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين. ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإنّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه. فإن قلت: قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به. قلت: لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام: ألا ترى إلى قوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ظ±لْحَقّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله: { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـظ°نٍ } وهو مثل قول الله تعالى:
    { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـظ°نٌ إِلاَّ مَنِ ظ±تَّبَعَكَ مِنَ ظ±لْغَاوِينَ }
    [الحـجر: 42]،

    ملحوظة

    يقصد بالمجبرة اهل السنة

  7. #367
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ظ±للَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىغ¤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى قَالُوغ¤اْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }

    قال الرازى

    اعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل
    { وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ }
    [إبراهيم: 9]. قالت رسلهم: وهل تشكون في الله، وفي كونه فاطر السموات والأرض وفاطراً لأنفسنا وأرواحنا وأرزاقنا وجميع مصالحنا وإنا لا ندعوكم إلا إلى عبادة هذا الإله المنعم ولا نمنعكم إلا عن عبادة غيره وهذه المعاني يشهد صريح العقل بصحتها، فكيف قلتم: وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب؟ وهذا النظم في غاية الحسن. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: { أَفِى ظ±للَّهِ شَكٌّ } استفهام على سبيل الإنكار، فلما ذكر هذا المعنى أردفه بالدلالة الدالة على وجود الصانع المختار، وهو قوله: { فَاطِرِ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ } وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن وجود السموات والأرض كيف يدل على احتياجه إلى الصانع المختار الحكيم مراراً وأطواراً فلا نعيدها ههنا. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: أدخلت همزة الإنكار على الظرف، لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في أن وجود الله تعالى لا يحتمل الشك، وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك وجوه: الوجه الأول: قال بعض العقلاء: إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، فلأن الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها، ولأجل مختار أدخلها في الوجود فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار ذلك الحادث مع قلته وحقارته إلى الفاعل فبأن تشهد بافتقار جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى، وأما دلالتها على وجوب التكليف، فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربني ذلك الضارب؟ وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي ومندرجة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي فعل شاء واشتهى، وأما دلالتها على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة وما دام يمكنه طلب ذلك الجزاء فإنه لا يتركه فلما شهدت الفطرة الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع الأعمال كان أولى، وأما دلالتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي ولا معنى للنبي إلا الإنسان الذي يقدر هذه الأمور ويبين لهم هذه الأحكام، فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأمور الأربعة.

    قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـظ°كِنَّ ظ±للَّهَ يَمُنُّ عَلَىظ° مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ظ±للَّهِ وَعلَى ظ±للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ظ±لْمُؤْمِنُونَ } * { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ظ±للَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىظ° مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى ظ±للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ظ±لْمُتَوَكِّلُونَ }

    قال الرازى

    اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة، حكى عن الأنبياء عليهم السلام جوابهم عنها. أما الشبهة الأولى: وهي قولهم: { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } فجوابه: أن الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب يمن الله به على من يشاء من عباده، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة. واعلم أن هذا المقام فيه بحث شريف دقيق، وهو أن جماعة من حكماء الإسلام قالوا: إن الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصاً بخواص شريفة علوية قدسية، فإنه يمتنع عقلاً حصول صفة النبوة له. وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة، فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من الله تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية، فإنه تعالى بين أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من الله تعالى والعطية منه، والكلام من هذا الباب غامض غائص دقيق، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية تواضعاً منهم، واقتصروا على قولهم: { وَلَـظ°كِنَّ ظ±للَّهَ يَمُنُّ عَلَىظ° مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } بالنبوة، لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص، كما قال تعالى:
    { ظ±للَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }
    [الأنعام: 124

    ملحوظة

    هذه المشاركة استدراك علي الاية 10و11مكانها بين مشاركة 364و365

  8. #368
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الرازى

    وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله: { يُثَبِّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ فِى ظ±لْحَيَوظ°ةِ ظ±لدُّنْيَا وَفِى ظ±لأَخِرَةِ } قال: " حين يقال له في القبر من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم " والمراد في الباء في قوله: { بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ } هو أن الله تعالى إنما ثبتهم في القبر بسبب مواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول، ولهذا الكلام تقرير عقلي وهو أنه كلما كانت المواظبة على الفعل أكثر كان رسوخ تلك الحالة في العقل والقلب أقوى، فكلما كانت مواظبة العبد على ذكر لا إله إلا الله وعلى التأمل في حقائقها ودقائقها أكمل وأتم كان رسوخ هذه المعرفة في عقله وقلبه بعد الموت أقوى وأكمل. قال ابن عباس: من داوم على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها وإنما فسر الآخرة ههنا بالقبر، لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا ودخل في أحكام الآخرة وقوله: { وَيُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ } يعني أن الكفار إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري وإنما قال ذلك لأن الله أضله وقوله: { وَيَفْعَلُ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ } يعني إن شاء هدى وإن شاء أضل ولا اعتراض عليه في فعله ألبتة.

    وقال ابن كثير

    قال البخاري حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال سمعت سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله { يُثَبِّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ فِى ظ±لْحَيَوظ°ةِ ظ±لدُّنْيَا وَفِى ظ±لأَخِرَةِ } " ورواه مسلم أيضاً وبقية الجماعة كلهم من حديث شعبة به. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن زاذان عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال " استعيذوا بالله من عذاب القبر " مرتين أو ثلاثاً، ثم قال " إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل، كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها، يعني على ملأ من الملائكة، إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان له ما هذا الرجل الذين بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله، فيقولان له وما علمك؟ فيقول قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، فيقول أنا عملك الصالح، فيقول رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي - قال - وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء سود الوجوه، معهم المسوح، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، فيجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَظ°بُ ظ±لسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ظ±لْجَنَّةَ حَتَّىظ° يَلِجَ ظ±لْجَمَلُ فِى سَمِّ ظ±لْخِيَاطِ } فيقول الله اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً ثم قرأ { وَمَن يُشْرِكْ بِظ±للَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ظ±لطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ظ±لرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ } فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له من ربك؟ فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول ومن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول أنا عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم الساعة "....

    وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله حدثنا يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إِذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير، فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، وينور له فيه، ثم يقال له نم، فيقول أرجع الى أهلي فأخبرهم، فيقولان نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقاً قال سمعت الناس يقولون، فقلت مثلهم، لا أدري، فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا، فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك " ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يُثَبِّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ فِى ظ±لْحَيَوظ°ةِ ظ±لدُّنْيَا وَفِى ظ±لاَْخِرَةِ } قال " ذلك إِذا قيل له في القبر من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، جاءنا بالبينات من عند الله، فآمنت به وصدقت، فيقال له صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث " وقال ابن جرير حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد، قالا حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " والذي نفسي بيده إن الميت ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه مدبرين، فإن كان مؤمناً، كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يمينه، فتقول الزكاة ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره، فيقول الصيام ما قبلي مدخل، فيؤتى عند رجليه، فيقول فعل الخيرات ما قبلي مدخل، فيقال له اجلس، فيجلس، قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب، فيقال له أخبرنا عما نسألك، فيقول دعني حتى أصلي، فيقال له إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك، فيقول وعم تسألوني؟ فيقال أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم، ماذا تقول فيه، وماذا تشهد به عليه؟ فيقول أمحمد؟ فيقال له نعم، فيقول أشهد أنه رسول الله، وأنه جاءنا بالبينات من عند الله، فصدقناه، فيقال له على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينور له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة، فيقال له انظر إلى ما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسروراً، ثم تجعل نسمته في النسم الطيب، وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدىء من التراب، وذلك قول الله { يُثَبِّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ فِى ظ±لْحَيَوظ°ةِ ظ±لدُّنْيَا وَفِى ظ±لأَخِرَةِ } "...

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { يُثَبِّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ } قال ابن عباس: هو لا إله إلا الله. وروى النسائي عن البَرَاء قال: { يُثَبِّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ فِي ظ±لْحَيَاةِ ظ±لدُّنْيَا وَفِي ظ±لآخِرَةِ } نزلت في عذاب القبر؛ يقال: مَن ربك؟ فيقول: ربّيَ الله وديني دين محمد، فذلك قوله: { يُثَبِّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ فِى ظ±لْحَيَوظ°ةِ ظ±لدُّنْيَا وَفِى ظ±لآخِرَةِ }.

    قلت: وقد جاء هكذا موقوفاً في بعض طرق مسلم عن البَرَاء (أنه) قوله، والصحيح فيه الرفع كما في صحيح مسلم وكتاب النَّسائي وأبي داود وابن ماجه وغيرهم، عن البَرَاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وذكر البخاريّ؛ حدّثنا جعفر بن عمر، قال حدّثنا شُعْبة عن عَلْقمة بن مَرْثَد عن سعد بن عبيدة عن البَرَاء بن عازب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أقعد المؤمنُ في قبره أتاه آتٍ ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفيِ الآخِرَةِ " وقد بيّنا هذا الباب في كتاب «التذكرة» وَبَيَّنَّا هناك من يُفتَن في قبره ويُسأل، فمن أراد الوقوف عليه تأمّله هناك. وقال سهل بن عمّار: رأيت يزيد بن هرون في المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أتاني في قبري مَلَكان فظَّان غليظان، فقالا: ما دِينك ومن ربك ومن نبيّك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت: ألمثلي يقال هذا وقد عَلَّمتُ الناسَ جوابَكما ثمانين سَنَة؟ظ° فذهبا وقالا: أَكَتَبْتَ عن حَرِيز بن عثمان؟ قلت نعم! فقالا: إنه كان يبغض (عليا) فأبغضه الله. وقيل: معنى، «يُثَبِّتُ اللَّهُ» يُديمهم الله على القول الثابت، ومنه قول عبد الله بن روَاحَة:
    يُثَبِّتُ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حَسَنٍ تَثِبيتَ موسى ونَصراً كالذي نُصِرَا
    وقيل: يثبتهم في الدارين جزاء لهم على القول الثابت. وقال القَفَّال وجماعة: { فِي ظ±لْحَيَاةِ ظ±لدُّنْيَا } أي في القبر؛ لأن الموتى في الدنيا إلى أن يبعثوا، «وَفيِ الآخِرَةِ» أي عند الحساب؛ وحكاه الماورديّ عن البَرَاء قال: المراد بالحياة الدنيا المُسَاءلة في القبر، وبالآخرة المُسَاءلة في القيامة: { وَيُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لظَّالِمِينَ } أي عن حجتهم في قبورهم كما ضَلّوا في الدنيا بكفرهم فلا يُلقِّنهم كلمة الحق، فإذا سُئِلوا في قبورهم قالوا: لا ندري؛ فيقول: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ؛ وعند ذلك يُضَرب بالمقامِع على ما ثبت في الأخبار؛ وقد ذكرنا ذلك في كتاب «التذكرة». وقيل: يمهلهم حتى يزدادوا ضلالاً في الدنيا. { وَيَفْعَلُ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ } من عذاب قوم وإضلال قوم. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " لما وصف مُسَاءلة مُنْكَر ونكِير وما يكون من جواب الميت قال عمر: يا رسول الله أيكون معي عقلي؟ قال: «نعم» قال: كُفيتُ إذاً؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية ".

    ملحوظة

    سؤال القبر ثابت عند اهل السنة والجماعة والايمان به واجب شرعا اللهم ارحمنا فى قبورنا يارب العالمين والقبر اول منازل الاخرة

    وقال الرازى

    قوله: { وَأَنزَلَ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ مَآءً } وفيه قولان: الأول: أن الماء نزل من السحاب وسمي السحاب سماء اشتقاقاً من السمو، وهو الارتفاع. والثاني: أنه تعالى أنزله من نفس السماء وهذا بعيد، لأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطراً عليهم وإذا كان هذا أمراً مشاهداً بالبصر كان النزاع فيه باطلاً. البحث الثالث: قال قوم: إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين، لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلباً لهذه الخيرات الحقيرة، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله تعالى ويتخلص عن عقابه أولى. ولهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال الله تعالى كل نفس مشتهاها من غير تعب ولا نصب، هذا قول المتكلمين.

    وقال قوم آخرون: إنه تعالى يحدث الثمار والزروع بواسطة هذا الماء النازل من السماء، والمسألة كلامية محضة، وقد ذكرناه في سورة البقرة. ...

    فإن قيل: ما معنى وسخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد؟ قلنا أما على قولنا إن فعل العبد خلق الله تعالى فلا سؤال، وأما على مذهب المعتزلة فقد أجاب القاضي عنه فقال: لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن ولولا خلقه للحديد وسائر الآلات ولولا تعريفه العباد كيف يتخذوه ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السيلان التي باعتبارها يصح جري السفينة، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها ولولا أنه وسع الأنهار وجعل فيها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال، وهو المدبر لهذه الأمور والمسخر لها حسنت إضافة السفن إليه...

    وقال الالوسي

    ومعنى كون الإخراج بسببه أن الله تعالى أودع فيه قوة مؤثرة بإذنه في ذلك حسبما جرت به حكمته الباهرة مع غناه الذاتي سبحانه عن الاحتياج إليه في الإخراج، وهذا هو رأي السلف الذي رجع إليه الأشعري كما حقق في موضعه، وزعم من زعم أن المراد أخرج عنده والتزموا هذا التأويل في ألوف من المواضع وضللوا القائلين بأن الله تعالى أودع في بعض الأشياء قوة مؤثرة في شيء ما حتى قالوا: إنهم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان، وأولئك عندي أقرب إلى الجنون وسفاهة الرأي

    وقال الرازى

    احتج أصحابنا بقوله: { وَظ±جْنُبْنِى وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ظ±لأَصْنَامَ } على أن الكفر والإيمان من الله تعالى، وتقرير الدليل أن إبراهيم عليه السلام طلب من الله أن يجنبه ويجنب أولاده من الكفر فدل ذلك على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الإيمان ليس إلا من الله تعالى، وقول المعتزلة إنه محمول على الألطاف فاسد، لأنه عدول عن الظاهر، ولأنا قد ذكرنا وجوهاً كثيرة في إفساد هذا التأويل....

    ثم قال: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } يعني من تبعني في ديني واعتقادي فإنه مني، أي جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه بي وقربه مني ومن عصاني في غير الدين فإنك غفور رحيم، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن إبراهيم عليه السلام ذكر هذا الكلام والغرض منه الشفاعة في حق أصحاب الكبائر من أمته، والدليل عليه أن قوله: { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة فنقول: أولئك العصاة إما أن يكونوا من الكفار أو لا يكونوا كذلك، والأول باطل من وجهين: الأول: أنه عليه السلام بين في مقدمة هذه الآية أنه مبرأ عن الكفار وهو قوله: { وَظ±جْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ظ±لأَصْنَامَ } وأيضاً قوله: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ولا يهتم باصلاح مهماته. والثاني: أن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة، ولما بطل هذا ثبت أن قوله: { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } شفاعة في العصاة الذين لا يكونون من الكفار. وإذا ثبت هذا فنقول: تلك المعصية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة أو من الكبائر قبل التوبة، والأول والثاني باطلان لأن قوله: { وَمَنْ عَصَانِي } اللفظ فيه مطلق فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر، وأيضاً فالصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفران عند الخصوم فلا يمكن حمل اللفظ عليه، فثبت أن هذه الآية شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم عليه السلام ثبت حصولها في حق محمد صلى الله عليه وسلم لوجوه: الأول: أنه لا قائل بالفرق. والثاني: وهو أن هذا المنصب أعلى المناصب فلو حصل لإبراهيم عليه السلام مع أنه غير حاصل لمحمد صلى الله عليه وسلم لكان ذلك نقصاناً في حق محمد عليه السلام. والثالث: أن محمداً صلى الله عليه وسلم مأمور بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام لقوله تعالى:


    { أُوْلَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ هَدَى ظ±للَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ظ±قْتَدِهْ }
    [الأنعام: 90] وقوله: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ظ±تَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرظ°هِيمَ حَنِيفًا } فهذا وجه قريب في إثبات الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم وفي إسقاط العقاب عن أصحاب الكبائر، والله أعلم

    وقال الالوسي

    وَظ±جْنُبْنِى وَبَنِىَّ } أي بعدني وإياهم { أَن نَّعْبُدَ ظ±لاْصْنَامَ } أي عن عبادتها، وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي { وَظ±جْنُبْنِى } بقطع الهمزة وكسر النون بوزن أكرمني وهما لغة أهل نجد يقولون: جنبه مخففاً وأجنبه رباعياً وأما أهل الحجاز فيقولون: جنبه مشدداً، وأصل التجنب أن يكون الرجل في جانب غير ما عليه غيره ثم استعمل بمعنى البعد، والمراد هنا على ما قال الزجاج طلب الثبات والدوام على ذلك أي ثبتنا على ما نحن عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام وإلا فالأنبياء معصومون عن الكفر وعبادة غير الله تعالى. وتعقب ذلك الإمام بأنه لما كان من المعلوم أنه سبحانه يثبت الأنبياء عليهم السلام على الاجتناب فما الفائدة في سؤال التثبيت؟ ثم قال: والصحيح عندي في الجواب وجهان: الأول: أنه عليه السلام وإن كان يعلم أن الله تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه ذكر ذلك هضماً لنفسه وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله سبحانه وتعالى في كل المطالب، والثاني: أن الصوفية يقولون: الشرك نوعان. ظاهر وهو الذي يقول به المشركون. وخفي وهو تعلق القلب بالوسائط والأسباب الظاهرة والتوحيد المحض قطع النظر عما سوى الله تعالى، فيحتمل أن يكون مراده عليه السلام من هذا الدعاء العصمة عن هذا الشرك انتهى.

    ويرد على هذا الأخير أنه يعود السؤال عليه فيما أظن لأن النظر إلى السوى يحاكي الشرك الذي يقول به المشركون عند الصوفية فقد قال قائلهم:

    ولا أظن أنهم يجوزون ذلك للأنبياء عليهم السلام، وحيث بني الكلام على ما قرروه يقال: ما فائدة سؤال العصمة عن ذلك والأنبياء عليهم السلام معصومون عنه؟ والجواب الصحيح عندي ما قيل: إن عصمة الأنبياء عليهم السلام ليست لأمر طبيعي فيهم بل بمحض توفيق الله تعالى إياهم وتفضله عليهم، ولذلك صح طلبها وفي بعض الآثار أن الله سبحانه قال لموسى عليه السلام: يا موسى لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط. وأنت تعلم أن المبشرين بالجنة على لسان الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام كانوا كثيراً ما يسألون الله تعالى الجنة مع أنهم مقطوع لهم بها، ولعل منشأ ذلك ما قيل لموسى عليه السلام فتدبر.

    والمتبادر من بنيه عليه السلام من كان من صلبه، فلا يتوهم أن الله تعالى لم يستجب دعاءه لعبادة قريش الأصنام وهم من ذريته عليه السلام حتى يجاب بما قاله بعضهم من أن المراد كل من كان موجوداً حال الدعاء من أبنائه ولا شك أن دعوته عليه السلام مجابة فيهم أو بأن دعاءه استجيب في بعض دون بعض ولا نقص فيه كما قال الإمام. وقال سفيان بن عيينة: إن المراد ببنيه ما يشمل جميع ذريته عليه السلام وزعم أنه لم يعبد أحد من أولاد إسمظ°عيل عليه السلام الصنم وإنما كان لكل قوم حجر نصبوه وقالوا هذا حجر والبيت حجر وكانوا يدورون به ويسمونه الدَّوَّار ولهذا كره غير واحد أن يقال دار بالبيت بل يقال طاف به، وعلى ذلك أيضاً حمل مجاهد البنين وقال: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنماً وإنما عبد بعضهم الوثن، وفرق بينهما بأن الصنم هو التمثال المصور والوثن هو التمثال الغير المصور، وليت شعري كيف ذهبت على هذين/ الجليلين ما في القرآن من قوارع تنعي على قريش عبادة الأصنام. وقال الإمام بعد نقله كلام مجاهد: إن هذا ليس بقوي لأنه عليه السلام لم يرد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والصنم كالوثن في ذلك ويرد مثله على ابن عيينة، ومن هنا قيل عليه: إن فيما ذكره كراً على ما فر منه لأن ما كانوا يصنعونه عبادة لغير الله تعالى أيضاً. واستدل بعض أصحابنا بالآية على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الإيمان ليس إلا من الله تعالى لأنه عليه السلام إنما طلب التبعيد عن عبادة الأصنام منه تعالى، وحمل ذلك على الألطاف فيه ما فيه.

    وقال الرازى

    قال القاضي: أكثر الأمور المذكورة في هذه الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لإبراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى حيث لا طعام ولا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا: إن الله أعلمه أنه يحصل هناك ماء وطعام، وأقول: أما ظهور ماء زمزم فيحتمل أن يكون إرهاصاً لإسمـظ°عيل عليه السلام، لأن ذلك عندنا جائز خلافاً للمعتزلة وعند المعتزلة أنه معجزة لإبراهيم عليه السلام....

    : احتج أصحابنا بهذا الآية على أن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى فقالوا إن قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: { وَظ±جْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ظ±لأَصْنَامَ } يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله وقوله: { رَبّ ظ±جْعَلْنِى مُقِيمَ ظ±لصَّلوظ°ةِ وَمِن ذُرّيَتِى } يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله، وذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصراً على أن الكل من الله. المسألة الثانية: تقدير الآية: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي. أي واجعل بعض ذريتي كذلك لأن كلمة «من» في قوله: { وَمِن ذُرّيَتِى } للتبعيض، وإنما ذكر هذا التبعيض لأنه علم باعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته جمع من الكفار وذلك قوله: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّـظ°لِمِينَ }

  9. #369
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الالوسي

    رَبَّنَا ظ±غْفِرْ لِى } أي ما فرط مني مما أعده ذنباً { وَلِوَالِدَىَّ } أي لأمي وأبـي، وكانت أمه على ما روي عن الحسن مؤمنة فلا إشكال في الاستغفار لها، وأما استغفاره لأبيه فقد قيل في الاعتذار عنه إنه كان قبل أن يتبين له أنه عدو لله سبحانه والله تعالى قد حكى ما قاله عليه السلام في أحايين مختلفة، وقيل: إنه عليه السلام نوى شرطية الإسلام والتوبة وإليه ذهب ابن الخازن، وقيل: أراد بوالده نوحاً عليه السلام، وقيل: أراد بوالده آدم وبوالدته حواء عليهما السلام وإليه ذهب بعض من قال بكفر أمه والوجه ما تقدم. وقالت الشيعة: إن والديه عليه السلام كانا مؤمنين ولذا دعا لهما، وأما الكافر فأبوه والمراد به عمه أو جده لأمه، واستدلوا على إيمان أبويه بهذه الآية ولم يرضوا ما قيل فيها حتى القول الأول بناءً على زعمهم أن هذا الدعاء كان بعد الكبر وهبة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام له وقد كان تبين له في ذلك الوقت عداوة أبيه الكافر لله تعالى.

    قال الطوسي الشيعى فى التبيان


    وقوله { ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } نداء من ابراهيم لله تعالى ان يغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين، وهو ان يستر عليهم ما وقع منهم من المعاصي عند من أجاز الصغائر عليهم، ومن لم يجز ذلك حمل ذلك على أنه انقطاع منه اليه تعالى فيما يتعلق به، وسؤال على الحقيقة في غيره. وقد بينا ان أبوي ابراهيم لم يكونا كافرين وفي الآية دلالة على ذلك، لانه سأل المغفرة لهما يوم القيامة، فلو كانا كافرين لما قال ذلك، لأنه قال تعالى
    { فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه }
    فدل ذلك على ان أباه الذي كان كافراً جده لأمه او عمه على الخلاف. قال البلخي: ان أمه كانت مؤمنة، لانه سأل ان يغفر لأبيه وحكى أنه
    { كان من الضالين }
    وقال
    { إِلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك }
    ولم يقل لأبويه { ويوم يقوم الحساب } أي يقوم فيه الحساب. والعامل في يوم قوله { اغفر

    وقال الرازى


    ففي الآية قولان: القول الأول: أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً " وقوله: { والسموات } أي تبدل السموات غير السموات، وهو كقوله عليه السلام: " لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " والمعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، وتبديل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها، وخسوف قمرها، وكونها أبواباً، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان. والقول الثاني: أن المراد تبديل الذات. قال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة، فهذا شرح هذين القولين، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله: { يَوْمَ تُبَدَّلُ ظ±لأَرْضُ } المراد هذه الأرض، والتبدل صفة مضافة إليها، وعند حصول الصفة لا بد وأن يكون الموصوف موجوداً، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل، ولا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل، وإلا لامتنع حصول التبدل، فوجب أن يكون الباقي هو الذات.

    فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية، والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون: إن عند قيام القيامة لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها. واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة، والدليل عليه قوله تعالى:
    { كَلاَّ إِنَّ كِتَـظ°بَ ظ±لأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ }
    [المطففين: 18] وقوله:
    { كَلاَّ إِنَّ كِتَـظ°بَ ظ±لْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ }
    [المطففين: 7]، والله أعلم...


    قال القاضي: أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله، إن شاء أطاع وإن شاء عصى، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى:

    { لِتُخْرِجَ ظ±لنَّاسَ مِنَ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ إِلَى ظ±لنُّورِ }
    [إبراهيم: 1] فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية، وأما آخر السورة فلأن قوله: { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ظ±لأَلْبَـظ°بِ } يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة، وإنما ذكر هذه النصائح والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية، فظهر أن أول هذه السورة وآخرها متطابقان في إفادة هذا المعنى. واعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة فلا فائدة في الإعادة.

  10. #370
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    سورة الحجر

    قال الرازى

    { الغ¤رَ تِلْكَ آيَاتُ ظ±لْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ } * { رُّبَمَا يَوَدُّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } * { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ظ±لأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }

    المسألة الخامسة: في تفسير الآية وجوه على مذهب المفسرين فإن كل أحد حمل قوله: { رُّبَمَا يَوَدُّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } على محمل آخر، والأصح ما قاله الزجاج فإنه قال: الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب ورأى حالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً، وهذا الوجه هو الأصح. وأما المتقدمون فقد ذكروا وجوهاً. قال الضحاك: المراد منه ما يكون عند الموت، فإن الكافر إذا شاهد علامات العقاب ود لو كان مسلماً. وقيل: إن هذه الحالة تحصل إذا اسودت وجوههم، وقيل: بل عند دخولهم النار ونزول العذاب، فإنهم يقولون:
    { أَخّرْنَا إِلَىظ° أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ظ±لرُّسُلَ }
    [إبراهيم: 44] وروى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟ قالوا بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صرتم معنا في النار، فيتفضل الله تعالى بفضل رحمته، فيأمر بإخراج كل من كان من أهل القبلة من النار، فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وعلى هذا القول أكثر المفسرين، وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين، ويخرجهم من النار، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء والملائكة، حتى أنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة. قال: فهنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. قال القاضي: هذه الروايات مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار، وعلى أن شفاعة الرسول مقبولة في إسقاط العقاب، وهذان الأصلان عنده مردودان، فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه وهو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن هؤلاء الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غم الكفرة وحسرتهم وهناك يودون لو كانوا مسلمين، قال فبهذه الطريق تصحح هذه الأخبار، والله أعلم. فإن قيل: إذا كان أهل القيامة قد يتمنون أمثال هذه الأحوال وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقل ثوابه درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه، والمتمني لما لم يجده يكون في الغصة وتألم القلب وهذا يقضي أن يكون أكثر المؤمنين في الغصة وتألم القلب. قلنا: أحوال أهل الآخرة لا تقاس بأحوال أهل الدنيا، فالله سبحانه أرضى كل أحد بما فيه ونزع عن قلوبهم طلب الزيادات كما قال:
    { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ }
    [الحجر: 47]، والله أعلم

    وقال السيوطى فى دره

    وأخرج ابن أبي عاصم في السنة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم الإِسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم { الغ¤رَ تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } ".

    وأخرج اسحق ابن راهويه وابن حبان والطبراني وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري أنه سئل: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية شيئاً { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين }؟ قال: نعم، سمعته يقول: " يُخْرج الله أناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال لهم المشركون: ألستم كنتم تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله، فاذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم. فذلك قول الله { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } قال: فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا ربنا، أذهب عنا هذا الاسم، يأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم ".

    وأخرج هناد بن السري والطبراني في الأوسط وأبو نعيم، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ناساً من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قول لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرؤون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، فيدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين ".

    وقال الرازى

    فقوله: { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـئخِرُونَ } معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه، وإذا كان كذلك، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص، وعلمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه، ولما كان تغير صفات الله تعالى أعني القدرة والإرادة والعلم والحكمة ممتنعاً كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعاً.

    إذا عرفت هذا فنقول: هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن الصادر من زيد هو الإيمان والطاعة ومن عمرو هو الكفر والمعصية فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما. فإن قالوا: هذا إنما يلزم لو كان المقتضي لحدوث الكفر والإيمان من زيد وعمرو هو قدرة الله تعالى ومشيئته. أما إذا قلنا: المقتضى لذلك هو قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك. قلنا: قدرة زيد وعمرو مشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الإلزام، وإن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له ولضده، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل، وإن كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث ولزم التسلسل، وإن كان هو الله تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص الله تعالى، وحينئذ لا يعود الإلزام. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله، وأن من قال: يجوز أن يموت قبل أجله فمخطىء. فإن قالوا: هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله: { وَمَآ أَهْلَكْنَا } على الموت أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم. قلنا: قوله: { وَمَآ أَهْلَكْنَا } إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل، فإن دخل الاستدلال ظاهر لازم وإن لم يدخل فنقول: إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت، فوجب أن يكون الحكم ههنا كذلك، والله أعلم....

    احتج القاضي بقوله: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ظ±لذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـظ°فِظُونَ } على فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان قال: لأنه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظاً، وهذا الاستدلال ضعيف، لأنه يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه، فالإمامية الذين يقولون إن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان، لعلهم يقولون إن هذه الآية من جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن، فثبت أن إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجري مجرى إثبات الشيء نفسه وأنه باطل والله أعلم.

  11. #371
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الرازى

    احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار، فقالوا: قوله { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } أي كذلك نسلك الباطل والضلال في قلوب المجرمين، قالت المعتزلة: لم يجر للضلال والكفر ذكر فيما قبل هذا اللفظ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائداً إليه لا يقال: إنه تعالى قال: { وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } وقوله: { يَسْتَهْزِئُونَ } يدل على الاستهزاء، فالضمير في قوله: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } عائد إليه، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال، فثبت صحة قولنا المراد من قوله: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ظ±لْمُجْرِمِينَ } هو أنه كذلك نسلك الكفر والضلال والاستهزاء بأنبياء الله تعالى ورسله في قلوب المجرمين، لأنا نقول: إن كان الضمير في قوله: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } عائداً إلى الاستهزاء وجب أن يكون الضمير في قوله: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عائداً أيضاً إلى الاستهزاء لأنهما ضميران تعاقبا وتلاصقا، فوجب عودهما إلى شيء واحد فوجب أن لا يكونوا مؤمنين بذلك الاستهزاء، وذلك يوجب التناقض، لأن الكافر لا بد وأن يكون مؤمناً بكفره، والذي لا يكون كذلك هو المسلم العالم ببطلان الكفر فلا يصدق به، وأيضاً فلو كان تعالى هو الذي يسلك الكفر في قلب الكافر ويخلقه فيه فما أحد أولى بالعذر من هؤلاء الكفار، ولكان على هذا التقدير يمتنع أن يذمهم في الدنيا وأن يعاقبهم في الآخرة عليه، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على هذ الوجه فنقول: التأويل الصحيح أن الضمير في قوله تعالى: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } عائد إلى الذكر الذي هو القرآن فإنه تعالى قال قبل هذه الآية: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ظ±لذّكْرَ } وقال بعده: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } أي هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين، والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ويخلق فيها العلم بمعانيه وبين أنهم لجهلهم وإصرارهم لا يؤمنون به مع هذه الأحوال عناداً وجهلاً، فكان هذا موجباً للحوق الذم الشديد بهم، ويدل على صحة هذا التأويل وجهان: الأول: أن الضمير في قوله: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون الضمير في قوله: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } عائداً إليه أيضاً لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد.

    والثاني: أن قوله: { كَذظ°لِكَ } معناه: مثل ما عملنا كذا وكذا نعمل هذا السلك فيكون هذا تشبيهاً لهذا السلك بعمل آخر ذكره الله تعالى قبل هذه الآية من أعمال نفسه، ولم يجر لعمل من أعمال الله ذكر في سابقة هذه الآية إلا قوله: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ظ±لذّكْرَ } فوجب أن يكون هذا معطوفاً عليه ومشبهاً به، ومتى كان الأمر كذلك كان الضمير في قوله: { نَسْلُكُهُ } عائداً إلى الذكر وهذا تمام تقرير كلام القوم. والجواب: لا يجوز أن يكون الضمير في قوله: { نَسْلُكُهُ } عائداً على الذكر، ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: أن قوله: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } مذكور بحرف النون، والمراد منه إظهار نهاية التعظيم والجلالة، ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قوي كامل بحيث صار المنازع والمدافع له مغلوباً مقهوراً. فأما إذا فعل فعلاً ولم يظهر له أثر ألبتة، صار المنازع والمدافع غالباً قاهراً، فإن ذكر اللفظ المشعر بنهاية العظمة والجلالة يكون مستقبحاً في هذا المقام، والأمر ههنا كذلك لأنه تعالى سلك أسماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله تعالى كالهدر الضائع، وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع، وإذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة والجلالة في قوله: { نَسْلُكُهُ } غير لائق بهذا المقام، فثبت بهذا التأويل الذي ذكروه فاسد.

    والوجه الثاني: أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ظ±لْمُجْرِمِينَ } ولا يؤمنون به، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون أما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } كالتفسير، والبيان لقوله: { نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ظ±لْمُجْرِمِينَ } وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم. والوجه الثالث: أن قوله:
    { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ظ±لذّكْرَ }
    [الحجر: 9] بعيد، وقوله: { يَسْتَهْزِئُونَ } قريب، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب. أما قوله: لو كان الضمير في قوله: { نَسْلُكُهُ } عائداً إلى الاستهزاء لكان في قوله { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عائداً إليه، وحينئذ يلزم التناقض. قلنا: الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن مقضتى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات، ولا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا: الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء، والضمير الثاني عائد إلى الذكر، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى:
    { هُوَ ظ±لَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وظ°حِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين* فلما آتاهما صالحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـظ°هُمَا فَتَعَـظ°لَى ظ±للَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }
    [الأعراف: 189، 190] فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله: { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } عائدة إلى آدم وحواء، وأما في قوله: { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـظ°هُمَا فَتَعَـظ°لَى ظ±للَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } عائدة إلى غيرهما، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا ههنا، والله أعلم. والوجه الثاني: في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } تفسير للكناية في قوله: { نَسْلُكُهُ } والتقدير: كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به. والوجه الثالث: وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان والكفر يمتنع أن يكون بالعبد، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق، والعلم والحق، وأن أحداً لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الإيمان والحق ثم إنه لايحصل ذلك، وإنما يحصل الكفر والباطل، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه.

    فإن قالوا: إنما حصل ذلك الكفر لأنه ظن أنه هو الإيمان: فنقول: فعلى هذا التقدير إنما رضي بتحصيل ذلك الجهل لأجل جهل آخر سابق عليه فينقل الكلام إلى ذلك الجهل السابق فإن كان ذلك لأجل جهل آخر لزم التسلسل وهو محال، وإلا وجب انتهاء كل الجهالات إلى جهل أول سابق حصل في قلبه لا بتحصيله بل بتخليق الله تعالى، وذلك هو الذي قلناه: أن المراد من قوله: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ظ±لْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } والمعنى: نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به، وهو أنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها، وأيضاً قدماء المفسرين مثل ابن عباس وتلامذته أطبقوا على تفسير هذه الآية بأنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها، والتأويل الذي ذكره المعتزلة تأويل مستحدث لم يقل به أحد من المتقدمين، فكان مردوداً، وروى القاضي عن عكرمة أن المراد كذلك نسلك القسوة في قلوب المجرمين، ثم قال القاضي: إن القسوة لا تحصل إلا من قبل الكافر بأن يستمر على كفره ويعاند، فلا يصح إضافته إلى الله تعالى، فيقال للقاضي: إن هذا يجري مجرى المكابرة، وذلك لأن الكافر يجد من نفسه نفرة شديدة عن قبول قول الرسول ونبوة عظيمة عنه حتى أنه كلما رآه تغير لونه واصفر وجهه، وربما ارتعدت أعضاؤه ولا يقدر على الالتفات إليه والاصغاء لقوله، فحصول هذه الأحوال في قلبه أمر اضطراري لا يمكنه دفعها عن نفسه، فكيف يقال: إنها حصلت بفعله واختياره؟ فإن قالوا: إنه يمكنه ترك هذه الأحوال، والرجوع إلى الانقياد والقبول فنقول هذا مغالطة محضة، لأنك إن أردت أنه مع حصول هذه النفرة الشديدة في القلب، والنبوة العظيمة في النفس يمكنه أن يعود إلى الإنقياد والقبول والطاعة والرضا فهذا مكابرة، وإن أردت أن عند زوال هذه الأحوال النفسانية يمكنه العود إلى القبول والتسليم فهذا حق، إلا أنه لا يمكنه إزالة هذه الدواعي والصوارف عن القلب فإنه إن كان الفاعل لها هو الإنسان لافتقر في تحصيل هذه الدواعي والصوارف إلى دواعي سابقة عليها ولزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال، وإن كان الفاعل لها هو الله تعالى فحينئذ يصح أنه تعالى هو الذي يسلك هذه الدواعي والصوارف في القلوب وذلك عين ما ذكرناه، والله أعلم....

    وقال الالوسي

    لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الضمير للذكر أيضاً، والجملة في موضع الحال من مفعول
    { نَسْلُكُهُ }
    [الحجر: 12] أي غير مؤمن به، وهي إما مقدرة وإما مقارنة على معنى أن الإلقاء وقع بعده الكفر من غير توقف فهما في زمان واحد عرفاً، ويجوز أن تكون بياناً للجملة السابقة فلا محل لها من الإعراب، قال في " الكشف ": وهو الأوجه لأن في طريقة الإبهام والتفسير لا سيما في هذا المقام ما يجل موقع الكلام. وفي " إرشاد العقل السليم " أنه قد جعل ضمير
    { نَسْلُكُهُ }
    [الحجر: 12] للاستهزاء المفهوم من
    { يَسْتَهْزِئُونَ }
    [الحجر: 11] فتتعين البيانية إلا أن يجعل ضمير { بِهِ } له أيضاً على أن الباء للملابسة أي يسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم غير مؤمنين بملابسة الاستهزاء، وقد ذهب إلى جواز ارجاع الضميرين إلى الاستهزاء ابن عطية إلا أنه جعل الباء للسببية، وكذا الفاضل الجلبـي، ولا يخفى أن بعد ذلك يغنى عن رده. وذهب البيضاوي إلى كون الضمير الأول للاستهزاء وضمير { بِهِ } للذكر وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة إذا دل الدليل عليه ليس ببدع في القرآن، وجوز على هذا كون الجملة حالاً من
    { ظ±لْمُجْرِمِينَ }
    [الحجر: 12] ولا يتعين كونها حالاً من الضمير ليتعين رجوعه للذكر، وذكر أن عوده على الاستهزاء لا ينافي كونها مفسرة بل يقويه إذ عدم الإيمان بالذكر أنسب بتمكن الاستهزاء في قلوبهم، وجعل الآية دليلاً على أنه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم ففيها رد على المعتزلة في قولهم: إنه قبيح فلا يصدر منه سبحانه، وكأنه رحمه الله تعالى ظن أن ما فعله الزمخشري من جعل الضميرين للذكر كان رعاية لمذهبه ففعل ما فعل، ولا يخفى أنه لم يصب المحز وغفل عن قولهم: الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال.

    وفي " الكشف " بعد كلام ان رجع الضمير إلى الاستهزاء أو الكفر مع ما فيه من تنافر النظم لا ينكره أهل الاعتزال إلا كإنكار سلك الذكر بصفة التكذيب والتأويل كالتأويل، وكأنهم غفلوا عما ذكره جار الله في الشعراء حيث أجاب عن سؤال إسناد سلك الذكر بتلك الصفة إلى نفسه جل وعلا بأن المراد تمكنه مكذوباً في قلوبهم أشد التمكن كشيء جبلوا عليه؛ ولخص المعنى هظ°هنا بأنه تعالى يلقيه في قلوبهم مكذباً لا أن التكذيب فعله سبحانه. نعم أخرج ابن أبـي حاتم عن أنس والحسن تفسير ضمير
    { نَسْلُكُهُ }
    [الحجر: 12] إلى الشرك، وأخرج هو وابن جرير عن ابن زيد أنه قال في الآية: هم كما قال الله تعالى هو أضلهم ومنعهم الإيمان لكن هذا أمر وما نحن فيه آخر، واعترض بعضهم رجوع الضمير إلى
    { ظ±لذّكْرِ }
    [الحجر: 9] بأن نون العظمة لا تناسب ذلك فإنها إنما تحسن إذا كان فعل المعظم نفسه فعلاً يظهر له أثر قوي وليس كذلك هنا فإنه تدافع وتنازع فيه.

    وأجاب بأن المقام إذا كان للتوبيخ يحسن ذلك، ولا يلزم أن تكون العظمة باعتبار القهر والغلبة فقد تكون باعتبار اللطف والإحسان. وتعقب ذلك الشهاب بقوله: لا يخفى أنه باعتبار القهر والغلبة يقتضي أن يؤثر ذلك في قلوبهم وليس كذلك لعدم إيمانهم/ به، وكذا باعتبار اللطف والإحسان يقتضي أن يكون سلكه في قلوبهم إنعاماً عليهم فأي إنعام عليهم بما يقتضي الغضب فلا وجه لما ذكر، وأنت تعلم أنه إذا كان المراد سلك ذلك وتمكينه في قلوبهم مكذباً به غير مقبول فكون الإسناد باعتبار القهر والغلبة مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، والأثر الظاهر القوي لذلك بقاؤهم على الكفر والإصرار على الضلال ولو جاءتهم كل آية، ولا يخفى ما في
    { كَذظ°لِكَ }
    [الحجر: 12] مما يناسب نون العظمة أيضاً وقد مر التنبيه عليه غير مرة.

    { وَقَدْ خَلَتْ } مضت { سُنَّةُ } طريقة { ظ±لأَوَّلِينَ } والمراد عادة الله تعالى فيهم على أن الإضافة لأدنى ملابسة لا على الإضافة بمعنى في، والمراد بتلك العادة على تقدير أن يكون ضمير
    { نَسْلُكُهُ }
    [الحجر: 12] للاستهزاء الخذلان وسلك الكفر في قلوبهم أي قد مضت عادته سبحانه وتعالى في الأولين ممن بعث إليهم الرسل عليهم السلام أن يخذلهم ويسلك الكفر والاستهزاء في قلوبهم، وعلى تقدير أن يكون للذكر الإهلاك، وعلى هذا قول الزمخشري أي مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في اهلاكهم حين كذبوا برسلهم والمنزل عليهم، وذكر أنه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم، وإلى الأول ذهب الزجاج، وادعى الإمام أنه الأَليق بظاهر اللفظ؛ وبين ذلك الطيبـي قائلاً: إن التعريف في
    { ظ±لْمُجْرِمِينَ }
    [الحجر: 12] للعهد، والمراد بهم المكذبون من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم المذكورون بعد أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين المكذبين للرسل الماضين نسلكه في قلوب هؤلاء المجرمين فلك أسوة بالرسل الماضية مع أممهم المكذبة، ولست بأوحدي في ذلك وقد خلت سنة الأولين، والمقام يقتضي التقرير والتأكيد فيكون في هذا مزيد تسلية للرسول عليه السلاة والسلام، والوعيد بعيد لأنه لم يسبق لإهلاك الأمم ذكر، وإيثار ذلك لأنه أقرب إلى مذهب الاعتزال اهـ.

    وفيه غفلة عن مغزى الزمخشري، وقد تفطن لذلك صاحب " الكشف " ولله تعالى دره حيث قال: أراد أن موقع { قَدْ خَلَتْ } إلى آخره موقع الغاية في الشعراء [201] أعني قوله تعالى هنالك, { حَتَّىظ° يَرَوُاْ ظ±لْعَذَابَ ظ±لأَلِيمَ } فإنهم لما شبهوا بهم قيل: لا يؤمنون وقد هلك من قبلهم ولم يؤمنوا فكذلك هؤلاء، ومنه يظهر أن الكلام على هذا الوجه شديد الملاءمة، وأما أن الوعيد بعيد لعدم سبق ذكر لإهلاك الأمم ففيه أن لفظ السنة مضافاً إلى ما أضيف إليه ينبىء عن ذلك أشد الإنباء، ثم إنه ليس المقصود منه الوعيد على ما قررناه، وقد صرح أيضاً بعض الأجلة أن الجملة استئنافية جيء بها تكملة للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد، ثم ما ذهب إليه الزمخشري من المراد بالسنة مروي عن قتادة فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه أنه قال في الآية: قد خلت وقائع الله تعالى فيمن خلا من الأمم. وعن ابن عباس أن المراد سنتهم في التكذيب، ولعل الإضافة على هذا على ظاهرها.

    وقال الزمخشري

    وقرىء: «نسلكه»،[ والضمير] للذكر، أي: مثل ذلك السلك، ونحوه: نسلك الذكر في { قُلُوبِ ظ±لْمُجْرِمِينَ } على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزءاً به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام، تعني مثل هذا الإنزال أنزلناها بهم مردودة غير مقضية. ومحل قوله { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } النصب على الحال، أي غير مؤمن به، أو هو بيان لقوله: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ }. { سُنَّةُ الأوّلِينَ } طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

    ملحوظة

    عجبت ممن قضي عمره يبحث عن ادلة علم التوحيد من كتب علم الكلام ولم يتدبر كتاب الله

    وقال الرازى

    وقوله: { إِلاَّ مَنِ ظ±سْتَرَقَ ظ±لسَّمْعَ } لا يمكن حمل لفظة { إِلا } ههنا على الاستثناء، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها، وإنما يحاولون القرب منها، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق، فوجب أن يكون معناه: لكن من استرق السمع. قال الزجاج: موضع { مِن } نصب على هذا التقدير. قال: وجائز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممن. قال ابن عباس: في قوله: { إِلاَّ مَنِ ظ±سْتَرَقَ ظ±لسَّمْعَ } يريد الخطفة اليسيرة، وذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه ولا يقتله، ومنهم من يحيله فيصير غولاً يضل الناس في البراري. وقوله: { فَأَتْبَعَهُ } ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة بلعم بن باعورا في قوله:
    { فَأَتْبَعَهُ ظ±لشَّيْطَـظ°نُ }
    [الأعراف: 175] معناه لحقه، والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكواكب شهاباً، والسنان شهاباً لأجل أنهما لما فيهما من البريق يشبهان النار. واعلم أن في هذا الموضع أبحاثاً دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة الجن، ونذكر منها ههنا إشكالاً واحداً، وهو أن لقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السموات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار الغيوب عنهم، ثم إنها تنزل وتلقي تلك الغيوب على الكهنة فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً لأن كل غيب يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم قام فيه هذا الاحتمال وحينئذ يخرج عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق، لا يقال إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد رسولاً وكون القرآن حقاً، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل محال، ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق، وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجز، وبهذا الطريق يندفع الدور، والله أعلم.

    وقال الالوسي بعد ذكر شبهات نفاة الاستراق والرد عليها

    هذا ثم أعلم أنه يجوز أن يكون استراق السمع من الملائكة الذي عند السماء لا من الملائكة الذين بين كل سماء وسماء ليجيء حديث الثخن واستبعاد السماع معه، ويشهد لهذا ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنهم قالت: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون مع الكلمة مائة كذبة من عند أنفسهم " ولا ينافيه ما رواه أيضاً عن عكرمة أنه قال: «سمعت أبا هريرة يقول: إن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله سبحانه كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع " الخبر، إذ ليس فيه أكثر من سماع المسترق الكلمة بعد قول الملائكة عليهم السلام بعضهم لبعض، وعدم منافاة هذا لذاك ظاهر عند من ألقى السمع وهو شهيد، وأنه ليس في الآيات ما هو نص في أن ما نراه من الشهب لا يكون إلا لرمي شيطان يسترق بل غاية ما فيها أنه إذا استرق شيطان أتبعه شهاب ورمي بنجم وأين هذا من ذاك؟ نعم في خبر الزهري ما يحتاج معه إلى تأمل، وعلى هذا فيجوز أن يكون حدوث بعض ما نراه من الشهب لتصاعد البخار حسبما تقدم عن الفلاسفة، وكذا يجوز أن يكون صعود الشياطين للاستراق في كل سنة مثلاً مرة، ولا يخفى نفع هذا في الجواب عن السؤال الثاني. ومن الناس من أجاب عنه بأنه لا يبعد أن يكون المسترقون صنفاً من الشياطين تقتضي ذواتهم التصاعد نظير تصاعد الأبخرة، بل يجوز أن يكون أولئك الشياطين أبخرة تعلقت بها أنفس خبيثة على نحو ما ذكر الفلاسفة من أنه قد يتعلق بذوات الأذناب نفس فتغيب وتطلع بنفسها وفيه بحث....

  12. #372
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقال الرازى

    وقوله: { إلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ } إشارة إلى كون تلك الأشياء مقدورة له تعالى. وحاصل الأمر فيه أن المراد أن جميع الممكنات مقدورة له، ومملوكة يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء إلا أنه تعالى وإن كانت مقدوراته غير متناهية إلا أن الذي يخرجه منها إلى الوجود يجب أن يكون متناهياً لأن دخول ما لا نهاية له في الوجود محال فقوله: { وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية وقوله: { وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } إشارة إلى أن كل ما يدخل منها في الوجود فهو متناه، ومتى كان الخارج منها إلى الوجود متناهياً كان لا محالة مختصاً في الحدوث بوقت مقدر مع جواز حصوله قبل ذلك الوقت أو بعده بدلاً عنه، وكان مختصاً بحيز معين مع جواز حصوله في سائر الأحياز بدلاً عن ذلك الحيز، وكان مختصاً بصفات معينة، مع أنه كان يجوز في العقل حصول سائر الصفات بدلاً عن تلك الصفات، وإذا كان كذلك كان اختصاص تلك الأشياء المتناهية بذلك الوقت المعين والحيز المعين، والصفات المعينة بدلاً عن أضدادها لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وهذا هو المراد من قوله: { وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } والمعنى: أنه لولا القادر المختار الذي خصص تلك الأشياء بتلك الأحوال الجائزة لامتنع اختصاصها بتلك الصفات الجائزة، والمراد من الإنزال الإحداث والإنشاء والإبداع كقوله تعالى:

    { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ظ±لأَنْعَـظ°مِ ثَمَـظ°نِيَةَ أَزْوظ°جٍ }
    [الزمر: 6] وقوله:
    { وَأَنزْلْنَا ظ±لْحَدِيدَ }
    [الحديد: 25]، والله أعلم. المسألة الثانية: تمسك بعض المعتزلة بهذه الآية في إثبات أن المعدوم شيء قال لأن قوله تعالى: { وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } يقتضي أن يكون لجميع الأشياء خزائن، وأن تكون تلك الخزائن حاصلة عند الله تعالى، ولا جائز أن يكون المراد من تلك الخزائن الموجودة عند الله تعالى هي تلك الموجودات من حيث إنها موجودة، لأنا بينا أن المراد من قوله تعالى: { وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } الإحداث والإبداع والإنشاء والتكوين، وهذا يقتضي أن يكون حصول تلك الخزائن عند الله متقدماً على حدوثها ودخولها في الوجود، وإذا بطل هذا وجب أن يكون المراد أن تلك الذوات والحقائق والماهيات كانت متقررة عند الله تعالى، بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه تعالى أنزل بعضها أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود. ولقائل أن يجيب عن ذلك بقوله: لا شك أن لفظ الخزائن إنما ورد ههنا على سبيل التمثيل والتخييل، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه مجرد كونه تعالى قادراً على إيجاد تلك الأشياء وتكوينها وإخراجها من العدم إلى الوجود؟ وعلى هذا التقدير يسقط الإستدلال، والمباحثات الدقيقة باقية، والله أعلم....

    المسألة الثانية: الريح هواء متحرك وحركة الهواء بعد أن لم يكن متحركاً لا بد له من سبب، وذلك السبب ليس نفس كونه هواء ولا شيئاً من لوازم ذاته، وإلا لدامت حركة الهواء بدوام ذاته وذلك محال، فلم يبق إلا أن يقال: إنه يتحرك بتحريك الفاعل المختار، والأحوال التي تذكرها الفلاسفة في سبب حركة الهواء عند حدوث الريح قد حكيناها في هذا الكتاب مراراً فأبطلناها وبينا أنه لا يمكن أن يكون شيء منها سبباً لحدوث الرياح، فبقي أن يكون محركها هو الله سبحانه. وأما قوله: { وَأَنزَلْنَا مِنَ ظ±لسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـظ°زِنِينَ } ففيه مباحث: الأول: أن ماء المطر هل ينزل من السماء أو ينزل من ماء السحاب؟ وبتقدير أن يقال إنه ينزل من السحاب كيف أطلق الله على السحاب لفظ السماء؟ وثانيها: أنه ليس السبب في حدوث المطر ما يذكره الفلاسفة بل السبب فيه أن الفاعل المختار ينزله من السحاب إلى الأرض لغرض الإحسان إلى العباد كما قال ههنا: { فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ }...

    وقال الالوسي

    واستدل بعض القائلين بشيئية المعدوم على ذلك بهذه الآية، وقد بين وجهه والجواب عنه الإمام ونحن مع القائلين بالشيئية.

    وقال الرازى

    قَالَ يَـا إِبْلِيسُ } أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه، فعند هذا قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله، إلا أن هذا ضعيف، لأن إبليس قال في الجواب: { لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـظ°لٍ } فقوله: { خَلَقْتَهُ } خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصباً عالياً إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا،

  13. #373
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقال الالوسي

    وقال حجة الإسلام: عبر بالنفخ الذي يكون سبباً لاشتعال فتيلة القابل من الطين الذي تعاقبت عليه الأطوار حتى اعتدل واستوى واستعد استعداداً تاماً بنور الروح كما يكون سبباً لاشتعال الحطب القابل مثلاً/ بالنار عن نتيجته ومسببه وهو ذلك الاشتعال، وقد يكنى بالسبب عن الفعل المستفاد الذي يحصل منه على سبيل المجاز وإن لم يكن الفعل المستفاد على صورة الفعل المستفاد منه، ثم هذا الروح عنده وكذا عند جماعة من المحققين ليس بجسم يحل البدن حلول الماء في الإناء مثلاً، ولا هو عرض يحل القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالم بل هو جوهر مجرد ليس داخل البدن ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولهم على ذلك عدة أدلة:

    الدليل الأول: أن الإنسان يمكنه إدراك الأمور الكلية وذلك بارتسام صور المدركات في المدرك فمحل تلك الصور إن كان جسماً فإما أن يحل غير منقسم أو منقسماً، والأول محال لأن الذي لا ينقسم من الجسم طرف نقطي والنقطة تمتنع أن تكون محلاً للصور العقلية لأنها مما لا يعقل حصول المزاج لها حتى يختلف حال استعدادها في القابلية وعدمها بل إن كانت قابلة للصور المذكورة وجب أن يكون ذلك القبول حاصلاً أبداً ولو كان كذلك لكان المقبول حاصلاً أبداً لما أن المبادىء الفعالة المفارقة عامة الفيض فلا يتخصص إلا لاختلاف أحوال القوابل فلو كان القابل تام الاستعداد لكان المقبول واجب الحصول وحينئذٍ يكون جميع الأجسام ذوات النقط عاقلة، ويجب أيضاً أن يبقى البدن بعد الموت عاقلاً لبقاء محل الصور على استعداده وليس كذلك، والثاني أيضاً محال لأن الحال في المنقسم منقسم فيلزم أن تكون تلك الصورة منقسمة أبداً وذلك محال لوجوه مقررة فيما بينهم.

    الدليل الثاني: ما عول عليه الشيخ وزعم أنه أجل ما عنده في هذا الباب وهو أنه يمكننا أن نعقل ذواتنا وكل من عقل ذاتاً فله ماهية ذلك الذات فإذاً لنا ماهية ذاتنا فلا يخلو إما أن يكون تعقلنا لذاتنا لأجل صورة اخرى مساوية لها تحصل فيها وإما أن لا يكون بل لأجل أن نفسها حاضرة لها، والأول محال لأنه يفضي إلى الجمع بين المثلين فتعين الثاني، وكل ما ذاته حاصل لذاته كان قائماً بذاته، فإذن القوة العاقلة وهي الروح والنفس الناطقة قائمة بنفسها، وكل جسم أو جسماني فإنه غير قائم بنفسه، وأكثر تلامذته من الاعتراضات وأجاب عنها.

    الدليل الثالث: ما عول عليه أفلاطون وهو أنا نتخيل صوراً لا وجود لها في الخارج ونميز بينها وبين غيرها فهذه الصور أمور وجودية ومحلها يمتنع أن يكون جسمانياً فإن جملة بدننا بالنسبة إلى الأمور المتخيلة لنا قليل من كثير فكيف ينطبق الصور العظيمة على المقادير الصغيرة؟ وليس يمكن أن يقال: إن بعض تلك الصور منطبعة في أبداننا وبعضها في الهواء المحيط بنا إذ الهواء ليس من جملة أبداننا ولا آلة لنفوسنا في أفعالها أيضاً وهو ظاهر، فإذن محل هذه الصور شيء غير جسماني وذلك هو النفس الناطقة.

    الدليل الرابع: لو كان محل الإدراكات شيئاً جسمانياً لصح أن يقوم ببعض ذلك الجسم علم وبالبعض الآخر جهل فيكون الشيء الواحد عالماً جاهلاً بشيء واحد في حالة واحدة.

    الدليل الخامس: أن الروح لو كان منطبعاً في جسم مثل قلب أو دماغ لكان إما أن يعقل دائماً ذلك الجسم أو لا يعقله كذلك أو يعقله في وقت دون وقت والأقسام باطلة فالقول بانطباعه باطل، وبيان ذلك أن تعقل الروح لذلك الجسم إما أن يكون لأجل أن الآلة حاضرة عنده أو لأن صورة أخرى من تلك الآلة تحصل له فإن كان الأول فالروح إن أمكنه إدراك تلك الآلة وإدراك نفس مقارنتها له فما دامت الآلة مقارنة وجب/ أن يعقلها الروح فيكون دائم الإدراك لتلك الآلة وإن امتنع على الروح إدراك الآلة وجب أن لا يدركها أبداً فظاهر أنه لو كان تعقل الروح لتلك الآلة لأجل المقارنة لوجب أن يعقلها دائماً أو لا يعقلها كذلك وكلا القسمين باطل، وأما إن كان تعقله لها لأجل حصول صورة أخرى منها فالروح إن كانت في تلك الآلة والصورة الثانية حاصلة فيه يكون الصورة الثانية للآلة حالة أيضاً في الآلة لأن الحال في الحال في الشيء حال في ذلك الشيء فيلزم الجمع بين المثلين وإن لم يكن الروح في تلك الحالة بل مجردة فذلك المطلوب واستدل بغير ذلك أيضاً.

    وقد ذكر الإمام في " المباحث " من الأدلة اثني عشر دليلاً منها ما ذكر وأطال الكلام في ذلك جرحاً وتعديلاً وعول في إثبات هذا المطلب على غير ذلك فقال: والذي نعول عليه أن نقول: إن كل عاقل يجد من نفسه أنه الذي كان قبل فهويته إما أن تكون جسماً وإما أن تكون قائمة بالجسم وإما أن لا تكون شيئاً من الأمرين والأول بالباطل، أما أولاً فلأن الإنسان قد يكون عالماً بهويته عند ذهوله عن جملة أعضائه الظاهرة والباطنة، وأما ثانياً فلأن الأبعاض الجسمانية دائمة التحلل والتبدل لأن الأسباب المحالة من الحرارة الخارجية الداخلية والحركات النفسانية والبدنية مما لا تختص بجزء دون جزء والبدن مركب من الأعضاء المركبة وهي مركبة من الأعضاء البسيطة مثل اللحم والعظم فيكون كل جزء من اللحم مثل الآخر في الاستعداد للتحلل فإذا كانت الأجزاء كلها متساوية في ذلك كانت نسبة المحللات إلى كل واحد من الأجزاء كنسبته إلى الجزء الآخر فلم يكن عروض التحلل لبعض أولى من عروضه للبعض الآخر فثبت أن هوية الإنسان ليست جسماً وليست أيضاً قائمة بالجسم لأن القائم به يجب أن يتبدل عند تبدله لاستحالة انتقال الأعراض فكان يلزم أن لا يجد الإنسان من نفسه أنه الذي كان موجوداً قبل، ولما كان هذا العلم من العلوم البديهية علمنا أن هوية الإنسان ليست جسماً ولا محتاجة إليه فهو جوهر مجرد وهو المطلوب.......

    وهذا الذي قالوه من تجرد الروح خلاف ما عليه جمهور أهل السنة. قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي: قد خاض سائر الفرق غمرة الكلام في الروح فما ظفروا بطائل ولا رجعوا بنائل وفيها أكثر من ألف قول وليس فيها ـ على ما قال ابن جماعة ـ قول صحيح بل كلها قياسات وتجليات عقلية، وجمهور أهل السنة على أنها جسم لطيف يخالف الأجسام بالماهية والصفة متصرف في البدن حال فيه حلول الزيت في الزيتون والنار في الفحم يعبر عنه بأنا وأنت

    وإلى ذلك ذهب إمام الحرمين، وقال اللقاني: جمهور المتكلمين على أنها جسم مخالف بالماهية للجسم الذي تتولد منه الأعضاء نوراني علوي خفيف حي لذاته نافذ في جوهر الأعضاء سار فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم لا يتطرق إليه تبدل ولا انحلال بقاؤه في الأعضاء حياة وانفصاله عنها إلى عالم الأرواح موت.

    وزعم بعضهم أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس وروحه عرض قائم به وعزاه بعض المتأخرين من المعاصرين إلى جمهور المتكلمين وجعله وامتناع اتحاد القابل والفاعل دليلاً على إبطال كون العبد خالقاً لأفعاله، وقد رد الإمام في " التفسير " ذلك الزعم وارتضى ما نقلناه عن الجمهور فقال: إنهم قالوا لا يجوز أن يكون الإنسان/ عبارة عن هذا الهيكل المحسوس لأن أجزاءه أبداً في الذبول والنمو والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو ـ هو ـ أمر باق من أول عمره إلى آخره وغير الباقي غير الباقي فالمشار إليه عند كل أحد بقوله أنا وجب أن يكون مغايراً لهذا الهيكل. ثم اختلفوا عند ذلك في أن المشار إليه بأنا أي شيء هو؟ والأقوال فيه كثيرة إلى أن أسدها تحصيلاً وتلخيصاً أنها أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان الماء في الورد والدهن في السمسم ثم إن المحققين منهم قالوا إن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخره مخالفة بالماهية لما تركب منه الهيكل وهي حية لذاتها مدركة لذاتها نورانية لذاتها فإذا خالطت ذلك وصارت سارية فيه صار مستنيراً بنورها متحركاً بتحريكها ثم إنه أبداً في الذوبان والتحلل والتبدل وتلك الأجزاء لمخالفتها له بالماهية باقية بحالها وإذا فسد انفصلت عنه إلى عالم القدس إن كانت سعيدة أو عالم الآفات إن كانت شقية اهـ.

    ومنه يعلم بطلان الاستدلال على تجرد الروح بإبطال كون الإنسان عبارة عن الهيكل المحسوس كما يقتضيه كلام صاحب " الهياكل " حسبما يدل عليه كلام شارحه الجلال حيث قال في الهيكل الثاني: أنت لا تغفل عن ذاتك أبداً وما جزء من أجزاء بدنك ألا تنساه أحياناً ولا يدرك الكل إلا بأجزائه فلو كنت أنت هذه الجملة ما كان يستمر شعورك بذاتك مع نسيانها فأنت وراء هذا البدن وقال الجلال: فلا تكون النفس جسماً أصلاً لأن غاية ذلك إثبات أن النفس وراء هذا البدن لا إثبات أنها مع ذلك مجردة لجواز أن تكون جسماً لطيفاً كما علمت. وزعم القاضي أن مذهب أكثر المتكلمين أن الروح عرض وأنها هي الحياة واختاره الأستاذ أبو إسحاق ولم يبال بلزوم قيام العرض بالعرض. واعترض هذا الزاعم القول بالجسمية بأنها لو كانت جسماً لجاز عليها الحركة والسكون كسائر الأجسام فيلزم أن تكون كلها أرواحاً ولوجب أن يكون للروح روح أخرى لا إلى نهاية، وفيه أنه إنما يلزم ما ذكر أن لو كان الجسم إنما كان روحاً لكونه جسماً وليس فليس فإنه إنما كان روحاً لمعنى خصه الله تعالى به وقد علمت أن القائل بالجسمية يقول: إنه حي لذاته فلا يلزم التسلسل وبينه وبين الجسم عنده علاقة بحسب بخار لطيف يعبر عنه بالروح الحيواني، وعرفه في " الهياكل " بأنه جسم لطيف بخاري يتولد من لطائف الأخلاط وينبعث من التجويف الأيسر من القلب وينبث في البدن بعد أن يكتسب السلطان النوري من النفس الناطقة ولولا لطفه لما سرى وهو مطية تصرفات النفس ومتى انقطع انقطع تصرفها، وقال بعضهم: إنه اعتدال مزاج دم القلب والأمر في ذلك سهل، وذهب بعض المحققين إلى أن الروح تطلق على الروح التي ذكر أنها جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو غير الروح الحيواني وعلى أمر رباني شريف له إشراق على ذلك الجسم اللطيف ولعل ذلك هو سبب حياة الروح بالمعنى الأول وإدراكها ونورانيتها ويعبر عنه بالروح الأمري وهو المراد من الروح في قوله تعالى:

    { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لرُّوحِ }
    [الإسراء: 85] الآية، ويطلقون كثيراً على الروح بالمعنى الأول النفس الإنسانية وعليها بالمعنى الثاني النفس الناطقة والذي يقال فيه: إنه جوهر مجرد ليس جسماً ولا جسمانياً ولا متصلاً ولا منفصلاً ولا داخل العالم ولا خارجه وأنه نور من أنوار الله تعالى القائمة لا في أين من الله عز وجل مشرقه وإليه سبحانه مغربه هو الروح بهذا الإطلاق.

    واختلفوا في أن حدوثها هل هو قبل الأبدان أو بعدها فقال حجة الإسلام: الحق أن الأرواح حدثت عند استعداد الجسد للقبول كما حدثت الصورة في/ المرآة بحدوث الصقالة وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقيل، وقد قال بذلك من الفلاسفة أرسطو ومتبعوه، واستدلوا عليه بأنها لو كانت موجودة قبل الأبدان فإما أن تكون واحدة أو كثيرة وعلى الأول إما أن تتكثر عند التعلق بالبدن أو لا فإن لم تتكثر كانت الروح الواحدة روحاً لكل بدن ولو كان كذلك لكان ما علمه إنسان علمه الكل وما جهله جهله وذلك محال، وإن تكثرت لزم انقسام ما ليس له حجم وهو أيضاً محال، وعلى الثاني لا بد أن يمتاز كل واحدة منها عن صاحبتها إما بالماهية أو لوازمها أو عوارضها، والأولان محالان لأن الأرواح متحدة بالنوع والواحد بالنوع يتساوى جميع أفراده بالذاتيات ولوازمها، وأما العوارض فحدوثها إنما هو بسبب المادة وهي هنا البدن فقبله لا مادة فلا يمكن أن يكون هناك عوارض مختلفة وبعد أن ساق حجة الإسلام الدليل على هذا الطرز قيل له: ما تقول في خبر

    إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام " ؟ وقوله صلى الله عليه وسلم: " أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وكنت نبياً وآدم بين الماء والطين " فقال رحمه الله تعالى: نعم هذا يدل بظاهره على تقدم وجود الروح على الجسد ولكن أمر الظواهر هين لسعة باب التأويل، وقد قالوا: إن البرهان القاطع لا يدرأ بالظاهر بل يؤول له الظاهر كما في ظواهر الكتاب والسنة في حق الله تعالى المنافية لما يدل عليه البرهان القطعي، وحينئذ يقال: لعل المراد من الأرواح في الخبر الأول الملائكة عليهم السلام وبالأجساد أجساد العالم من العرش والكرسي والسمظ°وات ونحوها، وإذا تفكرت في عظم هذه الأجساد لم تكد تستحضر أجساد الآدميين ولم تفهمها من مطلق لفظ الأجساد، ونسبة أرواح البشر إلى أرواح الملائكة عليهم السلام كنسبة أجسادهم إلى أجساد العالم ولو انفتح عليك باب معرفة أرواح الملائكة لرأيت الأرواح البشرية كسراج اقتبس من نار عظيمة طبقت العالم وتلك النار هي الروح الأخير من أرواح الملائكة. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: " أنا أول الأنبياء خلقاً " فالخلق فيه بمعنى التقدير دون الإيجاد فإنه صلى الله عليه وسلم قبل أن يولد لم يكن مخلوقاً موجوداً ولكن الغايات سابقة في التقدير ولاحقة في الوجود، وهو معنى قول الحكيم: أول الفكر آخر العمل، فالدار الكاملة أول الأشياء في حق المهندس مثلاً تقديراً وآخرها وجوداً وما يتقدم على وجودها من ضرب اللبن ونحوه وسيلة إليها ومقصود لأجلها، ولما كان المقصود من فطرة الآدميين إدراكهم لسعادة القرب من الحضرة الإلهية ولم يمكنهم ذلك إلا بتعريف الأنبياء عليهم السلام كانت النبوة مقصودة والمقصود كمالها وغايتها لا أولها وتمهيد أولها وسيلة إلى ذلك وكمالها به صلى الله عليه وسلم فلذلك كان أولاً في التقدير وآخراً في الوجود، وقوله عليه الصلاة والسلام: " كنت نبياً وآدم بين الماء والطين " إشارة إلى هذا أيضاً وأنه لم يشأ سبحانه خلق آدم إلا لينتزع الصافي من ذريته ولم يزل يستصفى تدريجاً إلى أن بلغ كمال الصفاء، ولا يفهم هذا إلا بأن يعلم أن للدار مثلاً وجودين وجوداً في ذهن المهندس حتى كأنه ينظر إلى صورتها ووجوداً خارج الذهن مسبباً عن الوجود الأول فهو سابق عليه لا محالة. وحينئد يقال: إن الله تعالى يقدر أولاً ثم يوجد على وفق التقدير ثانياً، والتقدير يرسم في اللوح المحفوظ كما يرسم تقدير المهندس أولاً في لوح أو قرطاس فتصير الدار موجودة بكمال صورتها نوعاً من الوجود يكون سبباً للوجود الحقيقي، وكما أن هذه الصورة ترتسم في لوح المهندس بواسطة القلم والقلم يجري على وفق العلم بل العلم يجريه كذلك تقدير صور الأمور الإلهية ترتسم أولاً في اللوح المحفوظ بواسطة القلم الإلهي والقلم يجري/ على وفق العلم السابق الأزلي، واللوح عبارة عن موجود قابل لنقش الصور، والقلم عبارة عن موجود منه تفيض الصور على اللوح وليس من شرطهما أن يكونا جسمين ولا يبعد أن يكون قلم الله تعالى ولوحه لائقين لأصبعه ويده وكل ذلك على ما يليق بذاته الإلهية ويقدس عن حقيقة الجسمية، وقد يقال إنهما جوهران روحانيان أحدهما متعلم وهو اللوح والآخر معلم وهو القلم، وقد أشير إلى ذلك ذلك بقوله سبحانه:

    { عَلَّمَ بِظ±لْقَلَمِ }
    [العلق: 4] فإذا فهمت معنيـي الوجود فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بالمعنى الأول منهما دون المعنى الثاني اهـ.

    واعترض على الاستدلال من وجوه منها ما هو جار على رأي الفلاسفة المستدلين بذلك أيضاً ومنها ما لا اختصاص له برأيهم. الأول لم لا يجوز أن يقال: إنها كانت قبل الأبدان واحدة ثم تكثرت ولا يقال: الكل لو كان واحداً وكان قابلاً للانقسام يلزم أن تكون وحدته اتصالية فيكون جسماً لأنا نقول: مسلم أن كل ما وحدته اتصالية فإنه واحد قابل للانقسام ولا نسلم أن كل واحد قابل للانقسام فوحدته اتصالية لأن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها. الثاني سلمنا أنها كانت متكثرة لكن لم قلتم لا بد أن يختص كل بصفة مميزة لأنه لو كان التميز للاختصاص بأمر ما لكان ذلك الأمر أيضاً متميزاً عن غيره فإما أن يكون تميزه بما به تميزه فيلزم الدور أو بثالث فيلزم التسلسل ولأن التميز لا يختص بشيء بعينه إلا بعد تميزه فلو كان تميز الشيء عن غيره باختصاصه بشيء لزم الدور. الثالث سلمنا أنه لا بد من ميز فلم لا يجوز أن يكون بذاتي، وبيانه ما بينوه من اختلاف النفوس بالنوع. الرابع سلمنا أنها لا تتميز بشيء من الذاتيات فلم لا يجوز أن تتميز بالعوارض؛ قولكم: إن حدوثها بسبب المادة وهي هنا البدن ولا بدن فنقول لم لا يجوز أن يكون هناك بدن تتعلق به وقبله آخر وهكذا ولا مخلص من هذا إلا بإبطال التناسح فتوقف حجة إثبات حدوث الأرواح على ذلك الإبطال مع أن الحكماء بنوا ذلك على الحدوث حيث قالوا بعد الفراغ من دليله: إذا ثبت حدوث النفس فلا بد وأن يكون لحدوثها سبب وذلك هو حدوث البدن فإذا حدث البدن وتعلقت به نفس على سبيل التناسخ وثبت أن حدوث النفس سبب لأن يحدث عن المبادىء المفارقة نفس أخرى فحينئذ يلزم اجتماع نفسين في بدن فيجيء الدور. الخامس سلمنا عدم تعلقها ببدن قبل لكن لم لا يجوز أن تكون موصوفة بعارض باعتباره كانت متميزة ثم يكون كل عارض بسبب عارض آخر لا إلى أول. السادس: المعارضة وهي أن الأرواح عند الفريقين باقية بعد المفارقة ولا يكون تمايزها بالماهية ولوازمها بل بالعوارض لكن الأرواح الهيولانية التي لم تكتسب شيئاً من العوارض إذا فارقت لا يكون فيها شيء من العوارض سوى أنها كانت متعلقة بأبدان فإن كفى هذا القدر في وقوع التمايز فليكف أيضاً كونها بحيث يحدث لها بعد التعلق بأبدان متمايزة، قولهم: لم لا يجوز أن تكون قبل واحدة فتكسرت، قلنا: لا يجوز لأن كل ما انقسم وجب أن يكون جزؤه مخالفاً لكله ضرورة أن الشيء مع غيره ليس هو لا مع غيره فتلك المخالفة إن كانت بالماهية أو لوازمها وجب أن يكون كل واحد من الأجزاء مخالفاً للآخر بالماهية فتكون تلك الأجزاء قد كانت متميزة أبداً وكانت موجودة قبل التعلق.

    فهذه الأمور المتعلقة الآن بالأبدان كانت متميزة قبل التعلق بها وإن كانت المخالفة لا بالماهية ولا بلوازمها فلا بد أن يكون الجزء أصغر مقداراً من الكل وإلا لم يكن أحدهما أولى بأن يكون جزء الآخر من العكس، فثبت أن كل واحد قابل للانقسام فلا بد أن يكون ذا مقدار. سلمنا أن المجرد لا يمكن أن ينقسم بعد وحدته/ لكن تعينات تلك الأجزاء إنما تحدث بعد الانقسام الحاصل بعد التعلق بالبدن فيكون تعين كل واحد من تلك الأجزاء بعد التعلق بالبدن فيكون تعين كل واحدة من تلك النفوس من حيث هي حادثاً وهو المطلوب. وقولهم: لم قلتم إن الامتياز لا يوجد إلا عند الاختصاص بوصف، قلنا: يجاب بنحو ما ذكروه في تشخص التشخص، وقولهم لم قلتم: إن النفوس لا يجوز أن تتمايز بالصفات المقومة؟ قلنا: هب أن الأمر كما قلتموه إلا أنا لا نعرف بالبديهة أن كل نوع من أنواعها فإنها مقولة على أشخاص عدة بالضرورة فإنا نعلم أنه ليس يجب أن يكون كل إنسان مخالفاً لجميع الناس في الماهية، وإذا وجد في كل نوع من أنواعها شخص فقد تمت الحجة.

    وقولهم: إن هذه الحجة مبنية على إبطال التناسخ. قلنا: ليس كذلك لأنا إذا وجدنا من النوع الواحد شخصين علمنا أن تلك الشخصية ليست معلولة لتلك الماهية لأن كل ما كان كذلك كان نوعه في شخصه، ولما لم يكن كذلك علمنا أن شخصيته ليست من لوازم ماهيته فهي إذن لعلة خارجية، وقد عرفت أن العلة هي المادة ومادة النفس هي البدن فإذن تعينها لا بد وأن يكون للتعلق ببدن معين فتكون لا محالة غير متعينة قبل ذلك البدن فهي معدومة قبله. وبهذا يظهر أن كل ما نوعه مقول على كثيرين بالفعل فهو محدث، فاتضح من هذا أنه متى سلم كون النفوس متحدة في النوع يلزم حدوثها وأنه لا يحتاج في ذلك إلى إبطال التناسخ ليجيء الدور السابق. قولهم: لم لا يجوز أن تكون موصوفة بعارض الخ؟ قلنا: لا يجوز أن يكون امتيازها بذلك لأن تميز النفس المعينة عن غيرها حكم معين لا بد له من علة معينة، وتلك العلة لا يمكن أن تكون حالة فيها لأن ذلك متوقف على امتيازها عن غيرها فلو توقف ذلك الامتياز على حلول ذلك الحال لزم الدور، فإذن تلك العلة أمر عائد إلى القابل وقبل البدن لا قابل فلا تميز.

    والمتكلمون يبطلون مثل ما ذكر بلزوم التسلسل الذي يبطله برهان التطبيق. وأما المعارضة فالجواب عنها بأن النفوس الهيولانية يتميز بعضها عن البعض أولاً بسبب تعلقها بالقابل المعين ثم إنه يلزم من تعين كل واحد منها شعورها بذاتها الخاصة وقد بين أن شعور الشيء بذاته حالة زائدة على ذاته ثم إن ذلك الشعور يستمر فلا جرم يبقى الامتياز. والحاصل أن الامتياز لا بد وأن يحصل أولاً بسبب آخر حتى يحصل لكل من النفوس شعور بذاته الخاص وذلك السبب في النفوس الهيولانية تعلقها بالأبدان، وأما التي قبل الأبدان فلو تميزت لكان المميز سوى الشعور حتى يترتب هو عليه، وقد بين أنه ليس هناك مميز فلا جرم استحال حصول التميز وظهر الفرق والله تعالى الموفق....

    وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة للكلام في هذا المقام وهو لعمر الله تعالى طويل الذيل، وبالجملة إن الوقوف على حقيقة الروح أمر عسر والطريق إليه وعر، وقد جعل الله سبحانه ذلك من أعظم آياته الدالة على جلال ذاته وكمال صفاته فسبحانه من إله ما أجله ومن رب ما أكمله.

    { قَالَ يظ°إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ظ±لسَّاجِدِينَ }


    امره بالسجود ظاهرا واراد له عدم السجود باطنا ولو اراده له لسجد رغم انفه فتحقق مذهب اهل السنة

  14. #374
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقال الرازى

    الباء في { بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } للقسم وما مصدرية، وجواب القسم لأزينن. والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم، ونظيره قوله تعالى:
    { فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
    [صغ¤: 82] إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله، وهي من صفات الذات، وفي قوله: { بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } أقسم بإغواء الله وهو من صفات الأفعال. والفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات صحيح، أما بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه. ونقل الواحدي عن قوم آخرين أنهم قالوا: الباء ههنا بمعنى السبب، أي بسبب كوني غاوياً لأزينن كقول القائل، أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار، وبطاعته ليدخلن الجنة. البحث الثاني: اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر ويصده عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه: الأول: أن إبليس استمهل وطلب البقاء إلى قيام القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا الإمهال والإبقاء لإغواء بني آدم وإضلالهم وأنه تعالى أمهله وأجابه إلى هذا المطلوب، ولو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين في الدين لما أمهله هذا الزمان الطويل، ولما مكنه من الإغواء والإضلال والوسوسة. الثاني: أن أكابر الأنبياء والأولياء مجدون ومجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق، وأن إبليس ورهطه وشيعته مجدون ومجتهدون في الضلال والإغواء، فلو كان مراد الله تعالى هو الإرشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحققين وإهلاك المضلين والمغوين، وحيث فعل بالضد منه، علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر. الثالث: أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على الكفر وأنه ملعون إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر والقبيح، لأنه أيس عن المغفرة والفوز بالجنة يجترىء حينئذ على أنواع المعاصي والكفر. الرابع: أنه لما سأل الله تعالى هذا العمر الطويل، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر والمعصية، وبسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سبباً لمزيد عذابه، وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه. الخامس: أنه صرح بأن الله أغواه فقال: { رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } وذلك تصريح بأن الله تعالى أغواه لا يقال: هذا كلام إبليس وهو ليس بحجة، وأيضاً فهو معارض بقول إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } فأضاف الإغواء إلى نفسه، لأنا نقول. أما الجواب عن الأول: فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن الله تعالى ما أنكره عليه وذلك يدل على أنه كان صادقاً فيما قال. وأما الجواب عن الثاني: فهو أنه قال في هذه الآية: { رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأزَيّنَنَّ لَهُمْ } فالمراد ههنا من قوله: { لأزَيّنَنَّ لَهُمْ } هو المراد من قوله في تلك الآية: { لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن الله تعالى أغواه قبل ذلك، وعلى هذا التقدير فقد زال التناقض ويتأكد هذا بما ذكره الله تعالى حكاية عن الشياطين في سورة القصص:

    هَـؤُلاء ظ±لَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَـظ°هُمْ كَمَا غَوَيْنَا }
    [القصص: 63]. السؤال السادس: أنه اقل: { رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } وهذا اعتراف بأن الله تعالى أغواه فنقول: إما أن يقال: إنه كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه، أو ما عرف ذلك، فإن كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه امتنع كونه غاوياً لأنه إنما يعرف أن الله تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل وباطل، ومن عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل والضلالة، وأما إن قلنا: بأنه ما عرف أن الله أغواه فكيف أمكنه أن يقول: { رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } فهذا مجموع السؤالات الواردة في هذه الآية. أما الإشكال الأول: فللمعتزلة فيه طريقان: الطريق الأول: وهو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته، فبتقدير أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته فإن ذلك الكافر، والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية، فلما كان الأمر كذلك، لا جرم أمهله هذه المدة. الطريق الثاني: وهو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال: إنه تعالى علم أن أقواماً يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعصية، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر والمعصية، بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر وتلك المعصية، أقصى ما في الباب أن يقال: الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته سبباً لزيادة المشقة في أداء الطاعات، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله، كما أن إنزال المشاق وإنزال المتشابهات صار سبباً لمزيد الشبهات، ومع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا ههنا، وهذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني. وأما السؤال الثالث: وهو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة على المعاصي والإكثار منها، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم الله تعالى من حاله أن ذلك لايوجب التفاوت ألبتة، فالسؤال زائل، وهذا بعينه هو الجواب عن السؤال الرابع. وأما السؤال الخامس: وهو أن إبليس صرح بأن الله تعالى أغواه وأضله عن الدين، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى: أحدها: المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك. وثانيها المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضاً عنه بالدعاء إلى المعصية.


    وثالثها: أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة، وبالثاني الإضلال. ورابعها: أن المراد بإغواء الله تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس، فأما أن يقال: إن ذلك الأمر صار موجباً لذاته لحصول ذلك الغي، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب وكله ضعيف، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول: هذا باطل، ويدل عليه القرآن والبرهان، أما القرآن فقوله تعالى:
    { فَأَزَلَّهُمَا ظ±لشَّيْطَـظ°نُ }
    [البقرة: 36] فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان، وقال:
    { فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ظ±لْجَنَّةِ فَتَشْقَىظ° }
    [طه: 117] فأضاف الإخراج إليه، وقال موسى عليه السلام:
    { هَـظ°ذَا مِنْ عَمَلِ ظ±لشَّيْطَـظ°نِ }
    [القصص: 15] وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثراً، وأما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبداً في القبائح. وينفره عن الخيرات، مثل شخص كان حاله بالضد منه، والعلم بهذا التفاوت ضروري. وأما قوله إن وجوده يصير سبباً لزيادة المشقة في الطاعة فنقول: تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة الثواب على أحد التقديرين، وفي الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني وهو التقدير الأكثر الأغلب، وكل من يراعي المصالح، فإن رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلاً، ولما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة، وأما قوله: المراد من قوله: { رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن طريق الجنة فنقول: كل هذا بعيد، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة وهو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة، وأضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى فثبت أن الإشكالات لازمة وأن أجوبتهم ضعيفة، والله أعلم..

    قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: { ظ±لْمُخْلَصِينَ } بكسر اللام في كل القرآن، والباقون بفتح اللام. وجه القراءة الأولى أنهم الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد، ومن فتح اللام فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية والإيمان، والتوفيق، والعصمة، وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من الله تعالى...

    وقال الالوسي

    و { مَا } مصدرية أيضاً أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن، وإِقسامه بعزة الله تعالى المفسرة بسلطانه وقهره لا ينافي إِقسامه بهذا فإنه فرع من فروعها وأثر من آثارها فلعله أقسم بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بهذا وأخرى بذاك، وزعم بعضهم أن السببية أولى لأنه وقع في مكان آخر
    { فَبِعِزَّتِكَ }
    [ص:82] والقصة واحدة والحمل على محاورتين لا موجب له ولأن القسم بالإِغواء غير متعارف انتهى.

    وفيه نظر ظاهر فإن قوله:
    { فَبِعِزَّتِكَ }
    [ص: 82] يحتمل القسمية أيضاً، وقد صرح الطيبـي بأن مذهب الشافعية أن القسم بالعزة والجلال يمين شرعاً فالآية على الزاعم لا له. نعم إن دعواه عدم تعارف القسم بالإغواء مسلمة وهو عندي يكفي لأولوية السببية ولعدم التعارف مع عدم الإشعار بالتعظيم لا يعد القسم بها يميناً شرعاً فإن القائلين بانعقاد القسم بصفة له تعالى يشترطون أن تشعر بتعظيم ويتعارف مثلها، وفي نسبة الإغواء إليه تعالى بلا إنكار منه سبحانه قول بأن الشر كالخير من الله عز وجل، وأول المعتزلة ذلك وقالوا: المراد النسبة إلى الغي كفسَّقته نسبته إلى الفسق لا فعلته أو أن المراد فعل به فعلاً حسناً أفضى به لخبثه إلى الغي حيث أمره سبحانه بالسجود فأبى واستكبر أو أضله عن طريق الجنة وترك هدايته واللطف به واعتذروا عن إنظار الله تعالى إياه مع أنه مفض إلى الإغواء القبيح بأنه تعالى قد علم منه وممن اتبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أنظر أم لم ينظر وأن في إنظاره تعريضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب.

    وأنت تعلم أن في إنظار إبليس عليه اللعنة وتمكينه من الإغواء وتسليطه على أكثر بني آدم ما يأبى القول وجوب رعاية الأصلح المشهور عن المعتزلة، وأيضاً من زعم أن حكيماً أو غيره يحصر قوماً في دار ويرسل فيها النار العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أذى أحد من أولئك القوم بالإحراق أو اللسع فقد خرج عن الفطرة البشرية. فحينئذ الذي تحكم به الفطرة أن الله تعالى أراد بالإنظار إضلال بعض الناس فسبحانه من إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

    وتمسك بعض المعتزلة في تأويل ما تقدم بقوله: { وَلأغْوِيَنَّهُمْ } حيث أفاد أن الإغواء فعله فلا ينبغي أن ينسب إلى الله تعالى، وأجيب بأن المراد به هنا الحمل على الغواية لا إيجادها وتأويل اللاحق للسابق أولى من العكس، وبالجملة ضعف الاستدلال ظاهر فلا يصلح ذلك متمسكاً لهم { أَجْمَعِينَ } أي كلهم فهو لمجرد الإحاطة هنا.

    وقال الماتريدى

    فإن قيل: قوله: { أَغْوَيْتَنِي } قول إبليس؛ وهو كاذب بالإضافة إليه. قيل: لو كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذباً لكذبه فيه، ورد عليه [قوله]، كما كذبه في قوله ورد عليه: أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا؛ حيث قال:
    { فَظ±هْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا }
    [الأعراف: 13] فلما لم يردّ عليه؛ ولم يكذبه فيما أضاف إليه حرف الإغواء دل أن [إضافة الإغواء إليه] والإضلال حقيقة أو أن يكون قوله:
    { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }
    [ص: 76] إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه؛ حيث أخبر أنه خلقه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر. وأما قوله: { أَغْوَيْتَنِي } ليس على ذلك، فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذباً فيه؛ لأنه فعل شر أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء؛ لذلك اختلفا، أو لو كان قول إبليس - لعنه الله - كذباً فما تصنعون بقول نوح - عليه السلام - حيث قال:
    { إِن كَانَ ظ±للَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ }
    [هود: 34] وقول موسى:
    { فَلَمَّا زَاغُوغ¤اْ أَزَاغَ ظ±للَّهُ قُلُوبَهُمْ }
    [الصف: 5].

    ثم قوله: { رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ظ±لأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ظ±لْمُخْلَصِينَ } يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر، دون أن تفوّه بذلك، فأخبر - عز وجل - عنه ما كان عزم؛ من الإغواء وغيره بالقول، وذلك جائز؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول؛ كقوله:
    { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ظ±للَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً }
    [الإنسان: 9] لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا منهم؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند التصدق؛ لكنه إخبار عما [قصدوا وعزموا] بالتصدق؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون هذا من الله إخباراً عما عزم إبليس وقصد؛ على غير التفوه به والقول، وهو ما ذكر
    { وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }
    [المائدة: 99] أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا.


    وقال الالوسي

    قَالَ } الله سبحانه وتعالى: { هَذَا صِرظ°طٌ عَلَىَّ } أي حق لا بد أن أراعيه { مُّسْتَقِيمٌ } لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره، والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخلص المخلصين من إغوائه وكلمة { عَلَىَّ } تستعمل للوجوب والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح عليه تعالى، وقال أهل السنة: إن ذلك وإن/ كان تفضلاً منه سبحانه إلا أنه شبه بالحق الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه بمقتضى وعده جل وعلا فجيء ـ بعلي ـ لذلك أو إلى ما تضمنه
    { ظ±لْمُخْلَصِينَ }
    [الحجر:40] بالكسر من الإخلاص على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إليَّ من غير إعوجاج وضلال وهو على نحو طريقك عليَّ إذا انتهى المرور عليه، وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة باستعلاء من ثبت عليه فهو أدل على التمكن من الوصول، وهو تمثيل فلا استعلاء لشيء عليه سبحانه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وليست { عَلَىَّ } فيه بمعنى إليَّ. نعم أخرج ابن جرير عن الحسن أنه فسرها بها، وأخرج عن زياد بن أبـي مريم وعبد الله بن كثير أنهما قرآ { هذا صراط مستقيم } وقالا: { عليَّ } هي إليَّ وبمنزلتها والأمر في ذلك سهل، وهي متعلقة بيمر مقدراً و { صِرظ°طٌ } متضمن له فيتعلق به.

    وقال بعضهم: الإشارة إلى انقسامهم إلى قسمين أي ذلك الانقسام إلى غاو وغيره أمر مصيره إليّ وليس ذلك لك، والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على فلان على معنى إليه يصير النظر في أمرك، وعن مجاهد وقتادة إن هذا تهديد للعين كما تقول لغيرك افعل ما شئت فطريقك عليَّ أي لا تفوتني، ومثله على ما قال الطبرسي قوله تعالى:
    { إِنَّ رَبَّكَ لَبِظ±لْمِرْصَادِ }
    [الفجر: 14] والمشار على هذا إليه ما أقسم مع التأكيد عليه، وأظهر هذه الأوجه على ما قيل هو الأول، واختار في «البحر» كونها إلى الإخلاص، وقيل: الأظهر أن الإشارة لما وقع في عبارة إبليس عليه اللعنة حيث قال:
    { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرظ°طَكَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ }
    [الأعراف:16-17] الخ، ولا أدري ما وجه كونه أظهر.

    وقرأ الضحاك وإبراهيم وأبو رجاء وابن سيرين ومجاهد وقتادة وحميد وأبو شرف مولى كندة ويعقوب، وخلق كثير { علي مستقيم } برفع { علي } وتنوينه أي عال لارتفاع شأنه.

    ملحوظة

    جاء فى نهاية المحتاج

    وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ الْحَلِفُ مِنْ الْعَوَامّ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَيُرِيدُونَ بِهِ الْبَارِئَ جَلَّ وَعَلَا مَعَ اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، إذْ جَنَابُ الْإِنْسَانِ فِنَاءُ دَارِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ وَإِنْ نَوَى بِهِ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ مَعَ الِاسْتِحَالَةِ (وَ) الثَّانِي وَيَخْتَصُّ مِنْ الصِّفَاتِ بِمَا لَا شَرِكَةَ فِيهِ وَهُوَ (الصِّفَةُ) الذَّاتِيَّةُ وَهِيَ (كَوَعَظَمَةِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَلَامِهِ

    وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ) وَإِرَادَتِهِ (يَمِينٌ) وَإِنْ أَطْلَقَ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ لَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَّصِفًا بِهَا فَأَشْبَهَتْ الْأَسْمَاءَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ) وَبِالْعَظَمَةِ وَمَا بَعْدَهَا ظُهُورَ آثَارِهَا فَلَا يَكُونُ يَمِينًا وَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ وَمَعْلُومِ اللَّهِ وَمَقْدُورِهِ، وَكَأَنْ يُرِيدَ بِالْكَلَامِ الْحُرُوفَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ وَإِطْلَاقُ كَلَامِهِ عَلَيْهَا حَقِيقَةٌ شَائِعَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا تَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، وَيَنْعَقِدُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا لَمْ يُرِدْ الْأَلْفَاظَ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَبِالْقُرْآنِ مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ نَحْوَ الْخُطْبَةِ، وَبِالْمُصْحَفِ مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ وَرَقَهُ وَجِلْدَهُ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَنْصَرِفُ عُرْفًا إلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَالْمُصْحَفِ وَحَقِّ الْمُصْحَفِ، وَأُخِذَ مِنْ كَوْنِ الْعَظَمَةِ صِفَةً مَعَ قَوْلِ النَّاسِ سُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ، لِأَنَّ التَّوَاضُعَ لِلصِّفَةِ عِبَادَةٌ لَهَا وَلَا يُعْبَدُ إلَّا الذَّاتُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْعَظَمَةَ هِيَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ هَذَا فَصَحِيحٌ أَوْ مُجَرَّدُ الصِّفَةِ فَمُمْتَنِعٌ وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ الْإِطْلَاقِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا مَنْعَ فِيهِ، وَعُلِمَ مِمَّا فُسِّرَ بِهِ الصِّفَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْمِ جَمِيعُ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ سَوَاءٌ اُشْتُقَّ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ كَالسَّمِيعِ أَوْ فِعْلِهِ كَالْخَالِقِ...

    وفى حاشية الرشيدى

    قَوْلُهُ: الذَّاتِيَّةُ) أَخْرَجَ الْفِعْلِيَّةَ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَأَخْرَجَ السَّلْبِيَّةَ كَكَوْنِهِ لَيْسَ

    بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، لَكِنْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ الِانْعِقَادَ بِهَذِهِ لِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَعَالَى ....

    وجاء فى المغنى

    مسألة ; قال : ( أو بآية من القرآن ) وجملته أن الحلف بالقرآن ، أو بآية منه ، أو بكلام الله ، يمين منعقدة ، تجب الكفارة بالحنث فيها . وبهذا قال ابن مسعود ، والحسن ، وقتادة ، ومالك ، والشافعي ، وأبو عبيد ، وعامة أهل العلم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : ليس بيمين ، ولا تجب به كفارة ، فمنهم من زعم أنه مخلوق ، ومنهم من قال : لا يعهد اليمين به .

    ولنا ، أن القرآن كلام الله ، وصفة من صفات ذاته ، فتنعقد اليمين به ، كما لو قال : وجلال الله ، وعظمته . وقولهم : هو مخلوق . قلنا : هذا كلام المعتزلة ، وإنما الخلاف مع الفقهاء ، وقد روي عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { القرآن كلام الله غير مخلوق } . وقال ابن عباس في قوله تعالى : { قرآنا عربيا غير ذي عوج } . أي : غير مخلوق . وأما قولهم : لا يعهد اليمين به . فيلزمهم قولهم : وكبرياء الله ، وعظمته ، وجلاله . إذا ثبت هذا ، فإن الحلف بآية منه كالحلف بجميعه ; لأنها من كلام الله تعالى .

    فصل : وإن حلف بالمصحف ، انعقدت يمينه . وكان قتادة يحلف بالمصحف . ولم يكره ذلك إمامنا ، وإسحاق ; لأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه ، وهو القرآن ، فإنه بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين .

    وفى فتح البارى

    قوله باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه ) كذا لأبي ذر ولغيره " وكلماته " وفي هذه الترجمة عطف العام على الخاص والخاص على العام لأن الصفات أعم من العزة والكلام وقد تقدمت الإشارة إليه في آخر " باب لا تحلفوا بآبائكم " إلى أن الأيمان تنقسم إلى صريح وكناية ومتردد بينهما وهو الصفات وأنه اختلف هل يلتحق بالصريح فلا يحتاج إلى قصد أو لا فيحتاج والراجح أن صفات الذات منها يلتحق بالصريح فلا تنفع معها التورية إذا تعلق به حق آدمي وصفات الفعل تلتحق بالكناية فعزة الله من صفات الذات وكذا جلاله وعظمته قال الشافعي فيما أخرجه البيهقي في المعرفة : من قال وحق الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله يريد اليمين أو لا يريده فهي يمين انتهى وقال غيره والقدرة تحتمل صفة الذات فتكون اليمين صريحة وتحتمل إرادة المقدور فتكون كناية كقول من يتعجب من الشيء انظر إلى قدرة الله وكذا العلم كقوله اللهم اغفر لنا علمك فينا أي معلومك

    قوله وقال ابن عباس كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول أعوذ بعزتك ) هذا طرف من حديث وصله المؤلف في التوحيد من طريق يحيى بن يعمر عن ابن عباس وسيأتي شرحه هناك ووجه الاستدلال به على الحلف بعزة الله أنه وإن كان بلفظ الدعاء لكنه لا يستعاذ إلا بالله أو بصفة من صفات ذاته وخفي هذا على ابن التين فقال ليس فيه جواز الحلف بالصفة كما بوب عليه ثم وجدت في حاشية ابن المنير ما نصه قوله أعوذ بعزتك دعاء وليس بقسم ولكنه لما كان المقرر أنه لا يستعاذ إلا بالقديم ثبت بهذا أن العزة من الصفات القديمة لا من صفة الفعل فتنعقد اليمين بها

  15. #375
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الرازى

    والحاصل في هذا القول: أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً، فبين تعالى كذبه فيه، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال:
    { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـظ°نٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَظ±سْتَجَبْتُمْ لِي }
    [إبراهيم: 22] وقال تعالى في آية أخرى:
    { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىظ° ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىظ° رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَـظ°نُهُ عَلَىظ° ظ±لَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَظ±لَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ }
    [النحل: 99، 100] قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه، وفي الآية قول آخر، وهو أن إبليس لما قال:
    { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ظ±لْمُخْلَصِينَ }
    [الحجر: 40] فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال: { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـظ°نٌ إِلاَّ مَنِ ظ±تَّبَعَكَ مِنَ ظ±لْغَاوِينَ } فلهذا قال الكلبي: العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس. واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله: { إِلاَّ مَنِ ظ±تَّبَعَكَ } استثناء، لأن المعنى: أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطاناً بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي. وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء، بل تكون لفظة إلا بمعنى لكن...

    فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية، وإما أن تكون جسمانية، أما المضار الروحانية فهي الحقد، والحسد، والغل، والغضب، وأما المضار الجسمانية فكالإعياء والتعب فقوله: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىظ° سُرُرٍ مُّتَقَـظ°بِلِينَ } إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله: { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } إشارة إلى نفي المضار الجسمانية. وأما القيد الرابع: وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله: { وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية مقال، فإنهم قالوا: المراد من قوله: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ } إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال، وقوله: { إِخْوَانًا عَلَىظ° سُرُرٍ مُّتَقَـظ°بِلِينَ } معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله: { إِخْوَانًا عَلَىظ° سُرُرٍ مُّتَقَـظ°بِلِينَ } ، والله أعلم....

    وقال الالوسي

    . وأخرج ابن أبـي حاتم عن عبد الكريم بن رشيد قال: ينتهي أهل الجنة إلى باب الجنة وهم يتلاحظون تلاحظ الفيران فإذا دخلوها نزع الله تعالى ما في صدورهم من الغل، وقيل: فيها قبل الدخول، فقد أخرج ابن أبـي حاتم أيضاً عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا ويدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل "

    وهذا ونحوه يؤيد ما قاله الإمام في المتقين، وقيل: معنى الآية طهر الله تعالى قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع سبحانه منها كل غل وألقى فيها التواد والتحاب، والآية ظاهرة في وجود الغل في صدورهم قبل النزع فتأمل

    ملحوظة

    هذا الصراط الثانى والصراط ثابت عند اهل السنة

    وقال الرازى

    وقوله: { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: لفظ ما ههنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال: بأي أعجوبة تبشروني؟ فإن قيل: في الآية إشكالان: الأول: أنه كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر وإنكار قدرة الله تعالى في هذا الموضع كفر.

    الثاني: كيف قال: { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } مع أنهم قد بينوا ما بشروه به، وما فائدة هذا الإستفهام. قال القاضي: أحسن ما قيل في الجواب عن ذلك أنه أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شاباً، ثم يعطيه الولد، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة وإنما يحصل في حال الشباب. فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. قلنا: إنهم بينوا أن الله تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة وقوله: فلا تكن من القانطين. لا يدل على أنه كان كذلك، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال: { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ظ±لضَّآلُّونَ } وفيه جواب آخر، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت، وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، وطلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله:
    { وَلَـظ°كِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى }
    [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟

    وقال الالوسي

    قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ظ±لْغَـظ°بِرِينَ } أي الباقين في عذاب الله تعالى كما أخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أو الباقين مع الكفرة لتهلك معهم، وأصله من الغبرة وهي بقية اللبن في الضرع، وقرأ أبو بكر عن عاصم { قدرنا } بالتخفيف، وكسرت همزة إن لتعليق الفعل بوجود لام الإبتداء التي لها صدر الكلام، وعلق مع أن التعليق في المشهور من خواص أفعال القلوب ـ قال الزمخشري: ـ لتضمن فعل التقدير معنى العلم، ولذلك فسره العلماء تقدير الله تعالى أفعال العباد بالعلم، والمراد بتضمنه ذلك قيل المعنى المصطلح، وقيل: التجوز عن معناه الذي كأنه في ضمنه لأنه لا يقدر إلا ما يعلم ذكره المدقق توجيهاً لكلام الزمخشري، ثم قال: وليس ذلك من باب تضمين الفعل معنى فعل آخر في شيء حتى يعترض بأنه لا ينفع الزمخشري لبقاء معنى الفعلين.

    نعم هو على أصلهم من أنه كناية معلوم محقق لا مقدر مراد، وقال القاضي: جاز أن يقال: أجري مجرى القول لأن التقدير بمعنى القضاء قول، وأما أنا فلا أنكر على جار الله أن التعليق لتضمن معنى العلم وإنما أنكر نفي كونه مقدوراً مراداً انتهى، وإنما أنكره لأنه اعتزال تأباه الظواهر، ومن هنا قال إبراهيم النخعي فيما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم: بيني وبين القدرية هذه الآية وتلاها. والظاهر أن هذا من كلام الملائكة عليهم السلام وإنما أسندوا ذلك إلى أنفسهم وهو فعل الله سبحانه لما لهم من الزلفى والاختصاص، وهذا كما يقول حاشية السلطان أمرنا ورسمنا بكذا والآمر هو في الحقيقة، وقيل: ولا يخفى بعده هو من كلام الله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل وقيل: وكذا لا يحتاج إليه إذا كان المراد بالتقدير العلم مجازاً.

    وقال الرازى

    هَـظ°ؤُلآء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فَـظ°عِلِينَ } قيل: المراد بناته من صلبه، وقيل: المراد نساء قومه، لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى:
    { ظ±لنَّبِيُّ أَوْلَىظ° بِظ±لْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوظ°جُهُ أُمَّهَـظ°تُهُمْ }
    [الأحزاب: 6] وفي قراءة أبي وهو أب لهم، والكلام في هذه المباحث قد مر بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •