صفحة 24 من 29 الأولىالأولى ... 14202122232425262728 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 346 إلى 360 من 429

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #346
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { كَذظ°لِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ظ±لْمَلِكِ } وفيه بحثان: الأول: المعنى ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف، وذلك إشارة إلى الحكم باسترقاق السارق، أي مثل هذا الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف. الثاني: لفظ الكيد مشعر بالحيلة والخديعة، وذلك في حق الله تعالى محال إلا أنا ذكرنا قانوناً معتبراً في هذا الباب، وهو أن أمثال هذه الألفاظ تحمل على نهايات الأغراض لا على بدايات الأغراض، وقررنا هذا الأصل في تفسير قوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ }
    [البقرة: 26] فالكيد السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه ولا سبيل له إلى دفعه، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى. ثم اختلفوا في المراد بالكيد ههنا فقال بعضهم: المراد أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمر يوسف، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره. وقال آخرون: المراد من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلوب إخوته أن حكموا بأن جزاء السارق هو أن يسترق، لا جرم لما ظهر الصواع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق، وصار ذلك سبباً لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه....

    ثم قال تعالى: { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } والمعنى أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء فضلاء، إلا أن يوسف كان زائداً عليهم في العلم. واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم فقالوا: لو كان عالماً بالعلم لكان ذا علم ولو كان كذلك، لحصل فوقه عليم تمسكاً بعموم هذه الآية وهذا باطل. واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على إثبات العلم لله تعالى وهي قوله:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ظ±لسَّاعَةِ }
    [لقمان: 34]
    { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ }
    [النساء: 166]
    { ولاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ }
    [البقرة: 255]
    { مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىظ° وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ }
    [فاطر: 11] وإذا وقع التعارض فنحن نحمل الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص العموم، إلا أنه لا بد من المصير إليه لأن العالم مشتق من العلم، والمشتق مركب والمشتق منه مفرد، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا.

    وقال الالوسي

    وقد استدل بالآية من ذهب إلى أنه تعالى شأنه عالم بذاته لا بصفة علم زائدة على ذلك، وحاصل استدلالهم أنه لو كان له سبحانه صفة علم زائدة على ذاته كان ذا علم لاتصافه به وكل ذي علم فوقه عليم للآية فيلزم أن يكون فوقه وأعلم منه جل وعلا عليم آخر وهو من البطلان بمكان. وأجيب بأن المراد بكل ذي علم المخلوقات ذوو العلم لأن الكلام في الخلق ولأن العليم صيغة مبالغة معناه أعلم من كل ذي علم فيتعين أن يكون المراد به الله تعالى فما يقابله يلزم كونه من الخلائق لئلا يدخل فيما يقابله، وكون المراد من العليم ذلك هو إحدى روايتين عن الحبر، فقد أخرج عبد الرزاق وجماعة عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فحدث بحديث فقال رجل عنده: { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } فقال ابن عباس: بئسما قلت الله العليم وهو فوق كل عالم، وإلى ذلك ذهب الضحاك، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال بعد أن تلا الآية يعني الله تعالى بذلك نفسه، على أنه لو صح ما ذكره المستدل لم يكن الله تعالى عالماً بناءاً على أن الظاهر اتفاقه معنا في صحة قولنا فوق كل العلماء عليم، وذلك أنه يلزم على تسليم دليله إذا كان الله تعالى عالماً أن يكون فوقه من هو أعلم منه، فإن أجاب بالتخصيص في المثال فالآية مثله.

    ملحوظة

    المعتزلة اثبتوا المعنوية الثبوتية ونفوا المعانى الوجودية وفرق بين من جعل علة العلم الذات وصفة زائدة علي الذات والمسألة لاتذاق الا بالكشف

    { قَالُوغ¤اْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ }

    قال الالوسي

    واستدل بعضهم بالآية على إثبات الكلام النفسي بجعل { قَالَ } الخ بدلاً من ـ أسر ـ ولعل الأمر لا يتوقف على ذلك لما أشرنا إليه من أن المراد قال في نفسه، نعم قال أبو حيان: إن الظاهر أنه عليه السلام خاطبهم وواجههم به بعد أن أسر كراهية مقالتهم في نفسه وغرضه توبيخهم وتكذيبهم، ويقويه أنهم تركوا أن يشفعوا بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة له بأبيه وفيه نظر. وقرأ عبد الله وابن أبـي عبلة { فأسره } بتذكير الضمير.

    ملحوظة

    اثبات النفسي بالاية يرجع للاختلاف فى مرجع الضمير فى اسرها فلو رجع لقال يكون دليل علي اثباته والاية من اشهر ادلة الاشاعرة فى اثبات النفسي

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } أي أسرّ في نفسه قولهم: «إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» قاله ابن شجرة وابن عيسى. وقيل: إنه أسرّ في نفسه قوله: { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } ثم جهر فقال: { وَظ±للَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ }.

  2. #347
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    اعلام العلماء باعتقاد الحنابلة فى مسألة الكلام

    كثيرا مانجد من اهل السنة الاشاعرة اعتراض علي عقيدة الحنابلة فى الصوت والحرف

    قال الاشاعرة اثبتتا كلام نفسي والاشتراك بين كلامنا النفسي وكلام ربنا النفسي فى السلوب سلب صوت وحرف

    رد الحنابلة الاشتراك فى الثبوت لايقتضي الاشتراك فى الماهية كما هو الحال فى السلوب ثم كلامنا النفسي حادث كما هو الحال فى الصوت والحرف

    ثم لو كان مابين الدفتين مخلوق كما يزعم البعض لماذا فى باب الفقه عدم مس المصحف لغير الطاهر

    والحلف بالمصحف جائز فتدبر!!!!!!

    والعجب ممن لايري فى المصحف الا الحبر والورق المخلوق

    انقل بعض كلام الامام عبد الباقي الحنبلي فى اعتقاد اهل الاثر

    وأما قولهم: إن كلام الله يجب أن لا يكون حرفًا يشبه كلام الآدميين.
    قلنا: جوابه من وجوه:

    أحدها: أن الاتفاق في أصل الحقيقة ليس بتشبيه، كما أن إدراك1 البصر بأنه إدراك المبصرات، والسمع في أنه إدراك المسموعات، والعلم في أنه إدراك المعلومات, ليس بتشبه، كذلك هذا.
    الثاني: أنه لو كان تشبيهًا، لكان تشبيههم أقبح وأفحش، على [ما] 2 ذكرناه.
    الثالث: أنهم نفوا هذه الصفة بكون3 هذا تشبيهًا، ينبغي أن ينفوا سائر الصفات، من الوجود والحياة والسمع والبصر وغيرها.
    أم قولهم: "أنتم فسرتم هذه الصفة".
    قلنا: لا4 يجوز تفسير المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره، وليس كذلك الكلام، فإنه من المعلوم بين الخلق أنه لا تشابه فيه، وأنه فسره الكتاب والسنة.
    وأيضًا: نحن فسرناه بحمله على حقيقته، تفسيرًا جاء به القرآن والسنة، وهم فسروه بما لم يرد به كتاب، ولا سنة، ولا يوافق الحقيقة، ولا يجوز نسبته إلى الله تعالى.
    وأما قولهم: "إن الحروف تحتاج إلى مخارج وأدوات".
    قلنا: احتياجها إلى ذلك في حقنا، لا يوجب ذلك في كلام الله تعالى، تعالى الله عن ذلك.
    فإن قالوا: بل احتياج الله كاحتياجنا قياسًا له علينا.
    أخطأوا من وجوه:

    أحدها: أنه يلزمهم في سائر الصفات التي سلموها، كالسمع والعلم والحياة، ولا يكون في حقنا إلا في جسم، ولا يكون البصر إلا من "9/ب" حدقة, ولا السمع إلا من انخراق، والله تعالى بخلاف ذلك1.
    ثانيها: أن هذا تشبيه لله بنا, وقياس له علينا, وهذا كفر.
    ثالثها: أن بعض المخلوقات لم تحتج إلى مخارج في كلامها، كالأيدي والأرجل والجلود التي تتكلم يوم القيامة3، والحجر4 الذي سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، والحصى الذي سبح في كفه 5، والذراع المسمومة التي

    كلمته1، وقال بن مسعود: "كنا نسمع تسبيح الطعام, وهو يؤكل"2، ولا خلاف في أن الله سبحانه وتعالى قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات.
    قلت3: إن الذي يقطع به عنهم، أنهم لا يقولون: إن الله سبحانه يحتاج كحاجتنا، قياسًا له علينا، فإنه عين التشبيه، وهم لا يقولون كذلك4، ويفرون منه، والظاهر أن الشيخ الموفق قال ذلك على تقدير قولهم له5.
    ثم قال: وقولهم: "إن التعاقب يدخل في الحروف".
    قلنا: إنما ذلك في حق من ينطق بالمخارج والأدوات، ولا يوصف سبحانه وتعالى بذلك...

    وقال الحافظ أبو نصر: إنما يتعين التعاقب فيمن يتكلم بأداة يعجز عن أداء شيء إلا بعد الفراغ من غيره، وأما المتكلم بلا جارحة، فلا يتعين في

    كلامه تعاقب، وقد اتفقت العلماء على أنه يتولى1 الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده2، وهذا خلاف التعاقب, انتهى كلام أبي نصر....


    قال الشيخ الموفق فى الاستدلال5: إن الله تعالى كلم موسى صلى الله عليه وسلم، ويكلِّم المؤمنين يوم القيامة، قال تعالى: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} 6، وقال تعالى: {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} 7، وقال تعالى:

    وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ} 1, وأجمعنا على أن موسى صلى الله عليه وسلم، سمع كلام الله تعالى من الله، لا من ذات الشجرة، ولا من حجر، ولا من غيره؛ لأنه لو سمع من غير الله تعالى، كان بنو إسرائيل أفضل في ذلك [منه] 2؛ لأنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسي، لكونهم سمعوا من موسى، فلم سمي إذن3 كليم الرحمن؟.
    وإذا ثبت هذا، لم يكن الكلام الذي سمعه موسى إلا صوتًا وحرفًا، فإنه 4 لو كان معنى في النفس، لم يكن ذلك تكليمًا لموسى، ولا هو شيء يسمع، ولا يسمى مناداة5.
    فإن قالوا: نحن لا نسميه صوتًا مع كونه مسموعًا.
    فالجواب من وجهين:
    أحدهما: أن هذا مخالفة في اللفظ مع الموافقة في المعنى، فإنا لا نعني بالصوت إلا ما كان مسموعًا.
    ثانيهما: أن لفظ الصوت قد جاءت به الأخبار والآثار6، والنزاع إنما هو في أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت7، أم لا؟
    فمذهب أهل السنة اتباع ما ورد في الكتاب والسنة, انتهى كلام الشيخ الموفق8....

    وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال البيهقي1: "الكلام ما ينطق به المتكلم, وهو مستقر في نفسه، كما في كلام عمر في قصة السقيفة2، فإن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات، وإن كان غير ذي مخارج، فهو خلاف ذلك، والباري بخلاف ذلكو فلا يكون كلامه كذلك".
    وأول ما ورد في حديث: "أن الملائكة يسمعون صوتًا"، باحتمال أن يكون الصوت للسماء، أو للملك الآتي بالوحي، أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة.
    قال ابن حجر في رده: "وهذا حاصل الكلام في نفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أنه تعالى لم يسمع أحدًا من الملائكة، ولا من رسله كلامه، بل ألهمهم إياه".
    وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين؛ لأنها الذي3 عهدنا، وهي ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه، إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة، سلمنا4، لكن يمنع القياس المذكور، وصفة الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث5 الصحيحة، وجب الإيمان به6....

    وقال في الفتح أيضًا: قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قرب" 1 حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف، أي "يأمر من ينادي"، فاستبعده من أثبت الصوت، بأن في قوله: "يسمعه من بعد" إشارة إلى أنه ليس من المخلوقات؛ لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم, وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا، وإذا سمع بعضهم بعضًا لم يصعقوا, قال: فعلى هذا, فصوته سبحانه وتعالى صفة من صفات ذاته، لا يشبه صوت غيره، إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين, قال: وهكذا قرره المصنف -يعني البخاري- في كتابه خلق الافعال2. انتهى....

    وحد الصوت ما تحقق سماعه، فكل متحقق سماعه صوت، وكل ما لا يتأتى سماعه ليس بصوت، وصحة الحد كونه مطردًا منعكسًا4، وقول من قال: إن الصوت هو الخارج من هواء بين جرمين, فغير صحيح، لما يوجد سماع الصوت من غير ذلك، كتسبيح5 الأحجار، وتسبيح الطعام، وتسبيح الجبال6، وشهادة الأيدي، والأرجل7, وقال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} 8 وقال تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ

    مَزِيْدٍ} 1 وما لشيء من ذلك من انخراق بين جرمين.
    وقد أقر الأشعري أن السموات والأرض قالتا: {أتينا طائعين} 2 حقيقة لا مجازًا3....

    وأما البخاري: فابتلي بمن يقول: أصوات العباد غير مخلوقة3، حتى بالغ بعضهم, فقال: والمداد والورق بعد الكتابة4, فكان أكثر كلامه في

    عليهم, وبالغ في الاستدلال بأن أفعال العباد كلها مخلوقة بالآيات والأحاديث في ذلك, مع أن قول من قال: "إن الذي يُسمع من القارئ هو الصوت القديم", لا يعرف عن السلف, ولا قاله أحمد, ولا أصحابه, وإنما سبب نسبة ذلك لأحمد قوله: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق, فهو جهمي", فظنوا أنه سوى بين اللفظ والصوت, بل صرح في مواضع بأن الصوت المسموع من القارئ, هو صوت القارئ1, والفرق بينهما أن اللفظ يضاف إلى المتكلم به ابتداء, فيقال عمن روى الحديث بلفظه: هذا لفظه, ولمن رواه بغير لفظه: هذا معناه, ولا يقال في شيء من ذلك: هذا صوته, فإن القرآن كلام الله, ومعناه: ليس هو كلام غيره, أما قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} 2, فاختلف فيه, هل المراد جبريل, أو الرسول عليهما الصلاة والسلام؟ , والمراد به التبليغ؛ لأن جبريل مبلغ عن الله تعالى إلى رسوله, والرسول صلى الله عليه وسلم إلى الناس, ولم يُنقَل عن أحمد أنه قال: فعل العبد قديم, ولا صوته3, إنما ينكر إطلاق اللفظ.
    وصرح البخاري بأن أصوات العباد مخلوقة, وأن أحمد لا يخالفه في ذلك, ولكن أهل العلم كرهوا التنقيب عن الأشياء الغامضة, وتجتنبوا الخوض فيها والتنازع, إلا بما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام.
    ومن شدة اللبس في هذه المسألة, كثر نهي السلف عن الخوض فيها, واستغنوا بالاعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق, ولم يزيدوا على ذلك...

    نقل السعد3 في كلامه على عقائد النسفي4، من نسبة الحنابلة إلى أنهم قالوا: إن كلامه سبحانه وتعالى عرض من جنس الأصوات والحروف [و] 5, مع ذلك قديم6.
    وفي محل آخر7: أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم، ونسبهم إلى الجهل والعناد, أيضًا ما ينسبه بعض الناس للحنابلة، من أنهم يقولون بقدم الورق والجلد8 والمداد.

    فالجواب عن ذلك: أن ما نسب إليهم من هذه المقالات لا أصل له في كلام أحد منهم، ولو كان له أصل لعثر عليه، وكيف يتأتى من أحد منهم القول به، مع أنهم في أعلى طبقات الورع في تتبع مذهب1 إمامهم، واعتقادهم مذهب السلف، واتباع السنة، وكيف يظن بأحد منهم أنه حرف شيئًا ونسبه إلى إمامه، مع أن هذا الظن لا يجوز بأحد من المسلمين، فضلًا عن هؤلاء السادة.
    فإن قيل: لعل ما نقل من كتبهم مدسوس عليهم.
    فالجواب: أن فتح هذا الباب بدعة شنيعة؛ لأن المطلوب2 ناقل3 صحيح النقل، يكون كتابه مقابل على أصل صحيح4.
    "11/ب" وأيضًا، يتطرق هذا الظن في بقية كتب المسلمين، على أن معظم ما اعتمدنا فيما نقلناه من أصولنا وفروعنا متصل في جميع الأعصار، من زمن الإمام أحمد إلى زمننا، متواتر نقله جمع عن جمع

    ملحوظة

    السعد قال الحنابلة يقولون بالتعاقب وهذا خطأ

  3. #348
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    نستكمل مع العين والاثر

    قال الحافظ ابن حجر: "والذي استقر عليه قول الأشعري5، أن القرآن كلام الله غير مخلوق، مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، قال تعالى {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} 6، وفي الحديث: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو كراهة أن يناله العدو" 7.

    وليس المراد ما في الصدور، بل ما في المصحف، وأجمع السلف على أن الذي بين الدفتين كلام الله تعالى1.
    قال صاحب المواقف2 في أثناء خطبته: "وقرآنًا قديمًا ذا غايات ومواقف، محفوظًا في القلوب، مقروءًا3 بالألسن, مكتوبًا في المصاحف"4.
    وقال السيد الشريف5 في شرحه6: وَصَفَ القرآن بالقدم، ثم صرح بما يدل على أنه هذه العبارات المنظمومة، كما هو مذهب السلف، حيث [قالوا] 7: "إن الحفظ والقراءة والكتابة حادثة، لكن متعلقًا، أعني: المحفوظ والمقروء قديم".
    وما يتوهم من أن ترتيب الكلمات والحروف، وعروض الانتهاء، والوقف، مما يدل على الحدوث, فباطل؛ لأن ذلك لقصور في آلات القارئ، وأما [ما] 9 اشتهر عن الشيخ أبي الحسن الأشعري، رحمه الله تعالى: من أن القديم معنى قائم بذاته تعالى، قد عبر منها10 بهذه العبارات الحادثة.

    فقد قيل: إنه غلط من الناقل، منشؤة اشتراك لفظ المعنى بين ما يقابل اللفظ، وبين ما يقوم بغيره، ويزداد وضوحًا فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
    قال [] 1: واعلم أن للمصنف مقالة مفردة2 في تحقيق3 كلام الله تعالى، على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب، ومحصولها: أن لفظ المعنى تارة يطلق على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ الأشعري [لما] 74 قال: الكلام هو المعنى النفسي, فهم الأصحاب منه أن مراده مدلولات5 اللفظ وحده6، وهو القديم عنده، وأما العبارات, فإنما تسمى كلامًا مجازًا؛ لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضًا, لكنها ليست كلامه حقيقة7.
    وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ، له لوازم8 كثيرة فاسدة، كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلِمَ من الدين ضرورة كونه كلام الله حقيقة، "وعدم كون"9 المعارضة والتحدي بكلام الله تعالى الحقيقي، كعدم كون القروء المحفوظ كلامه حقيقة، إلى غير ذلك مما لا

    يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد [به] 1 المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملًا للفظ والمعنى2جميعًا، قائمًا بذاته تعالى، وهو مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير الكتابة, والقراءة, والحفظ, الحادثة, وما يقال من أن الحروف والألفاظ مرتبة متعاقبة، فجوابه: إن ذلك الترتيب3 إنما هو في التلفظ؛ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفظ حادث، والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه4 دون حدوث الملفوظ، جمعًا بين الأدلة، وهذا الذي ذكرناه, وإن كان مخالفًا لما عليه متأخرو أصحابنا، إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته, تم كلامه5.
    وهذا الحمل لكلام الشيخ6، هو [مما] 7 اختاره محمد الشهرستاني8، في كتابه المسمى "بنهاية الإقدام"9، ولا شبهة في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرة المنسوبة إلى قواعد الملة, انتهى10....

    فالذي ظهر من عبارة ابن حجر العسقلاني, وشرح المواقف, موافقة الشيخ الأشعري للإمام أحمد في مسالة الكلام, وما روي عنه مخالف لذلك, فهو غلط من الناقل, منشؤه ما سبق, وقد أتى التاج [ابن] السبكي2 في الطبقات3 بأصرح من ذلك, فقال في ترجمة الأشعري: وما قيل: إن مذهبه أن القرآن لم يكن بين الدفتين, ليس القرآن في المصحف, ونَقْلُ ذلك عنه, فهو شنيع فظيع, وتلبس على العوام, فإن الأشعري وكل مسلم غير مبتدع يقول: إن القرآن كلام الله, وهو على الحقيقة مكتوب في المصاحف, لا على المجاز, ومن قال: إن القرآن ليس في المصاحف, على هذا الإطلاق, فهو مخطئ, بل القرآن مكتوب في المصحف, وهو قديم غير مخلوق, لم يزل سبحانه متكلمًا, ولا يزال به قائمًا, ولا يجوز انفصال القرآن عن ذات الله تعالى, ولا الحلول3 في المحال, وكون الكلام مكتوب على الحقيقة في الكتاب, لا يقتضي حلوله فيه, لا انفصاله عن ذوات المتكلم, قال الله تعالى: {النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} 4, فالنبي صلى االله عليه وسلم في التوراة والإنجيل مكتوب على الحقيقة, وكذلك القرآن على الحقيقة مكتوب في المصاحف, محفوظ في قلوب المؤمنين, مقروء متلوٌّ على الحقيقة بألسنة القارئين من المسلمين, كما أن الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز؛ معبود في مساجدنا, ومعلوم في قلوبنا, مذكور في ألسنتنا, وهذا واضح بحمد الله, ومن زاغ عن هذه الطريقة, فهو قدري معتزلي, يقول بخلق القرآن, وأنه حالٌّ في المصاحف نظير ما قالوا: إنه لما سمع موسى, عليه الصلاة والسلام كلامه, خلق كلامه في الشجرة, وهذه من فظائع 5المعتزلة, التى لايخفي فسادها على
    محصل5. إنتهى [ابن] السبكي....

  4. #349
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    نستكمل مع الحنبلي

    قد نقل عن الملا عبد الرحمن الجامي5، في كتابه "الدرة الفاخرة" المسماة بحط رحلك، ما يشير إلى الخلاف بين من يقول: إن الكلام هو الحروف والأصوات، ومن يقول: إن الكلام النفسي القائم بذاته

    تعالى لفظي، فقال: واعلم1 أن ها هنا قياسين متعارضين.
    أحدهما: أن كلام الله [تعالى] 2صفة له، وكل ما هو صفة له, فهو قديم، فكلامه قديم3.
    وثانيهما: أن كلام الله مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة [في الرجود] 4، وكل ما هو كذلك, فهو حادث، [فكلام الله سبحانه حادث] 5.
    فافترق المسلمون أربع فرق:
    فرقتان منهم ذهبوا إلى صحة القياس الأول، وقدحت واحدة منهما في صغرى6 القياس الثاني، وقدحت الأخرى في كبراه.
    وفرقتان أخريان ذهبوا إلى صحة القياس الثاني، وقدحوا في إحدىمقدمتي الأول.
    ثم ذكر كيفية قدحهم باعتبار مذاهبهم، فمن أراد ذلك, فليراجعه7.
    ثم قال8: وفي الفتوحات المكية: إن المفهوم من كون القرن حروفًا أمران:
    الأمر الواحد: المسمى: قولًا وكلامًا ولفظًا.
    والأمر الآخر: يسمى: كتابًا ورقمًا وخطًا.

    والقرآن يخط له1 حروف الرقم، وينطق به، فله حروف اللفظ، فلم2 يرجع إلى كونه حروفًا منطوقًا بها؟ , وهى كلام3 الله الذي هو صفة له, أو للمترجم عنه.
    فاعلم: أنه قد أخبرنا نبيه صلى الله عليه وسلم: "أنه سبحانه يتجلى في القيامة بصور مختلفة، فيُعرَف ويُنْكَر" 4، فمن كانت حقيقته تقبل هذا التجلي، لا يبعد أن يكون الكلام بالحروف المتلفظة المسماة كلام الله لبعض تلك الصور، كما يليق بجلاله.
    وقال أيضًا بعد كلام طويل5: فإذا تحققت ما قررنا، ثبت أن كلام [الله] 6 هو هذا المتلوُّ المسموع المتلفظ به المسمى قرآنًا، وتوراة، وزبورًا, وإنجيلًا7, انتهى كلام الشيخ "الأكبر"8.
    فالذي 9 ظهر منه، أن الكلام الذي هو صفته سبحانه ليس سوى إفادته وإفاضته مكنونات علم على من يريد إكرامه10، وأن الكتب المنزلة المنطوقة

    من حروف وكلمات كالقرآن وأمثاله, أيضًا كلامه1؛ لأنها من بعض صور تلك الإفادة والإفاضة، ظهرت بتوسط العلم والإرادة والقدرة في البرزخ الجامع بين الغيب والشهادة، بمعنى عالم المثال, من بعض مجاليه 2 الصور المثالية، كما يليق به سبحانه، فالقياسان المذكوران في صدر البحث ليسا "13/أ" بمتعارضين في الحقيقة، فالمراد بالكلام في القياس الأول: الصفة القائمة بذاته, وفي الثاني: ما ظهر في البرزخ من بعض المجالي الإلهية3، والاختلاف الواقع بين فرق المسلمين يشعر بعدم الفرق بين الكلامين، والله أعلم4.

    ملحوظة

    راجع اخى الحبيب حواشي العصام والخيالي ورمضان والكستلي ونهاية الاقدام تزداد معرفة بالمسألة فهى من أعمق المسائل

    واهل السنة متفقون علي ان كلام الله

    قديم ليس حادث

    صفة ذات لافعل

    منزه عن الترتيب والتعاقب

  5. #350
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    قال صاحب المغنى فى كتاب المناظرة فى القران

    وَاحْتَجُّوا ايضا بِأَن هَذِه الْحُرُوف لَا تخرج إِلَّا من مخارج وأدوات فَلَا يجوز إِضَافَة ذَلِك إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَالْجَوَاب عَن هَذَا من أوجه أَحدهَا مَا الدَّلِيل على ان الْحُرُوف لَا تكون الا من مخارج وأدوات فَإِن قَالُوا لأننا لَا نقدر على النُّطْق بهَا إِلَّا من مخارج وأدوات فَكَذَلِك الله رب الْعَالمين

    قُلْنَا هَذَا قِيَاس لله تَعَالَى على خلقه وتشبيه لَهُ بعباده وإلحاق لصفاتهم بصفاته وَهَذَا من أقبح الْكفْر وَقد اتفقنا على أَن الله تَعَالَى لَا يشبه بخلقه وَأَنه {لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير} الشورى 11 الثَّانِي ان هَذَا بَاطِل بِسَائِر صِفَات الله تَعَالَى فَإِن الْعلم لَا يكون فِي حَقنا إِلَّا بقلب والسمع لَا يكون إِلَّا من انخراق وَالْبَصَر لَا يكون إِلَّا من حدقة وَالله تَعَالَى عَالم سميع بَصِير وَلَا يُوصف بذلك فَإِن نفيتم الْكَلَام لافتقاره فِي زعمكم إِلَى المخارج والأدوات فيلزمكم نفي سَائِر الصِّفَات وَإِن أثبتم لَهُ الصِّفَات ونفيتم عَنهُ الأدوات لزمكم مثل ذَلِك فِي الْكَلَام وَإِلَّا فَمَا الْفرق بَينهمَا الثَّالِث إِن الله تَعَالَى أنطق بعض مخلوقاته بِغَيْر مخارج فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى {وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم} يس 65 وَقَالَ تَعَالَى {حَتَّى إِذا مَا جاؤوها شهد عَلَيْهِم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء} فصلت 20 21 وَاخْبَرْ عَن السَّمَاء وَالْأَرْض أَنَّهُمَا {قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين} فصلت 11 وَأخْبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان حجرا كَانَ يسلم عَلَيْهِ وَسبح الْحَصَى فِي يَدَيْهِ

    وَقَالَ ابْن مَسْعُود كُنَّا نسْمع تسيبح الطَّعَام وَهُوَ يُؤْكَل وَلَا خلاف فِي أَن الله تَعَالَى قَادر على إنطاق الْحجر الْأَصَم من غير مخارج فَلم لَا يقدر سُبْحَانَهُ على التَّكَلُّم إِلَّا من المخارج وَاحْتَجُّوا بَان الْحُرُوف يدخلهَا التَّعَاقُب فَيَسْبق بَعْضهَا بَعْضًا وَالْجَوَاب ان هَذَا إِنَّمَا يلْزم فِي حق من يتَكَلَّم بالمخارج والأدوات وَالله سُبْحَانَهُ لَا يُوصف بذلك وعَلى ان هَذَا يعود إِلَى تَشْبِيه الله تَعَالَى بعباده فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر فِي حَقه إِلَّا مَا يتَصَوَّر مِنْهُم وَهُوَ بَاطِل فِي نَفسه.....

    وَالْأمة مجمعة على أَن هَذَا الْقُرْآن الَّذِي لَا تصح الصَّلَاة الا بِهِ وَلَا تصح الْخطْبَة إِلَّا بِآيَة مِنْهُ وَلَا يقرأه حَائِض وَلَا جنب وَلما اخْتلف اهل الْحق والمعتزلة فَقَالَ أهل الْحق الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَقَالَت الْمُعْتَزلَة هُوَ مَخْلُوق لم يكن اخْتلَافهمْ فِي هَذَا الْمَوْجُود دون مَا فِي

    نفس الْبَارِي مِمَّا لَا يدرى مَا هُوَ وَلَا نعرفه وَلما أَمر الله تَعَالَى بترتيل الْقُرْآن بقوله سُبْحَانَهُ {ورتل الْقُرْآن ترتيلا} المزمل 4 لم يفهم مِنْهُ الْمُسلمُونَ إِلَّا هَذَا الْمَوْجُود وَلما قَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة {إِن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر} المدثر 25 إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى هَذَا النّظم فتوعده الله عز وَجل فَقَالَ {سأصليه سقر} المدثر 26 وَلما قَالُوا {لن نؤمن بِهَذَا الْقُرْآن وَلَا بِالَّذِي بَين يَدَيْهِ} سبأ 31 إِنَّمَا أشاروا إِلَيْهِ وَلما قَالُوا {إِن هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين} لم يعنوا غَيره وَلَو لم يكن هَذَا النّظم قُرْآنًا لوَجَبَ ان تبطل الصَّلَاة بِهِ لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ

    إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن....

    فَإِن قَالُوا فالصوت لَا يكون إِلَّا من هَوَاء بَين جرمين قُلْنَا هَذَا من الهذيان الَّذِي اجبنا عَن مثله فِي الْحَرْف وَقُلْنَا إِن هَذَا قِيَاس مِنْهُم لربنا تبَارك وَتَعَالَى على خلقه وتشبيه لَهُ بعباده وَحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا تكون صفته إِلَّا كصفات مخلوقاته وَهَذَا ضلال بعيد

    ثمَّ إِنَّه يلْزمهُم مثل هَذَا فِي بَقِيَّة الصِّفَات على مَا اسلفناه على ان معتمدنا فِي صِفَات الله عز وَجل إِنَّمَا هُوَ الِاتِّبَاع نصف الله تَعَالَى بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَوَصفه بِهِ رَسُوله وَلَا نتعدى ذَلِك وَلَا نتجاوزه وَلَا نتأوله وَلَا نفسره ونعلم ان مَا قَالَ الله وَرَسُوله حق وَصدق وَلَا نشك فِيهِ وَلَا نرتاب ونعلم ان لما قَالَ الله وَرَسُوله معنى هُوَ بِهِ عَالم فنؤمن بِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي اراده وَنكل علمه إِلَيْهِ ونقول كَمَا قَالَ سلفنا الصَّالح وأئمتنا المقتدى بهم آمنا بِاللَّه وَمَا جَاءَ عَن الله على مُرَاد الله وآمنا برَسُول الله وَمَا جَاءَ عَن رَسُول الله على مُرَاد رَسُول الله نقُول مَا قَالَ الله وَرَسُوله ونسكت عَمَّا وَرَاء ذَلِك نتبع وَلَا نبتدع بذلك أوصانا الله تَعَالَى فِي كِتَابه وأوصانا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سنته وأوصانا بِهِ سلفنا رَضِي الله عَنْهُم فَقَالَ الله تَعَالَى {وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله} الْأَنْعَام 153 وَقَالَ تَعَالَى {وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم} الزمر 55 وَقَالَ لرَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} آل عمرَان 31 وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة..

    وَلم يزل السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَالْأَئِمَّة بعدهمْ يعظمون هَذَا الْقُرْآن ويعتقدون أَنه كَلَام الله ويتقربون إِلَى الله بقرَاءَته وَيَقُولُونَ إِنَّه غير مَخْلُوق وَمن قَالَ إِنَّه مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر وَلما وَقعت الْفِتْنَة وَظَهَرت الْمُعْتَزلَة ودعوا إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن ثَبت أهل الْحق حَتَّى قتل بَعضهم وَحبس بَعضهم وَضرب بَعضهم فَمنهمْ من ضعف فَأجَاب تقية وخوفا على نَفسه وَمِنْهُم من قوي إيمَانه وبذل نَفسه لله واحتسب مَا يُصِيبهُ فِي جنب الله وَلم يزل على السّنة إِلَى أَن كشف الله تَعَالَى تِلْكَ الْفِتْنَة وازال تِلْكَ المحنة وقمع أهل الْبِدْعَة..

    وَيَقُولُونَ إِن الْقُرْآن مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف ثمَّ يَقُولُونَ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الحبر وَالْوَرق فَإِن كَانَت كَمَا زَعَمُوا فَلم لَا يَمَسهَا الا الْمُطهرُونَ وَمَا رَأينَا الْمُحدث يمْنَع من مس حبر وَلَا ورق

    وَلم تجب الْكَفَّارَة على الْحَالِف بالمصحف إِذا حنث وَمن قَالَ إِنَّه لَيْسَ فِي الْمُصحف إِلَّا الحبر وَالْوَرق لزمَه التَّسْوِيَة بَين الْمُصحف وَبَين ديوَان ابْن الْحجَّاج لِأَنَّهُ إِذا لم يكن بَين كل وَاحِد مِنْهُمَا غير الحبر وَالْوَرق فقد تَسَاويا فَيجب تساويهما فِي الحكم هَذَا مَعَ ردهم على الله تَعَالَى وعَلى رَسُوله وخرقهم لإِجْمَاع الْأمة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ {فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم وَإنَّهُ لقسم لَو تعلمُونَ عَظِيم إِنَّه لقرآن كريم فِي كتاب مَكْنُون لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ تَنْزِيل من رب الْعَالمين} الْوَاقِعَة 75 80 فأقسم الله عز وَجل أَنه قُرْآن كريم فِي كتاب مَكْنُون فَردُّوا عَلَيْهِ وَقَالُوا مَا فِي الْكتاب إِلَّا الحبر وَالْوَرق وَقَالَ الله تَعَالَى {بل هُوَ قُرْآن مجيد فِي لوح مَحْفُوظ} البروج 21 22 وَقَالَ سُبْحَانَهُ {وَالطور وَكتاب مسطور فِي رق منشور} الطّور 1 3 وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تسافروا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَن تناله أَيْديهم

    يُرِيد الْمَصَاحِف الَّتِي فِيهَا الْقُرْآن وَاتفقَ الْمُسلمُونَ كلهم على تَعْظِيم الْمُصحف وتبجيله وَتَحْرِيم مَسّه على الْمُحدث أَن من حلف بِهِ فَحنث فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة وَلَا تجب الْكَفَّارَة بِالْحلف بمخلوق وَذكر بعض المبتدعة أَنه إِنَّمَا وَجَبت الْكَفَّارَة على الْحَالِف لاعتقاد الْعَامَّة أَن فِيهِ كَلَام الله وَهَذِه غَفلَة مِنْهُ فَإِن هَذَا الحكم من لدن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَتَجَدَّد الْآن فَإِن أقرّ أَن عَامَّة أهل عصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصحابته كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن فِيهِ كَلَام الله تَعَالَى وأقرهم عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصوبهم فِيهِ فَهُوَ الْحق الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَلَا يحل خِلَافه وَإِن قَالَ إِنَّهُم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِك وَلم يعلم بهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكيف علم هُوَ وَكَيف علم هُوَ من أَحْوَال أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن اعتقاداتهم مَا يخفى على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بَين أظهرهم وَعنهُ يَأْخُذُونَ وَإِلَيْهِ يرجعُونَ وَبِه يقتدون وَعنهُ يصدرون ثمَّ هَل كَانُوا مصيبين فِي اعْتِقَادهم أَو مخطئين فَإِن كَانُوا مخطئين فقد اعْتقد ان أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا ضلالا وَمن بعدهمْ وَأَنه هُوَ أصَاب بمخالفتهم

    وَكَيف يجوز أَن يكون أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اتَّفقُوا على اعْتِقَاد الْخَطَأ والضلال وَالْبَاطِل وأخطأوا الْحق وتبعهم من بعدهمْ على ذَلِك إِلَى أَن جَاءَ هَذَا الْجَاهِل بِزَعْمِهِ فَعرف الصَّوَاب وَعرف خطأ من كَانَ قبله ثمَّ هَذَا إِقْرَار بِأَن مقَالَته بِدعَة حَادِثَة خَالف بهَا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالتَّابِعِينَ بعدهمْ وَهُوَ الَّذِي يَقُوله عَنْهُم وبدعته فيهم وَإِن زعم أَن أهل عصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ هَذَا وَإِنَّمَا حدث بعدهمْ فَلم يثبت هَذَا الحكم فِي عصرهم وَلم وَجَبت الْكَفَّارَة على الْحَالِف بالورق والحبر وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَنه لَا تجب كَفَّارَة بِالْحلف بورق وَلَا حبر وَلَا مَخْلُوق...

    ملحوظة

    كلام شيخ الاسلام صاحب المغنى وان كان به هجوم علي اهل السنة الاشاعرة رضوان الله عليهم لكن يحتاج لتدبر وتأمل عميق من الاشاعرة والتامل فى ابواب فقهية تبين المسألة

    وعقيدة الدال والمدلول من اعقد العقائد والاشاعرة انفسهم مختلفون فى فهم قدم المدلول راجع الشرح الكبير الجوهرة لمؤلفها وحاشية الشنوانى تعلم قولي

    ????????_??????.png

    اضغط

    Screenshot_????-??-??-??-??-??.png

    ابن حجر

    بعض حواشي الاشعرية

    FB_IMG_1504738244687.jpg

    FB_IMG_1505027401890.jpg

  6. #351
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    قال الرازى

    تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى، لأن خروج العبد من السجن أضافه إلى نفسه بقوله: { إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ظ±لسّجْنِ } ومجيئهم من البدو وأضافه إلى نفسه سبحانه بقوله: { وَجَاء بِكُمْ مّنَ ظ±لْبَدْوِ } وهذا صريح في أن فعل العبد بعينه فعل الله تعالى وحمل هذا على أن المراد أن ذلك إنما حصل بإقدار الله تعالى وتيسيره عدول عن الظاهر. ثم قال: { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ظ±لشَّيْطَـظ°نُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } قال صاحب «الكشاف»: { نَّزغَ } أفسد بيننا وأغوى وأصله من نزغ الراكض الدابة وحملها على الجري: يقال: نزغه ونسغه إذا نخسه. واعلم أن الجبائي والكعبي والقاضي: احتجوا بهذه الآية على بطلان الجبر قالوا: لأنه تعالى أخبر عن يوسف عليه السلام أنه أضاف الإحسان إلى الله وأضاف النزغ إلى الشيطان، ولو كان ذلك أيضاً من الرحمن لوجب أن لا ينسب إلا إليه كما في النعم. والجواب: أن إضافته هذا الفعل إلى الشيطان مجاز، لأن عندكم الشيطان لا يتمكن من الكلام الخفي وقد أخبر الله عنه فقال:
    { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـظ°نٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَظ±سْتَجَبْتُمْ لِى }
    [إبراهيم: 22] فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك. وأيضاً فإن كان إقدام المرء على المعصية بسبب الشيطان فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر لزم التسلسل وهو محال وإن لم يكن بسبب شيطان آخر فليقل مثله في حق الإنسان، فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق ليس بسبب الشيطان وليس إيضاً بسبب نفسه لأن أحداً لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في ذم الدنيا وعقاب الآخرة، ولما كان وقوعه في الكفر والفسق لا بد له من موقع، وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال ذلك من الله تعالى، ثم الذي يؤكد ذلك أن الآية المتقدمة على هذه الآية وهي قوله: { إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ظ±لسّجْنِ وَجَاء بِكُمْ مّنَ ظ±لْبَدْوِ } صريح في أن الكل من الله تعالى.

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً } الهاء في «خَرُّوا لَهُ» قيل: إنها تعود على الله تعالى؛ المعنى: وخرّوا شكراً لله سجداً؛ ويوسف كالقِبْلة لتحقيق رؤياه، وروي عن الحسن؛ قال النَّقاش: وهذا خطأ؛ والهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أوّل السورة: «رَأَيْتُهُمْ ليِ سَاجِدِينَ». وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير؛ سجد يعقوب وخالته وإخوته ليوسف عليه السلام، فاقشعرّ جلده وقال: «هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ» وكان بين رؤيا يوسف وبين تأويلها ظ±ثنتان وعشرون سنة. وقال سلمان الفارسيّ وعبد الله بن شَدّاد: أربعون سنة؛ قال عبد الله بن شَدّاد: وذلك آخر ما تبطىء الرؤيا. وقال قَتَادة: خمس وثلاثون سنة. وقال السدّي وسعيد بن جُبير وعِكرمة: ست وثلاثون سنة. وقال الحسن وجِسْر بن فَرْقَد وفُضَيل بن عِيَاض: ثمانون سنة. وقال وهب بن مُنَبِّه: أُلقي يوسف في الجُبِّ وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد أن التقى بأبيه ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ظ±بن مائة وعشرين سنة. وفي التوراة مائة وست وعشرون سنة. وولد ليوسف من ظ±مرأة العزيز إفراثيم ومنشا ورحمة ظ±مرأة أيوب. وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة. وقيل: إن يعقوب بقي عند يوسف عشرين سنة، ثم توفي صلى الله عليه وسلم. وقيل: أقام عنده ثماني عشرة سنة. وقال بعض المحدّثين: بضعاً وأربعين سنة؛ وكان بين يعقوب ويوسف ثلاث وثلاثون سنة حتى جمعهم الله. وقال ابن إسحق: ثماني عشرة سنة، والله أعلم.

    الثانية: قال سعيد بن جُبير عن قَتَادة عن الحسن ـ في قوله: «وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً» ـ قال: لم يكن سجوداً، لكنه سنة كانت فيهم، يُومِئون برؤوسهم إيماء، كذلك كانت تحيتهم. وقال الثّوري والضحّاك وغيرهما: كان سجوداً كالسجود المعهود عندنا، وهو كان تحيتهم. وقيل: كان ظ±نحناء كالركوع، ولم يكن خروراً على الأرض، وهكذا كان سلامهم بالتَّكفِّي والانحناء، وقد نسخ الله ذلك كله في شرعنا، وجعل الكلام بدلاً عن الانحناء. وأجمع المفسِّرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة؛ قال قَتَادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم؛ وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة

    وقال الرازى

    تمسك أصحابنا في بيان أن الإيمان من الله تعالى بقوله { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } وتقريره أن تحصيل الإسلام وإبقاءه إذا كان من العبد كان طلبه من الله فاسداً وتقريره كأنه يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبداً يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقال للعبد افعل مع أنك لست فاعلاً، فنحن نقول ههنا أيضاً إذا كان تحصيل الإيمان وإبقاؤه من العبد لا من الله تعالى، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه: اطلب اللطف لي في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه. فهذا الجواب ضعيف لأن السؤال وقع على السلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر وأيضاً كل ما في المقدور من الألطاف فقد فعله فكان طلبه من الله محالاً. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وأنه لا يجوز.

    والجواب: أحسن ما قيل فيه أن كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الإسلام ويرضى بقضاء الله وقدره، ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر منفسح القلب في هذا الباب، وهذه الحالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، فالمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى

    ملحوظة

    فى الحديث

    أتى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعرابيًّا فأكرَمه فقال له : ( ائتِنا ) فأتاه فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( سَلْ حاجتَكَ ) قال : ناقةٌ نركَبُها وأعنُزٌ يحلُبُها أهلي ] فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أعجَزْتُم أنْ تكونوا مِثْلَ عجوزِ بني إسرائيلَ ) ؟ قالوا : يا رسولَ اللهِ وما عجوزُ بني إسرائيلَ ؟ قال : ( إنَّ موسى عليه السَّلامُ لَمَّا سار ببني إسرائيلَ مِن مِصرَ ضلُّوا الطَّريقَ فقال : ما هذا ؟ فقال علماؤُهم : إنَّ يوسُفَ عليه السَّلامُ لَمَّا حضَره الموتُ أخَذ علينا مَوثقًا مِن اللهِ ألَّا نخرُجَ مِن مِصْرَ حتَّى ننقُلَ عِظامَه معنا قال : فمَن يعلَمُ موضِعَ قبرِه ؟ قال : عجوزٌ مِن بني إسرائيلَ فبعَث إليها فأتَتْه فقال : دُلِّيني على قبرِ يوسُفَ قالت : حتَّى تُعطيَني حُكْمي قال : وما حُكْمُكِ ؟ قالت : أكونُ معكَ في الجنَّةِ فكرِه أنْ يُعطيَها ذلكَ فأوحى اللهُ إليه : أنْ أعطِها حُكْمَها فانطلَقَتْ بهم إلى بُحيرةٍ موضعِ مُستنقَعِ ماءٍ فقالت : أنضِبوا هذا الماءَ فأنضَبوه فقالتِ : احتَفِروا فاحتَفَروا فاستخرَجوا عِظامَ يوسُفَ فلمَّا أقلُّوها إلى الأرضِ وإذا الطَّريقُ مِثْلُ ضوءِ النَّهارِ ) .

    عقيدة اهل السنة الانبياء احياء فى قبورهم والارض لا تأكل اجسادهم

    وان قلت لفظ الحديث يخالف ذلك اقل لك العظم المقصود به الشخص والذات

    وقال ابن كثير

    هذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه عز وجل، لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منّ الله به عليه من النبوة والملك، سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا، أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلماً حين يتوفاه، قاله الضحاك، وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوانه من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف عليه السلام، قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يرفع أصبعه عند الموت، ويقول " اللهم في الرفيق الأعلى " ثلاثاً، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام، واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله، وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزاً كما يقول الداعي لغيره أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، ويحتمل أنه سأل ذلك منجزاً، وكان ذلك سائغاً في ملتهم كما قال قتادة قوله { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِظ±لصَّـظ°لِحِينَ } لما جمع الله شمله، وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله. وكان ابن عباس يقول ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام، وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، كما أن نوحاً أول من قال
    { رَّبِّ ظ±غْفِرْ لِى وَلِوَظ°لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً }
    نوح 28 ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنياً الموت، فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي " وأخرجاه في الصحيحين، وعندهما " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسناً فيزداد، وإِما مسيئاً فلعله يستعتب، ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إِذا كانت الوفاة خيراً لي "

    وقال الإمام أحمد حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، وهو سُلَيم بن جبير، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وَثِق بعمله، فإِنه إِذا مات أحدكم، انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً " تفرد به أحمد، وهذا فيما إذا كان الضر خاصاً به، وأما إِذا كان فتنة في الدين، فيجوز سؤال الموت كما قال الله تعالى إِخباراً عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالوا
    { رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ }
    الأعراف 126 وقالت مريم لما أجاءها المخاض، وهو الطلق، إلى جذع النخلة
    { يظ°لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـظ°ذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً }
    مريم 23 لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات زوج، وقد حملت ووضعت، وقد قالوا
    { يظ°مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً يظ°أُخْتَ هَـظ°رُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ظ±مْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً }
    مريم27-28 فجعل الله لها من ذلك الحال فرجاً ومخرجاً، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة، ومعجزة باهرة، صلوات الله وسلامه عليه. وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه " وإِذا أردت بقوم فتنة، فتوفني إليك غير مفتون " وقال الإمام أحمد حدثنا أبو سلمة، أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اثنتان يكرههما ابن آدم يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب " فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إِلا شدة، فقال اللهم خذني إليك، فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري رحمه الله لما وقعت له تلك الفتنة، وجرى له مع أمير خراسان ما جرى، قال اللهم توفني إِليك. وفي الحديث " إن الرجل ليمر بالقبر - أي في زمان الدجال - فيقول يا ليتني مكانك " لما يرى من الفتن، والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون.

  7. #352
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    { حَتَّىظ° إِذَا ظ±سْتَيْأَسَ ظ±لرُّسُلُ وَظَنُّوغ¤اْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ظ±لْقَوْمِ ظ±لْمُجْرِمِينَ }

    قال الرازى

    اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي { كَذَّبُواْ } بالتخفيف، وكسر الذال والباقون بالتشديد، ومعنى التخفيف من وجهين: أحدهما: أن الظن واقع بالقوم، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر. فإن قيل: لم يجر فيما سبق ذكر المرسل إليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير إليهم. قلنا: ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم وإن شئت قلت أن ذكرهم جرى في قوله:
    { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ظ±لأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـظ°قِبَةُ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }
    [يوسف: 109] فيكون الضمير عائداً إلى الذين من قبلهم من مكذبي الرسل والظن ههنا بمعنى التوهم والحسبان. والوجه الثاني: أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد، لأن المؤمن لا يجوز أن يطن بالله الكذب، بل يخرج بذلك عن الإيمان فكيف يجوز مثله على الرسل، وأما قراءة التشديد ففيها وجهان: الأول: أن الظن بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال، وورود الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى:
    { ظ±لَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـظ°قُوا رَبّهِمْ }
    [البقرة: 46] أي يتيقنون ذلك. والثاني: أن يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية، روي أن ابن أبي مليكة نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وظن الرسل أنهم كذبوا، لأنهم كانوا بشراً ألا ترى إلى قوله:
    { حَتَّىظ° يَقُولَ ظ±لرَّسُولُ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىظ° نَصْرُ ظ±للَّهِ }
    [البقرة: 214] قال فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فأنكرته وقالت: ما وعد الله محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا وقد علم أنه سيوفيه ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة

    وقال السمين

    قوله: { كُذِبُواْ } قرأ الكوفيون " كُذِبوا " بالتخفيف والباقون بالتثقيل. فأمَّا قراءةُ التخفيف فاضطربت أقوالُ الناسِ فيها، ورُوي إنكارها عن عائشة رضي الله عنها قالت: " معاذَ اللَّه لم يكنِ الرسلُ لِتَظُنُّ ذلك بربها " وهذا ينبغي أن لا يَصِحَّ عنها لتواتُرِ هذه القراءة.

    وقد وَجَّهها الناسُ بأربعة أوجه، أجودُها: أن الضميرَ في " وظنُّوا " عائدٌ على المُرْسَل إليهم لتقدُّمهم في قوله:
    { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }
    [يوسف: 109]، ولأن الرسلَ تَسْتدعي مُرْسَلاً إليه. والضمير في " أنهم " و " كُذِبوا " عائد على الرسل، أي: وظنَّ المُرْسَل إليهم أنَّ الرسَلَ قد كُذِبوا، أي: كذَّبهم مَنْ أُرْسِلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم.

    الثاني: أنَّ الضمائرَ الثلاثةَ عائدة على الرسل. قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه " حتى إذا اسْتَيْئَسوا من النصر وظنُّوا أنهم قد كُذِبوا، أي: كَذَّبَهم أنفسُهم حين حَدَّثَتْهم أنهم يُنْصَرون أو رجاؤُهم لقولهم رجاءٌ صادق ورجاءٌ كاذب، والمعنىظ°: أن مدَّة التكذيب والعداوةِ من الكفار، وانتظارَ النصر من اللَّه وتأميلَه قد تطاولت عليهم وتمادَتْ، حتىظ° استشعروا القُنوط، وتَوَهَّموا ألاَّ نَصْرَ لهم في الدنيا فجاءهم نَصْرُنا " انتهىظ°/ فقد جعل الفاعلَ المقدر: إمَّا أنفسُهم، وإمَّا رجاؤُهم، وجعل الظنَّ بمعنى التوهم فأخرجه عن معناه الأصلي وهو تَرَجُّحُ أحدِ الطرفين، وعن مجازه وهو استعمالُه في المُتَيَقَّن.

    الثالث: أنَّ الضمائرَ كلَّها أيضاً عائدة على الرسل، والظنُّ على بابه من الترجيح، وإلى هذا نحا ابن عباس وابن مسعود وابن جبير، قالوا: والرسل بَشَرٌ فَضَعُفوا وساءَ ظَنُّهم، وهذا ينبغي ألاَّ يَصِحَّ عن هؤلاء فإنها عبارة غليظة على الأنبياء عليهم السلام، وحاشىظ° الأنبياء من ذلك، ولذلك رَدَّتْ عائشة وجماعةُ كثيرة هذا التأويلَ، وأعظموا أن تُنْسَبَ الأنبياء إلى شيء مِن ذلك.

    قال الزمخشري: " إن صَحَّ هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظنِّ ما يَخْطِر بالبال ويَهْجِس في القلب مِنْ شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمَّا الظنُّ الذي هو ترجيحُ أحدِ الجائزين على الآخر فغير جائز على رجلٍ من المسلمين، فما بالُ رسلِ اللَّه الذين هم أعرفُ بربهم؟ " قلت: ولا يجوز أيضاً أن يقال: خَطَر ببالهم شبهُ الوسوسة؛ فإنَّ الوسوسة من الشيطان وهم مَعْصومون منه.

    وقال الفارسي أيضا: " إنْ ذهب ذاهب إلى أن المعنىظ°: ظنَّ الرسلُ الذين وعد اللَّه أمَمَهم على لسانهم قد كُذِبوا فيه فقد أتى عظيماً [لا يجوزُ أَنْ يُنْسَبُ مثلُه] إلى الأنبياء ولا إلى صالحي عبادِ اللَّه، وكذلك مَنْ زعم أنَّ ابنَ عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضَعُفوا فظنوا أنهم قد أُخْلفوا؛ لأن اللَّه تعالى لا يُخْلف الميعاد ولا مُبَدِّل لكلماته ". وقد روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: " معناه وظنُّوا حين ضَعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخْلفوا ما وعدهم اللَّه به من النصر وقال: كانوا بشراً وتلا قوله تعالى:
    { وَزُلْزِلُواْ حَتَّىظ° يَقُولَ ظ±لرَّسُولُ }
    [البقرة: 214].

    الرابع: أن الضمائر كلَّها تَرْجِعُ إلى المرسَل إليهم، أي: وظَنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذبوهم فيما ادَّعوه من النبوَّة وفيما يُوْعِدون به مَنْ لم يؤمنْ بهم من العقاب قبلُ، وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد قالوا: ولا يجوز عَوْدُ الضمائر على الرسل لأنهم مَعْصومون. ويُحكى أن ابن جبير حين سُئِل عنها قال: نعم إذا استيئسَ الرسل من قومهم أن يُصَدِّقوهم، وظنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم " فقال الضحاك بن مزاحم وكان حاضِراً: " لو رَحَلْتُ في هذه إلى اليمن كان قليلاً ".

    وأمَّا قراءةُ التشديدِ فواضحة وهو أن تعودَ الضمائرُ كلها على الرسل، أي: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَّبهم أممُهم فيما جاؤوا به لطول البلاءِ عليهم، وفي صحيح البخاري عن عائشة: " أنها قالت: هم أتباعُ الأنبياءِ الذي آمنوا بهم وصَدَّقوا طال عليهم البلاءُ واستأخر عنهم النصرُ حتى إذا استيئس الرسلُ ممَّن كذَّبهم مِنْ قومهم، وظنَّتْ الرسلُ أن قومَهم قد كَذَّبوهم جاءهم نَصْرُ اللَّهِ عند ذلك ". قلت: وبهذا يَتَّحد معنىظ° القراءتين، والظنُّ هنا يجوز أن يكون على بابه، وأن يكونَ بمعنى اليقين وأن يكونَ بمعنى التوهُّم حسبما تقدَّم.

    وقرأ ابن عباس والضحاك ومجاهد " كَذَبوا " بالتخفيف مبنياً للفاعل، والضمير علىظ° هذه القراءة في " ظنُّوا " عائد على الأمم وفي { أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } عائدٌ على الرسل، أي: ظنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم فيما وعدوهم به من النصر أو من العقاب، ويجوز أن يعودَ الضميرُ في " ظنُّوا " على الرسل وفي { أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } على المُرْسَل [إليهم]، أي: وظنَّ الرسلُ أن الأممَ كَذَبَتْهم فيما وعدوهم به مِنْ أنَّهم يؤمنون به، والظنُّ هنا بمعنى اليقين واضح.

    ونقل أبو البقاء أنه قُرِىء مشدَّداً مبنياً للفاعل، وأوَّلَه بأنَّ الرسل ظنُّوا أن الأمم قد كذَّبوهم. وقال الزمخشري: ـ بعد ما حكىظ° قراءة المبني للفاعل ـ " ولو قرىء بهذا مشدَّداً لكان معناه: وظنَّ الرسلُ أنَّ قومَهم كذَّبوهم في موعدهم " فلم يحفظها قراءةً وهي غريبة، وكان قد جَوَّز في القراءة المتقدمة أنَّ الضمائر كلَّها تعود على الرسل، وأن يعودَ الأولُ على المُرْسَل إليهم وما بعده على الرسل فقال: " وقرأ مجاهد " كَذَبوا " بالتخفيف على البناء للفاعل على: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَبوا فيما حَدَّثوا به قومهم من النُّصْرة: إمَّا على تأويل ابن عباس، وإمَّا على أنَّ قومهم إذا لم يَرَوا لموعدهم أثراً قالوا لهم: قد كَذَبْتُمونا فيكونون كاذبين عند قومهم أو: وظنَّ المُرْسَلُ إليهم أن الرسلَ قد كَذَبوا...

    وقال القرطبي

    وَظَنُّوغ¤اْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم. وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يزِلّ الإنسان فيكون في سواء الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالاً ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب. «حَتَّى إِذَا ظ±سْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» أي يئسوا من إيمان قومهم. «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» بالتشديد؛ أي أيقنوا أن قومهم كَذَّبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كَذَّبوهم، لا أَنَّ الْقَوْمَ كَذَّبوا، ولكن الأنبياء ظنّوا وحسِبوا أنهم يُكَذِّبونهم؛ أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شكّ؛ فيكون «وَظَنُّوا» على بابه في هذا التأويل. وقرأ ابن عباس وظ±بن مسعود وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ وأبو جعفر بن القَعْقَاع والحسن وقَتَادة وأبو رَجَاء العُطَارِديّ وعاصم وحمزة والكسائيّ ويحيـى بن وَثَّاب والأعمش وخَلَف «كُذِبُوا» بالتخفيف؛ أي ظنّ القوم أن الرسل كَذَبوهم فيما أخبروا به من العذاب، ولم يَصدقُوا.

    وقيل: المعنى ظنّ الأمم أن الرسل قد كَذَبوا فيما وعدوا به من نصرهم. وفي رواية عن ابن عباس؛ ظنّ الرسلُ أن الله أخلف ما وعدهم. وقيل: لم تصح هذه الرواية؛ لأنه لا يَظنّ بالرسل هذا الظنّ، ومن ظنّ هذا الظنّ لا يستحقّ النّصر؛ فكيف قال: { جَآءَهُمْ نَصْرُنَا }؟ظ° قال القُشَيريّ أبو نصر: ولا يبعد إن صحّت الرواية أن المراد خطر بقلوب الرسل هذا من غير أن يتحققوه في نفوسهم؛ وفي الخبر: " إن الله تعالى تجاوز لأمّتي عما حدّثت به أنفسها ما لم ينطق به لسانٌ أو تَعمل به " ويجوز أن يقال: قربوا من ذلك الظنّ؛ كقولك: بلغت المنزل، أي قربت منه. وذكر الثعلبيّ والنحاس عن ابن عباس قال: كانوا بشراً فضَعُفوا من طول البلاء، ونسوا وظنُّوا أَنَّهُمْ أخلِفوا؛ ثم تلا:
    { حَتَّىظ° يَقُولَ ظ±لرَّسُولُ وَظ±لَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىظ° نَصْرُ ظ±للَّهِ أَلاغ¤ إِنَّ نَصْرَ ظ±للَّهِ قَرِيبٌ }
    [البقرة: 214]. وقال الترمذيّ الحكيم: وجهه عندنا أن الرسل كانت تخاف بعدما وعد الله النصر، لا من تهمة لوعد الله، ولكن لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حَدَثاً يَنْقُض ذلك الشرط والعهد الذي عهد إليهم؛ فكانت إذا طالت (عليهم) المدّة دخلهم الإياس والظنون من هذا الوجه. وقال المهدويّ عن ابن عباس: ظنّت الرُّسل أنهم قد أُخلِفُوا على ما يلحق البشر؛ واستشهد بقول إبراهيم عليه السلام:
    { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ظ±لْمَوْتَىظ° }
    [البقرة: 260] الآية. والقراءة الأولى أولى. وقرأ مجاهد وحميد ـ «قَدْ كَذَبوا» بفتح الكاف والذال مُخَفّفاً، على معنى: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبوا، لما رأوا من تفضّل الله عزّ وجلّ في تأخير العذاب. ويجوز أن يكون المعنى: و(لما) أيقن الرسل أن قومهم قد كَذَبوا على الله بكفرهم جاء الرسلَ نصرُنا. وفي البخاريّ عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عزّ وجلّ: { حَتَّىظ° إِذَا ظ±سْتَيْأَسَ ظ±لرُّسُلُ } قال قلت: أكُذِبُوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كُذِّبوا. قلت: فقد ظ±ستيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أَجَل لعمري! لقد ظ±ستيقنوا بذلك؛ فقلت لها: «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظنّ ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل (الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء، وظ±ستأخر عنهم النصر حتى إذا ظ±ستيأس الرسل) ممن كذّبهم من قومهم، وظنّت الرسل أن أتباعهم (قد) كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك. وقي قوله تعالى: { جَآءَهُمْ نَصْرُنَا } قولان: أحدهما: جاء الرسلَ نصُر الله؛ قاله مجاهد. الثاني: جاء قومهم عذاب الله؛ قاله ابن عباس.

  8. #353
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    سورة الرعد

    قال الرازى

    وقوله: { يُدَبّرُ ظ±لاْمْرَ يُفَصّلُ ظ±لآيَـظ°تِ } خبراً بعد خبر، وقال الواحدي: العمد الأساطين وهو جمع عماد يقال عماد وعمد مثل إهاب وأهب، وقال الفراء: العمد والعمد جمع العمود مثل أديم وادم وادم، وقضيم وقضم وقضم، والعماد والعمود ما يعمد به الشيء، ومنه يقال: فلان عمد قومه إذا كانوا يعتمدونه فيما بينهم. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال السموات وبأحوال الشمس والقمر وبأحوال الأرض وبأحوال النبات، أما الاستدلال بأحوال السموات بغير عمد ترونها فالمعنى: أن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذواتها لوجهين: الأول: أن الأجسام متساوية في تمام الماهية، ولو وجب حصول جسم في حيز معين، لوجب حصول كل جسم في ذلك الحين. والثاني: أن الخلاء لا نهاية له والأحياز المعترضة في ذلك الخلاء الصرف غير متناهية وهي بأسرها متساوية ولو وجب حصول جسم في حيز معين لوجب حصوله في جميع الأحياز ضرورة أن الأحياز بأسرها متشابهة فثبت أن حصول الأجرام الفلكية في أحيازها وجهاتها ليس أمراً واجباً لذاته بل لا بد من مخصص ومرجح، ولا يجوز أن يقال إنها بقيت بسلسلة فوقها ولا عمد تحتها، وإلا لعاد الكلام في ذلك الحافظ ولزم المرور إلى ما لا نهاية له وهو محال فثبت أن يقال الأجرام الفلكية في أحيازها العالية لأجل أن مدبر العالم تعالى وتقدس أوقفها هناك. فهذا برهان قاهر على وجود الإله القاهر القادر. ويدل أيضاً على أن الإله ليس بجسم ولا مختص بحيز، لأنه لو كان حاصلاً في حيز معين لامتنع أن يكون حصوله في ذلك الحيز لذاته ولعينه لما بينا أن الأحياز بأسرها متساوية فيمتنع أن يكون حصوله في حيز معين لذاته فلا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وكل ما حصل بالفاعل المختار فهو محدث فاختصاصه بالحيز المعين محدث وذاته لا تنفك عن ذلك الاختصاص وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، فثبت أنه لو كان حاصلاً في الحيز المعين لكان حادثاً وذلك محال، فثبت أنه تعالى متعال عن الحيز والجهة، وأيضاً كل ما سماك فهو سماء، فلو كان تعالى موجوداً في جهة فوق جهة لكان من جملة السموات فدخل تحت قوله: { ظ±للَّهُ ظ±لَّذِى رَفَعَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } فكل ما كان مختصاً بجهة فوق جهة فهو محتاج إلى حفظ الإله بحكم هذه الآية فوجب أن يكون الإله منزهاً عن جهة فوق.

    أما قوله: { تَرَوْنَهَا } ففيه أقوال: الأول: أنه كلام مستأنف والمعنى: رفع السموات بغير عمد. ثم قال: { تَرَوْنَهَا } أي وأنتم ترونها أي مرفوعة بلا عماد. الثاني: قال الحسن في تقرير الآية تقديم وتأخير تقديره: رفع السموات ترونها بغير عمد. واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير إلى التقديم والتأخير غير جائز. والثالث: أن قوله: { تَرَوْنَهَا } صفة للعمد، والمعنى: بغير عمد مرئية، أي للسموات عمد. ولكنا لا نراها قالوا: ولها عمد على جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا ولكنكم لا ترونها. وهذا التأويل في غاية السقوط، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله القادر ولو كان المراد ما ذكروه لما ثبتت الحجة لأنه يقال إن السموات لما كانت مستقرة على جبل قاف فأي دلالة لثبوتها على وجود الإله، وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكل وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله تعالى وحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى فنتج أن يقال إنه رفع السماء بغير عمد ترونها أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إياها في الجو العالي وأنهم لا يرون ذلك التدبير ولا يعرفون كيفية ذلك الإمساك. وأما قوله: { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° عَلَى ظ±لْعَرْشِ } فاعلم أنه ليس المراد منه كونه مستقراً على العرش، لأن المقصود من هذه الآية ذكر ما يدل على وجود الصانع ويجب أن يكون ذلك الشيء مشاهداً معلوماً وأن أحداً ما رأى أنه تعالى استقر على العرش فكيف يمكن الاستدلال به عليه وأيضاً بتقدير أن يشاهد كونه مستقراً على العرش إلا أن ذلك لا يشعر بكمال حاله وغاية جلاله، بل يدل على احتياجه إلى المكان والحيز. وأيضاً فهذا يدل على أنه ما كان بهذه الحالة ثم صار بهذه الحالة، وذلك يوجب التغير وأيضاً الاستواء ضد الاعوجاج فظاهر الآية يدل على أنه كان معوجاً مضطرباً ثم صار مستوياً وكل ذلك على الله محال، فثبت أن المراد استواؤه على عالم الأجسام بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وفي تدبيره وفي الاحتياج إليه. وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر: فهو قوله سبحانه وتعالى: { وَسَخَّرَ ظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى }. واعلم أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة: النوع الأول: قوله: { وَسَخَّرَ ظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ } وحاصله يرجع إلى الاستدلال على وجود الصانع القادر القاهر بحركات هذه الأجرام، وذلك لأن الأجسام متماثلة فهذه الأجرام قابلة للحركة والسكون فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لا بد له من مخصص.

    وأيضاً أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة فلا بد أيضاً من مخصص لا سيما عند من يقول الحركة البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات وهذا يوجب الاعتراف بأنها تتحرك في بعض الأحياز وتسكن في البعض فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين والسكون في الحيز الآخر لا بد فيه أيضاً من مرجح. الوجه الثالث: وهو أن تقدير تلك الحركات والسكنات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها وأدوارها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد من مقدر. والوجه الرابع: أن بعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها مائلة إلى الجنوب وهذا أيضاً لا يتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة...

    وقال الالوسي

    ثم لا يخفى أن الضمير المنصوب في { تَرَوْنَهَا } إذا كان راجعاً إلى السمظ°وات المرفوعة اقتضى ظاهر الآية أن المرئي هو السماء، وقد صرح الفلاسفة بأن المرئي هو كرة البخار وثخنها كما قال صاحب " التحفة " أحد وخمسون ميلاً وتسع وخمسون دقيقة، والمجموع سبعة عشر فرسخاً وثلث فرسخ تقريباً، وذكروا أن سبب رؤيتها زرقاء أنها مستضيئة دائماً بأشعة الكواكب وما وراءها لعدم قبوله الضوء كالمظلم بالنسبة إليها فإذا نفذ نور البصر من الأجزاء المستنيرة بالأشعة إلى الأجزاء التي هي كالمظلم رأى الناظر ما فوقه من المظلم بما يمازجه من الضياء الأرضي والضياء الكوكبـي لوناً متوسطاً بين الظلام والضياء وهو اللون اللازوردي، وذلك كما إذا نظرنا من جسم أحمر مشف إلى جسم أخضر فإنه يظهر لنا لون مركب من الحمرة والخضرة.

    وأجمعوا أن السمظ°وات التي هي الأفلاك لا ترى لأنها شفافة لا لون لها لأنها لا تحجب الأبصار عن رؤية ما وراءها من الكواكب وكل ملون فإنه يحجب عن ذلك. وتعقب ذلك الإمام الرازي بأنا لا نسلم أن كل ملون حاجب فإن الماء والزجاج ملونان لأنهما مرئيان ومع ذلك لا يحجبان. فإن قيل: فيهما حجب عن الإبصار الكامل قلنا: وكيف عرفتم أنكم أدركتكم هذه الكواكب إدراكاً تاماً انتهى، على أن ما ذكروه لا يتمشى في المحدد إذ/ ليس وراءه شيء حتى يرى ولا في الفلك الذي يسمونه بفلك الثوابت أيضاً إذ ليس فوقه كوكب مرئي وليس لهم أن يقولوا لو كان كل منهما ملوناً لوجب رؤيته لأنا نقول جاز أن يكون لونه ضعيفاً كلون الزجاج فلا يرى من بعيد ولئن سلمنا وجوب رؤية لونه قلنا: لم لا يجوز أن تكون هذه الزرقة الصافية المرئية لونه وما ذكر أولاً فيها دون إثباته كرة النار وما يقال: إنها أمر يحسن في الشفاف إذا بعد عمقه كما في ماء البحر فإنه يرى أزرق متفاوت الزرقة بتفاوت قعره قرباً وبعداً فالزرقة المذكورة لون يتخيل في الجو الذي بين السماء والأرض لأنه شفاف بعد عمقه لا يجدي نفعاً لأن الزرقة كما تكون لوناً متخيلاً قد تكون أيضاً لوناً حقيقياً قائماً بالأجساد، وما الدليل على أنها لا تحدث إلا بذلك الطريق التخيلي فجاز أن تكون تلك الزرقة المرئية لوناً حقيقياً لأحد الفلكين كذا قال بعض المحققين، وأنت تعلم أنه لا مانع عند المسلمين من كون المرئي هو السماء الدنيا المسماة بفلك القمر عند الفلاسفة بل هو الذي تقتضيه الظواهر، ولا نسلم أن ما يذكرونه من طبقات الهواء مانعاً، وهذه الزرقة يحتمل أن تكون لوناً حقيقياً لتلك السماء صبغها الله تعالى به حسبما اقتضته حكمته، وعليه الأثريون كما قال القسطلاني، ويؤيده ظاهر ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم:

    " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء " ، وفي رواية " الأرض من ذي لهجة أصدق من أبـي ذر " ويحتمل أن يكون لوناً تخيلياً في طبقة من طبقات الهواء الشفاف الذي ملأ الله به ما بين السماء والأرض ويكون لها في نفسها لون حقيقي الله تعالى أعلم بكيفيته ولا بعد في أن يكون أبيض وهو الذي يقتضيه بعض الأخبار لكنا نحن نراها من وراء ذلك الهواء بهذه الكيفية كما نرى الشيء الأبيض من وراء جام أخضر أخضر، ومن وراء جام أزرق أزرق وهكذا، وجاء في بعض الآثار أن ذلك من انعكاس لون جبل قاف عليها. وتعقب بأن جبل قاف لا وجود له، وبرهن عليه بما يرده ـ كما قال العلامة ابن حجر ـ ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق أخرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول الصحابـي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، منها أن وراء أرضنا بحراً محيطاً ثم جبلاً يقال له قاف ثم أرضاً ثم بحراً ثم جبلاً وهكذا حتى عد سبعاً من كل، وخرج بعض أولئك عن عبد الله بن بريدة أنه جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء، وعن مجاهد مثله. ونقل صاحب " حل الرموز " أن له سبع شعب وأن لكل سماء منها شعبة، وفي القلب من صحة ذلك ما فيه، بل أنا أجزم بأن السماء ليست محمولة إلا على كاهل القدرة، والظاهر أنها محيطة بالأرض من سائر جهاتها كما روي عن الحسن، وفي الزرقة الاحتمالان. بقي الكلام في رؤية باقي السمظ°وات وظاهر الآية يقتضيه وأظنك لا ترى ذلك وظاهر بعض الآيات يساعدك فتحتاج إلى القول بأن الباقي وإن لم يكن مرئياً حقيقة لكنه في حكم المرئي ضرورة أنه إذا لم يكن لهذا عماد لا يتصور أن يكون لما وراءه عماد عليه بوجه من الوجوه، ويؤل هذا إلى كون المراد ترونها حقيقة أو حكماً بغير عمد، وجوز أن يكون المراد ترون رفعها أي السمظ°وات جميعاً بغير ذلك. وفي «الكشف» ما يشير إليه؛ وإذا جعل الضمير للعمد فالأمر ظاهر فتدبر، ومن البعيد الذي لا نراه زعم بعضهم أن { تَرَوْنَهَا } خبر في اللفظ ومعناه الأمر روها وانظروا هل لها من عمد.

    { ثُمَّ ظ±سْتَوَى } سبحانه استواء يليق بذاته { عَلَى ظ±لْعَرْشِ } وهو المحدد بلسان الفلاسفة، وقد جاء في الأخبار من عظمه ما يبهر العقول، وجعل غير واحد من الخلف الكلام استعارة/ تمثيلية للحفظ والتدبير، وبعضهم فسر استوى باستولى، ومذهب السلف في ذلك شهير ومع هذا قد قدمنا الكلام فيه...

    ملحوظة

    سبحان من يمسك سمواته بقدرته بلا واسطة وهذا أمر عجيب كيف تتعلق قدرةالله بالممكن بلا واسطة وبلا جارحة او أله فتعلق قدرته بالممكنات أمر عجيب

    وقال الرازى

    واعلم أنه تعالى في أكثر الأمر حيث يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي يذكر عقبها: { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لآيَـظ°تٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } أو ما يقرب منه بحسب المعنى، والسبب فيه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود، فلهذا المعنى قال: { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لآيَـظ°تٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد ولا بد بعد هذا المقام من التفكر والتأمل ليتم الاستدلال. واعلم أن الجواب عن هذا السؤال من وجهين: الأول: أن نقول هب أنكم أسندتم حوادث العالم السفلي إلى الأحوال الفلكية والاتصالات الكوكبية إلا أنا أقمنا الدليل القاطع على أن اختصاص كل واحد من الأجرام الفلكية وطبعه ووضعه وخاصيته لا بد أن يكون بتخصيص المقدر القديم والمدبر الحكيم، فقد سقط هذا السؤال وهذا الجواب قد قرره الله تعالى في هذا المقام، لأنه تعالى ابتدأ بذكر الدلائل السماوية وقد بينا أنها كيف تدل على وجود الصانع. ثم إنه تعالى أتبعها بالدلائل الأرضية. فإن قال قائل: لم لا يجوز أن تكون هذه الحوادث الأرضية لأجل الأحوال الفلكية، كان جوابنا أن نقول فهب أن الأمر كذلك إلا أنا دللنا فيما تقدم على افتقار الأجرام الفلكية إلى الصانع الحكيم فحينئذ لا يكون هذا السؤال قادحاً في غرضنا. والوجه الثاني: من الجواب أن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث السفلية لأجل الاتصالات الفلكية، وذلك هو المذكور في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها علم أن هذا الكتاب اشتمل على علوم الأولين والآخرين.

    ملحوظة

    للاشاعرة ادلة معروفة فى علم الكلام لاثبات وجود الاله الواحد عقلا

    وقال الرازى

    اعلم أن المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية، والحركات الكوكبية، وتقريره من وجهين، الأول: أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة والماهية وهي مع ذلك متجاورة، فبعضها تكون سبخية، وبعضها تكون رخوة، وبعضها تكون صلبة، وبعضها تكون منبتة، وبعضها تكون حجرية أو رملية وبعضها يكون طيناً لزجاً، ثم إنها متجاورة وتأثير الشمس وسائر الكواكب في تلك القطع على السوية فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير. والثاني: أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد فيكون تأثير الشمس فيها متساوياً، ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في الطعم واللون والطبيعة والخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقوداً من العنب فيكون جميع حباته حلوة نضيجة إلا حبة واحدة فإنها بقيت حامضة يابسة، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطباع والأفلاك للكل على السوية، بل نقول: ههنا ما هو أعجب منه، وهو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة، والوجه الثاني في غاية السواد مع أن ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنعومة فيستحيل أن يقال: وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتدبير الفاعل المختار، لا بسبب الاتصالات الفلكية وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى: { يُسْقَىظ° بِمَاء وظ°حِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىظ° بَعْضٍ فِى ظ±لأُكُلِ } فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الحجة وتفسيرها وبيانها. واعلم أن بذكر هذا الجواب قد تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لا بد لها من مؤثر وبينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب والأفلاك والطبائع فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل آخر سوى هذه الأشياء، وعندها يتم الدليل، ولا يبقى بعده للفكر مقام ألبتة، فلهذا السبب قال ههنا: { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لآيَـظ°تٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال: إن هذه الحوادث السفلية حدثت لا لمؤثر ألبتة وذلك يقدح في كمال العقل، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث لما كان علماً ضرورياً كان عدم حصول هذا العلم قادحاً في كمال العقل فلهذا قال: { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لآيَـظ°تٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وقال في الآية المتقدمة:
    { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لآيَـظ°تٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }
    [الرعد:3] فهذه اللطائف نفيسة من أسرار علم القرآن ونسأل الله العظيم أن يجعل الوقوف عليها سبباً للفوز بالرحمة والغفران...

    واحتج أصحابنا رحمهم الله تعالى على أن العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية فقالوا قوله: { هُمْ فِيهَا خَـظ°لِدُونَ } يفيد أنهم هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم، وذلك يدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار. المسألة الثانية: قال المتكلمون العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حق الله تعالى محال، فكان المراد وإن تعجب فعجب عندك. ولقائل أن يقول: قرأ بعضهم في الآية الأخرى بإضافة العجب إلى نفسه تعالى فحينئذ يجب تأويله وقد بينا أن أمثال هذه الألفاظ يجب تنزيهها عن مبادىء الأعراض، ويجب حملها على نهايات الأعراض فإن الإنسان إذا تعجب من الشيء أنكره فكان هذا محمولاً على الإنكار....

    أما قوله: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىظ° ظُلْمِهِمْ } فاعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة، ووجه الاستدلال به أن قوله تعالى: { لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىظ° ظُلْمِهِمْ } أي حال اشتغالهم بالظلم كما أنه يقال: رأيت الأمير على أكله أي حال اشتغاله بالأكل فهذا يقتضي كونه تعالى غافراً للناس حال اشتغالهم بالظلم، ومعلوم أن حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائباً فدل هذا على أنه تعالى قد يغفر الذنب قبل الاشتغال بالتوبة.

    ثم نقول: ترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق أهل الكبيرة وهو المطلوب، أو نقول: إنه تعالى لم يقتصر على قوله: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىظ° ظُلْمِهِمْ } بل ذكر معه قوله { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ظ±لْعِقَابِ } فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر، وأن يحمل الثاني على أحوال الكفار. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد: لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم مكفرة ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: إن ربك لذو مغفرة إذا تابوا وأنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم ويكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل نقول: يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب، فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولاً على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة، وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد العقاب. والجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة، وإلا لوجب أن يقال: الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة، وعن الثاني: أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل. أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث: أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه.

    وقال الالوسي

    وهذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة وهو جواز مغفرة الكبائر والصغائر بدون توبة لأنه سبحانه ذكر المغفرة مع الظلم أي الذنب ولا يكون معه إلا قبل التوبة لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأول ذلك المعتزلة بأن المراد مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر أو مغفرتها لمن تاب أو المراد بالمغفرة معناها اللغوي وهو الستر بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة كأنه قيل: إنه تعالى لا يعجل للناس العقوبة وإن كانوا ظالمين بل يستر عليهم بتأخيرها. واعترض التأويل بالتخصيص بأنه تخصيص للعامل من غير دليل. وأجيب بأن الكفر قد خص بالإجماع فيسري التخصيص إلى ذلك. وتعقب الأخير بأنه في غاية البعد لأنه كما قال الإمام لا يسمى مثله مغفرة وإلا لصح أن يقال: الكفار مغفورون. ورد بأن المغفرة حقيقتها في اللغة الستر وكونهم مغفورين بمعنى/ مؤخر عذابهم إلى الآخرة لا محذور فيه وهو المناسب لاستعجالهم العذاب.

    وأجيب بأن المراد أن ذلك مخالف للظاهر ولإستعمال القرآن، وذكر العلامة الطيبـي أنه يجب تأويل الآية بأحد الأوجه الثلاثة لأنها بظاهرها كالحث على الظلم لأنه سبحانه وعد المغفرة البالغة مع وجود الظلم. وتعقب ذلك في «الكشف» فقال: فيه نظر لأن الأسلوب يدل على أنه تعالى بليغ المغفرة لهم مع استحقاقهم لخلافها لتلبسهم بما العقاب أولى بهم عنده، والظاهر أن التأويل بتاء على مذهب الاعتزال. وأما على مذهب أهل السنة فإنما يؤول لو عم الظلم الكفر، ثم قال: والتأويل بالستر والإمهال أحسن فيكون قوله تعالى:

    { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ظ±لْعِقَابِ } لتحقيق الوعيد بهم وإن كانوا تحت ستره وإمهاله، ففيه إشارة إلى أن ذلك إمهال لا إهمال. والمراد بالناس أما المعهودون وهم المستعجلون المذكورون قبل أو الجنس دلالة على كثرة الهالكين لتناولهم وأضرابهم وهذا جار على المذهبين، وكذا اختار الطيبـي هذا التأويل وقال هو الوجه. والآية على وزان قوله تعالى:
    { قُلْ أَنزَلَهُ ظ±لَّذِى يَعْلَمُ ظ±لسّرَّ فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }
    [الفرقان: 6] على ما ذكره الزمخشري في " تفسيره " وأنت قد سمعت ما له وما عليه فتدبر. واختار غير واحد إرادة الجنس من الناس وهو مراد أيضاً في { شَدِيدُ ظ±لْعِقَابِ }. التخصيص بالكفار غير مختار. ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية { وَإِنَّ رَبَّكَ } الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا عفو الله تعالى وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد ".

    وقال الزمخشري

    لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىظ° ظُلْمِهِمْ } أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب. ومحله الحال، بمعنى ظالمين لأنفسهم وفيه أوجه. أن يريد السيئات المكفرة لمجتنب الكبائر. أو الكبائر بشرط التوبة. أو يريد بالمغفرة الستر والإمهال. وروي أنها لما نزلت قال النبي عليه الصلاة والسلام:

    " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد ".

  9. #354
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    { وَيَقُولُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاغ¤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }

    استدل الاثنى عشرية علي عقيدتهم فى الامامة بهذه الاية

    قال القمى

    قوله: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هادِ } فإنه حدثني أبي عن حماد عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال المنذر رسول الله صلى الله عليه وآله والهادي أمير المؤمنين عليه السلام وبعده الأئمة عليهم السلام وهو قوله: { ولكل قوم هاد } أي في كل زمان إمام هادٍ مبين وهو رد على من ينكر أن في كل عصر وزمان إماماً وأنه لا تخلو الأرض من حجة كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا تخلو الأرض من إمام قائم بحجة الله إما ظاهر مشهور وإما خائف مقهور لئلا يبطل حجج الله وبيناته " والهدى في كتاب الله عز وجل على وجوه فمنه الأئمة عليه السلام وهو قوله: { ولكل قوم هادٍ } أي: إمام مبين...

    وقال الالوسي

    واستدل بذلك الشيعة على خلافة علي كرم الله تعالى وجهه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فصل. وأجيب بأنا لا نسلم صحة الخبر، وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند أهل الأثر، وليس في الآية دلالة على ما تضمنه بوجه من الوجوه، على أن قصارى ما فيه كونه كرم الله تعالى وجهه به يهتدي المهتدون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لا يستدعي إلا إثبات مرتبة الإرشاد وهو أمر والخلافة التي نقول بها أمر لا تلازم بينهما عندنا. وقال بعضهم: إن صح الخبر يلزم القول بصحة خلافة الثلاثة رضي الله تعالى عنهم حيث دل على أنه كرم الله تعالى وجهه على الحق فيما يأتي ويذر وأنه الذي يهتدى به وهو قد بايع أولئك الخلفاء طوعاً ومدحهم وأثنى عليهم خيراً ولم يطعن في خلافتهم فينبغي الاقتداء به والجري على سننه في ذلك ودون إثبات خلاف ما أظهر خرط القتاد. وقال أبو حيان: إنه صلى الله عليه وسلم على فرض صحة الرواية إنما جعل علياً كرم الله تعالى وجهه مثالاً من علماء الأمة وهداتها إلى الدين فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: يا علي هذا وصفك فيدخل الخلفاء الثلاث وسائر علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل وسائر علماء الأمة، وعليه فيكون معنى الآية إنما أنت منذر ولكل قوم في القديم والحديث إلى تعالى هداة دعاة إلى الخير اهـ وظاهره أنه لم يحمل تقديم المعمول في خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على الحصر الحقيقي وحينئذٍ لا مانع من القول بكثرة من يهتدي به، ويؤيد عدم الحصر ما جاء عندنا من قوله صلى الله عليه وسلم: " اقتدوا باللذين من بعدي أبـي بكر وعمر " وأخبار أخر متضمنة لإثبات من يهتدي به غير علي كرم الله تعالى وجهه، وأنا أظنك لا تلتفت إلى التأويل ولا تعبأ بما قيل وتكتفي بمنع صحة الخبر وتقول ليس في الآية مما يدل عليه عين ولا أثر.

    وقال ابن كثير

    وقال أبو جعفر بن جرير حدثني أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، حدثنا معاذ بن مسلم، بياع الهروي عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال لما نزلت { إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } قال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه على صدره، وقال " أنا المنذر، ولكل قوم هاد " وأومأ بيده إلى منكب علي، فقال " أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي " ، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا المطلب بن زياد عن السدي عن عبد خير عن علي { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } قال الهادي رجل من بني هاشم. قال الجنيد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ابن أبي حاتم وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وعن أبي جعفر محمد بن علي، نحو ذلك.

    وقال الرازى

    واعلم أن قوله: { كُلّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ومعناه: أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة...

    ونقول: المعلومات قسمان: المعلومات والموجودات، والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها ومنها معدومات لا يمتنع وجودها، والموجودات أيضاً قسمان: موجودات يمتنع عدمها، وموجودات لا يمتنع عدمها، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام وخواص، والكل معلوم لله تعالى، وحكى الشيخ الإمام الوالد عن أبي القاسم الأنصاري عن إمام الحرمين - رحمهم الله تعالى - أنه كان يقول لله تعالى معلومات لا نهاية لها، وله في كل واحد من تلك المعلومات، معلومات أخرى لا نهاية لها، لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل وموصوفاً بصفات لا نهاية لها على البدل، وهو تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل، وكل هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى: { عَـظ°لِمُ ظ±لْغَيْبِ وَظ±لشَّهَـظ°دَةِ }.

    ثم إنه تعالى ذكر عقيبه قوله: { ظ±لْكَبِيرُ } وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيراً بحسب الجثة والحجم والمقدار، فوجب أن يكون كبيراً بحسب القدرة والمقادير الإلهية ثم وصف تعالى نفسه بأنه المتعال وهو المتنزه عن كل ما لا يجوز عليه وذلك يدل على كونه منزهاً في ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الآية دالة على كونه تعالى موصوفاً بالعلم الكامل والقدرة التامة، ومنزهاً عن كل ما لا ينبغي، وذلك يدل على كونه تعالى قادراً على البعث الذي أنكروه وعلى الآيات التي اقترحوها وعلى العذاب الذي استعجلوه، وأنه إنما يؤخر ذلك بحسب المشيئة الإلهية عند قوم وبحسب المصلحة عند آخرين،

    وقال الالوسي

    عَـظ°لِمُ ظ±لْغَيْبِ } أي الغائب عن الحس { وَظ±لشَّهَـظ°دَةِ } أي الحاضر له عبر عنهما بهما مبالغة. أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أن الغيب السر والشهادة العلانية، وقيل: الأول المعدوم والثاني الموجود ونقل عن بعضهم أنه قال: إنه سبحانه لا يعلم الغيب على معنى أن لا غيب بالنسبة إليه جل شأنه والمعدومات مشهودة له تعالى بناءً على القول برؤية المعدوم كما برهن عليه الكوراني في " رسالة " ألفها لذلك، ولا يخفى ما في ذلك من مزيد الجسارة على الله تعالى والمصادمة لقوله جل شأنه: { عَـظ°لِمُ ظ±لْغَيْبِ } ولا ينبغي لمسلم أن يتفوه بمثل هذه الكلمة التي تقشعر من سماعها أبدان المؤمنين نسأل الله تعالى أن يوفقنا للوقوف عند حدنا ويمن علينا بحسن الأدب معه سبحانه،

    ملحوظة

    جعل الصوفية تعلق السمع والبصر التنجيزى القديم بالمعدوم والاشاعرة جعلوا القديم بذات الله والتنجيزى الحادث بالموجود وعلي قولهم هذا اشكالات معضله فى حلول الحوادث فى الذات اشار اليها الرازى فى المطالب والزم بها الاشاعرة فراجعها والمسألة معقدة

    وباب التعلقات فى الصفات من اصعب الابواب فى علم التوحيد

    تحيرت فيها افئدة علماء التوحيد

  10. #355
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ظ±للَّهِ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىظ° يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ ظ±للَّهُ بِقَوْمٍ سُوغ¤ءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }

    قال الرازى

    واحتج أبو علي الجبائي والقاضي بهذه الآية في مسألتين: المسألة الأولى: أنه تعالى لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله حالهم من النعمة إلى العذاب. المسألة الثانية: قالوا: الآية تدل على بطلان قول المجبرة إنه تعالى يبتدىء العبد بالضلال والخذلان أول ما يبلغ وذلك أعظم من العقاب، مع أنه ما كان منه تغيير. والجواب: أن ظاهر هذه الآية يدل على أن فعل الله في التغيير مؤخر عن فعل العبد، إلا أن قوله تعالى:
    { وَمَا يَشَآءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ظ±للَّهُ }
    [الإنسان: 30] يدل على أن فعل العبد مؤخر عن فعل الله تعالى، فوقع التعارض. وأما قوله: { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } فقد احتج أصحابنا به على أن العبد غير مستقل في الفعل. قالوا: وذلك لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان لكان قادراً على رد ما أراده الله تعالى، وحينئذ يبطل قوله: { وَإِذَا أراد اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } فثبت أن الآية السابقة وإن أشعرت بمذهبهم، إلا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا.

    وقال الالوسي

    وذكر الإمام الرازي في جواب السؤال عن فائدة جعل الملائكة عليهم السلام موكلين علينا كلاماً طويلاً فقال: ((إعلم أن ذلك غير مستبعد لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا القول في كل ليلة، ولا شك أن لتلك الكواكب أرواحاً عندهم فتلك التدبيرات المختلفة لتلك الأرواح في الحقيقة، وكذا القول في تدبير الهيلاج والكدخداه على ما يقولون. وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور على ألسنتهم فإنهم يقولون: أخبرنا الطباع التام بكذا، ومرادهم به أن لكل إنسان روحاً فلكية تتولى صلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئة في الشرع؟ وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة وبعضها شريرة وبعضها حرة وبعضها نذلة وبعضها قوية القهر وبعضها ضعيفته، وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك فكذلك القول في الأرواح الفلكية، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وصفة أقوى من الأرواح البشرية، وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة (وتكون في مرتبة) روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية، فتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي وإذا كان الأمر كذلك فإن ذلك الروح الفلكي يكون معيناً على مهماتها ومرشداً لها إلى مصالحها وعاصماً إياها عن صنوف الآفات، وهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة، وبذلك يعلم أن ما وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل فلا يمكن استنكاره)) اهـ.

    ولعل مقصوده بذلك تنظير أمر الحفظة مع العبد بأمر الأرواح الفلكية معه على زعم الفلاسفة في الجملة، وإلا فما يقوله المسلمون في أمرهم أمر وما يقوله الفلاسفة في أمر تلك الأرواح أمر آخر وهيهات هيهات أن نقول بما قالوا فإنه بعيد عما جاء عن الشارع عليه الصلاة والسلام بمراحل، ثم ذكر عليه الرحمة من فوائد الحفظة للأعمال/ ((أن العبد إذا علم أن الملائكة عليهم السلام يحضرونه ويحصون عليه أعماله وهم ـ هم ـ كان أقرب إلى الحذر عن ارتكاب المعاصي، كمن يكون بين يدي أناس أجلاء من خدام الملك موكلين عليه فإنه لا يكاد يحاول معصية بينهم، وقد ذكر ذلك غيره ولا يخلو عن حسن، ثم نقل عن المتكلمين في فائدة الصحف المكتوبة أنها وزنها يوم القيامة فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، ويظهر كل من الأمرين للخلائق.

    وتعقبه القاضي بأن ذلك بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء والعياذ بالله تعالى فلا يجوز توقف حصول المعرفة على الميزان، ثم أجاب بأنه لا يمتنع أيضاً ما ذكرناه لأمر يرجع إلى حصول سرور العبد عند الخلق العظيم بظهور أنه من أولياء الله تعالى لهم وحصول ضد ذلك لمن كان من أعداء الله تعالى، ولا يخفى أن هذا مبني على أن الذي يوزن هو الصحف وهو أحد أقوال في المسئلة. نعم ذهب إليه جمع من الأجلة لحديث البطاقة والسجلات المشهور، وكذا على أن الكتابة على معناها الظاهر وهو الذي ذهب إليه أهل الحديث بل وغيرهم فيما أعلم ونقل عن حكماء الإسلام: معنى آخر فقال: إن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف بعض المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني بأعيانها وذواتها كانت تلك الكتابة أقوى وأكمل، وحينئذ نقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب ذلك ملكة قوية راسخة، فإن كانت تلك الملكة ملكة [سارة] في أعمال نافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بعد الموت، وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد، ثم قال: إذا ثبت هذا فنقول: إن التكرير الكثير إن كان سبباً لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة، وإذا عرف هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة وآثار الشقاوة قل أو كثر، وهذا هو المراد من كتب الأعمال عند حكماء الإسلام والله تعالى العالم بحقائق الأمور)) انتهى، وقد رأيت ذلك لبعض الصوفية. وأنت تعلم أنه خلاف ما نطقت به الآيات والأخبار، ونحن في أمثال هذه الأمور لا نعدل عن الظاهر ما أمكن، والحق أبلج وما بعد الحق إلا الضلال.

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَإِذَا أَرَادَ ظ±للَّهُ بِقَوْمٍ سُوغ¤ءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ }.

    الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إنه لا يريد إلا ما هو أصلح لهم في الدين، وقد أخبر أنه إذا أراد بهم سوءاً؛ { فَلاَ مَرَدَّ لَهُ... } [الآية].

    دل هذا أنه قد يريد بهم السوء إذا غيروا هم ما أنعم الله عليهم، أراد أن يغير عليهم والمعتزلة يقولون يملك الخلق دفع سوء إرادة الله بهم، وإذا أراد الخير يملكون رد ذلك، والله يقول:
    { فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ }
    [يونس: 107] ولا مردّ لسوئه.

  11. #356
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    قال الرازى

    اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله تعالى وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب في أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ونارية ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس وظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلا بد من صانع مختار يظهر الضد من الضد. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقاً عنيفاً فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق؟ والجواب: أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول وبيانه من وجوه. الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال: أينما يحصل البرق فلا بد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فإنه كثيراً ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد. الثاني: أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة للبرد، وعند حصول هذا العارض القوي كيف تحدث النارية؟ بل نقول: النيران العظيمة تنطفىء بصب الماء عليها، والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية؟ الثالث: من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر؟ فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف وأن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصاً لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم....

    النوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الرعد وهو قوله: { وَيُسَبّحُ ظ±لرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَظ±لْمَلْـظ°ئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } وفيه أقوال: القول الأول: إن الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ فقال: " ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله " قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟ قال: " زجره السحاب " وعن الحسن أنه خلق من خلق الله ليس بملك فعلى هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى وذلك الصوت أيضاً يسمى بالرعد ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

    " إن الله ينشىء السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق " واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطاً لحصول الحياة فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلاً له وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندل يتولد في النار، والضفادع تتولد في الماء البارد، والدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة، وأيضاً فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد صلى الله عليه وسلم «فكيف يستبعد تسبيح السحاب» وعلى هذا القول فهذا الشيء المسمى بالرعد ملك أو ليس بملك فيه قولان: أحدهما: أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة، فقال: { وَظ±لْمَلْـظ°ئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } والمعطوف عليه مغاير للمعطوف. والثاني: وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله:
    { وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال }
    [البقرة: 98] وفي قوله:
    { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ظ±لنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ ومِن نُوحٌ }
    [الأحزاب: 7]. القول الثاني: أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإن الرعد يسبح الله سبحانه، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلاً على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان، كان ذلك في الحقيقة تسبيحاً، وهو معنى قوله تعالى:
    { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ }
    [الإسراء: 44]. القول الثالث: أن المراد من كون الرعد مسبحاً أن من يسمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه. القول الرابع: من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم. فإن قيل: وما حقيقة الرعد؟ قلنا: استقصينا القول في سورة «البقرة» في قوله:
    { فِيهِ ظُلُمَـظ°تٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ }
    [البقرة: 19]...

  12. #357
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِظ±لْغُدُوِّ وَظ±لآصَالِ }

    قال الرازى

    اعلم أن في المراد بهذا السجود قولين: القول الأول: أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض، وعلى هذا الوجه ففيه وجهان: أحدهما: أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص وهم المؤمنون، فبعض المؤمنين يسجدون لله طوعاً بسهولة ونشاط، ومن المسلمين من يسجد لله كرهاً لصعوبة ذلك عليه مع أنه يحمل نفسه على أداء تلك الطاعة شاء أم أبى. والثاني: أن اللفظ عام والمراد منه أيضاً العام وعلى هذا ففي الآية إشكال، لأنه ليس كل من في السموات والأرض يسجد لله بل الملائكة يسجدون لله، والمؤمنون من الجن والإنس يسجدون لله تعالى، وأما الكافرون فلا يسجدون. الجواب عنه من وجهين: الأول: أن المراد من قوله: { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } أي ويجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله فعبر عن الوجوب بالوقوع والحصول. والثاني: وهو أن المراد من السجود التعظيم والاعتراف بالعبودية، وكل من في السموات ومن في الأرض يعترفون بعبودية الله تعالى على ما قال:
    { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ظ±للَّهُ }
    [لقمان: 25]. وأما القول الثاني في تفسير الآية فهو:- أن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى، لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل وتحقيق القول فيه أن ما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود على السوية وكل من كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس، إلا بتأثير موجود ومؤثر فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بإيجاده وعدم كل ما سواه بإعدامه، فتأثيره نافذ في جميع الممكنات في طرفي الإيجاد والإعدام، وذلك هو السجود وهو التواضع والخضوع والانقياد، ونظير هذه الآية:
    { بَل لَّهُ مَا فِي ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ كُلٌّ لَّهُ قَـظ°نِتُونَ }
    [البقرة:116] وقوله:
    { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ }
    [آل عمران: 83]

    { قُلْ مَن رَّبُّ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ قُلِ ظ±للَّهُ قُلْ أَفَظ±تَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ظ±لأَعْمَىظ° وَظ±لْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ظ±لظُّلُمَاتُ وَظ±لنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ظ±لْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ظ±للَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ظ±لْوَاحِدُ ظ±لْقَهَّارُ }


    قال الرازى

    اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجوه. الأول: أن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات وسكنات مثل الحركات والسكنات التي يخلقها الله تعالى، وعلى هذا التقدير فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذم والإنكار. فدلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق فعل نفسه. قال القاضي: نحن وإن قلنا: إن العبد يفعل ويحدث، إلا أنا لا نطلق القول بأنه يخلق ولو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق الله، لأن أحدنا يفعل بقدرة الله، وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، فثبت أن بتقدير كون العبد خالقاً، إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله تعالى، وأيضاً فهذا الإلزام لازم للمجبرة، لأنهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسب العبد وفعل له، وهذا عين الشرك لأن الإله والعبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه حق.

    وأيضاً فهو تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيباً للكفار وذماً لطريقتهم، ولو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما بقي لهذا الذم فائدة، لأن للكفار أن يقولوا على هذا التقدير إن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا الكفر فينا فلم يذمنا عليه ولا ينسبنا إلى الجهل والتقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا ولا باختيارنا. والجواب عن السؤال الأول: أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود، أو يكون عبارة عن التقدير، وعلى الوجهين فبتقدير أن يكون العبد محدثاً فإنه لا بد وأن يكون حادثاً. أما قوله: والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه ليس خلقه كخلق الله. قلنا: الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود، ومعلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلاً للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى، كان أحد المخلوقين مثلاً للمخلوق الثاني، وحينئذ يصح أن يقال: إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى بل لا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات، إلا أن حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه وهذا القدر يكفي في الاستدلال. وأما قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا: إن فعل العبد مخلوق لله تعالى، فنقول هذا غير لازم، لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق العبد مثلاً لخلق الله تعالى، ونحن لا نثبت للعبد خلقاً ألبتة، فكيف يلزمنا ذلك؟ وأما قوله: لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى، لما حسن ذم الكفار على هذا المذهب. قلنا: حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح والذم وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل، وهو منقوض، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم منه أنه يموت على الكفر، وقد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع، فهذا تقرير هذا الوجه في هذه الآية. وأما الوجه الثاني: في التمسك بهذه الآية قوله: { قُلِ ظ±للَّهُ خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } ولا شك أن فعل العبد شيء فوجب أن يكون خالقه هو الله وسؤالهم عليه ما تقدم. والوجه الثالث: في التمسك بهذه الآية وقوله: { وَهُوَ ظ±لْوَاحِدُ ظ±لْقَهَّـظ°رُ } وليس يقال فيه أنه تعالى واحد في أي المعاني، ولما كان المذكور السابق هو الخالقية وجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية، القهار لكل ما سواه، وحينئذ يكون دليلاً أيضاً على صحة قولنا.


    المسألة الثانية: زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء. اعلم أن هذا النزاع ليس إلا في اللفظ وهو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا، وزعم أنه لا يقع هذا الاسم على الله تعالى واحتج عليه بأنه لو كان شيئاً لوجب كونه خالقاً لنفسه، لقوله تعالى: { ظ±للَّهُ خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } ولما كان ذلك محالاً، وجب أن لا يقع عليه اسم الشيء، ولا يقال: هذا عام دخله التخصيص، لأن العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي وأخس منه كما إذا قال: أكلت هذ الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها، وههنا ذات الله تعالى أعلى الموجودات وأشرفها، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقه؟ والحجة الثانية: تمسك بقوله تعالى:
    { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }
    [الشورى: 11] والمعنى: ليس مثل مثله شيء، ومعلوم أن كل حقيقة فإنها مثل مثل نفسها، فالباري تعالى مثل مثل نفسه، مع أنه تعالى نبه على أن مثل مثله ليس بشيء، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء. والحجة الثالثة: قوله تعالى:
    { وَللَّهِ ظ±لأَسْمَاء ظ±لْحُسْنَىظ° فَظ±دْعُوهُ بِهَا }
    [الأعراف: 180] دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى، ولفظ الشيء يتناول أخس الموجودات، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى، فوجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا اللفظ، والأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم عليه تعالى بقوله:
    { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـظ°دةً قُلِ ظ±للَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ }
    [الأنعام: 19]. وأجاب الخصم عنه: بأن قوله: { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـظ°دةً } سؤال متروك الجواب، وقوله: { قُلِ ظ±للَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله. المسألة الثالثة: تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة. قالوا: لأنه لو حصل لله تعالى علم وقدرة وحياة، لكانت هذه الصفات إما أن تحصل بخلق الله أو لا بخلقه، والأول باطل وإلا لزم التسلسل، والثاني: باطل لأن قوله: { ظ±للَّهُ خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } يتناول الذات والصفات حكمنا بدخول التخصيص فيه في حق ذات الله تعالى فوجب أن يبقى فيما سوى الذات على الأصل. وهو أن يكون تعالى خالقاً لكل شيء سوى ذاته تعالى، فلو كان لله علم وقدرة لوجب كونه تعالى خالقاً لهما وهو محال، وأيضاً تمسكوا بهذه الآية في خلق القرآن. قالوا: الآية دالة على أنه تعالى خالق لكل الأشياء، والقرآن ليس هو الله تعالى، فوجب أن يكون مخلوقاً وأن يكون داخلاً تحت هذا العموم. والجواب: أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة، إلا أنا نخصصها في حق صفات الله تعالى بسبب الدلائل العقلية.

    ملحوظة

    ورد حديث عند اهل السنة

    احتَجَّ آدَمُ وموسى فقال موسى : يا آدَمُ أنتَ أبونا خيَّبْتَنا وأخرَجْتَنا مِن الجنَّةِ فقال له آدَمُ : يا موسى اصطفاك اللهُ بكلامِه وخطَّ لك بيدِه تلُومُني على أمرٍ قد قُدِّر علَيَّ قبْلَ أنْ يخلُقَني بأربعينَ سنةً ؟ قال : فحَجَّ آدَمُ موسى فحَجَّ آدَمُ موسى فحَجَّ آدَمُ موسى .

    تأمل فى هذا الحديث أخى الحبيب فى باب القدر وسل الله الفتح فى فهمه

    ظاهر يؤيد مذهب الجبر فكيف يفهمه اهل السنة والمعتزلة؟

    قال الرازى

    قوله تعالى: { وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الحسن: المراد الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سراً وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية. وقيل السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الأمام، وقال آخرون: بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله: { سِرّا } يرجع إلى التطوع وقوله: { علانية } يرجع إلى الزكاة الواجبة. المسألة الثانية: قالت المعتزلة إنه تعالى رغب في الانفاق من كل ما كان رزقاً، وذلك يدل على أنه لا رزق إلا الحلال إذ لو كان الحرام رزقاً لكان قد رغب تعالى في إنفاق الحرام وأنه لا يجوز...

    ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام عند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقوله: { فَنِعْمَ عُقْبَىظ° ظ±لدَّارِ } ولا شك أن هذا غير ما يذكره المتكلمون من أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قبور الشهداء رأس كل حول فيقول: " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " والخلفاء الأربعة هكذا كانوا يفعلون، وأما إن حملناه على الوجه الثاني فتفسير الآية أن الملائكة طوائف، منهم روحانيون ومنهم كروبيون. فالعبد إذا راض نفسه بأنواع الرياضات كالصبر والشكر والمراقبة والمحاسبة، ولكل مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي وروح علوي يختص بتلك الصفة مزيد اختصاص فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من الأرواح السماوية ما يناسبها من الصفة المخصوصة بها فيفيض عليها من ملائكة الصبر كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر، ومن ملائكة الشكر، كمالات روحانية لا تتجلى إلا في مقام الشكر وهكذا القول في جميع المراتب. المسألة الثانية: تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال: إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم فكانوا به أجل مرتبة من البشر ولو كانوا أقل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجباً علو درجاتهم وشرف مراتبهم، ألا ترى أن من عاد من سفره إلى بيته فإذا قيل في معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير والوزير والقاضي والمفتي، فهذا يدل على أن درجة ذلك المزور أقل وأدنى من درجات الزائرين

  13. #358
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    قال الالوسي

    قُلْ إِنَّ ظ±للَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء } إضلاله مشيئة تابعة للحكمة الداعية إليها، ((وهو كلام جار مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبـي قبله، وكفى بالقرآن وحده آية فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها كان ذلك موضعاً للتعجب والإنكار، وكان الظاهر أن يقال في الجواب: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على الكفر ونحوه إلا أنه وضع هذا موضعه للإشارة إلى أن المتعجب منه يقول: { إِنَّ ظ±للَّهَ يُضِلُّ } الخ أي أنه تعالى يخلق فيمن يشاء الضلال بصرف اختياره إلى تحصيله ويدعه منهمكاً فيه لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد لسوء استعداده كمن كان على صفتكم في المكابرة والعناد وشدة الشكيمة والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءته كل آية)).

    { وَيَهْدِى إِلَيْهِ } أي إلى جنابه العلي الكبير. وقال أبو حيان: أي إلى دينه وشرعه سبحانه هداية مواصلة إليه لا دلالة مطلقة إلى ما يوصل فإن ذلك غير مختص بالمهتدين وفيه من تشريفهم ما لا يوصف، وقيل: الضمير للقرآن أو للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خلاف الظاهر جداً { مَنْ أَنَابَ } أي أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة وحقيقة الإنابة الرجوع إلى نوبة الخير، وإيثارها في الصلة على إيراد المشيئة كما في الصلة الأولى على ما قال مولانا شيخ الإسلام للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى من المكابرة، وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد، وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية السابقة كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة حسب استمرار مكابرتهم.

    والآية صريحة في مذهب أهل السنة في نسبة الخير والشر إليه عز وجل وأولها المعتزلة فقال أبو علي الجبائي: ((المعنى يضل من يشاء عن ثوابه ورحمته عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب ويهدي إلى جنته من تاب وآمن، ثم قال: وبهذا تبين أن الهدى هو الثواب من حيث (إنه عقبه) بقوله تعالى: { مَنْ أَنَابَ } والهدى الذي يفعله سبحانه بالمؤمن هو الثواب لأنه يستحقه على إيمانه، وذلك يدل على أنه تعالى يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا)) اهـ ولا يخفى ما فيه.

    وقال الرازى

    احتج أصحابنا بقوله: { أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً } وكلمة «لو» تفيد انتقاء الشيء لانتفاء غيره. والمعنى: أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس، والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء، وتارة يحملون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة، وفيهم من يجري الكلام على الظاهر، ويقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون شائياً لهداية جميع الناس. والكلام في هذه المسألة قد سبق مراراً..

    ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه: { بل زين للذين كفروا مكرهم } قال الواحدي: معنى بل ههنا كأنه يقول: دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم، فكأنه يقول: دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل. قال القاضي: لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله، بل لا بد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن. واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه: الأول: أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الإنس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن كان هو الله فقد زال السؤال، والثاني: أن يقال: القلوب لا يقدر عليها إلا الله، والثالث: أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل

    أما قوله: { وصدوا عن السبيل } فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي { وصدوا } بضم الصاد وفي حم
    { وصدوا عن السبيل }
    [النساء: 167] على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم، وعند أهل السنة أن الله صدهم.

    وللمعتزلة فيه وجهان: قيل الشيطان، وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال: فلان معجب وإن لم يكن ثمة غيره وهو قول أبي مسلم والباقون، وصدوا بفتح الصاد في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل الله، أي أعرضوا وقيل: صرفوا غيرهم، وهو لازم ومتعد، وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول، وحجة القراءة الثانية قوله:
    { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله }
    [النساء: 167]. ثم قال: { ومن يضلل الله فما له من هاد } اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية من وجوه: أولها: قوله: { بل زين للذين كفروا مكرهم } وقد بينا بالدليل أن ذلك المزين هو الله. وثانيها: قوله: { وصدوا عن السبيل } بضم الصاد، وقد بينا أن ذلك الصاد هو الله. وثالثها: قوله: { ومن يضلل الله فما له من هاد } وهو صريح في المقصود وتصريح بأن ذلك المزين وذلك الصاد ليس إلا الله. ورابعها: قوله تعالى: { لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق } أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة وإخبار الله ممتنع التغير وإذا امتنع وقوع التغير في هذا الخبر، امتنع صدور الإيمان منه وكل هذه الوجوه قد لخصناها في هذا الكتاب مراراً، قال القاضي: { ومن يضلل الله } أي عن ثواب الجنة لكفره وقوله: { فما له من هاد } منبيء بذلك أن الثواب لا ينال إلا بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا، وقيل: المراد بذلك من حكم بأنه ضال وسماه ضالاً، وقيل المراد من يضلله الله عن الإيمان بأن يجده كذلك، ثم قال والوجه الأول أقوى. واعلم أن الوجه الأول ضعيف جداً لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم وكفرهم في الدنيا ولم يجز ذكر ذهابهم إلى الجنة ألبتة فصرف الكلام على المذكور إلى غير المذكور بعيد. وأيضاً فهب أنا نساعد على أن الأمر كما ذكروه، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن خلاف معلوم الله ومخبره محال ممتنع الوقوع....

    واعلم أن قوله: { أكلها دائم } فيه مسائل ثلاث: المسألة الأولى: أنه يدل على أن أكل الجنة لا تفنى كما يحكى عن جهم وأتباعه. المسألة الثانية: أنه يدل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم، كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه. المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية تدل على أن الجنة لم تخلق بعد، لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وأن ينقطع أكلها لقوله تعالى:
    { كل من عليها فان }
    [الرحمن: 26]. و
    { كل شيء هالك إلا وجهه }
    [القصص: 88] لكن لا ينقطع أكلها لقوله تعالى: { أكلها دائم } فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة. ثم قال: فلا ننكر أن يحصل الآن في السموات جنات كثيرة يتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي في ذلك، إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة. والجواب: أن دليلهم مركب من آيتين: أحدهما: قوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } والأخرى قوله: { أكلها دائم وظلها } فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط دليلهم فنحن نخصص أحد هذين العمومين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة، وهو قوله تعالى:
    { وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين }
    [آل عمران: 133].

    ملحوظة

    بيع المعدوم فى الفقه لايجوز هل ادلكم علي تجارة والاشارة تكفى اللبيب

    وقال الالوسي

    وبها استدل القاضي على أنها لم تخلق بعد لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن يفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى:
    { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    [القصص: 88] لكن أكلها لا ينقطع ولا يفنى للآية المذكورة فوجب أن لا تكون مخلوقة بعد، ثم قال: ولا ننكر أن يكون الآن جنان كثيرة في السماء يتمتع بها من شاء الله تعالى من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أنا نقول: إن جنة الخلد إنما تخلق بعد الإعادة. وأجاب الإمام عن ذلك بأن دليله مركب من شيئين قوله تعالى:
    { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    [القصص:88] وقوله سبحانه: { أُكُلُهَا دَائِمٌ } فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط الدليل فنحن نخصص أحدهما بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة كقوله تعالى:
    { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ظ±لسَّمَاءِ وَظ±لأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }
    [الحديد: 21] ا هـ.

    ويرد على الاستدلال أنه مشترك الإلزام إذ الشيء في قوله تعالى:
    { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    [القصص:88] الموجود مطلقاً كما في قوله تعالى:
    { خَـظ°لِقُ كُـلّ شَىْء وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ شَىْء وَكِيلٌ }
    [الزمر: 62] والمعنى أن كل ما يوجد في وقت من الأوقات يصير هالكاً بعد وجوده فيصح أن يقال: لو وجدت الجنة في وقت لوجب هلاك أكلها تحقيقاً للعموم لكن هلاكه باطل لقوله تعالى: { أُكُلُهَا دَائِمٌ } فوجدوها في وقت من الأوقات باطل. وأجيب بأنه لعل المراد من الشيء الموجود في الدنيا فإنها دار الفناء دون الموجود في الآخرة فإنها دار البقاء وهذا كاف في عدم اشتراك الإلزام وفيه أنه إن أريد أن معنى الشيء هو الموجود في الدنيا فهو ظاهر البطلان، وإن أريد أن المراد ذلك بقرينة كونه محكوماً عليه بالهلاك وهو إنما يكون في الدنيا لأنها دار الفناء فنقول: إنه تخصيص بالقرينة اللفظية فنحن نخصصه بغير الجنة لقوله تعالى:
    { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }
    [آل عمران: 133] و { أُكُلُهَا دَائِمٌ } فلا يتم الاستدلال.

    وأجاب غير الإمام بأن المراد هو الدوام العرفي وهو عدم طريان العدم زماناً يقيد به وهذا لا ينافي طريان العدم عليه وانقطاعه لحظة على أن الهلاك لا يستلزم الفناء بل يكفي فيه الخروج عن الانتفاع المقصود، ولو سلم يجوز أن يكون المراد أن كل ممكن فهو هالك في حد ذاته بمعنى أن الوجود الإمكاني بالنظر إلى الوجود الواجبـي بمنزلة العدم، وقيل: في الجواب أيضاً: إن المراد بالدوام المعنى الحقيقي أعني عدم طريان العدم مطلقاً، والمراد بدوام الأكل دوام النوع وبالهلاك هلاك الأشخاص، ويجوز أن لا ينقطع النوع أصلاً مع هلاك الأشخاص بأن يكون هلاك كل شخص معين من الأكل بعد وجود مثله، وهذا مبني على ما ذهب إليه الأكثرون من أن الجنة لا يطرأ عليها العدم ولو لحظة، وأما على ما قيل: من جريانه عليها لحظة/ فلا يتم لأنه يلزم منه انقطاع النوع قطعاً كما لا يخفى.

    وقال الرازى

    واعلم أن قوله: { حُكْمًا عَرَبِيّا } نصب على الحال، والمعنى: أنزلناه حال كونه حكماً عربياً. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث. الثاني: أنه وصفه بكونه عربياً والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثاً. الثالث: أن الآية دالة على أنه إنما كان حكماً عربياً، لأن الله تعالى جعله كذلك ووصفه بهذه الصفة، وكل ما كان كذلك فهو محدث. والجواب: أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه والله أعلم.

  14. #359
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    وقال الرازى

    واعلم أن قوله: { حُكْمًا عَرَبِيّا } نصب على الحال، والمعنى: أنزلناه حال كونه حكماً عربياً. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث. الثاني: أنه وصفه بكونه عربياً والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثاً. الثالث: أن الآية دالة على أنه إنما كان حكماً عربياً، لأن الله تعالى جعله كذلك ووصفه بهذه الصفة، وكل ما كان كذلك فهو محدث. والجواب: أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه والله أعلم.

    ملحوظة

    مناظرة احمد والمعتزلة كانت حول خلق ...(اختار)

    مابين الدفتين

    الكلام النفسي

    مع ملاحظة ان المعتزلة منكرون للكلام النفسي اصلا

    وقال الالوسي

    واستدلت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن من وجوه: الأول أنه تعالى وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث. الثاني أنه وصفه بكونه عربياً والعربـي أمر وضعي وما كان كذلك كان محدثاً.

    الثالث أنها دلت على أنه إنما كان حكماً عربياً لأن الله تعالى جعله كذلك والمجعول محدث. وأجاب الإمام بأن كل ذلك إنما يدل على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه)) / أي بين المعتزلة والأَشاعرة وإلا فالحنابلة على ما اشتهر عنهم قائلون بقدم الكلام اللفظي، وقد أسلفنا في المقدمات كلاماً نفيساً في مسألة الكلام فارجع إليه ولا يهولنك قعاقع المخالفين لسلف الأمة.

    ملحوظة

    وانا اسامة محمد خيري عبد الرحمن فى هذه المسألة مع ساداتنا الحنابلة وارى مذهبهم هو الاقرب للحق وانا علي استعداد تام لمناظرة اى اشعرى فى هذه المسألة ولله الحمد

    وارى الخلاف فيها بين السادة الاشاعرة والماتريدية والحنابلة سنى سنى لا بين حق وباطل

    والكل اهل سنة وجماعة

    ولاحظ قول اقرب للحق لااقول المخالف باطل فتأمل

    وهناك قول عند الحنابلة بان القران من صفة العلم وظاهر الاية يدل عليه

    والله اعلم

  15. #360
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,531
    { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ظ±لْكِتَابِ }


    قال الرازى

    فإن قال قائل: ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات؟ قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه. المسألة الخامسة: قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئاً ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، وتمسكوا فيه بقوله: { يَمْحُو ظ±للَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ }. واعلم أن هذا باطل لأن علم الله من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغير والتبدل فيه محالاً. المسألة السادسة: أما { أُمُّ ظ±لْكِتَـظ°بِ } فالمراد أصل الكتاب، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أماً له ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلاً لجميع الكتب، وفيه قولان: القول الأول: أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ، وجميع حوادث العالم العلوي والعالم السفلي مثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان الله ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة " قال المتكلمون: الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات على سبيل التفصيل، وعلى هذا التقدير: فعند الله كتابان: أحدهما: الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق وذلك الكتاب محل المحو والإثبات. والكتاب الثاني: هو اللوح المحفوظ، وهو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية، وهو الباقي. روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن الله سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء " وللحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة. والقول الثاني: إن أم الكتاب هو علم الله تعالى، فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت، إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغير، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك، والله أعلم.


    وقال الالوسي

    والظاهر أن المراد الذاهب والثابت مما يتعلق بالدنيا لا مما يتعلق بها وبالآخرة أيضاً لقيام الدليل العقلي على تناهي الإبعاد مطلقاً والنقلي على تناهي اللوح بخصوصه، فقد جاء أنه من درة بيضاء له دفتان من ياقوت طوله مسيرة خمسمائة عام وامتناع ظرفية المتناهي لغير المتناهي ضروري، ولعل من يقول بعموم الذاهب والثابت يلتزم القول بالإجمال حيث يتعذر التفصيل. وقد ذهب بعضهم إلى تفسير { أُمُّ ظ±لْكِتَـظ°بِ } بما هو المشهور، والتزم القول بأن ما فيه لا يتغير وإنما التغير لما في الكتب غيره، وهذا قائل بعدم تغير ما في العلم لما علمت. ورأيت في نسخة لبعض الأفاضل كانت عندي وفقدت في حادثة بغداد ألفت في هذه المسألة وفيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي واستدل لذلك بأمور: منها أنه قد صح من " دعائه / صلى الله عليه وسلم في القنوت: «وقني شر ما قضيت» " وفيه طلب الحفظ من شر القضاء الأزلي ولو لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ منه. ومنها ما صح " في حديث التراويح من عذره صلى الله عليه وسلم عن الخروج إليها، وقد اجتمع الناس ينتظرونه لمزيد رغبتهم فيها بقوله: " خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها " فإنه لا معنى لهذه الخشية لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير، فإنه إن كان قد سبق القضاء بأنها ستفرض فلا بد أن تفرض وإن سبق القضاء بأنها لا تفرض فمحال أن تفرض على ذلك الفرض، على أنه قد جاء في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج بعد ما هو ظاهر في سبق القضاء بأنها خمس صلوات مفروضة لا غير فما معنى الخشية بعد العلم بذلك لولا العلم بإمكان التغيير والتبديل. ومنها ما صح " أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطرب حاله الشريف ليلة الهواء الشديد حتى أنه لا ينام وكان يقول في ذلك: " أخشى أن تقوم الساعة " فإنه لا معنى لهذه الخشية أيضاً مع إخبار الله تعالى أن بين يديها ما لم يوجود إذ ذاك كظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام وخروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك مما يستدعي تحققه زماناً طويلاً فلو لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أن القضاء يمكن تغييره وإن ما قضى من أشراطها يمكن تبديله ما خشي صلى الله عليه وسلم من ذلك.

    ومنها أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفاً من النار حتى أن منهم من كان يقول: ليت أمي لم تلدني، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: لو نادى مناد كل الناس في الجنة إلا واحداً لظننت أني ذلك الواحد، وهذا مما لا معنى له مع إخبار الصادق وتبشيره له بالجنة والعلم بأن القضاء لا يتغير. ومنها أنه لولا إمكان التغيير للغا الدعاء إذ المدعو به إما أن يكون قد سبق القضاء بكونه فلا بد أن يكون وإلا فمحال أن يكون، وطلب ما لا بد أن يكون أو محال أن يكون لغو مع أنه قد ورد الأمر به، والقول بأنه لمجرد إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى وكفى بذلك فائدة يأباه ظاهر قوله تعالى:
    { ظ±دْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ }
    [غافر: 60] وأيضاً أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: " لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر " ، وأخرج ابن مردويه وابن عساكر " عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { يَمْحُو ظ±للَّهُ مَا يَشَاء } الآية فقال له عليه الصلاة والسلام: لأقرن عينك بتفسيرها ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف محول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء " وهذا لا يكاد يعقل على تقدير أن القضاء لا يتغير.

    وفي الأخبار والآثار مما هو ظاهر في إمكان التغير ما لا يحصى كثرة، ولعل من ذلك الدعاء المار عن ابن مسعود، ثم إن القضاء المعلق يرجع في المآل إلى القضاء المبرم عند مثبته فلا يفيده التعلق بذلك في دفع ما يرد عليه، ودفع ما يرد على القول بالتغير من أنه يلزم منه التغير في ذاته تعالى لما أنه ينجر إلى تغير العلم وهو يوجب التغير في ذاته تعالى من صفة إلى أخرى أو يلزم من ذلك الجهل، وهذا مأخوذ من الشبهة التي ذكرها جمهور الفلاسفة في نفي علم الله تعالى بالجزئيات المتغيرة فإنهم قالوا: إنه تعالى إذا علم مثلاً أن زيداً في الدار الآن ثم خرج عنها فإما أن يزول ذلك العلم ولا يعلم سبحانه أنه في الدار أو يبقى ذلك العلم بحاله، والأول يوجب التغير في ذاته سبحانه، والثاني يوجب الجهل وكلاهما نقص يجب تنزيه الله تعالى عنه بما دفعوا به تلك الشبهة، وهو ما ذكر في " المواقف " و " شرحه " من منع لزوم التغير فيه تعالى بل التغير إنما هو في الإضافات لأن العلم عندنا إضافة مخصوصة وتعلق بين العالم والمعلوم، أو صفة حقيقية ذات إضافة، فعلى الأول يتغير نفس العلم، وعلى الثاني يتغير إضافاته فقط، وعلى التقديرين لا يلزم تغير في صفة موجودة/ بل في مفهوم اعتباري وهو جائز.

    وأجاب كثير من الأشاعرة والمعتزلة بأن العلم بأن الشيء وجد والعلم بأنه سيوجد واحد فإن من علم أن زيداً سيدخل البلد غداً فعند حصول الغد يعلم بهذا العلم بأنه دخل البلد الآن إذا كان علمه هذا مستمراً بلا غفلة مزيله له؛ وإنما يحتاج أحدنا إلى علم آخر متجدد يعلم به أنه دخل الآن لطريان الغفلة عن الأول، والباري تعالى يمتنع عليه الغفلة فكان علمه سبحانه بأنه وجد عين علمه بأنه سيوجد فلا يلزم من تغير المعلوم تغير في العلم؛ ونهاية كلامه في هذا المقام أنه يجوز أن يتغير ما في علم الله تعالى وإلا لتعين عليه سبحانه الفعل أو الترك وفيه من الحجر عليه جل جلاله ما لا يخفى، ولا يلزم من ذلك التغير سوى التغير في التعلقات وهو غير ضار، واعترض بأنه على هذا القول لا يبقى وثوق بشيء من الأخبار الغيبية كالحشر والنشر وكذا لا يبقى وثوق بالأخبار بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لجواز أن يكون الله تعالى قد علم ذلك حين أخبر ثم تعلق علمه بخلافه لكنه سبحانه لم يخبر ولا نقص في الإخبار الأول لأنه إخبار عما كان متعلق العلم إذ ذاك، وأيضاً يلزم من ذلك نفي نفس الأمر أو نفي كون تعلق العلم على وفقه وكلا النفيين كما ترى. بقي الجواب عما تمسك به وهو عن بعض ظاهر وعن بعض يحتاج إلى تأمل فتأمل. واستدل بالآية بعض الشيعة القائلين بجواز البداء على الله سبحانه وفيه ما فيه.

    هذا ويخطر لي في الآية معنى لم أر من ذكره وهو أن يراد بقوله سبحانه: { يَمْحُو ظ±للَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } ما ذكرناه أولاً قبل حكاية الأقوال وهو مما رواه البيهقي في " المدخل " وغيره عن ابن عباس، وابن جرير عن قتادة ويخصص ذلك بالأحكام الفرعية، ويراد بأم الكتاب الأحكام الأصلية فإنها مما لا تقبل النسخ وهي أصل لكل كتاب باعتبار أن الأحكام الفرعية التي فيه إنما تصح ممن أتى بها لكن لا يساعد على هذا المأثور عن السلف. نعم هو مناسب للمقام كما لا يخفى، وزعم الضحاك والفراء أن في الآية قلباً والأصل لكل كتاب أجل. وتعقب بأنه لا يجوز ادعاء القلب إلا في ضرورة الشعر على أنه لا داعي إليه هنا بل قد يدعي فساد المعنى عليه؛ وأياً ما كان فأل في الكتاب للجنس فهو شامل للكثير، ولهذا فسره غير واحد بالجمع. وقرأ نافع وابن عامر { ويثبت } بالتشديد....

    وقال ابن كثير

    وقوله { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت، وفي رواية { يَمْحُو ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } قال كل شيء، إلا الموت والحياة، والشقاء والسعادة، فإنهما قد فرغ منهما. وقال مجاهد { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران. وقال منصور سألت مجاهداً، فقلت أرأيت دعاء أحدنا يقول اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم، واجعله في السعداء؟ فقال حسن، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك فقال
    { إِنَّآ أَنزَلْنَـظ°هُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ }
    الدخان 3 الآيتين، قال يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاوة، فهو ثابت لا يغير، وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة إنه كان كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، رواه ابن جرير، وقال ابن جرير أيضاً حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، وهو يطوف بالبيت ويبكي اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنباً، فامحه، فإنك تمحو ما تشاء، وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.

    وقال حماد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضاً. ورواه شريك عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عُكَيْم، عن ابن مسعود بمثله. وقال ابن جرير حدثني المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا خصاف عن أبي حمزة، عن إبراهيم أن كعباً قال لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله، لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال وما هي؟ قال قول الله تعالى { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ } الآية، ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، هو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر " ، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به. وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي حديث آخر " إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض " وقال ابن جرير حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جرير عن عطاء، عن ابن عباس قال إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء، لها دفتان من ياقوت - والدفتان لوحان - لله عز وجل كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. وقال الليث بن سعد عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت "

    وذكر تمام الحديث، رواه ابن جرير. وقال الكلبي { يَمْحُو ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } قال يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له من حدثك بهذا؟ فقال أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية، فقال يكتب القول كله، حتى إذ كان يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك أكلت وشربت، ودخلت وخرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب، وقال عكرمة عن ابن عباس الكتاب كتابان، فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ظ±لْكِتَـظ°بِ } يقول هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير، حتى يموت وهو في طاعة الله، وهو الذي يثبت، وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى
    { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَظ±للَّهُ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
    البقرة 284. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } يقول يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، { وَعِندَهُ أُمُّ ظ±لْكِتَـظ°بِ } وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب، وقال قتادة في قوله { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } كقوله
    { مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا }
    البقرة106 الآية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } قال قالت كفار قريش لما نزلت
    { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ظ±للَّهِ }
    غافر 78 ما نرى محمداً يملك شيئاً، وقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم، إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس، ومصائبهم، وما يعطيهم، وما يقسم لهم. وقال الحسن البصري { يَمْحُواْ ظ±للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } قال من جاء أجله يذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله، وقد اختار هذا القول أبو جعفر ابن جرير رحمه الله، وقوله { وَعِندَهُ أُمُّ ظ±لْكِتَـظ°بِ } قال الحلال والحرام، وقال قتادة أي جملة الكتاب وأصله، وقال الضحاك { وَعِندَهُ أُمُّ ظ±لْكِتَـظ°بِ } قال كتاب عند رب العالمين، وقال سنيد بن داود حدثني معتمر عن أبيه، عن يسار، عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن أم الكتاب، فقال علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون، ثم قال لعلمه كن كتاباً، فكان كتاباً، وقال ابن جريج عن ابن عباس { وَعِندَهُ أُمُّ ظ±لْكِتَـظ°بِ } قال الذكر.

    ملحوظة

    ارجو ان تتأمل اخى الحبيب قول الحبر ابن عباس انما هما كتابين فالظاهر كل كتاب علم

    وتلاحظ قول الامدى فى ابكار الافكار

    فإنما يلزم أيضا أن لو كان العلم بالواقع مجردا عن كونه مرادا حتى تكون الإرادة تابعة للعلم ، وهو ممنوع ، بل تعلق العلم بالواقع إنما يكون مشروطا بكونه مرادا. و على هذا فيكون تعلق العلم بالواقع تبعا للإرادة لا أن الإرادة تكون تابعة للعلم

    مسألة تخصيص الارادة بين علم تصورى وتصديقي (الاول يتعلق دون شرط الوقوع والاخر بشرط الوقوع) مذكورة فى كتب الاشاعرة وهى من المعضلات التى لايلج فيها الا اهل التبحر فى علم التوحيد وراجع كتب الاشاعرة تجدها وان انكرها الكثير من الاشاعرة لكنها مذكورة فى كتبهم بل ورجحها ائمة

    وحقيقة كلما مررت علي الاية اتذكر قول الحبر ابن عباس

    وان لم اجد فى اى كتاب من كتب الاشاعرة الاشارة للاية فى المسألة

    لكن حقيقة ارى الاية بها اسرار واسرار

    وقال القرطبي

    والذي في علم الله ثابت لا تبدّل له، كما قال: «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ». وقيل لابن عباس لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أحبّ أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله ولْيَصِلْ رَحمَه " كيف يزاد في العمر والأجل؟ فقال: قال الله عز وجل:
    { هُوَ ظ±لَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىغ¤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ }
    [الأنعام: 2]. فالأجل الأوّل أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل الثاني ـ يعني المسمى عنده ـ من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البَرْزخ لا يعلمه إلا الله؛ فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحِمه زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البَرْزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أَجَل عمره في الدنيا ما شاء، فيزيده في أجل البَرْزَخ؛ فإذا تحتم الأَجل في علمه السابق ظ±متنع الزيادة والنقصان؛ لقوله تعالى:
    { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }
    [يونس: 61] فتوافق الخبر والآية؛ وهذه زيادة في نفس العمر وذات الأَجَل على ظاهر اللفظ، في ظ±ختيار حبر الأمة، والله أعلم. وقال مجاهد: يُحكم الله أمر السَّنَة في رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة؛ وقد مضى القول فيه. وقال الضّحاك: يمحو الله ما يشاء من ديوان الحَفَظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب؛ وروى معناه أبو صالح عن ظ±بن عباس. وقال الْكَلْبِي: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم سئل الكَلْبِي عن هذه الآية فقال: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت ودخلت وخرجت ونحوه، وهو صادق، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب. وقال قَتَادة وظ±بن زيد وسعيد بن جُبَيْر: يمحو الله ما يشاء من الفرائض والنوافل فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أمّ الكتاب؛ ونحوه ذكره النحاس والمهدويّ عن ابن عباس؛ قال النحاس: وحدّثنا بكر بن سهل، قال حدّثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، «يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ» يقول: يبدل الله من القرآن ما يشاء فينسخه، «ويثبت» ما يشاء فلا يبدله، «وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» يقول: جملة ذلك عنده في أمّ الكتاب، الناسخ والمنسوخ....

    والعقيدة أنه لا تبديل لقضاء الله؛ وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء، وقد تقدّم أن من القضاء ما يكون واقعاً محتوماً، وهو الثابت؛ ومنه ما يكون مصروفاً بأسباب، وهو الممحوّ، والله أعلم. الغزنوِيّ: وعندي أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة؛ فيحتمل التبديل؛ لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال؛ وما في علمه من تقدير الأشياء لا يبدّل. { وَعِندَهُ أُمُّ ظ±لْكِتَابِ } أي أصل ما كتب من الآجال وغيرها. وقيل: أمّ الكتاب اللوح المحفوظ الذي لا يبدّل ولا يغير. وقد قيل: إنه يجري فيه التبديل. وقيل: إنما يجري في الجرائد الأخر. وسئل ظ±بن عباس عن أمّ الكتاب فقال: عِلْم الله ما هو خالق. وما خلْقُه عاملون؛ فقال لعلمه: كن كتاباً، ولا تبديل في علم الله، وعنه أنه الذِّكْر؛ دليله قوله تعالى:
    { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ظ±لزَّبُورِ مِن بَعْدِ ظ±لذِّكْرِ }
    [الأنبياء: 105] وهذا يرجع معناه إلى الأوّل؛ وهو معنى قول كعب. قال كعب الأحبار: أمّ الكتاب عِلم الله تعالى بما خَلَق وبما هو خالق.

    ملحوظة

    علم الله واحد قديم ازلي

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •