صفحة 20 من 22 الأولىالأولى ... 1016171819202122 الأخيرةالأخيرة
النتائج 286 إلى 300 من 330

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #286
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    وقال ابن عاشور

    وقوله: { وأن الله ليس بظالم للعبيد } عطف على { ما قدمت أيديكم } والتقدير: وبأنّ الله ليس بظلام للعبيد، وهذا علّة ثانية لإيقاع تلك العقوبة عليهم، فالعلة الأولى، المفادة من باء السببية تعليل لإيقاع العقاب. والعلّة الثانية، المفادة من العطف على الباء ومجرورها، تعليل لصفة العذاب؛ أي هو عذاب معادل لأعمالهم، فمورد العلّتين شيء واحد لكن باختلاف الاعتبار.

    ونفي الظلم عن الله تعالى كناية عن عدله، وأنّ الجزاء الأليم كَانَ كِفاء للعمل المجازَى عنه دون إفراط.

    وجعل صاحب «الكشّاف» التعليلين لشيء واحد، وهو ذلك العذاب، فجعلهما سببين لكفرهم ومعاصيهم، وأنّ التعذيب من العَدل مثل الإثابة، وهو بعيد، لأنّ ترك الله المؤاخذة على الاعتداء على حقوقه إذا شاء ذلك، ليس بظلم، والموضوع هو العقاب على الإشراك والفواحش، وأمّا الاعتداء على حقوق الناس فترك المؤاخذة به على تسليم أنّه ليس بعدل، وقد يعوض المعتدى عليه بترضية من الله، فلذلك كان ما في «الكشّاف» غير خال عن تعسف حمله عليه الإسراع لنصرة مذهب الاعتزال من استحالة العفو عن العصاة، لأنّه مناف للعدل أو للحكمة.

    وقال الرازى

    ثم قال تعالى { إِنَّ ظ±للَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ظ±لْعِقَابِ } والغرض منه التنبيه على أن لهم عذاباً مدخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل، ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم، فقال: { ذظ°لِكَ بِأَنَّ ظ±للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىظ° قَوْمٍ حَتَّىظ° يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: { لَمْ يَكُ } أكثر النحويين يقولون إنما حذفت النون. لأنها لم تشبه الغنة المحضة، فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً، فحذفت تشبيهاً بها كما تقول لم يدع ولم يرم ولم يل وقال الواحدي: وهذا ينتقض بقولهم لم يزن ولم يخن فلم يسمع حذف النون ههنا. وأجاب علي بن عيسى عنه. فقال إن كان ويكون أم الأفعال من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى كان فقولنا ضرب معناه كان ضرب ويضرب معناه يكون ضرب، وهكذا القول في الكل فثبت أن هذه الكلمة أم الأفعال. فاحتيج إلى استعمالها في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف بخلاف قولنا لم يخن ولم يزن، فإنه لا حاجة إلى ذكرها كثيرًا فظهر الفرق. والله أعلم. المسألة الثانية: قال القاضي: معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن قال: وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدىء أحداً بالعذاب والمضرة، والذي يفعله لا يكون الأجزاء على معاص سلفت، ولو كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم، لما صح ذلك، قال أصحابنا: ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي الإمام إلا أنا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفة الله تعالى معللة بفعل الإنسان، وذلك لأن حكم الله بذلك التغيير وإرادته لما كان لا يحصل إلا عند إتيان الأنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عند ذلك الفعل لم يحصل لله تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات الله تعالى، ويكون الإنسان مغيراً صفة الله ومؤثراً فيها، وذلك محال في بديهة العقل، فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، بل الحق أن صفة الله غالبة على صفات المحدثات، فلولا حكمه وقضاؤه أولاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال.

  2. #287
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ظ±لأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـظ°كِنَّ ظ±للَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد والإرادات والكرامات كلها من خلق الله تعالى، وذلك لأن تلك الألفة والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بسبب الإيمان ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام. فلو كان الإيمان فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، لكانت المحبة المرتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، وذلك على خلاف صريح الآية. قال القاضي: لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة، لما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى على هذا التأويل، ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، فكذا ههنا. والجواب: كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر وحمل للكلام على المجاز، وأيضاً كل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكفار، مثل حصولها في حق المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة، وأيضاً فالبرهان العقلي مقو لظاهر هذه الآية، وذلك لأن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرغبة بدلاً عن النفرة وبالعكس، فرجحان أحد الطرفين على الآخر لا بد له من مرجح، فإن كان ذلك المرجح هو العبد عاد التقسيم، وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود، فعلم أن صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي في هذا الباب..

    . المسألة الثانية: احتج هشام على قوله إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها بقوله: { ظ±لئَـظ°نَ خَفَّفَ ظ±للَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } قال: فإن معنى الآية: الآن علم الله أن فيكم ضعفاً وهذا يقتضي أن علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت. والمتكلمون أجابوا بأن معنى الآية: أنه تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حاصلاً واقعاً، بل يعلم منه أنه سيحدث، أما عند حدوثه ووقوعه فإن يعلمه حادثاً واقعاً، فقوله: { ظ±لئَـظ°نَ خَفَّفَ ظ±للَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } معنا: أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وقبل ذلك فقد كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع أو سيحدث

    ملحوظة

    هناك العديد من المشكلات والشبهات فى صفة العلم ومسألة الاسترسال من أعقد المسائل راجع شرح المعالم

  3. #288
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    المسألة الثالثة: تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىظ° } صريح في أن هذا المعنى منهي عنه، وممنوع من قبل الله تعالى. ثم إن هذا المعنى قد حصل، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى بعد هذه الآية:
    { رَّحِيمٌ يَـظ°أَيُّهَا ظ±لنَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ ظ±لاْسْرَىظ° }
    [الأنفال: 70] الثاني: أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار، بل أسرهم، فكان الذنب لازماً من هذا الوجه. الوجه الثاني: أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله:
    { فَظ±ضْرِبُواْ فَوْقَ ظ±لاعْنَـظ°قِ وَظ±ضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }
    [الأنفال: 12] وظاهر الأمر للوجوب، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية. الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء، وكان أخذ الفداء معصية، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى: { تُرِيدُونَ عَرَضَ ظ±لدُّنْيَا وَظ±للَّهُ يُرِيدُ ظ±لاْخِرَةَ } وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا هو أخذ الفداء. والثاني: قوله تعالى: { لَّوْلاَ كِتَـظ°بٌ مّنَ ظ±للَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وأجمعوا على أن المراد بقوله: { أَخَذْتُمْ } ذلك الفداء. الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء، وذلك يدل على أنه ذنب. الوجه الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر " وذلك يدل على الذنب، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية. والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولاً: أن قوله: { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىظ° حَتَّىظ° يُثْخِنَ فِي ظ±لاْرْضِ } يدل على أنه كان الأسر مشروعاً، ولكن بشرط سبق الأثخان في الأرض، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس.

    ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزاً بحكم هذه الآية، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنباً ومعصية؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى:
    { حَتَّىظ° إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ظ±لْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء }
    [محمد: 4]. فإن قالوا: فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزاً والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب لعقاب عليه، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب؟ فنقول: الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطاً بضابط معلوم معين، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضاً إلى الاجتهاد، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعاً في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص، وحسنات الأبرار سيئات المقربين. فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنباً ولا معصية. والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانياً أن نقول: إن ظاهر قوله تعالى: { فَظ±ضْرِبُواْ فَوْقَ ظ±لاعْنَـظ°قِ } أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأموراً أن يباشر قتل الكفار بنفسه، وإذا كان هذا الخطاب مختصاً بالصحابة، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر، كان الذنب صادراً منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم. ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعاً عظيماً والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر، فزال هذا السؤال. فإن قالوا: هب أن الأمر كذلك، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالاً لقوله تعالى: { فَظ±ضْرِبُواْ فَوْقَ ظ±لاعْنَـظ°قِ }. قلنا: إن قوله: { فَظ±ضْرِبُواْ } تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولاً له. والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم؟ ولو كان ذلك النص متناولاً لتلك الحالة، لكان مع قيام النص القاطع تاركاً لحكمه وطالباً ذلك الحكم من مشاورة الصحابة، وذلك محال، وأيضاً فقوله: { فَظ±ضْرِبُواْ فَوْقَ ظ±لاعْنَـظ°قِ } أمر، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجباً حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة، وهذا الجواب شاف

    والجواب عما ذكروه ثالثاً، وهو قولهم: إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء، وأخذ الفداء محرم. فنقول: لا نسلم أن أخذ الفداء محرم. وأما قوله: { تُرِيدُونَ عَرَضَ ظ±لدُّنْيَا وَظ±للَّهُ يُرِيدُ ظ±لاْخِرَةَ } فنقول هذا لا يدل على قولكم، وبيانه من وجهين: الأول: أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقاً. الثاني: أن أبا بكر رضي الله عنه قال الأولى: أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوى به على الدين، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني. وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله تعالى: { لَّوْلاَ كِتَـظ°بٌ مّنَ ظ±للَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }. والجواب عما ذكروه رابعاً: أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل، واشتغل بالأسر استوجب العذاب، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفاً من نزول العذاب عليهم، ويحتمل أيضاً ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله: { حَتَّىظ° يُثْخِنَ فِي ظ±لاْرْضِ } ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى. والجواب عما ذكروه خامساً: أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر الله بالقتل، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة. والله أعلم...

    ثم قال: { وَظ±للَّهُ يُرِيدُ ظ±لاْخِرَةَ } يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة عن التبديل والزوال. واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: لا كائن من العبد إلا والله يريده لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونص الله على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان. وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا: إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة، وعملاً جائزاً مأذوناً. ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر طاعة، نفي كونه مراد الوجود، وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات

    وقال الماتريدى

    ثم قالت المعتزلة: في قوله: { تُرِيدُونَ عَرَضَ ظ±لدُّنْيَا وَظ±للَّهُ يُرِيدُ ظ±لآخِرَةَ } دلالة على أن الله لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعصية؛ لأنه أخبر أنهم أرادوا عرض الدنيا، وهو يريد الآخرة، فهم أرادوا المعصية، وهو يريد لهم الآخرة.

    ولكن التأويل عندنا أن قوله: { تُرِيدُونَ عَرَضَ ظ±لدُّنْيَا وَظ±للَّهُ يُرِيدُ ظ±لآخِرَةَ } ، أي: تريدون عرض الدنيا، والله يريد حياة الآخرة وعرضها.

    وبعد، فإنه قد كان الله أراد لهم الآخرة وحياتها، وهم أرادوا العير وعرض الدنيا، وقد كان ما أراد الله لهم لا ما أرادوا هم، أي: اختار لهم غير ما اختاروا هم.

    وأصله أن الله - عز وجل - أراد الآخرة لأهل بدر، فكان ما أراد، ولأولئك الكفرة النار، فكان ما أراد؛ كقوله:
    { يُرِيدُ ظ±للَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ظ±لآخِرَةِ }
    [آل عمران: 176].

    والأشبه أن تكون الإرادة - هاهنا - المودة والمحبة، أي: تودون وتحبون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال:
    { وَإِذْ يَعِدُكُمُ ظ±للَّهُ إِحْدَى ظ±لطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ظ±لشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ }
    [الأنفال: 7]، كانوا يودون أن القتال مع غير ذات الشوكة؛ حتى تكون لهم الغنائم.

    والإرادة التي تضاف إلى الله تخرج على وجوه ثلاثة:

    أحدها: الرضا؛ كقوله:
    { سَيَقُولُ ظ±لَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ظ±للَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا }
    [الأنعام: 148]، كانوا يستدلون بتركه إياهم على أن الله قد رضي بصنيعهم.

    والثاني: الإرادة: الأمر؛ كقوله:
    { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَظ±للَّهُ أَمَرَنَا بِهَا }
    [الأعراف: 28].

    والثالث: الإرادة هي صفة فعل كل فاعل يخرج فعله على غير سهو وغفلة ولا طبع؛ بل يخرج على الاختيار.

    وقال الرازى

    . المسألة الثانية: احتج هشام بن الحكم على قوله: إنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند حدوثه بهذه الآية، لأن قوله: { إِن يَعْلَمِ ظ±للَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } فعل كذا وكذا شرط وجزاء، والشرط هو حصول هذا العلم، والشرط والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى. والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام، إلا أنه لما دل الدليل على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثاً وجب أن يقال: ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم

  4. #289
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    سورة التوبة

    { فَسِيحُواْ فِي ظ±لأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَظ±عْلَمُوغ¤اْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ظ±للَّهِ وَأَنَّ ظ±للَّهَ مُخْزِي ظ±لْكَافِرِينَ }


    قال الالوسي


    وهذا ظاهر في أن علياً لم يأخذ ذلك من أبـي بكر في الطريق وأكثر الروايات على خلافه، وجاء في بعضها ما هو ظاهر في عدم عزل أبـي بكر رضي الله تعالى عنه عن الأمر بل ضم إليه علي كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج الترمذي وحسنه والبيهقي في «الدلائل» وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فحجا فقام علي رضي الله تعالى عنه في أيام التشريق فنادى أن الله برىء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي كرم الله تعالى وجهه ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فنادى بها " وأيا ما كان ليس في شيء من الروايات ما يدل على أن علياً رضي الله تعالى عنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغ عني غيري أو رجل مني سواء كان بوحي أم لا " جار على عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب لتنقطع الحجة بالكلية، فالتبليغ المنفي ليس عاماً كما يرشد إلى ذلك حديث أحمد والترمذي.

    وكيف يمكن إرادة العموم وقد بلغ عنه صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأحكام الشرعية في حياته وبعد وفاته كثير ممن لم يكن من أقاربه صلى الله عليه وسلم كعلي كرم الله تعالى وجهه ومنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه فإنه في تلك السنة حج بالناس وعلمهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الحج وما يلزم فيه وهو أحد الأمور الخمسة التي بني الإسلام عليها، على أن من أنصف من نفسه علم أن في نصب أبـي بكر رضي الله تعالى عنه لإقامة مثل هذا الركن العظيم من الدين على ما يشعر به قوله سبحانه:
    { وَللَّهِ عَلَى ظ±لنَّاسِ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ }
    [آل عمران: 97] الآية إشارة إلى أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة شعائر دينه لا سيما وقد أيد ذلك بإقامته مقامه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس في آخر أمره عليه الصلاة والسلام وهي العماد الأعظم والركن الأقوم لدينه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس، والقول بأنه رضي الله تعالى عنه عزل في المسألتين كما يزعمه بعض الشيعة لا أصل له وعلى المدعي البيان ودونه الشم الراسيات

    وبالجملة دلالة «لا ينبغي» الخ على الخلافة مما لا ينبغي القول بها، وقصارى ما في الخبر الدلالة على فضل الأمير كرم الله تعالى وجهه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمن لا ينكر ذلك لكنه بمعزل عن اقتضائه التقدم بالخلافة على الصديق رضي الله تعالى عنه.

    وقد ذكر بعض أهل السنة نكتة في نصب أبـي بكر أميراً للناس في حجهم ونصب الأمير كرم الله تعالى وجهه مبلغا نقض العهد في ذلك المحفل وهي أن الصديق رضي الله تعالى عنه لما كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال كما يرشد إليه ما تقدم في حديث الإسراء وما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» أحال إليه عليه الصلاة والسلام أمر المسلمين الذين هم مورد الرحمة، ولما كان علي كرم الله تعالى وجهه الذي هو أسد الله مظهر جلاله فوض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر فكانا كعينين فوارتين يفور من إحداهما صفة الجمال ومن الأخرى صفة الجلال في ذلك المجمع العظيم الذي كان أنموذجا للحشر ومورداً للمسلم والكافر انتهى. ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبـي صلى الله عليه وسلم. / وجعل المدة أربعة أشهر قيل لأنها ثلث السنة والثلث كثير، ونصب العدد على الظرفية لسيحوا أي فسيحوا في أقطار الأرض في أربعة أشهر.

    { فَإِذَا ظ±نسَلَخَ ظ±لأَشْهُرُ ظ±لْحُرُمُ فَظ±قْتُلُواْ ظ±لْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَظ±حْصُرُوهُمْ وَظ±قْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ظ±لصَّلَظ°وةَ وَءَاتَوُاْ ظ±لزَّكَظ°وةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ظ±للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية: نقل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول: في مانعي الزكاة لا أفرق بين ما جمع الله، ولعل مراده كان هذه الآية، لأنه تعالى لم يأمر بتخلية سبيلهم إلا لمن تاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فأوجب مقاتلة أهل الردة لما امتنعوا من الزكاة وهذا بين إن جحدوا وجوبها أما إن أقروا بوجوبها وامتنعوا من الدفع إليه خاصة، فمن الجائز أنه كان يذهب إلى وجوب مقاتلتهم من حيث امتنعوا من دفع الزكاة إلى الإمام. وقد كان مذهبه أن ذلك معلوم من دين الرسول عليه السلام كما يعلم سائر الشرائع الظاهرة.

    { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ظ±لْمُشْرِكِينَ ظ±سْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىظ° يَسْمَعَ كَلاَمَ ظ±للَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذظ°لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ }

    قال الرازى

    المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن كلام الله يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات، فدل ذلك على أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف والأصوات، ثم من المعلوم بالضرورة أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة، لأن تكلم الله بهذه الحروف إما أن يكون معاً أو على الترتيب، فإن تكلم بها معاً لم يحصل منه هذا الكلام المنتظم، لأن الكلام لا يحصل منتظماً إلا عند دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب، فلو حصلت معاً لا متعاقبة لما حصل الانتظام، فلم يحصل الكلام.

    وأما إن حصلت متعاقبة، لزم أن ينقضي المتقدم ويحدث المتأخر، وذلك يوجب الحدوث، فدل هذا عن أن كلام الله محدث. قالوا: فإن قلتم إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات فهذا باطل لأن الرسول ما كان يشير بقوله كلام الله إلا هذه الحروف والأصوات، وأما الحشوية والحمقى من الناس، فقالوا ثبت بهذه الآية أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف والأصوات، وثبت أن كلام الله قديم، فوجب القول بقدم الحروف والأصوات.

    ((((((واعلم أن الأستاذ أبا بكر بن فورك زعم أنا إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات فقد سمعنا مع ذلك كلام الله تعالى وأما سائر الأصحاب فقد أنكروا عليه هذا القول،)))))

    وذلك لأن ذلك الكلام القديم إما أن يكون نفس هذه الحروف والأصوات، وإما أن يكون شيئاً آخر مغايراً لها. والأول: هو قول الرعاع والحشوية وذلك لا يليق بالعقلاء

    ملحوظة

    ابن فورك شيخ الاشعرية فى زمانه والقرآن مابين الدفتين هو كلام الله حقيقة لا علي المجاز لايقال عبارة عن ولا دال علي هذه عقيدة السلف الصالح وأهل الحديث اثبات مع تفويض ونفى كيف

    واعلم ان الرازى حكى عن الحنابلة فى المعالم قولا فظيعا منكرا والزمهم بعقيدة افظع من النصارى لقولهم بصوت وحرف قديم

    والحنابلة بريئون من هذا ورحم الله الرازى

    والمسألة مشكلة بالفعل وتحتاج لتدبر كثير كى تفهم عقيدة الحنابلة والسلف وليست بالسطحية التى يتصورها البعض

    والمسألة فى غاية الخطورة لان الخطأ فيها يؤدى للقول بخلق القران

    فسل الله ان يرزقك من الانوار مايفتح به عليك مغاليق علم التوحيد ويكشف لك انوار عقيدة السلف الصالح

    وقال القرطبي

    قال العلماء: في قوله تعالى: { حَتَّىظ° يَسْمَعَ كَلاَمَ ظ±للَّهِ } دليلٌ على أن كلام الله عز وجل مسموع عند قراءة القارىء؛ قاله الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر وأبو العباس القلانسي وابن مجاهد وأبو إسحاق الإسْفرايني وغيرهم؛ لقوله تعالى: { حَتَّىظ° يَسْمَعَ كَلاَمَ ظ±للَّهِ }. فنصّ على أن كلامه مسموع عند قراءة القارىء لكلامه. ويدلّ عليه إجماع المسلمين على أن القارىء إذا قرأ فاتحة الكتاب أو سورة قالوا: سمعنا كلام الله. وفرّقوا بين أن يُقرأ كلام الله تعالى وبين أن يُقرأ شعر ظ±مرىء القيس. وقد مضى في سورة «البقرة» معنى كلام الله تعالى، وأنه ليس بحرف ولا صوت، والحمد لله

  5. #290
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    وقال الماتريدى

    وقوله: { حَتَّىظ° يَسْمَعَ كَلاَمَ ظ±للَّهِ } فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه؛ إذ الذي يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع؛ نحو اللسان والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي [يتكلم وقوله]، فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازاً لا حقيقة؛ فعلى ذلك ما قيل من سماع كلام الله.

    ثم هو يخرج على وجوه:

    أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى الله، فقيل بذلك كلام الله؛ لما إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك.

    والوجه الثاني: أن يكون [الله] ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعاً من غيره؛ على ما تنسب القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله: " حتى يسمع كلام الله ".

    والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلاماً، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان الله - تعالى - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال الله - تعالى -
    { خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ }
    [النساء: 1] وقال:
    { خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ }
    [الروم: 20] من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، فمثله لما قيل: كلام الله.

    ثم الله - تعالى - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول [فعلى ذلك صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ولا تقدر بها العقول]، إلا من طريق القول بالحقيقة على ما هن أغيار لهم، فالله - تعالى - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، [فتدبر] فيه.

    وقال [الثلجي]: يقال: كلام الله، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد.

    وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال: يعرف الله من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه والله [أعلم] من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن الله - سبحانه - كذلك سماع كلامه.

    ملحوظة

    الماتريدى نفي سماع الكلام الازلي لان عنده لايسمع الاالصوت

    والاشعرى اثبت سماعه مع نفي الصوت

    والعجيب تجد اشاعرة يقولون الخلاف بينهما لفظى فى السماع

    والاعجب يجعلون الخلاف مع الحنابلة حقيقي والماتريدية لفظى

    ولو تأملوا لربما علموا الحنابلة أقرب الي الاشاعرة من السادة الماتريدية فى المسألة

    والمسألة دقيقة فلتتأمل

  6. #291
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    البحث الثالث: احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله: { يُعَذِّبْهُمُ ظ±للَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } فإن المراد من هذا التعذيب القتل والأسر وظاهر النص يدل على أن ذلك القتل والأسر فعل الله تعالى، إلا أنه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد، وهو صريح قولنا ومذهبنا أجاب الجبائي عنه فقال: لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة، علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد وإنما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير، وأجاب أصحابنا عنه فقالوا: أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلا أنا لا نقوله باللسان، كما أنا نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام ثم إنا لا نقول يا خالق الأبوال والعذرات، ويا مكون الخنافس والديدان، فكذا ههنا وأيضاً أنا توافقنا على أن الزنا واللواط وسائر القبائح إنما حصلت بأقدار الله تعالى وتيسيره، ثم لا يجوز أن يقال: يا مسهل الزنا واللواط، ويا دافع الموانع عنها، فكذا هنا، أما قوله إن المراد إذن الأقدار فنقول هذا صرف للكلام عن ظاهره، وذلك لا يجوز إلا لدليل قاهر، والدليل القاهر من جانبنا ههنا، فإن الفعل لا يصدر إلا عند الداعية الحاصلة، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى.


    وقال الالوسي

    واستدل بها على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وقيل: إن اسناد التعذيب إليه سبحانه مجاز باعتبار أنه جل وعلا مكنهم منه وأقدرهم عليه. وفي «الحواشي الشهابية» قيل: إن قوله سبحانه:
    { بِأَيْدِيكُمْ }
    [التوبة: 14] كالصريح بأن مثل هذه الأفعال التي تصلح للباري فعل له تعالى وإنما للعبد الكسب بصرف القوى والآلات، وليس الحمل على الإسناد المجازي بمرضي عند العارف بأساليب الكلام، ولا الالزام بالاتفاق على امتناع كتب الله تعالى بأيديكم وامتناع كذب الله تعالى شأنه بألسنه الكفار بوارد لأن مجرد خلق الفعل لا يصحح إسناده إلى الخالق ما لم يصلح محلا له، وإمتناع ما ذكر للاحتراز عن شناعة العبارة إذ لا يقال: يا خالق القاذورات ولا المقدر للزنا والممكن منه، ثم قال: ولا يخفى ما فيه فإنه تعالى لا يصلح محلا للقتل ولا للضرب ونجوه ما قصد بالاذلال وإنما هو خالق له، والفعل لا يسند حقيقة إلى خالقه وإن كان هو الفاعل الحقيقي للفرق بينه وبين الفاعل اللغوي إذ لا يقال: كتب الله تعالى بيد زيد على أنه حقيقة بلا شبهة مع أنه لا شناعة فيه لقوله سبحانه:
    { كَتَبَ ظ±للَّهُ }
    [المجادلة: 21] فما ذكره غير مسلم ا هـ.

    وأنا أقول: إن مسألة خلق الأفعال قد قضى العلماء المحققون الوطر منها فلا حاجة إلى بسط الكلام فيها، وقد تكلموا في الآية بما تكلموا لكن بقي فيها شيء وهو السر في نسبة التعذيب إليه تعالى وذكر الأيدي ولم يذكروه، ولعل ذلك في النسبة إرادة المبالغة فانه تعذيب الله تعالى القوي العزيز وإن كان بأيدي العباد وفي ذكر الأيدي إما التنصيص على أن ذلك في الدنيا لا في الآخرة وإما لتكون البشارة بالتعذيب على الوجه الأتم الذي يترتب عليه شفاء الصدور ونحوه على الوجه الأكمل إذ فرق بين تعذيب العدو بيد عدوه وتعذيبه لا بيده، ولعمري أن الأول أحلى وأوقع في النفس فافهم.

    ملحوظة

    الخلاف بين الاشاعرة والماتريدية فى الارادة الكلية والجزئية حقيقي وعميق جدا

    وقال الرازى

    ثم قال: { وَفِى ظ±لنَّارِ هُمْ خَـظ°لِدُونَ } وهو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار. واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلداً في النار من وجهين: الأول: أن قوله: { وَفِى ظ±لنَّارِ هُمْ خَـظ°لِدُونَ } يفيد الحصر، أي هم فيها خالدون لا غيرهم، ولما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار، ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر.

    الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار على كفرهم، ولو كان هذا الحكم ثابتاً لغير الله لما صح تهديد الكافر به،...

    ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث، ولا يدل على التأبيد، واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية، وهي قوله تعالى: { خَـظ°لِدِينَ فِيهَا أَبَداً } ولو كان الخلود يفيد التأبيد، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكراراً وأنه لا يجوز.

  7. #292
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    واعلم أن قوله تعالى: { ثُمَّ أَنزَلَ ظ±للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىظ° رَسُولِهِ وَعَلَى ظ±لْمُؤْمِنِينَ } يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا من قبل الله تعالى. أما بيان الأول: فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات، بل فر القوم وانهزموا ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثبتوا عنده وسكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية.

    وأما بيان الثاني: وهو أن حصول تلك الداعية من الله تعالى فهو صريح. قوله تعالى: { ثُمَّ أَنزَلَ ظ±للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىظ° رَسُولِهِ } والعقل أيضاً دل عليه، وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد، لتوقف على حصول داع آخر ولزم التسلسل، وهو محال...

    ثم قال الله تعالى: { ثُمَّ يَتُوبُ ظ±للَّهُ مِن بَعْدِ ذظ°لِكَ عَلَىظ° مَن يَشَاءُ } يعني أن مع كل ما جرى عليهم من الخذلان فإن الله تعالى قد يتوب عليهم. قال أصحابنا: إنه تعالى قد يتوب على بعضهم بأن يزيل عن قلبه الكفر ويخلق فيه الإسلام. قال القاضي: معناه فإنهم بعد أن جرى عليهم ما جرى، إذا أسلموا وتابوا فإن الله تعالى يقبل توبتهم، وهذا ضعيف لأن قوله تعالى: { ثُمَّ يَتُوبُ ظ±للَّهُ } ظاهره يدل على أن تلك التوبة إنما حصلت لهم من قبل الله تعالى وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة البقرة في قوله:
    { فَتَابَ عَلَيْهِ }
    البقرة37

    { قَاتِلُواْ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±للَّهِ وَلاَ بِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ظ±للَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ظ±لْحَقِّ مِنَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَابَ حَتَّىظ° يُعْطُواْ ظ±لْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }

    قال الرازى

    وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أن أهل الكتاب إذا كانوا موصوفين بصفات أربعة، وجبت مقاتلتهم إلى أن يسلموا، أو إلى أن يعطوا الجزية. فالصفة الأولى: أنهم لا يؤمنون بالله. واعلم أن القوم يقولون: نحن نؤمن بالله، إلا أن التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة، والمشبه يزعم أن لا موجود إلا الجسم وما يحل فيه فأما الموجود الذي لا يكون جسماً ولا حالاً فيه فهو منكر له، وما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم ولا حالاً في جسم، فحينئذ يكون المشبه منكراً لوجود الإله فثبت أن اليهود منكرون لوجود الإله. فإن قيل: فاليهود قسمان: منهم مشبهة، ومنهم موحدة، كما أن المسلمين كذلك فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله، فما قولكم في موحدة اليهود؟ قلنا: أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية، ولكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال: لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وأما النصارى: فهم يقولون: بالأب والابن وروح القدس والحلول والاتحاد، وكل ذلك ينافي الإلهية. فإن قيل: حاصل الكلام: أن كل من نازع في صفة من صفات الله، كان منكراً لوجود الله تعالى، وحينئذ يلزم أن تقولوا: إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود الله تعالى، لأن أكثرهم مختلفون في صفات الله تعالى ألا ترى أن أهل السنة اختلفوا اختلافاً شديداً في هذا الباب، فالأشعري أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت إدراك الطعوم، وإدراك الروائح، وإدراك الحرارة والبرودة، وهي التي تسمى في حق البشر بإدراك الشم والذوق واللمس، والأستاذ أبو إسحق أنكره، وأثبت القاضي للصفات السبع أحوالاً سبعة معللة بتلك الصفات، ونفاة الأحوال أنكروه، وعبد الله بن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً، ثم صار ذلك في الإنزال، والباقون أنكروه، وقوم من قدماء الأصحاب أثبتوا لله خمس كلمات، في الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، والنداء، والمشهور أن كلام الله تعالى واحد، واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور أم لا؟ فثبت بهذا حصول الاختلاف بين أصحابنا في صفات الله تعالى من هذه الوجوه الكثيرة، وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق في صفات الله تعالى، فأكثر من أن يمكن ذكره في موضع واحد.

    إذا ثبت هذا فنقول: إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجباً إنكار الذات أو لا يوجب ذلك؟ فإن أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال: إنهم أنكروا الإله، وإن لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود وذهاب النصارى إلى الحلول والاتحاد كونهم منكرين للإيمان بالله، وأيضاً فمذهب النصارى أن أقنوم الكلمة حل في عيسى، وحشوية المسلمين يقولون: إن من قرأ كلام الله فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى، وكلام الله تعالى مع أنه صفة الله يدخل في لسان هذا القارىء وفي لسان جميع القراء، وإذا كتب كلام الله في جسم فقد حل كلام الله تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول والاتحاد في حق عيسى. وأما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة الله في كل إنسان قرأ القرآن، وفي كل جسم كتب فيه القرآن، فإن صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون بالله بهذا السبب، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية والحلولية أنهم لا يؤمنون بالله، فهذا تقرير هذا السؤال. والجواب: أن الدليل دل على أن من قال إن الإله جسم فهو منكر للإله تعالى، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة، بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة، فظهر الفرق. وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية، فنحن نكفرهم قطعاً، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة { ظ±للَّهِ } في عيسى وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة { ظ±للَّهِ } في ألسنة جميع من قرأ القرآن، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجباً للقول بالتكفير كان أولى. والصفة الثانية: من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر. واعلم أن المنقول عن اليهود والنصارى: إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يميلون إلى البعث الروحاني. واعلم أنا بينا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية، ودللنا على صحة القول بها وبينا دلالة الآيات الكثيرة عليها، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة، بحيث يأكلون ويشربون، وبالجواري يتمتعون، ولا شك أن من أنكر الحشر والبعث الجسماني، فقد أنكر صريح القرآن، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر

    ملحوظة

    عند الحنابلة والسلف القران مابين الدفتين هو كلام الله الازلي حقيقة وليس معنى هذا حلول الصفة القديمة فى المصاحف بل يصرحون بقول غير حال فيها اى فى الاوراق والاحبار لان الصفة الازلية لاتنتقل بل يقصدون ان الله تكلم بما بين الدفتين مع نفى الكيف وتفويض

    وصراحة اتعجب من اتهام الحنابلة بمثل هذا ومقارنه قولهم بحلول النصارى العقيدة الكفرية

  8. #293
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    المسألة الثانية: قوله تعالى: { زِيَادَةٌ فِى ظ±لْكُفْرِ } معناه: أنه تعالى حكى عنهم أنواعاً كثيرة من الكفر، فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفاً من الكفر زيادة في الكفر. احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول: الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار، قال: لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماماً، فكان ترك هذا التأخير إيماناً، وظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا بإقرار.

    فثبت أن غير المعرفة والإقرار قد يكون إيماناً قال المصنف رضي الله عنه: هذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلاً من الأشهر القمرية، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية، فربما وقع الحج في المحرم مرة وفي صفر أخرى. فقولهم: بأن هذا الحج صحيح يجزى، وأنه لا يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه من دين إبراهيم وإسمظ±عيل عليهما السلام، فكان هذا كفراً بسبب عدم العلم وبسبب عدم الإقرار......

    قال الجبائي: هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذاباً إليماً وهو عذاب النار، فإن ترك الجهاد لا يكون إلا من المؤمنين، فبطل بذل قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم، وإذا ثبت الوعيد لهم في ترك الجهاد فكذا في غيره، لأنه لا قائل بالفرق، واعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة.

    { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ظ±للَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ظ±ثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ظ±لْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ظ±للَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ظ±للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ ظ±لسُّفْلَىظ° وَكَلِمَةُ ظ±للَّهِ هِيَ ظ±لْعُلْيَا وَظ±للَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    قال الرازى

    المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه: الأول: أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعاً على باطن أبي بكر، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، لخافه من أن يدل أعداءه عليه، وأيضاً لخافه من أن يقدم على قتله فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دل على أنه عليه السلام كان قاطعاً بأن باطنه على وفق ظاهره. الثاني: وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى، وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب من أبي بكر، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين. الثالث: أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما هو فما سبق رسول الله كغيره، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم. الرابع: أنه تعالى سماه { ثَانِيَ ظ±ثْنَيْنِ } فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية، فإنه صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والكل آمنوا على يديه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل، فكان هو رضي الله عنه { ثَانِيَ ظ±ثْنَيْنِ } في الدعوة إلى الله وأيضاً كلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين، ولما توفي دفن بجنبه، فكان ثاني اثنين هناك أيضاً، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعاً لكل ثلاث في قوله:

    { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىظ° ثَلَـظ°ثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ }
    [المجادلة: 7] ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن، فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالاً على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى. والجواب: أن هذا تعسف بارد، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلعاً على ضمير كل أحد، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى: { ثَانِيَ ظ±ثْنَيْنِ } تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضاً قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم كان قاطعاً بأن باطنه كظاهره، فأين أحد الجانبين من الآخر؟ والوجه الخامس: من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " ولا شك أن هذا منصب علي، ودرجة رفيعة. واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل، وأرادوا به أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلياً، وفاطمة، والحسن والحسين، كانوا قد احتجبوا تحت عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل وجعل نفسه سادساً لهم، فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون، فقال رحمه الله: لكم ما هو خير منه بقوله: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل. والوجه السادس: أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحباً للرسول وذلك يدل على كمال الفضل. قال الحسين بن فضيل البجلي: من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافراً، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } هو أبو بكر، وذلك يدل على أن الله تعالى وصفه بكونه صاحباً له، اعترضوا وقالوا: إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحباً للمؤمن، وهو قوله:
    { قَالَ لَهُ صَـظ°حِبُهُ وَهُوَ يُحَـظ°وِرُهُ أَكَفَرْتَ بِظ±لَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ }
    [الكهف: 37]. والجواب: أن هناك وإن وصفه بكونه صاحباً له ذكراً إلا أنه أردفه بما يدل على الإهانة والإذلال، وهو قوله: { أَكَفَرْتَ } أما ههنا فبعد أن وصفه بكونه صاحباً له، ذكر ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ظ±للَّهَ مَعَنَا } فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة؟ والوجه السابع: في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر.

    قوله: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ظ±للَّهَ مَعَنَا } ولا شك أن المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة، وبالجملة فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد، لزمهم إدخال الرسول فيه، وإن حملوها على محمل رفيع شريف، لزمهم إدخال أبي بكر فيه، ونقول بعبارة أخرى، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه، وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين، لقوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ مَعَ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّقَواْ وَّظ±لَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ }
    [النحل: 128] والمراد منه الحصر، والمعنى: إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم، وذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين. والوجه الثامن: في تقرير هذا المطلوب أن قوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ مَعَنَا } يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار، وذلك منصب في غاية الشرف. والوجه التاسع: أن قوله: { لاَ تَحْزَنْ } نهى عن الحزن مطلقاً، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت. والوجه العاشر: قوله: { فَأَنزَلَ ظ±للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } ومن قال الضمير في قوله: { عَلَيْهِ } عائداً إلى الرسول فهذا باطل لوجوه: الوجه الأول: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال: { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } والتقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن، وعلى هذا التقدير: فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه. والوجه الثاني: أن الحزن والخوف كان حاصلاً لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمناً، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس. والوجه الثالث: أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفاً، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ظ±للَّهَ مَعَنَا } فمن كان خائفاً كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، ولما لم يكن كذلك، بل ذكر أولاً أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، وهو قوله: { فَأَنزَلَ ظ±للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.

    فإن قيل: وجب أن يكون قوله: { فَأَنزَلَ ظ±للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركاً للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول. قلنا: هذا ضعيف، لأن قوله: { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } إشارة إلى قصة بدر وهو معطوف على قوله: { فَقَدْ نَصَرَهُ ظ±للَّهُ } وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال. الوجه الحادي عشر: من الوجوه الدالة على فضل أبي بكر من هذه الآية إطباق الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: " لقد كنت أنا وصاحبي في الغار بضعة عشر يوماً وليس لنا طعام إلا التمر " وذكروا أن جبريل أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبر به أبا بكر ولما أمر الله رسوله بالخروج إلى المدينة أظهره لأبي بكر، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري جملين ورحلين وكسوتين، ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام فألبس رسول الله ثوبه، ليعرفوا أن الرسول هو هو، فلما دنوا خروا له سجداً فقال لهم: " اسجدوا لربكم وأكرموا أخاً لكم " ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسيرأبي بكر الأصم. الوجه الثاني عشر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر، والأنصار ما رأوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً إلا أبا بكر، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر والحضر، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا: لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر، فلو قدرنا أنه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي بكر.

    واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين: فالأول: قالوا إنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر: " لا تحزن " فذلك الحزن إن كان حقاً فكيف نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه؟ وإن كان خطأ، لزم أن يكون أبو بكر مذنباً وعاصياً في ذلك الحزن، والثاني: قالوا يحتمل أن يقال: إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه، فأخذه مع نفسه دفعاً لهذا الشر. والثالث: وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر علياً بأن يضطجع على فراشه، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء، فهذا العمل من علي، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحباً للرسول، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب. والجواب عن الأول: أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة، قال: فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام:
    { لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لأَعْلَىظ° }
    [طه: 68] أن يدل على أنه كان عاصياً في خوفه، وذلك طعن في الأنبياء، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم، حيث قالت الملائكة له:
    { لاَ تَخَفْ }
    [هود:69] في قصة العجل المشوي مثل ذلك، وفي قولهم للوط:
    { لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ }
    [العنكبوت: 33] مثل ذلك. فإذا قالوا: إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية، وإنما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: { لاَ تَخَفْ } ليفيد الأمن، وفراغ القلب. قلنا لهم في هذه المسألة كذلك. فإن قالوا: أليس إنه تعالى قال:
    { وَظ±للَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ظ±لنَّاسِ }
    [المائدة: 67] فكيف خاف مع سماع هذه الآية؟ فنقول: هذه الآية إنما نزلت في المدينة، وهذه الواقعة سابقة على نزولها، وأيضاً فهب أنه كان آمناً على عدم القتل، ولكنه ما كان آمناً من الضرب، والجرح والإيلام الشديد والعجب منهم، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفاً، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء، ولما خاف وبكى قالوا: هذا السؤال الركيك، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق، وإنما مقصودهم محض الطعن! والجواب عن الثاني: أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية، فإن أبا بكر لو كان قاصداً له، لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، وقال لهم نحن ههنا، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك.

    والجواب عن الثالث من وجوه: الأول: أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضراً في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلي كان غائباً، والحاضر أعلى حالاً من الغائب. الثاني: أن علياً ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة، أما بعدها لما عرفوا أن محمداً غاب تركوه، ولم يتعرضوا له. أما أبو بكر، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة، فكان بلاؤه أشد. الثالث: أن أبا بكر رضي الله عنه كان مشهوراً فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام ويدعوهم إليه، وشاهدوا منه أنه دعا جمعاً من أكابر الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك الدين، وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان، وكان يذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة، ولا جهاد بالسيف والسنان، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من هذه الأحوال، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على علي، ولهذا السبب، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي لم يتعرضوا له ألبتة، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم أشد من خوف علي كرم الله وجهه، فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل. هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار

    ملحوظة

    لماذا حصر الكليم المعية فقال ان معى ربي ولم يحصرها النبي واعطاها لابي بكر؟

  9. #294
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    { لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـظ°كِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ظ±لشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِظ±للَّهِ لَوِ ظ±سْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }

    قال الرازى

    المسألة الرابعة: استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على بطلان أن الاستطاعة مع الفعل، فقال: لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً إلى القتال، ولو كان الأمر كذلك لكانوا صادقين في قولهم: ما كنا نستطيع ذلك، ولما كذبهم الله تعالى في هذا القول، علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل.

    واستدل الكعبي بهذا الوجه أيضاً له، وسأل نفسه لا يجوز أن يكون المراد به: ما كان لهم زاد ولا راحلة، وما أرادوا به نفس القدرة. وأجاب: إن كان من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج، فمن لا استطاعة له أولى بالعذر. وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن دون وجود المال، وإذا أريد به المال، فإنما يراد لأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن، فلا معنى لترك الحقيقة من غير ضرورة. وأجاب أصحابنا: بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم على الفعل، إلا بوقت واحد، فأما أن تتقدم عليه بأوقات كثيرة فذلك ممتنع، فإن الإنسان الجالس في المكان لا يكون قادراً في هذا الزمان أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه، بل إنما يقدر على أن يفعل فعلاً في المكان الملاصق لمكانه فإذا ثبت أن القدرة عند القوم لا تتقدم الفعل إلا بزمان واحد، فالقوم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا قادرين على أصول المعتزلة، فيلزمهم من هذه الآية ما ألزموه علينا، وعند هذا يجب علينا وعليهم، أن نحمل الاستطاعة على الزاد والراحلة وحينئذ يسقط الاستدلال

    { عَفَا ظ±للَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىظ° يَتَبَيَّنَ لَكَ ظ±لَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ظ±لْكَاذِبِينَ }

    قال الالوسي

    وفي تصدير الخطاب بما صدر به تعظيم لقدر النبـي صلى الله عليه وسلم وتوقير له وتوقير لحرمته عليه الصلاة والسلام، وكثيراً ما يصدر الخطاب بنحو ما ذكر لتعظيم المخاطب فيقال: عفا الله تعالى عنك ما صنعت في أمري؟ ورضي الله سبحانه عنك ما جوابك عن كلامي؟ والغرض التعظيم، ومن ذلك قول علي بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه:

    ومما ينظم في هذا السلك ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: " لقد عجبت من يوسف عليه السلام وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني " وأخرج ابن المنذر وغيره عن عون بن عبد الله قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا بدأ بالعفو قبل المعاتبة. وقال السجاوندي: إن فيه تعليم تعظيم النبـي صلوات الله سبحانه عليه وسلامه ولولا تصدير العفو في العتاب لما قام بصولة الخطاب. وعن سفيان بن عيينة أنه قال: انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل ذكر المعفو. ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب صاحب «الكشاف» كشف الله تعالى عنه ستره ولا أذن له ليذكر عذره حيث زعم أن الكلام ((كناية عن الجناية وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت)). وفي «الانتصاف» ((ليس له أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير وهو بين أحد الأمرين إما أن لا يكون هو المراد أو يكون ولكن قد أجلَّ الله تعالى نبيه الكريم عن مخاطبته (بذلك ولطف به في الكناية عنه أفلا يتأدب بآداب الله) خصوصاً في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فعلى التقديرين هو ذاهل عما يجب من حقه عليه الصلاة والسلام)).

    ويا سبحان الله من أين أخذ عامله الله تعالى بعدله ما عبر عنه ببئسما، والعفو لو سلم مستلزم للخطأ فهو / غير مستلزم لكونه من القبح واستتباع اللائمة بحيث يصحح هذه المرتبة من المشافهة بالسوء ويسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة بئسما المنبئة عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها، واعتذر عنه صاحب «الكشف» حيث قال: أراد أن الأصل ذلك وأبدل بالعفو تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم وتنبيهاً على لطف مكانه ولذلك قدم العفو على ذكر ما يوجب الجناية، وليس تفسيره هذا بناءاً على أن العدول إلى عفا الله لا للتعظيم حتى يخطأ. وأما المستعمل لمجرد التعظيم فهو إذا كان دعاء لا خبراً، على أن الدعاء قد يستعمل للتعريض بالاستقصاء كقوله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله تعالى أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد " وتحقيقه أنه لا يخلو عن حقارة بشأن المخاطب أو الغائب حسب اختلاف الصيغة، وأما التعظيم أو التعريض فقد وقد انتهى، ولا يخفى ما فيه فهو اعتذار غير مقبول عند ذوي العقول، وكم لهذه السقطة في «الكشاف» نظائر، ولذلك امتنع من إقرائه بعض الأكابر كالإمام السبكي عليه الرحمة، وليت العلامة البيضاوي لم يتابعه في شيء من ذلك.

    هذا واستدل بالآية من زعم صدور الذنب منه عليه الصلاة والسلام، وذلك من وجهين: الأول: أن العفو يستدعي سابقة الذنب. الثاني: أن الاستفهام الإنكاري بقوله سبحانه: { لِمَ أَذِنتَ } يدل على أن ذلك الإذن كان معصية، والمحققون على أنها خارجة مخرج العتاب كما علمت على ترك الأولى والأكمل قالوا: لا يخفى أنه لم يكن كما في خروجهم مصلحة للدين أو منفعة للمسلمين بل كان فيه فساد وخبال حسبما نطق به قوله تعالى:
    { لَوْ خَرَجُواْ }
    [التوبة: 47] الخ، وقد كرهه سبحانه وتعالى كما يفصح عنه قوله جل وعلا:
    { وَلَـظ°كِن كَرِهَ ظ±للَّهُ ظ±نبِعَاثَهُمْ }
    [التوبة: 46] الآية، نعم كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم بأنهم غروه صلى الله عليه وسلم وأرضوه بالأكاذيب على أنهم لم يهنأ لهم عيش ولا قرت لهم عين إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان.

    ومن الناس من ضعف الاستدلال بالآية على ما ذكر بأنا لو نسلم أن { عَفَا ظ±للَّهُ } يستدعي سابقة الذنب والسند ما أشرنا إليه فيما مر سلمنا لكن لا نسلم أن قوله سبحانه: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } مقول على سبيل الإنكار عليه عليه الصلاة والسلام لأنه لا يخلو إما أن يكون صدر منه صلى الله عليه وسلم ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر وعلى التقديرين يمتنع أن يكون ما ذكر إنكاراً، أما على الأول فلأنه إذا لم يصدر عنه ذنب فكيف يتأتى الإنكار عليه، وأما على الثاني فلأن صدر الآية يدل على حصول العفو وبعد حصوله يستحيل توجه الإنكار فافهم...

  10. #295
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±للَّهِ وَظ±لْيَوْمِ ظ±لأَخِرِ وَظ±رْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: بين أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ثم لما كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشك فيه، وقد يكون بسبب الجزم والقطع بعدمه، بين تعالى أن عدم إيمان هؤلاء إنما كان بسبب الشك والريب، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله. وههنا سؤالان: السؤال الأول: أن العلم إذا كان استدلالياً كان وقوع الشك في الدليل يوجب وقوع الشك في المدلول، ووقع الشك في مقدمة واحدة من مقدمات الدليل يكفي في حصول الشك في صحة الدليل، فهذا يقتضي أن الرجل المؤمن إذا وقع له سؤال وإشكال في مقدمة من مقدمات دليله أن يصير شاكاً في المدلول، وهذا يقتضي أن يخرج المؤمن عن إيمانه في كل لحظة، بسبب أنه خطر بباله سؤال وإشكال، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن بناء الإيمان ليس على الدليل بل على التقليد.

    فصارت هذه الآية دالة على أن الأصل في الإيمان هو التقليد من هذا الوجه. والجواب: أن المسلم وإن عرض له الشك في صحة بعض مقدمات دليل واحد إلا أن سائر الدلائل سليمة عنده من الطعن، فلهذا السبب بقي إيمانه دائماً مستمراً. السؤال الثاني: أليس أن أصحابكم يقولون: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وذلك يقتضي حصول الشك؟ والجواب: أنا استقصينا في تحقيق هذه المسألة في سورة الأنفال، في تفسير قوله:
    { أُوْلـئِكَ هُمُ ظ±لْمُؤْمِنُونَ حَقّاً }
    [الأنفال: 74]. المسألة الثانية: قالت الكرامية: الإيمان هو مجرد الإقرار مع أنه تعالى شهد عليهم في هذه الآية بأنهم ليسوا مؤمنين. المسألة الثالثة: قوله: { وَظ±رْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } يدل على أن محل الريب هو القلب فقط، ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة، والإيمان أيضاً هو القلب، لأن محل أحد الضدين يجب أن يكون هو محلاً للضد الآخر، ولهذا السبب قال تعالى:
    { أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ظ±لإيمَـظ°نَ }
    [المجادلة: 22] وإذا كان محل المعرفة والكفر القلب، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب والبواقي تكون تبعاً له....

    فإن قيل: إن خروجهم مع الرسول إما أن يقال إنه كان مفسدة وإما أن يقال إنه كان مصلحة. فإن قلنا: إنه كان مفسدة، فلم عاتب الرسول في إذنه إياهم في القعود؟ وإن قلنا: إنه كان مصلحة، فلم قال إنه تعالى كره انبعاثهم وخروجهم؟ والجواب الصحيح: أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة، بدليل أنه تعالى صرح بعد هذه الآية وشرح تلك المفاسد وهو قوله:
    { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً }
    [التوبة: 47] بقي أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا يخرجوا، فلم عاتب الرسول في الإذن؟ فنقول: قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال: ليس في قوله
    { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ }
    [التوبة:43] أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أذن لهم في القعود، بل يحتمل أن يقال إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن لهم، وعلى هذا التقدير فإنه يسقط السؤال، قال أبو مسلم والدليل على صحة ما قلنا إن هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة، فوجب حمل ذلك العتاب على أنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الخروج معه، وتأكد ذلك بسائر الآيات، منها قوله تعالى:
    { فَإِن رَّجَعَكَ ظ±للَّهُ إِلَىظ° طَائِفَةٍ مّنْهُمْ فَظ±سْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا }
    [التوبة: 83] ومنها قوله تعالى:
    { سَيَقُولُ ظ±لْمُخَلَّفُونَ إِذَا ظ±نطَلَقْتُمْ }
    [الفتح: 15] إلى قوله:
    { قُل لَّن تَتَّبِعُونَا }
    [الفتح: 15] فهذا دفع هذا السؤال على طريقة أبي مسلم. والوجه الثاني: من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } إنما توجه لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود، فنقول: ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة، بل لأجل أن إذنه عليه الصلاة والسلام بذلك القعود كان مفسدة وبيانه من وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر، ولهذا السبب قال تعالى: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىظ° يَتَبَيَّنَ لَكَ ظ±لَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ظ±لْكَـظ°ذِبِينَ } والثاني: أن بتقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم، وكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفياً وفاتت تلك المصالح. والثالث: أنهم لما استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليهم وقال: { ظ±قْعُدُواْ مَعَ ظ±لْقَـظ°عِدِينَ } على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله: { وَقِيلَ ظ±قْعُدُواْ مَعَ ظ±لْقَـظ°عِدِينَ } ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا: قد أذن لنا فقال تعالى: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم؟ الرابع: أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا: إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد، وذلك غير جائز، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جارياً مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك.

    المسألة الثانية: قالت المعتزلة البصرية: الآية دالة على أنه تعالى كما هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية، بدليل قوله تعالى: { وَلَـظ°كِن كَرِهَ ظ±للَّهُ ظ±نبِعَاثَهُمْ } قال أصحابنا: معنى { كَرِهَ ظ±للَّهُ } أراد عدم ذلك الشيء. قال البصرية: العدم لا يصلح أن يكون متعلقاً، وذلك لأن الإرادة عبارة عن صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر، والعدم نفي محض، وأيضاً فالعدم المستمر لا تعلق للإرادة بالعدم به، لأن تحصيل الحاصل محال، وجعل العدم عدماً محال، فثبت أن تعلق الإرادة بالعدم محال، فامتنع القول بأن المراد من الكراهة إرادة العدم. أجاب أصحابنا: بأنا نفسر الكراهة في حق الله بإرادة ضد ذلك الشيء، فهو تعالى أراد منهم السكون، فوقع التعبير عن هذه الإرادة بكونه تعالى كارهاً لخروجهم مع الرسول. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله تعالى: { فَثَبَّطَهُمْ } أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث، وحاصل الكلام فيه لا يتم إلا إذا صرحنا بالحق، وهو أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي إليه، فإذا صارت الداعية فاترة مرجوحة امتنع صدور الفعل عنه، ثم إن صيرورة تلك الداعية جازمة أو فاترة، إن كانت من العبد لزم التسلسل، وإن كانت من الله فحينئذ لزم المقصود. لأن تقوية الداعية ليست إلا من الله، ومتى حصلت تلك التقوية لزم حصول الفعل، وحينئذ يصح قولنا في مسألة القضاء والقدر..

    المسألة الثانية: قال بعض النحويين قوله: { إِلاَّ خَبَالاً } من الاستثناء المنقطع وهو أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيراً إلا خبالاً، وههنا المستثنى منه غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الأعم والعام هو الشيء، فكان الاستثناء متصلاً، والتقدير: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: إنه تعالى بين في الآية الأولى أنه كره انبعاثهم، وبين في هذه الآية أنه إنما كره ذلك الانبعاث لكونه مشتملاً على هذا الخبال والشر والفتنة، وذلك يدل على أنه تعالى يكره الشر والفتنة والفساد على الإطلاق، ولا يرضى إلا بالخير، ولا يريد إلا الطاعة.

    وقال الزمخشري المعتزلي

    وَقِيلَ ظ±قْعُدُواْ } جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود. وقيل: هو قول الشيطان بالوسوسة. وقيل: هو قولهم لأنفسهم. وقيل: هو إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في القعود. فإن قلت: كيف جاز أن يوقع الله تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو وهي قبيحة، وتعالى الله عن إلهام القبيح؟ قلت: خروجهم كان مفسدة، لقوله: { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسناً ومصلحة. فإن قلت: فلم خطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأذن لهم فيما هو مصلحة؟ قلت: لأنّ إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة ولا علمها إلا بعد القفول بإعلام الله تعالى، ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه، فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم ولا يتجوّز في قبولها، فمن ثم أتاه العتاب ويجوز أن يكون في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإذن لهم مع تثبيط الله إياهم مصلحة أخرى، فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة، وذلك أنهم إذا ثبطهم الله فلم ينبعثوا وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت عليهم الحجّة ولم تبق لهم معذرة. ولقد تدارك الله ذلك حيث هتك أستارهم وكشف أسرارهم وشهد عليهم بالنفاق، وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

  11. #296
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ظ±للَّهُ لَنَا } وفيه أقوال: القول الأول: أن المعنى أنه لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدرعلينا مكتوب عند الله، وكونه مكتوباً عند الله يدل على كونه معلوماً عند الله مقضياً به عند الله، فإن ما سواه ممكن، والممكن لا يترجح إلا بترجيح الواجب، والممكنات بأسرها منتهية إلى قضائه وقدره. واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في أن قضاء الله شامل لكل المحدثات وأن تغير الشيء عما قضى الله به محال، وتقرير هذا الكلام من وجوه: أحدها: أن الموجود إما واجب وإما ممكن، والممكن يمتنع أن يترجح أحد طرفيه على الآخر لنفسه، فوجب انتهاؤه إلى ترجيح الواجب لذاته، وما سواه فواجب بإيجاده وتأثيره وتكوينه. ولهذا المعنى قال النبي عليه السلام: " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " وثانيها: أن الله تعالى لما كتب جميع الأحوال في اللوح المحفوظ فقد علمها وحكم بها، فلو وقع الأمر بخلافها لزم انقلاب العلم جهلاً والحكم الصدق كذباً، وكل ذلك محال، وقد أطنبنا في شرح هذه المناظرة في تفسير قوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    [البقرة: 6]. فإن قيل: إنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام تسلية للرسول في فرحهم بحزنه ومكارهه فأي تعلق لهذا المذهب بذلك؟ قلنا: السبب فيه قوله صلى الله عليه وسلم: " من علم سر الله في القدر هانت عليه المصائب " فإنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع، زالت المنازعة عن النفس وحصل الرضا به..

    ثم قال تعالى: { هُوَ مَوْلَـظ°نَا } والمراد به ما يقوله أصحابنا أنه سبحانه يحسن منه التصرف في العالم كيف شاء، وأراد لأجل أنه مالك لهم وخالق لهم، ولأنه لا اعتراض عليه في شيء من أفعاله، فهذا الكلام ينطبق على ما تقدم، ولذا قلنا إنه تعالى وإن أوصل إلى بعض عبيده أنواعاً من المصائب فإنه يجب الرضا بها لأنه تعالى مولاهم وهم عبيده، فحسن منه تعالى تلك التصرفات، بمجرد كونه مولى لهم، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله

    ثم قال تعالى: { إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـظ°سِقِينَ } وهذا إشارة إلى أن عدم القبول معلل بكونهم فاسقين. قال الجبائي: دلت الآية على أن الفسق يحبط الطاعات، لأنه تعالى بين أن نفقتهم لا تقبل البتة، وعلل ذلك بكونهم فاسقين، ومعنى التقبل هو الثواب والمدح، وإذا لم يتقبل ذلك كان معناه أنه لا ثواب ولا مدح، فلما علل ذلك بالفسق دل على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى، ثم إن الجبائي أكد ذلك بدليلهم المشهور في هذه المسألة، وهو أن الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين، والجمع بينهما محال.

    فكان الجمع بين حصول استحقاقهما محالاً. واعلم أنه كان الواجب عليه أن لا يذكر هذا الاستدلال بعد ما أزال الله هذه الشبهة على أبلغ الوجوه، وهو قوله: { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـظ°تُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِظ±للَّهِ وَبِرَسُولِهِ } فبين تعالى بصريح هذا اللفظ أنه لا مؤثر في منع قبول هذه الأعمال إلا الكفر، وعند هذا يصير هذا الكلام من أوضح الدلائل على أن الفسق لا يحبط الطاعات، لأنه تعالى لما قال: { إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـظ°سِقِينَ } فكأنه سأل سائل وقال: هذا الحكم معلل بعموم كون تلك الأعمال فسقاً، أو بخصوص كون تلك الأعمال موصوفة بذلك الفسق؟ فبين تعالى به ما أزال هذه الشبهة، وهو أن عدم القبول غير معلل بعموم كونه فسقاً، بل بخصوص وصفه وهو كون ذلك الفسق كفراً. فثبت أن هذا الاستدلال باطل.

    { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِظ±للَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ظ±لصَّلظ°وةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىظ° وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ }

    قال الرازى

    وفيه مسائل: المسألة الأولى: دل صريح هذه الآية على أنه لا تأثير للفسق من حيث إنه فسق في هذا المنع، وذلك صريح في بطلان قول المعتزلة على ما لخصناه وبيناه. المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يدل على أن منع القبول بمجموع الأمور الثلاثة، وهي الكفر بالله ورسوله، وعدم الإتيان بالصلاة إلا على وجه الكسل، والإنفاق على سبيل الكراهية.

    ولقائل أن يقول: الكفر بالله سبب مستقل في المنع من القبول، وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر، فكيف يمكن إسناد هذا الحكم إلى السببين الباقيين؟

    وجوابه: أن هذا الإشكال إنما يتوجه على قول المعتزلة، حيث قالوا: إن الكفر لكونه كفراً يؤثر في هذا الحكم،

    أما عندنا فإن شيئاً من الأفعال لا يوجب ثواباً ولا عقاباً البتة، وإنما هي معرفات واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد محال، بل نقول: إن هذا من أقوى الدلائل اليقينية على أن هذه الأفعال غير مؤثرة في هذه الأحكام لوجوه عائدة إليها، والدليل عليه أنه تعالى بين أنه حصلت هذه الأمور الثلاثة في حقهم، فلو كان كل واحد منها موجباً تاماً لهذا الحكم، لزم أن يجتمع على الأثر الواحد أسباب مستقلة، وذلك محال، لأن المعلول يستغنى بكل واحد منها عن كل واحد منها، فيلزم افتقاره إليها بأسرها حال استغنائه عنها بأسرها، وذلك محال، فثبت أن القول بكون هذه الأفعال مؤثرة في هذه الأحكام يفضي إلى هذا المحال، فكان القول به باطلاً. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر بالله. فإن قيل: فكيف الجمع بينه وبين قوله:
    { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ }
    [الزلزلة:7] قلنا: وجب أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب، ودلت الآية على أن الصلاة لازمة للكافر، ولولا ذلك لما ذمهم الله تعالى على فعلهاعلى وجه الكسل. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال الموجب للذم ليس هو ترك الصلاة؟ بل الموجب للذم هو الإتيان بها على وجه الكسل جارياً مجرى سائر تصرفاتها من قيام وقعود، وكما لا يكون قعودهم على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعتهم، فكذلك كان يجب في صلاتهم لو لم تجب عليهم

  12. #297
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    المسألة الرابعة: احتج أصحابنا في إثبات أن كل ما دخل في الوجود فهو مراد الله تعالى بقوله: { وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـظ°فِرُونَ } قالوا: لأن معنى الآية أن الله تعالى أراد إزهاق أنفسهم مع الكفر ومن أراد ذلك فقد أراد الكفر. أجاب الجبائي فقال: معنى الآية أنه تعالى أراد إزهاق أنفسهم حال ما كانوا كافرين، وهذا لا يقتضي كونه تعالى مريداً للكفر، ألا ترى أن المريض قد يقول للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي، فهذه الإرادة لا توجب كونه مريداً لمرض نفسه، وقد يقول للطبيب: أريد أن تطيب جراحتي، وهذا لا يقتضي أن يكون مريداً لحصول تلك الجراحة، وقد يقول السلطان لعسكره: اقتلوا البغاة، حال إقدامهم على الحرب، وهذا لا يدل على كونه مريداً لذلك الحرب، فكذا ههنا. والجواب: أن الذي قاله تمويه عجيب، وذلك لأن جميع الأمثلة التي ذكرها حاصلها يرجع إلى حرف واحد، وهو أنه يريد إزالة ذلك الشيء، فإذا قال المريض للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي، كان معناه: أريد أن تسعى في إزالة مرضي، وإذا قال له: أريد أن تطيب جراحتي كان معناه: أريد أن تزيل عني هذه الجراحة، وإذا قال السلطان: اقتلوا البغاة حال إقدامهم على الحرب، كان معناه: طلب إزالة تلك المحاربة وإبطالها وإعدامها، فثبت أن المراد والمطلوب في كل هذه الأمثلة إعدام ذلك الشيء وإزالته فيمتنع أن يكون وجوده مراداً بخلاف هذه الآية، وذلك لأن إزهاق نفس الكافر ليس عبارة عن إزالة كفره، وليس أيضاً مستلزماً لتلك الإزالة، بل هما أمران متناسبان، ولا منافاة بينهما البتة، فلما ذكر الله في هذه الآية أنه أراد إزهاق أنفسهم حال كونهم كافرين، وجب أن يكون مريداً لكونهم كافرين حال حصول ذلك الإزهاق، كما أنه لو قال: أريد ألقى أن فلاناً حال كونه في الدار، فإنه يقتضي أن يكون قد أراد كونه في الدار، وتمام التحقيق في هذا التقدير: أن الإزهاق في حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر، ومريد الشيء مريد لما هو من ضروراته، فلما أراد الله الإزهاق حال الكفر، وثبت أن من أراد شيئاً فقد أراد جميع ما هو من ضروراته، لزم كونه تعالى مريداً لذلك الكفر، فثبت أن الأمثلة التي أوردها الجبائي محض التمويه.

    وقال الالوسي

    واستدل بتعليق الموت على الكفر بإرادته تعالى على أن كفر الكافر بإرادته سبحانه وفي ذلك رد على المعتزلة. وأجاب الزمخشري بأن المراد إنما هو إمهالهم ((وإدامة النعم عليهم إلى أن يموتوا على الكفر مشتغلين بما هم فيه عن النظر في العاقبة))، والإمهال والإدامة المذكورة مما يصح أن يكون مراداً له تعالى. واعترضه الطيبـي بأن ذلك لا يجديه شيئاً لأن سبب السبب سبب في الحقيقة، وحاصله أن ما يؤدي إلى القبح ويكون سبباً له حكمه حكمه في القبح وهو في حيز المنع، وأجاب الجبائي بأن معنى الآية أن الله تعالى أراد زهوق أنفسهم في حال الكفر وهو لا يقتضي كونه سبحانه مريداً للكفر فإن المريض يريد المعالجة في وقت المرض ولا يريد المرض والسلطان يقول لعسكره: اقتلوا البغاة حال هجومهم ولا يريد هجومهم. ورده الإمام بأنه ((لا معنى لما ذكر من المثال إلا إرادة إزالة المرض وطلب إزالة هجوم البغاة وإذا كان المراد إعدام الشيء امتنع أن يكون وجوده مراداً بخلاف أرادة زهوق نفس الكافر فإنها ليست عبارة عن إرادة إزالة الكفر فلما أراد الله تعالى زهوق أنفسهم حال كونهم كافرين وجب أن يكون مريداً لكفرهم، وكيف لا يكون كذلك والزهوق حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر، وإرادة الشيء تقتضي إرادة ما هو من ضرورياته فيلزم كونه تعالى مريداً للكفر)). وفيه أن الظاهر أن إرادة المعالجة شيء غير إرادة إزالة المرض وكذا إرادة القتل غير إرادة إزالة الهجوم ولهذا يعلل إحدى الإرادتين بالأخرى فكيف تكون نفسها، وأما أن كون إرادة ضروريات الشيء من لوازم إرادته فغير مسلم؛ فكم من ضروري لشيء لا يخطر بالبال عند إرادته فضلاً عما ادعاه، فالاستدلال بالآية على ما ذكر غير تام.

    وقال الرازى

    وقوله: { إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } فيه قولان: الأول: إن كانوا مؤمنين على ما ادعوا. والثاني: أنهم كانوا عالمين بصحة دين الرسول إلا أنهم أصروا على الكفر حسداً وعناداً، فلهذا المعنى قال تعالى: { إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } وفي الآية دلالة على رضا الله لا يحصل بإظهار الإيمان، ما لم يقترن به التصديق بالقلب، ويبطل قول الكرامية الذين يزعمون أن الإيمان ليس إلا القول باللسان

  13. #298
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    ثم قال: { نَسُواْ ظ±للَّهَ فَنَسِيَهُمْ } واعلم أن هذا الكلام لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملناه على النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذماً، لأن النسيان ليس في وسع البشر، وأيضاً فهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو من وجهين: الأول: معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وجاء هذا على أوجه الكلام كقوله:
    { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }
    [الشورى: 40] الثاني: النسيان ضد الذكر، فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله، ترك الله ذكرهم بالرحمة والإحسان، وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم....

    ثم قال: { فَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـظ°كِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } والمعنى: أن العذاب الذي أوصله الله إليهم ما كان ظلماً من الله لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة ومبالغتهم في تكذيب أنبيائهم، بل كانوا ظلموا أنفسهم، قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى لا يصح منه فعل الظلم وإلا لما حسن التمدح به، وذلك دل على أنه لا يظلم ألبتة، وذلك يدل على أنه تعالى لا يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه، ودل على أن فاعل الظلم هو العبد، وهو قوله: { وَلَـظ°كِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وهذا الكلام قد مر ذكره في هذا الكتاب مراراً خارجة عن الإحصاء.

    وقال الزمخشري

    فَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } فما صحّ منه أن يظلمهم وهو حكيم(( لا يجوز عليه القبيح )))وأن يعاقبهم بغير جرم، ولكن ظلموا أنفسهم حيث كفروا به فاستحقوا عقابه.

    وقال الرازى

    قوله: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً } فعل ولا بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره. والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض ولا يجوز إسناد أعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التصدق أو الصلاح، لأن هذه الثلاثة أعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثره في حصول النفاق، ولا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى البخل والتولي والإعراض، لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركاً لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق في القلب، لأن ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض الواجب لا يجوز أن يكون مؤثراً في حصول الجهل في القلب. أما أولاً: فلأن ترك الواجب عدم، والجهل وجود العدم لا يكون مؤثراً في الوجود. وأما ثانياً: فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق، مع أنه لا يحصل معه النفاق. وأما ثالثاً: فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو كان محرماً شرعاً، لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً. وأما رابعاً: فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية { بِمَا أَخْلَفُواْ ظ±للَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز، لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها إلا إلى الله سبحانه، فوجب إسناده إليه، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه: أنهم لما ضلوا في الماضي، فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل، والذي يؤكد القول بأن قوله { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً } مسند إلى الله جل ذكره أنه قال: { إِلَىظ° يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } والضمير في قوله تعالى: { يَلْقَوْنَهُ } عائد إلى الله تعالى، فكان الأولى أن يكون قوله: { فَأَعْقَبَهُمْ } مسنداً إلى الله تعالى. قال القاضي: المراد من قوله: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ } أي فأعقبهم العقوبة على النفاق، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم، ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة.

    قلنا: هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة، فإن ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر، قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت..

    المسألة الخامسة: قال الجبائي: إن المشبهة تمسكوا في إثبات رؤية الله تعالى بقوله: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـظ°مٌ } قال واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل أنه قال في صفة المنافقين: { إِلَىظ° يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } وأجمعوا على أن الكفار لا يرونه، فهذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. قال: والذي يقويه قوله عليه السلام: " من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حق امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " وأجمعوا على أن المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا. والقاضي استحسن هذا الكلام. وأقول: أنا شديد التعجب من أمثال هؤلاء الأفاضل كيف قنعت نفوسهم بأمثال هذه الوجوه الضعيفة؟! وذلك لأنا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرؤية في هذه الآية، وفي هذا الخبر لدليل منفصل، فلم يلزمنا ذلك في سائر الصور. ألا ترى أنا لما أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل، لم يلزمنا مثله في جميع العمومات أن نخصصها من غير دليل، فكما لا يلزم هذا لم يلزم ذلك فإن قال هذا الكلام إنما يقوى لو ثبت أن اللقاء في اللغة عبارة عن الرؤية، وذلك ممنوع. فنقول: لا شك أن اللقاء عبارة عن الوصول ومن رأى شيئاً فقد وصل إليه فكانت الرؤية لقاء، كما أن الإدراك هو البلوغ. قال تعالى:
    { قَالَ أَصْحَـظ°بُ مُوسَىظ° إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }
    [الشعراء: 61] أي لملحقون، ثم حملناه على الرؤية فكذا ههنا، ثم نقول: لا شك أن اللقاء ههنا ليس هو الرؤية، بل المقصود أنه تعالى { فأعقبهم نفاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىظ° يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي حكمه وقضاءه، وهو كقول الرجل ستلقى عملك غداً، أي تجازى عليه، قال تعالى: { بِمَا أَخْلَفُواْ ظ±للَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } والمعنى: أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق في قلوبهم لأجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب.

    وقال الزمخشري

    { فَأَعْقَبَهُمْ } عن الحسن وقتادة رضي الله عنهما: أن الضمير للبخل. يعني: فأورثهم البخل { نِفَاقاً } متمكناً { فِى قُلُوبِهِمْ } لأنه كان سبباً فيه وداعياً إليه. والظاهر أن الضمير لله عزّ وجلّ. والمعنى: فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدّق والصلاح وكونهم كاذبين

    وقال الماتريدى

    وقوله: { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ظ±للَّهُ مِنْهُمْ }.

    قال بعضهم: إن من اعتذر إلى آخر فيقبل عنه، على علم من المعتذَر إليه أنه لا عذر له فيما يعتذر إليه، وأنه كاذب في ذلك - فقبول المعتذَر إليه ما يعتذر من المعتذِر: سخرية من المعتذَر إليه إلى المعتذِر.

    وقال بعضهم: قوله: { سَخِرَ ظ±للَّهُ مِنْهُمْ } أي: يجزيهم جزاء السخرية؛ فسمى جزاءه باسم السخرية، وإن لم يكن الجزاء سخرية، كما سُمِّي جزاء السبة: سبة، وإن لم تكن الثانية سبة، وكذلك سمي جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن الثاني اعتداء، فعلى ذلك سمي جزاء السخرية سخرية، وإن لم يكن سخرية

    ويحتمل قوله: { سَخِرَ ظ±للَّهُ مِنْهُمْ } أي: سخر أولياء الله منهم، فأضيف إليه، وكذلك يحتمل قوله:
    { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ }
    [البقرة: 15] أي: يستهزئ بهم أولياؤه، وهو قوله:
    { ظ±رْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَظ±لْتَمِسُواْ نُوراً }
    [الحديد: 13] فذلك استهزاؤهم بهم، وذلك جائز في اللغة إضافة الشيء إلى آخر، والمراد منه غير مضاف إليه.

  14. #299
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    وقوله: { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على كون العبد موجداً لأفعاله، وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر إليهم ابتداء لا بواسطة كسبهم لكان ظالماً، مشهور، وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مراراً تغني عن الإعادة.

    السؤال الثالث: قوله: { ذظ°لِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ } تصريح بكون ذلك النهي معللاً بهذه العلة، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى وهو محال، لأن حكم الله قديم، وهذه العلة محدثة، وتعليل القديم بالمحدث محال. والجواب: الكلام في أن تعليل حكم الله تعالى بالمصالح هل يجوز أم لا؟ بحث طويل، ولا شك أن هذا الظاهر يدل عليه.

    ثم قال: { وَطُبِعَ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } وقد عرفت أن الطبع والختم عبارة عندنا عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الإيمان، وذلك لأن الفعل بدون الداعي لما كان محالاً، فعند حصول الداعية الراسخة القوية للكفر، صار القلب كالمطبوع على الكفر، ثم حصول تلك الداعية إن كان من العبد لزم التسلسل، وإن كان من الله فالمقصود حاصل.
    وقال الحسن: الطبع عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان، وعند المعتزلة عبارة عن علامة تحصل في القلب، والاستقصاء فيه مذكور في سورة البقرة في قوله: { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }

    وقال الالوسي

    ثُمَّ تُرَدُّونَ } يوم القيامة { إِلَىظ° عَـظ°لِمِ ظ±لْغَيْبِ وَظ±لشَّهَـظ°دَةِ } للجزاء بما ظهر منكم من الأعمال، ووضع الوصف موضع الضمير لتشديد الوعيد فإن علمه سبحانه بجميع أعمالهم الظاهرة والباطنة وإحاطته بأحوالهم البارزة والكامنة مما يوجب الزجر العظيم. وتقديم الغيب على الشهادة قيل: لتحقيق أن نسبة علمه تعالى المحيط إلى سائر الأشياء السر والعلن واحدة على أبلغ وجه وآكده، كيف لا وعلمه تعالى بمعلوماته منزه عن أن يكون بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء وتحققه في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأمور البارزة والكامنة انتهى.

    ولا يخفى عليك أن هذا قول بكون علمه سبحانه بالأشياء حضورياً لا حصولياً. وقد اعترضوا عليه بشمول علمه جل وعلا الممتنعات والمعدومات الممكنة والعلم الحضوري يختص بالموجودات العينية لأنه حضور المعلوم بصورته العينية عند العالم فكيف لا يختلف الحال فيه بين الأمور البارزة والكامنة مع أن الكامنة تشمل المعدومات الممكنة والممتنعة، ولا يتصور فيها التحقق في نفسها حتى يكون علماً له تعالى كذا قيل وفيه نظر، وتحقيق علم الواجب سبحانه بالأشياء من المباحث المشكلة والمسائل المعضلة التي كم تحيرت فيها أفهام وزلت من العلماء الأعلام أقدام

    ملحوظة

    مبحث صفة العلم وحل اشكالاته هو من أعمق المباحث واصعبها وراجع شرح المعالم لابن التلمسانى تفهم

    وقال الرازى

    ثم لما وصفهم بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم، وهو قوله: { رَّضِيَ ظ±للَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } والسبق في الهجرة وصف مناسب للتعظيم، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب، يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله: { رَّضِىَ ظ±للَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } معلل بكونهم سابقين في الهجرة، والعلة ما دامت موجودة، وجب ترتب المعلول عليها، وكونهم سابقين في الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلاً في جميع مدة وجودهم، أو نقول: إنه تعالى قال: { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ } وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان، لأنا نقول: هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر. وأيضاً فعلى هذا التقدير: لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح، وبين سائر الفرق فرق، لأنه تعالى: { أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ } ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب، لو صاروا مؤمنين، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء، فسقط هذا السؤال. فظهر أن هذه الآية دالة على فضل أبي بكر، وعلى صحة القول بإمامته قطعاً. المسألة الثانية: اختلفوا في أن المدح الحاصل في هذه الآية هل يتناول جميع الصحابة أم يتناول بعضهم؟ فقال قوم: إنه يتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة، وعلى هذا فهو لا يتناول إلا قدماء الصحابة، لأن كلمة { مِنْ } تفيد التبعيض، ومنهم من قال: بل يتناول جميع الصحابة، لأن جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة { مِنْ } في قوله: { مِنَ ظ±لْمُهَـظ°جِرِينَ وَظ±لأَنْصَـظ°رِ } ليست للتبعيض، بل للتبيين، أي والسابقون الأولون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصاراً كما في قوله تعالى:
    { فَظ±جْتَنِبُواْ ظ±لرّجْسَ مِنَ ظ±لأَوْثَـظ°نِ }
    [الحج: 30] وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول،

    ملحوظة

    هل كان الله راضي عن سيدنا عمر قبل اسلامه؟

  15. #300
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,321
    قال الرازى

    البحث الثاني: لقائل أن يقول: قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيء مخلوطاً. فما المخلوط به. وجوابه أن الخلط عبارة عن الجمع المطلق، وأما قولك خلطته، فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد منهما بالآخر، ويتغير كل واحد منهما بسبب تلك المخالطة عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن. واللائق بهذا الموضع هو الجمع المطلق، لأن العمل الصالح والعمل السيء إذا حصلا بقي كل واحد منهما كما كان على مذهبنا، فإن عندنا القول بالإحباط باطل، والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب، والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب، فقوله تعالى: { خَلَطُواْ عَمَلاً صَـظ°لِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً } فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر، ومما يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيء بالمخالطة. والمختلطان لا بد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما، لأن الاختلاط صفة للمختلطين، وحصول الصفة حال عدم الموصوف محال، فدل على بقاء العملين حال الاختلاط..

    البحث الثاني: قال أصحابنا قوله: { عَسَى ظ±للَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } صريح في أن التوبة لا تحصل إلا من خلق الله تعالى، والعقل أيضاً دليل عليه، لأن الأصل في التوبة الندم، والندم لا يحصل باختيار العبد لأن إرادة الفعل والترك إن كانت فعلاً للعبد افتقر في فعلها إلى إرادة أخرى، وأيضاً فإن الإنسان قد يكون عظيم الرغبة في فعل معين، ثم يصير عظيم الندامة عليه، وحال كونه راغباً فيه لا يمكنه دفع تلك الرغبة عن القلب، وحال صيرورته نادماً عليه لا يمكنه دفع تلك الندامة عن القلب، فدل هذا على أنه لا قدرة للعبد على تحصل الندامة، وعلى تحصيل الرغبة، قالت المعتزلة: المراد من قوله: يتوب الله أنه يقبل توبته.
    والجواب: أن الصرف عن الظاهر إنما يحسن، إذا ثبت بالدليل أنه لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، أما ههنا، فالدليل العقلي أنه لا يمكن إجراء اللفظ إلا على ظاهره، فكيف يحسن التأويل. البحث الثالث: قوله: { عَسَى ظ±للَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } يقتضي أن هذه التوبة إنما تحصل في المستقبل....

    وقال الالوسي

    والحق أن اختلاط أحد الشيئين بالآخر مستلزم لاختلاط الآخر به وأما خلط أحدهما بالآخر فلا يستلزم خلط الآخر به لأن خلط الماء باللبن مثلاً معناه أن يقصد الماء أولاً ويجعل مخلوطاً باللبن وظاهر أنه لا يستلزم أن يقصد اللبن أولاً بل ينافيه، فعلى هذا معنى خلط العمل الصالح بالسيء أنهم أتوا أولاً بالصالح ثم استعقبوه سيئاً ومعنى خلط السيء بالصالح أنهم أتوا أولاً بالسيء ثم أردفوه بالصالح، وإلى هذا يشير كلام السكاكي حيث جعل تقدير الآية خلطوا عملاً صالحاً بسيء وآخر سيئاً بصالح أي تارة أطاعوا واحبطوا الطاعة بكبيرة وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة وهو ظاهر في أن العمل الصالح / والسيء في أحد الخلطين غيرهما في الخلط الآخر، وكلام الزمخشري ظاهر في اتحادهما وفيه ما فيه، ولذلك رجح ما ذهب إليه السكاكي لكن ما ذكره من الإحباط ميل إلى مذهب المعتزلة. وادعى بعضهم أن ما في الآية نوع من البديع يسمى الاحتباك والأصل خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيء وخلطوا آخر سيئاً بعمل صالح، وهو خلاف الظاهر.

    وقال الرازى

    قوله: { وَيَأْخُذُ ظ±لصَّدَقَـظ°تِ } تشريف عظيم لهذه الطاعة، والأخبار فيه كثيرة عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن الله يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا طيباً وأنه يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها كما يربى أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد " وقال عليه السلام: " والذي نفس محمد بيده ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة فتصل إلى الذي يتصدق بها عليه حتى تقع في كف الله " ولما روى الحسن هذين الخبرين قال: ويمين الله وكفه وقبضته لا توصف
    { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء }
    [الشورى: 11] واعلم أن لفظ اليمين والكف من التقديس.

    { وَقُلِ ظ±عْمَلُواْ فَسَيَرَى ظ±للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَظ±لْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىظ° عَالِمِ ظ±لْغَيْبِ وَظ±لشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية: دلت الآية على مسائل أصولية.الحكم الأول إنها تدل على كونه تعالى رائياً للمرئيات، لأن الرؤية المعداة إلى مفعول واحد، هي الإبصار، والمعداة إلى مفعولين هي العلم، كما تقول رأيت زيداً فقيهاً، وههنا الرؤية معداة إلى مفعول واحد فتكون بمعنى الإبصار، وذلك يدل على كونه مبصراً للأشياء كما أن قول إبراهيم عليه السلام:
    { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ }
    [مريم: 42] يدل على كونه تعالى مبصراً ورائياً للأشياء، ومما يقوي أن الرؤية لا يمكن حملها ههنا على العلم أنه تعالى وصف نفسه بالعلم بعد هذه الآية فقال: { وَسَتُرَدُّونَ إِلَىظ° عَـظ°لِمِ ظ±لْغَيْبِ وَظ±لشَّهَـظ°دَةِ } ولو كانت هذه الرؤية هي العلم لزم حصول التكرير الخالي عن الفائدة وهو باطل.

    الحكم الثاني مذهب أصحابنا أن كل موجود فإنه يصح رؤيته، واحتجوا عليه بهذه الآية وقالوا: قد دللنا على أن الرؤية المذكورة في هذه الآية معداة إلى مفعول واحد، والقوانين اللغوية شاهدة بأن الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها الإبصار. فكانت هذه الرؤية معناها الإبصار. ثم إنه تعالى عدى هذه الرؤية إلى عملهم والعمل ينقسم إلى أعمال القلوب، كالإرادات والكراهات والأنظار. وإلى أعمال الجوارح، كالحركات والسكنات. فوجب كونه تعالى رائياً للكل وذلك يدل على أن هذه الأشياء كلها مرئية لله تعالى، وأما الجبائي فإنه كان يحتج بهذه الآية على كونه تعالى رائياً للحركات والسكنات والاجتماعات والافتراقات، فلما قيل له: إن صح هذا الاستدلال، فيلزمك كونه تعالى رائياً لأعمال القلوب، فأجاب عنه أنه تعالى عطف عليه قوله: { وَرَسُولُهُ وَظ±لْمُؤْمِنُونَ } وهم إنما يرون أفعال الجوارح، فلما تقيدت هذه الرؤية بأعمال الجوارح في حق المعطوف وجب تقييدها بهذا القيد في حق المعطوف عليه، وهذا بعيد لأن العطف لا يفيد إلا أصل التشريك. فأما التسوية في كل الأمور فغير واجب، فدخول التخصيص في المعطوف، لا يوجب دخول التخصيص في المعطوف عليه، ويمكن الجواب عن أصل الاستدلال فيقال: رؤية الله تعالى حاصلة في الحال. والمعنى الذي يدل عليه لفظ الآية وهو قوله: { فَسَيَرَى ظ±للَّهُ عَمَلَكُمْ } أمر غير حاصل في الحال، لأن السين تختص بالاستقبال. فثبت أن المراد منه الجزاء على الأعمال. فقوله: { فَسَيَرَى ظ±للَّهُ عَمَلَكُمْ } أي فسيوصل لكم جزاء أعمالكم. ولمجيب أن يجيب عنه، بأن إيصال الجزاء إليهم مذكور بقوله: { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فلو حملنا هذه الرؤية على إيصال الجزاء لزم التكرار، وأنه غير جائز. المسألة الثالثة: في قوله: { فَسَيَرَى ظ±للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَظ±لْمُؤْمِنُونَ } سؤال: وهو أن عملهم لا يراه كل أحد، فما معنى هذا الكلام؟ والجواب: معناه وصول خبر ذلك العمل إلى الكل. قال عليه السلام " لو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان ...

    ملحوظة

    راجع السنوسية الكبري فى مبحث استدلال الاشاعرة بقاعدة كل موجود يصح ان يري واشكالات الرازى عليها ومناقشتها

    وقال ابن كثير

    وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس، كائناً ما كان " وقد ورد أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي حدثنا الصلت بن دينار عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيراً، استبشروا به، وإن كان غير ذلك، قالوا اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك " وقال الإمام أحمد أنبأنا عبد الرزاق عن سفيان عمن سمع أنساً يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً، استبشروا به، وإن كان غير ذلك، قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا "

    ملحوظة

    ورد فى السنة عرض الاعمال علي الله والرسول والمؤمنين

    تُعرَضُ الأعمالُ في كلِّ يومِ خميسٍ واثنينِ ، فيغفرُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ في ذلِكَ اليومِ ، لِكُلِّ امرئٍ لا يشرِكُ باللَّهِ شيئًا ، إلَّا امرأً كانت بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ ، فيُقالُ : ارْكوا هذَينِ حتَّى يصطلِحا ، ارْكوا هذَينِ حتَّى يصطلِحا .

    إنَّ للهِ ملائكةً سيَّاحينَ يبلغون عن أمَّتي السَّلامَ قال وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم .

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •