صفحة 2 من 30 الأولىالأولى 12345612 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 442

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِظ±لآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }

    المقصود بانزال القرآن وكيفية تلقي سيدنا جبريل له

    قبل ان نذكر اقوال المفسرين فى ذلك

    من الامور التى افكر فيها هى كيفية تلقي سيدنا جبريل للقرآن من الله فعلي قول الماتريدية سهل تعقله بخلق صوت وحرف مسموع اما علي قول الاشاعرة بسماع الازلي فيحتاج لمزيد تأمل وتفكر

    قال الرازى فى تفسير الاية

    وَظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } ففيه مسائل المسألة الأولى لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد منه التصديق، فإذا قلنا فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به ولا يكون المراد أنه صام وصلى، فالمراد بالإيمان ها هنا التصديق بالأَتفاق لكن لا بدّ معه من المعرفة لأن الإيمان ها هنا خرج مخرج المدح والمصدق مع الشك لا يأمن أن يكن كاذباً فهو إلى الذم أقرب.

    المسألة الثانية المراد من إنزال الوحي وكون القرآن منزلاً، ومنزلاً، ومنزولاً به، أن جبريل عليه السلام سمع في السماء كلام الله تعالى فنزل على الرسول به، وهذا كما يقال نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل لكن المستمع يسمع الرسالة من علو فينزل ويؤدي في سفل. وقوله الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه، ويقال فلان ينقل الكلام إذا سمع في موضع وأداه في موضع آخر.

    فإن قيل كيف سمع جبريل كلام الله تعالى، وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم؟ قلنا يحتمل أن يخلق الله تعالى له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم،

    ويجوز أن يكون الله خلق في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص فقرأه جبريل عليه السلام فحفظه،

    ويجوز أن يخلق الله أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلفقه جبريل عليه السلام ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم.

    وقال الالوسي

    وذكر أن معنى إنزال القرآن أن جبريل سمع كلام الله تعالى كيف شاء الله تعالى فنزل به أو أظهره في اللوح كتابة فحفظه الملك وأداه بأي نوع كان من الأداء. وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه الذي نجزم به من غير بحث عن كيفيته.

  2. #17
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { أُوْلَـظ°ئِكَ عَلَىظ° هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْمُفْلِحُونَ }

    قال الرازى

    المسألة السابعة هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه، والمرجئة من وجه آخر. أما الوعيدية فمن وجهين الأول أن قوله { وَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْمُفْلِحُونَ } يقتضي الحصر، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحاً، وذلك يوجب القطع على وعيد تارك الصلاة والزكاة. الثاني أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم فيلزم أن تكون علة الفلاح هي فعل الإيمان والصلاة والزكاة، فمن أخل بهذه الأشياء لم يحصل له علة الفلاح، فوجب أن لا يحصل الفلاح. أما المرجئة فقد احتجوا بأن الله حكم بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكروة في هذه الآية فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحاً وإن زنى وسرق وشرب الخمر، وإذا ثبت في هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم ضرورة، إذ لا قائل بالفرق. والجواب أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر فيتساقطان، ثم الجواب عن قول الوعيدية أن قوله { وَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْمُفْلِحُونَ } يدل على أنهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح، ونحن نقول بموجبه، فإنه كيف يكون كاملاً في الفلاح وهو غير جازم بالخلاص من العذاب، بل يجوز له أن يكون خائفاً منه، وعن الثاني أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب، فعندنا من أسباب الفلاح عفو الله تعالى. والجواب عن قول المرجئة أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل الثواب لأنه يتضمن إتقاء المعاصي، وإتقاء ترك الواجبات والله أعلم.

    وقال الالوسي

    وتشبث المعتزلة والخوارج بهذه الآية لخلود تارك الواجب في العذاب لأن قصر جنس الفلاح على الموصوفين يقتضي انتفاء الفلاح عن تارك الصلاة والزكاة فيكون مخلداً في العذاب وهذا أوهن من بيت العنكبوت فلا يصلح للاستدلال لأن الفلاح عدم الدخول أو لأن انتفاء كمال الفلاح كما يقتضيه السياق، والسباق لا يقتضي انتفاءه مطلقاً ولا حاجة إلى حمل المتقين على المجتنبين للشرك ليدخل العاصي فيهم لأن الإشارة ليست إليهم فقط فلا يجدي نفعاً ككون الصفة مادحة كما لا يخفى، وهظ°هنا سر دقيق وهو أنه سبحانه وتعالى حكى في مفتتح كتابه الكريم مدح العبد لباريه بسبب إحسانه إليه وترقى فيه ثم مدح الباري هنا عبده بسبب هدايته له وترقى فيه على أسلوب واحد فسبحانه من آله ماجد كم أسدى جميلاً، وأعطى جزيلاً، وشُكر قليلاً، فله الفضل بلا وعد، وله الحمد بلا حد.

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }


    قال الرازى

    المسألة الثانية قوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي والأخبار عن الشيء بصيغة الماضي يقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار، إذا عرفت هذا فنقول احتجت المعتزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماضٍ مثل قوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } أو
    { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ظ±لذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـظ°فِظُونَ }
    الحجر 9،
    { إِنَّا أَنزَلْنَـظ°هُ فِى لَيْلَةِ ظ±لْقَدْر }
    القدر 1،
    { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحا }
    نوح 1 على أن كلام الله محدث سواء كان الكلام هذه الحروف والأصوات أو كان شيئاً آخر. قالوا لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقاً إلا إذا كان مسبوقاً بالخبر عنه، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً فيجب أن يكون محدثاً، أجاب القائلون بقدم الكلام عنه من وجهين الأول أن الله تعالى كان في الأزل عالماً بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علماً بأنه قد حدث في الماضي ولم يلزم حدوث علم الله تعالى، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إن خبر الله تعالى في الأزل كان خبراً بأنهم سيكفرون فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبراً عن أنهم قد كفروا ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى.

    الثاني أن الله تعالى قال
    { لَتَدْخُلُنَّ ظ±لْمَسْجِدَ ظ±لْحَرَامَ }
    الفتح 27 فلما دخلوا المسجد لا بدّ وأن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا مثله؟ أجاب المستدل أولاً عن السؤال الأول فقال عند أبي الحسين البصري وأصحابه العلم يتغير عند تغير المعلومات، وكيف لا والعلم بأن العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان ذلك جهلاً لا علماً، وإذا كان كذلك وجب تغير ذلك العلم، وعلى هذا سقطت هذه المعارضة. وعن الثاني أن خبر الله تعالى وكلامه أصوات مخصوصة، فقوله تعالى { لَتَدْخُلُنَّ ظ±لْمَسْجِدَ ظ±لْحَرَامَ } معناه أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام في الوقت المتقدم على دخول المسجد لا أنه تكلم به بعد دخول المسجد، فنظيره في مسألتنا أن يقال إن قوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } تكلم الله تعالى به بعد صدور الكفر عنهم لا قبله إلا أنه متى قيل ذلك كان اعترافاً بأن تكلمه بذلك لم يكن حاصلاً في الأزل وهذا هو المقصود، أجاب القائلون بالقدم بأنا لو قلنا إن العلم يتغير بتغير المعلوم لكنا إما أن نقول بأن العالم سيوجد كان حاصلاً في الأزل أو ما كان، فإن لم يكن حاصلاً في الأزل كان ذلك تصريحاً بالجهل. وذلك كفر، وإن قلنا إنه كان حاصلاً فزواله يقتضي زوال القديم، وذلك سد باب إثبات حدوث العالم والله أعلم

    ملحوظة

    اعلم اخى الحبيب لهذه الشبهة التى طرحها المعتزلة تفرق اهل السنة الي قائل بان الكلام الازلي يتضمن الامر والنهى و.......وهذا قول الاشعرى والجمهور

    وذهب الامام ابن كلاب الي ان هذا يكون فى مالم يزل فرده الي صفات الافعال

    وذهب الرازى الي ارجاع الكل للخبر فى الازل وضعف التفتازانى فى شرح المقاصد هذا

    بعد بحث طويل وعميق لها ليس هنا محل بسطه

    انظر كلام التفتازانى

    20170429_142532.png

    نستكمل مع الرازى

    المسألة الثالثة قوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } صيغة للجمع مع لام التعريف وهي للاستغراق بظاهره ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر، لأن كثيراً من الكفار أسلموا فعلمنا أن الله تعالى قد يتكلم بالعام ويكون مراده الخاص، إما لأجل أن القرينة الدالة على أن المراد من ذلك العموم ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فحسن ذلك لعدم التلبيس وظهور المقصود، ومثاله ما إذا كان للإنسان في البلد جمع مخصوص من الأعداء، فإذا قال «إن الناس يؤذونني» فهم كل أحد أن مراده من الناس ذلك الجمع على التعيين، وإما لأجل أن التكلم بالعام لإرادة الخاص جائز وإن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق لاحتمال أن المراد منها هو الخاص وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا جرم حسن ذلك، وأقصى ما في الباب أن يقال لو وجدت هذه القرينة لعرفناها وحيث لم نعرفها علمنا أنها ما وجدت إلا أن هذا الكلام ضعيف، لأن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود من أضعف الإمارات المفيدة للظن فضلاً عن القطع، وإذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف والله أعلم ومن المعتزلة من احتال في دفع ذلك فقال إن قوله إن الذين كفروا لا يؤمنون كالنقيض لقوله إن الذين كفروا يؤمنون، وقوله إن الذين كفروا يؤمنون لا يصدق إلا إذا آمن كل واحد منهم، فإذا ثبت أنه في جانب الثبوت يقتضي العموم وجب أن لا يتوقف في جانب النفي على العموم بل يكفي في صدقه أن لا يصدر الإيمان عن واحد منهم لأنه متى لم يؤمن واحد من ذلك الجمع ثبت أن ذلك الجمع لم يصدر منهم الإيمان، فثبت أن قوله إن الذين كفروا لا يؤمنون يكفي في إجرائه على ظاهره أن لا يؤمن واحد منهم فكيف إذا لم يؤمن الكثير منهم والجواب أن قوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } صيغة الجمع وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } أيضاً صيغة جمع والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد فمعناه أن كل واحد منهم لا يؤمن وحينئذٍ يعود الكلام المذكور....

    وقال الالوسي

    واستدل المعتزلة بهذه الآية ونحوها على حدوث كلامه سبحانه وتعالى لاستدعاء صدق الأخبار بمثل هذا الماضي سابقة المخبر عنه أعني النسبة بالزمان وكل مسبوق بالزمان حادث، وأجيب بأن سبق المخبر عنه يقتضي تعلق كلامه الأزلي بالمخبر عنه فاللازم سبق المخبر عنه على التعلق وحدوثه وهو لا يستلزم حدوث الكلام كما في علمه تعالى بوقوع الأشياء فإن له تعلقاً حادثاً مع عدم حدوثه أو يقال إن ذاته تعالى وصفاته/ لما لم تكن زمانية يستوي إليها جميع الأزمنة استواء جميع الأمكنة فالأنواع كل منها حاضر عنده في مرتبته واختلاف التعبيرات بالنظر إلى المخاطب الزماني رعاية للحكمة في باب التفهيم، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره،

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    نقاش بين اهل السنة والمعتزلة فى الاية

    قال الرازى

    المسألة الثانية احتج أهل السنّة بهذه الآية وكل ما أشبهها من قوله


    { لَقَدْ حَقَّ ظ±لْقَوْلُ عَلَىظ° أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ }
    يغ¤س 7 وقوله
    { ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً }
    المدثر 11 إلى قوله
    { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً }
    المدثر 17 وقوله
    { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ }
    المسد 1 على تكليف ما لا يطاق،

    وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر لله تعالى الصدق كذباً، والكذب عند الخصم قبيح وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة، وهما محالان على الله، والمفضي إلى المحال محال، فصدور الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال،

    وقد يذكر هذا في صورة العلم، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله تعالى جهلاً، وذلك محال ومستلزم المحال محال. فالأمر واقع بالمحال.

    ونذكر هذا على وجه ثالث وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقاً لو حصل عدم الإيمان، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً وهو محال، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود، وكل ذلك محال

    ونذكر هذا على وجه رابع وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان ألبتة، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات،

    ونذكر هذا على وجه خامس وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه في قوله
    { يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلَـظ°مَ ظ±للَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ ظ±للَّهُ مِن قَبْلُ }
    الفتح 15 فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله تعالى، وذلك منهي عنه. ثم ههنا أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، وترك محاولة الإيمان يكون أيضاً مخالفة لأمر الله تعالى، فيكون الذم حاصلاً على الترك والفعل،

    فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع،

    وهذا هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال. ولقد كان السلف والخلف من المحققين معولين عليه في دفع أصول المعتزلة وهدم قواعدهم، ولقد قاموا وقعدوا واحتالوا على دفعه فما أتوا بشيء مقنع،

    وأنا أذكر أقصى ما ذكروه بعون الله تعالى وتوفيقه قالت المعتزلة

    لنا في هذه الآية مقامان المقام الأول بيان أنه لا يجوز أن يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعاً من الإيمان،

    والمقام الثاني بيان الجواب العقلي على سبيل التفصيل،

    أما المقام الأول فقالوا الذي يدل عليه وجوه أحدها أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أنه لا مانع لأحد من الإيمان قال

    { وَمَا مَنَعَ ظ±لنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ظ±لْهُدَىظ° }
    الإسراء 94 وهو إنكار بلفظ الاستفهام ومعلوم أن رجلاً لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ثم يقول ما منعك من التصرف في حوائجي كان ذلك منه مستقبحاً وكذا قوله
    { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ }
    الأعراف 12 وقوله لإبليس
    { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ }
    النساء 39 وقول موسى لأخيه
    { مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ }
    طه 92 وقوله
    { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    الانشقاق 20
    { فَمَا لَهُمْ عَنِ ظ±لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }
    المدثر 49
    { عَفَا ظ±للَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ }
    التوبة 43
    { لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ظ±للَّهُ لَكَ }
    التحريم 1 قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب كيف يأمره بالإيمان وقد منعه عنه؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول أنى تصرفون؟ ويخلق فيهم الإفك ثم يقول أنى تؤفكون؟ وأنشأ فيهم الكفر ثم يقوم لم تكفرون؟ وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول
    { لِمَ تَلْبِسُونَ ظ±لْحَقَّ بِظ±لْبَـظ°طِلِ }
    آل عمران 71 وصدهم عن السبيل ثم يقول
    { لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ظ±للَّه }
    آل عمران 99 وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ } وذهب بهم عن الرشد ثم قال
    { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ }
    التكوير 26 وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال
    { فَمَا لَهُمْ عَنِ ظ±لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }
    المدثر 49 وثانيها أن الله تعالى قال
    { رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ظ±للَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ظ±لرُّسُلِ }
    السناء 165 وقال
    { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـظ°هُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـظ°تِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىظ° }
    طه 134 فلما بين أنه ما أبقي لهم عذراً إلا وقد أزاله عنهم، فلو كان علمه بكفرهم وخبره عن كفرهم مانعاً لهم عن الإيمان لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة للعقاب عنهم فلما لم يكن كذلك علمنا أنه غير مانع.

    وثالثها أنه تعالى حكى عن الكفار في سورة «حغ¤م السجدة» أنهم قالوا قلوبنا في أكنه مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر، وإنما ذكر الله تعالى ذلك ذماً لهم في هذا القول، فلو كان العلم مانعاً لكانوا صادقين في ذلك فلم ذمهم عليه؟

    ورابعها أنه تعالى أنزل قوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } إلى آخره ذماً لهم وزجراً عن الكفر وتقبيحاً لفعلهم، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم البتة، بل كانوا معذورين كما يكون الأعمى معذوراً في أن لا يمشي.

    وخامسها القرآن إنما أنزل ليكون حجة لله ولرسوله عليهم، لا أن يكون لهم حجة على الله وعلى رسوله، فلو كان العلم والخبر مانعاً لكان لهم أن يقولوا إذا علمت الكفر وأخبرت عنه كان ترك الكفر محالاً منا، فلم تطلب المحال منا ولم تأمرنا بالمحال؟ ومعلوم أن هذا مما لا جواب لله ولا لرسوله عنه لو ثبت أن العلم والخبر يمنع

    وسادسها قوله تعالى

    { نِعْمَ ظ±لْمَوْلَىظ° وَنِعْمَ ظ±لنَّصِيرُ }
    الأنفال 40 ولو كان مع قيام المانع عن الإيمان كلف به لما كان نعم المولى، بل كان بئس المولى ومعلوم أن ذلك كفر، قالوا فثبت بهذه الوجوه أنه ليس عن الإيمان والطاعة مانع البتة، فوجب القطع بأن علم الله تعالى بعدم الإيمان وخبره عن عدمه لا يكون مانعاً عن الإيمان.

    المقام الثاني قالوا إن الذي يدل على أن العلم بعدم الإيمان لا يمنع من وجود الإيمان وجوه أحدها أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء لأن الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع، والذي علم عدم وقوعه يكون ممتنع الوقوع، والواجب لا قدرة له عليه لأنه إذا كان واجب الوقوع، لا بالقدرة فسواء حصلت القدرة أو لم تحصل كان واجب الوقوع، والذي يكون كذلك لم يكن للقدرة فيه أثر، وأما الممتنع فلا قدرة عليه، فيلزم أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء أصلاً، وذلك كفر بالاتفاق فثبت أن العلم بعدم الشيء لا يمنع من إمكان وجوده.

    وثانيها أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، فإن كان ممكناً علمه ممكناً وإن كان واجباً علمه واجباً، ولا شك أن الإيمان والكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم مؤثراً في المعلوم، وقد بينا أنه محال.

    وثالثها لو كان الخبر والعلم مانعاً لما كان العبد قادراً على شيء أصلاً لأن الذي علم الله تعالى وقوعه كان واجب الوقوع، والواجب لا قدرة عليه والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدره عليه، فوجب أن لا يكون العبد قادراً على شيء أصلاً، فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات، والحركات الاضطرارية للحيوانات، لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك، فإن رمى إنسان إنساناً بالآجرة حتى شجه فإنا نذم الرامي ولا نذم الآجرة، وندرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار ولذلك فإن العقلاء ببداءة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسيء، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون ويقولون لم فعلت ولم تركت؟ فدل على أن العلم والخبر غير مانع من الفعل والترك.

    ورابعها لو كان العلم بالعدم مانعاً للوجود لكان أمر الله تعالى للكافر بالإيمان أمراً بإعدام علمه، وكما أنه لا يليق به أن يأمر عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم، بأن يعدموا علمه لأن إعدم ذات الله وصفاته غير معقول، والأمر به سفه وعبث، فدل على أن العلم بالعدم لا يكون مانعاً من الوجود.

    وخامسها أن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات الجائزات نظراً إلى ذاته وعينه، فوجب أن يعلمه الله تعالى من الممكنات الجائزات، إذ لو لم يعلمه كذلك لكان ذلك العلم جهلاً، وهو محال، وإذا علمه الله تعالى من الممكنات الجائزات التي لا يمتنع وجودها وعدمها البتة، فلو صار بسبب العلم واجباً لزم أن يجتمع على الشيء الواحد كونه من الممكنات، وكونه ليس من الممكنات وذلك محال.

    وسادسها أن الأمر بالمحال سفه وعبث، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده أيضاً بكل أنواع السفه، فما كان يمتنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذبين ولا إنزال الأكاذيب والأباطيل، وعلى هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء ولا بصحة القرآن، بل يجوز أن يكون كله كذباً وسفهًا، ولما بطل ذلك علمنا أن العلم بعدم الإيمان والخبر عن عدم الإيمان لا يمنع من الإيمان

    . وسابعها أنه لو جاز ورود الأمر بالمحال في هذه الصورة لجاز ورود أمر الأعمى بنقط المصاحف. والمزمن بالطيران في الهواء، وأن يقال لمن قيد يداه ورجلاه وألقي من شاهق جبل لم لا تطير إلى فوق؟ ولما لم يجز شيء من ذلك في العقول علمنا أنه لا يجوز الأمر بالمحال، فثبت أن العلم بالعدم لا يمنع من الوجود، وثامنها لو جاز ورود الأمر بذلك لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات وإنزال الكتب عليها، وإنزال الملائكة لتبليغ التكاليف إليها حالاً بعد حال، ومعلوم أن ذلك سخرية وتلاعب بالدين. وتاسعها أن العلم بوجود الشيء لو اقتضى وجوبه لأغنى العلم عن القدرة والإرادة، فوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً مريداً مختاراً، وذلك قول الفلاسفة القائلين بالموجب. وعاشرها الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم يوجد، قال الله تعالى
    { لاَ يُكَلّفُ ظ±للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }
    البقرة 286 وقال
    { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ظ±لدّينِ مِنْ حَرَجٍ }
    الحج 78 وقال
    { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَظ±لاْغْلَـظ°لَ ظ±لَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ }
    الأعراف 157 وأي حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال

    المقام الثالث الجواب على سبيل التفصيل، للمعتزلة فيه طريقان الأول طريقة أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار، فإنا لما قلنا لو وقع خلاف معلوم الله تعالى لانقلب علمه جهلاً قالوا خطأ قول من يقول إنه ينقلب علمه جهلاً، وخطأ أيضاً قول من يقول إنه لا ينقلب، ولكن يجب الإمساك عن القولين والثاني طريقة الكعبي واختيار أبي الحسين البصري أن العلم تبع المعلوم، فإذا فرضت الواقع من العبد من الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل لله تعالى هو العلم بالإيمان، ومتى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلاً عن الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلاً عن الإيمان، فهذا فرض علم بدلاً عن علم أخر، لا أنه تغير العلم.

    فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد جمهور المعتزلة. واعلم أن هذا المبحث صار منشأ لضلالات عظيمة فمنها أن منكري التكاليف والنبوات قالوا قد سمعنا كلام أهل الجبر فوجدناه قوياً قاطعاً، وهذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة ولا يلتفت العاقل إليهما، وسمعنا كلام المعتزلة في أن مع القول بالجبر لا يجوز التكليف ويقبح، والجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جداً فصار مجموع الكلامين كلاماً قوياً في نفي التكاليف، ومتى بطل ذلك بطل القول بالنبوات. ومنها أن الطاعنين في القرآن قالوا الذي قاله المعتزلة من الآيات الكثيرة الدالة على أنه لا منع من الإيمان ومن الطاعة فقد صدقوا فيه، والذي قاله الجبرية من أن العلم بعدم الإيمان مانع منه فقد صدقوا فيه، فدل على أن القرآن ورد على ضد العقل وعلى خلافه، وذلك من أعظم المطاعن وأقوى القوادح فيه، ثم من سلم من هؤلاء أن هذا القرآن هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم توسل به إلى الطعن فيه، وقال قوم من الرافضة إن هذا الذي عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به محمد بل غير وبدل. والدليل عليه اشتماله على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب هذه المناظرة الدائرة بين أهل الجبر وأهل القدر. ومنها أن المقلدة الطاعنين في النظر والاستدلال احتجوا بهذه المناظرة وقالوا لو جوزنا التمسك بالدلائل العقلية لزم القدح في التكليف والنبوة بسبب هذه المناظرة، فإن كلام أهل الجبر في نهاية القوة في إثبات الجبر، وكلام أهل القدر في بيان أنه متى ثبت الجبر بطل التكليف بالكلية في نهاية القوة، فيتولد من مجموع الكلامين أعظم شبهة في القدح والتكليف والنبوة، فثبت أن الرجوع إلى العقليات يورث الكفر والضلال، وعند هذا قيل من تعمق في الكلام تزندق. ومنها أن هشام بن الحكم زعم أنه سبحانه لا يعلم الأشياء قبل وقوعها وجوز البداء على الله تعالى وقال إن قوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } إنما وقع على سبيل الاستدلال بالأمارة، ويجوز له أن يظهر خلاف ما ذكره، وإنما قال بهذا المذهب فراراً من تلك الإشكالات المتقدمة.

    واعلم أن جملة الوجوه التي رويناها عن المعتزلة كلمات لا تعلق لها بالكشف عن وجه الجواب. بل هي جارية مجرى التشنيعات. فأما الجوابان اللذان عليهما اعتماد القوم ففي نهاية الضعف. أما قول أبي علي وأبي هشام والقاضي خطأ قول من يقول إنه يدل، وخطأ قول من يقول إنه لا يدل إن كان المراد منه الحكم بفساد القسمين كان ذلك حكماً بفساد النفي والإثبات وذلك لا يرتضيه العقل وإن كان معناه أن أحدهما حق لكن لا أعرف أن الحق هو أنه يدل أو لا يدل كفى في دفعه تقرير وجه الاستدلال، فإنا لما بينا أن العلم بالعدم لا يحصل إلا مع العدم، فلو حصل الوجود معه لكان قد اجتمع العدم والوجود معاً ولا يتمكن العقل من تقرير كلام أوضح من هذا وأقل مقدمات فيه.

    وأما قول الكعبي ففي نهاية الضعف، لأنا وإن كنا لا ندري أن الله تعالى كان في الأزل عالماً بوجود الإيمان أو بعدمه لكنا نعلم أن العلم بأحد هذين الأمرين كان حاصلاً، وهو الآن أيضاً حاضر، فلو حصل مع العلم بأحد النقيضين ذلك النقيض الآخر لزم اجتماع النقيضين، ولو قيل بأن ذلك العلم لا يبقى كان ذلك اعترافاً بانقلاب العلم جهلاً، وهذا آخر الكلام في هذا البحث.

    وقال الالوسي

    وقد احتج بهذه الآية وأمثالها من قال بوقوع التكليف بالممتنع لذاته بناءً على أن يراد بالموصول ناس بأعيانهم، وحاصل الاستدلال أنه سبحانه وتعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان وهو ممتنع إذ لو كان ممكناً لما لزم من فرض وقوعه محال لكنه لازم إذ لو آمنوا انقلب خبره كذباً وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون لكونه مما جاء به صلى الله عليه وسلم وإيمانهم بأنهم لا يؤمنون فرع اتصافهم بعدم الإيمان فيلزم اتصافهم بالإيمان وعدم الإيمان فيجتمع الضدان، وكلا الأمرين من انقلاب خبره تعالى كذباً واجتماع الضدين محال وما يستلزم المحال محال وأجيب بأن إيمانهم ليس من المتنازع فيه لأنه أمر ممكن في نفسه وبإخباره سبحانه وتعالى بعدم الإيمان لا يخرج من الإمكان، غايته أنه يصير ممتنعاً بالغير واستلزام وقوعه الكذب أو اجتماع الضدين بالنظر إلى ذلك لأن إخباره تعالى بوقوع الشيء أو عدم وقوعه لا ينفي القدرة عليه ولا يخرجه من الإمكان الذاتي لامتناع الانقلاب وإنما ينفي عدم وقوعه أو وقوعه فيصير ممتنعاً بالغير واللازم للممكن أن لا يلزم من فرض وقوعه نظراً إلى ذاته محال، وأما بالنظر إلى امتناعه بالغير فقد يستلزم الممتنع بالذات كاستلزام عدم المعلول الأول عدم الواجب.


    وقيل في بيان استحالة إيمانهم بأنهم لا يؤمنون أنه تكليف بالنقيضين لأن التصديق في الإخبار بأنهم لا يصدقونه في شيء يستلزم عدم تصديقهم في ذلك والتكليف بالشيء تكليف بلوازمه، وقوبل بالمنع لا سيما اللوازم العدمية. وقيل لأن تصديقهم في أن لا يصدقوه يستلزم أن لا يصدقوه وما يستلزم وجوده عدمه محال، ورد بأنه يجوز أن يكون ذلك الاستلزام/ لامتناعه بالغير كما فيما نحن فيه، وقيل لأن إذعان الشخص بخلاف ما يجد في نفسه محال. واعترض بأنه يجوز أن لا يخلق الله تعالى العلم بتصديقه فيصدقه في أن لا يصدقه نعم إنه خلاف العادة لكنه ليس من الممتنع بالذات كذا قيل، ولا يخلو المقام بعد عن شيء وأي شيء، والبحث طويل واستيفاؤه هنا كالتكليف بما لا يطاق وسيأتيك إن شاء الله تعالى على أتم وجه.

    ثم فائدة الإندار بعد العلم بأنه لا يثمر استخراج سر ما سبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والإباء في المكلفين
    { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ظ±للَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ظ±لرُّسُلِ }
    [النساء: 165] فإن الله تعالى لو أدخل ابتداء كلا داره التي سبق العلم بأنها داره لكان شأن المعذب منهم ما وصف الله تعالى بقوله:
    { وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاغ¤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىظ° }
    [طه: 134] فأرسل رسلاً مبشرين ومنذرين ليستخرج ما في استعدادهم من الطوع والآباء ـ فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ـ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ـ وتقوم به الحجة على الآخرين إذ بعد الذكرى وتبليغ الرسالة تتحرك الدواعي للطوع والإباء بحسب الاستعداد الأزلي فيترتب عليه الفعل أو الترك بالمشيئة السابقة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت الأزلي فيترتب عليه النفع والضرّ من الثواب والعقل وإنما قامت الحجة على الكافر لأن ما امتنع من الإتيان به بعد بلوغ الدعوة وظهور المعجزة من الإيمان لو كان ممتنعاً لذاته مطلقاً لما وقع من أحد لكنه قد وقع فعلم أن عدم وقوعه منه كان عن إباء ناشىء من استعداده الأزلي باختياره السيء وإن كان إباؤه بخلق الله تعالى به فإن فعل الله تعالى تابع لمشيئته التابعة لعلمه التابع للمعلوم والمعلوم من حيث ثبوته الأزلي غير مجعول فتعلق العلم به على ما هو عليه في ثبوته الغير المجعول مما يقتضيه استعداده الأزلي في الإرادة تعلقت بتخصيص ما سبق العلم به من مقتضى استعداده الأزلي فأبرزته القدرة على طبق الإرادة قال تعالى: { أَعْطَىظ° كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } فلهذا قال:
    { قُلْ فَلِلَّهِ ظ±لْحُجَّةُ ظ±لْبَـظ°لِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }
    [الأنعام: 149] لكنه لم يشأ إذ لم يسبق به العلم لكونه كاشفاً للمعلوم وما في استعداده الأزلي فالمعلوم المستعد للهداية في نفسه كشفه عما هو عليه من قبوله لها، والمستعد للغواية تعلق به على ما هو عليه من عدم قبوله لها فلم يشأ إلا ما سبق به العلم من مقتضيات الاستعداد فلم تبرز القدرة إلا تعالى فصح أن لله الحجة البالغة سبحانه إذا نوزع لأن الله تعالى: { قَدْ أَعْطَىظ° كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } وما يقتضيه استعداده وما نقص منه شيئاً ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:


    " فمن وجد خيراً فليحمد الله " فإن الله متفضل بالإيجاد ولا واجب عليه " ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " لأنه ما أبرز قدرته بجوده ورحمته مما اقتضته الحكمة من الأمر الذي لا خير فيه له إلا لكونه مقتضى استعداده فالحمد لله على كل حال ونعوذ به من أحوال أهل الزيغ والضلال

    ملحوظة

    حديث انما هى اعمالكم الذى ذكره الالوسي كنز لا يفتحه الا اهل الله وبه حل كل باب الكسب والافعال

  5. #20
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ وَعَلَىظ° سَمْعِهِمْ وَعَلَىظ° أَبْصَظ°رِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }

    قال الماتريدى

    وقوله: { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ وَعَلَىظ° سَمْعِهِمْ وَعَلَىظ° أَبْصَظ°رِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }.

    روي عن الحسن: " إن للكافر حدا إذا بلغ ذلك الحد، وعلم الله منه أنه لا يؤمن، طبعَ على قلبه حتى لا يؤمن ".

    وهذا فاسد على مذهب المعتزلة لوجهين:

    أحدهما: أَن مذهبهم أَن الكافر مكلف، وإن كان قلبه مطبوعاً عليه.

    والثاني: أن الله - عز وجل - عالم بكل من يؤمن في آخر عمره، وبكل من لا يؤمن أَبداً، بلغ ذلك الحد أَو لم يبلغ.

    فعلى ما يقوله الحسن إيهام أَنه لا يعلم ما لم يبلغ ذلك.

    والمعتزلةُ يقولون: إن قوله: { خَتَمَ } ، و { طَبَعَ } يُعلم عَلاَمةً في قلبه أَنه لا يؤمن كإعلام الكتب والرسائل.

    ولكن عندنا: خلق ظلمة الكفر في قلبه.

    والثاني: خلق الختم والطبع على قلبه [إذا فَعَل فِعْل الكفر؛ لأَن] فِعْل الكفر من الكافر مخلوق عندنا، فخلق ذلك الختم عليه؛ وهو كقوله:
    { وَجَعَلْنَا عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً }
    [الإسراء: 46] أي: خلق الأَكنة. وغيرهِ من الآيات.

    والأَصل في ذلك: أَنه ختم على قلوبهم لما تركوا التأَمل، والتفكر في قلوبهم فلم يقع، وعلى سمعهم لما لم يسمعوا قول الحق والعدل، خلق الثقل عليه، وخلق على أَبصارهم الغطاءَ لما لم ينظروا في أَنفسهم، ولا في خلق الله ليعرفوا زوالها وفناءَها وتغير الأحوال؛ ليعلموا أن الذي خلق هذا دائِم لا يزول أَبداً.

    وقال الرازى

    اختلف الناس في هذا الختم،

    أما القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر، ثم لهم قولان،

    منهم من قال الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار، ومنهم من قال هو خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكفر، وتقريره أن القادر على الكفر إما أن يكون قادراً على تركه أو لا يكون، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر، فخلق القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر، وإن قدر على الترك كانت نسبة تلك القدرة إلى فعل الكفر وإلى تركه على سواء، فإما أن يكون صيرورتها مصدراً للفعل بدلاً عن الترك يتوقف على انضمام مرجح إليها أولا يتوقف، فإن لم يتوقف فقد وقع الممكن لا عن مرجح، وتجويزه يقتضي القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثر، وذلك يقتضي نفي الصانع وهو محال، وأما إن توقف على المرجح فذلك المرجح إما أن يكون من فعل الله أو من فعل العبد أولا من فعل الله ولا من فعل العبد، لا جائز أن يكون من فعل العبد وإلا لزم التسلسل، ولا جائز أن يكون لا بفعل الله ولا بفعل العبد لأنه يلزم حدوث شيء لا لمؤثر، وذلك يبطل القول بالصانع. فثبت أن كون قدرة العبد مصدراً للمقدور المعين يتوقف على أن ينضم إليها مرجح هو من فعل الله تعالى. فنقول إذا انضم ذلك المرجح إلى تلك القدرة فإما أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر واجباً أو جائزاً أو ممتنعاً، والثاني والثالث، باطل فتعين الأول، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون جائزاً لأنه لو كان جائزاً لكان يصح في العقل أن يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجح تارة مع ذلك الأثر، وأخرى منفكاً عنه، فلنفرض وقوع ذلك لأن كل ما كان جائزاً لا يلزم من فرض وقوعه محال، فذاك المجموع تارة يترتب عليه الأثر، وأخرى لا يترتب عليه الأثر، فاختصاص أحد الوقتين يترتب ذلك الأثر عليه إما أن يتوقف على انضمام قرينة إليه، أو لا يتوقف، فإن توقف كان المؤثر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة، لا ذلك المجموع، وكنا قد فرضنا أن ذلك المجموع هو المستقل خلف هذا، وأيضاً فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني، فإن توقف على قيد آخر لزم التسلسل وهو محال، وإن لم يتوقف فحينئذٍ حصل ذلك المجموع تارة بحيث يكون مصدراً للأثر، وأخرى بحيث لا يكون مصدراً له مع أنه لم يتميز أحد الوقتين عن الآخر بأمر ما ألبتة، فيكون هذا قولاً بترجح الممكن لا عن مرجح وهو محال.

    فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزاً، وأما أنه لا يكون ممتنعاً فظاهر، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحاً للعدم وهو محال، وإذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر واجب الوجود عن المجموع الحاصل من القدرة، ومن ذلك المرجح، وإذا ثبت هذا كان القول بالجبر لازماً لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ممتنعاً وبعد حصوله يكون واجباً، وإذ عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة للكفر في القلب ختماً على القلب ومنعاً له عن قبول الإيمان فإنه سبحانه لما حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له، لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول، والعلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا استفيد من العلم بالعلة، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات إلى الله تعالى.

    وأما المعتزلة فقد قالوا إنه لا يجوز إجراء هذه الآية على المنع من الإيمان واحتجوا فيه بالوجوه التي حكيناها عنهم في الآية الأولى

    وزادوا ههنا بأن الله تعالى قد كذب الكفار الذين قالوا إن على قلوبهم كنان وغطاء يمنعهم عن الإيمان
    { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ظ±للَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }
    النساء 155 وقال
    { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ }
    فصلت 4، 5 وهذا كله عيب وذم من الله تعالى فيما ادعوا أنهم ممنوعون عن الإيمان ثم قالوا بل لا بدّ من حمل الختم والغشاوة على أمور أخر ثم ذكروا فيه وجوهاً أحدها أن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بدلائل الله تعالى حتى صار ذلك كالألف والطبيعة لهم أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وكذلك هذا في عيونهم حتى كأنها مسدودة لا تبصر شيئاً وكأن بآذانهم وقراً حتى لا يخلص إليها الذكر، وإنما أضيف ذلك إلى الله تعالى لأن هذه الصفة في تمكنها وقوة ثباتها كالشيء الخلقي ولهذا قال تعالى
    { بَلْ طَبَعَ ظ±للَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ }
    النساء 155
    { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
    المطففين 14
    { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىظ° يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ }
    التوبة 77

    وثانيها أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب.

    وثالثها أنهم لما أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا إلى الذكر وكان ذلك عند إيراد الله تعالى عليهم الدلائل أضيف ما فعلوا إلى الله تعالى لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده تعالى دلائله عليهم كقوله تعالى في سورة براءة
    { زَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىظ° رِجْسِهِمْ }
    التوبة 125 أي ازدادوا بها كفراً إلى كفرهم

    . ورابعها أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء إلا أن الله تعالى ما أقرهم عليه لئلا يبطل التكليف فعبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم إشعاراً بأنهم الذين انتهوا في الكفر إلى حيث لا يتناهون عنه إلا بالقسر وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي.

    وخامسها أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً به من قولهم
    { قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ }
    فصلت 5 ونظيره في الحكاية والتهكم قوله
    { لَمْ يَكُنِ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ وَظ±لْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتَّىظ° تَأْتِيَهُمُ ظ±لْبَيّنَةُ }
    البينة 1.

    وسادسها الختم على قلوب الكفار من الله تعالى هو الشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحق، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق كما يقول الرجل لصاحبه أريد أن تختم على ما يقوله فلان، أي تصدقه وتشهد بأنه حق، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون، وأخبر في هذه الآية بأنه قد شهد بذلك وحفظه عليهم.

    وسابعها قال بعضهم هذه الآية إنما جاءت في قوم مخصوصين من الكفار فعل الله تعالى بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقاباً لهم في العاجل، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا فقال
    { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ظ±لَّذِينَ ظ±عْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ظ±لسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـظ°سِئِين }
    البقرة 65 وقال
    { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ظ±لأرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ظ±لْقَوْمِ ظ±لْفَـظ°سِقِينَ }
    المائدة 26 ونحو هذا من العقوبات المعجلة لما علم الله تعالى فيها من العبرة لعبادة والصلاح لهم، فيكون هذا مثل ما فعل بهؤلاء من الختم والطبع، إلا أنهم إذا صاروا بذلك إلى أن لا يفهموا سقط عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ، وقد أسقط الله التكليف عمن يعقل بعض العقل كمن قارب البلوغ، ولسنا ننكر أن يخلق الله في قلوب الكافرين مانعاً يمنعهم عن الفهم والاعتبار إذا علم أن ذلك أصلح لهم كما قد يذهب بعقولهم ويعمي أبصارهم ولكن لا يكونون في هذا الحال مكلفين.

    وثامنها يجوز أن يجعل الله على قلوبهم الختم وعلى أبصارهم الغشاوة من غير أن يكون ذلك حائلاً بينهم وبين الإيمان بل يكون ذلك كالبلادة التي يجدها الإنسان في قلبه والقذى في عينيه والطنين في أذنه، فيفعل الله كل ذلك بهم ليضيق صدورهم ويورثهم الكرب والغم فيكون ذلك عقوبة مانعة من الإيمان كما قد فعل ببني إسرائيل فتاهوا ثم يكون هذا الفعل في بعض الكفار ويكون ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم ودلالة له كالرجز الذي أنزل على قوم فرعون حتى استغاثوا منه، وهذا كله مقيد بما يعلم الله تعالى أنه أصلح للعباد.

    وتاسعها يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة كما قد أخبر أنه يعميهم قال
    { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ عَلَىظ° وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا }
    الإسراء 97 وقال
    { وَنَحْشُرُ ظ±لْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً }
    طه 102 وقال
    { ظ±لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىظ° أَفْوظ°هِهِم }
    يغ¤س 65 وقال
    { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ }
    االأنبياء 100.

    وعاشرها ما حكوه عن الحسن البصري ـ وهو اختيار أبي على الجبائي والقاضي ـ أن المراد بذلك علامة وسمة يجعلها في قلب الكفار وسمعهم فتستدل الملائكة بذلك على أنهم كفار، وعلى أنهم لا يؤمنون أبداً فلا يبعد أن يكون في قلوب المؤمنين علامة تعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند الله كما قال
    { أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ظ±لإيمَـظ°نَ }
    المجادلة 22 وحينئذٍ الملائكة يحبونه ويستغفرون له، ويكون لقلوب الكفار علامة تعرف الملائكة بها كونهم ملعونين عند الله فيبغضونه ويلعنونه، والفائدة في تلك العلامة إما مصلحة عائدة إلى الملائكة لأنهم متى علموا بتلك العلامة كونه كافراً ملعوناً عند الله تعالى صار ذلك منفراً لهم عن الكفر أو إلى المكلف، فإنه إذا علم أنه متى آمن فقد أحبه أهل السموات صار ذلك مرغباً له في الإيمان وإذا علم أنه متى أقدم على الكفر عرف الملائكة منه ذلك فيبغضونه ويلعنونه صار ذلك زاجراً له عن الكفر. قالوا والختم بهذا المعنى لا يمنع، لأنا نتمكن بعد ختم الكتاب أن نفكه ونقرأه، ولأن الختم هو بمنزلة أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر، فإذا لم يمنع ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي بالإيمان ويترك الكفر. قالوا وإنما خص القلب والسمع بذلك لأن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من جانب القلب، ولهذا خصهما بالذكر. فإن قيل فيتحملون الغشاوة في البصر أيضاً على معنى العلامة؟ قلنا لا، لأنا إنما حملنا ما تقدم على السمة والعلامة، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك، ولا مانع منه فوجب إثباته. أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار ومعلوم من حال الكفار خلاف ذلك فلا بدّ من حمله على المجاز، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية. فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع. المسألة الثالثة الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي الطبع، والكنان، والرين على القلب، والوقر في الآذان، والغشاوة في البصر ثم الآيات الواردة في ذلك مختلفة فالقسم الأول وردت دلالة على حصول هذه الأشياء قال

    { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }
    المطففين 14
    { وَجَعَلْنَا عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً }
    الأنعام 25
    { وَطُبِعَ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }
    التوبة 87
    { بَلْ طَبَعَ ظ±للَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ }
    النساء 155
    { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون }
    فصلت 4
    { لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً }
    يغ¤س 70
    { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ظ±لْمَوْتَىظ° وَلاَ تُسْمِعُ ظ±لصُّمَّ ظ±لدُّعَاء }
    النمل 80
    { أَمْوظ°تٌ غَيْرُ أَحْيَاء }
    النحل 21
    { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ }
    البقرة 10 والقسم الثاني وردت دلالة على أنه لا مانع البتة
    { وَمَا مَنَعَ ظ±لنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ }
    الأسراء 94
    { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر }
    االكهف 29
    { لاَ يُكَلّفُ ظ±للَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }
    البقرة 286
    { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ظ±لدّينِ مِنْ حَرَجٍ }
    الحج 78
    { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ }
    البقرة 28
    { لِمَ تَلْبِسُونَ ظ±لْحَقَّ بِظ±لْبَـظ°طِلِ }
    آل عمران 71 والقرآن مملوء من هذين القسمين، وصار كل قسم منهما متمسكاً لطائفة، فصارت الدلائل السمعية لكونها من الطرفين واقعة في حيز التعارض. أما الدلائل العقلية فهي التي سبقت الإشارة إليها،

    وبالجملة فهذه المسألة من أعظم المسائل الإسلامية وأكثرها شعباً وأشدها شغباً، ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال لا، لأنهم نزهوه، فسئل عن أهل السنّة فقال لا، لأنهم عظموه، والمعنى أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله وعلو كبريائه،

    إلا أن أهل السنّة وقع نظرهم على العظمة فقالوا ينبغي أن يكون هو الموجد ولا موجد سواه، والمعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق بجلال حضرته هذه القبائح، وأقول ههنا سر آخر، وهو أن إثبات الإله يلجىء إلى القول بالجبر، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح، وهو نفي الصانع، ولو توقفت لزم الجبر. وإثبات الرسول يلجىء إلى القول بالقدرة.

    بل ههنا سر آخر هو فوق الكل، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح، وهذا يقتضي الجبر، ونجد أيضاً تفرقة بديهية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية وجزماً بديهياً بحسن المدح وقبح الذم والأمر والنهي، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة، فكأن / هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب العلوم الضرورية، وبحسب العلوم النظرية، وبحسب تعظيم الله تعالى نظراً إلى قدرته وحكمته، وبحسب التوحيد والتنزيه وبحسب الدلائل السمعية، فلهذه المآخذ التي شرحناها والأسرار التي كشفنا عن حقائقها صعبت المسألة وغمضت وعظمت، فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق وأن يختم عاقبتنا بالخير آمين رب العالمين...

    وقال الالوسي

    والمعتزلة لما رأوا أن الآية يلزم منها أن يكون سبحانه مانعاً عن قبول الحق وسماعه بالختم وهو قبيح يمتنع صدوره عنه تعالى على قاعدتهم التزموا للآية تأويلات ذكر الزمخشري جملة منها حتى قال: الشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله سبحانه وتعالى لما كان هو الذي أقدره (أو) مكنه أسند الختم إليه كما يسند [الفعل] إلى السبب نحو ـ بني الأمير المدينة، وناقة حلوب ـ

    وأنا أقول: إن ماهيات الممكنات معلومة له سبحانه أزلاً فهي متميزة في أنفسها تميزاً ذاتياً غير مجعول لتوقف العلم بها على ذلك التميز وإن لها استعدادات ذاتية غير مجعولة أيضاً مختلفة الاقتضاءات والعلم الإلهي متعلق بها كاشف لها على ما هي عليه في أنفسها من اختلاف استعداداتها التي هي من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو واختلاف مقتضيات تلك الاستعدادات فإذا تعلق العلم/ الإلهي بها على ما هي عليه مما يقتضيه استعدادها من اختيار أحد الطرفين الخير والشر تعلقت الإرادة الإلهية بهذا الذي اختاره العبد بمقتضى استعداده فيصير مراده بعد تعلق الإرادة الإلهية مراداً لله تعالى فاختياره الأزلي بمقتضى استعداده متبوع للعلم المتبوع للإرادة مراعاة للحكمة وأن اختياره فيما لا يزال تابع للإرادة الأزلية المتعلقة باختياره لما اختاره، فالعباد منساقون إلى أن يفعلوا ما يصدر عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر وليسوا مجبورين في اختيارهم الأزلي لأنه سابق الرتبة على تعلق العلم السابق على تعلق الإرادة والجبر تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الذي هو هنا اختيارهم الأزلي فيمتنع أن يكون تابعاً لما هو متأخر عنه بمراتب، فما من شيء يبرزه الله تعالى بمقتضى الحكمة ويفيضه على الممكنات إلا وهو مطلوبها بلسان استعدادها وما حرمها سبحانه شيئاً من ذلك كما يشير إليه قوله تعالى:
    { أَعْطَىظ° كُلَّ شَىء خَلْقَهُ }
    [طه: 50] أي الثابت له في الأزل مما يقتضيه استعداده الغير المجعول، وإن كانت الصور الوجودية الحادثة مجعولة. وقوله تعالى:
    { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }
    [الشمس: 8] أي الثابتين لها في نفس الأمر والكل من حيث أنه خلقه حسن لكونه بارزاً بمقتضى الحكمة من صانع مطلق لا حاكم عليه ولهذا قال عز شأنه:
    { أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ }
    [السجدة: 7] و
    { مَّا تَرَىظ° فِى خَلْقِ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ مِن تَفَـظ°وُتٍ }
    [الملك: 3] أي من حيث أنه مضاف إليه ومفاض منه وإن تفاوت من جهة أخرى وافترق عند إضافة بعضه إلى بعض، فعلى هذا يكون الختم منه سبحانه وتعالى دليلاً على سواء استعدادهم الثابت في علمه الأزلي الغير المجعول بل هذا الختم الذي هو من مقتضيات الاستعداد لم يكن من الله تعالى إلا إيجاده وإظهار يقينه طبق ما علمه فيهم أزلاً حيث لا جعل

    { وَمَا ظَلَمَهُمُ ظ±للَّهُ }
    [النحل: 33] تعالى في إظهاره إذ من صفته سبحانه إفاضة الوجود على القوابل بحسب القابليات على ما تقتضيه الحكمة
    { وَلَـظ°كِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
    [النحل: 33] حيث كانت مستعدة بذاتها لذلك فحينئذ يظهر أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الإيجاد حقيقة ويحسن الذم لهم به من حيث دلالته على سوء الاستعداد وقبح ما انطوت عليه ذواتهم في ذلك الناد
    { وَظ±لْبَلَدُ ظ±لطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَظ±لَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا }
    [الأعراف: 58].

    وأما ما ذكره المفسرون من أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الخلق فمسلم لا كلام لنا فيه، وأما إن الذم باعتبار كون ذلك مسبباً عما كسبه الكفار الخ فنقول فيه: إن أرادوا بالكسب ما شاع عند الاشاعرة من مقارنة الفعل لقدرة العبد من غير تأثير لها فيه أصلاً وإنما المؤثر هو الله تعالى فهو مع مخالفته لمعنى الكسب وكونه
    { كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ظ±لظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىظ° إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً }
    [النور: 39] لا يشفي عليلاً ولا يروى غليلاً إذ للخصم أن يقول أي معنى لذم العبد بشيء لا مدخل لقدرته فيه إلا كمدخل اليد الشلاء فيما فعلته الأيدي السليمة وحينئذ يتأتى ما قاله الصاحب بن عباد في هذا الباب: كيف يأمر الله تعالى العبد بالإيمان وقد منعه منه وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول:
    { أنى يُصْرَفُونَ }
    [غافر: 69] ويخلق فيهم الإفك ثم يقول:
    { أَنَّىظ° تُؤْفَكُونَ }
    [الأنعام: 95] وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول
    { لِمَ تَكْفُرُونَ }
    [آل عمران: 70] وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول:
    { لِمَ تَلْبِسُواْ ظ±لْحَقَّ بِظ±لْبَـظ°طِلِ }
    [آل عمران: 71] وصدهم عن السبيل ثم يقول:
    { لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ }
    [آل عمران: 99] وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال:
    { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ }
    [النساء: 39] وذهب بهم عن الرشد ثم قال:
    { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ }
    [التكوير: 26] وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال:
    { فَمَا لَهُمْ عَنِ ظ±لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }
    [المدثر: 49]؟ فإن أجابوا بأن لله أن يفعل ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون
    { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }
    [الأنبياء: 23] قلنا لهم: هذه كلمة حق أريد بها باطل وروضة صدق ولكن ليس لكم منها حاصل لأن كونه تعالى لا يسأل عما يفعل ليس إلا لأنه حكيم لا يفعل ما عنه يسأل وإذا قلتم لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها كما لا أثر للعلم في معلومه فوجه مطالبة/ العبد بأفعاله كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألواناً وإدراكات وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى التزام الباطل والمحال، وفيه إبطال الشرائع العظام ورد ما ورد عن النبيين عليهم الصلاة والسلام.

    وإن أرادوا بالكسب فعل العبد استقلالا ما يريده هو وإن لم يرده الله تعالى فهذا مذهب المعتزلة وفيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة واقتحام ورطات الضلال وسلوك مهامه الوبال.
    مساوٍ لو قسمن على الغواني لما أمهرن إلا بالطلاق
    وإن أرادوا به تحصيل العبد بقدرته الحادثة حسب استعداده الأزلي المؤثرة لا مستقلاً بل بإذن الله تعالى ما تعلقت به من الأفعال الاختيارية مشيئته التابعة لمشيئة الله تعالى على ما أشرنا إليه فنعمت الإرادة وحبذا السلوك في هذه الجادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطها وإقامة الأدلة على صحتها وإماطة الأذى عن طريقها إلا أن أشاعرتنا اليوم لا يشعرون وأنهم ليحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون.
    ما في الديار أخو وجد نطارحه حديث نجد ولا خل نجاريه
    وأما ما ذكره المعتزلة لا سيما علامتهم الزمخشري فليس أول عشواء خبطوها وفي مهواة من الأهواء أهبطوها ولكم نزلوا عن منصة الإيمان بالنص إلى حضيض تأويله ابتغاء الفتنة واستيفاء لما كتب عليهم من المحنة وطالما استوخموا من السنة المناهل العذاب ووردوا من حميم البدعة موارد العذاب، والشبهة التي تدندن هنا حول الحمى أن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله تعالى لما نعاها على عباده ولا عاقبهم بها ولا قامت حجة الله تعالى عليهم وهي أوهى من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت، وقد علمت جوابها مما قدمناه لك

    (ملحوظة علي قول الالوسي)

    الماهيات مجعولة عند اهل السنة والنقاش فى ذلك فى المطولات من كتب اهل السنة ليس هنا مجال بسطه

    وواضح ان الالوسي يميل الي تأثير قدرة العبد الحادثة وهذا واضح جدا فى تفسيره خلافا للاشاعرة

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ وَعَلَىظ° سَمْعِهِمْ وَعَلَىظ° أَبْصَظ°رِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }

    قال الالوسي

    وقد ذهب المسلمون إلى أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار، وهذه الآية وأمثالها شواهد صدق على ذلك. وقال بعضهم: لا يحسن وذكروا دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح العقلين فقالوا: التعذيب ضرر خال عن المنفعة لأنه سبحانه منزه عن أن ينتفع بشيء والعبد يتضرر به ولو سلم انتفاعه فالله تعالى قادر أن يوصل إليه النفع من غير عذاب، والضرر الخالي عن النفع قبيح بديهة، وأيضاً إن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان فتكليفه متى حصل ترتب عليه العذاب وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع قبيح، فأما أن يقال لا تكليف أو تكليف ولا عذاب، وأيضاً هو الخالق لداعية المعصية فيقبح أن يعاقب عليها، وقالوا أيضاً: هب أنا سلمنا العقاب فمن أين القول بالدوام؟ وأقسى الناس قلباً إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه - وعذبه وبالغ فيه وواظب عليه - لامه كل أحد وقيل له إما أن تقتله وتريحه وإما أن تعفو عنه فإذا قبح هذا من إنسان يلتذ بالانتقام، فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدوام؟! وأيضاً من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه، أفترى أن هذا الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون أو يحسن أن يقول في الدنيا:

    { ظ±دْعُونِيغ¤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ }
    [غافر: 60] وفي الآخرة لا يجيب دعاءهم إلا بـ
    { ظ±خْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }
    [المؤمنون: 108].

    بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين فلا تعارض الأدلة العقلية المفيدة له على أنا ندعي أن أخبار الوعيد في الكفار مشروطة بعدم العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً صريحاً كما قال ذلك فيها من جوز العفو عن الفساق، على أنه يحتمل أن تكون تلك الجمل دعائية أو أنها إخبارية لكن الإخبار عن استحقاق الوقوع لا عن الوقوع نفسه، وهذا خلاصة ما ذكر في هذا الباب.

    وبسط الإمام الرازي الكلام فيه ولم يتعقبه بما يشرح الفؤاد ويبرد الأكباد وتلك شنشنة أعرفها من أخزم، ولعمري إنها شبه تمكنت في قلوب كثير من الناس فكانت لهم الخناس الوسواس فخلعوا ربقة التكليف وانحرفوا عن الدين الحنيف وهي عند المؤمنين المتمكنين كصرير باب أو كطنين ذباب، فأقول: وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب نفي العذاب مطلقاً مما لم يقله أحد ممن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر حتى إن المجوس لا يقولونه مع أنهم الذين بلغوا من الهذيان أقصاه فإن عقلاءهم - والعقل بمراحل عنهم - زعموا أن إبليس عليه اللعنة لم يزل في الظلمة بمعزل عن سلطان الله تعالى ثم لم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب فصار في سلطان الله تعالى وأدخل معه الآفات والشرور فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة له فوقع فيها فصار لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه فبقي محبوساً يرمى بالآفات فمن أحياه الله تعالى أماته ومن أصحه أسقمه ومن أسره أحزنه وكل يوم ينقص سلطانه فإذا قامت القيامة وزالت قوته طرحه الله تعالى في الجو وحاسب أهل الأديان وجازاهم على طاعتهم للشيطان وعصيانهم له، نعم المشهور عنهم أن الآلام الدنيوية قبيحة لذاتها ولا تحسن بوجه من الوجوه فهي صادرة عن الظلمة دون النور، وبطلان مذهب هؤلاء أظهر من نار على علم، ولئن سلمنا أن أحداً من الناس يقول ذلك فهو مردود، وغالب الأدلة التي تذكر في هذا الباب مبني على الحسن والقبح العقليين وقد نفاهما أهل السنة والجماعة وأقاموا الأدلة على بطلانهما وشيوع ذلك/ في كتب الكلام يجعل نقله هنا من لغو الكلام على أنا نقول إن لله تعالى صفتي لطف وقهر ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك - لا سيما ملك الملوك - كذلك إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ومن منع ذلك فقد كابر، وقد مدح في الشاهد ذلك كما قيل:
    يداك يد خيرها يرتجى وأخرى لأعدائها غائظة
    فلما نظر الله سبحانه إلى ما علمه من الماهيات الأزلية والأعيان الثابتة ورأى فيها من استعد للخير وطلبه بلسان استعداه ومن استعد للشر وطلبه كذلك أفاض على كل بمقتضى حكمته ما استعد له وأعطاه ما طلبه منه ثم كلفه ورغبه ورهبه إتماماً للنعمة وإظهاراً للحجة إذ لو عذبه وأظهر فيه صفة قهره قبل أن ينذره لربما قال:

    { لَوْلاغ¤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىظ° }
    [طه: 134] فالتعذيب وإن لم يكن فيه نفع له سبحانه بالمعنى المألوف لكنه من آثار القهر ووقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته تعالى وكل ما تقتضيه حكمته تعالى وكماله حسن، وإن شئت فقل: إن صفتي اللطف والقهر من مستتبعات ذاته التي هي في غاية الكمال ولهما متعلقات في نفس الأمر مستعدة لهما في الأزل استعداداً غير مجعول. وقد علم سبحانه في الأزل التعلقات والمتعلقات فظهرت طبق ما علم ولو لم تظهر كذلك لزم انقلاب الحقائق وهو محال. فالإيمان والكفر في الحقيقة ليسا سبباً حقيقاً وعلة تامة للتنعيم والتعذيب وإنما هما علامتان لهما دعت إليهما الحكمة والرحمة. وهذا معنى ما ورد في " الصحيح " " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " أما من كان - أي في علم الله - من أهل السعادة المستعدة لها ذاته فسييسر بمقتضى الرحمة لعمل أهل السعادة لأنه شأنه تعالى الإفاضة على القوابل بحسب القابليات، وأما من كان القهر - لعمل أهل الشقاوة، وفي ذلك تظهر المنة وتتم الحجة ولا يرد في قوله تعالى:
    { فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }
    [لأنعام: 149] لأن نفي الهداية لنفي المشيئة ولا شك أن المشيئة تابعة للعلم والعلم تابع لثبوت المعلوم في نفس الأمر كما يشير إليه قوله تعالى في المستحيل الغير الثابت في نفسه:
    { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ظ±لأَرْضِ }
    [الرعد: 33] وحيث لا ثبوت للهداية في نفسها لا تعلق للعلم بها، وحيث لا تعلق لا مشيئة، فسبب نفي إيجاد الهداية نفي المشيئة وسبب نفي المشيئة تقرر عدم الهداية في نفسها فيئول الأمر إلى أن سبب نفي إيجاد الهداية انتفاؤها في نفس الأمر وعدم تقررها في العلم الأزلي:
    { وَلَوْ عَلِمَ ظ±للَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ }
    [الأنفال: 23] فإذا انتقش هذا على صحيفة خاطرك، فنقول:

    قولهم الضرر الخالي عن النفع قبيح بديهة ليس بشيء لأن ذلك الضرر من آثار القهر التابع للذات الأقدس ومتى خلا عن القهر - كان عز شأنه عما يقوله الظالمون - كالأقطع الذي ليس له إلا يد واحدة بل من أنصفه عقله يعلم أن الخلو عن صفة القهر يخل بالربوبية ويسلب إزار العظمة ويحط شأن الملكية إذ لا يرهب منه حينئذ فيختل النظام وينحل نبذ هذا الانتظام. على أن هذه الشبهة تستدعي عدم إيلام الحيوان في هذه النشأة لا سيما البهائم والأطفال الذين لا ينالهم من هذه الآلام نفع بالكلية لا عاجلاً ولا آجلاً مع أنا نشاهد وقوع ذلك أكثر من نجوم السماء فما هو جوابهم عن هذه الآلام منه سبحانه في هذه النشأة مع أنه لا نفع له منها بوجه فهو جوابنا عن التعذيب في تلك النشأة.

    وقولهم إن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان فتكليفه متى حصل ترتب عليه العذاب الخ، ففيه أن الكافر في علم الله تعالى حسب استعداده متعشق للنار تعشق الحديد للمغناطيس وإن نفر عنها نافر عن الجنة نفور الظلمة عن النور وإن تعشقها فهو إن كلف وإن لم يكلف لا بد وأن يعذب فيها، ولكن التكليف لاستخراج ما في استعداده من الإباء لإظهار الحجة والكفر مجرد علامة
    { وَمَا ظَلَمَهُمُ ظ±للَّهُ وَلـظ°كِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
    [النحل: 33].

    وقولهم هو سبحانه الخالق لداعية المعصية مسلم لكنه خلقها وأظهرها طبق ما دعا إليه الاستعداد الذاتي الذي لا دخل للقدرة إلا في إيجاده وأي قبح في إعطاء الشيء ما طلبه بلسان استعداده وإن أضر به ولا يلزم الله تعالى عقلاً أن يترك مقتضى حكمته ويبطل شأن ربوبيته مع عدم تعلق علمه بخلاف ما اقتضاه ذلك الاستعداد.

    وقولهم هب أنا سلمنا العقاب فينم أين الدوام الخ قلنا الدوام من خبث الذات وقبح الصفات الثابتين فيما لم يزل الظاهرين فيما لا يزال بالإباء بعد التكليف مع مراعاة الحكمة، وهذا الخبث دائم فيهم ما دامت حكمة الله تعالى الذاتية وذواتهم - كما يرشدك إلى ذلك - قوله سبحانه:
    { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }
    [الأنعام: 28] ويدوم المعلول ما دامت علته أو يقال العذاب وهو في الحقيقة البعد من الله لازم للكفر والملزوم لا ينفك من اللازم، وأيضاً الكفر مع ظهور البرهان في الأنفس والآفاق بمن لا تتناهى كبرياؤه ولا تنحصر عظمته أمر لا يحيط نطاق الفكر بقبحه وإن لم يتضرر به سبحانه لكن الغيرة الإلهية لا ترتضيه وإن أفاضته القدرة الأزلية حسب الاستعداد بمقتضى الحكمة، ومثل ذلك يطلب عذاباً أبدياً وعقاباً سرمدياً وشبيه الشيء منجذب إليه، ولا يقاس هذا بما ضربه من المثال إذ أين ذل التراب من عزة رب الأرباب، وليس مورد المسألتين منهلاً واحداً.

    وقولهم من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه، أفترى أن هذا الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون الخ. ففيه أن من تاب من الكفر فقد أبدل القبيح بضده وأظهر سبحانه مقتضى ذاته وماهيته المعلومة له حسب علمه فهناك حينئذ كفر قبيح زائل وإيمان حسن ثابت، وقد انضم إلى هذا الإيمان ندم على ذلك الكفر في دار ينفع فيها تدارك ما فات والندم على الهفوات فيصير الكفر بهذا الإيمان كأن لم يكن شيئاً مذكوراً إذ يقابل القبيح بالحسن ويبقى الندم وهو ركن التوبة مكسباً على أن ظهور الإيمان بعد الكفر دليل على نجابة الذات في نفسها وطهارتها في معلوميتها والأعمال بالخواتيم فلا بدع في مغفرة الله تعالى له جوداً وكرماً ورحمة الله تعالى - وإن وسعت كل شيء ببعض اعتباراتها - إلا أنها خصت المتقين باعتبار آخر كما يشير إليه قوله تعالى:

    { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ }
    [الأعراف: 156] فهي كمعيته سبحانه الغير المكيفة، ألا تسمع قوله تعالى مرة:
    { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىظ° ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىظ° مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ }
    [المجادلة: 7]، وتارة
    { إِنَّ ظ±للَّهَ مَعَ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّقَواْ وَّظ±لَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ }
    [النحل: 128] وكرة
    { إِنَّ ظ±للَّهَ مَعَنَا }
    [التوبة: 40] وطوراً
    { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي }
    [الشعراء: 62] ولا ينافي كون الرحمة أوسع دائرة من الغضب كما يرمز إليه
    { ظ±لرَّحْمَـظ°نُ عَلَى ظ±لْعَرْشِ ظ±سْتَوَىظ° }
    [طه: 5] أن الكفار المعذبين أكثر من المؤمنين المنعمين كما يقتضيه قوله تعالى:
    { وَلَـظ°كِنَّ أَكْثَرَ ظ±لنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    [الرعد: 1] وكذا حديث البعث لأن هذه الكثرة بالنسبة إلى الملائكة والحور والغلمان
    { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ }
    [المدثر: 31]
    { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
    [النحل: 8] فيكون أهل الرحمة أكثر من أهل الغضب على أن أهل النار مرحومون في عذابهم وما عند الله تعالى من كل شيء لا يتناهى وبعض الشر أهون من بعض وهم متخلفون في العذاب، وبين عذاب كل طبقة وطبقة ما بين السماء والأرض وإن ظن كل من أهلها أنه أشد الناس عذاباً لكن الكلام في الواقع بل منهم من هو ملتذ بعذابه من بعض الجهات ومنهم غير ذلك، نعم فيهم من عذابه محض لا لذ لهم فيه ومع هذا يمقتون أنفسهم لعلمهم أنها هي التي استعدت لذلك ففاض عليها ما فاض من جانب المبدأ الفياض كما يشير إليه قوله تعالى:
    { لَمَقْتُ ظ±للَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ }
    [غافر: 10] ومن غفل منهم عن ذلك نبهه إبليس عليه اللعنة كما حكى الله عنه بقوله:
    { فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوغ¤اْ أَنفُسَكُمْ }
    [إبراهيم: 22] ولا تنفعهم التوبة هناك كما تنفعهم هنا إذ قد اختلفت الداران وامتاز الفريقان وانتهى الأمد المضروب/ لها بمقتضى الحكمة الإلهية. وقد رأينا في الشاهد أن لنفع الدواء وقتاً مخصوصاً إذا تعداه ربما يؤثر ضرراً ومن الكفار من يعرف أنه قد مضى الوقت وانقضى ذلك الزمان وأن التوبة إنما كانت في الدار الدنيا ولهذا
    { قَالَ رَبِّ ظ±رْجِعُونِ * لَعَلِّيغ¤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ }
    [المؤمنون: 99ـ100] ولما كان هذا الطلب عارف من وجه جاهل من وجه آخر قال الله تعالى في مقابلته:
    { كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا }
    [المؤمنون: 100] ولم يغلظ عليه كما أغلظ على من قال:
    { رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ }

    [المؤمنون: 107] حيث صدر عن جهل محض فأجابهم بقوله:
    { ظ±خْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }
    [المؤمنون: 108] فلما اختلف الطلب اختلف الجواب وليس كل دعاء يستجاب كما لا يخفى على أولي الألباب.

    وقولهم بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين فلا تعارض الأدلة العقلية المفيدة له فيقال فيه إن أرادوا أن هذه الأدلة العقلية مفيدة لليقين فقد علمت حالها وأنها كسراب بقيعة وليتها أفادت ظناً وإن أرادوا مطلق الأدلة العقلية فهذه ليست منها على أن كون الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين إنما هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة، والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، ومن صدق القائل يعلم عدم المعارض العقلي فإنه إذا تعين المعنى وكان مراداً له فلو كان هناك معارض عقلي لزم كذبه، نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر لأن كونها مفيدة لليقين مبني على أنه هل يحصل بمجردها والنظر فيها - وكون قائلها صادقاً - الجزم بعدم المعارض العقلي وأنه هل للقرينة التي تشاهد أو تنقل تواتراً مدخل في ذلك الجزم وحصول ذلك الجزم بمجردها ومدخلية القرينة فيه مما لا يمكنه الجزم بأحد طرفيه الإثبات والنفي فلا جرم كانت إفادتها اليقين في العقليات محل نظر وتأمل.

    فإن قلت: إذا كان صدق القائل مجزوماً به لزم منه الجزم بعدم المعارض في العقليات كما لزم منه في الشرعيات وإلا احتمل كلامه الكذب فيهما فلا فرق بينهما. قلت: أجاب بعض المحققين بأن المراد بالشرعيات أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً وانتفاء ولا طريق إليها، وبالعقليات ما ليس كذلك وحينئذ جاز أن يكون من الممتنعات فلأجل هذا الاحتمال ربما لم يحصل الجزم بعدم المعارض العقلي للدليل النقلي في العقليات وإن حصل الجزم به في الشرعيات وذلك بخلاف الأدلة العقلية في العقليات فإنها بمجردها تفيد الجزم بعدم المعارض لأنها مركبة من مقدمات علم بالبديهة صحتها أو علم بالبديهة لزومها مما علم صحته بالبديهة، وحينئذ يستحيل أن يوجد ما يعارضها لأن أحكام البديهة لا تتعارض بحسب نفس الأمر أصلاً.

    هذا وقال الفاضل الرومي هظ°هنا بحث مشهور وهو أن المعنى بعدم المعارض العقلي في الشرعيات صدق القائل وهو قائم في العقليات أيضاً وما لا يحكم العقل بإمكانه ثبوتاً أو انتفاء لا يلزم أن يكون من الممتنعات لجواز إمكانه الخافي من العقل فينبغي أن يحمل كل ما علم أن الشرع نطق به على هذا القسم لئلا يلزم كذبه وإبطال قطع العقل بصدقه فالحق أن النقلي يفيد القطع في العقليات أيضاً ولا مخلص إلا بأن يقال المراد أن النظر في الأدلة نفسها والقرائن في الشرعيات يفيد الجزم بعدم المعارض لأجل إفادة الإرادة من القائل الصادق جزماً. وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر بناء على أن إفادته الإرادة محتملة انتهى.

    وقد ذهب الشيخ الأكبر قدس سره إلى تقديم الدليل النقلي على العقلي فقال في الباب الثاني والسبعين والأربعمائة من «الفتوحات»:
    على السمع عولنا فكنا أولي النهى ولا علم فيما لا يكون عن السمع
    وقال قدس سره في الباب الثامن والخمسين والثلثمائة:
    كيف للعقل دليل والذي قد بناه العقل بالكشف انهدم
    فنجاة النفس في الشرع فلا تك إنساناً رأى ثم حرم
    / واعتصم بالشرع في الكشف فقد فاز بالخير عبيد قد عصم
    اهمل الفكر فلا تحفل به واتركنه مثل لحم في وضم
    إن للفكر مقاماً فاعتضد به فيه تك شخصاً قد رحم
    كل علم يشهد الشرع له هو علم فيه فلتعتصم
    وإذا خالفه العقل فقل طورك الزم ما لكم فيه قدم
    ويؤيد هذا ما روي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً ينتهي إليه، وقال الإمام الغزالي: ولا تستبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل كما لا تستبعد أن يكون العقل طوراً وراء التمييز والإحساس ينكشف فيه عوالم وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز إلى آخر ما قال ففيما نحن فيه في القرآن والسنة المتواترة ما لا يحصى مما يدل على الخلود في النار، وفي العذاب دلالة واضحة لا خفاء فيها فتأويلها كلها بمجرد شبه أضعف من حبال القمر، والعدول عنها إلى القول بنفي العذاب أو الخلود فيه مما لا ينبغي لا سيما في مثل هذه الأوقات التي فيها الناس كما ترى، على أن هذه التأويلات في غاية السخافة إذ كيف يتصور حقيقة الدعاء من رب الأرض والسماء أم كيف يكون التعليق بعد النظر في قوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء }
    [النساء: 48] أم كيف يقبل أن يكون الإخبار عن الاستحقاق دون الوقوع على ما فيه في مثل قوله تعالى:
    { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا }
    [الإسراء: 97] و
    { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـظ°هُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا }
    [النساء: 56] سبحانك هذا بهتان عظيم.

    وأما ما ينقل عن بعض السلف الصالح ـ وكذا عن حضرة مولانا الشيخ الأكبر ومن حذا حذوه من السادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم ـ من القول بعدم الخلود فذلك مبني على مشرب آخر وتجل لم ينكشف لنا، والكثير منهم قد بنى كلامه على اصطلاحات ورموز وإشارات قد حال بيننا وبين فهمها العوائق الدنيوية والعلائق النفسانية، ولعل قول من قال بعدم الخلود ممن لم يسلك مسلك أهل السلوك مبني على عدم خلود طائفة من أهل النار وهم العصاة مما دون الكفر وإن وقع إطلاق الكفر عليهم حمل على معنى آخر كما حمل على رأي في قوله صلى الله عليه وسلم

    من ترك الصلاة فقد كفر " ، على أن الشيخ قدس سره كم وكم صرح في كتبه بالخلود فقال في عقيدته الصغرى أول «الفتوحات»: والتأبيد لأهل النار في النار حق، وفي الباب الرابع والستين في بحث ذبح الموت ونداء المنادي يا أهل النار خلود ولا خروج ما نصه: ويغتم أهل النار أشد الغم لذلك ثم تغلق أبواب النار غلقاً لا فتح بعده وتنطبق النار على أهلها ويدخل بعضهم في بعض ليعظم انضغاطهم فيها ويرجع أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ويرى الناس والجن فيها مثل قطع اللحم في القدر التي تحتها النار العظيمة تغلي كغلي الحميم فتدور في الخلق علواً وسفلاً
    { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا }
    [الإسراء: 97].

    وذكر الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه المسمى بـ «الإنسان الكبير»، وفي «شرح لباب الأسرار من الفتوحات»: أن مراد القوم بأن أهل النار يخرجون منها هم عصاة الموحدين لا الكفار، وقال: إياك أن تحمل كلام الشيح محيى الدين أو غيره من الصوفية في قولهم بانتهاء مدة أهل النار من العصاة على الكفار فإن ذلك كذب وخطأ وإذا احتمل الكلام وجهاً صحيحاً وجب المصير إليه انتهى، نعم قال قدس سره في تفسير الفاتحة من «الفتوحات»: فإذا وقع الجدار وانهدم الصور وامتزجت الأنهار والتقى البحران وعدم البرزخ صار العذاب نعيماً وجهنم جنة ولا عذاب ولا عقاب إلا نعيم وأمان بمشاهدة العيان الخ، وهذا وأمثاله محمول على معنى/ صحيح يعرفه الذوق لا ينافي ما وردت به القواطع، وقصارى ما يخطر لأمثالنا فيه أنه محمول على مسكن عصاة هذه الأمة من النار، وفيه: يضع الجبار قدمه ويتجلى بصفة القهر على النار فتقول قط قط ولا تطيق تجليه فتخمد ولا بعد أن تلحق بعد بالجنة وإياك أن تقول بظاهره مع ما أنت عليه وكلما وجدت مثل هذا لأحد من أهل الله تعالى فسلمه لهم بالمعنى الذي أرادوه مما لا تعلمه أنت ولا أنا لا بالمعنى الذي ينقدح في عقلك المشوب بالأوهام فالأمر والله وراء ذلك والأخذ بظواهر هذه العبارات النافية للخلود في العذاب وتأويل النصوص الدالة على الخلود في النار بأن يقال الخلود فيها لا يستلزم الخلود في العذاب لجواز التنعم فيها وانقلاب العذاب عذوبة مما يجر إلى نفي الأحكام الشرعية وتعطيل النبوات وفتح باب لا يسد. وإن سولت نفسك لك ذلك قلبنا البحث معك ولنأتينك بجنود من الأدلة لا قبل لها بها وما النصر إلا من عند الله
    { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ظ±لْمُؤْمِنينَ }
    [الروم: 47]، ولا يوقعنك في الوهم أن الخلود مستلزم لتناهي التجليات فالله تعالى هو الله و
    { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }
    [الرحمن: 29]
    { فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ظ±لشَّاكِرِينَ }
    [الأعراف: 144] ولا أظنك تجد هذا التحقيق من غيرنا والحمد لله رب العالمين.

    وقال الطبري

    وهذه الآية من أوضح الأدلة على فساد قول المنكريه تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه ختم على قلوب صنف من كفار عباده وأسماعهم، ثم لم يسقط التكليف عنهم ولم يضع عن أحد منهم فرائضه ولم يعذره في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أن لجميعهم منه عذاباً عظيماً على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء عليهم مع ذلك بأنهم لا يؤمنون.

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }

    قال الالوسي

    وفي هذه الآية دلالة على أن من لم يصدق بقلبه لا يكون مؤمناً، وأما على أن من أقر بلسانه وليس في قلبه ما يوافقه أو ينافيه ليس بمؤمن فلا لوجود المنافي في المنافق هنا لأنه من المختوم على قلبه أو لأن الله تعالى كذبه وليس إلا لعدم مطابقة التصديق القلبـي للساني كذا قيل، ودقق بعضهم مدعياً أن من يجعل الإيمان الإقرار اللساني سواء يشترط الخلو عن الانكار والتكذيب أم لا يشترط أن يكون الإقرار بالشهادتين ولا يكفي عنده نحو آمنت بالله وباليوم الآخر لأن المدار على النطق بهما كما ورد في " الصحيح " حتى اشترط بعضهم لفظ اشهد، والاسم الخاص به تعالى واسم محمد صلى الله عليه وسلم فليس في الآية حينئذ دليل على إبطال مذهب الكرامية بوجه فليتدبر

    ملحوظة

    قال الرازى

    المسألة الثالثة هذه الآية دالة على أمرين الأول أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمناً، لقوله { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } وقالت الكرامية إنه يكون مؤمناً الثاني أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله، ومن لم يكن به عارفاً لا يكون مكلفاً أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيماناً، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لا بدّ وأن يكون مؤمناً وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذوراً لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان، فبطل قول من قال من المتكلمين إن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذوراً.

    وقال الماتريدى

    هذه الآيات كلها تنقض على الكراميَّةِ؛ لأَنهم يقولون: الإِيمان قول باللسان دون التصديق. فأَخبر الله - عز وجل - عن جملة المنافقين أَنهم ليسوا بمؤمنين لما لم يأْتوا بالتصديق، وهذا يدل على أن الإِيمان تصديق بالقلب.

    { يُخَادِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ } * { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ظ±للَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }

    قال الماتريدى

    وقوله: { يُخَادِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ آمَنُوا }.

    لا يقصد أحد مخادعة الله، لكنهم كانوا يقصدون مخادعة المؤمنين، وأَولياءِ الله، فأَضاف الله عز وجل ذلك إلى نفسه؛ لعِظم قدرهم، وارتفاع منزلتهم عند الله؛ وهو كقوله:

    { إِن تَنصُرُواْ ظ±للَّهَ يَنصُرْكُمْ }
    [محمد: 7]، والله لا يحتاج أَن ينصر، ولكن كأَنه قال: إن تنصروا أولياء الله ينصركم؛ وهو كقوله:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ظ±للَّهَ }
    [الفتح: 10] والله لا يُبايَع، ولكن إضافة ذلك إلى نفسه؛ لعظم قدر نبيه، وعلو منزلته عند الله تعالى، فكذلك الأَول أَضاف مخادعتهم أَولياءَه إلى نفسه لعلو منزلتهم عند الله وقدرهم لديه.

    والمخادعة هو فعل اثنين؛ لخداع هؤلاءِ بحضور المؤمنين؛ لذلك المعنى ذكر المفاعلة. والله أعلم....

    وقوله: { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ }.

    يقال: شكٌ ونفاق؛ سَمَّى عز وجل المنافقين مرضى؛ لاضطرابهم في الدين؛ لأَنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بالقول، ويضمرون الخلاف لهم بالقلب؛ فكان حالهم كحال المريض الذي هو مضطرب بين الموت والحياة؛ إذ المريض يشرف - ربما - على الموت، ويرجو الإقبال عليه منه ثانياً؛ فهو مضطرب بين ذلك، فكذلك هم، لما كانوا مضطربين في دينهم سماهم مرضى.

    وأما سائِر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدين، بل أَظهروا بالقول على ما أَضمروا بالقلب؛ فسماهم موتى، لما لم ينتفعوا بحياتهم، ولم يكتسبوا الحياة الدائمة.

    وسمى المؤمنين أَحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، واكتسبوا الحياة الدائمة، لموافقتهم باللسان والقلب جميعاً لدين الله - عز وجل - والله أعلم.

    وقوله: { فَزَادَهُمُ ظ±للَّهُ مَرَضاً }.

    اختلف في تأْويله:

    قالت المعتزلة: هو التخلية بينهم وبين ما اختاروا.

    وأما عندنا: فهُو على خلق أَفعال زيادة الكفر والنفاق في قلوبهم، لما زادوا هم في كل وقت من إظهار الموافقة للمؤمنين بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، خلق الله عز وجل تلك الزيادة من المرض في قلوبهم باختيارهم.

    { أَلاغ¤ إِنَّهُمْ هُمُ ظ±لْمُفْسِدُونَ وَلَـظ°كِن لاَّ يَشْعُرُونَ }

    قال الالوسي

    وفي " التأويلات " ـ لعلم الهدى ـ إن هذه الآية حجة على المعتزلة في أن التكليف لا يتوجه بدون العلم بالمكلف به وأن الحجة لا تلزم بدون المعرفة فإن الله تعالى أخبر أن ما صنعوا من النفاق إفساد منهم مع عدم العلم فلو كان حقيقة العلم شرطاً للتكليف ولا علم لهم به لم يكن صنيعهم إفساداً لأن الإفساد ارتكاب المنهي عنه فإذا لم يكن النهي قائماً عليهم عن النفاق لم يكن فعلهم إفساداً فحيث كان إفساداً دل على أن التكليف يعتمد قيام آلة العلم والتمكن من المعرفة لا حقيقة المعرفة فيكون حجة عليهم. وهذه المسألة متفرعة على مسألة مقارنة القدرة للفعل وعدمها، وأنت تعلم أنه مع قيام الاحتمال يقعد على العجز الاستدلال.

    { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ظ±لنَّاسُ قَالُوغ¤اْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ظ±لسُّفَهَآءُ أَلاغ¤ إِنَّهُمْ هُمُ ظ±لسُّفَهَآءُ وَلَـظ°كِن لاَّ يَعْلَمُونَ }


    قال الالوسي

    واستدل بالآية على أن الإقرار باللسان إيمان وإلا لم يفد التقييد، وكونه للترغيب يأباه إيرادهم التشبيه في الجواب؛ والجواب عنه بعد إمكان معارضته بقوله تعالى:
    { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }
    [البقرة: 8] أنه لا خلاف في جواز إطلاق الإيمان على التصديق اللساني لكن من حيث إنه ترجمة عما في القلب أقيم مقامه إنما النزاع في كونه مسمى الإيمان في نفسه ووضع الشارع إياه له مع قطع النظر عما في الضمير على ما بين لك في محله، ولما طلب من المنافق الإيمان دل ذلك على قبول توبة الزنديق:
    فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها
    نعم إن كان معروفاً بالزندقة داعياً إليها ولم يتب قبل الأخذ قتل كالساحر ولم تقبل توبته كما أفتى به جمع من المحققين.

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

    قال الرازى

    قالت المعتزلة هذه الآية لا يمكن أجراؤها على ظاهرها لوجوه أحدها قوله تعالى { وَإِخْوظ°نُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ظ±لْغَىِّ } أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافاً إلى الله تعالى. وثانيها أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلاً لله تعالى فكيف يذمهم عليه. وثالثها لو كان فعلاً لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثاً. ورابعها أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله «في طغيانهم» ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله
    { وَإِخْوظ°نُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ظ±لْغَىِّ }
    الأعراف 202 إذا ثبت هذا فنقول التأويل من وجوه أحدها وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيـى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مدداً وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم.

    وثانيها أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور. وثالثها أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده. ورابعاً ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين الأول لما تبينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر. الثاني هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في الطغيان، بل المراد، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا. واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ } فلا فائدة في الإعادة.

    وقال الماتريدى

    وقوله: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ }.

    قيل فيه بوجوه:

    قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاءِ.

    وكذلك قوله:
    { يُخَادِعُونَ ظ±للَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }
    [النساء: 142] أَي: يجزيهم جزاء المخادعة، وكذلك قوله:
    { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ظ±للَّهُ }
    [آل عمران: 54] أي: يجزيهم جزاء المكر، يحمل على الجزاء؛ لما لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاءِ مبتدأ إلى الله؛ لأَنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز وجل؟!

    وقال بعضهم: يجوز إضافة الاستهزاء إلى الله، وإن كان لا يجوز من الخلق أَن يستهزئ بعضهم من بعض، كالتكبر، يجوز لله ولا يجوز للخلق؛ لأَن الخلق أَشكال بعضهم لبعض وأَمثال، والله - عز وجل - لا شكل له ولا مثل.

    وكذلك الاستهزاء يجوز له، ولا يجوز لغيره؛ لأَن الاستهزاء هو الاستحفاف، فلا يجوز أَن يستخف ممن هو مثله في الخلقة، وما خلق له من الأَحداث والغِيَر، والله تعالى يتعالى عن ذلك. والأَول أَقرب، والله أعلم.

    أَو أَضاف استهزاء المؤمنين بهم إلى نفسه كما ذكرنا في المخادعة.

    ثم اختلف في كيفية الاستهزاءِ:

    فقال الكلبي: هو أن يُفتح لهم باب من الجنة فيدنون منه، ثم يغلق دونهم. فإن ثبت ذا فهو كما قال.

    وقيل: إنه يرفع لأَهل الجنة نور يمضون به، فيقصد أولئك المضي معهم بذلك النور، ثم يطفأ ذلك النور؛ فيتحيرون وهو قولهم:
    { ظ±نظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ظ±رْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَظ±لْتَمِسُواْ نُوراً }
    [الحديد: 13].

    وقيل: أن يعطي لهم في الدنيا ما ينتفعون به من أنواع النعم ظاهراً على ما أَظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويحرم لهم ذلك في الآخرة بإضمارهم الخلاف لهم في السر.

    وقوله: { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }.

    الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله:
    { ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    [البقرة: 6] غير أن هذه في المنافقين و الأُولى في الكفرة.

    وهي تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن الله لا يقدر أَن يستنقذهم في حال الاختيار، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار، فأَخبر عز وجل: أَنه يستنقذهم على فعل الطغيان.

    وقوله: { وَيَمُدُّهُمْ } أي: يخلق فعل الطغيان فيهم.

    ويحتمل: أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم.

    ويحتمل: أنه لم يهدهم ولم يوفقهم.

    وفي هذا إضافة المد إلى الله. وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا المدح، والمدح يكون بالأَوجه الثلاثة التي بينا، وفي هذا أَنه إذا كان هو الذي يُمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان؛ فدل أَن الله خالق فعل العباد؛ إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده.

  9. #24
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { يَكَادُ ظ±لْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَظ°رَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ظ±للَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَظ°رِهِمْ إِنَّ ظ±للَّهَ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

    قال الرازى

    قوله { إِنَّ ظ±للَّهَ عَلَىظ° كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } ففيه مسائل المسألة الأولى منهم من استدل به على أن المعدوم شيء، قال لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء. والجواب لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئاً، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئاً.

    المسألة الثانية احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له، فوجب أن لا يكون شيئاً، واحتج أيضاً على ذلك بقوله تعالى
    { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }
    الشورى 11 قال لو كان هو تعالى شيئاً لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } فوجب أن لا يكون شيئاً حتى لا تتناقض هذه الآية، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم

    ، واحتج أصحابنا بوجهين الأول قوله تعالى
    { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـظ°دةً قُلِ ظ±للَّهِ }
    الأنعام 19 والثاني قوله تعالى
    { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
    القصص 88 والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئاً. المسألة الثالثة احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافاً لأبي علي وأبي هاشم، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى. المسألة الرابعة احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافاً للمعتزلة، فإنهم يقولون الاستطاعة قبل الفعل محال، فالشيء إنما يكون مقدوراً قبل حدوثه، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء، وكل شيء مقدور، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدوراً ترك العمل به فبقي معمولاً به في محل النزاع، لأنه حال البقاء مقدوره، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه، أما حال الحدوث، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوماً في أول زمان وجوده، فلم يبق إلا أن يكون قادراً على إيجاده.


    ملحوظة

    سيأتى الكلام علي الاستطاعة والفعل وادلة كل فريق بالايات القرانيةوهل هى قبل الفعل ام لايجوز ان تسبق الفعل

    وقال الالوسي(كلامه عميق جدا ولايلتفت لقوله علي كتب اهل السنة جعجعة وطحن فى هذا المقام)

    ولا خلاف في الاستدلال بالآية على إحاطة علمه تعالى. وأما ما ذكر في «شرحي المواقف والمقاصد» فجعجعة ولا أرى طحناً، وقعقعة ولا أرى سلاحاً تقنا، وقد كفانا مؤنة الإطالة في رده مولانا الكوراني قدس سره، والنزاع في هذا وإن كان لفظياً والبحث فيه من وظيفة أصحاب اللغة إلا أنه يبتني على النزاع في أن المعدوم الممكن ثابت أولا، وهذا بحث طالما تحيرت فيه أقوام وزلت فيه أقدام.

    والحق الذي عليه العارفون الأول لأن المعدوم الممكن ـ أي ما يصدق عليه هذا المفهوم ـ يتصور ويراد بعضه دون بعض، وكل ما هو كذلك فهو متميز في نفسه من غير فرض الذهن، وكل ما هو كذلك فهو ثابت ومتقرر في خارج أذهاننا منفكاً عن الوجود الخارجي فما هو إلا في نفس الأمر. والمراد به علم الحق تعالى باعتبار عدم مغايرته للذات الأقدس فإن لعلم الحق تعالى اعتبارين أحدهما: أنه ليس غيراً والثاني: أنه ليس عيناً، ولا يقال بالاعتبار الأول العلم تابع للمعلوم لأن التبعية نسبة تقتضي متمايزين ولو اعتباراً، ولا تمايز عند عدم المغايرة، ويقال ذلك بالاعتبار الثاني للتمايز النسبي المصحح للتبعية، والمعلوم الذي يتبعه العلم هو ذات الحق تعالى بجميع شؤونه ونسبه واعتباراته. ومن هنا قالوا: علمه تعالى بالأشياء أزلاً عين علمه بنفسه لأن كل شيء من نسب علمه بالاعتبار الأول فإذا علم الذات بجميع نسبها فقد علم كل شيء من عين علمه بنفسه، وحيث لم يكن الشريك من نسب العلم بالاعتبار الأول إذ لا ثبوت له في نفسه من غير فرض إذ الثابت كذلك هو أنه تعالى لا شريك له فلا يتعلق به العلم بالاعتبار الثاني ابتداء، ومتى كان تعلق العلم بالأشياء أزلياً لم تكن أعداماً صرفة إذ لا يصح حينئذ أن تكون طرفاً إذ لا تمايز، فإذا لها تحقق بوجه ما، فهي أزلية بأزلية العلم، فلذا لم تكن الماهيات بذواتها مجعولة لأن الجعل تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت، فالثبوت متقدم على الجعل بمراتب فلا تكون من حيث الثبوت أثراً للجعل وإلا لدار، وإنما هي مجعولة في وجودها، لأن العالم حادث وكل حادث مجعول وليس الوجود حالاً حتى لا تتعلق به القدرة، ويلزم أن لا يكون الباري تعالى موجداً للممكنات ولا قادراً عليها لأنه قد حقق أن الوجود بمعنى ما ـ بانضمامه إلى الماهيات الممكنة ـ يترتب عليها آثارها المختصة بها موجود، أما أولاً: فلأن كل مفهوم مغاير للوجود فإنه إنما يكون موجوداً بأمر ينضم إليه وهو الوجود، فهو موجود بنفسه لا بأمر زائد وإلا لتسلسل، وامتيازه عما عداه بأن وجوده ليس زائداً على ذاته.

    وأما ثانياً: فلأنه لو لم يكن موجوداً لم يوجد شيء أصلاً لأن الماهية الممكنة قبل انضمام الوجود متصفة بالعدم الخارجي فلو كان الوجود معدوماً كان مثلها محتاجاً لما تحتاجه فلا يترتب على الماهية بضمه آثارها لأنه على تقدير كونه معدوماً ليس فيه بعد العدم إلا افتقاره إلى الوجود، وهذا بعينه متحقق في الماهية قبل الضم فلا يحدث لها بالضم وصف لم تكن عليه، فلو كان هذا الوجود المفتقر مفيداً لترتب الآثار لكانت الماهية مستغنية عن الوجود حال افتقارها إليه واللازم باطل لاستحالة اجتماع النقيضين فلا بد أن يكون الوجود موجوداً بوجود هو نفسه وإلا لتسلسل أو انتهى إلى وجود موجود بنفسه، والأول: باطل، والثاني: قاض بالمطلوب. نعم الوجود بمعنى الموجودية حال لأنه صفة اعتبارية ليست بعرض ولا سلب، ومع هذا يتعلق به الجعل لكن لا ابتداء بل بضم حصة من الوجود الموجود إلى الماهية فيترتب على ذلك اتصاف الماهية بالموجودية وظاهر أنه لا يلزم من عدم تعلق القدرة بالوجود بمعنى الموجودية ابتداء أن لا تتعلق به بوجه آخر، وإذا تبين/ أن الماهيات مجعولة في وجودها فلا بد أن يكون وجود كل شيء عين حقيقته، بمعنى أن ما صدق عليه حقيقة الشيء من الأمور الخارجية هو بعينه ما صدق عليه وجوده، وليس لهما هويتان متمايزتان في الخارج كالسواد والجسم إذ الوجود إن قام بالماهية معدومة لزم التناقض، وموجودة لزم وجودان مع الدور أو التسلسل، والقول بأن الوجود ينضم إلى الماهية من حيث هي لا تحقيق فيه، إذ تحقق في محله أن الماهية قبل عروض الوجود متصفة في نفس الأمر بالعدم قطعاً لاستحالة خلوها عن النقيضين فيه، غاية الأمر أنا إذا لم نعتبر معها العدم لا يمكن أن نحكم عليها بأنها معدومة، وعدم اعتبارنا العدم معها حين عروض الوجود لا يجعلها منفكة عنه في نفس الأمر وإنما يجعلها منفكة عنه باعتبارنا وضم الوجود أمر يحصل لها باعتبار نفس الأمر لا من حيث اعتبارنا، فخلوها عن العدم باعتبارنا لا يصحح اتصافها بالوجود من حيث هي هي في نفس الأمر سالماً عن المحذور فإذاً ليس هناك هويتان تقوم إحداهما بالأخرى بل عين الشخص في الخارج عين تعين الماهية فيه وهو عين الماهية فيه أيضاً إذ ليس التعين أمراً وجودياً مغايراً بالذات للشخص منضماً للماهية في الخارج ممتازاً عنهما فيه مركباً منها ومن الفرد بل لا وجود في الخارج إلا للأشخاص، وهي عين تعيينات الماهية وعين الماهية في الخارج لاتحادهما فيه، وعلى هذا فلا شك في مقدورية الممكن إذ جعله بجعل حصته من الوجود المطلق الموجود في الخارج مقترنة بأعراض وهيآت يقتضيها استعداد حصته من الماهية النوعية فيكون شخصاً، وإيجاد الشخص من الماهية ـ على الوجه المذكور ـ عين إيجاد الماهية لأنهما متحدان في الخارج جعلا ووجوداً متمايزان في الذهن فقط، وهذا تحقيق قولهم: المجعول هو الوجود الخاص، ولا يستعد معدوم لعروضه إلا إذا كان له ثبوت في نفس الأمر إذ ما لا ثبوت له ـ وهو المنفي ـ لا اقتضاء فيه لعروض الوجود بوجه، وإلا لكان المحال ممكناً واللازم باطل، فالثبوت الأزلي لماهية الممكن هو المصحح لعروض الإمكان المصحح للمقدورية لا أنه المانع كما توهموه.

    هذا والبحث طويل والمطلب جليل. وقد أشبعنا الكلام عليه «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية» على وجه رددنا فيه كلام المعترضين المخالفين لما تبعنا فيه ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، وهذه نبذة يسيرة تنفعك في تفسير الآية الكريمة فاحفظها فلا أظنك تجدها في تفسير، وحيث كان الشيء عاماً لغة واصطلاحاً عند أهل الله تعالى، وإن ذهب إليه المعتزلة أيضاً فلا بد في مثل ما نحن فيه من تخصيصه بدليل العقل بالممكن.

    ملحوظة

    سبق ان ذكرنا عقيدة اهل السنة فى مجعولية الماهيات وقد اطنب وافاد الامام التفتازانى فى شرح المقاصد فى هذا فليراجع هناك وهذه من المباحث العميقة جدا فى علم الكلام

  10. #25
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } * { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

    مبحث النظر عند المتكلمين والادلة علي وجود الله

    قال الرازى

    أما قوله { رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ففيه مسائل المسألة الأولى اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على وجود الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم، وهذا يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال وطعن قوم من الحشوية في هذه الطريقة وقالوا الاشتغال بهذا العلم بدعة ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية وههنا ثلاث مقامات المقام الأول في بيان فضل هذا العلم وهو من وجوه أحدها أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم. وثانيها أن العلم إما أن يكون دينياً أو غير ديني، ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني، وأما العلم الديني فإما أن يكون هو علم الأصول، أو ما عداه، أما ما عداه فإنه تتوقف صحته على علم الأصول، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم، وأما المحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فرع على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم، والفقيه إنما يبحث عن أحكام الله، وذلك فرع على التوحيد والنبوة، فثبت أن هذه العلوم مفتقرة إلى علم الأصول، والظاهر أن علم الأصول غني عنها فوجب أن يكون علم الأصول أشرف العلوم....

    أما علم الأصول فالمطلوب منه معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ومعرفة أقسام المعلومات من المعدومات والموجودات، ولا شك أن ذلك أشرف الأمور، وأما الحاجة إليه فشديدة لأن الحاجة إما في الدين أو في الدنيا، أما في الدين فشديدة لأن من عرف هذه الأشياء استوجب الثواب العظيم والتحق بالملائكة، ومن جهلها استوجب العقاب العظيم والتحق بالشياطين. وأما في الدنيا فلأن مصالح العالم إنما تنتظم عند الإيمان بالصانع والبعث والحشر، إذ لو لم يحصل هذا الإيمان لوقع الهرج والمرج في العالم، وأما قوة البراهين فبراهين هذا العلم يجب أن تكون مركبة من مقدمات يقينية تركيباً يقينياً وهذا هو النهاية في القوة فثبت أن هذا العلم مشتمل على جميع جهات الشرف والفضل فوجب أن يكون أشرف العلوم. وخامسها أن هذا العلم لا يتطرق إليه النسخ ولا التغيير، ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي بخلاف سائر العلوم، فوجب أن يكون أشرف العلوم. وسادسها أن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهية بدليل أنه جاء في فضيلة
    { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }
    الإخلاص 1 و
    { آمن ٱلرَّسُولُ }
    البقرة 285 وآية الكرسي ما لم يجيء مثله في فضيلة قوله
    { وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيض }
    البقرة 222 وقوله
    { يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ }
    البقرة 282 وذلك يدل على أن هذا العلم أفضل. وسابعها أن الآيات الواردة في ا لأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين، وأما الآيات الواردة في القصص فالمقصود منها معرفة حكمة الله تعالى وقدرته على ما قال
    { لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِى ٱلألْبَـٰبِ }
    يوسف 111 فدل ذلك على أن هذا العلم أفضل، ونشير إلى معاقد الدلائل أما الذي يدل على وجود الصانع فالقرآن مملوء منه. أولها ما ذكر ههنا من الدلائل الخمسة وهي خلق المكلفين وخلق من قبلهم، وخلق السماء وخلق الأرض، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى الأرض، وكل ما ورد في القرآن من عجائب السماوات والأرض، فالمقصود منه ذلك، وأما الذي يدل على الصفات.

    أما العلم فقوله
    { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِى ٱلأرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء }
    آل عمران 5 ثم أردفه بقوله
    { هُوَ ٱلَّذِى يُصَوّرُكُمْ فِى ٱلأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء }
    آل عمران 6 وهذا هو عين دليل المتكلمين فإنهم يستدلون بأحكام الأفعال واتقانها على علم الصانع، وههنا استدل الصانع سبحانه بتصوير الصور في الأرحام على كونه عالماً بالأشياء، وقال
    { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ }
    االملك 14 وهو عين تلك الدلالة وقال
    { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُو }
    الأنعام 59 وذلك تنبيه على كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، لأنه تعالى مخبر عن المغيبات فتقع تلك الأشياء على وفق ذلك الخبر، فلولا كونه عالماً بالمغيبات وإلا لما وقع كذلك، وأما صفة القدرة فكل ما ذكر سبحانه من حدوث الثمار المختلفة والحيوانات المختلفة مع استواء الكل في الطبائع الأربع فذاك يدل على كونه سبحانه قادراً مختاراً لا موجباً بالذات، وأما التنزيه فالذي يدل على أنه ليس بجسم، ولا في مكان قوله { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فإن المركب مفتقر إلى أجزائه والمحتاج محدث، وإذا كان أحداً وجب أن لا يكون جسماً وإذا لم يكن جسماً لم يكن في المكان، وأما التوحيد فالذي يدل عليه قوله
    { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }
    والأنبياء 22 قوله
    { إِذًاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلا }
    الإسراء 42 وقوله
    { وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }
    المؤمنون 91 وأما النبوة فالذي يدل عليها قوله ههنا
    { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ }
    البقرة 23 وأما المعاد فقوله
    { قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة }
    يۤس 79 وأنت لو فتشت علم الكلام لم تجد فيه إلا تقرير هذه الدلائل والذب عنها ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها، أفترى أن علم الكلام يذم لاشتماله على هذه الأدلة التي ذكرها الله أو لاشتماله على دفع المطاعن والقوادح عن هذه الأدلة ما أرى أن عاقلاً مسلماً يقول ذلك ويرضى به. وثانيها أن الله تعالى حكى الاستدلال بهذه الدلائل عن الملائكة وأكثر الأنبياء أما الملائكة فلأنهم لما قالوا
    { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }
    البقرة 30 كان المراد أن خلق مثل هذا الشيء قبيح، والحكيم لا يفعل القبيح، فأجابهم الله تعالى بقوله { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } والمراد إني لما كنت عالماً بكل المعلومات كنت قد علمت في خلقهم وتكوينهم حكمة لا تعلمونها أنتم، ولا شك أن هذا هو المناظرة، وأما مناظرة الله تعالى مع إبليس فهي أيضاً ظاهرة وأما الأنبياء عليهم السلام فأولهم آدم عليه السلام وقد أظهر الله تعالى حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة وذلك محض الاستدلال، وأما نوح عليه السلام فقد حكى الله تعالى عن الكفار قولهم



    { يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا }
    هود 32 ومعلوم أن تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد والنبوة، فالمجادلة في نصرة الحق في هذا العلم هي حرفة الأنبياء، وأما إبراهيم عليه السلام فالاستقصاء في شرح أحواله في هذا الباب يطول وله مقامات أحدها مع نفسه وهو قوله
    { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ }
    الأنعام 76 وهذا هو طريقة المتكلمين في الاستدلال بتغيرها على حدوثها، ثم إن الله تعالى مدحه على ذلك فقال
    { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِه }
    الأنعام 83 وثانيها حاله مع أبيه وهو قوله
    { يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً }
    مريم 42 وثالثها حاله مع قومه تارة بالقول وأخرى بالفعل، أما بالقول فقوله
    { مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ }
    الأنبياء 52 وأما بالفعل فقوله
    { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُون }
    الأنبياء 58. ورابعها حاله مع ملك زمانه في قوله
    { رَبّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ }
    البقرة 258 إلى آخره وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليس إلا تقرير هذه الدلائل ودفع الأسئلة والمعارضات عنها، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام في المبدأ، وأما بحثه في المعاد فقال
    { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ }
    البقرة 26 إلى آخره وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد والنبوة، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول في أكثر الأمر على دلائل إبراهيم عليه السلام وذلك لأن الله تعالى حكى في سورة طه
    { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ }
    طه 49، 50 وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله
    { ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ }
    الشعراء 78 وقال في سورة الشعراء
    { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ }
    الشعراء 26 وهذا هو الذي قاله إبراهيم { رَبّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال موسى
    { رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ }
    الشعراء 28 وهذا هو الذي قال إ براهيم عليه السلام
    { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب }
    البقرة258 فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل حرفة هؤلاء المعصومين وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين، وأما استدلال موسى على النبوة بالمعجزة ففي قوله
    { أَولو جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ }
    الشعراء30 وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل، فإن القرآن مملوء منه ولقد كان عليه السلام مبتلى بجميع فرق الكفار فالأول الدهرية الذين كانوا يقولون
    { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }
    الجاثية 24 والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل...


    ورابعها أن الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال
    { إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ }
    الزمر 21،
    { إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰر }
    آل عمران 13،
    { إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ لأُوْلِى النهى }
    طه 54، 128 وأيضاً ذم المعرضين فقال
    { وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }
    يوسف 105،
    { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا }
    الأعراف 179 وخامسها أنه تعالى ذم التقليد، فقال حكاية عن الكفار
    { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون }
    الزخرف 23 وقال
    { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا }
    لقمان 21 وقال
    { بَلْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }
    الشعراء 74 وقال
    { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا }
    الفرقان 42 وقال عن والد إبراهيم عليه السلام
    { لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً }
    مريم 46 وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال والتفكر وذم التقليد فمن دعا إلى النظر والاستدلال، كان على وفق القرآن ودين الأنبياء ومن دعا إلى التقليد كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين الكفار. وأما الأخبار ففيها كثرة، ولنذكر منها وجوهاً أحدها ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال إن امرأتي وضعت غلاماً أسود فقال له هل لك من إبل، فقال نعم قال فما ألوانها قال حمر قال فهل فيها من أورق؟ قال نعم. قال فأنى ذلك، قال عسى أن يكون قد نزعه عرق قال وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» واعلم أن هذا هو التمسك بالإلزام والقياس. وثانيها عن أبي هريرة قال قال عليه الصلاة والسلام " قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني. أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول خلقه بأهون على من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الله الأَحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد "


    فانظر كيف احتج الله تعالى في المقام الأول بالقدرة على الابتداء، على القدرة على الإعادة، وفي المقام الثاني احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية. وثالثها روى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " فقالت عائشة يا رسول الله إنا نكره الموت فذاك كراهتنا لقاء الله؟ فقال عليه السلام " لا ولكن المؤمن أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، والكافر كره لقاء الله فكره الله لقاءه " وكل ذلك يدل على أن النظر والفكر في الدلائل مأمور به. واعلم أن للخصم مقامات. أحدها أن النظر لا يفيد العلم. وثانيها أن النظر المفيد للعلم غير مقدور. وثالثها أنه لا يجوز الإقدام عليه. ورابعها أن الرسول ما أمر به. وخامسها أنه بدعة. أما المقام الأول فاحتج الخصم عليه بأمور أحدها أنا إذا تفكرنا وحصل لنا عقيب فكرنا اعتقاد فعلمنا بكون ذلك الاعتقاد علماً، إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، والأول باطل لأن الإنسان إذا تأمل في اعتقاده في كون ذلك الاعتقاد علماً، وفي اعتقاده في أن الواحد نصف الاثنين، وأن الشمس مضيئة والنار محرقة وجد الأول أضعف من الثاني، وذلك يدل على أن تطرق الضعف إلى الأول والثاني باطل، لأن الكلام في ذلك الفكر الثاني كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وهو محال. وثانيها إنا رأينا عالماً من الناس قد تفكروا واجتهدوا وحصل لهم عقيب فكرهم اعتقاد، وكانوا جازمين بأنه علم ثم ظهر لهم أو لغيرهم أن ذلك كان جهلاً فرجعوا عنه وتركوه وإذا شاهدنا ذلك في الوقت الأول جاز أن يكون الاعتقاد الحاصل ثانياً كذلك، وعلى هذا الطريق لا يمكن الجزم بصحة شيء من العقائد المستفادة من الفكر والنظر. وثالثها أن المطلوب إن كان مشعوراً به استحال طلبه، لأن تحصيل الحاصل محال، وإن كان غير مشعور به كان الذهن غافلاً عنه، و المغفول عنه يستحيل أن يتوجه الطلب إليه. ورابعها أن العلم يكون النظر مفيداً للعلم إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً فإن كان ضرورياً وجب اشتراك العقلاء فيه وليس كذلك. وإن كان نظرياً لزم إثبات جنس الشيء بفرد من أفراده وذلك محال لأن النزاع لما وقع في الماهية كان واقعاً في ذلك الفرد أيضاً فيلزم إثبات الشيء بنفسه وهو محال لأنه من حيث أنه وسيلة الإثبات يجب أن يكون معلوماً قبل.


    ومن حيث أنه مطلوب يجب أن لا يكون معلوماً قبل، فيلزم اجتماع النفي والإثبات وهو محال. وخامسها أن المقدمة الواحدة لا تنتج بل المنتج مجموع المقدمتين، لكن حضور المقدمتين دفعة واحدة في الذهن محال لأنا جربنا أنفسنا فوجدنا أنا متى وجهنا الخاطر نحو معلوم استحال في ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر، وربما سلم بعضهم أن النظر في الجملة يفيد العلم لكنه يقول النظر في الإلاهيات لا يفيد واحتج عليه بوجهين الأول أن حقيقة الإله غير متصورة وإذا لم تكن الحقيقة متصورة استحال التصديق لا بثبوته ولا بثبوت صفة من صفاته. بيان الأول أن المعلوم عند البشر كون واجب الوجود منزهاً عن الحيز والجهة، وكونه موصوفاً بالعلم والقدرة. أما الوجوب والتنزيه فهو قيد سلبي وليست حقيقته نفس هذا السلب. فلم يكن العلم بهذا السلب علماً بحقيقته، وأما الموصوفية بالعلم والقدرة فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هذه الصفات وليست ذاته نفس هذا الانتساب فالعلم بهذا الانتساب ليس علماً بذاته. بيان الثاني أن التصديق موقوف على التصور، فإذا فقد التصور امتنع التصديق، ولا يقال ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له لكنها متصورة بحسب لوازمها، أعني أنا نعلم أنه شيء ما، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام فيحكم على هذا المتصور، قلنا هذه الأمور المعلومة إما أن يقال إنها نفس الذات وهو محال أو أمور خارجة عن الذات فلما لم نعلم الذات لا يمكننا أن نعلم كونها موصوفة بهذه الصفات فإن كان التصور الذي هو شرط إسناد هذه الصفات إلى ذاته هو أيضاً تصور بحسب صفات آخر، فحينئذٍ يكون الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل وهو محال. الوجه الثاني أن أظهر الأشياء عندنا ذاتنا وحقيقتنا التي إليها نشير بقولنا أنا ثم الناس تحيروا في ماهية المشار إليه يقول أنا، فمنهم من يقول هو هذا البنية، ومنهم من يقول هو المزاج، ومنهم من يقول بعض الأجزاء الداخلة في هذه البنية، ومنهم من يقول شيء لا داخل هذا البدن ولا خارجه، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك فما ظنك بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا. أما المقام الثاني وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا فقد احتجوا عليه بوجوه أحدها أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير مقدورة فجميع التصديقات غير مقدورة وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن طالب تحصيلها إن كان عارفاً بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال، فإن كان غافلاً عنها استحال كونه طالباً لها لأن الغافل عن الشيء لا يكون طالباً له. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون معلوماً من وجه ومجهولاً من وجه. قلنا لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير معلوم، وإلا فقد صدق النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال وحينئذٍ نقول الوجه المعلوم استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل والوجه الذي هو غير معلوم استحال طلبه لأن المغفول عنه لا يكون مطلوباً، وإنما قلنا إن التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون التصديقات البديهية كسبية وذلك لأن عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من القضية البديهية إما أن يلزم من مجرد حضورهما جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات، أو لا يلزم، فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة.


    وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما، وما يكون واجب الدوران نفياً وإثباتاً مع ما لا يكون مقدوراً نفياً وإثباتاً وجب أن يكون أيضاً كذلك فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية وإنما قلنا إن هذه التصديقات لما لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبياً لأن التصديق الذي لا يكون بديهياً، لا بدّ وأن يكون نظرياً فلا يخلو إما أن يكون واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا يكون فإن لم يكن واجب اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب، فلم يكن ذلك استدلالاً يقينياً بل إما ظناً أو اعتقاداً تقليدياً، وإن كان واجباً فكانت تلك النظريات واجبة الدوران نفياً وإثباتاً مع تلك القضايا الضرورية، فوجب أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدوراً للعبد أصلاً. وثانيها أن الإنسان إنما يكون قادراً على إدخال الشيء في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك المطلوب عن غيره والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه مطابقاً للمعلوم دون الجهل وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه، فإذن لا يمكنه إيجاد العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالماً بذلك الشيء لكن ذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل، فوجب أن لا يكون العبد متمكناً من إيجاد العلم ولا من طلبه. وثالثها أن الموجب للنظر، إما ضرورة العقل، أو النظر أو السمع. والأول باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه، ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك، بل كثير من العقلاء يستقبحونه، ويقولون إنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل، فوجب الاحتراز منه، والثاني أيضاً باطل، لأنه إذا كان العلم بوجوبه يكون نظرياً، فحينئذٍ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر، فتكليفه بذلك يكون تكليف ما لا يطاق، وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر، لأنه لا فائدة فيه، والثالث باطل، لأنه قبل النظر لا يكون متمكناً من معرفة وجوب النظر، وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضاً لعدم الفائدة، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب.....


    واعلم أننا بينا في «الكتب العقلية» أن الطريق إلى إثباته سبحانه وتعالى إما الإمكان، وإما الحدوث. وإما مجموعهما، وكل ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها. أحدها الاستدلال بإمكان الذوات، وإليه الإشارة بقوله تعالى
    { وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء }
    محمد 38 وبقوله حكاية عن إبراهيم
    { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }
    الشعراء 77 وبقوله
    { وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ }
    النجم 42 وقوله
    { قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ }
    الأنعام 91
    { فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ }
    الذاريات50
    { أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ }
    الرعد28 وثانيها الاستدلال بإمكان الصفات وإليه الإشارة بقوله
    { خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }
    النحل 3 وبقوله { ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء } على ما سيأتي تقريره. وثالثها الاستدلال بحدوث الأجسام. وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام
    { لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ }
    الأنعام 76 ورابعها الاستدلال بحدوث الأعراض، وهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق، وذلك محصور في أمرين دلائل الأنفس، ودلائل الآفاق، «والكتب الإلهية» في الأكثر مشتملة على هذين البابين، والله تعالى جمع ههنا بين هذين الوجهين. أما دلائل الأنفس، فهي أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً قبل ذلك وأنه صار الآن موجوداً وأن كل ما وجد بعد العدم فلا بدّ له من موجد وذلك الموجد ليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس، لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة فلا بدّ من موجد يخالف هذه الموجودات حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص إلا أن لقائل أن يقول ههنا لم لا يجوز أن يكون المؤثر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم؟ ...



    ملحوظة

    مبحث النظر اول مباحث علم الكلام وبه مناقشات ومن قال ان الاشاعرة عندهم ايمان المقلد غير جائز فقد افترى

  11. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { ظ±لَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ظ±لأَرْضَ فِرَظ°شاً وَظ±لسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ظ±لثَّمَرَظ°تِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

    قال الالوسي

    والباء من (به) للسببية، والمشهور عند الأشاعرة أنها سببية عادية في أمثال هذا الموضع فلا تأثير للماء عندهم أصلاً في الإخراج بل ولا في غيره وإنما المؤثر هو الله تعالى عند الأسباب لا بها لحديث الاستكمال بالغير، قالوا: ومن اعتقد أن الله تعالى أودع قوة الري في الماء مثلاً فهو فاسق وفي كفره قولان، وجمع على كفره كمن قال: إنه مؤثر بنفسه فيجب عندهم أن يعتقد المكلف أن الري جاء من جانب المبدأ الفياض بلا واسطة وصادف مجيئه شرب الماء من غير أن يكون للماء دخل في ذلك بوجه من الوجوه سوى الموافقة الصورية، والفقير لا أقول بذلك ولكني أقول: إن الله سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعاً وقدراً، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى جحد للضروريات وقدح في العقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء، فقد جعل الله تعالى شأنه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطاً بالأسباب قائماً بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، ولو تتبعنا ما يفيد ذلك من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع حقيقة لا مبالغة، ويالله تعالى العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سبباً لهذا، والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة، فأي قدح يوجب/ ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب عليه؟! نستغفر الله تعالى مما يقولون، فالله عز وجل يفعل بالأسباب التي اقتضتها الحكمة مع غناه عنها كما صح أن يفعل عندها لا بها، وحديث الاستكمال يرده أن الاستكمال إنما يلزم لو توقف الفعل على ذلك السبب حقيقة واللازم باطل لقوله تعالى:

    { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }
    [يس: 82] فالأسباب مؤثرة بقوى أودعها الله تعالى فيها ولكن بإذنه وإذا لم يأذن وحال بينها وبين التأثير لم تؤثر كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى:
    { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ظ±للَّهِ }
    [البقرة: 102] ولو لم يكن في هذه الأسباب قوى أودعها العزيز الحكيم لما قال سبحانه:
    { يظ°نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَظ°ماً عَلَىظ° إِبْرَاهِيمَ }
    [الأنبياء: 69] إذ ما الفائدة في القول وهي ليس فيها قوة الإحراق وإنما الإحراق منه تعالى بلا واسطة ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن تقول: إلهي ما أودعتني شيئاً ولا منحتني قوة وما أنا إلا كيد شلاء صحبتها يد صحيحة تعمل الأعمال وتصول وتجول في ميدان الأفعال أفيقال لليد الشلاء لا تفعلي وفي ذلك الميدان لا تنزلي ولا يقال ذلك لليد الفعالة وهي الحرية بتلك المقالة،

    ولا أظن الأشاعرة يستطيعون لذلك جواباً ولا أراهم يبدون فيه خطاباً، وهذا الذي ذكرناه هو ما ذهب إليه السلف الصالح وتلقاه أهل الله تعالى بالقبول، ولا يوقعنك في شك منه نسبته للمعتزلة فإنهم يقولون أيضاً لا إله إلا الله أفتشك فيها لأنهم قالوها معاذ الله تعالى من التعصب فالحكمة ضالة المؤمن والحق أحق بالاتباع والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

    ملحوظة

    مااستدل به الالوسي بكونى بردا والزم به الاشاعرة ليس بظاهر لان ليس فى الاية دليل علي ان النار تحرق بنفسها بل الله هو الخالق للاحراق فالنار لاتحرق بنفسها بل قد يستدل الاشعرى بالاية علي مذهبه ان لامؤثر الا الله بدليل كونى بردا ..وكلام الالوسي حقيقة يدعو لمزيد تأمل فى الاية من جانب اهل السنة الاشاعرة لذا اوردته

    والمسألة عميقة وشائكة وفى المذهب الاشعرى نفسه اقوال بالتأثير ولكن ليس كما ذهب المعتزلة راجع اقوال الباقلانى والاسفراينى والجوينى والرازى وقد ناقشها ابن التلمسانى فى شرح معالم اصول الدين للرازى وليس هنا محل بسطها

  12. #27
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىظ° عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ظ±للَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ } * { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَظ±تَّقُواْ ظ±لنَّارَ ظ±لَّتِي وَقُودُهَا ظ±لنَّاسُ وَظ±لْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَظ°فِرِينَ }

    التحدى بالقرآن



    هدية لأهل السنة الاشاعرة

    قال الامام الشاطبي

    فى عقيلة اتراب القصائد

    18) ومنْ يقُلْ بكلامِ اللهِ طَالَبـَـهُمْ لم يَحْلُ فى العِلْمِ وِرْداً لاَ ولاَ صَدَرَا
    19) ما لاَ يُطاقُ ففى تعيينِ كُلْفَتِهِ وجائزٍ ووقوعٍ عُضْلَةُ البُصَرَا
    20) للهِ دَرُّ الَّذى تأليفُ مُعْجِزِهِ والانتصارِ لهُ قدْ أوْضَحَا الغُرَرَا

    ابيات تكتب بماء الذهب

    انظر الصورة وهى من صفحتى علي موقع التواصل الاشعرى المصري السلفي

    Screenshot_2017-04-30-11-53-29.png

    وهنا السؤال المحورى

    هل التحدى يكون بصفة ذات ام بصفة فعل ؟

    راجع كتب اهل السنة والجماعة

    وقال الماتريدى

    وقوله: { أُعِدَّتْ لِلْكَظ°فِرِينَ }.

    في الآية دلالة أنها لم تعدّ لغير الكافرين.

    وهي تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أَنها أُعدت للكافرين أيضاً، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصيَ يرتكبها، وأَوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أَن الله يعذب من يشاء بما شاءَ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله:
    { وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً }
    [الكهف: 26].

    فإن قالوا: إن أَطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تُعدَّ لهم، وإنما أُعدت للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم. وكذلك النَّار وإن كانت معدة للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله:
    { فَأَمَّا ظ±لَّذِينَ ظ±سْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ... }
    الآية [آل عمران: 106] شرط الكفر بعد الإيمان.

    ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد.

    فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في نفسه، واختار الاعتناد فصار كَكُفْرٍ بعد الإيمان؛ لأَنه لم يكن مؤمناً ثم كفر.

    وأَما قولهم في الأَطفال؛ فإنهم إنما خُلِّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله أَن يعطي الجزاءَ من شاءَ بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلاً وكرامة، وذلك في العقل جائِز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام.

    وأَما التعذيب فإنه غير جائِز في العقل بلا ذنب يرتكبه، والله أعلم.

    ملحوظة

    لفظ اعدت دلالة علي ماذهب اليه اهل السنة من ان النار والجنة مخلوقتان

    وربك قال هل ادلكم علي تجارة

    والرسول قال سلعة الله غالية

    وفى الفقه بيع المعدوم غير جائز

    والاشارة منى تكفى اللبيب اخى الحبيب

  13. #28
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { وَبَشِّرِ ظ±لَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَظ°تِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّظ°تٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَظ°رُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَظ°جٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَظ°لِدُونَ }

    قال الرازى

    أما قوله { ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ } ففيه مسائل ـ المسألة الأولى هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار وهو خلاف الأصل. المسألة الثانية من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة. فإذا قيل له ما قولك فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر قال إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان والطاعة، يوجب استحقاق الثواب الدائم، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال، والقول أيضاً بالتحابط محال فلم يبق إلا أن يقال هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع، وإنما قلنا إن القول بالتحابط محال لوجوه أحدها أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا فإن تضادا كان طريان الطارىء مشروطاً بزوال الباقي، فلو كان زوال الباقي معللاً بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال. وثانيها أن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي لطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي، فإما أن يوجدا معاً وهو محال أو يتدافعا فحينئذٍ يبطل القول بالمحابطة، وثالثها أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل، فإن تعادلا مثل أن يقال كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق عشرة أجزاء من العقاب فنقول استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب. وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن تأثير جزء آخر في إزالته فأما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثراً في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة مستقلة، وكل ذلك محال، وإما أن يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص فذلك محال لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وأما إن كان المقدم أكثر فالطارىء لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن يزول به أولى من سائر الأجزاء فأما أن يزول الكل وهو محال، لأن الزائل لا يزول إلا بالناقص.

    أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص، وهو محال، أو لا يزول شيء منها وهو المطلوب، وأيضاً فهذا الطارىء إذا أزال بعض أجزاء الباقي فإما أن يبقى الطارىء، أو يزول. أما القول ببقاء الطارىء فلم يقل به أحد من العقلاء. وأما القول بزواله فباطل، لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر معاً أو على الترتيب، والأول باطل لأن المزيل لا بدّ وأن يكون موجوداً حال الإزالة، فلو وجد الزوالان معاً لوجد المزيلان معاً، فيلزم أن يوجدا حال ما عدما وهو محال وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل أن ينقلب غالباً، وأما إن كان المتقدم أقل فأما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء الطارىء، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة، واختصاص البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال، وإما أن يصير الكل مؤثراً في الإزالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال، فقد ثبت بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط، وعند هذا تعين في الجواب قولان الأول قول من اعتبر الموافاة، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على الكفر فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولاً كان كفراً وهذا قول ظاهر السقوط، الثاني أن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً، وهو قول أهل السنّة واختيارنا، وبه يحصل الخلاص من هذه الظلمات.

    المسألة الثالثة احتج المعتزلة على أن الطاعة توجب الثواب فإن في حال ما بشرهم بأن لهم جنات لم يحصل ذلك لهم على طريق الوقوع، ولما لم يمكن حمل الآية عليه وجب حملها على استحقاق الوقوع لأنه يجوز التعبير بالوقوع عن استحقاق الوقوع مجازاً.

    أما قوله { وَهُمْ فِيهَا خَـظ°لِدُونَ } فقالت المعتزلة الخلد ههنا هو الثبات اللازم والبقاء الدائم الذي لا ينقطع واحتجوا عليه بالآية والشعر، أما الآية فقوله
    { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ظ±لْخُلْدَ أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ ظ±لْخَـظ°لِدُونَ }
    الأنبياء 34 فنفي الخلد عن البشر مع أنه تعالى أعطى بعضهم العمر الطويل، والمنفي غير المثبت، فالخلد هو البقاء الدائم وأما الشعر فقول امرىء القيس
    وهل يعمن إلا سعيد مخلد قليل هموم ما يبيت بأوجال
    وقال أصحابنا الخلد هو الثبات الطويل سواء دام أو لم يدم واحتجوا فيه بالآية والعرف أما الآية فقوله تعالى { خَـظ°لِدِينَ فِيهَا أَبَداً } ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد لكان ذلك تكراراً وأما العرف فيقال حبس فلان فلاناً حبساً مخلداً ولأنه يكتب في صكوك الأوقاف وقف فلان وقفاً مخلداً فهذا هو الكلام في أن هذا اللفظ هل يدل على دوام الثواب أم لا؟ وقال آخرون العقل يدل على دوامه لأنه لو لم يجب دوامه لجوزوا انقطاعه فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة لأن النعمة كلما كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعاً في القلب وذلك يقتضي أن لا ينفك أهل الثواب البتة من الغم والحسرة والله تعالى أعلم.

    وقال الماتريدى

    وقوله: { وَهُمْ فِيهَا خَظ°لِدُونَ }.

    أي: يقيمون أَبدا.

    فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأَنهم يقولون بفناءِ الجنة، وفناءِ ما فيها؛ يذهبون إلى أَن الله تعالى هو الأَول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية غير فانية لكان ذلك تشبيهاً.

    لكن ذلك وهمٌ عندنا؛ لأَن الله تعالى هو الأَول بذاته، والآخر بذاته، والباقي بذاته، والجنةُ وما فيها باقيةٌ بغيرها.

    ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان في الخلق أيضاً في حال البقاءِ تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه.

    وأيضاً: فإن الله تعالى جعل الجنة داراً مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها دار قدس، ودار سلام.

    ولو كان آخرها للفناءِ كان فيها أَعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأُ بعيش إذا نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أَهلها؛ فلما نزه عن العيوب كلها - وهذا أَعظم العيوب - لذلك كان التخليد لأَهلها أَولى بها.

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ظ±لْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ظ±لْفَظ°سِقِينَ }

    قال الرازى

    اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيـي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء. جعل الحيـي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم، ولكنه وارد في الأحاديث. روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله تعالى حيـي كريم يستحيـي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً "

    وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان

    الأول وهو القانون في أمثال هذه الأشياء أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب، فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب.

    الثاني يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت، فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال، وهذا فن بديع من الكلام، ثم قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتاً فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضاً عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى من كتابه في قوله
    { لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }
    البقرة255 وقوله
    { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }
    الإخلاص3 فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله
    { مَا ظ±تَّخَذَ ظ±للَّهُ مِن وَلَدٍ }
    المؤمنون 91 وكذلك قولك
    { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ }
    الأنعام14 وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائزاً أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال، ولقائل أن يقول لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقاً فوجب أن يجوز. بقي أن يقال إن الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول هذه الدلالة ممنوعة وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضاً كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً.

    المسألة الثانية عشرة الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته. وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف، وقال المتكلمون إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القيد الأخير عن القدرة، واختلفوا في كونه تعالى مريداً مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى فقال النجارية إنه معنى سلبي ومعناه أنه غير مغلوب ولا مستكره، ومنهم من قال إنه أمر ثبوتي وهؤلاء اختلفوا فقال الجاحظ والكعبي وأبو الحسن البصري معناه علمه تعالى باشتماله الفعل على المصلحة أو المفسدة، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف، وقال أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إنه صفة زائدة على العلم ثم القسمة في تلك الصفة إما أن تكون ذاتية وهو القول الثاني للنجارية، وإما أن تكون معنوية، وذلك المعنى إما أن يكون قديماً وهو قول الأشعرية أو محدثاً وذلك المحدث إما أن يكون قائماً بالله تعالى، وهو قول الكرامية، أو قائماً بجسم آخر وهذا القول لم يقل به أحد، أو يكون موجوداً لا في محل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما.

    المسألة الخامسة عشرة اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكي عنهم كفرهم واستحقارهم كلام الله بقوله { مَاذَا أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً } أجاب عنه بقوله { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ونريد أن نتكلم ههنا في الهداية والإضلال ليكون هذا الموضع كالأصل الذي يرجع إليه في كل ما يجيء في هذا المعنى من الآيات فنتكلم أولاً في الإضلال فنقول إن الهمزة تارة تجيء لنقل الفعل من غير المتعدي إلى التعدي كقولك خرج فإنه غير متعدٍ، فإذا قلت أخرج فقد جعلته معتدياً وقد تجيء لنقل الفعل من المتعدي إلى غير المتعدي كقولك كببته فأكب، وقد تجيء لمجرد الوجدان. حكي عن عمرو بن معد يكرب أنه قال لبني سليم قاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم، وسألناكم فما أبخلناكم. أي فما وجدناكم جبناء ولا مفحمين ولا بخلاء. ويقال أتيت أرض فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة قال المخبل
    فتمنى حصين أن يسود خزاعة فأمسى حصين قد أذل وأقهرا
    أي وجد ذليلاً مقهوراً، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يقال الهمزة لا تفيد إلا نقل الفعل من غير المتعدي إلى المتعدي فأما قوله كببته فأكب، فلعل المراد كببته فأكب نفسه على وجهه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين وهذا ليس بعزيز. وأما قوله. قاتلناكم فما أجبناكم، فالمراد ما أثر قتالنا في صيرورتكم جبناء. وما أثر هجاؤنا لكم في صيرورتكم مفحمين، وكذا القول في البواقي، وهذا القول الذي قلناه أولى دفعاً للاشتراك. إذا ثبت هذا فنقول قولنا أضله الله لا يمكن حمله إلا على وجهين أحدهما أنه صيره ضالاً، والثاني أنه وحده ضالاً أما التقدير الأول وهو أنه صيره ضالاً فليس في اللفظ دلالة على أنه تعالى صيره ضالاً عما ذا وفيه وجهان أحدهما أنه صيره ضالاً عن الدين. والثاني أنه صيره ضالاً عن الجنة، أما الأول وهو أنه تعالى صيره ضالاً عن الدين فاعلم أن معنى الإضلال عن الدين في اللغة هو الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى إبليس فقال

    إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ }
    القصص 15 وقال
    { ولأُضِلَّنَّهُمْ ولأُمَنّيَنَّهُمْ }
    النساء 119 و
    { قَالَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا ظ±لَّذِينَ أَضَلَّـظ°نَا مِنَ ظ±لْجِنّ وَظ±لإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا }
    فصلت 29 وقال
    { فَزَيَّنَ لَهُمُ ظ±لشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ظ±لسَّبِيل }
    النمل 24 العنكبوت 38، وقال الشيطان إلى قوله
    { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـظ°نٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَظ±سْتَجَبْتُمْ لِى }
    إبراهيم 22 وأيضاً أضاف الله تعالى هذا الإضلال إلى فرعون فقال
    { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىظ° }
    واعلم أن الأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى لأنه تعالى ما دعا إلى الكفر وما رغب فيه بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه، وإذا كان المعنى الأصلي للإضلال في اللغة ليس إلا هذا وهذا المعنى منفي بالإجماع ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره. وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل أما أهل الجبر فقد حملوه على أنه تعالى خلق الضلال والكفر فيهم وصدهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه، وربما قالوا هذا هو حقيقة اللفظ في أصل اللغة، لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالاً كما أن الإخراج والإدخال عبارة عن جعل الشيء خارجاً وداخلاً، وقالت المعتزلة هذا التأويل غير جائز لا بحسب الأوضاع اللغوية ولا بحسب الدلائل العقلية، أما الأوضاع اللغوية فبيانه من وجوه أحدها أنه لا يصح من طريق اللغة أن يقال لمن منع غيره من سلوك الطريق كرهاً وجبراً أنه أضله بل يقال منعه منه وصرفه عنه وإنما يقولون إنه أضله عن الطريق إذا لبس عليه وأورد من الشبهة ما يلبس عليه الطريق فلا يهتدي له، وثانيها أنه تعالى وصف إبليس وفرعون بكونهما مضللين، مع أن فرعون وإبليس ما كان خالقين للضلال في قلوب المستجيبين لهما بالاتفاق، وأما عند الجبرية فلأن العبد لا يقدر على الإيجاد، وأما عند القدرية فلأن العبد لا يقدر على هذا النوع من الإيجاد، فلما حصل اسم المضل حقيقة مع نفي الخالقية بالاتفاق، علمنا أن اسم المضل غير موضوع في اللغة لخالق الضلال وثالثها أن الإضلال في مقابلة الهداية فكما صح أن يقال هديته فما اهتدى وجب صحة أن يقال أضللته فما ضل، وإذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال، وأما بحسب الدلائل العقلية فمن وجوه أحدها أنه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثم كلفه بالإيمان لكان قد كلفه بالجمع بين الضدين وهو سفه وظلم، وقال تعالى
    { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـظ°مٍ لّلْعَبِيدِ }
    فصلت 46 وقال
    { لاَ يُكَلّفُ ظ±للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }
    البقرة 286 وقال
    { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ظ±لدّينِ مِنْ حَرَجٍ }
    االحج 78 وثانيها لو كان تعالى خالقاً للجهل وملبساً على المكلفين لما كان مبيناً لما كلف العبد به، وقد أجمعت الأمة على كونه تعالى مبيناً، وثالثها أنه تعالى لو خلق فيهم الضلال وصدهم عن الإيمان لم يكن لإنزال الكتب عليهم وبعثة الرسل إليهم فائدة لأن الشيء الذي لا يكون ممكن الحصول كان السعي في تحصيله عبثاً وسفهاً.

    ورابعها أنه على مضادة كبيرة من الآيات نحو قوله
    { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    الانشقاق 20
    { فَمَا لَهُمْ عَنِ ظ±لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }
    المدثر 49،
    { وَمَا مَنَعَ ظ±لنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ظ±لْهُدَىظ° إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ ظ±للَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً }
    الإسراء 94 فبين أنه لا مانع لهم من الإيمان ألبتة. وإنما امتنعوا لأجل إنكارهم بعثة الرسل من البشر وقال
    { وَمَا مَنَعَ ظ±لنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ظ±لْهُدَىظ° وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ }
    الكهف 55 وقال
    { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوظ°تًا فَأَحْيَـظ°كُمْ }
    لبقرة 28 وقال { أنّى تُصْرَفُونَ } وقال { أنّى تُؤْفَكُونَ } فلو كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين وصرفهم عن الإيمان لكانت هذه الآيات باطلة. وخامسها أنه تعالى ذم إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في إضلال الناس عن الدين وصرفهم عن الحق وأمر عباده ورسوله بالاستعاذة منهم بقوله تعالى
    { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ظ±لنَّاسِ }
    الناس 1 إلى قوله
    { مِن شَرّ ظ±لْوَسْوَاسِ }
    الناس 4 و
    { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ظ±لْفَلَقِ }
    الفلق 1،
    { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ظ±لشَّيـظ°طِينِ }
    المؤمنين 97،
    { فَإِذَا قَرَأْتَ ظ±لْقُرْءانَ فَظ±سْتَعِذْ بِظ±للَّهِ مِنَ ظ±لشَّيْطَـظ°نِ ظ±لرَّجِيمِ }
    النحل 98 فلو كان الله تعالى يضل عباده عن الدين كما تضل الشياطين لاستحق من المذمة مثل ما استحقوه ولوجب الاستعاذة منه كما وجب منهم، ولوجب أن يتخذوه عدواً من حيث أضل أكثر خلقه كما وجب اتخاذ إبليس عدواً لأجل ذلك، قالوا بل خصيصية الله تعالى في ذلك أكثر إذ تضليل إبليس سواء وجوده وعدمه فيما يرجع إلى حصول الضلال بخلاف تضليل الله فإنه هو المؤثر في الضلال فيلزم من هذا تنزيه إبليس عن جميع القبائح وإحالتها كلها على الله تعالى فيكون الذم منقطعاً بالكلية عن إبليس وعائداً إلى الله سبحانه وتعالى عن قول الظالمين. وسادسها أنه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى غيره وذمهم لأجل ذلك، فقال
    { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىظ° }
    طه 79،
    { وَأَضَلَّهُمُ ظ±لسَّامِرِىُّ }
    طه 85،
    { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ظ±لأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ }
    الأنعام 116،
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ظ±لْحِسَابِ }
    صغ¤ 26 وقوله تعالى حاكياً عن إبليس
    { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ }
    النساء 119 فهؤلاء إما أن يكونوا قد أضلوا غيرهم عن الدين في الحقيقة أو يكون الله هو الذي أضلهم أو حصل الإضلال بالله وبهم على سبيل الشركة فإن كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين دون هؤلاء فهو سبحانه وتعالى قد تقول عليهم إذ قد رماهم بدأبه وعابهم بما فيه وذمهم بما لم يفعلوه، والله متعالٍ عن ذلك وإن كان الله تعالى مشاركاً لهم في ذلك فكيف يجوز أن يذمهم على فعل هو شريك فيه ومساوٍ لهم فيه وإذا فسد الوجهان صح أن لا يضاف خلق الضلال إلى الله تعالى


    وسابعها أنه تعالى ذكر أكثر الآيات التي فيها ذكر الضلال منسوباً إلى العصاة على ما قال
    { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ظ±لْفَـظ°سِقِين }
    البقرة 26.
    { وَيُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ }
    إبراهيم 27،
    { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِى ظ±لْقَوْمَ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ }
    المائدة 67،
    { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ }
    غافر 34،
    { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ }
    غافر 28 فلو كان المراد بالضلال المضاف إليه تعالى هو ما هم فيه كان كذلك إثباتاً للثابت وهذا محال. وثامنها أنه تعالى نفى إلهية الأشياء التي كانوا يعبدونها من حيث أنهم لا يهدون إلى الحق قال
    { أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ظ±لْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن مَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىظ° }
    يونس 35 فنفى ربوبية تلك الأشياء من حيث إنها لا تهدي وأوجب ربوبية نفسه من حيث إنه سبحانه وتعالى يهدي فلو كان سبحانه وتعالى يضل عن الحق لكان قد ساواهم في الضلال وفيما لأجله نهى عن اتباعهم، بل كان قد أربى عليهم، لأن الأوثان كما أنها لا تهدي فهي لا تضل، وهو سبحانه وتعالى مع أنه إله يهدي فهو يضل. وتاسعها أنه تعالى يذكر هذا الضلال جزاء لهم على سوء صنيعهم وعقوبة عليه، فلو كان المراد ما هم عليه من الضلال كان ذلك عقوبة وتهديداً بأمرهم له ملابسون، وعليه مقبولون، وبه ملتذون ومغتبطون، ولو جاز ذلك لجازت العقوبة بالزنا على الزنا وبشرب الخمر على شرب الخمر، وهذا لا يجوز. وعاشرها أن قوله تعالى
    { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ظ±لْفَـظ°سِقِينَ ظ±لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ظ±للَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـظ°قِهِ }
    البقرة 26، 27 صريح في أنه تعالى إنما يفعل به هذا الإضلال بعد أن صار هو من الفاسقين الناقضين لعهد الله باختيار نفسه، فدل ذلك على أن هذا الإضلال الذي يحصل بعد صيرورته فاسقاً وناقضاً للعهد مغاير لفسقه ونقضه، وحادي عاشرها أنه تعالى فسر الإضلال المنسوب إليه في كتابه، إما بكونه ابتلاءً وامتحاناً، أو بكونه عقوبة ونكالاً، فقال في الابتلاء
    { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـظ°بَ ظ±لنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ }
    المدثر 31 أي امتحاناً إلى أن قال
    { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء }
    المدثر 31 فبين أن إضلاله للعبد يكون على هذا الوجه من إنزاله آية متشابهة أو فعلاً متشابهاً لا يعرف حقيقة الغرض فيه والضال به هو الذي لا يقف على المقصود ولا يتفكر في وجه الحكمة فيه بل يتمسك بالشبهات في تقرير المجمل الباطل كما قال تعالى
    { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـظ°بَهَ مِنْهُ ظ±بْتِغَاء ظ±لْفِتْنَةِ وَظ±بْتِغَاء تَأْوِيلِهِ }
    آل عمران 7 وأما العقوبة والنكال فكقوله
    { إِذِ ظ±لأغْلَـظ°لُ فِى أَعْنَـظ°قِهِمْ وظ±لسَّلَـظ°سِلُ يُسْحَبُونَ }
    غافر 71 إلى أن قال
    { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ }
    غافر 74 فبين أن إضلاله لا يعدو أحد هذين الوجهين وإذا كان الإضلال مفسراً بأحد هذين الوجهين وجب أن لا يكون مفسراً بغيرهما دفعاً للاشتراك، فثبت أنه لا يجوز حمل الإضلال على خلق الكفر والضلال وإذا ثبت ذلك فنقول بينا أن الإضلال في أصل اللغة الدعاء إلى الباطل والترغيب فيه والسعي في إخفاء مقابحه وذلك لا يجوز على الله تعالى فوجب المصير إلى التأويل، والتأويل الذي ذهبت الجبرية إليه قد أبطلناه فوجب المصير إلى وجوه أخر من التأويلات.

    أحدها أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء من غير أن يكون ذلك الشيء أثر في إضلاله فيقال لذلك الشيء إنه أضله قال تعالى في حق الأصنام
    { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ظ±لنَّاسِ }
    إبراهيم 36 أي ضلوا بهن، وقال
    { وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً }
    نوح 23، 24 أي ضل كثير من الناس بهم وقال
    { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـظ°ناً وَكُفْراً }
    المائدة 64 وقال
    { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً }
    نوح 6 أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فراراً وقال
    { فَظ±تَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىظ° أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى }
    المؤمنون 110 وهم لم ينسوهم في الحقيقة بل كانوا يذكرونهم الله ويدعونهم إليه ولكن لما كان اشتغالهم بالسخرية منهم سبباً لنسيانهم أضيف الإنساء إليهم وقال في براءة
    { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـظ°ذِهِ إِيمَـظ°ناً فَأَمَّا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـظ°ناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم }
    التوبة 124، 125 فأخبر سبحانه أن نزول السورة المشتملة على الشرائع يعرف أحوالهم فمنهم من يصلح عليها فيزداد بها إيماناً، ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كفراً، فإذن أضيفت الزيادة في الإيمان والزيادة في الكفر إلى السورة، إذ كانوا إنما صلحوا عند نزولها وفسدوا كذلك أيضاً، فكذا أضيف الهدى والإضلال إلى الله تعالى إذا كان إحداثهما عند ضربه تعالى الأمثال لهم وقال في سورة المدثر
    { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ظ±لَّذِينَ أُتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً }
    المدثر 31 فأخبر تعالى أن ذكره لعدة خزنة النار امتحان منه لعباده ليتميز المخلص من المرتاب فآلت العاقبة إلى أن صلح عليها المؤمنون وفسد الكافرون وأضاف زيادة الإيمان وضدها إلى الممتحنين فقال ليزداد وليقول ثم قال بعد قوله
    { مَاذَا أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء }
    المدثر 31 فأضاف إلى نفسه إضلالهم وهداهم بعد أن أضاف إليهم الأمرين معاً، فبين تعالى أن الإضلال مفسر بهذا الامتحان ويقال في العرف أيضاً. أمرضني الحب أي مرضت به ويقال قد أفسدت فلانة فلاناً وهي لم تعلم به، وقال الشاعر
    دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
    أي يغري الملوم باللوم، والإضلال على هذا المعنى يجوز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى أن الكافرين ضلوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات ففي هذه الآية الكفار لما قالوا ما الحاجة إلى الأمثال وما الفائدة فيها واشتد عليهم هذا الامتحان حسنت هذه الإضافة.

    وثانيها أن الإضلال هو التسمية بالضلال فيقال أضله أي سماه ضالاً وحكم عليه به وأكفر فلان فلاناً إذا سماه كافراً وأنشدوا بيت الكميت
    وطائفة قد أكفروني بحبكم وطائفة قالوا مسيء ومذنب
    وقال طرفة
    وما زال شربي الراح حتى أضلني صديقي وحتى ساءني بعض ذلكا
    أراد سماني ضالاً وهذا الوجه مما ذهب إليه قطرب وكثير من المعتزلة، ومن أهل اللغة من أنكره وقال إنما يقال ضللته تضليلاً إذا سميته ضالاً، وكذلك فسقته وفجرته إذا سميته فاجراً فاسقاً، وأجيب عنه بأنه متى صيره في نفسه ضالاً لزمه أن يصير محكوماً عليه بالضلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم مجاز مشهور وأنه مستعمل أيضاً لأن الرجل إذا قال لآخر فلان ضال جاز أن يقال له لم جعلته ضالاً ويكون المعنى لم سميته بذلك ولم حكمت به عليه فعلى هذا الوجه حملوا الإضلال على الحكم والتسمية. وثالثها أن يكون الإضلال هو التخلية وترك المنع بالقهر والجبر، فيقال أضله إذا خلاه وضلاله قالوا ومن مجازه قولهم أفسد فلان ابنه وأهلكه ودمر عليه إذا لم يتعهده بالتأديب، ومثله قول العرجي
    أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
    ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدىء أفسدت سيفك وأصدأته. ورابعها الضلال والإضلال هو العذاب والتعذيب بدليل قوله تعالى
    { إِنَّ ظ±لْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـظ°لٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ظ±لنَّارِ عَلَىظ° وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ }
    القمر 47، 48 فوصفهم الله تعالى بأنهم يوم القيامة في ضلال وذلك لا يكون إلا عذابهم وقال تعالى
    { إِذِ ظ±لأَغْلَـظ°لُ فِى أَعْنَـظ°قِهِمْ وظ±لسَّلَـظ°سِلُ يُسْحَبُونَ فِى ظ±لْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ظ±لنَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ظ±للَّهِ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ }
    غافر 71 ـ 74 فسر ذلك الضلال بالعذاب. وخامسها أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال كقوله
    { ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـظ°لَهُمْ }
    محمد 1 قيل أبطلها وأهلكها ومن مجازه قولهم ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكاً فيه ويقال أضللته أنا إذا فعلت ذلك به فأهلكته وصيرته كالمعدوم ومنه يقال أضل القوم ميتهم إذا واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يرى، قال النابغة
    وآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل
    وقال تعالى
    { وَقَالُواْ أءِذا ضَلَلْنَا في الأَرْض أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ }
    السجدة 10 أي أئذا اندفنا فيها فخفيت أشخاصنا فيحتمل على هذا المعنى يضل الله إنساناً أي يهلكه ويعدمه فتجوز إضافة الإضلال إليه تعالى على هذا الوجه، فهذه الوجوه الخمسة إذا حملنا الإضلال على الإضلال عن الدين. وسادسها أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة، قالت المعتزلة وهذا في الحقيقة ليس تأويلاً بل حملاً للفظ على ظاهره فإن الآية تدل على أنه تعالى يضلهم وليس فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم، فنحن نحملها على أنه تعالى يضلهم عن طريق الجنة ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل وهو اختيار الجبائي قال تعالى

    { كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىظ° عَذَابِ ظ±لسَّعِيرِ }
    الحج 4 أي يضله عن الجنة وثوابها. هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية. وسابعها أن نحمل الهمزة لا على التعدية بل على الوجدان على ما تقدم في أول هذه المسألة بيانه فيقال أضل فلان بعيره أي ضل عنه فمعنى إضلال الله تعالى لهم أنه تعالى وجدهم ضالين. وثامنها أن يكون قوله تعالى { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } من تمام قول الكفار فإنهم قالوا ماذا أراد الله بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه ثم قالوا يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وذكروه على سبيل التهكم فهذا من قول الكفار ثم قال تعالى جواباً لهم { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ظ±لْفَـظ°سِقِينَ } أي ما أضل به إلا الفاسق. هذا مجموع كلام المعتزلة،

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,560
    نستكمل مع الرازى قال:

    وقالت الجبرية لقد سمعنا كلامكم واعترفنا لكم بجودة الإيراد وحسن الترتيب وقوة الكلام ولكن ماذا نعمل ولكم أعداء ثلاثة يشوشون عليكم هذه الوجوه الحسنة؟ والدلائل اللطيفة أحدها مسألة الداعي وهي أن القادر على العلم والجهل والإهداء والإضلال لم فعل أحدهما دون الآخر؟ وثانيها مسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى
    { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }
    البقرة 7 وما رأينا لكم في دفع هذين الكلامين كلاماً محيلاً قوياً ونحن لا شك نعلم أنه لا يخفى عليكم مع ما معكم من الذكاء الضعف عن تلك الأجوبة التي تكلموا بها فكما أنصفنا واعترفنا لكم بحسن الكلام الذي ذكرتموه فأنصفوا أيضاً واعترفوا بأنه لا وجه لكم عن هذين الوجهين فإن التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء. وثالثها أن فعل العبد لو كان بإيجاده لما حصل إلا الذي قصد إيجاده لكن أحداً لا يريد إلا تحصيل العلم والاهتداء، ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال فكيف يحصل الجهل والإضلال للعبد مع أنه ما قصد إلا تحصيل العلم والاهتداء؟ فإن قيل إنه اشتبه عليه الكفر بالإيمان والعلم بالجهل فظن في الجهل أنه علم فقصد إيقاعه فلذلك حصل له الجهل قلنا ظنه في الجهل أنه علم ظن خطأ فإن كان اختاره أولاً فقد اختار الجهل والخطأ لنفسه وذلك غير ممكن وإن قلنا إنه اشتبه عليه ذلك بسبب ظن آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كل ظن ظن لا إلى نهاية وهو محال. ورابعها أن التصورات غير كسبية والتصديقات البديهية غير كسبية والتصديقات بأسرها غير كسبية فهذه مقدمات ثلاثة.


    المقدمة الأولى في بيان أن التصورات غير كسبية، وذلك لأن من يحاول اكتسابها فإما أن يكون متصوراً لها أو لا يكون متصوراً لها فإن كان متصوراً لها استحال أن يطلب تحصيل تصورها لأن تحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن متصوراً لها كان ذهنه غافلاً عنها والغافل عن الشيء يستحيل أن يكون طالبه. المقدمة الثانية في بيان أن التصديقات البديهية غير كسبية لأن حصول طرفي التصديق إما أن يكون كافياً في جزم الذهن بذلك التصديق أولاً يكون كافياً فإن كان الأول كان ذلك التصديق دائراً مع ذينك التصورين على سبيل الوجوب نفياً وإثباتاً وما كان كذلك لم يكن مقدوراً، وإن كان الثاني لم يكن التصديق بديهياً بل متوقفاً فيه. المقدمة الثالثة في بيان أن التصديقات بأسرها غير كسبية وذلك لأن هذه النظريات إن كانت واجبة اللزوم عن تلك البديهيات التي هي غير مقدورة كانت تلك النظريات أيضاً غير مقدورة. وإن لم تكن واجبة اللزوم عن تلك البديهيات لم يمكن الاستدلال بتلك البديهيات على تلك النظريات، فلم تكن تلك الاعتقادات الحاصلة في تلك النظريات علوماً، بل لا تكون إلا اعتقاداً حاصلاً للمقلد وليس كلامنا فيه، فثبت أن كلامكم في عدم إسناد الاهتداء والضلال إلى الله تعالى معارض بهذه الوجوه العقلية القاطعة التي لا جواب عنها. ولنتكلم الآن فيما ذكروه من التأويلات أما التأويل الأول فساقط لأن إنزال هذه المتشابهات هل لها أثر في تحريك الدواعي أو ليس لها أثر في ذلك؟ فإن كان الأول وجب على قولكم أن يقبح لوجهين، الأول أنا قد دللنا في تفسير قوله
    { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ }
    البقرة7 على أنه متى حصل الرجحان فلا بدّ وأن يحصل الوجوب وأنه ليس بين الاستواء وبين الوجوب المانع من النقيض واسطة، فإذا أثر إنزال هذه المتشابهات في الترجيح وثبت أنه متى حصل الترجيح فقد حصل الوجوب فحينئذٍ جاء الجبر وبطل ما قلتموه. الثاني هب أنه لا ينتهي إلى حد الوجوب إلا أن المكلف ينبغي أن يكون مزاح العذر والعلة وإنزال هذه المتشابهات عليه مع أن لها أثراً في ترجيح جانب الضلال على جانب الاهتداء كالعذر للمكلف في عدم الإقدام على الطاعة فوجب أن يقبح ذلك من الله تعالى، وأما إن لم يكن لذلك أثر في إقدامهم على ترجيح جانب الضلال على جانب بالاهتداء كانت نسبة هذه المتشابهات إلى ضلالهم كصرير الباب ونعيق الغراب فكما أن ضلالهم لا ينسب إلى هذه الأمور الأجنبية كذلك وجب أن لا ينسب إلى هذه المتشابهات بوجه ما، وحينئذٍ يبطل تأويلهم، أما التأويل الثاني وهو التسمية والحكم فهو وإن كان في غاية البعد لكن الإشكال معه باقٍ لأنه إذا سماه الله بذلك وحكم به عليه فلو لم يأتِ المكلف به لانقلب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهلاً، وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال، فكان عدم إتيان المكلف به محالاً وإتيانه به واجباً وهذا عين الجبر الذي تفرون منه وأنه ملاقيكم لا محالة، وههنا ينتهي البحث إلى الجوابين المشهورين لهما في هذا المقام وكل عاقل يعلم ببديهة عقله سقوط ذلك، وأما التأويل الثالث وهو التخلية وترك المنع فهذا إنما يسمى إضلالاً إذا كان الأولى والأحسن بالوالد أن يمنعه عن ذلك فأما إذا كان الولد بحيث لو منعه والده عن ذلك لوقع في مفسدة أعظم من تلك المفسدة الأولى لم يقل أحد أنه أفسد ولده وأضله، وههنا الأمر بخلاف ذلك لأنه تعالى لو منع المكلف جبراً عن هذه المفسدة لزمت مفسدة أخرى أعظم من الأولى، فكيف يقال إنه تعالى أفسد المكلف وأضله بمعنى أنه ما منعه عن الضلال مع أنه لو منعه لكانت تلك المفسدة أعظم وأما التأويل الرابع فقد اعتراض القفال عليه فقال لا نسلم بأن الضلال جاء بمعنى العذاب أما قوله تعالى

    { إِنَّ ظ±لْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـظ°لٍ وَسُعُرٍ }
    القمر 47 فيمكن أن يكون المراد في ضلال عن الحق في الدنيا وفي سعر أي في عذاب جهنم في الآخرة ويكون قوله { يَوْمَ يُسْحَبُونَ } من صلة سعر وأما قوله تعالى { إِذَ ظ±لأَغْلَـظ°لُ فِى أَعْنَـظ°قِهِمْ } إلى قوله { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ } فمعنى قوله ضلوا عنا أي بطلوا فلم ينتفع بهم في هذا اليوم الذي كنا نرجو شفاعتهم فيه ثم قوله { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ } قد يكون على معنى كذلك يضل الله أعمالهم أي يحبطها يوم القيامة، ويحتمل كذلك يخذلهم الله تعالى في الدنيا فلا يوفقهم لقبول الحق إذ ألفوا الباطل وأعرضوا عن التدبر، فإذا خذلهم الله تعالى وأتوا يوم القيامة فقد بطلت أعمالهم التي كانوا يرجون الانتفاع بها في الدنيا، وأما التأويل الخامس وهو الإهلاك فغير لائق بهذا الموضع لأن قوله تعالى { وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } يمنع من حمل الإضلال على الإهلاك. وأما التأويل السادس وهو أنه يضله عن طريق الجنة فضعيف لأنه تعالى قال { يُضِلُّ بِهِ } أي يضل بسبب استماع هذه الآيات والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب استماع هذه الآيات بل بسبب إقدامه على القبائح فكيف يجوز حمله عليه. وأما التأويل السابع وهو أن قوله { يُضِلُّهُ } أي يجده ضالاً قد بينا أن إثبات هذه اللغة لا دليل عليه وأيضاً فلأنه عدى الإضلال بحرف الباء فقال { يُضِلُّ بِهِ } والإضلال بمعنى الوجدان لا يكون معدى بحرف الباء. وأما التأويل الثامن فهو في هذه الآية يوجب تفكيك النظم لأنه إلى قوله { يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً } من كلام الكفار ثم قوله { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ظ±لْفَـظ°سِقِينَ } كلام الله تعالى من غير فصل بينهما بل مع حرف العطف وهو الواو، ثم هب أنه ههنا كذلك لكنه في سورة المدثر وهو قوله { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } لا شك أنه قول الله تعالى فهذا هو الكلام في الإضلال.

    أما الهدى فقد جاء على وجوه أحدها الدلالة والبيان قال تعالى
    { أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا }
    السجدة 26 وقال
    { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ }
    البقرة 38 وهذا إنما يصح لو كان الهدى عبارة عن البيان وقال
    { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ظ±لظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ظ±لأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ظ±لْهُدَىظ° }
    النجم 23 وقال
    { إِنَّا هَدَيْنَـظ°هُ ظ±لسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }
    الإنسان 3 أي سواء شكر أو كفر فالهداية قد جاءته في الحالتين وقال
    { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـظ°هُمْ فَظ±سْتَحَبُّواْ ظ±لْعَمَىظ° عَلَى ظ±لْهُدَىظ° }
    فصلت 17 وقال
    { ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ظ±لْكِتَـظ°بَ تَمَامًا عَلَى ظ±لَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ }
    الأنعام 154 وهذا لا يقال للمؤمن وقال تعالى حكاية عن خصوم داود عليه السلام
    { وَلاَ تُشْطِطْ وَظ±هْدِنَا إِلَىظ° سَوَاء ظ±لصّرظ°طِ }
    صغ¤ 22 أي أرشدنا وقال
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ ظ±رْتَدُّواْ عَلَىظ° أَدْبَـظ°رِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ظ±لْهُدَى ظ±لشَّيْطَـظ°نُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىظ° لَهُمْ }
    محمد 25 وقال
    { أَن تَقُولَ نَفْسٌ يظ°حَسْرَتَىظ° عَلَىظ° مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ظ±للَّهِ }
    الزمر 56 إلى قوله
    { أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ظ±للَّهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ ظ±لْمُتَّقِينَ }
    الزمر 57 إلى قوله
    { بَلَىظ° قَدْ جَاءتْكَ ءايَـظ°تِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَظ±سْتَكْبَرْتَ }
    الزمر 59 أخبر أنه قد هدى الكافر مما جاءه من الآيات وقال
    { أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا ظ±لْكِتَـظ°بُ لَكُنَّا أَهْدَىظ° مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَهُدًى }
    الأنعام 157 وهذه مخاطبة للكافرين. وثانيها قالوا في قوله
    { وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىظ° صِرظ°طٍ مُّسْتَقِيمٍ }
    الشورى 52 أي لتدعو وقوله
    { وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ }
    الرعد 7 أي داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى. وثالثها التوفيق من الله بالألطاف المشروطة بالإيمان يؤتيها المؤمنين جزاء على إيمانهم ومعونة عليه وعلى الازدياد من طاعته، فهذا ثواب لهم وبإزائه ضده للكافرين وهو أن يسلبهم ذلك فيكون مع أنه تعالى ما هداهم يكون قد أضلهم، والدليل على هذا الوجه قوله تعالى
    { وَظ±لَّذِينَ ظ±هْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى }
    محمد 17،
    { وَيَزِيدُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ظ±هْتَدَواْ هُدًى }
    مريم 76،
    { وَظ±للَّهُ لاَ يَهْدِى ظ±لْقَوْمَ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ }
    آل عمران 86،
    { يُثَبّتُ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ بِظ±لْقَوْلِ ظ±لثَّابِتِ فِى ظ±لْحَيَوظ°ةِ ظ±لدُّنْيَا وَفِى ظ±لاْخِرَةِ وَيُضِلُّ ظ±للَّهُ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ }
    إبراهيم 27،
    { كَيْفَ يَهْدِى ظ±للَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـظ°نِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ ظ±لرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ ظ±لْبَيّنَـظ°تُ وَظ±للَّهُ لاَ يَهْدِى ظ±لْقَوْمَ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ }
    آل عمران 86 فأخبر أنه لا يهديهم وأنهم قد جاءهم البينات، فهذا الهدى غير البيان لا محالة، وقال تعالى
    { وَمَن يُؤْمِن بِظ±للَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ }
    التغابن 11
    { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه }
    المجادلة22. ورابعها الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى
    { فَأَمَّا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ بِظ±للَّهِ وَظ±عْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرظ°طاً مُّسْتَقِيماً }


    النساء 175 وقال
    { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ظ±للَّهِ نُورٌ وَكِتَـظ°بٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ ظ±للَّهُ مَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ظ±لسَّلَـظ°مِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ إِلَى ظ±لنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىظ° صِرظ°طٍ مُّسْتَقِيمٍ }
    المائدة 15، 16 وقال
    { وَظ±لَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ظ±للَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـظ°لَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ظ±لْجَنَّةَ }
    محمد 4 ـ 6 والهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى الجنة، وقال تعالى
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ظ±لأَنْهَـظ°رُ }
    يونس 90 وهذا تأويل الجبائي، وخامسها الهدى بمعنى التقديم يقال هدى فلان فلاناً أي قدمه أمامه، وأصل هدى من هداية الطريق لأن الدليل يتقدم المدلول، وتقول العرب أقبلت هوادي الخيل. أي متقدماتها ويقال للعنق هادي وهوادي الخيل أعناقها لأنها تتقدمها، وسادسها يهدي أي يحكم بأن المؤمن مهتد وتسميته بذلك لأن حقيقة قول القائل هداه جعله مهتدياً، وهذا اللفظ قد يطلق على الحكم والتسمية قال تعالى
    { مَا جَعَلَ ظ±للَّهُ مِن بَحِيرَةٍ }
    المائدة 103 أي ما حكم ولا شرع، وقال
    { إِنَّ ظ±لْهُدَىظ° هُدَى ظ±للَّهِ }
    آل عمران 73 معناه أن الهدى ما حكم الله بأنه هدى وقال
    { ومَن يَهْدِ ظ±للَّهُ فهو المهتد }
    الإسراء97 أي من حكم الله عليه بالهدى فهو المستحق لأن يسمى مهتدياً فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة وقد تكلمنا عليها فيما تقدم في باب الإضلال. قالت الجبرية وههنا وجه آخر وهو أن يكون الهدى بمعنى خلق الهداية والعلم، قال الله تعالى
    { وَظ±للَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ ظ±لسَّلاَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىظ° صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
    يونس 25 قالت القدرية هذا غير جائز لوجوه أحدها أنه لا يصح في اللغة أن يقال لمن حمل غيره على سلوك الطريق كرهاً وجبراً أنه هداه إليه وإنما يقال رده إلى الطريق المستقيم وحمله عليه وجره إليه فأما أن يقال إنه هداه إليه فلا، وثانيها لو حصل ذلك بخلق الله تعالى لبطل الأمر والنهي والمدح والذم والثواب والعقاب، فإن قيل هب أنه خلق الله تعالى إلا أنه كسب العبد قلنا هذا الكسب مدفوع من وجهين الأول أن وقوع هذه الحركة إما أن يكون بتخليق الله تعالى أو لا يكون بتخليقه، فإن كان بتخليقه، فمتى خلقه الله تعالى استحال من العبد أن يمتنع منه، ومتى لم يخلقه استحال من العبد الإتيان به، فحينئذٍ تتوجه الإشكالات المذكورة وإن لم يكن بتخليق الله تعالى بل من العبد فهذا هو القول بالاعتزال، الثاني أنه لو كان خلقاً لله تعالى وكسباً للعبد لم يخل من أحد وجوه ثلاثة، إما أن يكون الله يخلقه أولاً ثم يكتسبه العبد أو يكتسبه العبد أولاً ثم يخلقه الله تعالى. أو يقع الأمران معاً، فإن خلقه الله تعالى كان العبد مجبوراً على اكتسابه فيعود الإلزام وإن اكتسبه العبد أولاً فالله مجبور على خلقه، وإن وقعا معاً وجب أن لا يحصل هذا الأمر إلا بعد اتفاقهما لكن هذا الاتفاق غير معلوم لنا فوجب أن لا يحصل هذا الاتفاق، وأيضاً فهذا الاتفاق وجب أن لا يحصل إلا باتفاق آخر، لأنه من كسبه وفعله، وذلك يؤدي إلى ما لا نهاية له من الاتفاق وهو محال هذا مجموع كلام المعتزلة قالت الجبرية إنا قد دللنا بالدلائل العقلية التي لا تقبل الاحتمال، والتأويل على أن خالق هذه الأفعال هو الله تعالى، إما بواسطة أو بغير واسطة، والوجوه التي تمسكتم بها وجوه نقلية قابلة للاحتمال والقاطع لا يعارضة المحتمل فوجب المصير إلى ما قلناه وبالله التوفيق

    المسألة السابعة عشرة قال الفراء الفاسق أصله من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة، وتسمى الفأرة فويسقة لخروجها لأجل المضرة، واختلف أهل القبلة في أنه هل هو مؤمن أو كافر، فعند أصحابنا أنه مؤمن، وعند الخوارج أنه كافر، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر، واحتج المخالف بقوله تعالى
    { بِئْسَ ظ±لاسْمُ ظ±لْفُسُوقُ بَعْدَ ظ±لإِيمَان }
    الحجرات 11 وقال
    { إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ هُمُ الْفَـظ°سِقُونَ }
    التوبة 17 وقال
    { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ظ±لإِيمَـظ°نَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ظ±لْكُفْرَ وَظ±لْفُسُوقَ وَظ±لْعِصْيَانَ }
    الحجرات 7 وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام.

    وقال السمين

    وقُرئَ: { يُضِلُّ به كثيرٌ ويُهْدىظ° به كثيرٌ، وما يُضَلُّ به إلا الفاسقُون } بالبناء للمفعول، وقُرئَ أيضاً: { يَضِلُّ به كثيرٌ ويَهْدي به كثيرٌ، وما يَضِلُّ بِه إلا الفاسقون } بالبناء للفاعل، قال بعضهم: " وهي قراءة القَدَرِيَّة " قلت: نقل ابنُ عطية عن أبي عمرو الداني أنها قراءةُ المعتزلة، ثم قال: " وابنُ أبي عَبْلة مِنْ ثِقات الشاميّين " يعني قارئها، وفي الجملة فهي مخالفةٌ لسواد المصحف. فإن قيل: كيف وَصَف المهتدين هنا بالكثرةِ وهم قليلون، لقوله تعالى:
    { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ }
    [ص: 24]
    { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ظ±لشَّكُورُ }
    [سبأ: 13]؟ فالجوابُ أنهم وإن كانوا قليلين في الصورة فهم كثيرون في الحقيقةِ كقولِهِ:
    313ـ إنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلادِ وإنْ قَلُّوا كما غيرهُم قَلَّ وإنْ كَثُروا
    فصار ذلك باعتبارَيْن.

    قوله: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ظ±لْفَاسِقِينَ }. الفاسقين: مفعولٌ لـ " يُضِلُّ " وهو استثناءٌ مفرغٌ، وقد تقدَّم معناه، ويجوزُ عند الفراء أن يكونَ منصوباً على الاستثناء، والمستثنى منه محذوفٌ تقديرُه: وما يُضِلُّ به أحداً إلا الفاسقين كقوله:
    314ـ نَجا سالمٌ والنَّفْسُ منه بشِدْقِه ولِمَ يَنْجُ إلا جَفْنَ سيفٍ ومِئْزَرا
    أي: لم ينجُ بشيء، ومنعَ أبو البقاء نصبَه على الاستثناءِ، كأنه اعتبرَ مذهبَ جمهورِ االبصريين.

    والفِسْقُ لغةً: الخروجُ، يقال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرِها، أي: خَرَجَتْ، والفَاسِقُ خارجٌ عن طاعةِ الله تعالى، يقال: فَسَق يفسُقُ ويفسِقُ بالضم والكسر في المضارع فِسْقاً وفُسوقاً فهو فاسقٌ. وزعم ابن الأنباري أنه لم يُسْمع في كلامِ الجاهلية ولا في شعرها فاسِقٌ، وهذا عجيب، قال رؤبة:
    315ـ يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْراً غائراً فواسِقاً عن قَصْدِها جَوائِزاً

صفحة 2 من 30 الأولىالأولى 12345612 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •